1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

حفيف أجنحة جبريل.

الموضوع في 'مختارات' بواسطة الشرادي محمد, بتاريخ ‏10/1/15.


  1. حفيف أجنحة جبريل


    بعد أن قرأت هذه النص و قد سماه البعض قصة ضمن قصص السهروردي قتيل حلب . سعدت بقراءته. و كثفت البحث عنه فعثرت عليه في كتاب
    شخصيات قلقة في الإسلام - من تأليف عبد الرحمن بدوي. عثرت عليه مذيلا بشروح شافية . فأدركت كم كنت بعيدا عن هذه النص الكبير . من أراد أن يقرأه و يظفر منه برصيد معرفي ، لا يمكن أن يتأتى له ذلك إلا بأمرين : 1 أن يتوفر على دليلا يكون له نبراسا في شعابه المعقدة 2- ان يكون عارفا بالمصطلحات الصوفية و رموزها .
    لأن هذا النص مثقل بالرمزية ، مفعم بالمصطلحات الصوفية . لايمكن لقارئ عاد أن يخرج منه بالنتيجة المرجوة إلا بما أسلفت من الشرطين. لهذا ارتأيت أن أشاطر الإخوة في مطر متعة فك شيفرة هذا النص الكبير. دعما لمجهود الأخ نقوس المهدينقوس المهدي في حديثه عن هذا النص / القصة.
    لـمَّا انطلقتُ من حُجرة النساء1، وتخلصتُ من بعض قيود ولفائف الأطفال2. كان ذلك فى ليلةٍ، انجاب فيها الغَسَقُ الشُّهَبىُّ الشكل، مستطيراً عن قبة الفلك اللازوردى، وتبددتْ الظُلمةُ التى هى أخت العدم3، على أطراف العالم السفلى.وبعد أن أمسيتُ فى غاية القنوط 4 من هجمات النوم، أخذتُ شمعاً 5 فى يدى، متضجراً،

    1 أي تخلصت من أكدار عالم الأجسام. و هو ينسب الأنوثة إلى هذا العالم بسبب أنه محل الإحساس و الشهوات و دار اللذائذ الطبيعية
    2 يقصد بالأطفال الحواس الظاهرة التي تخلص منها و قوله (بعض) قيد احترز به عن إدخال الحواس الباطنة و ذلك أن الحواس الباطنة هي آلات الإدراك و حوافظ المعاني .


    3 يقصد بها العدم فناء عالم المحسوسات أمام بصر و فراغ من كان مشغولا ، لأن عدم الاشتغال هو من خواض الليل.
    4 أي بعد أن يئست بسبب القيود الحسية
    5 يقصد بهذا الشمع العقل ، بمعنى أنه هو الذي يرشد النوع الإنساني بفض النور ، الذي يرفع الإنسان من حضيض الشقاء إلى أعالي السعادة.


    وقصدت إلى رجال قصر أمى1. وطوَّفتُ فى ذلك الليل ، حتى مطلع الفجر2. وعندئذ، سنح لى هَوَسُ دخولِ دهليز أبى3. وكان لذلك الدهليز، بابان: أحدهما إلى المدينة، والآخر إلى الصحراء والبساتين. قُمْتُ، فأغلقتُ الباب الذى يؤدى إلى المدينة، إغلاقاً محكما، وبعد رتجه، قصدتُ إلى الفتق الذى يؤدى إلى الصحراء.5 وعندما رفعتُ الترس، نظرتُ، وإذ عشرةُ شيوخٍ6، حسان السيماء، قد اصطفوا هناك صفاً صفاً. وقد أعجبتنى هيئتهم وجلالتهم وهيبتهم وعظمتهم وسناهم، وظهرتْ فىَّ حيرةٌ عظيمة من جمالهم وروعتهم، حتى انقطعتْ عنى مُكْنةُ نطقى.7 وفى وَجَلٍ عظيمٍ، وفى غايةٍ من الارتجاف، قَدَّمْتُ رجلا وأخَّرتُ أخرى. وعندئذ قلت لنفسى: لنتشجعْ، ولنكنْ مستعدين لخدمتهم، وليكن ما يكون.


    1 معنى هذا التعبير الرمزي غير واضح تماما. فإذا كانت الأم معناها الهيولى، أي الجسم، في مقابل الأب أي العقل،فإن (رجال قصر أمي) يمكن ان يقصد بهم الحواس الباطنة ، لذا يجب إذا أن نعطي لكلمة (النساء) المذكورة من قبل معنى (الحواس الظاهرة) ... هكذا لما انطلقت من حجرة النساء و معناها العلائق الجسمانية، قصدت قصر الرجال ، أي العالم الروحاني و الملائكة، و هذا هو ابتداء سلوك الطريق إلى العالم المعقول.

    2 يقصد بمطلع الفجر الإرادة الغيبية و ظهور أنوار علم إلهي.

    3 يصد بالدهليز وجود نفسه ، و بأبيه علة وجود نفسه، و هي العقل. فإذا كان حقا، يمكننا إطلاق فعل الأب على فعل العلة، و يقصد بدخول الدهليز سر باطنه و التفكير في أرجاء نفسه.

    4 يصد بهذين البابين: النفس و الجسم، فإنهما بابان أحدهما لعالم النفسيات و الآخر لعالم الجسمانيات،و الباب الذي إلى المدينة يحدد التعلق بعالم الأجسام،و الباب الذي إلى الصحراء ، و البساتين يحدد التعلق بعالم الأرواح .

    5 أي تركت المحسوسات و اتجهت إلى المعقولات.
    6 برؤية هؤلاء الشيوخ العشرة يكشف المصنف عن العقول العشرة التي هي فوق دنس الهيولى و مقدسة عن المواد الجسمانية، يعني انكشت لي الملائكة المقربون من الله الذي يلازمون سر عزة الله المغيب. و هم الوسائط بين واجب الوجود ، و النفوس الإنسانية.


    فسرتُ رويداً إلى الأمام1، للسلام على الشيخ الذى وقف فى طرف الصف2، غير أنه بسبب غاية حسن خُلقه، سبقنى بالسلام، وتبسَّم فى وجهى تبسُّماً 3 لطيفاً، حتى تجلَّى شكلُ نواجذه أمام حدقتى 4. ورغم مكارم أخلاقه وشِيَمه بقيتْ مهابته تغلب على نفسى. فسألته: من أين أقبل هؤلاء السادة، إن جاز لى السؤال؟ فأجابنى الشيخُ الذى على طرف الصف، قائلاً: إننا جماعة متجردون، وقد وصلنا إليك من حيث أين لا أين 5 . لم أفهم مقاله، فسألته: فى أى إقليم توجد تلك المدينة ؟ فقال: فى إقليم لا تجد السبَّابة إليه متجهاً 6. وإذ ذاك علمت أنه شيخٌ مطَّلع 7. قلت: أخبرنى بفضلكم، ما الذى يشغلكم.

    1 لم اجد نفسي بعد على استعدادا للاتصال بهم ، و التحدث إليهم، نظرا إلى أن ذكرى بعض التعلق المادي وقفت حائلة بيني، و بينهم.

    2 الشيخ الذي وقف في طرف الصف يمثل العقل الفعال . فإشارة المصنف إلى انه في طرف الصف إنما لأن وجوده و مرتبته متأخران عن العقول الأخرى.و يسمى آخر العقول لأنه واهب الصور للمواد المستعدة لتقبلها، و هو الواسطة بين واجب الوجود و بين النفوس البشرية ، و يسمى أيضا روح القدس، و في الشرع يسمى جبرائيل.

    3 يقصد بتبسمه انكشاف العلم و فيض الشيخ به ، و استعداده هو لتليه.

    4 يثبتون عدمهم من المكان لأنه من خواص الجسام ، و العقول روحانية مطلقة لنها مجردة عن المواد الفلكية .

    5 سلب الأينية التي هي من الأعراض الجسمانية و إحدى المقولات العشر.و يرسم (الأين) بأنه الهيأة العارضة للجسم في نسبته إلى المكان.

    6 كل ما يشار إليه بالأصبع فهو جسم، و نحن قد نفينا الجسمية عن العقول.

    7 أي اعترفت بتجردهم عن المادة.

    أكثر أوقاتكم؟ قال: إن حرفتنا الخياطة 1، وكل واحدٍ منا يحفظ كلام الرب عن سلطانه2، وإننا لسائحون3. سألته ولماذا يلازم الصمت هؤلاء الشيوخ، الذين يقفون على رأسك؟ فأجاب: لأن أمثالكم ليسوا أهلا لمحاورتهم4، أنا لسانهم5، وأما هم فلا يكلمون أشباهك...

    1يقصد بالخياطة أنه يهب الصور إلى الهيولى المستعدة لها بحسب حال هذه الهيولى، فإن الخياطة هي التي تعطي القميص صورة القميص و هي العلة الفاعلة للقميص، و كذلك الخياطة هي انتظام سلسلة الموجودات بصورة مناسبة.

    2 يقصد بحفظ كلام الرب العلوم و المعارف الحاصلة فيها من الواجب.

    3 يقصد بالسياحة انتشار فوائدهم على الموجودات.

    4 لا يصلح كل عقل للاتصال بقربهم.

    5 كل فيض يحتويه استعدادك، أنا الذي أفيض به بوصفي وسيطهم.


    فرأيت ركوة ذات أحد عشر ثنيا 1 مطروحة في صحن و في وسطها در من الماء ، و في وسط الماء رمل متماسك 2 ، و على جوانب ذلك الرمل يتحرك حيوان عديد3. و في كل طبقة من طبقة الركوة ذات الأحد عشر ثنيا ، اعني في كل خلية من الخلايا التسع العليا ، كان قد أثبت زِرٌّ نَيِرٌ ،إلا في الطبقة الثانية التي كان أزرارها 4 النيرة كثيرة جدا مرتبطة على نمط تلك العمائم المغربية التي يضعها أصحاب التصوف على رؤوسهم 5. أما الطبقة العليا فلم يكن في أي زرٍّ 6. ومع هذا كله كانت تلك الركوة في غاية الاستدارة على هيأة كرة 7 . و لم تكن في فرجة، والواقع أنه لم يكن على سطوحها رتق و لا فتق. و قد كانت تلك الطبقات التسع من غير لون .و لأجل ما هي عليه من غاية اللطافة لم يحتجب شيء مما في مقاعيرها. 8 و لم يتمكن أحد ان يخرق تلك الثنايا التسع العليا 9 خرقا ، و لكنه كان من السهل أن تثقب الطبقتان السفليتان. 10

    فسألت الشيخ: ما هي تلك الركوة؟ قال : اعلم أن الثني الأول الذي جرمه أعظم من جملة الطبقات 11 يصرف في ترتيبها و تركيبها ذلك الشيخ الذي يقف فوقهم جميعا، و كذلك الشيخ الثاني في الثني الثاني،و الثالث و هلم جرا إلى أن نصل إليَّ .

    1 يقصد المؤلف بهذه الركوة ذات الأحد عشر ثنيا كرة العالم ،و تسعة من هذه الثنايا هي الأفلاك التسعة ، و الاثنان الآخران أحدهما العنصر الناري و الثاني العنصر الهوائي ، لأن العنصر الهوائي ، و كلاهما محاط بالأفلاك.

    2 يصد بالقدر من الماء العنصر المائي و بالرمل المتماسك مركز الأرض ، و بهذا يكون قد ذكر العناصر الأربعة . و هو لا يقول بأن ثمت ثلاثة عشر ثنيا ، لن جوهر الماء و مركز الأرض لا يدخلان فيها ، لنهما معا في حاجة ضرورية إلى شيء محيط، و هو يذكر هذه الثنايا الحد عشر نظرا إلى كرويتها و استدارتها و إحاطتها.

    3 يقصد بهذا جنس الحيوانات ، وتحته انواع كثيرة: مثل الإنسان ... الفرس إلخ. وكل نوع له أصناف كثيرة ، مثل الروسي و الحبشي إلخ.وكل صنف يشمل أشخاصا و أفرادا كثيرة مثل زيد و بكر إلخ الذين يسكنون الربع المعمور من الأرض.

    4 يعني أنه يوجد في كل من الأفلاك التسعة كوكب دري ، اللهم إلا في الفلك الثامن ففيه ركزت كواكب كثيرة.

    5 لعل العمائم المغربية ترمز هنا إلى حركة الأفلاك و دورانها من المغرب إلى الشرق. و على عكس أرسطو يرى كثير من الفلكيين العرب أن الفلك الثامن يتحرك هو الآخر من العرب إلى الشرق.

    6 الفلك التاسع خال من الكواكب ، وهو أعظمها .و السبب في ان الشيخ يتحدث عن الطبقة الأولى و الثانية ، و يقصد يهما الفلك الثامن و التاسع، و هما فلك البروج و الفلك الأعظم ، هو أن بصيرته تحيط بكرة الأفلاك ، و ما هو بالنسبة إلينا طبقة تاسعة، هو بالنسبة إليه طبقة أولى ، إلخ .

    7 يعني أن كرة الأفلاك لها حركة غاية في الاستدارة ، و لايقبل الخط المستقيم ، لذى فيه النطة تحاذي النقطة.

    8 إنه لا لون لها ، لأن السطح المقعر منظور من خلال السطح المحدب ، فإن الكثافة تحول دون رؤية ما وراءها. و على هذا فنحن نرى كل هذه الكواكب من خلال الفلك الأول ، على الرغم من أنها تضيء في الواقع من أعلى الفلك الثامن ، أعني فلك البروج. فواضح إذا إنه إذا لم تحجب الأفلاك بعضها بعضا ، فهذا إنما يرجع إلى غاية اللطافة في أجرامها و إلى شفوفها و عدم لونها .

    9 يريد المصنف أن يقول أن إنه لا يمكن فتق الأفلاك و لا رتقها ، و عند الحكماء (الفلاسفة) براهين قاطعة على أن أجرم الأفلاك غير قابلة للفتق و الرتق ، وليس هذا موضع إيرادها.

    10 يشير المؤلف إلى صعوبة رتق فلك النار و فلك الهواء ، و إلى لطافتهما ، لأن اللطافة معناها قبول الانقسام إطلاقا.

    11 اعلم ان المؤلف يقصد بالطبقة العظمى الفلك الأعظم ، و بالشيخ ( الذي يقف فوقهم جميعا ) العقل الأول ، ويعني أن الفلك الأعظم معلول للعقل الأول ، و يقصد بالطبقة الثانية فلك البروج الذي هو معلول للعقل الثاني ، وهكذا دواليك . و على هذا التقدير فإنه من الواضح إن هذه الأفلاك التسعة معلولات للعقول التسعة. اما الطبقتنا السفليتان و القدر من الماء و الرمل فإنهما معلولات كلها للعقل الفعال.


    و هؤلاء الأصحاب و الرفاق التسعة يبدع كل واحد منهم واحدا من تلك الثنايا فهي من فعلهم و صناعتهم. اما الطبقتان السفليتان مع تلك الجرعة من الماء و ذلك الرمل في وسطها فإنهما من تحصيلي . و ما كان بنيانهم قويا ، لا تتمزق و لا تنثقب صنعتهم ، بينما صنعتي قابلة للتمزيق.

    ثم سألته : كيف يتعلق هؤلاء الشيوخ بك ؟ فأجاب : اعلم أن الشيخ الذي يحمل سجادته على صدره 1 هو أستاذ ومربي الشيخ الثاني 2 الذي يجلس إلى جانبه. و د أثبت اسم الشيخ الثاني على جريدته 3 ، و هكذا الثاني بالنسبة إلى الثالث ، والثالث بالنسبة للرابع حتى وصل إلي َّ . أما أنا فإن الشيخ التاسع فقد أثبت اسمي في جريدته 4 و أعطاني الخرقة و التعليم .

    سألته : ألكم أولاد و ملك و أمثال ذلك ؟ قال : ليس لنا زوج 5، و لكن لكل أحد منا ولد ،و لكل أحد منا رحى 6 ، و قد وكلنا كل ولد برحى من الأرحاء يديرها 7 ، و بينما يتصرفون في تلك الأرحاء لا ننظر نحن إليها 8 .بل الأولاد هم الذين يشغلون بتعمير تلك الأرحاء :بإحدى عينيه ينظر إلى رحاه ، و بعينه الأخرى يلتفت دائما إلى جانب أبيه 9 .

    1 يقصد بالشيخ الذي يحمل سجادته على صدره ، العقل الأول كما و صفناه.

    2 هو علة وجود العقل الثاني و سبب ظهوره ، و هكذا حتى العقل الفعال على نحو ما قلنا.

    3 لنلاحظ ان هذه القسم من الرؤية يستعير رموزه من حياة الصوفي .

    4 أي انه علة وجودي.

    5 عدم الزوج يشير به إلى التجرد من المادة.

    6 بالأولاد يشير إلى النفوس الفلكية ، و بالأرجاء يقصد الأفلاك التسعة و العناصر الأربعة. و تشبيه حركة الأفلاك بحركة بحركة الرحى يوجد كثيرا في الكتب الفلكية و التنجيمية العربية ، و من المحتمل أن يكون له أصل يوناني .

    7 يشير المؤلف إلى أن كل نفس تقوم بالتدبير و التأثير في الفلك الخاص بها.

    8 يقصد بعدم الالتفات ، التجرد (عن المادة ) أيضا.

    9 أي أنه من جهة الوجود يؤثر كل منهم في نفسه من أجل الدوام ، و البقاء ، و يرتب علة نفسه من أجل اقتباس العلوم ، أما من جهة الماهية فإنها تؤثر في تداوير الأفلاك. و لهذا فإن المصنف بين نسبة البنوة إلى النفس ، و نسبة الأبوة إلى العقل ، نظرا إلى ان العقل علة وجود النفس ، لأن وجود النفس يوم على وجود العقل و لا ينعكس . و هذه من الأبوة بمعناها الحقيقي ،لأن وجود الابن يوم على وجود الأب ، و لا ينعكس . لكن في حالة الأبوة و البنوة ( بمعناها الحقيقي ) يوجد نوع من الانعكاس ، لأننا نقول إن الأبوة تحصل عندما تظهر البنوة ، و يحصل الابن لما تكون ثمت أبوة.

     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏11/1/15
  2. تابع .....

    أما رحاي أنا فإنه ذو أربع طبقات 1 ، و أولادي في غاية الكثرة حتى إن أزكى المحاسبين لا يستطيعون إحصاءهم 2 ، و في كل لحظة ينشأ لي عدة اولاد 3 و إني أبعث كل واحد منهم إلى رحاه ، و لجميعهم مدة معينة يتولى كل عمارة رحاه 4 . و إذا انقضى وقتهم 5 يرجعون إليَّ و لن يفارقوني مرة أخرى ، بل ينشأ أولاد أخر6، يذهبون إلى رحاهم .فهذا هو النظام. و لما كانت الرحى ضيقة جدا ، و كثرت فيها المخاوف و المهالك على حافتها ، فإن من أتم من أولادي نوبة رعايته فقد فارق ذلك المقام و لن يشتهي عودة إليها فهذا شأن أولادي . على أن هؤلاء المشايخ الأخر ليس لهم أكثر من ولد يتكفل بإدارة رحاه ، و يقوم دائما بعمله 7 . هذا و إن ولد كل واحد منهم أقوى من جملة أولادي 8 ، كما أن رحائي و أولادي يستمدون مددهم من أرحائهم و أولادهم 9 .
    1 يقصد المؤلف بالطبقات الأربع (العناصر الأربعة ) ، التي هي معلومات للعقل الفعال.

    2 يقصد بكثرة الأولاد وجود صور جسمية تنبثق على المواد المركبة بواسطة الكون و الفساد اللذين يحدثان في العناصر البسيطة بتجريدها من صورة و إلباسها صورة اخرى.و هناك كثرة من هذه الأحوال. فالعنصر الهوائي يتجرد من صورته و يلبس صورة النار . و بالعكس ، و العنصر المائي يتجرد عن صورته و يتخذ صورة الهواء ، و بالعكس . واختلاف هذه الصور يتجاور كل حد وعد .

    3 يقصد المؤلف بهؤلاء الأولاد ، الصور الخاصة أو الطارئة على موار العالم.

    4 يقصد بالمدة المعينة بقاء اتحاد الصور بالهيولات أو المواد ، لأن صورة كل عنصر لها مدة بقاء معينة خاصة باتحاده مع الهيولى ، و بقاؤه معناه ارتفاع الموانع ، و اجتماع الشرائط ( شرائط اتحاد الصورة مع المادة ). فإذا اختفت هذه الشرائط او ظهرت تلك الموانع اقضت مدة بقائه .

    5 يبين المؤلف امتناع إعادة المعدوم ، لأن المعدوم لا يعاد بعينه ، يعني أنه إذا حدث تحليل لمركب ، فإن كل عنصر يقصد إلى حيزه الطبيعي هنالك يحصل لهذه الصور الفساد ، فتهود إلى مبدئها الأصلي ، و إذا لا يكون عودها ممكنا بعد

    6 بالأولاد الأخر يقصد المؤلف الصور المتجددة لا حادثة بالفيض على صورة فاسدة.

    7 يعني ان النفوس التي تؤثر في الأفلاك تؤثر بطريقة دائمة ، بخلاف الصور الخاضعة للفساد التي فيها تتعاقب صورة على صورة.

    8 هذا الولد الأقوى من جملة الأولاد هو نفس الكون المعلولة للعقل الأول. وكما أن العقل الأول يؤثر في بقية العقول ، فكذلك النفس الأولى تؤثر في باقي النفوس.

    9 يعني ان النفوس التسع التي هي أولاد النفس الكلية تؤثر في تكوين الصور .

    قلت : كيف وقع لك هذا التوالد و التناسل المتجدد ؟ قال : اعلم أني لا اتغير عن حالي و ليس لي زوج ، غير أني أملك جارية 2 حبشية لا أنظر إليها أبدا حتى لا تصدر عن حركة 3 . و الواقع أن تلك الجارية جالسة متمكنة في وسط الأرحاء، ناظرة إلى الأرحاء و دورانها و حركاتها 4 . و كلما تحركت الأشجار ظهر دورانها في حدقتها و نظر عينيها. و عندما تلتفت حدقة الجارية السوداء ، و نظرها يلقاني أثناء ذلك الدوران ، يخلق منى ولد في رحمها 5 من غير أن يحدث مني حرك أو تغير.
    قلت : كيف يمكن ان يتصور ذلك النظر و الالتفات إليك و محاذاتها نحوك ؟ قال: إن مراد ذلك اللفظ صلاحية ما و استعداد ، لاغير 6 .
    قلت للشيخ : لماذا نزلت إلى هذا الدار إذا ادعيت على نفسك عدم التحرك؟ قال: يا سليم القلب ! إن الشمس تدور في فلكها دائما . إلا أن المكفوف إن كان لا يدركها و لا يحس بحالها فإن عدم إحساسه لا يوجب عدم وجودها أو سكونها في مكانها . و لو زال ذلك النقص عن المكفوف فإنه لا يسوغ له ان يطالب الشمس قائلا : لماذا لم تكوني في العالم من قبل ، لماذا لم تباشري دورانك الدائم؟ لأن دوام حركتها ثابت إلى الأبد. فليس التغير في حالة الشمس ، بل في حال المكفوف.كذلك نحن: فأننا دائما في هذا الصف . و أما عدم رؤيتك إيانا فليس دليل على عدم وجودنا او على تغيرنا و انتقالنا عن حالنا : إن التبدل في حالك انت 7 .
    2على الرغم من الاعتراف بعدم وجود أنداد لها، فإن المؤلف يقصد بهذه الجارية

    الحبشية الهيولى المجردة عن الصورة. و بقوله بنسبة بينها و بين اللون الأسود ، يقصد المؤلف العدم.لأن الهيولى بدون الصورة تكون لا وجود لها.

    3 عدم التغير و الحركة عند الشيخ ضروري جدا ، لأن الحركة من خواص الاجسام.

    4 يعني انها تترصد حلول الصورة الآتية من واهب الصور.

    5 يعني أنه في كل حالة تستعد فيها لنزول صورة مني أنا واهب الصورة، تنزل صورة في هذه الهيولى.

    6 هذه الالفاظ صالحة للمعاني التي تحدثنا عنها . لأن لقاء العقل بالهيولى الجسمانية لا يتعقل و لا يتصور ، لكن يقصد بهذا اللقاء استعداد و استحقاق الهيولى للصورة.

    7 معنى كل هذه الكلمات هو أن فيضها بفضلها و فائدتها هي، و هي جواهر روحانية ، يفيضان دائما على الموجودات المستعدة لها. و ليس فيها بخل و لا ضن.فإذا كان ثمت أحد لا يفيض عليه شيء و لا يستفيد ، فليس هذا سبب عدم انقطاع فيضها ، و لكن بسبب عدم الاستعداد أو لأن هذا غير متوجه إلى العالم الروحاني بل مستغرق في العالم المحسوس .

    قلت : أتسبحون الله عزَّ وجلَّ؟ قال: الاستغراق فى المشاهدة يشغلنا عن التسبيح، وإن كان هناك تسبيح، فإنه ليس بواسطة الألسن والجوارح، ولا بحركةٍ واهتزازٍ وما إليه . قلت: هل تعلمنى علم الخياطة؟ فتبسَّم وقال: للأسف، ليس لأشباهك ولنظرائك قِبَلٌ بهذا، فإن ذلك العلم غير ميسَّر لنوعك، وذلك أن خياطتنا لا تتعلق بعمليةٍ وقَصْدٍ وآلةٍ 2، لكنى سأعرفك من علم الخياطة ، قَدْر ما يمكِّنك من تصليح خرقتك الخشنة المرقعة.3 وقد علمنى ذلك القدر من العلم .. ثم قلت 4: علِّمنى الآن كلام الله. قال: إن المسافة عظيمة، وما دُمتَ فى هذه القرية 5، فلا يمكنك أن تتعلم كثيراً من كلام الله تعالى، ولكنى أعلِّمك قَدْر ما أنت ميسَّر له! وأحضر لوحاً 6 وعلَّمنى حروف هجاء عجيبة 7، حتى إننى استطعت أن أفهم بواسطة الهجاء، معنى كل سورة من السور.8
    2 قد شرحنا في أول هذه الرسالة أن الخياطة تشير إلى تركيب الصورة مع الهيولى، و من اليقيني أنه لا يوجد في النوع الإنساني استعدادا لتلقي معناه.

    3 يعني بهذا كشف علم الطب و إصلاح البدن بالمحافظة على اعتدال المزاج. و المؤلف يقول (اهتم بتصليح خرقتك المرقعة) و لا يقول (خطها) لأن الخياطة و هي تركيب الصور مع المادة ليست من شأنه، كما هو ظاهر مما أسلفنا.

    4 هنا يبدأ القسم الثاني من الرؤيا.

    5 يعني أنه طالما كنت في العالم المحسوس فإنك لا تستطيع أن تقف على الكليات و على حقائق العلوم على الجملة.

    6 اللوح المحفوظ.

    7 يقصد المؤلف باللوح : الحس المشترك، و بحروف الهجاء: علم المنطق ، لان المنطق حروف هجاء بالنسبة إلى علم الحكمة.
    8 كل المشاكل التي وجدتها في العلوم أمكنني حلها بميزان المنطق.

    ثم قال: الذى لا يفهم هذا الهجاء، لا يصل إلى معرفة سُوَر كلام الله، على ما ينبغى؛ وأما الذى اطَّلع على أحوال ذلك الهجاء، فقد يظهر فيه رسوخٌ ومتانة 2.
    وعندئذ تعلَّمتُ علم الأبجد 3. وبعد إتمام دراستى إياه، نقشتُ حروفه على اللوح،4 على قدر ما كان فى مرتقى قدرتى، ومَسْرَى طاقتى. وعندئذ ظهرت لى من عجائب معانى كلام الرب، عزَّ سلطانه، ما لا يدخل تحت حصر البيان، وحَدِّه. وكلما طرأت لى مشكلة، عرضتها 5على شيخى وهو يزيح إشكالها.
    ثم دار حديثنا حول نفث الروح، وقد أشار الشيخُ إلى أن الروح يشتق من روح القدس 6. وعندما سُئل عن نسبة ما بينهما، أجاب قائلاً: إن كل ما يتحرك فى أربعة أرباع العالم السفلى، يشتق من أجنحة جبرائيل.
    2 من لم يتعلم المنطق لا يدر على أن يميز بين الخطأ و الصواب، لأن نعرفة العلوم تتوقف على تأليف القضايا و تركيب القياسات و استنباط النتائج، حتى يصير المجهول معلوما ، و كل هذا يظهر في المنطق.

    3 يقصد المؤلف بعلم الأبجد علم الحكمة ، لأن هذا العلم أبجد بالنسبة إلى علوم الكشف اللدني.

    4 يقصد بنقش اللوح انكشاف العلوم و المعارف التي تسمى بالعلم اللدني ، و هو العلم الذي تظهر به غرائب الحقائق ، و ليس لهذا العلم نهاية.

    5 في كل مرة تحصل فيها مقدمة قياس في نفسي، كنت أتوجه إلى عالم العقل حتى تفيض على نتيجة القياس من واهب الصور.

    6 يعني أن أرواح الحيوانات و النباتات هي عدد من الأنوار الفائضة من العقل الفعال.

    ولما باحثت الشيخ فى كيفية هذا النظام، قال: اعلمْ أن للحق سبحانه وتعالى، عدة كلمات كبرى، تنبعث من كلماته النورانية، أى من شعاع سيماء وجهه الكريم. وبعضها فوق بعض 1 و ذلك أنه تنزل من الحق كلمة عليا ليس أعظم منها ، و نسبتها في قدر نورها و تجليها من سائر الكلمات مثل نسبة الشمس من سائر الكواكب 2. و هذا مراد ما ورد في الخبر عن الرسول عليه السلام إذ قال (لو كان وجه الشمس ظاهرا لكانت تبعد من دون الله ) و من شعاع تلك الكلمة تنبعث كلمة اخرى ، و على هذا واحدة بعد واحدة حتى يكمل عدد تلك الكلمات تامة 3
    وآخر تلك الكلمات: جبرائيل عليه السلام. وأرواح الآدميين تنبعث من تلك الكلمة الأخيرة 4، كما ورد في حديث صحيح عن فطرة آدم : ( يبعث الله ملكا فينفخ في الروح ) و كذلك قوله تعالى : ( خلق الإنسان من طين ثم ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) 5 و قال بعده : ( ثم سواه و نفخ فيه من روحه ) و كذلك قال عن مريم : ( فأرسلنا إليها روحنا) معناه جبريل.
    و اما عيسى فيسمونه روح الله ، و يسمونه مع هذا كلمة و روحها كما نص عليه : (إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله ،و كلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه )
    الآدميون نوعٌ واحد، ومن له روحٌ فله كلمةٌ، بل هذان الاسمان لا يشير عند البشر إلا حقية واحدة . ومن آخر الكلمات الكبرى تظهر كلمات صغرى من غير حد ، على ما أشير إليه في الكتاب الرباني بقوله : (ما نفدت كلمات الله ) وقال : ( ما نفدت كلمات ربي ) و قال ( لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ) . جميعها خلقت من شعاع تلك الكلمة التي هي مؤخرة طائفة الكلمات الكبرى المذكورة ، كما ورد في التوراة : ( خلقت أرواح المشتاقين من نوري ) و هذا النور ليس غير روح القدس . و بهذا المعنى أيضا تقل عن سليمان النبي إذ قال له أحدهم : يا ساحر ! قال : لست بساحر ، إنما أنا كلمة من كلمات الله.
    و أيضا فللحق تعالى كلمات وسطى . أما الكلمات الكبرى فهي التي قيل عنها في
    الكتاب الإلهي : ( فالسابقات سبقا ) وأما قوله (فالمدبرات أمرا) فهم الملائكة، محركو الأفلاك، وهى الكلمات الوسطى. وكذلك، فإن قوله تعالى ( وإنا لنحنُ الصَّافون) إشارة إلى الكلمات الكبرى، وقوله (إنا لنحن المسَبِّحون ) إشارة إلى الكلمات الوسطى. ولأجل هذا تقدَّمت عبارة (الصافون) فى كل مكان من القرآن المجيد، إذ قال: (والصَّافَّاتِ صَفَّا، فالزاجرات زجراً) وفى هذا غورٌ بعيد، لا يليق استيعابه بهذا المحل! وقد تُستعمل "الكلمة" فى القرآن أيضاً، بمعنى السر.
    قلت للحكيم : أخبرنى الآن عن جناح جبرائيل. قال: اعلمْ أن لجبرائيل جناحين،6 أحدهما عن يمينٍ وهو نورٌ محض، وهذا الجناح ينضاف مجرد وجوده إلى الحق.
    1 يقصد (بالكلمات ) العقول ، يعني أن جوهر العققول هي أنوار فائضة من لدن واجب الوجود ، و بعضها فوق بعض درجات .بحسب شرفها و رتبتها.

    2 يقصد بالنور الأول العقل الأول ، يعني أنه لا توجد بين المخلوقات مرتبة أعلى من مرتبته.

    3 العقل الأول علة العقل الثاني ، و العقل الثاني علة العقل الثالث ، حتى يصير عددها كاملا و هو عشرة . كقوله تعالى ( تلك عشرة كاملة)

    4 يعني ان فيضه ينتشر دائما على كل الكائنات المستعدة لذلك .

    5 حينما يتم نمو النطفة في الرحم و تصبح مستعدة لقبول الصورة الإنسانية، تفيض في الحال من العقل الفعال نفس ناطقة تتعلق بها.

    6 شرحنا من قبل أن العقل الأول تعرض له ثلاثة أشياء.و انه بواسطة كل منها يصدر شيء عنه. و هو ايضا يشير بجناحي جبريل إلى صفتين لاحقتين بهذا العقل الاول. الأولى هي الوجوب ، يعني أنك لو نظرت إليه بالنسبة إلى علته ، وجدته واجبا بوجود العلة ، و هو ما أشار إليه بالجناحين الأيمن الذي يقول عنه المؤلف إنه النور المحض، و إنه في ذاته لا إضافة و لا نسبة له إلا إلى الحق ، و هذا الوجوب هو صفة وجود اتلحق . و الصفة الأخرى هي الإمكان ، و يعني أنك إن نظرت إليه من جهة ذاته و ماهيته ، وجدته ممكنا ، و هذا ما أشار إليه بالجناح الأيسر الذي يقول عنه: ( إن عليه بقعة سوداء كأنها الكلف الذي يظهر على وجه القمر، و هو السواد و الكلف صفتنا للإمكان العارض لوجوده.

    و إذا كان المؤلف يضع نسبة بين السواد و الإمكان ، فذلك لأننا نصير من الإمكان على العدم. فهذان المعنيان هما اللذان أشار إليهما بجناحي جبرائيل: فالجناح الأيمن هو إضافته إلى الحق، وهذا هو الوجوب، و الجناح الأيسر هو إضافته إلى نفسه، و هذا هو الإمكان و العدم.
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  3. تابع

    وأما الجناح الأيسر، فتمتد عليه بقعةٌ سوداء، كأنها الكَلَفُ الذى يظهر فى وجه القمر، أو كأنها تذكرنا بالألوان التى على قدم الطاووس. وفى هذا إمكان وجوده، الذى ينصرف جانبٌ منه إلى العدم. فإذا نظرت ما لجبرائيل من الوجود بجود الحق، فإنه يوصف بوجوب الوجود. وإذا نظرت إليه بقدر استحقاق ذاته، فإنه يوصف بالعدم.. فهذان المعنيان، ممثلان فى جناحى جبرائيل: الأيمن إضافته إلى الحلق، والأيسر استحقاقه فى ذات نفسه. كما قال الحق سبحانه وتعالى : (وجاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع) و قد ذكر مثنى في اولها إذ كان الاثنان اقرب الأعداد إلى الواحد ثم الثلاثة و الأربعة .2 و من هاهنا أن الذي له جناحان أشرف من الذي له ثلاثة أو أربعة. و هذا سر يتفرع على تفصيلات كثيرة في علوم الحقائق و المكاشفات ، غير ان فهم العوام لا يبلغ غوره 3
    وإذا وقع من أوج القدس شعاع، ينشأ منه نَفْسٌ يسمونها كلمةٌ صغرى. ألا ترى أن هذا، ما قاله الحق تعالى:( وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا) فللكافرين أيضا كلمة . غير أن تلك الكلمة ، صدىً ممزوجٌ بحسب ما عليه أنفسهم.
    ومن الجناح الأيسر، الذى يمتد عليه قَدْرٌ من الظلمة، يهبط ظِلٌّ هو عالم الزور والغرور. ويشير إلى شعاع الجناح الأيسر، ما ورد فى القرآن الكريم:( وجعل الظلمات والنور) فإن تلك الظلمة، التى نُسبت إلى فعل جعل أصبحت عالم الغرور . وأما ذلك النور الذى ورد ذكره بعد الظلمة، فهو شعاع الجناح الأيمن .. وبهذا المعنى قال تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب ) إذ أن الكلمة أيضاً من شعاعه. وكذلك قوله مَثَلاً، كلِمَةً طَيِّبَةً فهى كلمة شريفة نورانية، من بين الكلمات الصغرى.
    2 حاصل هذا القول أن كل حد يكون ما صدقه أقل ، يكون بهذا أقرب إلى منبع الوحدة.و كلما قرب من الوحدة ، زاد شرفه . و لهذا يقول : ( إن الذي له جناحان أشرف من الذي له ثلاثة أو أربعة )

    3 لأنه لا يفهم أحد أين الشرف عند من له جناحان بالنسبة إلى من له ثلاثة ،و لا الشرف عند من له ثلاثة أجنحة بالنسبة إلى من لخ أربعة ، و هكذا دواليك . حقا إن احدا لا يفهم.
    وإن لم تكن تلك الكلمة الصغرى فى غاية الشرف، فكيف استطاعت أن تصعد إلى حضرة الحق تعالى. وأما أن الكلمة، والروح، تدلان على معنى واحد؛ فإن علامة ذلك إليه يصعد الكلم الطيب وكذلك : (تعرج الملائكة والروح إليه) فإن عبارة إليه ترجع فى الحالتين إلى الحق جلَّتْ قدرته. وعلى هذا المعنى، تدل أيضا النفس المطمئنة إذ قال :(ارجعى إلى ربك)

    وعالم الغرور، ليس إلا صدىً وظلاً لجناح جبرائيل، أعنى لجناحه الأيسر. بينما تصدر الأنفس المضيئة، من الجناح الأيمن 1 . و أما الحقائق التي في الخواطر و التي شأنها كما قال : ( كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه )و كذلك النداء القدسي الذي شأنه ركما قال :( و ناديناه أن يا إبراهيم ) و غيرها ، كل ذلك من جناحه الأيمن2 . و ام القهر و الصيحة و الحوادث الخاصة بعالم الغرور فهي من جناحه الأيسر3. قلت للشيخ: فما هى، فى آخر أمرها، صورة جناح جبرائيل؟ فأجاب: يا عاقل، كل هذه الأشياء ليست إلا رموزا، إن عَلِمْتَها على ظاهر معناها، كانت تخيلات لا حاصل لها.4
    1 يعني أن عالم الكون و الفساد صادر عن صفة إمكانه، و لهذا فهو قابل للعدم، أما الأرواح الإنسانية فصادرة عن صفة و جوبه، و لهذا فإنها غير قابلة للعدم.

    2 معلوم ما قلناه ان جبرائيل هو الواسطة بين فيض واجب الوجود و بين النفوس الإنسانية . و ينتج من هذا أن إلقاء الحقائق الروحية و النداء القدسي كليهما من تدبيره.

    3 معلومك كذلك مما قلناه أن جبرائيل يؤثر في عالم الكون و الفساد و هو محل الهر و الصيحة (صراخ البؤس) و الحوادث. و على هذا فكل شيء صادر عن تأثيره.

    4 يعني أن كل ماله صورة و صوت ليس جديرا بالاهتمام ، و إنما تستخدم هذه الألفاظ على سبيل الاستعارة و (المجاز) حتى يتيسر الفهم للخلق .

    قلت : أليس كل هذه الكلمات يجاورها اليوم و الليلة ؟ قال: يا عاقل ! ألا تعرف أن غاية صعود تلك الكلمات إلى حضرة الحق تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب ) و في حضرة الحق تعالى ليس ليل و لانهار : ( ليس عند ربكم صباح و لامساء )، أي في جانب الربوبية لا يوجد زمان .
    قلت: وأين القرية التى قال الحق تعالى عنها: أخرجنا من هذه القرية الظالِمِ أهلُها قال: ذلك عالم الغرور، الذى هو أليق محلٍّ للكلمة الصغرى. ثم إن الكلمة الصغرى أيضا قرية، لأن الله تعالى قال تلك القرى نقصُّ عليك من أنبائها وفيها قائم وحصيد فهى كلمات الحق تعالى، كبيرة كانت أو صغيرة .
    وعندما ارتفع على قصر أبى، فجر النهار. أُغلق الباب الخارجى وفُتح باب المدينة، وذهب التجار إلى أشغالهم،1 وتغيَّبتْ عنى جماعةُ هؤلاء الشيوخ2، وبقيتُ فى حسرةٍ متشوقاً إلى صحبتهم، عاضا أناملى، وصارخا: يا ويلى، إظهاراً لعظمة حيرتى.. ولكن لا فائدة بعد.

    * * *

    قال الناسخ: هنا تنتهى قصة حفيف جناح جبرائيل عليه السلام .. ومن أفشى لطائف أسرار ذلك الشيخ العظيم الشأن، إلى العوام وإلى غير أهلها، ستنفصل نفسه عن بدنه، وسيصبح فضيحة الرجال. وربنا مشكور ومحمود، والصلاة على محمد، وآله، وسلم تسليماً.

    1 يعني لما غلبت المشاكل على الفراغ من جديد ، و انغلق الباب المطل على الخارج ( أي على العالم الروحي ) وانفتح المؤدي إلى المدينة ، أي إلى العالم الجسماني ، و ذهب التجار ، وهم رجال الأعمال و المشاغل ، و يصد بهم الحواس الظاهر ، إلى أشغالهم . إلى جانب القراءة – إلى جانب القراءة ( بازاريان ) (تجار ) يلوح أن الشارح قد عرف القراءة الأخرى ( بازياران) (فلاحون) لأنه يستمر في شرحه قائلا: إنه يطبق على الحس الظاهر صفة فلاح ، لأن الحواس الظاهر هي التي تبذر إدراك الجزئيات المحسوسة ، حتى تثمر كليات معقولة .

    2 يعني أنه لما حدث الاستغراق في العالم المحسوس ، حرم مشاهدة العالم المعقول و التحسر على مشاهدة العالم المعقول و الجوهر القدسية ضرورة أليمة.

    ذيل و تعليق
    من أفشى أسرار ذلك الشيخ العظيم الشأن إلى عوالم و إلى غير اهلها ستنفصل نفسه عن بدنه و سيصبح فضيحة الرجال.
    و ربنا مشكور و محمود و الصلاة على محمد ، و آله و سلم تسليما.
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    تحية وتقدير اخي السي محمد الشرادي على هذه الاضاءة حول عرفانية شهاب الدين السهروردي المقتول وتاثره بحسين الحلاج، وفلسفتهالاشراقية العميقة التي صرفها للفكر الصوفي والقلق الوجودي الذي يرى في كنه الوجود تدرك مراتب الانوار ..

    بوركت ايها الرائع
     
    آخر تعديل: ‏11/1/15
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د/يوسف زيدان
    الاولياء الحلقة الثامنة
    السهروردي المقتول


     
    آخر تعديل: ‏11/1/15
  6. حسين الدمرداش محمد العدل

    حسين الدمرداش محمد العدل مشرف إسلاميات طاقم الإدارة

    الأخ الحبيب السي محمد الشرادي
    جزاك الله خيرا علي إلقاء الضوء علي تلك القصة التي يحار أصحاب العقول
    في فهمها إذا لم يكونوا بالرموز الصوفية عالمين .
    دمت بكل خير
    أبو إسلام المصري
     
  7. حسين الدمرداش محمد العدل

    حسين الدمرداش محمد العدل مشرف إسلاميات طاقم الإدارة

    إدراج طيب
    جزاك الله خيرا أخي الحبيب نقوس
    أبو إسلام المصري
     

مشاركة هذه الصفحة