1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف قصيدة النثر

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏3/12/14.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    قصيدة النثر

    [​IMG]


    تقديم
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    اتحاد المتناقضات:
    حول بيان الجنس الرابع


    يرسل البيان الشعري –الجنس الرابع- ( جريدة الزمان 1-5-2008) الذي كتبه مجموعة من الشعراء العراقيين الشبان أكثر من إشارة أجد أن علينا ملاحظتها قبل مناقشة المقترح الذي يقدمه العنوان ويلخصه البيان المقتضب بشاعرية و دون تفصيل ، في مقدمة تلك الإشارات عودة روح الشباب العراقي إلى واجهة الحياة الثقافية رغم الظروف المريرة الحافّة بالحياة اليومية والخطر الذي يتهدد كل لحظة وجود الكاتب نفسه لا كتابته فحسب، والإشادة بهذه الروح الكفاحية لا تستدعي انتفاخ ذواتنا أو تمركزها قبليا أو قطريا ، بل هي وصف لهذا الإصرار الواثق والمنتمي للكتابة قدراً وكيانا ووجودا .
    والإشارة الأخرى تتصل بمسؤولية التحديث التي أخذت في العراق أولوية ثقافية خاصة رغم طابعها الشعري ، منذ الأربعينيات التي غيّر الشعراء العراقيون فيها مسار القصيدة العربية صوب التجديد الكلي الممهد لما سيلي من إيغال في التحديث وجرأة في التطوير الشكلي للقصيدة .
    وإذا كان مقترح قصيدة النثر قد ولد في لبنان هذه المرة في أروقة مجلة شعر وعلى صفحاتها ، وكان لها دور التبشير في المرحلة الأولى ، فإن الإضافة العراقية في هذا المجال واضحة ومؤثرة وجرت دراستها وتأشيرها في أكثر من مناسبة نقدية أو بحثية..ويكفي أن نشير هنا إلى استباق المنشورات العراقية في ترسيخ التجربة عبر منابر متخصصة ، مثل مجلة الكلمة والشعر 69ومن ثم في الطليعة الأدبية والأقلام والأديب المعاصر وأسفار، بجانب الدواوين المنشورة للشعراء العراقيين، والتجمعات ذات الطابع الجيلي أو المديني –جماعة كركوك - جيل السبعينيات- المؤتمرات والندوات الشبابية- والبيانات الشعرية ...
    لكن أهم إشارة يرسلها بيان الجنس الرابع- ومن الموقعين عليه شعراء لهم تجارب معروفة في كتابة قصيدة النثر- تتصل بالقلق الدائم بصدد التسمية ، والتجنيس ، والخصائص النصية ،والتلقي ، وهي مشكلات أربع أجد من خلال المتابعة أنها تهيمن على مجمل الكتابات المتعلقة بشعرية قصيدة النثر ، وقد جاءت شهادة البيان لتضيف ما يعزز هذا الاعتقاد ويؤكده ، ويلفت الانتباه إلى التساؤل عن علاقة قصيدة النثر بالأشكال والأجناس المجاورة.
    لقد بدأ البيان من يقين بأن أجناس الأدب ثلاثة ، دون إيضاح لهذه المعضلة التي شغلت منظّري الأدب ومصنّفيه منذ شعرية أرسطو حتى أحدث الكتابات في نظرية الأدب ، والأجناس والأنواع التي تنضوي تحت مميزاتها وخصائصها نصوص معينة دون سواها ..
    يبدو الانزعاج واضحا في البيان من الإشارات النقدية المقتبسة – المجتزأة- في المفتتح إلى ما يجتمع من مزايا متناقضة في قصيدة النثر ، بينما هي ميزتها الأساسية كعبور جريء على التصنيفات المستقرة و تجاوز للمحددات والحدود الإجناسية.
    وهذا الأمر حاضر في الدراسات المنشورة حول قصيدة النثر في الفرنسية التي هي حاضنة قصيدة النثر الأولى.
    في الصفحات الأولى من كتاب ميشيل ساندرا ( قراءة في قصيدة النثر 1995) -ترجمة د. زهير مجيد مغامس- تنبيه إلى ما تنطوي عليه قصيدة النثر من تناقضات تبدأ من المصطلح والتسمية التي أطلقها بودلير على مجموعة من قطعه النثرية القصيرة ظهرت في الأول من نوفمبر 1861حتى صار مصطلح قصيدة النثر مستخدما في ثمانينيات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ..
    ويصف ساندرا قصيدة النثر بأنها نوع متقلب منطوٍ على تباينات وتناقض شكلي أسمته سوزان برنار( اتحاد المتناقضات) في دراسة مبكرة وتاريخية لقصيدة النثر كان لها أثرها عربيا في صياغات المرحلة التبشيرية لبياناتها حول قصيدة النثر ، والخطاب الشعري لجماعة شعر التي لخصها أنسي الحاج اختزالا في مقدمته الشهيرة لديوانه( لن) ، وعلى صفحات مجلة ( شعر) في فترة إصدارها الأول ـ وأدبياتها،واستطرادات أدونيس حول الشعر والنثر، وتعديلاته اللاحقة المقترحة للتسمية التي أشاعها هو نفسه ( قصيدة النثر) والتي رأى في مقدمة أعماله الكاملة أن نستبدل بها مصطلح (كتابة الشعر نثرا ) وهو ما لم يتوقف عنده البيان الذي اكتفى باجتزاء جملة من تفوهات أدونيس في لقاء صحفي قديم –عام 1960..
    لكن ما أثار انزعاج شعراء البيان الشعري هو معضلة تلق في المقام الأول ، حيث يعبّر البيان بلغة شعرية عن القلق بصدد الإشارة المكررة في الدراسات والنقد إلى تناقض قصيدة النثر واحتوائها على مزايا وراثية ثنائية وازدواجات وتناقضات هي جزء من تكوينها الجيني-والجنيني؟- ، وهو مركز شعريتها أيضا.. فلماذا يعدّ البيان التنبيه إلى تناقضاتها اتهاما ينشغل بالرد عليه وتوصيفه عكسيا بالتناقض ، بل رجم القائلين به بالشيزوفرينيا (لم نفارق أتون القدامة ونحن ندخن سيجارة الحداثة) كما يرد في البيان؟
    و لكن دعونا نسأل شعراء البيان :هل البديل أن نحشو سيجارة الحداثة بتبغٍ مولّف كيفما اتفق بلا نكهة أو ميزة حتى لو تولدت من تنافرات وتعارضات وتناقضات واضحة؟ ألا تنفتح بذلك مساحة القصيدة –النص لتلفظات لم تتفرع عن غصن الناص كما يذكر البيان في سطريه الأخيرين وهذا الانقطاع عن الغصون يخيف كما ينص البيان كما تخيف الاستطالات والتفرعات أيضا؟
    ومشكلة التلقي تهيمن ثانية على خطاب البيان بدل أن تكون التجربة التي يعانيها الشعراء الموقّعون على البيان هي المشغّل لاصطفافهم وإصدارهم لهذا الموجز النظري الذي زادته الصياغة الشعرية التباسا-وهي مشكلة بعض نصوص قصيدة النثر ذاتها التي لم تتخلّ عن الفضاء المجازي المتاح في تناغمات الوزنية الموروثة وإيقاعات الصورة واللغة الشعرية التقليدية- فالبيان يشير بذكاء وواقعية إلى ما يسميه( الرهبة من ثورة الآذان على اللسان ) في إحالة إلى السمعي والملفوظ أو التلقي الشفاهي للقصيدة التي لم يتغير موضع أو موقع القارئ في عملية تلقيها.. وهو أمر يتصل بما فهمت بصعوبة أن البيان يدعو إليه من حيث الجرأة في وصف قصيدة النثر بأنها نص وأن كاتبها ناصّ، وبذا تنضاف ميزة أخرى لمزاياها هي الاتساع النصي الذي أشرنا من قبل إلى انه يتمدد باتجاه السرد ويعطي قصيدة النثر تعيّنات وملموسية عوضا عن التهويمات الغنائية في الشعر الموزون والخطابية في النثر الشعري ..
    رهبة أخرى يشير إلها البيان وتُحسب لكاتبيه الشعراء هي رهبة القيمومة كما يسمونها ، أي الانفلات من الأبوة والوصاية من الجيل السابق أو القناعات السابقة ، وهو حق لكل تجربة ماثلة عبر أية ولادة أو ولادة جديدة كما يصف البيان الذي لم يسمح برؤية سمات أو ملامح هذا المولود الذي حكى عنه ضمنا ولم يرِنا صورته لنتعرف عليه، أهي خشية اللسان من العيان هذه المرة؟




    - هنا نص البيان



    قصيدة النثر مخنثة مثل زهرة الجوري –الجنس الرابع-بيان شعري
    إن كلمة " قصيدة نثر " ليست سوي اصطلاح أريد التعبير به عن نوع من الأدب ليس هو من النثر العادي كما أنه ليس بالشعر بل هو في قالب نثري وروح شعرية ، فكانت من هنا تسميته " قصيدة نثرية " ولكن هذا لا يمكن أن يعني أن القصيدة النثرية هي شعر ، وإنها حلت بالتالي محل القصيدة ، فالشعر شعر ، والنثر نثر .
    أدونيس / حوار : إلياس سحاب / مجلة حوادث لبنان - 1960م .
    قصيدة النثر حالة مروق لا تشاكل الشعر ولا تشاكل النثر ، هي تأسيس يمثّل جلداً متلفعاً لجسم الشعرية الحي ، فقصيدة النثر نص مخنث منفعل بنفسه مثل زهرة الجوري فيها صفات الذكر والأنثي معاً ، وقصيدة النثر فيها صفات الشعر وصفات النثر معاً .
    ينظر : القصيدة والنص المضاد : د عبد الله الغذامي : 146.
    بين الشعر وقصيدة النثر وشيجة حلمية ... حيث لا ندري هل أصبح الشعر نثراً أم النثر هو الذي حلم أنه صار في القصيدة شعراً .
    حلم الفراشة : د حاتم الصكر : 5.
    - أن قصيدة النثر تستفيد من نصّيتها وإفلاتها من التجنيس في الإفادة من الخصائص السردية .حلم الفراشة : 48-49.
    لم نفارق أتون القدامة حتي ونحن ندخن سيجارة الحداثة ، فنحن ما زلنا نمارس لعبة المدنّس والمقدّس ، ونحارب المفهوم الطبقي ونحن منغمسون فيه حدّ اللذة ، ما زلنا نحلم بسحرية فوقية للشعر علي كل ما ننتجه من إبداعات ، بحيث استحال روحاً لكل بديع...
    الحيرة ملاذ أنساقنا الثقافية التي عادت لعرجونها القديم ، لا تنفكّ تغنّي لعشبة كلكامش ألحاناً طيفيةً ، لكنها لا تنتشي بغير شنشنة الشعر ، فهل آن لمن حار أن يبحث عن ملاذ جديد يعرفه في سرّه ؟!... لكنها الرهبة من ثورة الآذان علي الألسن .
    المتن :
    الحفر في البرزخ لا يؤدي إلي الحياة دوماً لكنه قد يعبر بنا إلي فضاء الموت الرحب ... نسبح بالحلم أو الكابوس ، نلبس أكفان بعضنا لنقتنع بولادة من نوع خاص ... هكذا هو جدل الولادة والولادة الجديدة .
    حين انسلخت الكلمة عن إهابها في صناديق المعجم ورسمت لوحات إبداعية ، اقتنع بولاداتها الجديدة ، وأطّر حاميته بأطر الاسم الجديد الذي تبادل معه الحميمية ... ولم يكن ضجراً من تناسل الولادات ما دامت تخلق له أفقاً لا يختلف في رحابه وإن ضاق ... فهو يلتذّ بـ " لذة الولادة الجديدة " ، " بالدهشة الولودة الآن " ، فكانت الرواية أدباً جديداً نسل وجوده من موت الملحمة علي الرغم من أن الملحمة تحتضن الشعر بحميمية عالية ، لم تعدّ الرواية ضرباً عاقّاً ، بل كانت بارّة ، وإن لم تحتضن الشعر .
    الرهبة من انفلات القيمومة عن الجديد هاجس أجلسنا في ظلال غير وارفة ، فتغيّرت سحنتنا ولمّا نغادر ، أما آن أن نترك لباس الرهبة ذاك ؟!... فالنثر لم يعد نثراً كما لم يصر شعراً فهو انسلخ كبذرته " الكلمة " عن أطره العتيقة لينفتح علي أطر باصرة بما تريد ، لكننا رجمناها بخفافيش قيمومة قديمة هي قيمومة الشعر .
    قصيدة النثر ... هي جنس رابع يجاور أجناس حاضنة الأدب " الثلاثة " لتغادر حاضنة الشعر التي لم ترحّب بها يوماً إلاّ علي مضض .
    ما الضير في أن يكون ( شاعر / كاتب ) قصيدة النثر " ناصّاً " ليركز في قيعة طاعنة بالجديد والمغايرة .
    الحدود المفتوحة تخون أحياناً رؤانا ، والضفيرة تمسك أحياناً أيضاً خيوط الدخان ... فحضن " قصيدة النثر " أقعد بظلّه نتوءات لم تتفرّع عن غصن " الناصّ " .
    انقطاع الغصون قد يشي بالموت المبكر ... كما يشي التفرّع الشاسع بذلك أيضاً.
    - الجنس الرابع
    ألف ياء الزمان -1/5/2008

    الموقعّون :
    مشتاق عباس معن ، فائز الشرع ، أحمد ناهم ، علاء جبر الموسوي الناجي ، حسن عبد راضي ، حسن قاسم ، إحسان التميمي ، علي محمد سعيد مهند طارق ، أمجد حميد التميمي ، قاسم السنجري ، علاوي كاظم كشيش ، سلام محمد البناي ، صلاح السيلاوي ، أحمد حسون ، محسن تركي ، عقيل أبو غريب ، حسين رضا ، حسن الكعبي ، علي أبو بكر .



    .
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    ما الذي فعلته بنا «قصيدة النثر»؟

    فاضل السلطاني

    قد يكون رحيل أنسي, أحد رواد قصيدة النثر العربية, الحاج قبل أيام قليلة مناسبة لنعيد النظر، أو لنتأمل، في المغامرة الشعرية الكبرى التي بدأها الحاج وزملاؤه توفيق صايغ، ويوسف الخال، ومحمد الماغوط، ونعني بها قصيدة النثر، قبل أكثر من نصف قرن، وهي مسافة زمنية ليست بقليلة في عمر التجارب الأدبية. أين وصلت هذه القصيدة؟ أين الكتب النقدية الجادة التي درست تجارب شعرائها الرواد، والأجيال الشعرية اللاحقة التي خرجت من معاطفهم، أو حاولت تجاوز تجاربهم الأولى التي شابها كثير من التجريب وحتى الفوضى كما في كل مغامرة أولى، خصوصا أنهم خرجوا للتو من موروث صلد ضخم شكل ذائقتنا الجمالية، وأشكال تلقينا للمنتج الأدبي، وربما لا يزال على نطاق واسع، وخصوصا على المستوى الجماهيري.

    كانت لرواد قصيدة النثر رؤاهم الشعرية والفلسفية، الغربية المصادر، وخصوصا الفرنسية، وهذه ليست بنقيصة، وحاولوا، خلق تراث مواز لما هو سائد، خصوصا أن قصيدة التفعيلة كانت في ذروتها، بغض النظر عن مدى نجاح بعضهم في تحويل هذه الرؤى إلى نتاج جمالي يمتلك مواصفات الشعر الحقيقي، الشعر الذي يبقى مهما كان شكله الفني، أعمودا كان أم تفعيلة أو قصيدة نثر.

    لكن ما حصل بعد ذلك هو نفي مطلق، شكلي، ليس صادرا عن معرفة بل عن جهل، لكل الأشكال الشعرية الأخرى، «وتعصب»، بكل المعنى الحقيقي للكلمة، لقصيدة النثر، هذا إذا لم نستخدم هنا تعبير «ميليشيا قصيدة النثر»، الذي استخدمه محمود درويش. وكلنا يتذكر الحملة الشعواء حقا التي شنها زملاؤنا المصريون على الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي لأنه عبر عن رأيه في بعض من يكتب هذه القصيدة.

    وأذكر أن شاعرة قصيدة نثر، تسكن في بقعة عربية محافظة جدا، قالت لي مرة بما يشبه «التقريع»: «كيف تكتب قصيدة تفعيلة وأنت تعيش في لندن؟» جاهلة أن قصيدة النثر لا تزال خجولة جدا في المشهد الشعري البريطاني، بعد أكثر من قرن من انطلاقتها في فرنسا وأميركا، وحتى المصطلح لا يزال غير مفهوم، وأن لا أحد يتساءل عن شكل القصيدة، بل عن الشعر، وإن ذلك، أخيرا، ليس له علاقة بالحداثة من قريب أو بعيد. فالحداثة ليست ترتيب أسطر فوق بعضها البعض، وإنما رؤيا اجتماعية وثقافية وجمالية شاملة.

    كان أنسي الحاج يرى أن شروط قصيدة النثر التي يجب أن تتحقق في القصيدة لتكون قصيدة نثر حقا، وليس مجرد قطعة نثرية كما أغلب قصائد النثر اليوم للأسف، هي شروط ثلاثة: «الإيجاز والتوهج والمجانية». أما سوزان برنار، أول منظرة لقصيدة النثر، فتقول إنها «قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحدة، مضغوطة، كقطعة من بلور.. خلق حر، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجا من كل تحديد، وشيء مضطرب،، إيحاءاته لا نهائية». وكما يجمع نقاد هذه القصيدة وشعراؤها، فإن لهذه القصيدة إيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية، التي تعتمد على الألفاظ وتتابعها، والصور وتكاملها.. إلخ.

    وقال تي. إس. إليوت مرة ما معناه إن قصيدة النثر بحاجة إلى شاعر عظيم (كان في ذهنه شارل بودلير على الأرجح).

    وقد يفسر هذا قلة شعراء قصيدة النثر الحقيقيين. قد يحتاج الشعراء الآخرون إلى «عكازات»، هي خارج القصيدة، كالوزن مثل الوزن والقافية، كالتفعيلة أو الوزن عموما، والموسيقى تأخذ بأياديهم حين يتوقفون. لكن شاعر قصيدة النثر عار تماما أمام نصه. لا أحد يستطيع دفعه لولوج عالم القصيدة المليء بالألغام غير المنظورة سوى نفسه. ولكن للأسف كثيرا ما تقتل هذا الألغام قسما كبيرا من شعراء قصيدة النثر، الذين يتصورون أنفسهم قد دخلوا أرضا منبسطة خضراء، فيفقدون حذرهم. كل هذا التدفق غير المنضبط، وهذا السفح للعواطف، والعبارة التي تقود إلى أخرى، واستسهال المفردة، واللعب المجاني الذي لا يخلق الغموض الشعري الحقيقي الذي يفرضه المعنى، قاد إلى فوضى هائلة نسميها «قصيدة النثر» التي أصبحت مطية لناقصي الموهبة الذين تحدث عنهم إليوت. والضحية الأولى: شعراء قصيدة النثر الحقيقيون.

    .
     
    أعجب بهذه المشاركة نصيرة تختوخ
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد العباس
    توطين قصيدة النثر في الوعي الشعري العربي


    النثر، بحسب جاك رنسيير لا يعني «مجرد الانتقال من سطر إلى آخر». ولا يمكن أن يكون كما يقول في كتابه «الكلمة الخرساء» مجرد تورية «تضع الواقع التجريبي في مواجهة خطاب الخيال». بمعنى أنه «الشكل الجوهري للتفكير». على اعتبار أن الأدب لا يُنتج إلا في رحم زمني. أي داخل عالم تاريخي مُعاش هو الذي يحدد حداثته. بمعنى أنه قيمة متشكّلة ضمن المستوجبات الفنية والموضوعية للحظة. إذ اختصر بودلير شرط الحداثة بصرخته «أحب زمني» التي اُعتبرت حينها وما زالت لافتةً للحداثة. وهو أول من دعا في حقل الشعر إلى ضرورة اتخاذ قصيدة النثر شكلاً حديثاً.

    بموجب تلك الرؤية التأسيسية، لا يمكن النظر إلى التوتر الناشئ ما بين الشعر والنثر إلا من منظور الحداثة. أو هذا ما يحدث دائماً، بحسب بول دي مان في كتابه «العمى والبصيرة - مقالات في بلاغة النقد المعاصر». إذ يؤكد على «استواء الأضداد في مصطلح الحداثة». وعلى هذا الأساس يتم التعاطي غالباً مع «الشكل الغنائي لا بوصفه شكلاً مستحدثاً بل بوصفه شكلاً لغوياً قديماً وتلقائياً، في مقابلة صريحة مع الأشكال التأملية الأكثر وعياً بالذات من أشكال الخطاب الأدبي في النثر». من هذا المنطلق يمكن مجادلة الرؤية العربية للحداثة الشعرية، وما يتداعى عنها من الممارسات الكتابية في المشهد المحلي في ما يتعلق بقصيدة النثر تحديداً، التي تغذى تنظيرياً وأدائياً من المرجعية العربية. أي في دعواها لدك آيديولوجيا القصيدة العمودية، والإفادة القصوى من قيم النثر. بعد مراودة الذات الشاعرة بالقطيعة مع القديم. إذ تم استلهام تسميتها من قاموس سوزان برنارد. وإعلانها كتمرد أعلى على نطاق الشكل الشعري. بل اعتمادها كخيار تعبيري.

    ولكن يبدو أن منطلقات التحديث الشعري لم تكن جذرية بل تراثية. وقد أُريد لها الانطلاق من فهم الموروث الكتابي العربي، وتأصيل تلك الخبرات اللغوية بمسحة عصرانية، لإكسابها سمة الثقافة الحية الحاضرة. كما بدا ذلك واضحاً في تنظيرات أدونيس وتقلباته في مقابل الفكرة الجارفة لقصيدة النثر عند أنسي الحاج. وهو الأمر الذي انعكس بصراحة فجة في منتج يعاني من الضجيج والخواء والزيف. كما عبّر عن ذلك التأفف طابور طويل من المبشرين بالفتح النثري. وعلى رغم مرور زمن طويل جداً على محاولات توطين قصيدة النثر في سياق الشعرية العربية، إلا أن السجال ما زال قائماً حول كثير من جوانبها الفنية واللافنية. فهي كمنتج لا تزال تعاني من إشكالية التعبير عن الهوية. وذلك من منظور المعنيين بإثبات شرعيتها الشعرية. كما أنها، من الوجهة الفنية، تصارع من أجل تخليق نظامها الجمالي الخاص. وهو ما يعني أن ما ولّدته الحداثة العربية من خلال هذا المظهر الكتابي، ما زال على محك التجريب، وفي طور التحدي لتجاور محدودية الحداثة الشعرية القائمة على الاكتفاء بإعادة تركيب اللغة في قوالب شكلانية.

    وباتت الذاكرة الشعرية العربية تختزن سجلاً ضخماً للسجالات التي أرادت توطين هذا القول الشعري، سواء بتحريفه عن منطلقاته، أم بإزاحته عن حواضنه المكانية وأعماقه الزمانية، لئلا يكون الآخر هو مصدر الحداثة. أو بإيجاد مرجعية تراثية توازيه، وتخفف من حدة طروحاته الصادمة للذائقة التقليدية، أو بإعادة النظر في قاعدة الموازين الشعرية القديمة وإيقاعاتها لاستيعابه، وأحياناً بمجادلة مضامينه المستحدثة والزعم بأنه ليس سوى إعادة إنتاج لمعانٍ قديمة وهكذا. وهو الأمر الذي انعكس بشكل تلقائي على منطلقات الكتابة العربية وآلية إنتاج النص. واللافت أن تلك السجالات التبسيطية لمكتسب إنساني كبير، التي تتسم بجاذبية المساءلة الموضوعية، لم تقارب الإشكالية إلا في المدار الماضوي وإغواء الشكلاني، وبالتالي فهي لم تخترق سقف الممنوع في المجادلة. إذ لم تسائل جوهر التفكير الإنساني الذي أنتج قفزات بودلير ووالت وايتمان المتجاوزة. أي أنها لم تتوقف إزاء رغبات الشاعر الحديث في عرض العالم، ولم تتلمس شكل تلك النبرة الثورية الجديدة المنذورة لمخاطبته.

    المساجلات الشعرية العربية هي مجرد حالة من التململ الذي يراوح في مكانه. إذ تكاد تنعدم فكرة التطرق للقيمة الجديدة التي يحملها وعي الشاعر الحديث وطبيعة الإحساس الذي يعبّر من خلاله عن اعتناقه وحماسته لتلك القيم. بمعنى أن الشاعر في هذا الصدد غير معني أصلاً بمنسوب وحقيقة تلك الطاقة الإنسانية المصوّرة بلغة شعرية مغايرة. المؤسسة على وحي وضعي دنيوي جارف، وكأن هذه الحداثة الثقافية عموماً اكتفت بالتحاور مع نفسها وموروثها.

    وبمقتضى هذا التفكير الحلقوي حدث الخلط بين قصيدة النثر، وكل ما يمكن أن يتشكل قولياً ضمن نثرية العالم من أشكال كتابية قديمة أو حديثة. وتم إهدار البعد الزمني للحداثة في مدار القول الشعري، من خلال تصعيد نماذج مستلّة من التراث. كما تم إثقال الخطاب النقدي بجرعات تبشيرية من قبيل الحدس، والرؤيا، وقصيدة الملاعين، المستمدة أصلاً من قاموس الآخر. مع الزعم بأن الحداثة العربية تضارع الحداثة الغربية. وكل تلك مجرد أعراض لما يصطلح هارولد بلوم على تسميته «انحراف المريد» وذلك في كتابه «قلق التأثر - نظرية في الشعر».

    إذ بالغ الشاعر والناقد العربي في الحركات التنقيحية والتكتم والتكامل التضادي، لينفصل عن الهوية ويبتكر النظير، الأمر الذي أدى إلى ارتباك فعل التوطين واستقبال منجز الآخر، في الوقت الذي يبدو فيه نصه مجرد نسخة مستجلبة ومعرّبة من تلك الدوائر. ولمعرفة سر تلك العطالة والاضطراب في منجز قصيدة النثر العربية، والإضراب الواضح الذي يصل إلى حد الرهاب مع ما يسميه تودروف «تعقيدات الكون الشعري» لا بد من التماس مع وعي المهلّلين لها كهوية شعرية عربية أصيلة، وكأداة للتماهي مع الآخر من الوجهة الإبداعية. الذين استعاروها، وأرادوا استدخالها في الشعرية العربية، باعتمادهم حداثة فضفاضة وحذرة. الأمر الذي استظهر أعراض الارتباك في «التسمية» ابتداء للمولود المستعار، والخلط الواضح ما بين قصيدة النثر والشعر الحر.

    ومرد الارتباك هنا هو غموض مصطلح الحداثة ومرونته.

    إذ تبدو - أي الحداثة - بدورها «سجينة الصراع مع نفسها» بحسب تعبير أوكتافيو باث. وبالتالي فهي ترتد على نفسها بنفسها، أو تطرح النقد بحسب تصوره «بالطريقة التي يطرح بها الأخطبوط الحبر». وهو ما يعني أن هذا الشكل من النقد الذي مارسه المعنيون بقصيدة النثر ارتدّ عليهم، بل شكّل إدانة لخطابهم.


    * الحياة

    .
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    استعادة لسجال قديم
    قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة: أيهما أقدم؟



    [​IMG]


    ارتبطت بنية القصيدة العربية الحديثة بفكرة الخروج على قوالب الفراهيدي. وينصرف الذهن، حين يدور الكلام على التجديد في الشعر العربي، إلى «قصيدة التفعيلة» كما ظهرت في العراق على أيدي نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي وغيرهم، مع أن «قصيدة النثر» كانت الأقدم من الناحية التاريخية، وإن لم تتقدم عليها من ناحية الفاعلية، بل تأخر اكتمالها وحضورها إلى أواخر خمسينيات القرن المنصرم على أيدي أدونيس ويوسف الخال ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وغيرهم أيضاً.
    هناك التباس بين مصطلح «الشعر الحر» ومفهوم قصيدة النثر؛ فقد جرى الخلط بينهما في أحيان كثيرة لدى النقاد والمؤرخين والدارسين. فالشعر الحر، على سبيل المثال، هو الشعر الذي تحرر من الشكل القديم للقصيدة العربية، أي البيت ذي المصراعين والقافية الواحدة، لكنه ظل ملتزماً التفعيلة. ومهما يكن الأمر، فإن التجديد في كتابة القصيدة الذي بدأ يثير سجالات متعاكسة منذ أوائل القرن العشرين اتخذ اتجاهين أو جناحين: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. ومع أن قصيدة التفعيلة تمكنت من أن تقصي القصيدة التقليدية عن مكانتها بالتدريج، وسيطرت على الكتابة الشعرية طوال الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم (مع استثناءات قليلة مثل محمد مهدي الجواهري في العراق وعمر أبو ريشة وبدوي الجبل وسليمان العيسى، وإلى حد ما نزار قباني في بداياته في سوريا)، إلا أن قصيدة النثر، وهي الأقدم تاريخياً، عادت لتحتل الميدان الشعري العربي، ولا سيما بعد سنة 1967، حين انطلقت، بقوة، عملية مراجعة شاملة طالت السياسة والثقافة والفنون والفكر والدين، وشرعت في نقد الماضي كله بما في ذلك الشعر نفسه، وهو أضعف أشكال التعبير. ولم يمنع الحضور الطاغي لقصيدة النثر استمرار المنازلة مع قصيدة التفعيلة التي تبارى فرسانها الكبار في ملعب الشعر، وقدموا ضروباً أخاذة من الإبداع أمثال خليل حاوي ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي ونزار قباني ولميعة عباس عمارة وكثيرون غيرهم. وفي أي حال فإن مصطلح «قصيدة النثر» شاع وترسخ على يدي أدونيس وكتاباته بالدرجة الأولى، فضلاً عن يوسف الخال ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وفؤاد رفقة ونذير العظمة وعصام محفوظ وآخرين.
    البدايات
    إن محاولات التفلت من عمود الشعر العربي ليست حديثة تماماً، وليس من الضروري أن نعود إلى زمن الموشحات والمواويل والقدود في الشام والأندلس للبرهان على تاريخية هذا الطراز من الشعر. ويمكننا أن نترصد البدايات الأولى قبل نحو 150 سنة، وهي بدايات في أي حال، وليست منهاجاً واضحاً ومتكاملاً في كتابة القصيدة، ولم يكن هدفها، في الأساس، التجديد في بنية القصيدة شكلاً ومضموناً، إنما التجريب فحسب، اقتفاء بشعراء أوروبيين. فالشاعر اللبناني نقولا فياض كتب شعراً منثوراً في كتابه «تقوى» الذي ظهر في سنة 1890، وأمين الريحاني الذي نشر قصائد من هذا الطراز في مجلة «الهلال» سنة 1905 (قصيدة «الحياة والموت»)، ثم في كتابه «هتاف الأودية» سنة 1910. وقد عبّر عن هذا الاتجاه في كتابة القصيدة (الشعر الحر أو الطليق) في مقدمته لديوان اللبناني منير الحسامي» الذي نشره صاحبه في سنة 1925 بعنوان «عرش الحب والجمال». وعلى هذا المنوال كتب خليل مطران مقطوعات من الشعر المنثور في سنة 1908. أما جبران خليل جبران (1883 ـ 1932) فقد تأثر بأسفار التوراة، وظهر ذلك جلياً في النصوص التي نشرها جبران بين 1903 و1908 في جريدة «المهاجر» التي كان يصدرها في نيويورك منذ سنة 1903 الشاعر والصحافي اللبناني أمين الغريب (1886 ـ 1971). وهذه النصوص التي نشرت تحت عنوان «دمعة وابتسامة» عمد الشاعر السوري المهجري نسيب عريضة إلى جمعها في كتاب نشره بالعنوان نفسه في سنة 1914. ونشر نسيب عريضة شعراً حراً في سنة 1917 (قصيدة «النهاية»). وعلى غراره نجد لدى مي زيادة شعراً منثوراً مقتفية أثر جبران في كتابيها «كلمات وإشارات» (1922) و»ظلمات وعشية» (1923). وفي جميع الأحوال كانت تلك المحاولات تجارب بدائية للتفلت من عمود الشعر، وهؤلاء لم تؤرقهم حرقة التجديد والحداثة وابتداع أشكال معاصرة للشعر العربي. وبهذا المعنى، فقد ساهم هؤلاء وغيرهم في عدم التهيب من تغيير شكل القصيدة العربية، فكانوا علامات في طريق طويل نحو التجديد الشعري، وزحزحوا، ولو قليلاً جداً، قداسة القصيدة التقليدية، ودحرجوا بعض الحجارة الصنمية التي كانت تسد انطلاقة التجديد في الشعر العربي.
    قصيدة النثر
    كانت مجلة «شعر» خاتمة لشوط طويل من التجديد المتعدد الأشكال في الشعر العربي المعاصر. وكان التجديد بدأ بمرحلة «الإحياء» في أواخر القرن التاسع عشر التي أراد روادها تخليص العربية مما لحق بها من الركاكة في العهد العثماني، وكان من أعلام هذه المرحلة أحمد شوقي ومحمود سامي البارودي وحافظ ابراهيم. ثم جاءت مرحلة «الديوان» التي لمع فيها عبد الرحمن شكري وابراهيم عبد القادر المازني وعباس محمود العقاد وغيرهم. وسميت بـ»مرحلة الديوان» لأن المازني والعقاد أصدرا مجلة «الديوان» في سنة 1921 متأثرين بالرومانسية الانكليزية. وهذه المدرسة غيّرت مفهوم الشعر فنقلته من التعبير عن الخارج (الوصف والمدح والرثاء) إلى التعبير عن الداخل (المشاعر)، وحوّلت اللغة الشعرية من الفخامة وجزالة اللفظ إلى لغة الحياة اليومية. ثم جاءت مرحلة «أبولو» في سنة 1932، وكان من أركانها علي محمود طه وابراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي. وفي تلك المرحلة تأثر هؤلاء الشعراء، ومعهم نفر من الشعراء المصريين، بالشعر الانكليزي، فيما كان الشعراء السوريون واللبنانيون أمثال عمر أبو ريشة والياس أبو شبكة وسعيد عقل وألبير أديب وأديب مظهر يتأثرون بالشعر الفرنسي. وفي سياق هذه المرحلة ظهرت «المدرسة المهجرية» ثم صدرت مجلة «القيثارة» في اللاذقية سنة 1946، وهي التي مهدت لظهور مجلة «شعر» في بيروت على أيدي مجموعة السوريين الخمسة (The Five Syrian Group) وهم: يوسف الخال (من عمار الحصن)، أدونيس (من قصابين بالقرب من جبلة)، نذير العظمة (من دمشق)، فؤاد رفقة (من الكفرون)، رياض نجيب الريس (من دمشق)، وانضم إليهم لاحقاً أنسي الحاج (من لبنان) ومحمد الماغوط (من السلمية) وشوقي أبي شقرا وعصام محفوظ (من لبنان أيضاً). وفي خط مواز ترسخت قصيدة النثر مع ألبير أديب وتوفيق صايغ وجبرا ابراهيم جبرا وسعدي يوسف.
    مَن الذي كتب قصيدة النثر أولاً؟ ومن هو رائدها الحقيقي؟ والجواب دونه عقبات منهجية وتاريخية ونقدية معاً؛ فالريادة الزمنية غير الريادة الإبداعية بالتأكيد، ولا أول في الشعر أو في الفكر، لأن مفهوم الأول ـ بحسب أدونيس ـ نقيض للشعر والفكر، وهو نوع من محاكاة «الخالق الأول». وفوق ذلك، فإن القيمة الفنية لا تكمن في البدء الزمني، فبشار بن برد بدأ التجديد في الشعر العربي القديم، لكن أبو نواس الذي جاء بعده هو الأهم. والشاعر ألوزيوس بيرتران هو أول من كتب قصيدة النثر في الشعر الفرنسي، لكن مالارميه ورامبو وبودلير أهم منه بما لا يقاس. ومع ذلك فإن الأسبقية الزمنية مهمة لأغراض الدراسة والتاريخ والتحقيب. وفي هذا الميدان كان الشاعر السوري علي الناصر (مواليد 1890) أول من نشر قصائد نثرية في سنة 1928، وبالتحديد في ديوانه «قصة قلب»، ثم أتبعه بديوان «الظمأ» في سنة 1931. ويُعد علي الناصر (الذي اغتيل في سنة 1972) مع الشاعر السوري أورخان ميسر، ولا سيما في ديوانهما المشترك «سريال» (1947) أول من مارسا الحرية في الشكل الشعري من دون أن يغرقا في التنظير لقضايا التجديد والتأصيل، وأول من كتبا قصيدة النثر بوعي وبرؤية.
    يمكننا أن نسرد قائمة الأوائل ممن كتبوا قصيدة النثر، وهي طويلة. لكن كثيرين من هؤلاء الأوائل لم يكن لهم أي أثر جدي في تطور القصيدة العربية ولا سيما في قصيدة النثر، إنما كانوا مجرد علامات متفاوتة القيمة الإبداعية في الطريق نحو اكتمال هذا الشكل الشعري، ومن بين هؤلاء الشاعر المصري حسين عفيف (1902ـ1979) الذي نشر شعراً منثوراً في ديوانه «مناجاة» سنة 1933، واللبناني المتمصر بشر فارس (1907ـ1963) الذي كتب بدوره شعراً نثرياً في ثلاثينيات القرن المنصرم، ونوري الراوي (1925ـ2014) من العراق الذي راح ينشر قصائد نثرية منذ سنة 1937 في مجلة «الرافدين» العراقية، وكذلك الشاعر المصري منير رمزي (مواليد 1925) الذي كتب قصائد نثرية منذ سنة 1943، لكنه لم يلبث أن انتحر في 25/5/1945، ومواطنه صالح علي الشرنوبي (مواليد 1924) في ديوانه «أصداف الشاطئ» الذي أصدره في سنة 1944، والذي يعتقد انه انتحر بدوره في سنة 1951، فضلاً عن الشعراء السوريين أمثال عبد العزيز أرناؤوط وجوهرة نعمان وفاضل كنج الذين كتبوا شعراً منثوراً منذ سنة 1945، ونشروه في مجلة «القيثارة» التي صدرت في اللاذقية في آذار 1946. وقصارى القول في هذا الحقل من التأريخ إن قصيدة النثر بدأت في سوريا مع علي الناصر وأورخان ميسر، وتألقت مع أدونيس ومحمد الماغوط، وازدهرت في بيروت مع مجلة «شعر» والشعراء اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين أمثال انسي الحاج وجبرا ابراهيم جبرا وسعدي يوسف.
    قصيدة التفعيلة
    ربما كان الشاعر المصري عبد الرحمن شكري (1886ـ1958) أول شاعر عربي في القرن العشرين فكر في الخروج على عمود الشعر العربي، وظهر ذلك في ديوانه «ضوء الفجر» (1909) ثم في ديوان «أزهار الخريف» (1919). وفي سنة 1911 نشر جميل صدقي الزهاوي (1863ـ1936) قصيدة ذات قواف متعددة، وأعاد نشرها مرة جديدة في ديوانه الذي أصدره في سنة 1924 (ديوان الزهاوي)، وتعرض جراء هذه المغامرة لهجوم حاد من الشاعر معروف الرصافي. وفي سنة 1911 أيضاً نشر الشاعر اللبناني وليم دياب (من دير القمر) قصائد من طراز شعر التفعيلة في جريدة «صدى بابل» البغدادية. لكن، لا جميل صدقي الزهاوي استمر في هذا النهج، ولا وليم دياب عرف كشاعر ذي شأن، إلى ان زار أمين الريحاني العراق في سنة 1922، فأيقظ فكرة التجديد في شكل القصيدة العربية. وتلقفت مجلة «الحرية» التي كان يصدرها في بغداد رفائيل بطي (1898ـ1954) هذه الأفكار، وراحت تحتفي بالزهاوي وأشعاره الجديدة، وتنشر قصائد حرة (أي من شعر التفعيلة) للشاعر اللبناني نقولا فياض وللعراقيين مراد ميخائيل ونسيم الذويد. وفي سنة 1933 نشر خليل شيبوب (لبناني متمصر توفي في سنة 1951) قصيدة «الشراع»، وهي من شعر التفعيلة، ونشر اللبناني سميح القصير (توفي في سنة 1944) قصيدة بعنوان «ما قد راح راح» في جريدة «الشباب» الطرابلسية (13/11/1933)، ثم نشر لاحقاً عدداً من قصائد التفعيلة هنا وهناك، بيد أن قصائد سميح القصير راحت مثلما راح هو نفسه في الغياب والنسيان، ولم يكن له أو لشعره أي أثر في التطور اللاحق للشعر العربي.
    يمكن القول إن الشاعر الأقدم الذي اكتملت لديه مبكراً فكرة قصيدة التفعيلة، وانخرط في كتابتها بوعي كامل منذ سنة 1942 هو السوري مصطفى البدوي (1912ـ1991)، وجاء بعده، زمنياً، نزار قباني الذي نشر في سنة 1943 قصيدة «اندفاع» التي ظهرت في ديوان «قالت لي السمراء» (1944). ومنذ سنة 1944 كان العراقي حسين مردان (1927ـ1972) قد بدأ يخط قصائد متحررة جزئياً من الوزن والقافية. وفي سنة 1945 ظهر الديوان اليتيم للباحث المصري لويس عوض (1915ـ1990) بعنوان «بلوتولاند وقصائد أخرى» ثم توقف عن كتابة الشعر. ولا أجازف في الاستنتاج إذا قلت إن الشاعر اللبناني فؤاد الخشن (1924ـ2006) قد سبق نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، وبالطبع عبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، في كتابة القصيدة الجديدة، أي قصيدة التفعيلة، وذلك عندما نشر في حزيران 1946 في مجلة «الأديب» البيروتية قصيدة «إلى ملهمتي» التي عُدّت فاتحة واعية ومكتملة لجيل كامل من المجددين في شكل القصيدة ومضمونها. أما قصيدة «الكوليرا» للشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة (1927ـ2007) فقد نشرتها مجلة «العروبة» في بيروت في 1/12/1947، واعتبرت بداية الشوط لتيار شعر التفعيلة أو «الشعر الحديث».
    لم يتنبه أحد من النقاد لقصيدة «الكوليرا» أو لديوان بدر شاكر السياب «أزهار ذابلة» الذي صدر في النصف الثاني من كانون الأول 1947، أي بعد نحو أسبوعين من نشر قصيدة «الكوليرا». وفي صيف 1949 صدر ديوان نازك الجديد «شظايا ورماد» وفيه بعض القصائد ذات الشكل الحديث، فقامت له ضجة كبيرة في صحف العراق، واستعيدت في إثر ذلك قصيدتها «الكوليرا». وفي آذار 1950 صدر ديوان «ملائكة وشياطين» لعبد الوهاب البياتي، ثم ظهر في أيلول 1950 ديوان «المساء الأخير» لشاذل طاقة لتبدأ مرحلة الاكتمال في الشعر الحديث. وفي سوريا كان نزار قباني يرجُّ بقوة رتابة القصيدة التقليدية، ويبشر بعوالم شعرية جديدة، وبلغة شعرية فريدة وغير مسبوقة على الاطلاق، الأمر الذي يتيح لنا القول إن نزار قباني هو الشاعر الأبعد أثراً، من بين جميع الشعراء العرب في تلك الحقبة، في تغيير لغة الشعر ومضمون الشعر والذائقة الشعرية معاً. ومهما يكن الأمر، فإن حركة الشعر الحديث التي بدأت في الشام وانتعشت في العراق، تمكنت من أن تحفر لنفسها مكانة مهمة إلى جانب شعراء الرومانسية الجديدة في سوريا امثال وصفي قرنفلي وعبد السلام عيون السود وعبد الباسط الصوفي الذين تحلقوا حول مجلة «الينبوع» الأدبية في حمص، وإلى جانب شعراء الرومانسية في لبنان امثال الياس ابو شبكة ويوسف غصوب والأخطل الصغير، فضلاً عن الرمزيين من عيار سعيد عقل وصلاح لبكي، بل إنها تمكنت من تجاوز التيارين الرومانسي والرمزي خلال أقل من عقد. وساهمت في ذلك أيضاً مجلة «القيثارة» التي أصدرتها في اللاذقية في حزيران 1946 «جماعة الشعر الحديث» التي كان من أركانها كمال فوزي الشرابي وعبد العزيز الأرناؤوط وعلي الناصر وأورخان ميسر، والتي احتضنت القصائد الأولى لأدونيس ويوسف الخال وفاتح المدرس وغيرهم، وكانت الخميرة النافعة التي نضجت في ما بعد في مجلة «شعر» في بيروت سنة 1957.
    ]]]
    استناداً إلى ما تقدم من تحقيب لتاريخ حركة الشعر الحديث بجناحيها قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، واعتماداً على الترتيب الزمني (كرونولوجيا) لتواريخ ظهور البدايات الأولى لهذه الحركة يمكن القول إن قصيدة «الكوليرا» لنازك الملائكة ما عادت تمثل نقطة البداية لانطلاقة الشعر الحديث، لأن قصيدة التفعيلة لم تظهر في بغداد سنة 1947 بحسب ما كانت تقوله الدراسات القديمة والتي صارت متقادمة، بل ظهرت في سوريا سنة 1942 مع مصطفى البدوي، وظهرت في لبنان منذ سنة 1946 مع فؤاد الخشن، قبل أن تنتعش في العراق. فهي، والحال هذه، شامية ـ عراقية امتدت كالنار في الهشيم إلى جميع أرجاء العالم العربي. ثم صارت تياراً شعرياً متكاملاً صاغ مقولاته شعراء سوريون مهاجرون إلى لبنان هم: يوسف الخال وأدونيس ومحمد الماغوط ونذير العظمة وفؤاد رفقة. وبهذا المعنى فإن التجديد في الشعر العربي الحديث ينسب إلى الشام والعراق بالدرجة الأولى.





    * جريدة السفير
    .
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    فاطمة المحسن
    عبدالقادر الجنابي وقصيدة النثر




    يسهم الشاعر والمترجم عبدالقادر الجنابي في كتابه " قصيدة النثر وما تتميز به فاطمة المحسنعن الشعر الحرّ" الصادر بالتعاون بين موقع ايلاف ودار الغاوون، في تفعيل الجدل حول اشكالية الشعر العربي المعاصر، ولعلها إشكالية تتعدى الجانب التاريخي لحضور الشعر في الثقافة العربية إلى ما يمس الصيغة المعرفية لصنّاع حداثته، والمآل الذي دفع بهذا الشعر اليوم إلى مواقع الظل في هذه الثقافة. وفي مقاربة المؤلف تحولات الحداثة الشعرية الغربية على مستوى الثقافتين الانكلوسكسونية والفرانكوفونية وربطها مع ما جاء به العرب من ثورات شعرية، يعطي انطباعاً بترجيحه الأسباب الخارجية في كل ما انجزه الشعر العربي الحديث وخاصة قصيدة النثر.

    هذا الكتاب حصيلة شغف الجنابي بالشعر وإطلالته الواسعة على عوالمه الغربية والعربية، ولعل أفضل ما فيه المتعة التي يوفرها لقارئه، شأنه شأن أحاديث الجنابي نفسه، التي تفيض بحماس صاحبها وتشعّب مصادره. انه أقرب الى جهد متعدد الجوانب جمع الكثير من الأطراف المبعثرة في سلة واحدة. ومع ان نصوصه مجموعة مقالات سبق ان نشرها المؤلف، غير انها تترابط في بنية واحدة وتدور حول موضوع راهن في الأدب العربي. ويستكمل الكتاب مهمته في نصوص وتعريفات وتعليقات وترجمات لرواد قصيدة النثر الفرنساويين.

    يدخل المؤلف إلى كتابه من مدخل الشعر العربي، ومن تواريخ انتقالاته، وخاصة قصيدة الشعر الحر التي كتبها السياب والملائكة، تلك التي جرى الجدل حول اسمها ونوعها. فالاعتراض الذي قدمه جبرا ابراهيم جبرا، كما يقول الجنابي، حول عدم صلاحية تسمية هذا الشعر بالحر، وانما يجب ان يُطلق هذا الاسم على شعره وشعر توفيق صايغ ومحمد الماغوط، لا يتفق كما يؤكد، مع من يعرف جيدا بتاريخ التحولات في الشعر الانكليزي، فأفضل القصائد الانكليزية التي سميت ب "الشعر الحر" هي تلك التي كتبها شعراء متضلّعون بالعروض استطاعوا التلاعب بالتفاعيل وبالمقاطع النبرية وغير النبرية لخلق وحدة وزن جديدة لقصائدهم. ويورد مثالًا قصيدة إليوت " أغنية حب جي ألفريد بروفوك" المسكونة بخماسي التفاعيل الإيامبي.

    وكي تكتمل الصورة في هذه المقارنة، يرى المؤلف ان دفاع نازك الملائكة عن الوزن ورفضها لحرية تصل النثر بالشعر، لا يختلف عن تصريحات رواد الشعر الحر كوليم كارلوس وليامز وباوند وإليوت، المضادة لشعر أخذ ينتشر باسم " الشعر الحر" في اللغة الانكليزية، بينما هو في نظرهم شعر نثري. كذلك يربط بين ما جاء في كتاب الملائكة " قضايا الشعر المعاصر" حول بداية الشعر الحر وظروفه، وبين مقالتي إليوت " الموسيقى في الشعر" و”تأملات في الشعر الحر" فهو يرى أن أفكارها هي عين الأفكار التي أتى بها إليوت. فكل تلك الآراء تصدر عن موقف دفاعي يخشى عواقب التمرد كما يقول. كما يكتب في التفاتة جميلة عن وجه الشبه في كل الثقافات في المواقف من الجديد الشعري، كما حصل في الثقافة الفرنسية حيث شَجَر النقاش حول من كتب القصيدة الحرة اولا، ومثلما حصل في العربية، اعتبر المحافظون الشعر الحر مؤامرة أجنبية.

    وكي يصل بيت القصيد في طرحه، يقارب ما تعنيه قصيدة النثر في الثقافة الفرنسية التي بدأت رحلة معكوسة في تحررها من القيود الشعرية، حيث سبقت " "الشعر الحر " فكانت المهاد او الأصل الذي انبثق عنها الشعر الحر. ويرى الجنابي ان كتاب " مانسيل جونز عن " الشعر الحر" الذي طبع في كيمبردج العام 1951، ثم اعيد طبعه العام1968، من أفضل المراجع الأولى حول حركة الشعر الفرنسي، لأهمية تعريفات هذا الكتاب وما تعنيه قصيدة النثر في الشعر الفرنسي. على هذا يرى ان المترجمين العرب بجهلهم به أهدروا فرصة " ستتيح للقاريء العربي أول تقديم تعريفي لمصطلح قصيدة النثر، فتترسخ في ذهنه بعض مميزات هذا الجنس الجديد، ولربما دفع هذا التعريف عددا من الشعراء الشباب آنذاك لارتكاب قصائد نثر عربية رائدة بالمعنى الصحيح للمصطلح" وفي الظن أن هذا الرأي الذي يربط بين الابداع والترجمات النقدية، يحمل قدرا من الوجاهة، ولكنه لا يستند الى تصوّر واقعي في تاريخ كل التحولات الشعرية في العالم. فكتاب سوزان برنار عن قصيدة النثر، كان موضع اهتمام مجلة " شعر" اللبنانية، وتكاد مقدمة انسي الحاج بأكملها في ديوانه الأول، تعتمد ترجمة الشاعر لبعض نصوص هذا الكتاب. كما الحال مع تصورات أدونيس او قواعده التي وضعها عن قصيدة النثر. بيد ان التجارب التي تبنّت قصيدة النثر، بما فيها تجربة أنسي الحاج نفسه كانت على اتصال بذائقة محلية او إبداع شخصي. فالحاج مثلا تضمنت قصيدته الكثير من الرومانسيات الكنسية، التي لا تشبه ما أتت به الترجمات عن قصيدة النثر الفرنسية، في حين كانت قصيدة الماغوط الذي يجهل شاعرها لغة أخرى، فتحاً شعرياً عفوياً من نوع مضاد، كان له تأثير حتى على الشعر الموزون.

    يرى الجنابي ان " قصيدة النثر العربية" بقيت محتقرة عروضياً حتى يومنا، لأنها لم تجد متبحّرا واحدا في العروض العربي، يخصص وقتا للعثور على تفاعيل بحور غير معروفة للأذن العربية كي يستطيع تصنيفها او يقوم بقراءة تقطيعية جديدة لها. ولعل هذا الرأي ينطوي على إقرار بأهمية العروض او القواعد كي يحتكم الناس إلى جودة القصيدة، في حين كانت الثورة الشعرية تعتمد في أساسها على نفي قاعدة تقيّد الشاعر بأصولها.

    اهتم الجنابي بقضية التأثيرات المتبادلة بين الفرنسية والانكليزية في انبثاق قصيدة النثر والشعر الحر عالمياً، فالشعر الفرنسي لا يعتمد على النبر كما الحال في الانكليزية حيث هناك شبح وزن بسيط يترصد من وراء الستار حتى في الشعر الأكثر حرية، على حد تعبير إليوت. في حين كل ما يحتاجه الشاعر في الفرنسية إلغاء حساب المقاطع. ولا نعرف لماذا يجهد الجنابي في مناقشة التجاذبات المفترضة بين شعر والت ويتمان وبودلير، مستندا على ما يراه " تشوشا كبيرا في الوسط الأدبي العربي حول علاقة ويتمان ببودلير" ولم يدلنا المؤلف عن مصادره العربية حول هذا التشوش. في حين ناقش مصدرين غربيين يتحدثان عن الاختلافات الواضحة في مطرحين من الشعرية العالمية ويتمان وبودلير، يتقاطعان كما هو سائد ومعروف.

    ولطالما قرأ الناس عن العلاقة بين شعر إدغار آلن بو وبودلير بعد ان ترجم الأخير شعر بو، واستخدمه ذريعة للتعبير عن حداثة بشّر بها في الحياة والأدب. وحيث كان بو الشاعر الملعون في اميركا، بسبب طبيعة أدبه الذي يحوي العجائبي والفانتازيا وتصوير النزعات الباطنية للشر والقبح سواء في قصصه البوليسية او قصائده، اراد بودلير، بل استطاع، خلق هذا النوع من الإداء الذي يحمل بصمات مرحلة ثقافية واجتماعية في فرنسا، ليتشكّل بعده جيل من الأدباء "الملعوني" وصولا الى السورياليين. لعل عمله هذا يشبه صنيع عزرا باوند وهو يهتدي الى طريقة جديدة في القول الشعري حين اكتشف الكونفوشية وشعر الهايكو للتوصل الى " تصويرية" تكاد ترتبط باسمه رغم ان هناك أسماء سبقته إليها.

    وفي الظن ان التجارب الشعرية بما فيها العربية، التي تنتج الجديد يبرز فيها وفي كل العصور عنصر التثاقف بين الحضارات والتلاقح بين اللغات، ولكن جديدها ينبع من زاوية نظر مبتكرة يطل منها المبدع على الثقافات الأخرى ليقدم مشروعه الخاص، او جديده الذي يحمل بصمته الشخصية وهويته الوطنية.


    .
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أحمد سواركة
    الذبيحة


    عليكَ أنْ تَتَذّكّر ،
    تتذكر الذبيحةَ وهي
    تُوَضِّح ُمَنسُوب الحياة .
    أنتَ بابٌ وقارب
    شارعٌ فَقير
    صَيفٌ تَوَّقَف عِند المَمْر
    وكأيّ شيءٍ موجود
    لكَ كوكبٌ
    وقطعةٌ مِن الليل
    أنتَ جدارٌ
    ومسافةٌ
    فكرة ٌلمْ تَحدُث

    وكذلك ، رائحةٌ لإخشابٍ في الليل وهي تَدور مع السفن .
    أنتَ حمّالٌ في ميناء القواربِ ، تشربُ صهريجاً مِن النبيذ لتضعَ يدكَ الخالية على بوابة الذات وهي ترسُف في محيط الأربعاء والسبت .
    ففكرة الوحدة كمشروع فلسفي لاتكفي . أنتَ بحاجة لموجةٍ طويلةٍ تصِل حياتكَ مَع حياةٍ أخرى .
    تَدورُ مع شخصٍ لا اسم لهُ ، تقاسمهُ خوفاً مجهزاً للغرف الصغيرة .
    ثم يفتحون كتاباَ في الماضي ، ينظرون من النوافذ بأحلام سوداء ويتخيلون سباقاتٍ للغيوم والأموات.
    أنتَ فقيرٌ في عصرين ، تَتكلم عَن أسراب الطيور ومواسم القتل وحركة السنين المُقيمة على الأبواب جميعا
    توّقف مع الفجر

    مَع الشجرة
    مع رُكنك المزعُوم
    السلالِم التي تَذوب في البيت المَهجور
    رياحُ النافذة القديمة
    أركان الشاي والشُعور بالبرد
    هنا أقلام نُحاسية وورق مَرزوم
    هُنا : أنا مَع الحوائط والأقفال
    موجودٌ بهيئاتٍ كثيرة
    أتَحدّثُ مَع الأشياء التي ظلّت مِن السَاكن القديم
    وأضمُها لِحياتي .

    .
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    قصيدة النثر التي كتبتُها
    سعدية مفرح



    كان قد مَرَّ وقت طويل على كتابتي لأوّل قصيدة نثر عندما اكتشفت أنني فعلتها، بل لعلّي اكتشفت عندها أنني تجاوزت مرحلة البدء إلى مرحلة الانغماس الكلّي في التجربة. ولا يعنيني كثيراً توثيق البداية كما يحدث- عادةً- بعصابية عربية، ثم إنني لا أعرف، بيقين، لماذا علينا- شعراء ونقّاداً ومتلقّين- أن نعرف تلك الحدود الفاصلة بين الجغرافيات الشعرية؟ ولماذا على الشعر أن يتجزَّر في جزر منفصلة لا يربط بينها إلا ماء التسميات المستمَدّة من جذر الشعر نفسه؟

    لا ضرورة، وتجربتي الذاتية في الكتابة الشعرية والتي تشظَّت حتى الآن بين كل التسميات السائدة للقصيدة تساندني.

    القصيدة هي القصيدة، ولم ينجح أحد على مَرّ التاريخ في تعريفها على الرغم من كل المحاولات التي لم تفلح إلا في تقديم النماذج التطبيقية، ولا أظنّ أن الشعراء والقرّاء بحاجة إلى القصيدة كأنموذج تطبيقي بقدر حاجتهم إليها كملاذ أخير للبشرية في بحثها الدوؤب عن الجمال المجرَّد.

    القصيدة هي القصيدة، ولا يهمّ- بعد ذلك- ماذا نسمّيها في إطار تلك التسميات التصنيفية التي تحاول النِّيْل من فكرة الشِّعْر برمّته، قصداً أو بغير قصد، وهي تجتهد في التصنيف.

    لست متأكِّدة تماماً من أن قصيدة «سبيل»: كُلّنا طيورٌ/ بأَجْنحةٍ مُفْردةٍ /كُلّنا/ السبيلُ الوحيدُ لنا/ كيْ نطيرْ / السبيلُ الوحيدُ لنا/ كيْ نُحلِّقُ في أَقاصي الأَعالي / لا نُبالي / أَنْ يُعانقَ أَحدُنا الآخر»، المنشورة في العام 1997م هي قصيدة النثر الأولى التي كتبتها، لكنها- على الأقل- الأولى التي نشرتها من دون أن أعرف أنني غمست روحي في بحر هذه القصيدة الإشكالية ذات النمط الملتبس، نظرياً. لقد بقيت أسبح في ذلك البحر طويلاً قبل أن أنتبه، أو ربما قبل أن ينبِّهني الآخرون إلى أنني أصبحت شاعرة قصيدة نثر، أنا التي خضت تجاربي الأولى وفقاً لعمود الشعر، وعندما أقدمت على مرحلة النشر كانت قصيدة التفعيلة هي عنواني الشعري الوحيد. ورغم اجتــهـاداتـي في البحث عن أشكال جديدة كنت أنتج نصّي قلقةً من شكله العام، لكن من غير أن أحدِّد ملامح ذلك القلق، على أن روحي ظلت دائماً توّاقة إلى كلّ مختلف ومخالف للسائد وشاذّ عن المألوف على الأقلّ.

    القصيدة هي القصيدة، والشِّعْر هو الشِّعْر.

    ودعوا عنكم تلك التعريفات التصنيفية التي لا نبغي أن تخرج من قاعات الدرس ومحفوظات طلّاب الأدب. أما الشعراء والمتلقّون فلن يفيدهم أن يصنِّفوا الشعر على أنه قصيدة نثر أو قصيدة تفعيلة أو قصيدة عمودية أو.. أو.. إلخ. فكما فشل البشر في تعريف الشِّعْر لا بُدّ لهم أن يفشلوا في تعريف كلّ قصيدة أو مدرسة شعرية على حِدة، حتى وهم يُخضِعون جميع ما أنتجه الشعراء من قصائد لاختبار التصنيف بغضّ النظر عن معاييره.

    الشِّعْر بَيِّن.

    والنثر بَيِّن.

    وبينهما أمور مشتبهات، لكن قصيدة النثر ليست منها، ولا ينبغي لها أن تكون. وطبعاً، لن أُستدرَج إلى مصيدة تعريفها، تلك المصيدة التي لاحقتني وما زالت تلاحقني من قِبَل كثيرين ممن يودّون أن يعرفوا ما هي قصيدة النثر، أو ما الفرق بينها وقصيدة التفعيلة، أما المنغمسون في وحل التقاليد التفكيرية المنتظمة، فلا يجدون غضاضة من المعتاد؛ كيف يمكن أن يكون نصّ بلا وزن ولا قافية، كما تربَّت ذائقتهم الشعرية تاريخياً عليهما، قصيدة؟

    وإجابتي التي بدأت عفوية وكأنها هروب من السؤال، قبل أن أتدرَّب عليها تدريجياً، فتصبح الإجابة التي تنتظر السؤال بتحفُّز: دعكم من كلّ التعريفات، وأخبروني هل هذا النص أعجبكم أم لا؟ ولا يهمّ- بعد ذلك- التسمية التي تودّون إطلاقها عليه، فلست، أمام أسئلتكم وقلقكم، مُصِرّة على أيّة تسمية جاهزة لهذا النصّ. أنا أسمّيه قصيدة، ولكم أن تسمّوه ما تشاؤون.

    أكثر السائلين لم يكونوا يقتنعون، لكنهم- أيضاً- لم يكونوا يعترضون، ولا أدري إن كنت أُهِين قصيدتي التي أكتبها وفقاً للشكل الذي يُسمّى قصيدة النثر عندما أسمح للآخرين أن يطلقوا عليها ما يشاؤون من تسميات، أو عندما أسمح لهم ألا يعدّوها قصيدة أصلاً. يخطر في بالي ذلك الخاطر بأسى أحياناً، لكن ما يهوِّن الأمر أنني أنا- أيضاً- لست من أختار لها هذا الاسم؛ «قصيدة النثر»، بل إنني لم أفعل سوى أنني كتبتها هكذا.. هكذا..هكذا!


    .
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    هدى فخر الدين
    قصيدة النثر والتراث العربي... ملاحظات متفرّقة في المنهج والمقاربة




    إن أكثر ما كُتب في قصيدة النثر قد وصل إلى طريق مسدود. لا مبالغة في القول إن النقد العربي فشل في تناول قصيدة النثر. فكل الكتابات النقدية فيها كتابات في المطلق تتطرق إلى ما هو زائد على الأدب، ما هو محيط به أو مجاور له. والمقاربة النقدية لقصيدة النثر مقاربة يبدو وكأن الجهد الأكبر فيها هو جهد لتفادي الشعر ولتلافي مواجهة النصوص. إذ يكتفي النقاد على الأغلب بوصف موضوعات قصيدة النثر، وبالتالي أخذها ذريعة للكلام على قضايا مجردة عامة كالحرية والقيود، العلاقة مع الآخر والعلاقة مع العالم وآدابه، العروبة والإرث الثقافي العربي أو الإسلامي... وكل هذه قضايا قد تكون مهمة ولكنها لا تقدم سبلاً لقراءة الشعر ولا للدخول في عالم النص الشعري. ومثال واحد على هذا هو كتاب الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بعنوان «قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء» الذي لا يذكر فيه حجازي أي شاعر من شعراء قصيدة النثر ولا يحاول النظر في نص من نصوصها، إلا أنه يرفضها مبدئياً. فقارئ حجازي ينتهي إلى أن الكاتب ليس مقتنعاً بقصيدة النثر لا نظرياً ولا عملياً ولا حتى فرضياً، ولكنه لا يتعلم أي شيء عن القصيدة موضوع الكتاب.
    لذلك يصعب الحكم على تجربة قصيدة النثر، وإنْ مرَّ ما يقارب الخمسين عاماً على انطلاقتها. كما يصعب الحديث عن إنجاز شعري لمشروع قصيدة النثر، ولكن تسهل الإشارة إلى أسئلة نقدية كثيرة طرحها النقاد حول قصيدة النثر: أسئلة متعلقة بطبيعة الشعر وشروطه وحدوده. فنحن لا نملك معايير للحكم عليها ولا منهجاً فنياً واضحاً لا لمهاجمتها ولا للانتصار لها. ما زال شكل قصيدة النثر أو ما زالت أشكالها خارج نطاق النقد، إذ يكتفي المدافع أو المهاجم بالإشارة إلى غياب الوزن، وكأن في ذلك تحديداً كافياً للشكل الشعري الجديد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجدل الدائر حول قصيدة النثر والوزن قد ظلم التراث الشعري العربي واختصره بالوزن. فكأن امرأ القيس كالفرزدق وعنترة كأبي تمام وابن الرومي كالحلاج، كلهم شعراء وزن على اختلاف أساليبهم ولغاتهم الشعرية!
    هذه المقاربة السطحية لقصيدة النثر وللتراث العربي معاً لها أسباب في المنهج التاريخي في دراسة الأدب، وهو الذي يجزّئ ويفصّل ويسلسل ولا يملك القدرة على الترفّع فوق هذا كله لتناول جماليات النص وقيمه الفنية.

    ثنائية الحديث والقديم

    يبدو أن دراسة قصيدة النثر والتراث العربي محاولة للجمع بين نقيضين، ذلك لأننا اعتدنا على فهم الأشكال الشعرية الحديثة ولا سيما قصيدة النثر على أنها في جوهرها تنافر مع التراث العربي أو وسيلة للخلاص منه. وهذا الخلل في مقاربة التراث العربي بشكل عام ناتج عن المقاربة التاريخية أو التاريخانية للأدب العربي التي تفترض أنه تراث بائد لا تبعات له ولا لدراسته. وهذه المقاربة ليست حكراً على المستشرقين وورثتهم ولكنها مقاربة للتراث العربي ورثها العرب. ينظرون إلى تراثهم الأدبي الشعري فلا يرون إلا تاريخاً ماضياً ما عليهم إلا الخروج منه ليحققوا الحداثة. وهذه المقاربة هي التي أورثتنا الفصل الحادّ بين ما هو قديم وما هو حديث. إذ باتت دراسة الأدب العربي إما بحثاً في تراث عتيق بائد أو تخطياً لهذا التراث وتغلّباً عليه سعياً وراء حداثة مرتجاة. وكأن الحداثة في جوهرها ليست بناء على التراث أو تجاوزاً له، بل تغلب عليه أو شفاء منه.
    يروي الدكتور ياروسلاف ستتكيفيتش، أستاذ الشعر الجاهلي الذي قضى سنوات طويلة مدرّساً في جامعة شيكاغو، عن حالة متكررة كان يواجهها، وهي ناتجة عن هذا الفهم السطحي للحداثة والتراث معاً. إذ كان يقصده طلاب من العرب وغير العرب للتخصّص في الأدب الجاهلي، فكان يبادر الواحد منهم بالسؤال الآتي: ما هو آخر أو أحدث ما قرأته في الشعر العربي؟ وغالباً ما كان يأتي الجواب: لا اهتمام عندي بالشعر الحديث، أنا مهتم بالجاهلي فقط. هذا، يعلق ستتكيفيتش، مثل مَن يجهد في حفر بئر عميق آملاً أن يجد في قاعه ما هو ثمين، ولكنه يجد نفسه في نهاية الأمر في قاع الحفرة من دون وسيلة للخروج منها، ولا لإخراج ما وجده فيها. لا يمكنك أن تقدر الثمين في قاع البئر ولا أن تخبر عنه ما لم تتزوّد، في طريقك إليه، بالتحولات والتطورات التي لحقته ونمت منه، مهما تكن قد ابتعدت عنه. فهي الطريق للوصول إليه وهي الطريق للعودة منه أو معه إلى هذه اللحظة التي نحن فيها الآن. أن تعلن اهتماماً بالشعر القديم من دون أن تقيم علاقة مع الشعر الحديث، هو أن تقفز في بئر من دون أن تأخذ معك سلماً أو حبلاً يصلك بالسطح، وكذلك أن تدّعي اهتماماً بالحديث من دون غيره، فكأنك تحاول الوقوف في فوهة البئر معلقاً في الهواء.
    نحن إذاً نفتقر في نظرتنا إلى التراث الأدبي العربي إلى مشروع نقدي قادر على النفاذ إلى فنيات النص الشعري أو النثري، نفتقر إلى منهج نقدي ينطلق من التحليل والتفصيل ويتجاوزهما ليتعامل مع العمل الفني كوحدة قائمة بذاتها. علينا أن نتخلّص من النظرة التاريخانية لنخرج الأدب العربي من زنزانات العصور والحقب، وأن نتذكر أن الزمن من منظور نقدي أدبي ليس إلا مجرد ظروف طارئة على الأدب، ملابسات خارجية ليست في جوهر الأدب المكتفي بذاته.

    أين قصيدة النثر في التراث العربي؟

    من هذا المنطلق ليس مكتوباً على دراسة في قصيدة النثر والتراث العربي أن تكون دراسة متناقضات بالضرورة. إلا أن العودة إلى التراث العربي بحثاً عن قصيدة النثر أو عن أصول لها ليس رحلة سهلة النتائج. فإذا بدأنا ببعض الأسماء التي يشير إليها منظرو قصيدة النثر كمراجع لما يكتبون، لن تنجلي حيرتنا تجاه شكل قصيدة النثر وطرحها الشعري بل ستزداد وتتعقد. فالنفري مثلاً وهو أحد الذين تكثر الاشارة إليهم كمرجع لقصيدة النثر في التراث العربي، ذو لغة شعرية، وما كتبه من نثر هو نثر مميز، ولكن هل قصد إلى كتابة شيء غير النثر؟ هل قصد إلى تنظيم النثر أو وضعه في نظام شكلي بنائي مختلف، كما تفيد كلمة «قصيدة»؟
    سأتوقف هنا عند المصطلح «قصيدة» انطلاقاً من عبارة لأنسي الحاج في مقدمة «لن»:
    «أما القصيدة فهي أصعب مع نفسها من الشعر مع نفسه.... القصيدة، لا الشعر، هي العالم الذي يسعى الشاعر، بشعره، إلى خلقه... فالقصيدة، العالم المستقل الكامل المكتفي بنفسه، هي الصعبة البناء على تراب النثر، وهو المنفلش والمنفتح والمرسل، وليس الشعر ما يتعذر على النثر تقديمه».
    القصيدة إذاً نظام، بناء، عالم مستقل بذاته، ترتيب للغة لا يوجد خارج القصيدة. وقد يكون الوزن أحد سبل الترتيب والتنظيم ولكنه ليس بالضرورة السبيل الوحيد، إلا أن المهم هو أن يدرك الشاعر إذا أراد بناء قصيدة، ما هو عنصره المنظّم أو ما هي عناصره المنظّمة. لا بد للشعر من شيء من التدبير ليسكن قصيدة. وإلا فهو موجود، لا في النثر فقط، بل في كل شيء.
    بناء على هذا الفهم للقصيدة يمكن أن نجد الكثير مما قد نسمح لأنفسنا بتسميته قصائد نثر في ما كتبه النفري في «المواقف والمخاطبات» أو في ما كتبه التوحيدي في «المقابسات» مثلاً. وقد يصحّ القول في المقابل إنه لا قصيدةَ نثر في التراث العربي، بل أمثلة كثيرة على النثر الشعري أو الفني. لا جدوى إذاً من البحث في التراث العربي عن قصيدة النثر، لأن كل سابقة لها هي افتراض جدلي. وأنا أميل إلى القول إن ما يذكره البعض من تاريخ عربي لها، هو تاريخ متخيّل لاحق بها، يحبّ من خلاله منظرو قصيدة النثر تصويرها نتيجة تجارب طويلة في أشكال الشعر الأخرى ولا سيما الموزونة منها، إلا أننا في الحقيقة لا نجد أدلة على هذا في تجارب شعرائها. فمعظمهم، لم تكن لهم تجارب تُذكر في الشعر الموزون.
    فكأن الشعر الموزون (مختصراً بهذا العنصر الوحيد: الوزن) ضرورة جدلية نظرية لتسويغ قصيدة النثر أو لجعل الحاجة إليها أكثر إلحاحاً. كما أن هذا التاريخ المتخيَّل محاولة لإضفاء شيء من الشرعية على شكل شعري طارئ. الأجدى نقدياً في رأيي هو البحث في أصولها الغربية، والتعمّق في إقامة علاقة نقدية معها تتجاوز قضية الوزن. فقراءة قصيدة النثر في ضوء قضية الوزن قراءة سلبية، لأن القضية هنا ليست قضية وزن بل قضية شعر، واللاحق أوسع بكثير من السابق. والشعر هنا ليس مناقضاً للنثر بل محتضناً له. «فنثر الشعر شعر»، كما يقول الشاعر والروائي عباس بيضون. «وهو نثر مختلف عن نثر النثر أو نثر الرواية»، لأنه اختراق وتركيز ويؤدي إلى ما يصفه بيضون بالحدث الشعري. ومادة هذا الحدث، بحسب بيضون، هي الإيقاع والمعنى. فهو يعود بنا إذاً إلى البعد البلاغي الذي يبدو أن فيه يكمن ذاك السر الذي يحوّل اللغة العادية إلى حدث أو اختراق أو تجاوز... أو شعر.
    وقد يُعيننا في بحثنا عن قراءة إيجابية لقصيدة النثر فهمٌ جمالي بلاغي لما كتبه بودلير ورامبو ومالارميه وويتمان وستيفنز وتراكل وغيرهم. وهذه قضية لم يولِها النقاد والشعراء العرب الاهتمام الكافي. فقصيدة النثر العربية قائمة، كما يبدو في ما يكتب فيها وعنها، على مناقضتها لما هو موزون، ولم يستطع النقد الذي تناولها أن ينفذ إلى طرح شعري أو مشروع بلاغي أعمق من ذلك.

    ما الفائدة إذاً من دراسة قصيدة النثر في ضوء التراث؟

    يمكن أن تكون لهذا التاريخ المتخيَّل قيمة نقدية، لأنه يوفر لغة نقدية مناسبة للكلام على قصيدة النثر أو على إمكانيتها على الأقل. وقد قدّم لنا التراث النقدي مفاهيم قادرة على تجاوز قضية الوزن إلى ما هو أكثر اتصالاً بجوهر النظرة الشعرية إلى العالم أو إلى «اللغة الشعرية» القادرة على خلق المعاني. أذكر في هذا السياق نظرية «النظم» عند عبد القاهر الجرجاني مثلاً. فالنقد العربي القديم، وإن بدا مُصرّاً على الوزن كعنصر أساسي في تعريف الشعر، كان أكثر تساهلاً فيه مما يُخيّل إلينا اليوم. إذ يسارع كثيرون من النقاد المعتمدين على الوزن لتعريف الشعر إلى تأكيد أنه وحده لا يكفي لتحقيق الشعر.
    فقدامة بن جعفر مثلاً، بعد تحديد عناصر الشعر الأربعة، يشدّد على أهمية المؤالفة أو التآلف بين العناصر المختلفة. هذه القدرة على إيجاد التناسب بين العناصر المختلفة تفوق، بأهميتها في تحقيق الشعر، أهمية أي من العناصر وحده، إذ يقول: «إن الشاعر هو الذي يشعر من معاني القول وإصابة الوصف بما لا يشعر به غيره... فكل من كان خارجاً عن هذا الوصف ليس بشاعر وإن أتى بكلام موزون مقفّى».
    والتوحيدي، مثلاً، يشير إلى أن الوزن قد يكون عاملاً في إفساد الشعر أحياناً، إذا لم يكن طبيعة لدى الشاعر. الوزن المتكلّف قيد يُدخل الشعر في «حصار العروض». ويتابع التوحيدي فيفرّق بين الأوزان والألحان التي هي أوسع وأرحب منها. ويُدخل مصطلح الإيقاع في المعادلة، ويتكلم على إيقاع للشــعر وإيقاع للنثر، ثم ينتهي إلى القول إن «أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر ونثر كأنه نظم».
    إن العودة إلى التراث النقدي العربي قد تغني اللغة النقدية الحديثة وتخفف من وطأة الوزن على ما نسمّيه قديماً أو تراثياً. والانطلاق في دراسة قصيدة النثر من التراث الشعري، ومن تجاوز الحواجز التاريخية النافلة، يوفر إمكانيةً لتحرير الشعر العربي قديماً وحديثاً من المقاربات النقدية القاصرة، التي تغرق في تركيزها على الجزئيات كالوزن، وتفقد قدرتها على التعامل مع العمل الفني كوحدة متكاملة. الوزن وحده ما عاد مدخلاً صالحاً للحديث عن الشعر لا قديماً ولا حديثاً، ولعل البعد البلاغي الذي شهد إنجازات وتطوّرات هائلة في التراث العربي، قد يصلح مدخلاً جامعاً، يمكن النفاذ منه إلى جوهر شعري تشترك فيه التجارب الشعرية، سواء كانت تستعين بالوزن أو تتحرر منه.
    في محاضرة ألقاها أمام جمع من المستعربين أو المستشرقين في أكسفورد العام 1966، يطرح الدكتور ستتكيفيتش على مستمعيه سؤالاً، يجد فيه معياراً للحكم على مدى نجاح الدراسات التي تتناول الأدب العربي في اللغات الأخرى، مدى نجاحها في تقديم شيء ذي قيمة خارج دوائر المتخصصين الضيقة. يقول ستتكيفيتش يجب أن نسأل أنفسنا: «هل نستطيع أن نحث شاعراً ناشئاً في اللغة الانكليزية على أن يجد قرابة إبداعية مع امرئ القيس أو المتنبي؟». آمل أن نتمكن نحن، دارسو الأدب ومحبوه من أبناء اللغة العربية، من حث شاعر ناشئ في اللغة العربية، ناقم على الوزن، أن يجد قرابة إبداعية مع الشاعرين نفسيهما. عندها نكون قد خرجنا من قاع البئر ووجدنا أرضاً صلبة لنقد شعري عربي متصالح مع نفسه.


    .
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    يوسف الصائغ
    شمّة أفيون



    "نشرت هذه القصيدة للراحل يوسف الصائغ , في عدد مجلة شعر البيروتية , صيف 1962 . وحسب الشاعر فإنه كتبها في العام 1956 "

    *
    *

    في أية مدينة أنا ،
    أيها العابرون ، أين نحنُ؟

    لو كان هذا بلدي ، عرفني أهلي
    لو كانت هذه مدينتي .. وجدتُ على الرابيةِ منزلي.

    لستُ في حيّنا ..
    أيها العابرون لستُ منكم.

    العابرون صمّ . أهلُ المدينة من حجر
    قطعوا آذانهم ، وشيطانٌ استلّ من فهم ألسنتهم.

    - أيّ إلهٍ طردكم من الجنة؟
    أيّ حقد سحقكم باللعنة
    أيّ سوط نقش هذا الوشم على ظهوركم؟

    أيّها البواب ، أين أنا؟
    أيّ عالم هذا؟
    أين أنتَ ..؟ ونحنُ؟

    - ضجيج السواعد قويّ في المعمل فلا أسمعُ ، ارفع صوتك أيها الغريب.

    - أيها البوّاب
    أين أنا ؟
    أين أنت ونحنُ؟

    - المشنقةُ تبتلعُها الشمسُ
    فلا تظهر في الظلام
    انها تخجلُ من ضوء القمر.

    - أيها العابرون ،
    إن كنتم من آدم فأجيبوا .
    أضعتُ طريقي ولا أدري إلى أين أسير

    ألا تعرفون الحقيقة؟
    - لا ترفع صوتك فيسمعك الخفير
    فقد تزوّج الأمير الحقيقة !

    مَنْ زرع هذه الجموع في العراء؟
    مَنْ زرعها وما حصد؟

    - السّماء صافية أيها الجمع
    صافية ، لا غيمة فيها
    فلماذا تفتحون أفواهكم؟

    - "سيعتصرُ الجبار هذه الزرقة
    وستسقطُ قطرات في أفواهنا"
    هكذا قال الكاهن ،
    وهكذا سمعنا في المعبد ،

    - أيها الطفل..
    أليس في ثدي أمك حليب؟
    لماذا أضعتَ شفتيك؟
    ولمن أهديت معدتك الصغيرة؟

    ضجرت أمي من بكائي
    فقطعت ثدييها
    وباعت فمي ، فلم ينبت لي أسنان
    ولن يتحرك لساني بكلام.

    - صوتك مرتفع .
    لا تحدثني !
    ابتعدْ . وإلا أكلك الخفير !

    هربتُ
    من الشاعر هربتُ
    كصبيّ فزع من الوحش
    وكفتاةٍ يتبعها المغتصبون.

    الى بيتنا هربتُ.
    لو كان لنا بيت
    ثقبٌ في خندق
    وسردابٌ في خربة مهجورة.

    أوصدتُ الباب ،
    فأنا وحدي
    غرفتي ترتعشُ كالشتاء
    وتصمتُ كالأبدية.

    سرير تابوتٌ مفروش
    ولحافي كالشهوة.

    أضاجع سريري كلّ يوم
    أضاجعه فلا يحبل
    كل يوم أقبر فيه نفسي.

    أوصدتُ الباب
    في المساء أوصدتُ الباب
    ونمتُ بلا صلاة.

    عند رأسي مسيحٌ معلّق
    صلبتْهُ أمي..
    وعلقته فوق رأسي.

    عيناه باردتان كالوحدة
    وفمه مطبق كالألم.

    مَنْ صلبك أيها المسيح؟
    مَنْ صلبك؟ تكلّم !

    لن يبتلعني الزمان
    ولن تلتف حولي عقاربه !

    سأسحقُ ساعتي بأسناني
    وسأبتلعُ دقاتها الكسلى..

    دفنتُ الزمان في بالوعتنا
    وقطعتُ أذنيّ فلن أسمع !
    أهناك مَنْ يناديني؟

    - مَنْ يعلمني كيف أكون انساناً ؟ أو مَنْ يقول لي مَنْ أنا ، لأعرف نفسي وأموت؟ ألا يعود أبي فأحدثه؟ ألا يعود ، فأسأله من أين جاء بي ويصدقني أين ذهب.
    ذهبتُ إلى غرفته ، وطرقتُ الباب ، طرقتُ لم أجده ووجدتُ عظاماً ، سألتُها فلم تجب.
    ألم يعد في الوجود لسان؟ مَنْ اقتطف هذه الألسنة ؟ والى أيّ بلدٍ صدّرها؟

    أوصدتُ الباب وعلى يميني سكايري ، والمنفضةُ مليئةٌ بالأعقاب ، لكنّ حنجرتي تتألم وصدري يضيق كالبئر ، وأسعلُ فأبصقُ دماً وألطّخ منديلي ، فبأي دمعٍ ستغسله أمي؟
    الدخانُ لذيذ لكنه يقرض رئتيّ ، وشفتاي تنتقمان منه بحقد. اذا انتهت سكايري فمَنْ يفتح الباب؟ مَنْ يفتحه اذا انتهيتُ ومَنْ يحملُني الى المقبرة؟ لأن جسدي سينتنُّ.
    أيّ خبيث وضع النهاية للأشياء؟ مَنْ علّمها أن تنتهي؟ الوجودُ أقوى من النهاية . لن أفتح الباب ، فليطرقه أصدقائي . ستقول أمي (ليس هنا) فيبحثون عني وينسونني ، فلأصدقائي زوجاتٌ وأطفال ، سأسكرُ وأنسى سأقهقه ملءَ صدري ، وسأرقصُ عارياً ، سأرقصُ مثل هنديّ موتور ، وسأهزّ مثله أعضائي ، وسيقول الناس (مجنون) ويحبسونني في زنزانة ، فأعرف وجه سجّاني ، سأشتري ملامحه بعقلي.
    الباب موصد ، أيتها الشياطين كيف خرجتُ ، وكيف عدتُ الى مكاني ؟
    سرتُ في الشارع ولم أخف ، ومرقتُ بين السيارات ولم تدهسني وما التقيتُ بصديق ، ولم أصافح أحدا.
    رأيتُ بقالنا نائماً على بضاعته ، لم يساومني ، فقد سرقته !
    الناس يسيرون بلا أقدام ، ويتكلمون فلا يُسمع لهم صوت ، أما أنا فكنتُ أضحك ، وترتعشُ في يميني قنينتي .
    كيف عدتُ ولم أته؟ كيف عدتُ وما تبعتُ الهاربين؟
    ...أغلقتُ الباب ، سأفتحُ الكوّة ، وعما قليلٍ يزورني القمر فأقاسمه خمرتي...
    سأكفّن نفسي مع أنثى ، وأبقى ساهراً حتى يودّعني القمر.
    أنا ثملٌ ولكني أعرفُ نفسي وأعرفكم يا أصدقائي . لشدّ ما أنتم عراة ! أليس في حديقتكم ورقة تين؟
    .......................
    لا ترم العقب أيها العابر ، بل أعطنيه ، وسأصلي لك كثيراً.
    ...طربٌ أنا ، فمع من أرقص؟ مَنْ أحدّثُ بهذياني ؟
    بعثتُ أمي لتخطبَ بنت الجيران ، فقد رأيتُها تغتسل وعرفتُ ماذا تفعل . عادتْ أمي وفي يدها رماد.
    جارتنا حذاؤها من ذهب ، وفخذها مصقولةٌ بالدراهم ، والشهوةُ تفوح من تحت إبطها.
    أما من هنديّ يعلمني السحر ، فأسحر جارتي ؟ لترقص معي . ابتلعتُ ألف لحن ، وعروقي مشدودةٌ كالأوتار.
    جارتُنا تصفر لي عند الباب ، أيتها الشياطين هل أفتحُ لها؟
    - أنا وحشٌ فابعدي. أنتِ لا تعرفين الظلام ولم يلسعك الفراشُ بعد.
    - افتح فقد نضج الرمّان وانتفض العنب متفجراً من الصيف.
    - افتح فقد نام أبي ، رأيته من شق الباب وقد التحقت به أمي.
    - أنا عفنٌ ولحيتي طويلة ، وليس على منضدتي عطر.
    - أنا مخمورٌ قذر ، شربتُ نهراً من الخمر ولم أغتسل منذ سنين ، وأظافري طويلةٌ كالقضاء.
    - إن لم تفتح سأتمطّى على قضبان النافذة ، وسيلعنك دمي.
    أوصدتُ بابي فغرفتي مقبرة ، وسريري نعش ، ولحافي كفن ، ولن يبكي عليّ أحد !
    (شهادتي) معلّقة على الجدار ، مَنْ يخلعُ صورتي عن هذه الورقة؟ ذهبتُ أبيعها فما اشتراها البقّال ، وما أعطاني بثمنها بُلغة ، سأموتُ . مَنْ يشتري هذه الورقة؟ أليس من سمسار يبيعها في المزاد فأشتري بثمنها كفني؟
    أوصدتُ الباب فلن أفتحه ، ففي رتاجه كهرباء ، ومزلاجه عنيد كالموت.
    تلفّت فما وجدتُ أحداً ، حتى نفسي ابتلعتها الوحدةُ و بصقتْها على الجدران ، فلونها وسخ.
    مَنْ وضع المرآة على الحائط ، مَنْ صلبها بمسامير ، وقتل روحها فهي كلّ شيء؟
    دسستُ وجهي في المرآة ، بَقَرتُها فما أجهضتني.
    أين أنا؟ أيتها المرأةُ . مَنْ أنا؟ هل تعرفينني؟
    متى حبلتِ أيتها البغي؟ مَنْ قذف في أحشائك هذا المسخ؟ عيناه باردتان كقطبين ، تافهتان كبصقةٍ على رجل.
    مجنونةٌ أنتِ ، فما هذا وجهي ، من أية مقبرة جاءني هذا الشحوب؟
    منخراي كمدخنتي سفينة ، وأنفاسي تتكاثفُ دخاناً..
    تكذبين أيتها المرآة ، تكذبين.
    سأحطمكِ ، مَنْ يدري بجريمتي ؟ فالباب موصدٌ أيتها المرآة !
    أسمعُ عواء المدينة ، فالمدينةُ وراء بابي ، يتمطى عليها التاريخ وتسكرُ ببول الثعالب ، وشبابُها يُضاجعُ الفراغ.
    - إلى أين يسير هذا الحوذي؟ ليس لعجلاته قضبان ، وحصانه لا يتغذى بالنفط.
    سوطه قصير كالحياة ، ضعيفٌ كرمق عجوز ، فكيف يكتريه الأمير البدين؟
    ....
    بضاعتُك قذرةٌ أيها البقال ، رأيتُكَ تنظفها بلعابك ، وخفيةً ذقتَ اللبن بإصبعكَ ، فهو نجسٌ كغريب.
    ...
    أصابعُكَ مقضومةٌ أيها العامل ، فكيف تصنع الحذاء؟ وكيف تلبسه بنتُ الأمير؟
    سأبتلعه إن طردتني ، سأبتلعه إن طردتني ، سأبتلعه فتنبتُ أصابعي وسأحفرُ بها مليون قبر.
    - أيتها العجوز ألا تقرئين لي طفي؟ ألا تلمسين خطّ حياتي؟
    - خطوطكَ بلهاء كسحري ، وسحري خبيثٌ كالمال ، يا صبيّة.
    - أيتها العجوز ، يا ساحرة ، ألا تقرئين لي فنجاني؟ تركني أميري ، فهل يعود؟ فوسادتي تأكل نفسها ، أستحلفك بكل الشياطين ، أنفثي لي ورقة ، وسأسقيها أميري بمدامعي.
    - خطوطكِ طلسمٌ مخنثٌ ، يا صبية ، وكفك يابسةٌ من المكانس.
    - أمي ماتت ، فدارنا وسخةٌ بالذكور ، أشطفها كلّ يوم ، أشطفها فلا تنظف.
    - الأبيض لن يكون أسود ، والحليب لا ينقلبُ الى ماء ، قولي (انشا الله) يا صبيّة.
    - (انشا لله) يا جدتي ، (انشا لله) . هل سأشبعُ؟ أيمتلئ قدري بالرمق؟
    - ألبض ، أبيض لن يسود ، والأسود لا يغسله الصابون.
    - شدت شفتيك العافية ، يا جدتي (انشالله) ألف (انشالله) ، العجوز نفثتْ في سرتي . سأتزوج ، ولن أكون عانساً.
    مهرُ حبيبتي دموع ، فمَنْ يعلّمني البكاء؟ مَنْ يعلّمني ، فأدعو له بحبيبة؟
    - دموعي محرقة ، يا حبيبتي ، وقطراتها لن تغسل لك وجنتيك.
    - بدموعك أغتسلُ عند الفجر ، وبها ألهو ، فأعرف أنك تحبني.
    - هل يُباع الدمع في السوق ، فأشتريه ؟ ألم يعلبه التاجر الأوروبي؟
    - أنت قاسٍ يا حبيبي ..أنت أقصى من الحرمان . عبثاً تمتصّ أجفاني سأبحثُ عن غيرك.
    - شربت أمي عبراتي ، شربتها يا صغيرتي وأنا طفل ، وسقتني الحليب عوضاً عنها ، فابتسمت زهرةٌ على فمي.
    الباب موصدٌ ، ولن يراني أحدٌ ، أيتها الكبرياء ،لماذا لا أبكي؟
    - غرفتك باردة ، وستجمد دموعك. تتساقطُ فتأكلها الفئران فكيف أزين بها عنقي؟
    الباب موصدٌ كصخرة ، والجدران تصغي بلا لسان ، أتسمعني يا إلهي؟
    .........
    إنْ أمت ، فأين أقبر؟ أيّ دودٍ لا يتقزز مني ؟ وعبثاً تغسلني أمّي .
    سرّتي مشدودةٌ بالرحم ، فمَنْ يسندُ لي رأسي ؟
    الجنازة حملها المشيعون ، حملوها ، فأكلت أكتافهم . ثقيلةٌ ، ثقيلة على كاهلي ، ليتكم تحملونني ، فأنا لا أستطيعُ حمل جثتي.
    في الهوة نزل الحفار ، نزل ولم يقبر نفسه !
    - مَنْ ولدك أيها الحفار؟ أي رحم مترب لفظك؟
    يدك خشنةٌ كمشار ، وملامحكَ أقسى من القبر ، وفي ملابسك يهرش الدود.
    - قديمٌ أنا كالحياة ، كالتراب ، ولن يلتقمني قبري.
    .........
    القبر مضغ الجثة ، والميت يضاجع الوحدة ، وستنبتُ فوق القبر أعشابٌ سيأكلها الناس في أسمارهم.
    - ضاع القبر بين القبور . أين دفنتم ولدي لأزوره وأبكي ونعول عليه ، أنا وكنّتي وجيراني.
    - القبر لن يضيع ، يا امرأة ! ، ابحثي عنه في ديارك ، وافتقديه على سرير زوجك.
    ....الباب موصد ، والزمان يابسٌ على عتبتي ، وحدي ، فلن تراني عينٌ ، حتى عيني لا تبصرني.
    معدتي تمضغُ السموم ، وأمعائي تمتصّ الأحقاد.
    نضجتُ ، فكيف أتزوج؟ كبرتُ ، فكيف أقبر نفسي؟
    - لزفافكَ دعوتُ الأصدقاء ، ودعوتُ ألف مزمار ، واكتريتُ عشرين حنجرة تزغردُ.
    - هل مهّدت سريري يا أمّي؟ هل أسدلت النوافذ فلا يشمّنا أحد؟
    - اسكروا ، اسكروا يا أصدقائي.
    - أنا خائفة يا أمي ، خجلة ، فماذا أصنع؟
    - دقوا للعروس يا عازفين ! غنّوا لها فتتشجع.
    - أنا فرحةٌ بخوفي ، وأتمنى لو يقبرني في فراشه ، لكن ، قولي ، كيف أصنع؟
    ....في الظلام تنفست الحياة ، وتغامز الضوء مع القدر ، وعلى السرير جسد واحد ؛ فقد شطرت حواء التفاحة.
    الباب موصد ، والنعاس أدركني ، وتعثرت بالموت أجفاني وفي عظامي نعيب الشهوة.
    كتبتُ لحبيبتي ألف رسالة ، كتبتُها فابتلعتني وما سمعتني فتاتي.
    - أحبّك كما أحبّ الطعام ، وكالنفس الذي أنشقه كلّ ثانية.
    - أنت غريبٌ يا حبيبي فلن أستطيع . ودينك ليس من دين أهلي.
    - قلبكِ من لحم ، وفي عروقكِ دماء ، وعظامكِ مجنونة كعظامي.
    - أخي عند الباب ، لا أستطيع ، لقد قفلوا على عفافي.
    .....مجنونٌ أنا ، ماذا أريد؟ أليس من شيطانٍ أبيعه نفسي؟ فوحدتي مسعورة كالحمى ، وفراشي أكلته أحشائي.
    - إن لم تعودي ، فسأبيعكِ بقبلة ، سأشتري سواكِ من السوق.
    - غضبك حالمٌ يا فتاي ، وشهوتكَ نسيتها في ثديي ، فأين تهربُ مني؟

    الباب موصدٌ ، كيف خرجتُ ؟ وكيف عدت ولم تأكلني الجحيم؟
    أنا في الغرفة ملكٌ ، أنا إله ما حبلت بي أنثى
    تاجي يمتلكني ، وعجلاته تسير بي في كلّ سماء.
    - معتوه أنت فمن يصغي اليك ؟ حتى اذناك لا تفهمان ما تقول.
    معتوهٌ لكنّ غرفتي جنّة أبحتُ ثمارها للجميع فهي مليئةٌ بالخطاة.
    - اللعنة قاتمة على جبينك . حتى دموعك لا تبكي عليك.
    - إن كنتَ إلهاً ، فأين مقبرتك؟ أو كنتَ أميراً فأين مشنقتك؟
    - لو كنت جميلاً كالسوط . لو كنتُ جميلاً أيها التافهون
    - أيها الشاب تكلم ، ماذا لو كنت جميلاً؟
    - لو كنتُ جميلاً كالكبرياء وكان لي جسم أفعى ، وكانت بشرتي كخمرةٍ عتقها الراهب.
    - ولو كان ذلك ، فما تفعل؟
    - لو كنت جميلاً كليلة إثم ، وكنتَ مراوغاً كفراش داعر ، وكان جسدي مجبولاً بالخطيئة.
    - جميلٌ أنتَ كشيطان ، جميلٌ أنتَ أيها الشاب ، وسأضاجعك حتى أستنفد شهوتي ، وأذوق لذة حرمانك.
    - لو كنت جميلاً كعذراء تتهتك ، وكانت لي شفتا زنجيّ.
    - أنتَ إله يا جميلي . أنتَ ألذّ من عفافي ، فلماذا تعذبني .
    - لو كنت جميلاً كالظمأ ، لو كنتُ مجنوناً كنهد أسمر ، كفتاة هندية...
    - حبيبي أنت تقتلني ، أنتَ أجمل من ليلة زفافي ، أنتَ أجمل من إله. إليَّ ، ففراشي يئنّ ، ويتألمُ كامرأة أدركها المخاض.

    مَنْ شرب الضياء من غرفتي؟ مَنْ تركني في العتمة أتخبط؟ أتثاءبُ ولا يمتلئُ صدري ، أتنفسُ وأختنقُ بالهواء.
    وحدتي كناووس في العراء.
    أريد
    مَنْ يبيعني ارادة؟ مَنْ يضعها في قبضتي فتتصلب؟ مَنْ يشد بها فمي ، فأقهقه كمليون شيطان؟
    أنا ضعيفٌ كحصانٍ هرم ، وأرادتي بعتها للكهنة فسدّوا بها مقبرتي!
    مَنْ يهبني ارادة كالوجود! مَنْ يعلمني ماذا أريد؟ وسأقتلعُ (الهملايا) من مهدها ، وسأطعمها للأغوار.
    أريد !
    من يسقيني الإرادة لأعود طفلاً من جديد وأنشأ ثانيةً كعفريت ، فأبني لي مملكة مجنونة ، مملكة لا تبكي فيها العيون..
    أريد. أنا مجنون..فصدقوني – وأتمنى لو صبغتُ العالم بالحنان ، أعزف لهم بقيثارتي وأسحرهم ، فلا يموتون !
    أنا ظامئ...
    شفتاي نارٌ وخمرتي شربتُها في طفولتي ، فمن يبل لساني؟
    - لو كنتِ هنا ما ظمئتُ !
    - حبيبي ، ادعني فأهرعُ ، سأسقيكَ من عروقي.
    - أنا وحيد ، وأغلقت الوحشة بابي ، فكيف تزورينني يا حبيبة؟
    - مُرني ، فأطيرُ إليك ، اسألني ففي حلمتيّ قطرتان.
    - مَنْ خلقكِ من التواضعِ ؟ أيّ شيطان جعلكِ ضعيفة؟
    أحلامي زرعتُها في ألف فدّان ، وسوّرتُ أرضي بصلاتي ، سنحرسُها أنا وامرأتي وكلبي.
    سأصلي لها لكي تحبل ، سأصلي ، فيرحمها المطر.
    - أيها الغريب ما تفعل ببابنا ، وعلام تتلفتُ كخائن؟
    "زوجتي حلبت بقرتنا وخبزها حار من التنور . قدّمي للضيف يا زوجتي".
    - يا صبية ! ما اسمكِ يا صبيّة ؟ بماذا يناديك زوجكِ الفلاح؟
    أناملُكِ سنابلُ رشيقةٌ ، وجسمُكِ مليءٌ كعنقود.
    - عيناكَ مالحتان ، أيها الغريب . عيناكَ تُرعشان هُدب زوجتي وتذكّرانها بالخطيئة.
    ....سمعتُ أصدقائي على الباب ، سمعتُهم يسألون عني . وقالت أمي (لقد مات) ..واستنجد كلّ من أصدقائي دمعة !

    دموع أصدقائي لعنتني ، وهمساتهم أثارت حقدي.
    - أيتها المرأة ، كيف مات ابنكِ؟ كيف مات؟ كان كالصبح وكانت عيناه تنبضان بالحياة.
    - لبستُ الحداد على ولدي ، دفن ولدي نفسه بالسرير فذابت اثره أحشائي.
    - حيّ أنا يا اماه ، حي كنبضات المحبة ، لكني غفوتُ رويداً فأيقظني نواحك.
    جاء الجيران والمعزّون يملؤون البيت . والنجّار أحضر التابوت ، لمن اشتريتُ حدادي؟
    - حيّ أنا يا اماه ، وحليبكِ لا يزال في عروقي ، يا مرضعتي.
    - حبيبي حرقنا البخور ، نثرت النادبات الشعور ، لقد حفرنا قبراً.
    - أنا هنا يا أمي ، أنا هنا أقوى من الفناء ، أقوى من حدادك المفجوع.
    - ولدي .هصرتُ عيوني ، لمن أعددتُ الدموع ؟ وخطيبتك رسمت شفتيها ، والناس في الدار عابسون ، كلهم يتنهدُ كالحسرة.
    - احضري الإبريق ، سأغتسلُ ، سأحلقُ لحيتي وأتعطر ، وسأستحمُ بالشمس ، يلفني الضياء فلا أخجل ، وسأطرد جميع المعزين وأبحثُ لي عن حبيبة.
    - ولدي لا تخجلني ، لا تخجل شيخوختي ، حبيبي لا تصمني أمام الجيران!.
    - أنا هنا يا أماه ، لقد ولدتُ من العدم ، ويدٌ مباركةٌ أيقظتني.
    - مُت لأجلي يا صبيّ ، أستحلفكَ بالأمومة ، وبكلّ دمعة ذرفتها لأجلك.
    - حياتي تفور كبركان ، وارادتي تتفتح كالعنفوان ، لن أموت يا أمي.
    .......
    فتحتُ بابي ، فأنّتْ عظامُهُ ، وتثاءب مزلاجه في يدي.
    غرفتي نتنةٌ كالخيانة ، وجسمي يتشوّق الى الماء.
    أنا صامدٌ أنا قويّ ، عروقي مشدودةٌ الى الحياة ، وبراعمي أقوى من الصقيع.
    - أين ذهب الشتاء يا حبيبتي؟ في أيّ كهف اختبأتْ ثلوجه؟
    - عربتنا يا حُبّي عند الباب ، والمرج تلبسه الحياة ، والربيع سيقود مركبتنا.
    - سأبني لك بيتاً على الشمس ، وسأدعو العالم الى وليمتي . وفي عرسنا ، سنرقصُ إلى الأبد.


    .
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    يوسف عبد العزيز
    لقصيدة النّثر العربية "ماما " الناقدة الفرنسية سوزان برنار ... المرجعيّة الملتبسة



    ثلاثةٌ وخمسون عاماً مرّت، على صدور كتاب “قصيدة النثر: من بودلير حتى أيّامنا الحاضرة”، للنّاقدة الفرنسيّة سوزان برنار، التي كانت قد ألّفته في الأصل لنيل شهادة الدكتوراه من الجامعة. ثلاثةٌ وخمسون عاماً مرّت، ولا يزال هذا الكتاب هو المرجع الوحيد تقريباً لقصيدة النثر العربية!

    تغيّرات عاصفة طرأت على العالم، منذ العام 1959، وأصابت كلّ شيء. أمّا الشعر في العالم، وفي العالم العربي على وجه الخصوص، فقد شهد نقلات نوعية وإضافات هائلة، أحدثتها موجات جديدة من الشعراء. في الخمسينيّات برز هناك عدد محدود من الشعراء العرب الذين عُرِفوا بالرّوّاد، والذين تقاسموا رسم المشهد الشعري العربي العام. في العقود التالية أصبح لدينا أعداد عظيمة من الشعراء، الذين أثروا المشهد الشّعري العربي بمساهماتهم المميّزة، بحيث بات هذا المشهد بحراً متلاطماً من الرؤى والأفكار.

    على مستوى العالم، شهد الشعر مجموعة كبيرة من الانعطافات، التي غيّرت في مفهومه وماهيّته. شعوب جديدة دخلت على المشهد الشعري، وأحدثت فيه تصدّعات عنيفة وانفجارات مدوّية، لا تزال أصداؤها تتردّد عبر الجهات الأربع. أمّا كتاب سوزان برنار السابق ذكره، فقد أصبح نسياً منسيّاً في الغرب، خاصّةً في فرنسا موطن برنار، ولم يعد أحد هناك يأبه بكل ما جاء فيه. على العكس من ذلك فقد أصبح الاتّجاه الغالب لدى الشعراء في الغرب، هو قصيدة الوزن الشعري.

    من هي سوزان برنار هذه ليتأبّد اسمها على صفحات التاريخ الشعري العربي، وتصبح (ماما) قصيدة النثر العربية؟

    قصيدة النثر كما تعرّفها سوزان برنار هي: “قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة مضغوطة كقطعة من بلّور... خلق حرّ ليس من ضرورة غير رغبة المؤلّف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب إيحاءاته لا نهائية”. ثمّة مواصفات تراها برنار أيضاً لقصيدة النثر منها (الإيجاز، التّوهّج، المجانية، الصدمة الشعرية).

    إننا لو تأمّلنا التعريف السابق لقصيدة النثر، لرأينا أنّ هناك ما يشبه الاجتهاد في توصيف هذا الشكل من الكتابة الشعرية. وفي هذا الاجتهاد ثمّة جرأة خاصّة ومغامرة غير محسوبة النتائج! ذلك أنّه لا أحد على الإطلاق، يمكنه أن يضع تعريفاً بهذا التحديد لحالة من الشعر تسمّى بقصيدة النثر. هل يمكن لعاقل في العالم أن يعرّف الموسيقى؟ هل يمكن أن نقول عنها مثلاً إنّها مجموعة من الأصوات؟

    الشعر غامض وبعيد، ولا يمكن لنا أن نطاله بالكلام وحده. إنّه يمكن أن يُسمع مشهدياً، أو يُرى على هيئة أصوات أيضاً!

    نحن هنا لا نناقش شرعية قصيدة النثر من عدمها، خاصّةً وأنّ هناك تيّاراً عظيماً في الكتابة الشعرية العربية اسمه (قصيدة النثر)، له سدنته ورموزه ونقّاده وجمهوره، ولكننا هنا نتحاور حول المرجعية اليتيمة لقصيدة النثر، التي ظلّت منذ أكثر من نصف قرن تشدّ رقبة الكتابة الشعرية العربية بهذه الخيوط الواهية.

    كتاب برنار ظلّ مرجعيّةً شكلية لقصيدة النثر العربية، فقد تمّت قراءته حال صدوره عام 1959 ربّما من قبل عدد محدود من الأفراد، بينما القارئ العربي لم يتسنّ له الاطلاع على الكتاب إلا في العام 1993، حين صدر عن دار المأمون العراقية، ثمّ بعد أن أعيد نشره في العام 1999 عن مؤسسة الأهرام في القاهرة.

    لقد كانت تلك المرجعية إذن بمثابة استيهامات تناقلها الشعراء، أكثر من كونها أشياء واضحة ومحددة بين أيديهم. لدينا هنا ثلاثة أجيال شعرية وربما أكثر، ظلّت تركن في واقع الأمر، إلى مرجعية غائمة وغير واضحة المعالم. وإذا ما أضفنا إلى هذه النقطة مسألة (القطيعة الشعرية مع الماضي البائد) التي أطلقها منظّرو قصيدة النثر العربية منذ البدايات، فسوف تتضح لنا الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تشظّي هذا النّوع من الكتابة الشعرية، وتفتته إلى ألف شكل وشكل:

    ثمّة من يكتب بناء على موهبة أصيلة، ثمة من يكتب بناء على ربع موهبة، ثمة من يكتب بناء على تقليد صورة النّص المترجم إلى العربية، والذي قد يكون في الأصل نصّاً موزوناً، ثمّة من يكتب وفي اعتقاده أنّ كل كلام يتم توزيعه على الورق توزيعاً خاصّاً هو شعر.

    لكنّ القاسم المشترك عند الجميع هو القطيعة، والقطيعة مع أي جهة؟ مع الشعر العربي.

    والآن لنتأمّل المشهد العام لقصيدة النثر: قصيدة بمرجعية باهتة غير مطّلع عليها اسمها كتاب سوزان برنار، وفي الوقت نفسه هي قصيدة تقيم القطيعة مع الشعر العربي، أي تعاديه، ولا تتفق معه في الرؤى والأفكار، لا تنهل من مياهه ولا تشترك معه في الطريقة التي يقارب من خلالها الحياة والوجود. كيف يكتب الشاعر إذن، دون مرجعية واضحة، ودون ماضٍ شعري؟

    يا له من مأزق، ومن مأزق قاتل!!!

    للخروج من هذا المأزق، لا بدّ من الحوار في الهواء الطّلق عن كل ما يتّصل بقصيدة النثر. لقد آن الأوان لإعادة النّظر في كلّ شيء يمت لها بصلة، وأوّل ما ينبغي الحديث فيه هما المرجعية والقطيعة.

    في تصوّري فليست هناك من مرجعية لأي شعر في العالم سوى الشعر نفسه. ومرجعية قصيدة النثر ينبغي أن تتّكئ على الشعر العربي بشكل أساسي، وعلى الإضافات التي حقّقها المنجز الشعري العالمي.

    في الواقع لا يوجد هناك شعر عظيم وخصب ومتعدّد، مثل الشعر العربي، الذي يمتدّ تاريخه الطويل منذ الحقبة الجاهلية إلى أيامنا الحاضرة. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الشعر الجاهلي هو وريث شعر الحضارات القديمة، كما هي اللغة العربية التي ورثت ما سبقها من لغات. هذه مسألة، والمسألة الأخرى فالشعر العربي شعر ديناميكي ومتحوّل، يؤثّر ويتأثّر، وقد أثّر هذا الشعر أعني الشعر العربي تأثيراً حاسماً في الشعر الأوروبي في العصور الوسطى، كان ذلك عن طريق كلٍّ من الأندلس وجنوب إيطاليا. إنّ ظاهرة شعراء الترابادور وقصيدة السوناتا والشعر الغنائي عموماً هي من المؤثّرات الشعرية العربية.

    بسبب ذلك كلّه تغدو العودة إلى ينابيع الشعر العربي بمثابة منقذ لقصيدة النثر العربية. إنّها العودة إلى الحضن الدافئ بعد رحلة التيه الطويلة التي امتدت على مدار أكثر من نصف قرن، وبعد حكاية القطيعة التي دمّرت هذه القصيدة وسلبت من عروقها الدّم

    .
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    غريبٌ في تلك المدينة
    ---------------------


    كنتُ غريبا في تلك المدينة ولذا
    آثرتُ أنْ أَحْلِقَ شَعْرِي في المَحَلّ المُسَمَّى
    "عند حَلَّاق الغُرباء"
    أصبحتُ وصاحبَه، بمرور الأيّام، صديقَيْن
    ومرّة أغلقَ مَحلَّه واختفى أيّامًا
    وحين عاد، أهداني قنِّينةَ فودكا
    قال إنّه جلبها لي من بلدة ما في روسيا
    فقد سافر إليها خلال الأسبوع الأخير لأنَّ لَه
    خالةً هناك
    نَفَقَتْ لها نَعْجَات
    ومضى لِيُعزِّيها
    ذلك كان من جميل المصادفات
    ففي تلك الأيّامَ بالضّبط كنتُ قَدْ
    بدأتُ أدرسُ الرُّوسِيّة
    على يَدِ امرأة جميلة
    امرأةٍ كانَ بمقدورها ألَّا تستقبل
    الموسيقى بأذنيها إذا هي شاءتْ
    وأن تَشُمّها شمًّا وهذا ما يُفَسِّر كيف أنّها كانت أحيانًا
    تَرقصُ حتّى على
    طنين نَحْلَة
    فهذا الطَّنين إذْ كانتْ تجعلُه ينفُذُ عَبْرَ خيشوميها
    كان يسري في عظامها
    وقدْ أصبح عارمًا مثلما سيمفونية تعزفها أوركسترا
    متحمِّسة
    وكنتُ أمضي إلى مَحَلِّ صديقي من حين لآخر
    وكان يحدُثُ أن يتسلَّلَ أمواتٌ
    بين زبائنِهِ ليقُصَّ لهمْ
    شَعْرَهُمْ
    قال لي إنّ واحِدًا منهم كان في حياته
    عُضوًا
    في الأكاديمية الفرنسية
    لَمْ يحدُثْ أن تحدَّث صديقي بأمرهمْ لأَحَدٍ غيري
    ولا وَقَعَ أنْ تكلّمتُ عنهمْ إلَّا مع
    نفسي
    ولا ندري كيف نُمِيَ الخبرُ إلى البوليس
    الذين عمدوا إلى دَسِّ مُخبرين
    حول المقابر
    قبل أيّام كنّا، ثلاثتُنا، نتعشّى معًا
    وبدا لي أَنَّ الحلَّاقَ صديقي
    لو تزوّج من أستاذتي الجميلة
    لَشكّلا أُسرةً سعيدة
    ولأنجبا ولا شكّ أطفالًا
    عجيبي الذّكاء
    أمّا أنا فرَبُّ بيتٍ منذ سنين طوال
    أستيقظُ باكرا في كلّ يومٍ وأمضي إلى الغابة
    لأخطبَ في العصافير
    وفي المساء أَكْرَعُ الكثير
    من قناني
    البيرة


    .
     
    آخر تعديل: ‏6/6/15
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جلال الحكماوي
    ساحة لافيكيرا

    لو كنت سكيراً
    بساحة لافيكيرا
    لعرفت لماذا تهرب مني أحلامي
    إلى الغرف المشبوهة
    كضربات حظ سيئة
    .لم تصوبها الآلهة بدقة


    2.


    محطة سانطا بولونيا
    موحشة كقلبي
    تحضن ظل مهاجر وتلقي بآخر
    في عربات جنين أصابه الجدري
    .وأوقعته التأشيرات في حب صنارة


    3.

    بار الخنازير
    (على الطاولة الهزيلة زجاجات (بورطو
    صالة تغازل قططاً بورجوازية
    (وفلاحاً من (فراكاش
    نام من شدة الضياع
    .على سعال نشرة أخبار مريضة بالسل


    4.

    قرصان
    يسطو على رغباتي
    التي تشاجرت بالسكاكين مع مومياء
    مجهولة
    في مرآة خطيرة مطلقة بالثلاث
    وتركت لي على عجل
    .زكام وضوح على جناح دمعة


    5.

    A … لشبونة – كويمبرا
    انتظار القطارات السريعة

    مثل التماعة قُبَلٍ خاطفة
    تغمرها في ظهرك ايرلندية حزينة
    خرجت للتو
    من خيال سفن داعرة أصابها الجنون
    البارحة


    ..
     
    آخر تعديل: ‏6/6/15
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    وفاء العمراني
    هيأت لك

    للغريب الضارب في أغوار ندري
    لمزاميره الطالعة من ضراوة الخفق
    لأرضه المجلوة بفتنة القتل
    لجرحه لأعراسه
    للغة أشيائه
    لياسمينة أودعتها عزلة غاباته
    ذات قصيدة
    لملح شهواته في دمي
    لحلمي النبيذي القديم
    لليلتنا التي لم تكن
    حفي نبضي
    ليأتيني الحبيب
    همست غفوة قزحية عند فجرها
    لساحي
    سأهيئ آتي و أمسي
    رؤاي مداري وسحري
    وحدتي الشامخة
    أنفاسي عطر البراري
    زينتي و اشتهائي
    احتفاء القول حناياي
    عصفي و انسيابي
    ليأتيني الحصاد
    سأهيئ له قمحي
    آهل ويانع كالحضور غيابه
    طافح به الوقت الحواس السريرة
    ركوة القهوة
    شرفتي المكتب وردتها
    الوسادة الموحشة المرآة الثوب
    زعتر بلاده و سماء القلب المشروخة
    كأني همسته
    مثل ظلي رويدا أفيء إليه
    كالضوء كالفجاءة كالصوت
    ينشر علي ضوعه
    ليأتيني الأتي
    سأهيئ ارضي له
    مشوبا ببعضي
    ينبث كاليمام فوق فراش نهاري
    البحر سجاياه
    و خفاياي عهده
    كن التيه وتخطفني
    كن الموج وجددني
    كن الشكل و نمنمني
    كن الخضرة واو رقني
    كن الماء
    ليأتني البهي
    سأهيئ له كلي
    باب يشرعه علينا الصهيل
    ظمأ الحقول في شفتيه اشتعالي
    كلماته سرير لحنيني
    أنا ملؤه و ملئي لظاه
    أواكب جنحيه
    وأحادر أن أهب عليه
    منذ بدء البنفسج
    تعرفته الخلايا
    جربته
    أيقنته
    أدمنته
    أدمنت أوائله
    يبغي جذعي فروعه
    ويشتهي الليل غمره
    لو يأتيني القصي
    ...هيأة العمر له



    .
     
    آخر تعديل: ‏6/6/15
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد بنميلود
    عليك أن تصف عمامة الرجل العجوز الأعمى المتسول


    [​IMG]


    عليك أن تصف عمامة الرجل العجوز الأعمى المتسول المتلوّية فوق رأسه كأفعى الحصاد، وتصف نظّاراته البلاستيكية السوداء المربوطة بسلك لإخفاء محاجره، وتصف جلبابه الرث، وبلغته التي عضتها الكلاب طيلة الليل، وتصف الطريق المتربة الطويلة التي أمامه، وتصف الظهيرة القائظة، والجفاف الطويل، وأكواخ الحي المرحّل المهدومة على يمينه وعلى يساره، والسوق البعيدة الخالية من الشكلاطة والألعاب، وقرقعة عكّازته فوق الحصى، وحدسه للحفر والآبار، وتعُدّ الريالات القليلة التي في جيبه، وبطارية المذياع الفارغة التي يحتفظ بها ليعضّها أو ليغليها في الماء، وزر معطف مفقود، وتصف طريقة تبوله على شجرة الكاليبتوس، بتأبط عكازته، ورفع جلبابه، وإنزال سرواله حتى قدميه كأصفاد، وإمساكه لجلبابه بأسنانه، ولعكازته بيد، ولخرطوم سقي الكاليبتوس بيد، وتصف عجيزته الشبيهة برغيف الجنازة، وتقول: ليس على الأعمى حرج، وأنه لم يتعرَّ ليبول، بل ليضاجع الشجرة.
    يا لها من مهمة عسيرة، مهمة تتبع خطوات البؤساء، هؤلاء الذين لأمر غريب، تأتيني منهم طاقة لا أستطيع مقاومتها، طاقة شبيهة بضوء لمبة في القرية، ورائحة عشاء لذيذ، ونباح كلاب بعيدة. طاقة صناديق الأجداد الفارغة المقفلة، طاقة الهناءة المفقودة.




    ****


    محمد بنميلود
    سقطت ورقة من شجرة التوت



    سقطت ورقة من شجرة التوت ولم تصل إلى الأرض تبعناها حتى وجدنا أنها فراشة. لم نكن نرى جيدا بسبب السباحة ساعات طويلة في النهر نغطس بعيون مفتوحة بحثا عن الفرنكات في طمي القاع. كيف ستشرح ذلك لشخص من المدينة؟ كيف ستشرح له أنك حين أحببت أول مرة أحببت بنت حصّاد، كان شعرها أشقر كالسنابل، وكانت تربي طاووسا صغيرا. هل سبق لك أن رأيت كتاكيت الطاووس؟
    ذات مرة قلدت المؤذن الأعمى الذي بلا أهل، صعدت فوق نادر التبن وأذنت. كانت السماء صافية واللقالق تهاجر في صف كالمصلين فوق سجّادة السحاب، كنت أرتدي قشابة فقط، بعد الختان، دون تبان، وكانت بنت الحصّاد حافية أسفل النادر، تراني من هناك، في يدها باقة من البابونج. كانت ترى كل شيء بعينين خضراوين كالنعناع الخشن، نظراتها آلمت شيئي المختن بمقص فرقة عبيد الرمى.
    كانت القرية مهجورة من سكانها، صبيحة السوق، وبنت الحصّاد الجميلة لم تكن تعرف ما معنى كلمة صلاة. كان أبوها أبكم بلا زوجة وبلا حقل، تمشط شعرها بأصابعها أمام مرآة منجله. بنيت لها عشا داخل الحصيدة، لأعلمها فيه الصلاة، كان يؤلمني الخشوع كلما ركعت، ويؤلمني قلبي كلما ألقت الريح تبن شعرها على وجهي، وآلمني الختان حين سجدت فوق سرتها.
    كانت الأيام كلها من ذهب التبن وفضة السواقي ونحاس الشمس. ضفرت لها تاجا من باقة البابونج، وأهدتني طاووسها.
    كان ذلك أول زواج لي بسنبلة الحَصَاد الوحيدة، التي لم أجدها بعد ذلك، أبدا، في أي حقل.
    كيف ستشرح ذلك لشخص من المدينة؟ كيف ستصف له كتاكيت الطاووس؟





    ****



    محمد بنميلود
    لستُ شاعرا فقط،




    لستُ شاعرا فقط، أنا أتزعم عصابة من الذين سيرشقونكم بالبيض الفاسد حين تصيرون عجزة يا قِرَدة الشعر المأجورين، يا كراكيز وزارة الثقافة. لا مهادنة معي ولا مفاوضة ولا مساومة، عليكم أن تفكروا في قتلي قبل أن تخرب هذه العصابة بيوتكم، قبل أن تصلوا إلى المعاش. زمن الشعر طويل أيها الأوغاد، لا يبدأ بديوان ولا ينتهي بجائزة، زمن الشعر هو زمن الريح القارسة أيها الأوغاد الذين تحبون المجاملات والولائم، تعتقدون أن الشعر هو الكسكس الذي تجتمع حوله عائلة وعلى الجميع أن يخضع لآداب الطعام؟ إنه الذئب الشارد الذي بلا أخ وبلا رفيق وبلا يد حانية على فروه بعيون حزينة ونبيلة في القفار. الذئب الذي يقلب موائدكم ويقفز قبل أن تصيبه رصاصة. الذئب الطريد، العاوي وحيدا في الليل العالي، أمام اكتمال الأقمار الكبيرة. الذئب الذي لا ترتاحون إلا حين تصيبونه برصاصة



    .
     
    آخر تعديل: ‏6/6/15
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جان دمو
    براري العواصم

    1
    تقضم كمثرى النوم
    وتستريحُ على ركام من الحيل والخاطر والاندحارات
    وتستريح فوق قطار الأمس
    وتظلُّ أسباحُكَ نابضةً، قوية، حيّة:
    إنهم رفاقك الخالدون.
    فارغة الموائد
    كقلب الليل
    كمعادلات آينشتاين: وها أنت
    تركض باتجاه سراب اللحظات
    إنك ثمل . إنك ظمآن...
    ثمل وظمآن أكثر مما ينبغي: وهذه الحياة
    هذه هي اللانهاية!

    2
    تُقفل أسوارُ البيوت دونك
    تنثر ك الريح في الشوارع
    تلتحم بمياه غزيرة
    بمياه بحجم الفتوة والشباب
    تركتَ أسراراً كثيرة في ظلال الرمل
    صادقت فوهة القوة
    فتحتَ أبوابَ الحظ
    أرسيتَ النارَ
    في قوافل الروح
    انحنيت أمام الملوك
    كثيرا.. طويلا.
    أسرفتَ في تحبير الأوراق
    وجعلتَ من السماء موقعا للانفجار
    للاندثار
    ولاشوك
    أنت لم تكن مخلصا لذاتك
    كنت غريبا عنها
    ضربا من العبث
    أية خسارة!
    أنتَ في حاجة لمعرفة الأصول
    لتحسس المنابع:
    الضوء، النسائم، الحقيقة،
    التناقض وبحيرات الدم، لِمَ لا؟
    أنتَ تأرجحت طويلا
    ولكن كانت دوما حواليك أعشاب وكؤوس
    وأعراس
    هذرٌ جميلٌ
    هذرٌ تافه
    ما من شيء يتداخل في اللا متناهي
    في الهيولى
    وهذه هي براري العواصم.

    .
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    كزار حنتوش
    آصرتي أنت بهذا العالم




    شتلة ريحان
    غرستها لي في آذار الفائت
    تنظرها اليوكالبتس
    الفارعة الطول
    بغموض
    حين يبين الخيط الأبيض
    من فستان الشمس
    أتفقدك
    أتوضأ قربك بشغاف الماء
    وأعود الى الحجرة
    لأكتب أشعارا خضراء

    سياتي يوم
    يرضى عنك العصفور
    ويكف حمام السدرة
    عن رميك بالفضلات
    سياتي يوم
    تتدلى من أغصانك
    رمانات
    بحجم نهود الفتيات
    حتى ياتي ذاك اليوم
    سأحيا وأغني
    وأكتب أشعارا ريانة
    وأعلقها كتمائم
    فوق جدائل ريحانة

    .
     
    آخر تعديل: ‏9/6/15
    أعجب بهذه المشاركة منير مسعودي
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سحر قصيدة النثر
    عباس بيضون



    لا يزال الجدل قائماً حول قصيدة النثر في العربية وسواها. أما محور هذا الجدل فهو افتقارها إلى الإيقاع. في ظني أنّ من يأخذون هذا على قصيدة النثر يتجاهلون أن اللغة نثراً كانت أو شعراً لا تنتظم بدون إيقاع. وإذا كان الشعر يجرب منظومة من الإيقاع فإن للنثر منظومات أخرى. ليس إيقاعاً خفياً ولا سرّياً هذا الذي ينتظم قصيدة النثر. إنه ظاهر مسموع معلن. وإذا اختلف غناء قصيدة النثر فإن هذا لا يعني أنها بدون غناء، فالأكيد أنها قد تكون ذات غناء مفرد وأصيل، بل هي من هذه الناحية قد تكون أمثولة في الغناء، أي إن تخليها عن الوزن والقافية يجعل غناءها عضوياً ويجعلها أمام غناء اللغة ويجعلها تجرب فيه وتنوعه وتتلون فيه، لكن ما تسميه شعراً هو علم على الوزن والقافية، أي على غناء ظاهر موصوف. الشعر يقترن بهذا الغناء فلا بأس بأن نحتفظ به لهذا الغناء، ونفرد لقصيدة النثر باباً بحد ذاته في الأدب ونعتبرها غرضاً قائماً فلا هي نفي للشعر ولا بديل عنه، وإنما هي غرض قائم بنفسه. ولا ننسَ أن شارل بودلير رائد قصيدة النثر هو قمة شعرية وإذا كان أخذ قصيدة النثر، من الوزيوس برتران فإنه لم يبدع عبثاً «سأم باريس».
    لن نقف طويلاً عند مسألة الإيقاع فالأرجح أن لقصيدة النثر دواعي أخرى. حتى في الإيقاع قصيدة النثر تحرير للإيقاع واختبار واسع له. قصيدة النثر التي لا تزال في السجال هي غالباً صنو قصص كافكا وإدغار ألن بو وهي بدون شك نظيرة التكعيبية والتجريد، وهي أيضاً نظيرة سترافنسكي وشتوكهاوزن في الموسيقى اللانمطية، أي إنها كانت شريكة حركة فنية فكرية شاملة فلماذا تفرد وحدها ولماذا يطالها وحدها عدم الاعتراف والنفي.
    لم تقم هذه الحركة الفنية على عدم. لقد قامت على أساس فكري وفلسفي. كانت بذلك بنت تحول راديكالي في رؤية العالم وتفسيره. يمكننا أن نسمي دارون الذي بفضله لم تعد هناك تسمية نهائية للأشياء وصورة أخيرة لها. يمكننا أن نسمي فرويد الذي أخرج الأحلام والصور من اللاوعي. يمكننا أن نسمي كافكا بهذا الوجود الزلق. يمكننا أن نسمي الحركة الاشتراكية، ماركس وإنغلز. كما يسعنا أن نسمي نيتشيه الذي نسف العقل الديني. نسمي بيكاسو وبراك اللذين حوّلا الهيئات والأحجام. نسمي سترافنسكي وشتوكهاوزن اللذين أضافا أصواتاً طبيعية إلى الموسيقى. إذاً قصيدة النثر ولدت إبان حركة لم تعد فيها الأشياء مسماة ونهائية، والعالم عقلانياً وواعياً، والأصوات مكتملة ومحسومة، والعالم معقولاً. قصيدة النثر هكذا تشارك في انقلاب كوني تغيرت فيه الأسماء والأصوات والأشياء والكلمات، ولم يكن في وسع الشعر واللغة أن يبقيا بعيداً منه.
    قصيدة النثر هي تفجير العالم من داخل تفجير اللغة التي كانت مخزن هذا العالم وتاريخه وبيته. كان لا بد من استخراج ما في اللغة من أسرار وإمكانات وخفايا. لم تعد اللغة نفسها مسماة ومحسومة. كان لا بد من خضّها وإطلاقها وتركها تنبني في لغات. لم تعد اللغة رابطاً اجتماعياً، صارت جزيرة فردية وبات على كلٍ أن يسمي أو أن يعيد التسمية. بات على كلٍ أن يركّب وأن يبدع تحت اللغة لغة جديدة. لقد كان على كل واحد أن يلعب بالكلمات قصداً أو عشوائياً، واعياً أو غير واع ويترك للسحر أن يكمل اللعبة. يترك للسحر أن ينتج قلائد وهياكل وتحفاً ليس لها مثيل. كان على كل واحد أن يجد مسمياته وإيقاعاته وأن يبتكر، أن يخلق علاقات أخرى على أنقاض العلاقات. أن يؤسس فيما ينقض ويدمر، وأن يوجد في الهباء، ومن الهباء عالمه ولغته واسمه الشخصي.
    يتكلمون عن الجمال وكأن الجمال نقش مرسوم وكأن الجمال معطى نهائي، وكأن الجمال هو الحب والحنان والشفقة. وكأنه بادي الحلاوة بادي اللطف. كأنه لا ينفصم عن الأخلاق وكأنه هو الآخر معطى نهائي. ماذا عن «القاذورة» التي جعل منها بودلير أيقونة شعرية. ماذا عن جمالية العنف وجماليات القبح وجمال القسوة وجمال الكره. أليست هذه كلمات، أليست هذه من اللغة، أليست مسميات. هل علينا أن نرميها ونطرحها أرضاً. هل علينا أن نقايض بنصف اللغة، وأن نخصص بعضها للأدب والشعر فيما نترك البعض الآخر للهباء. هل نعيش نبض اللغة، نعيش نبض الإنسان، بنصف جسدنا ونصف أحاسيسنا ونصف أفكارنا. هل هكذا نبدع جمالاً وماذا عن جماليات تغدو بعد أن ننبّش عليها، بعد أن نرفع عنها التراب، تغدو أكثر صلة بعروقنا وأكثر صلة بحقائقنا أو ما نخاله حقائقنا. أليست القسوة أحياناً كثيرة أوقع أثراً من الرحمة، أليس ما نصادفه على الطريق وما نستعمله كل يوم وما نبليه ونكسر فيه أشد إلهاماً من حلاوة مبتذلة دارجة في الكلام وأمام النظر. أليس للعنف فتنته أيضاً ونحن نجدها في اللوحات. لا يمكننا أن نفتش عن جمال جاهز في بطون اللغة، وأن نرمي عنها قبحاً جاهزاً أنه لو صح الأمر لصار نصف الفن رميماً ولضاعت المأساة الوجودية والوضع الإنساني. قصيدة النثر هي أيضاً أن نلتقط الأشياء عن الطريق، أن نجد الجمال بل نصنعه ونبتكره من كل ما يلامس أبصارنا، فالجمال الجاهز ليس فقط ضد قصيدة النثر بل هو ضد الشعر والفن بكليّتهما. قصيدة النثر كما هو الفن الحديث تجد الشعر كما تجد الفن في الأزقّة والأرصفة والحطام والركام والمهملات والأشياء المبتذلة البالية. تجد الفن في كل شيء ما دام في همنا أن نصنع منه فناً، وما دمنا نجد فيه مادة لفن. قصيدة النثر هي لأسباب كينونية قصيدة العنف وقصيدة الخراب وقصيدة العلاقات المعقدة المحبطة والخائبة وقصيدة القسوة.


    نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-11-15 – ثقافة
     

مشاركة هذه الصفحة