1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

مميز الطيب صالح غازيا ثقافيا

الموضوع في 'مفاهيم نقدية' بواسطة سامي البدري, بتاريخ ‏20/3/15.

  1. الطيب صالح غازيا ثقافيا

    سامي البدري/ روائي وناقد


    لن آتي بجديد إذا ما قلت أن ثمة، ليس فقط ما يشد، بل ما يسحر المثقف العربي في الحضارة الأوربية ومروج ثقافاتها النضرة، وبالتأكيد أنا أعني بهذا النزوع والتشوق إلى كل مميزات وثراء مباهج قصر الثقافة والحضارة الأوربيين، من دون سلة نفاياته طبعا، ذلك القصر الذي لفت جميع الأنظار والإهتمام بثراء تأثيثه المعرفي والفكري (الثقافي)، وهذا بالذات ما حاول (الطيب صالح) الروائي السوداني الكبير، وصاحب أكبر إنعطافة فنية في تاريخ الرواية العربية، إيصاله إلينا، عبر صفحات غزوته (موسم الهجرة إلى الشمال) لتلك الحضارة، في عقر دارها.

    لعل أهم ما ميز (غزوة) الطيب صالح عن غزوات من سبقوه من الأدباء العرب إلى ديار (الإفرنجة)، موضوعيته في النظر لمنجز و(أخلاقيات) تلك الحضارة (موضع إتهامها الأول من قبل الثقافة العربية) أولا، وتجرده في تقييم تلك الحضارة وثقافتها، ثانيا، بعيدا عن التعصب والأحكام المسبقة والإنفعال البدوي الذي شد طريقة نظر الأدباء العرب، الذين سبقوا الطيب صالح في غزو ديار المستعمِر القديم، ومن منطلق ان الموضوعية والأمانة الفكرية، تفرض علينا مكاشفة النفس، بالجذور البدوية لثقافتنا العربية، والتي لم نستطع الفكاك منها، وخاصة على صعيد التقييم وإصدار الأحكام المسبقة التي فرضتها حقبة الإستعمار ورجال العسكر، الذين إحتككنا بهم، كواجهة لفعل الثقافة الأوربية على أراضينا.

    يصف الطيب صالح، وعلى لسان راوي (موسم الهجرة إلى الشمال) البريطانيين، مستعمريّ السودان السابقين، لأهل قريته، وبعد أن أقام بين ظهرانيهم سبع سنوات ودرس في جامعاتهم بقوله: (إنهم مثلنا يعملون ويتزوجون وينجبون الأطفال...) وهذا التبسيّط الذي فرضه المستوى المتواضع لثقافة المخاطب، اهل قريته الرابضة عند منحنى نهر النيل، ربما فرضته الأمانة العفوية للراوي، الذي إقتصرت مشاهداته لتلك الحضارة على هيكلية وآليات الحياة البريطانية العامة، ومن دون الغور في أعماقها الثقافية، وخاصة ان الراوي ولد بعد رحيل المستعمِر ولم يشهد ممارساته، بصورة مباشرة؛ وأيضا لم يشهد ـ وهذا ما يحرص الصالح أن يلفت نظر المتلقي إليه ـ إلا الجانب المشرق منها، خلال سنوات دراسته في جامعاتها، هو القروي الذي تدهشه القشور، وتجعله غير منحاز لماضيه في الحكم، وخاصة ـ وهذا ما ركز الصالح على إظهاره في الرواية ـ أن ثقافة الراوي البسيطة أو خلفيته الثقافية القروية، هي من كانت وراء ذلك التصور، لأنه كان يرى إنه المثقف الوحيد في تلك البقعة المهمشة من قرى السودان.. وهذا ما تؤكده ثورته على بطل الرواية، مصطفى سعيد إبن العاصمة، الخرطوم، عندما يسمعه، في ساعة راحة، تحت تأثير الشراب، يردد أبياتا من الشعر الإنجليزي، وبلغتها الأم، بقوله وهو مهتاج: ما هذا؟ ما الذي تقوله؟، لأنه كان يتصور نفسه المثقف الوحيد في تلك البقعة من الأرض، إن لم يكن في كامل أرض السودان!... وكذلك في قوله، في موضع آخر من الرواية، وهو يتحدث عن صديقه محجوب: خفت من شدة غروري أن لا يفهم ما أقول.

    وبرأيي المتواضع، فإن ما عمد إليه الطيب صالح من متوازية بطليّ الرواية، الراوي ومصطفى سعيد، والفرق بين فهم وإنفعال وتقبل كل منهما لحضارة مستعمِرهما السابق، إنما جاء لدفع تهمة الإنحياز في رصده لمحاسن الحضارة الأوربية، وخاصة إنها تمثل حضارة المستعمِر السابق الذي مازالت آثار ندوب سياطه على جلود السودانيين، ومن دون التوقف أمام مساوئ وإشكالات هذه الحضارة الثقافية، على صعيد التعامل والسلوك الفعلي على مصطفى سعيد، بطل الرواية، لتأثره، بثمرات وألوان هذه الحضارة أو لإستعداده غير الطبيعي، للإنسلاخ عن جذوره، وخاصة فيما جسدته الرواية، في نهايتها الغائمة، بعودة مصطفى سعيد لأرض تلك الحضارة، بعد أن وجد نفسه عاجزا عن مواصلة الحياة في سكون الموات (الثقافي) الذي تعيشه تلك القرية المنسية (يتعمد الصالح عدم تسميتها إمعانا في إظهار هامشيتها) عند منحنى النيل، رغم أن مصطفى سعيد ـ ولأنه دخل بريطانيا وعاش تجربة حضارتها وهو في سن مبكرة ـ يعود إلى جذوره السودانية البعيدة، والغائمة في ذاكرته، بعد إصطدامه بثقل وعمق تجربته الحياتية في عمق تلك الحضارة وآلياتها (والتي دخلها غازيا، كما يردد في مذكراته وحصل وحقق في ظل إنفتاحها كل أحلامه وما تمناه) الثقافية المتطورة والمنفتحة ومرارة تجربة ذوبانه فيها، ومن ثم نكوصه إليها مرة ثانية، بعد إصطدامه بضحالة آليات ثقافة جذوره (السودانية) وسباتها وإستمرارها على نفس منوالها الأول الذي دفعه للهروب منها في بداية حياته وهو صبي، رغم أن ذلك الهروب قد جاء بناء على نصيحة وإختيار راعييه الإنسانيين، مستر ومسز روبنسن، اللذين وجدا أن حتى محيط ثقافة القاهرة سيكون ضيقا عليه ولن يحتوي قدراته العقلية.

    ولكن، وبما أننا هنا بصدد التركيز على النظر في الجانب السيكولوجي لهذه الإشكالية، أجدني مضطرا للقفز على جميع الجوانب العملية والعلمية والتنظيمية، إقتصادية وإقتصاد سياسية، والتي هي من ثمار دراسات مصطفى سعيد في جامعات تلك الحضارة (حضارة وثقافة الآخر) التي سعى لتطبيقها في (ثقافة) تلك القرية المهملة، من أجل الإرتقاء بها وبواقعها الزراعي المتخلف، لنصل إلى مناقشة الآثار الفكرية والنفسية التي خلفتها ثقافة مصطفى سعيد (المستوردة) في حياة وطرق تفكير وذائقة فلاحيّ تلك القرية وزوجته حسنة، على وجه الخصوص، كنموذج لها، والتي إقترن بها بعد عودته إلى وطنه الأم، وبصفته ممثلا ـ ثقافيا وحضاريا ـ لثقافته المكتسبة.. ورغم أن رجال القرية قد شدهم (علمه وسلوكه الرصين وأدبه الجم) إلا أن أثره الثقافي لم يظهر إلا في حياة حسنة، من دون باقي نسائها ورجالها، بما فيهم الراوي، بطل الظل في الرواية، أو المعادل الفني لا الموضوعي لمصطفى سعيد، بإعتباره قد خاض تجربة الإقتراب من ثقافة (الآخر) من دون إستيعابها أو تمثلها، كحراك ومفتاح تغيير.

    فحسنة، وبفضل إقترابها من صميم حياة مصطفى سعيد كزوج (آخر) لا يشبه الأزواج/الرجال الذين من حولها، وقفت على شذرات من ثقافته المختلفة، والتي تمثلت في تفهمها، على الأقل، لنكوصه عن جمود ثقافة القرية وسطحيتها، إن لم نقل تمسكها وإصرارها ـ القرية/السودان ـ على ذلك الجمود أولا، ولإخلاصها القائم على الوفاء لذكراه، لما لمسته فيه من إختلافات ثقافية و(تحضر) على مستوى التعامل الإنساني والإحترام لكينونتها الأنثوية المزدراة في ثقافة القرية، وحبه لها لذاتها ثانيا.. وأيضا لإمتلاك هذا الزوج (الآخر) والمختلف عن ثقافة رجال القرية، ما يميزه على مستوى المشاعر والعمق ثالثا، رغم تصريحه، في مذكراته الخاصة، التي يكشفها لنا الراوي فيا بعد، عن سلوكياته الإنفعالية، كغازي جنسي مع النساء وتسببه للكثير منهن بالألم والأذى النفسي.

    حسنة التي رملها نكوص وهروب مصطفى سعيد المفاجئ إلى ثقافته الأوربية، في موسم هجرته إلى الشمال، ووفاءً منها لذكراه، كآخر مختلف ومتوفر على ما شدها وأدهشها من ثقافته المكتسبة، نراها تسلم مفتاح غرفة مكتبه الخاص، التي يشبه سقفها ظهر الثور، والتي لم تدخلها ولم يطلعها على أسرارها، إلى بطل الرواية الظل، الراوي، لينفذ فيها وصية زوجها وفي ولديه أيضا، وإبداء الرأي أو تقرير مصير تركة فقيدها الثقافية والفكرية، والمتمثلة في مكتبتة التي تحتل جدران تلك الغرفة، التي لا تشبه غرف القرية؛ وكذلك في تركته الروحية المتمثلة في مذكراته الخاصة، رغم أن ذلك التنفيذ قد بلغ حد إنتقام الحرق، لفظاعة سلوك وقيم صاحبها، تخلصا من إكذوبة ظهور أو مرور مصطفى سعيد في تلك القرية، بحسب الراوي، ولتفوّق (أعاجيب) ثقافة سعيد على ثقافة ووعي وإستيعاب الراوي، القروي الذي لم يستطع الخروج من جلد ثقافته المحلية، رغم عيشه لسبع سنوات في بريطانيا ودراسته لحياة أحد شعرائها في جامعاتهم... هل لأنه كان محصنا ـ بثقافته المحلية ـ ضد عدوى جرثومة ثقافة الآخر ـ كما سماها مصطفى سعيد ـ أم لأنه لم يستطع هضم إلا قشور الحياة اليومية لتلك الثقافة؟ وهل إنغماس مصطفى سعيد في رغباته، بسبب وفرة أساليب إشباعها في ثقافة الآخر، هي جزء ثقافي من ثقافة الأخر، أم هي مجرد إنحراف في تكوين وذائقة مصطفى سعيد الفطريين، ساعدت الوفرة على إظهاره وإنضاجه؟ مصطفى سعيد يقول أنه ورث جرثومة العدوى من أيام إستعمار الآخر الذي يغزوه من أجل إسترجاع الحق.. أما ثقافيا فنقول إنه إنحراف في السلوك والذائقة، وكان عليه أن يكسب من الثقافة المتطورة ما يهذبهما.

    كما إن حسنة، ولنقل إنبهارا منها بثقافة مصطفى سعيد، وما مثلته لها من إنتقالة نوعية في توجيه وعيها وذائقتها، ترفض الزواج بغيره من رجال القرية، بعد رحيله، لإنغماسها وتلذذها بقيم ثقافة تعامله معها (المختلفة أم الأكثر تحضرا من ثقافة محيطها القروي؟) كأنثى، وعندما تجد إصرارا من أهلها على تزويجها، تضطر للطلب من بطل الظل، أن يتزوجها، من أجل أن يخلصها من الزواج من (ود الريس) العجوز (الذي عقله في رأس ذكره) كما تصفه بنت مجذوب، لأنها توسمت به، ومن خلال ثقة مصطفى به، ومن خلال دراسته في نفس مكان (ثقافة) زوجها المتحضر، في أن يكون متميزا بنفس ثقافة تعامل مصطفى، ذي الثقافة المختلفة، إن شئنا عدم إستخدام كلمة المتحضرة، طمعا في تخليصها من عملية الإغتيال الثقافي التي يمثلها لها الزواج من قروي... لن يشبه مصطفى سعيد بشيء من إختلافه (المتحضر).

    ويعمد الطيب صالح لإظهار ذلك الإختلاف الثقافي وأثره الكبير، لأنه يمثل إنتقالة ثقافية نوعية في حياة من يلامسه روحيا، بدفع حسنة، في لحظة اليأس النهائي بالإنتقام القهري من (ود الريس، بصفته رمز تخلف محيطها القروي الذي لا ينظر إليها إلا كوسيلة متعة) بقطع ذكره، (كرمز لإمتهانها من قبل ثقافة ذكورة مجتمعها) وقتل نفسها.

    والآن نصل إلى سؤال المكاشفة في قراءتنا هذه: أين الخلل في تشرب مصطفى سعيد للثقافة الأوربية، ولو كسلوك إنساني متحضر، لمسته حسنة؟ وهل كان نكوص وهروب أو عودة مصطفى سعيد إلى محيط ثقافته الشمالية (الثقافة الأوربية) غير هروب من ضحالة ثقافته الأم؟ ألم يكن هروب مصطفى سعيد هروبا من تحجر ثقافتنا العربية عند نقطة بعينها وعدم مسايرتها لسنن التقدم الطبيعية؟

    أعتقد إن الطيب صالح طالبنا بعملية مكاشفة شجاعة لبنانا الثقافية القائمة على الخوف الأعمى من الآخر والشك المسبق بنواياه، أولا من حيث كونه آخر بذاته، وثانيا إستنادا إلى لوثات ماضيه... متناسين أن كل شيء يتغير، وفقا لسنن تطور الحياة، بما فيها الإنسان، في بنى تفكيره وسلوكه، وإن علينا التوقف عن رفض الآخر الإنفعالي والتقرب منه وملامسته ودراسته بعناية، من أجل التعرف عليه أولا، ومن أجل فهم أسباب كونه آخر وإزالة اللبس عنها ثانيا.

    ***************************************
    الموضوع منشور في عدد اليوم من جريدة القدس العربي.
     
  2. عبدالإله فؤاد

    عبدالإله فؤاد مشرف السرد و النثر طاقم الإدارة

    برافو أستاذ سامي، قراءة جميلة وتحليل يساءل المسكوت عنه والمضمر وراء الخطاب. أتمنى أن تواصل مساءلة الرواية لتكشف لنا المزيد عن بنياتنا الاجتماعية التقليدية كما أشرت في الفقرة اﻷخيرة. . تحياتي لك، دمت مبدعا متألقا أخي العزيز. .
     
    أعجب بهذه المشاركة عبدالعاطي طبطوب
  3. عبدالعاطي طبطوب

    عبدالعاطي طبطوب مشرف مجلة مطر طاقم الإدارة

    شكرا للمساهمة والاغناء أخي الفاضل.
    وإن كان إعجابنا كبيرا حد قراءة وإعادة قراءة كتابات الأديب الكبير الطيب صالح رحمه الله لمرات عديدة، فقد أوقفتنا شخصيته و"غزواته".
     
  4. شكرا استاذ عبدالاله
    امتناني واحترامي العميقين
     
  5. امتناني العميق لبهاء اطلالة عبدالعاطي
    تقبل محبتي وشكي ايها الفاضل
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة