1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

معاوية محمد نور.. ذلك المجهول

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏5/10/14.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    فهرست
    معاوية محمد نور
    ( 1909 - 1941)

    - نقوس المهدي: تقديم
    - معاوية محمد نور: أصدقائي الشعراء ... هذا لا يؤدي - الجزء الأول
    - معاوية محمد نور: أصدقائي الشعراء ... هذا لا يؤدي - الجزء الثان
    - معاوية محمد نور: ساعة مع أندريا موروا
    - معاوية محمد نور: في القطار
    - معاوية محمد نور: إيمان
    - الفاضل حسن عوض الله: معاوية نور.. مصطفى سعيد وموسم الهجرة إلى الشمال
    - عباس محمود العقاد: قصيدة في تأبين معاوية محمد نور- (الشهيد معاوية)
    - د. النور حمد: معاوية نور: هل غار منه الطيب صالح أم خشي على مواقفه منه؟!
    - عبد المنعم عجب الفيا: معاوية محمد نور رائد الحداثة النقدية
    - الطيب صالح مقدما كتاب "معاوية نور " للكاتب السني بانقا
    - معاوية محمد نور: في الخرطوم .. خواطر وذكريات محزونة

    ص2
    - أخطر وثيقة أمنية كُتبت عن معاوية محمد نور- محاولة خاطئة لإجباره على دراسة الطب
    - الفاتح إبراهيم أحمد: معاوية وبليك/ العبقري والشهرة
    - محمود عثمان رزق: معاوية محمد نور يشرح العقلية اللاتينية ويسأل
    - إدوارد عطية: تلميذي معاوية محمد نور - ترجمة وتقديم : محمد وقيع الله
    - إدوارد عطية: تلميذي معاوية محمد نور- ت و : محمد وقيع الله
    - معاوية محمد نور: في الخرطوم.. خواطر وذكريات محزونة
    - معاوية محمد نور منصور: المفكر المزعج
    - د. النور حمد: معاوية محمد نور: كبرياء البُرْءِ من عقدة الدونية {1}
    - د. النور حمد: معاوية نور: هل كان التوسط ممكنا؟ {2}
    - احمد محمد البدوي: معاوية محمد نور مع سيد قطب وريادة المدرسة العقادية
    - عبد العزيز حسين الصاوي: له من إسمه نصيب .. معاويه محمد نور
    - محمود عثمان رزق: معاوية محمد نور يشرح العقلية اللاتينية ويسأل
    - معاوية محمد نور: القالب الفني
     
    آخر تعديل: ‏11/12/14
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    السني بانقا
    الطيب صالح مقدما كتاب "معاوية نور "


    تمر بحي الموردة، حيث ولد معاوية نور، وإلى يمينك مراكب خشبية راسية جاءت من أعلى النيل تحمل القنا والخشب والبروش وأزيار الفخار. تمر على حي الهاشماب, حيث نشأ محمد أحمد محجوب وعبد الحليم محمد صاحبا "موت دنيا". إلى اليمين حي "السور" ودور آل المهدي، ثم مدرسة الأحفاد على اليسار، ثم إلى يمينك جامع الخليفة بسوره القديم، ثم المستشفى الكبير والمدرسة الثانوية. تنزل في السوق ويواصل الترام سيره إلى "أب روف" الحي الذي نشأت فيه حركة فكرية "فابيانية" تعرف بمدرسة "أب روف".
    البيوت من الطين في الغالب وقليل منها من الطوب الأحمر، وكلها من طابق واحد. دور الحكومة فقط أكثر من طابق، وهي لا تزيد على طابقين. تدخل دار الطين، فلعلك تجد أرض "الديوان"– غرفة الاستقبال– مغطاة بالبلاط، وربما يكون في الدار كهرباء والماء جارٍ في المواسير. كل شيء كما عهدته ولكن أحسن قليلاً. عندكم الحيشان، فها هنا حيشان. وعندكم "العناقريب" هذه الأسرة الخشبية المنسوجة بالحبال، فها هنا عناقريب. ربما بعضها من الحديد ولكنها منسوجة بالحبال. الطعام هو الطعام لكنه هنا مطهو بطريقة أفضل، الكسرة والويكة والملوخية كما عهدتها. ذات الناس والوجوه واللغة. والأسر في أم درمان ما تزال تحتفظ بروابطها في الريف، من حيث جاءت. الشايقي مايزال له أهل في ديار الشايقية يزورهم ويزورونه في الأفراح والأتراح. والجعلي، وسكان الجزيرة والبطانة والشرق والغرب. المدينة لم تقطع بعد جذورها وتتحول إلى كائن منعزل، لا صلة له بما حولها. مولد معاوية محمد نور:في هذه البيئة ولد معاوية محمد نور عام 1909، كما يحدثنا السني بانقا في كتابه، وذلك في العام نفسه الذي ولد فيه يوسف مصطفى التني، وقبل عام واحد من مولد محمد أحمد محجوب والتجاني يوسف بشير، وقبل ثمانية أعوام من مولد جمال محمد أحمد، وتسعة أعوام من مولد أحمد الطيب، وعشرة أعوام من مولد محمد المهدي المجذوب، واثني عشر عاماً من مولد عبد الله الطيب. كل هذه الأسماء لعبت أدواراً مهمة في تاريخ الحركة الأدبية والفكرية في السودان، وبعضهم لعب أدواراً رئيسية في الحركة السياسية. وكان مولد معاوية محمد نور بعد أحد عشر عاماً من غلبة الاستعمار البريطاني على السودان عام 1898. ذلك الحدث الفادح الذي أثر بشكل أو بآخر في مصائر كل الأسماء التي ذكرتها آنفاً، وفي مصائر أجيال من السودانيين، وكان سبباً رئيسياً في مأساة هذا الإنسان النابغة، معاوية محمد نور. اختار إدوارد عطية في كتابه "عربي يروي قصته" الذي صدر في لندن باللغة الإنجليزية عام 1946، عربيين، اتخذ أحدهما مثلاً للنجاح، والثاني للفشل المأساوي لعملية الامتزاج بالثقافة الإنجليزية، وربما بالحضارة الغربية عموماً. لم يقل هذا صراحةً، فلم تكن تلك الظاهرة قد تبلورت وأخذت مضامينها الفادحة، كما رأينا في ما بعد الصراع العربي ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وصراع مصر مع القوة الاستعمارية إطلاقاً، وكما رأينا وما نزال نرى في الصراع العربي– الإسرائيلي في فلسطين. وقد كان إدوارد عطية نفسه، خير مثال على التأقلم الكامل، ظاهرياً مع الحضارة الأوروبية، وكان سورياً تعلم في جامعة أكسفورد وتجنّس بالجنسية الإنجليزية وتزوج وأقام في إنجلترا بشكلٍ مستديم، وكان يتحدث اللغة الإنجليزية كأنه إنجليزي، وقد عمل في السودان في مكتب "الاتصال العام" ثم استقال لما نشبت الحرب في فلسطين والتحق بـ"المكتب العربي" وساهم في الدعوة للقضية العربية، وأبلى بلاءً حسناً بشهادة المرحوم موسى العلمي. وقد كتب رواية عن السودان باللغة الإنجليزية، عنوانها "الطليعة السوداء"، وظل إلى أن توفي في الستينيات، يكتب في الصفحة الإنجليزية، مدافعاً عن القضايا العربية. اختار إدوارد عطية، أمين عثمان باشا مثالاً على نجاح عملية التأثر بالحضارة الأوروبية، فقد ذهب أمين عثمان من كلية فيكتوريا إلى جامعة أكسفورد في إنجلترا، وعاد إلى مصر حيث لمع نجمه واحتل مكانةً مرموقةً في فترة وجيزة. وكان أثيراً لدى الإنجليز، مقرباً من المندوب السامي البريطاني. لكن حتى هذه القصة انتهت بالفشل، ففي عام 1950، أي بعد صدور كتاب إدوارد عطية، أصبح أمين باشا وزيراً في حكومة الوفد، فاغتيل رمياً بالرصاص بتهمة الخيانة. وكان أحد المتهمين في قتله، المرحوم أنور السادات، ومن العجب أن أنور السادات نفسه قتل اغتيالاً في ما بعد، بالتهمة نفسها، تهمة الخيانة والعمالة للغرب. إنها خيوط متشابكة في مأساة مثل المآسي الإغريقية. أما معاوية محمد نور ثاني الرجلين، فقد شاءت أقداره أن يسلك طريقاً آخر، انتهى به إلى الهزيمة بطريقة أخرى. ذهب من كلية غردون، وقد كانت مثل كلية فيكتوريا في مصر، لا إلى أكسفورد أو كامبردج، ولكن إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ذلك لأن الإدارة الإنجليزية في ذلك العهد كانت تحدد للشباب نوع الدراسات العليا المحتم عليهم تلقيها، فحددت لمعاوية دراسة الطب. لكن معاوية كان قد عشق الأدب الإنجليزي وصمم على مواصلة دراسته مهما كلف الأمر. وهكذا، فرغم اعتراض السلطات الإنجليزية الحاكمة، ورغم مقاومة عائلته، فقد تم له ما أراد، فأرسلته والدته ليتعلم على نفقتها في الجامعة الأمريكية في بيروت. وربما يكون أول سوداني يدرس على نفقة عائلته في الخارج. ولا يملك المرء هنا إلا أن يقارن بين إصرار معاوية، ولين عريكة التجاني يوسف بشير، الشاعر الملهم الذي أراد أن يسافر ليدرس في مصر، فلحق به أبوه إلى محطة السكة الحديد في الخرطوم، واقتاده حزيناً مكسور الخاطر إلى أم درمان. لماذا لم يبعث الإنجليز معاوية إلى أكسفورد أو كامبردج؟ إنه لأمر يدعو للعجب، فها هنا شاب أحب لغتهم ونبغ فيها، وكان هو صبي دون العشرين يبز الإنجليز أنفسهم في الحديث عن دكتور جونسون وشكسبير وبرنارد شو. الفرنسيون كانوا حتماً سيحتفون به ويرسلونه إلى السوربون في باريس، كما فعلوا مع سنقور إلى أصبح من كبار شعراء اللغة الفرنسية، وكان أول شخص غير فرنسي إطلاقاً، ينتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية. أما الاستعمار البريطاني، فلم تكن متطلبات العقل والوجدان، ضمن أهدافه. وكان معظم حكام السودان إنجليزاً في ذلك العهد، من العسكريين، وهؤلاء لا يحسنون الظن بمتطلبات العقل والوجدان على أي حال. ولابد أن معاوية خلق لهم مشكلة. كانوا يريدونه أن يأخذ من لغتهم ما يفي بالغرض، لكنه أخذ الأمر مأخذ الجد، فغاص في أعماق اللغة. وتبحر في طيات وجدان المستعمرين وعقلهم، كمن يبحث عن مفتاحٍ للغز، وحاربهم في ما بعد بسلاحهم وانهزم، لأنه جاء باكراً، أبكر مما يجب، ولم يكن أمثاله كثيرين. وربما يكون من الطريف، أن يتصور ماذا كان سوف يحدث له، لو أنه ذهب بالفعل إلى أكسفورد أو كامبردج. إنني أعتقد أنه كان سيسعد جداً، في بداية الأمر على أي حال. كانت هاتان الجامعتان في تلك الأيام في العشرينيات، وخاصة جامعة كامبردج، بؤرتي إشعاع فكري وانطلاق روحي لا مثيل لهما. كان معاوية سوف يلتقي بالفيلسوف أي. جي. مور، والفيلسوف برتراند راسل. كان سوف يقابل العالم جوليان هكسلي وأخاه الروائي المبدع أولدس هكسلي. هناك كان سوف يتعرف على ليونارد وولف الذي تزوج في ما بعد من الروائية العبقرية فرجينيا وولف. وكان سيقابل الرسامة فانسا بل أخت فرجينيا وولف. كان سيتعرف على لتن ستريشي وبقية آل ستريشي، وعالم الاقتصاد الذي قلب الأفكار الاقتصادية رأساً على عقب، كينز. وكان بطبيعة الحال سوف ينضم إلى مجموعة "بلو مسبري" التي كانت تلتف حول فرجينيا وولف ولتن ستريشي. وكان حتماً سوف يتصل بجماعة الفابيانيين المكونة من بعض هؤلاء، إضافةً إلى برنارد شو وأتش. جي. ولز وبروفيسور توني وسدني ويب وزوجته بياتريس ويب، وكان سوف يجد إنجليزاً من نوع آخر، كأنهم لا يمتون بأية صلة لنوع المديرين والمفتشين الذين يحكمون السودان، بضحالتهم وعنجهيتهم وضيق أفقهم. ها هنا لا حدود على العقل البشري في محاولته ارتياد المجهول، ولا قيود على الفرد في التعبير عن نفسه. وكان معاوية محمد نور وسيماً جداً، كما يروي كل من عرفوه، هذا بالإضافة إلى شفافية روحه وتوقد ذهنه وعمق ثقافته. لذا فأغلب الظن أنه كان سيجد فتاةً من مثقفات الطبقة الأرستقراطية تقع في حبه. كانت فتيات هذه الطبقة، خصوصاً المثقفات منهن، يبحثن عن الطريف و"الأكسوتيكي" غير المألوف. وكن سيجدن في معاوية إنساناً طريفاً حقاً. والحب من الحلقات الضائعة في قصة معاوية. إنسان كهذا لابد من أنه أحب كثيراً. ماذا حدث له في بيروت؟ وماذا حدث له في مصر. وما حدث له في السودان يمكن أن يتخيله الإنسان؟ ويورد السني بانقا عرضاً في كتابه، أن معاوية أحب فتاةً سودانية وشقراء، يا للعجب!بلى، كان سوف يسعد في أكسفورد أو كامبردج. وكان سوف يطلق لخياله العنان، ويرتاد كل الآفاق العقلية التي كان يحلم بها. ولا شك عندي، أنه كان سيصبح ناقداً مرموقاً في الأدب الإنجليزي، وسط الإنجليز أنفسهم. هل كان سيفقد "هويته" ويصبح "مستلباً" كما نقول هذه الأيام؟ ربما، ولكن عذاباته ومعاناته كانت ستسمو إلى مستويات أرفع، ولابد أنه كان سيصنع منها فكراً وأدباً عظيمين، يضيئان الطريق لمن بعده، في الشرق والغرب. ولعل من الطريف أيضاً أن ننظر إلى ما حدث لشخص مثله أو قريب منه من الذين قبلوا بالواقع وصبروا على العيش في السودان. وربما يكون أكثر الناس شبهاً به المرحوم محمد أحمد محجوب. يحدثنا السني في كتابه أن محجوباً كان من أصدقاء معاوية المقربين الذين كان يقضي أوقاته معهم يتحدثون في شؤون الأدب. كان محجوب في مثل سن معاوية وولد بعده بعام، سنة 1910، في حي قريب من الحي الذي نشأ فيه معاوية في أم درمان، كان أديباً شاعراً، ولو كانت الظروف مختلفة، لعله كان يتفرغ للأدب. لم يكن في مثل نبوغ معاوية، ولكنه كان موهوباً يحيط به ألقٌ لازمه في نهاية حياته. تعلم مثله في كيلة غردون وفرض عليه الإنجليز أن يدرس الهندسة فأذعن وتخرج مهندساً. ثم لما فتحوا فرعاً للقانون تحول للقانون وعمل قاضياً في السلك الإداري لحكومة السودان. ولما قامت الأحزاب وعلت الدعوة للاستقلال استقال من القضاء وانضم إلى حزب الأمة، فأصبحت له فيه مكانة. وكان زعيماً للمعارضة في أول برلمان سوداني، ثم صار وزيراً للخارجية فرئيساً للوزراء. وفي كل مراحل حياته لم يكف عن ممارسة الأدب، فكتب القصة والمقالة والشعر. وشعره ناصعٌ حسن، وله عدة دواوين. وقد تزوج وأنجب وعاش حياةً ميسورة واكتسب شهرةً في القضاء والمحاماة والسياسة وحتى الشعر. توفي– رحمه الله– وهو يخطو نحو السبعين. لكنني أظن، بأن محجوباً رغم النجاح الذي ناله، كان يحس في قرارة نفسه، بأن المجد الحقيقي الذي يشتهيه، وكان في متناول يده، لم يحصل عليه. ذلك هو مجد الشعر. هكذا نجح المحجوب، بعض النجاح، بينما فشل معاوية فشلاً مأساوياً. ذلك لأن معاوية كان "أديباً" صرفاً و"مفكراً" صرفاً، ولم يكن يرضى لحياته في الأدب والفكر بديلاً، ولم يكن مستعداً للمساومة وقبول أنصاف الحلول. واللمحات القليلة الكاشفة التي يذكرها السني عرضاً في الكتابة، تعطي القارئ صورة غريبة لحياة معاوية في السودان. كان يلبس ربطة العنق المساماة "ببيون" وهي ربطة قليل من يلبسها حتى هذه الأيام، وكان حين يعود إلى السودان يقيم في "هوتيل" وهو أمر شاذ في عرف السودانيين إلى اليوم، وكان يلعب التنس في ملعب خاله، وقد أدهشني أن سودانياً كان عنده ملعب للتنس عام 1926! وكان يلعب "البليارد" في "كلوب أم درمان". هذا إلى جانب أنه أحب فتاةً "شقراء" عندها فونوغراف من نوع "صوت سيده"، وكان يقرأ "كانت" و"نيتشه" و"شوبنهاور" و"شللي" و"بايرن" و"هازلت" وفلاسفة وشعراء وكتاب، كلهم أوروبيون، قليل من قرأهم حتى في أيامنا هذه. وكتاباته عن التراث العربي تشي بنوع من الاحتقار. أليست هذه إرهاصات لما يسميه أخواننا المغاربة "الاستلاب"؟ لو عاش حتى قرأ "فرانز فانون" لأدرك أن الاستعمار، الذي كرهه وقاومه بفكره، كان ينفث سمومه في روحه من حيث لا يدري. ولكن معاوية– رحمه الله– توفي صغيراً جداً، ولو عاش أطول لاتضحت له الأمور، بل إن الأمور حتماً قد بدأت تتضح له بالفعل. ولأنه كان ذكياً حساساً، روّاد آفاق، فإنه كان سيرى أبعد مما رأى غيره. حصل معاوية على شهادة الماجستير في الأدبي الإنجليزي من الجامعة الأمريكية في بيروت، ولم يجد العمل الذي يناسبه في الخرطوم، ولم تكن الإدارة الإنجليزية متحمسة لتوظيفه، فذهب إلى القاهرة عام 1930 وهو في الحادية والعشرين من عمره. وفي الفترة الوجيزة التي قضاها هناك، أحدث أثراً غير قليل. رحب به العقاد واصطفاه وشجعه. كان العقاد قد وفد إلى القاهرة من أسوان في أقصى الصعيد، كما وفد إليها بعد ذلك بسنوات عبد الرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل. ولابد أنه لاقى صعوبة بادئ الأمر، أن يجد لنفسه حيزاً في مجتمع القاهرة. لذلك، لا ريب أنه تعاطف مع هذا الشاب القادم من جنوب وادي النيل، الذي جاء مثله، يبحث عن المجد الأدبي في ذلك المجتمع المتشابك. وسرعان ما بدأت مقالات معاوية تظهر في كبريات الصحف المصرية، مثل "السياسة الأسبوعية" و"المقتطف" و"البلاغ". كما عمل في تحرير الـEgyptian Gazette باللغة الإنجليزية. وكان على حداثة سنه، كما يظهر من مقالاته واسع الاطلاع، معتداً بنفسه، ثاقب الرأي في كثير من الأمور، جريئاً لا تخيفه الأسماء الكبيرة. وقد قارع كبار الأدباء في مصر فثبت لهم. تصدّى لطه حسين وزكي مبارك وسلامة موسى ومحمد حسين هيكل والمازني وأضرابهم، وكان يكتب وكأن مصر والسودان كيان واحد، ويقول "نحن" وهو يعني "مصر والسودان" معاً، دون شعور بالحرج أو إحساس بالتبعية، أو رغبة في تملق الشعور المحلي المصري. وهذه حقيقة جديرة بالتأمل، أنه بعد معاوية، أي منذ أكثر من خمسين عاماً، لم يفد على مصر أديب سوداني، ويقيم فيها ويكتب في صحفها بشكل متصل، وتصبح كتاباته متاحة للقارئ المصري، مثل الكتاب المصريين أنفسهم. هذا رغم كل الكلام عن "المصير المشترك" بين مصر والسودان. كان معاوية سعيداً بحياته في القاهرة، كما نفهم من كتاب السني، يسكن غرفة بسيطة أكثر أثاثها من الكتب، ويعيش على الخبز والجبن، يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً. كان إنتاجه غزيراً جداً حقاً إذا اعتبرنا قصر الفترة التي أتيحت له، وهي أقل من خمس سنوات غير متصلة. وكان متنوعاً. يكتب في النقد والسياسة والقضايا الاجتماعية. ومقابلته مع الكاتب الفرنسي أندريه موروا، التي نشرتها مجلة "الهلال" عام 1932، لعلها من أوائل المقابلات الأدبية في الصحافة العربية, إن لم تكن أولها. وهي تنم عن مقدرة وعمق وكان يتحدث فيها إلى الكاتب الفرنسي الكبير حديث الند. وكان معاوية أول من تحدث عن الشاعر الأمريكي– الإنجليزي تي. اس. إليوت، الذي ما يزال يشغل كثيرين من النقاد العرب. وكتب منذ خمسين عاماً عن الروائي البريطاني جون كوبر باور، الذي يعتبر اليوم من أعظم كتاب الرواية في العالم، وما زال مجهولاً لدى أغلب المثقفين في العالم العربي. ونشرت له "السياسة الأسبوعية" في أبريل عام 1930 عن الراقصة إيزادورا دلكن" مقالة لو نشرت اليوم في بعض البلدان العريبة لأحدثت ضجة. ومقالته "نحن وجائزة نوبل" التي نشرت في جريدة "مصر" في سبتمبر 1931، يمكن أن تنشر اليوم فما زاد الناس كثيراً على ما ورد فيها من أفكار. واستمع إلى قوله في معرض الحديث عن كاتب نمساوي يدعى آرثر سنتزلز في جريدة "مصر" في أكتوبر عام 1931: (نحن في مصر نتكلم عن كتاب الدرجة الثالثة في فرنسا وإنجلترا، ونجهل من هم في طليعة كتاب العصر الحديث، لا لسبب سوى أنهم من أمم ليس لها حظ إنجلترا أو فرنسا من الاتساع أو السلطان... بل يخيل إلي في كثير من الأحيان أن أدباء النرويج وبولندا وتشيكسلوفاكيا والسويد والنمسا، نحن أقدر على فهمهم والاستفادة منهم من أدباء الإمبراطوريات والممالك الضخمة التي لا نشترك معها في عاطفة أمل أو ألم... وفي يقيني لو أن أدباءنا ابتدأوا يتدبرون منتجات "هامسون" و"ستيفان زفايج" وأندادهما لوجدوا فيها أشياء جديدة من نفوسهم مكان العطف والمجاوبة... ولاكتشفنا في تلك النغمة صداقة وقرابة روحية مثل ما وجدنا من صداقة وقرابة في الأدب الروسي). ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أعجب قوله: "صداقة وقرابة روحية" منذ أكثر من خمسين عاماً!وفي مقالة عن الجامعة المصرية نشرت في جريدة "مصر" في أكتوبر 1931، يقول: (وليس بنا حاجة إلى أن نقول إن الجامعة "وسط" قبل أن تكون معهداً لتلقي المعارف والعلوم، وإنها "مؤسسة" تشير إلى مجهودات الأمم الفكرية وخصائص عبقريتها، وتنتج لها من الشبان من يشيرون إلى أنبل وأعمق خصائص تلك الأمة ومنتجاتها الفكرية ومساهمتها في الحضارة العالمية. وليس قصاراها أن تمنح كذا وكذا من الشهادات وأن تلقى فيها الدروس على هذه الطريقة "الإسكولاستيكية" العتيقة. والسبب في كل هذا الارتباك والبعد عن جادة الصواب مرجعه إلى حب مظاهر الأشياء دون بواطنها وصميمها). أليس هذا من دلائل عظمة الكتّاب، أن يقول القول ويمضي عليه أكثر من خمسين عاماً، فيظل صادقاً كأنه قيل لساعته؟!كذلك أنت ترى أن العقاد لم يكن مغالياً حين قال في رثائه: بكائي على ما أثمرت وهي غضةٌوما وعدتنا وهي في الغيب ماضية تبينت فيه الخلد يوم رأيتهوما بان لي أن المنية آتية هذا الإنسان، بهذه الصورة، انتهى به المطاف إلى داره في أم درمان، فلزمها لا يخرج ولا يقابل أحداً، وعاد إلى لبس الثوب الوطني، وأصيب في عقله، فركن إلى شيخ يعطيه الرُّقى والتعاويذ. وتوفي في عام 1941 وعمره فوق الثلاثين بقليل. لا عجب إذاً أن صديقنا السني بانقا قد شغف بقصة معاوية محمد نور الذي جاهد جهاداً نبيلاً، ومات موتاً مأساوياً. والموت المأساوي للنوابغ في السودان، أمر مألوف، فهو بلد أعطاه الله كل شيء، وحرمه كل شيء؟! ذلك أن أخانا السني فياض الشعور، سريع التأسّي، ثم أن معاوية قريبه، ولابد أنه وهو طفل لمحه أو سمعه، ولابد أنه ظل يسمع الحديث يتردد عنه بعد وفاته في محيط أسرتهما. والسني إلى جانب هذا، أديب، ولعله حلم أن يوقف حياته على الأدب، لو كان السودان غير السودان. كان من أكثرنا إلماماً بالأدب، ونحن صبية في مدرسة "وادي سيدنا" الثانوية. وأحمد له أنه نبهني إلى معاوية وإلى التجاني يوسف بشير. إنه أيضاً مثل على تبديد الطاقات في السودان، مثل أخينا مأمون حسن مصطفى، الذي كان نابغة في علم "الكيمياء" فانتهى به الأمر مثل السني أن أصبح إدارياً، وعبد الوهاب موسى, ومحمد خير عبد القادر, وسيد أحمد نقد الله, وكثيرين غيرهم. هؤلاء في جيلنا فحسب. لكن القصة لم تكتمل بعد، فالسني قد أعطانا خيطاً أو خيطين، ما تزال ثمة خيوط كثيرة. والسني يحث الباحثين والدارسين أن يجمعوا هذه الخيوط. لكنني لا أعرف أحداً أحق بهذا الشرف، ولا أقدر على هذه المهمة، منه هو. ويا ليته نذر نفسه، وليمد الله في الأيام، للنهوض بهذا العبء. سوف نحمده نحن وتحمده الأجيال القادمة، ولعله أيضاً يجد أن أحلامه الوضيئة، إذ نحن صبية في مدرسة "وادي سيدنا" لم تذهب كلها هباء
    نشر بصحيفة الاخبار .


    .
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    للاديب معاوية محمد نور
    (المكان)
    قصة قصيرة

    (نشرت في جريدة مصر – العدد10324 – 11نوفمبر سنة 1931)
    والقصة منشورة في (الاعمال الكاملة لمعاوية محمد نور – الطبعة الاولى 1994- دار الخرطوم للنشر)

    المكان (قصة تحليلية)

    النص:



    فتح مذكرته التي يدون فيها خواطره وأسماء الموضوعات التي يود الكتابة عنها فقراء فيها أسماء هذه الموضوعات:
    1. حماسة شاعر عصري
    2. هكذا نحن!
    3. حرفة الكتابة
    4. الأولاد الأشقياء في الليل
    5. إحساس بالمكان.
    ووقف عند هذا الموضوع الأخير يديم فيه ويفكر متى كتبه؟ استجاش إحساسه بالمكان، فذكر إن للمكان من كل ظاهرات الوجود النصيب الأوفر من خياله وإحساسه، واستولى عليه شعور قوي يدفع به لتدوين ما يحسه تجاه المكان. لكنه شعر إن الموضوع مترامي الأطراف متشعب النواحي لا يستطيع صهره وتركيزه وتبويبه على الوجه الذي يرضيه! وكيف يستطيع ذلك والموضوع شائع في كيانه شيوع النور في الفضاء كله. وعلى كل حال ابتدأ بالطريقة الزمنية في توضيح الموضوع ولم أطرافه واستعرض صفحة حياته من طفولته إلى عهده الحاضر.
    فذكر انه وهو طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر، كان قد أخذه والده إلى بيت زوجته الثانية لكي يلتحق ((بالخلوة)) هناك. وبقي زمنا في ذلك المكان، كانت أعجب الظواهر العقلية عنده انه حالما يستيقظ من النوم مبكرا على صياح الديك يذكر أهله وبيته. لكن شيئا واحدا أعجب له وظل يعجب له طيلة إقامته هناك، وهو انه خيل إليه أن عنده مفتاحا سحريا يعرض أمامه السوق التي كانت تقع بالقرب من بيتهم في كل حركتها وصخبها وحيويتها ولم يبق له لكي يصدق خياله إلا أن يشترى من ذلك البائع أو يضرب ذلك الرجل! فلما كبر قليلا ظن في نفسه إن هذه الظاهرة غريبة فيه وانه يجدر به أن يسال الناس إذا كانوا يحسون ويتخيلون مثلما يحس ويتخيل. لكنه لم يفعل ولعل شيئا من الإشفاق على نفسه والخوف من الضحك عليه منعه من ذلك السؤال.
    وكبر ((مجدي)) فادخله والده المدرسة الابتدائية فكان يري حوائط المدرسة حينما تقرب العطلة الكبرى باهته شائخة ويعاوده شيء من الإشفاق عليها، فلا يترك المدرسة يوم العطلة إلا بعد أن ينظر إلى كل حائط وكل شق ويذرع ((الحوش)) ثم يودعها ويلبث ينظر إليها وهو في الطريق إلى أن تغيب عن نظره...!
    ثم راح ((مجدي)) إلى المدرسة الثانوية في الخرطوم، فكان وهو في حجرة الدرس يكتب أو يستمع إلى المدرس تقفز به ذاكرته من غير أن يشعر إلى خرائب رآها قبل عشر سنوات في ام درمان! ولا يعرف ما علاقة تلك الخرائب والأطلال التي لم يقف عندها في يوم من الأيام باللحظة الحاضرة، ومالها تلح على خياله وتصوره وتحتلهما من غير أن يناديها أو يفكر فيها حتى في ام درمان كلها – وبعد جهد ليس بالقليل يستطيع صرفهما والانتباه إلى حاضره...!
    فإذا ذهب لينام في الليل وسمع صوت البوري الذي يضرب عادة لعشاء الضباط الانجليز ذهب خياله توا إلى من فقد من أهله وقرابته.
    واغرب من ذلك كله انه كان لا يسمع صوتا إلا ويعطيه لونا خاصا. فصوت البوري اصفر باهت، وصوت الاتومبيل اسود عامر السواد، كما انه كان ينظر إلى الأرقام المكتوبة كلها بخط واحد، فيتفاءل بالبعض ويتشاءم من البعض الأخر، ويعطي تلك الأرقام ألوانا فالثمانية والأربعة أرقام عامرة طيبة، والخمسة والتسعة أرقام باهته صفراء لا يرتاح إلى رؤيتها أو التيمن بطلعتها!!
    وكان صوت ذلك البوري دائم الاقتران بصورة خاله الذي مات. وهو لا يذكر ذلك الخال حينما يذكره إلا على صورة واحدة ولو انه رآه في مختلف الصور والإشكال. يذكره حينما كان معه في المولد النبوي في ليلة مقمرة في حركة واتجاه واحد بعينه دائما!
    وهذه الظاهرة هي الأخرى لا يستطيع لها تفسيرا، فانه قل أن يذكر الناس الذين عرفهم من من ماتوا من أهله أو من هم بعيدون عنه إلا في هيئة الحركة. وفي اغلب الأحيان في حركة بعينها وفي مكان بعينه ويوم وساعة بعينهما – فلا يذكر خادمتهم التي ماتت، في البيت مثلا أو في المطبخ أو ما إليه من الأماكن التي طالما رآها فيها، ولكنه يذكرها في مكان بعيد كان برفقتها فيه. في مكان قفر بالقرب من النيل بعيدا عن المدينة وفي خطوة وإيماءة واحدة، حالما يذكر تلك الخادم يذكر ذلك المكان الغريب وتلك الإيماءة من غير قصد ولا تعمل ولا استحضار!!
    وهكذا فالصور التي رأي فيها والده كثيرة، ولكنه قل أن يذكره في غير صورة واحدة وحركة واحدة ومكان بعينه!
    وكان إذا قرأ عن مكان أو سمع به تخيله ورسمه في مخيلته، فإذا ساعدته الظروف وذهب إلى ذلك المكان رآه مثل ما تخيله حتى الوضع وأشياء دقيقة لا تلوح في خاطر إنسان، وقد يدهش أحيانا حينما يزور مكانا لأول مرة فيخيل إليه انه قد عرف هذا المكان قبل ألان في حياة أخرى، والكل يظهر أمامه كحلم غريب!.. لكن الالفة أو الإيناس الذي يشعر به نحو الأمكنة ومنعرجاتها يخيل إليه انه قد عرف ذلك وصحبه ردحا من الزمن لا شك في ذلك ولا ريب فيه..
    فإذا أمعن في التفكير والتعليل ظن إن هذا الذي نسميه زمنا وهم لا أصل له (Illusion ) أو خرافة تخلقها عقولنا (Fiction ) وان الحقيقة الواحدة الباقية هي المكان وإننا أحياء من أوائل الأزمان إلى أواخر الآباد في صور وأشكال ومواد مختلفة كلها لها حظ من الوعي يختلف قوة وضعفا باختلاف الأفراد والأشياء. وعلى هذا الزعم فللحوائط والمادة الصماء والأشجار وعي وإحساس من نوع وعينا وإحساسنا، إلا انه قليل في الكم بنسبة حظ تلك الأشياء من الحياة والحرية والحركة! وان مهمتنا نحن أن ننتقل من شكل من أشكال الحياة ونمر على تلك الأدوار في تلك الأثناء التي نسميها الزمن، وهو مصدر ذلك الإحساس، وسبب ذلك العطف الذي نحسه نحو أشكال الحياة المختلفة من غير أن نعرف سببه!
    ويرى ((مجدي)) إن بعض أحلامه تتكرر فيرى أمكنة غريبة في بلاد لم يعرفها، فلا يمر عام أو عامان حتى يسافر إلى بلد من البلدان يرى فيه نفس المكان الذي رآه في حلمه من قبل أعوام!..
    ولمجدي عادة تقلقه ولا تريحه، لكنه يحس في ممارستها والشوق إليها راحة وطمأنينة. فهو إذا لم يضع ملابسه وكتبه وسريره في أمكنة بعينها وفي أوضاع خاصة لا يرتاح باله قط. فإذا وجد اقل تغيير في وضع كتبه وملابسه غيرها إلى نفس الوضع والمكان لأنه يتفاءل بأمكنة بعينها ويتشاءم من أخرى.
    وقد يلج به هذا الإحساس المكاني في ساعات تيقظه إلى ما هو اغرب من ذلك. فإذا مر بالسوق لج به الخاطر أن حياته لا تكمل إذا لم ير كل الدكاكين والشوارع. فإذا فرغ من هذه العملية ود لو أن في مكنته أن يدخل إلى كل حوانيت البقالة ويرى من قرب حوائطها الداخلية وزواياها وترابها، كأنما لكل تلك الأشياء قصة معه، وهو لا يعلم من أمر تلك القصة سوى هذا الإحساس العارض الذي يقلقه في بعض الأحيان ولا يرتاح ضميره إلا حين ينفذه!.
    استعرض مجدي كل تلك الذكريات والصور والأسباب في خياله في لحظة واحدة من الزمان وظل يفكر .... يفكر.!
    (( ما معنى كل ذلك ! ............ معناه .......... معناه.... نعم معناه إن الإنسان لا يموت أبدا. وان ما يسميه موتا هو في واقع الأمر تغيير لشكل الحياة، وإننا نحن والسماء والأرض والأمكنة كلها أخوان وأولاد أعمام وهذا هو سبب العطف والكلف بالمكان!))
    فقالت له نفسه الثانية (( لا هذا غير صحيح. وإلا فلماذا يمتاز بعض الناس بهذه الخصلة والبعض الأخر لا يعرفها. ألا تذكر ما قرأت في كتب السيكولوجي إن بعض الناس بتركيبهم اقدر على تخيل المرئيات، وآخرين على المسموعات، والبعض الأخر على المشمومات، وبعض الطلبة يفهمون أكثر إذا قرؤوا الكلام مكتوبا والبعض الأخر إذا سمعه منطوقا)).
    (( نعم هذا صحيح، ولكن ما معنى كل ذلك أيضا؟!))
    مرة أخري وهو في وادي التفكير العميق ! (( معناه .... معناه.... ماذا يهمني معناه. هذه هي الحياة وكفى .... وليس من معنى لان نعتقد إن وراءها معنى.........! معناها إنها الحياة ويكفيني أن أصور الحياة كما أراها، وليس من مهمتي أن أفسر كل ظواهرها، فلعل هذا الاضطراب وعدم مقدرتنا على ردها إلى سبب واحد هو من خواصها الأساسية. وليس من ذنبي ولا ذنب الحياة إن الناس ينظرون إلى أشياء وراء الحياة.. لعل هذه هي لعبتها الكبرى علينا، وضحكتها المكبوحة التي لا يفتر ثغرها عنها. ويكفيني أن احكي الحياة بالعرض دون التفسير. فلعل العرض نفسه هو التفسير، ولعل الاعتقاد إن وراء كل ظاهرة ظاهرة أخرى خدعة من خدع المنطق. فلنحك الحياة في تقييد خواطرها وولائدها ولا نكن حمقى فنطلب التفسير والتعليل، إذ الحياة تعرف الخلق الذكي ولا تعرف التفكير والتعليل فلأعرض تجاريب إحساسي بالمكان كما أحسست به ورايته، وليعلل ذلك كل وفق مزاجه وتفكيره إذا كان لا بد له من التعليل والتفكير ... !
    هذا هو منطق الحياة الصميم. وهكذا يجب أن يكون منطق الفنان الذي يحكيها ........... وارتاح إلى هذا التفكير كثيرا. وابتدأ يلم أطراف موضوعه تهيؤا للكتابة النهائية. فخط في وسط السطر (( إحساسي بالمكان )) وكتب:
    1. كيف إنني اذكر الأشخاص الذين عرفتهم دائما في مكان بعينه ويتكرر ذلك المكان كلما ذكرتهم!
    2. كيف إنني في ساعات الدرس والتحصيل تلح في ذاكرتي صور وخرائب وأمكنة رايتها منذ عشرات الأعوام فتزورني من غير أن أناديها. وقد يقفز بي مكان في بلد إلى مكان في بلد أخر لا اعرف ما العلاقة بينهما قط ولا استطيع أن اعرف.
    3. كيف أتخيل بعض الأمكنة ومواقعها قبل أن أراها، فلما تسعدني الظروف برؤيتها تكون وفق ما تخيلت في اغلب الأحيان!
    4. كيف أحس إن المكان الذي رايته لأول مرة في حياتي قد رايته من قبل في حياة سابقة أخرى!
    5. كيف إن خاطري في بعض الأحيان يلح بي لكي اذرع حوائط الدكاكين الداخلية – التي لا اعرفها – وأتمعن في ترابها وزواياها كأني قد تركت روحا هناك!
    وبعد أن كتب هذه الأشياء شعر بأنه قد تعب وفتح مذكرته التي يدون فيها خواطره وأسماء الموضوعات التي يود الكتابة عنها فقرأ فيها أسماء هذه الموضوعات:
    1. حماسة شاعر عصري
    2. هكذا نحن!
    3. حرفة الكتابة
    4. الأولاد الأشقياء بالليل
    5. إحساسي بالمكان.!
    فقام فجأة من الكرسي ثم رأي وجهه في المرآة ثم ابتدأ ينظر إلى الأفق من شباك غرفته وأراد أن يفكر غير انه أحس إن رأسه أصبح فراغا مطلقا............ !!!
    انتهت



    ==============


    * ((هذه الهوامش لاتوجد ضمن النسخة الاصلية في الكتاب،، اضيفت لشرح المعاني لغير السودانيين)

    *. الخلوة: كانت في فترة من الفترات نظام التعليم الأساسي في السودان حيث يحفظ فيها الطالب القران الكريم كله أو أجزاء منه... ثم تطورت وأدخلت فيها علوم أخرى. وهي مستمرة إلى ألان ولكن بصورة اقل...
    *. الحوش: هو الفناء الذي يكون أمام البناء الداخلي للمدرسة أو المنزل واشتهرت منازل السودان بوجود الحوش... ألان بدأت في الانحسار


    .
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    نص (المكان)
    المكان (قصة تحليلية كتبها الاديب معاوية محمد نور)
    قصة تحليلية

    مقدمة

    (حينما فرغت من كتابة هذه القصة رأيت واجبا علي أن أعين القاري العربي علي فهمها، لان هذا الضرب من التأليف القصصي حديث العهد حتى في أوربا نفسها، وهو آخر طور من تطورات القصة التحليلية، وفيه ولا شك صعوبة للقارئ، خاصة إذا لم يكن ذلك القاري واقفا على هذا اللون القصصي في الآداب الحديثة فأقول:
    هذا النوع من الفن القصصي ليس من مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الاجتماعي، ولا استجاشة الإحساس والعطف القوي على الخلائق، وليس من مهمته أن يحكي حكاية، وإنما هو يتناول التفاعلات الداخلية في عملية الإحساس والتفكير عند شخص من الأشخاص ويربط كل ذلك بموسيقى الروح واتجاه الوعي. كما يعرض لمسائل الحياة العادية المبتذلة، ويشير عن طريق الإيحاء إلى علاقتها بشعر الحياة ومسائلها الكبرى. وهو يعرض لذلك الجانب الغامض في تسلسل الإحساسات واضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص واحد من الأشخاص. كما انه يصور ما يثيره شي تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعي الخواطر، وقفز الخيال، وتموجات الصور الفكرية. هذا اللون القصصي – والحالة كما وصفنا- يعرض لأدق المسائل العلمية السيكولوجية المظلمة حتى للعلماء أنفسهم، ويمزج ذلك بنوع من الشاعرية والغموض العاطفي، ويخرج من كل ذلك تحفة فنية حقا. ويغلب في كتاب هذا اللون القصصي أن يستثيروا نفوسهم ويكتبوا من معين حياتهم، فكأنهم يترجمون لأنفسهم مع بعض الزيادة والنقصان وتغيير الأمكنة والأزمان والأسماء. هذا النوع انتشر في أوربا وعرف منذ عشر سنوات تقريبا حينما اخرج ( مارسيل بروست ) الفرنسي روائعه القصصية كما انه عرف في أتمه وأحسنه عند ( كاترين مانسفيلد ) و ( فرجينيا ولف ) من كتاب الانجليز ونود ولا شك أن يكتب وان يعرف في وادي النيل )

    .
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمود عثمان رزق
    معاوية محمد نور وجهاً لوجه مع أديب مصر المازني ..
    (1من2)



    إبراهيم عبد القادر المازني (1889-1949) قامة من قامات مصر الأدبية وأديبٌ متعدد المواهب، فقد كان الرجل روائياً وشاعراً وناقداً وصحفياً وكاتباً ساخراً فَكِهاً. وكان المازني واسع الثقافة متبحراً في تراث أمته العربية وفي الأدب الإنجليزي على حدٍ سواء كغيره من شعراء مدرسة الديوان التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين بقيادة المازني والعقاد معاً. والجدير بالذكر أنّ هذه المدرسة سمّيت بهذا الاسم نسبة لكتاب ألفه المازني مع العقاد اسمه "الديوان في الأدب والنقد" وضعا فيه أسس منهجهما وأغراض مدرستهما.
    وقد ترك المازني ورائه تراثاً غزيراً من القصص والروايات والدواوين الشعرية والمقالات النقدية المتميزة. ومن سيرة حياته أنّه تخرج من الثانوي وقُبل لدراسة الطب ولكنه عندما دخل المشرحة لأول مرة أغمى عليه، فهجر الطب إلى كلية القانون. وفي كلية القانون أعيته مصروفات الدراسة فعدّل عنها إلى كلية المعلمين فتخرج فيها ومن ثمّ عمل مدرساً إلا أنّ نفسه ضاقت بقيود الوظيفة ومضايقاتها وحسدها فتركها ليعمل بالصحافة حراً فعمل في البداية بجريدة الأخبار، ثم محرراً بجريدة السياسة الأسبوعية، كما عمل بجريدة البلاغ فانتشرت كتاباته وملأت الأفق فتناقلتها المجلات والصحف الأخرى داخل وخارج مصر. وعرف عن المازني براعته في اللغة الإنجليزية والترجمة منها إلى العربية وقام بالفعل بترجمة العديد من القصص والأشعار إلى اللغة العربية، وكان قصده من تلك الترجمات أن تحدث عملية ملاقحة تكون في صالح الأدب العربي الذي لم يكن يعرف فن الأقصوصة ولا الرواية ولا الأدب المسرحي. فقام الرجل بترجمة الكثير من الروايات والشعر والنثر إلى العربية حتى قال عنه العقاد: " إنني لم أعرف فيما عرفت من ترجمات للنظم والنثر أديباً واحداً يفوق المازني في الترجمة من لغةٍ إلى لغةٍ شعراً ونثرا". ويقول عنه معاوية: "ودقة احساس المازني هي التي جعلت منه ذلك المترجم اللبق الذي يترجم الأعمال الفنية الغربية من غير زيادة ولا نقصان ومن غير إهدار للمعنى أو الفكرة أو العاطفة". ومن أعمال المازني الأدبية المشهورة نذكر الآتي:
    1- إبراهيم الكاتب وإبراهيم الثاني – روايتان.
    2- أحاديث المازني- مجموعة مقالات.
    3- حصاد الهشيم.
    4- خيوط العنكبوت.
    5- ديوان المازنى.
    6- رحلة الحجاز.
    7- صندوق الدنيا.
    8- عود على بدء.
    9- قبض الريح.
    10- الكتاب الأبيض.
    11- قصة حياة.
    12- الجديد في الأدب العربي بالاشتراك مع طه حسين وآخرين.
    13- الديوان في الأدب والنقد وقد أصدره مع العقاد في عام 1921.
    وبالإضافة لهذه المؤلفات للمازني الكثير من القصائد الشعرية، والمقالات، والترجمات من القصص الإنجليزي. وباختصار يعد المازني من كبار كتاب عصره ومصره فهو من طبقة العقاد والرافعي وطه حسين وسيد قطب وعبد الرحمن شكري ومحمود شاكر وغيرهم من الأعلام. ونتيجة لعلمه ومجهوده الأدبي تم انتخابه عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وكذلك تم انتخابه عضواً بالمجمع العلمي العربي بمصر.
    هذه النبذة القصيرة عن الرجل تملأ القلبَ رعباً منه فيخاف اللسان أن ينطق بكلمة واحدة ليس في مكانها. ولكن هل أخافت هذه القامة المصرية الشاهقة أديبنا الناقد السوداني معاوية محمد نور (1909-1941) من أن يتناول أعمال المازني بالنقد؟
    عندما ولد معاوية محمد نور في عام 1909 كان المازني شاباً فتياً بلغ العشرين عاماً ويعمل معلماً في المدارس المصرية. وبالرغم من الفارق الكبير في العمر بينهما إلا أن معاوية قد استطاع تقريب تلك الفجوة بتوسيع عقله ومداركه وسعة اطلاعه فلحق بالمازنى عقلاً وثقافةً مما أهله للحكم علي أعماله الأدبية. يقول معاوية: "قرأت كل ما كتب المازني في الأدب. قرأت نقده لشعر حافظ وقرأت ما كتبه في الديوان، وما كتبه في حصاد الهشيم وقبض الريح وصندوق الدنيا ورحلة الحجاز. وقد أهداني رواية إبراهيم الكاتب أخيراً فاستحق مني الشكر على تلك الهدية الغالية. وقد قرأت لإبراهيم المازني المترجم أيضاً كثيراً مما ترجم في الشعر والنثر خاصة رواية ابن الطبيعة، فإذاً استطيع أن أبدي رأيي في أدب المازني عامةً من غير أن أشعر أنني لم أوفه الدرس والقراءة. فقد عرفت كتاباته منذ أن نشر حصاد الهشيم وعشت معه في عالم الآراء كل تلك المدة. وأنا كلما قرأت له جديداً كونت هذا الرأي واصلحت ذلك وعدّلت من هذا"
    ويصف معاوية المازني بأنه أديب ذكي الفؤاد، دقيق الأعصاب شديد الحساسية إلا أنه قليل الصبر على الإلمام الواسع بأطراف الموضوع الواحد والتبحر فيه شأن الباحثين، فهو أبعد ما يكون عن المزاج الرواقي في الفلسفة، وذلك "لأن أعصابه لا تقوى على ذلك ولا طاقة لها به. فهو يحس كأدق ما يحس إنسان ولكنه لا يثبت في ذلك الإحساس ولا يسترسل معه ولذلك كان تشاؤمه في الحياة ذلك التشاؤم الخفيف الذي ليس فيه ثقل أو ادعاء. وإنما هو تشاؤم من يحس أنّه في دنيا تهد أقوى الناس أعصاباً وأجلدهم، وشأنه مع الأشياء التي لا يقف لها على كنه، ولا تتيسر له معرفتها عن طريق الإحساس الأول، هو الإشاحة عنها والزراية بها والضحك عليها."
    ويسترسل معاوية في شرح خصائص المازني النفسية والفكرية ليجعلها المفتاح الأساسي لمغاليق نفسه وتقييم كتاباته. "وعلى هذه النظرة يستطيع القارئ أن ينظر في كل ما كتبه إبراهيم المازني فيرى لطافة مدخل، ودقة إحساس، ولكنه لن يرى عوالم جليلة هي نتاج قوة عصب وشدة شكيمة وجبروت فكر."



    * في الحلقة القادمة نقرأ رأي معاوية في المازني وحججه التي دعم بها ذلك الرأي الأدبي الشجاع في أديب من أكبر أدباء مصر والوطن العربي.


    .
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمود عثمان رزق
    معاوية محمد نور وجهاً لوجه مع أديب مصر المازني
    (2-2)


    ولد معاوية محمد نور بجزيرة توتي في عام 1909 وعندما أنهى تعليمه الثانوي تم اختياره ضمن مجموعةٍ قليلةٍ جداً من الطلبة المتفوقين لدراسة الطب في كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم حالياً) فمكث بالكلية لمدة عامين لكنه هجرها بسبب ميوله الطبيعي وحبه الجارف لدراسة الآداب التي أكمل دراستها بالفعل في الجامعة الأمريكية ببيروت. وبعد تخرجه في الجامعة عمل في كثيرٍ من الصحف المصرية محرراً ولم يرجع للسودان لأنّ الاستعمار كان له بالمرصاد والقيود الشداد. وفي مصر ظهر نجم الفتى، ورُفع ذكره، وعرفه القراء والكتاب، وهاب قلمه أدباء مصر الكبار فضلاً عن الصغار. وكان معاوية مع استقلال رأيه من أنصار العقاد ومحبيه وعند وفاته حزن عليه العقاد حزناً شديداً فرثاه بقصيدة طويلة منها قوله:
    بكائي عليه من فؤادٍ مُفجعٍ *** ومن مقلةٍ ما شُوهدت قطُ باكيه
    بكائي على ذاك الشباب الذي ذوى *** وأغصانُه تختالُ في الروض ناميه
    تبينت فيه الخلدَ يوم رأيتُه *** وما بان لي أنّ المنيةَ آتيه
    تناول معاوية أعمال عدد من الكتاب المصريين من ضمنهم المازنى والعقاد، وفي الحلقة الأولى ذكرنا أنّه قرأ جميع مؤلفات المازني، وتركناه يتكلم عن خصائص المازني النفسية والفكرية ليجعلها المفتاح الأساسي لمغاليق نفسه وتقييم كتاباته فسمعناه يقول: "وعلى هذه النظرة يستطيع القارئ أن ينظر في كل ما كتبه ابراهيم المازني فيرى لطافة مدخل، ودقة إحساس، ولكنّه لن يرى عوالم جليلة هي نتاج قوة عصب، وشدة شكيمة، وجبروت فكر وهو من هذه الناحية يكاد يكون نقيض عباس العقاد فهو ينقصه ما عند العقاد وينقص العقاد بعض هاته الخلال التي استدقت ولطفت في المازني."
    ومن بعد هذه المقارنة العامة بين الرجلين العملاقين يرجع معاوية ليمسك بمبضعه الذي تركه في كلية الطب مرة ثانية ليشرّح لنا به أدب المازني وشخصية المازني فأول ما يلاحظه عن الرجل أنّه "لا يكلف نفسه الإحاطة التامة [بالمواضيع]، وهو لو تكلفها فأغلب الظن لا يستطيعها" وذلك لسبب تبرمه بالكتب وعدم الصبر عليها وكانت نتيجة ذلك التبرم أنّ المازني لا يرى الوجهين للمسألة الواحدة وإنّما يرى وجهاً واحداً فقط. وفي رأي معاوية أنّ هذا المزاج لا يمكن أن ينتج ناقداً كاملاً ولا باحثاً متعمقاً، ولذلك يرى أنّ المازني الناقد الباحث لا يقف أمام التمحيص ويسترسل في ذلك قائلا: "ويمكنني أن أسهب وأوضح أن كل نظرياته في النقد الأدبي وتطبيقاته لتلك النظريات شيء سطحي وهي أشبه بالإحساس الخاطف والرأي الذي يُقنع في ساعته ولكن أحرى به أن لا يقوم أمام التمحيص والبحث الشامل." ويتناول معاوية يعض الأمثلة التي تثبت سطحية المازني وخطفه للأفكار من غير تروٍ ولا تفكرٍ ولا تثبت ومن ثمّ يطالبه بالتخلي عن صفة "الناقد" التي يصف بها المازني نفسه أو يصفه بها غيره فيقول: " وخير له وأضمن لشهرته أن يتنصل عنه (أي لقب الناقد) وينكره وهو يستطيع ذلك بما أوتي من خفة روحٍ وسعة ظرفٍ. فتنصل يا مازني عن الناقد وقل بدلاً من "مات الفتى المازني" مات الناقد المازني ذلك خيرٌ لك وخيرٌ للأدب والنقد"
    وهذه الجرأة التي يتكلم بها معاوية مع هذا العملاق تذكرني منازلة على بن أبي طالب- ذلكم الفتى الذي لم يتجاوز الستة عشر عاماً - لابن عبد ود فارس قريش وصنديدها الذي ملأ القلوب رعباً وخوفاً ورهبةً. ويبدو أنّ كلا الشابين كان يثق في نفسه ومقدراته ثقة عظيمة مفرطة جعلت كل واحدٍ منهما يهزأ بخصمه ويهزأ بالناس أيضاً لأنّ الناس قد ظنوا أنّ العمالقة لا يقف في وجههم أحد.
    وقد تجرأ معاوية على المازني لأنّه وجد المازني ضعيفاً وإن كان يبدو للناس عملاقاً! فهو كما خبره معاوية "في بحوثه النقدية والفكرية- في الأغلب والأعم- أسير ساعته وعبد الفكرة أو الكتاب الذي كان يقرأه في تلك الآونة. وكثيراً ما يردد أفكاره ويعيدها في أثواب شتى مما يدل على أنها قليلة وأنّها قد نفدت بإصداره حصاد الهشيم. وشعر هو بذلك الإجداب الفكري فلجأ إلى الإحساس وكان خيراً له أن يفعل ذلك من مبدأ الأمر." ومعاوية لم يكتشف في المازني إجدابه الفكري فقط وإنّما اكتشف فيه أخطر وأعظم من ذلك. فقد اكتشف معاوية أن المازني سارقٌ يسرق الأدب!! وبهذه المناسبة غير السعيدة يعلن معاوية قائلاً: "ويجب أن نقرر ونحن نتحدث عن سرقات المازني أن الأديب الذي يعثر له النقاد على أشياء كثيرة مسروقة تقل قيمته عندهم، ولو كان الذي سرقه أقل مما وضعه هو وإنّما السرقة في الأدب داء والسلام."
    نعم، قد صدق معاوية في قوله إن السرقة الأدبية والعلمية داء عضال، وللأسف فقد انتشر هذا الداء ولم ينحصر في سرقة المقالات والأفكار فقط بل تعداه لسرقة الأطروحات العلمية والفكرية والأدبية لينال بها بعض عطالة الفكر درجات الدكتوراه والماجستير التي تفتح لهم الطريق لمناصبٍ عليا ووظائفَ كبرى هم ليسوا لها بأهل. واشهد الله أنّي قد قرأتُ رسالة دكتوراه لا تشبه صاحبها الذي أعرفه حق المعرفة وهو للأسف قد أصبح من المتنفذين الآن. فالرسالة التي تبناها الرجل لا تشبه في شيءٍ أبداً لا في فكرها، ولا في لغتها، ولا في تحليلها، ولا في معلوماتها، ولا في مراجعها الأجنبية وهو العاجز عن التعبير بسطرين باللغة الإنجليزية. والأدهى من ذلك كله أنّ الرجل جعلها كتاباً يرفعه في مراتب الكتاب والمفكرين ويدرّ له دخلاً يزداد به كيل بعير لا يتحرى فيه ولا في غيره الحلال!!. وكاتب هذا المقال يعرف معنى السرقة الأدبية التي يتحدث عنها معاوية جيداً، فقد سرقت أفكاره ومقالاته عدت مرات وأعيد نشرها ولم يكلف السارق نفسه بأن ينكّر لبلقيس عرشها، وذلك شيء محزن حقاً. و في بداية هذا العام (2014) سرق مني أحد الكتاب السعوديين فكرةَ مقالٍ نشرته في عام 2012 في صحيفة "سودانايل" الالكترونية بيّنت فيه خطأ شعار "القرآن دستورنا" فأخذ الكاتب السعودي العنوان والفكرة وألف بها كتاباً اسماه "القرآن ليس دستوراً"! وأمثال هذه السرقات لا تحصى ولا تعد والعار كل العار على أصحابها.
    وبخصوص سرقات المازني يقول معاوية: "وقد وقفنا في مطالعتنا المتفرقة على قطع اختلسها الأستاذ المازني في عرض مقالاته، وقياساً على هذه القطع التي صادفناها في قراءتنا المتناثرة فإننا لا نطمئن إلى كثير من قطعه، إذ ما أدرانا أنّ أغلبها مما نعجب به هو أيضاً مسروق من كتاب أو مجلة لم تسعدنا الصدف بالاطلاع عليها". ثم يأتي معاوية بعدد من الأمثلة ليثبت بها صحة مذهبه في سرقات المازني الأدبية ومن أمثلته قوله: "كتب المازني مرة في "السياسة الأسبوعية" مقالاً أسماه "قصة من إعلان" زعم فيه أنّه اهتدى إلى فكرة جديدة في الخلق القصصي. وهي أن الإعلانات توحي بالفكرة القصصية وأتى بمثال من تلك الإعلانات الشخصية التي تظهر في الجرائد الأوربية، وفكرتا المقال والإعلان كلتاهما مأخوذة من كتاب اسمه “Plots and Personalities” لمؤلف أمريكي اسمه “Blosson” والكتاب كله مكتوب على هذا النمط في النهج والفكرة والإيحاء في الخلق القصصي." هذه مثال واحد مما ذكره الرجل.
    فإذن معاوية يشكك في أدب المازني بالجملة ولا يتردد في أن ينطق بالحكم عليه قائلا: " لسنا الآن بسبيل الاستقصاء فذلك مالا يكفيه مقال أو مقالان، ولكن حسبنا أن نعطي نماذج مما عثرنا عليه صدفة في قراءتنا، وكنا نود ألا يقع في مثل هذه السرقات رجلٌ كالمازني مهما قيل فيه – فهو أديب له ميزاته - ولكن أغلب الظن أن الناقد إذا تفرغ لتتبع هذه السرقات فإن صاحبنا الأديب يتبخر إلى لا شيء، ويصبح عارياً بعد أن تؤخذ منه الأثواب التي استعارها من أصحابها من غير إذن استئذان."
    هذا هو معاوية محمد نور الناقد السوداني الذي جهله وتجاهله أهله وقد عرفته مصر وكتاب مصر ومفكريها وعلى رأسهم العلامة الأديب المفكر عباس محمود العقاد الذي رثاه بقصيدة طويلة أعقبها بقوله:
    "لو كان معاوية حيّاً لكان نجماً مفرداً في عالم الفكر الأدب العربي"
    آه آه لو آه تفيد مجروح


    .
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    امدرمان... مدينة السراب والحنين



    يدخلها الإنسان عن طريق القنطرة الجديدة المقامة على النيل الأبيض بعد أن ينهب الترام سهول الخرطوم الخضراء الواسعة، فيلقي نظرة على ملتقى النيلين في شبه حلم، ويعجب لهذا الالتقاء الهادئ الطبيعي، وذلك التصافح العجيب من غير إثارة ضجة ولا صوت، فكأنما النيلان افترقا في البدء على علم منهما وهنا يتلاقيان كما يتلاقى الحبيبان ويندمجان نيلاً واحداً، فما ندري أنهما كانا نيلين من قبل ولا ترى في موضع الالتقاء ما يشير إلى شيء من المزاحمة أو عدم الاستقرار مما يلاحظ عادة في التقاء ما بين جهتين مختلفتين، وإنما هناك عناق هادئ لين، وانبساط ساكن حزين.


    فإذا فرغ المشاهد من هذا المنظر الذي لابد أنه آخذ بنظرة مرغمة على التأمل، انتقل إلى الضفة الأخرى من النيل الأبيض فرأى البيوت الصغيرة مثبتة في الصحراء، ورأى السراب يلمع ويتماوج بعيداً ورأى بعض العربان وراء جمالهم المحملة حطباً تمشي في اتئاد وفتور، ومن ورائها سراب ومن أمامها سراب، فكأنما هي تخوض في ماء شفاف. ورأى إلى شماله بعض ثكنات الجنود السودانيين منبثة هي الأخرى في أماكن متقاربة، ثم سمع صوت "البوري" يرن حزيناً شجياً وسط ذلك السكون الصامت وفي أجواز ذلك الفضاء اللامع وتلك الشمس المحرقة، فيحس بشيء من الحنين والحزن الفاتر المنبسط ويعجب لذلك المكان ما شأنه وشأن الترام الكهربائي والقنطرة والأتومبيل الذي يخطف كالبرق بين كل آونة وأخرى في ذلك الفضاء السحيق.

    وإذا سار به الترام قليلاً في اتجاه النيل رأى أول المدينة المعروف بـ"الموردة " ورأى السفن البخارية الآتية من أعالي النيل واقفة على الشاطئ محملة ببضائع تلك الأماكن الجنوبية, كما رأى بائعي الذرة أمام حبوبهم المرصوصة في أشكال أهرامات صغيرة, وهم يبيعون للمشترين وينطقون العدد في نغمة إيقاعية موسيقية فيها شيء من الملال والترديد الحزين، وفي مثل ذلك المكان كانت تباع الجواري ويباع العبيد في أسواق علنية مفتوحة في عهود مضت، وكان البائعون يتفننون في عرض تلك الجواري بما يلبسونهن من الحلي والزينات.

    فإذا سار الترام قليلاً وجد المشاهد نفسه أمام قبة المهدي- ذلك الرجل الذي كان له الشأن الكبير في تاريخ تلك البلاد- ورأى تلك القبة مهدمة مهدودة كما رأى الجامع الواسع الكبير الذي بناه الخليفة عبد الله لكي يصلي فيه المصلون أيام الجمع والأعياد فوقف هنيهة يذكر عهداً مضى بخيره وشره وخالجه شيء من إحساس "الزمان" الذي لا يبقي على شيء إلا مسخه وتركه باهتاً شائخاً بعد أن كان كله رونق وشباب!

    وهنا يذكر الإنسان قصة ويذكر تاريخاً ويذكر حروباً أقامت عهد المهدية وتخللته وقضت عليه أخيراً.

    وربما يرى في الشارع القائم بين ذلك الجامع وبين طريق الترام صبياً واضعاً رجلاً على رجل في حماره القصير وهو يمشي في طريق معاكس للترام ساهم النظر مفتوح الفم، ينظر إلى بعيد من الآفاق ويغمغم بنغمة حزينة ملؤها الشجو والفتور ناسياً نفسه ناظراً إلى في ما حوله نظرة الحالم الناسي.

    ذلك مشهد لن تخطئه قط في شوارع أم درمان. حركة خفيفة ساهية وغناء كئيب حزين كأنما يستعيد قصة مضت، ويحكي رواية مجد وبطولة عفا عليها الزمان ودالت عليها الحوادث كما تدول على كل عزيز على النفس حبيب إلى الفؤاد، ولم تبق على شيء سوى الغناء والسهوم الكئيب.

    وفي ذلك المنظر يتجسد تاريخ أمة ونفسية شعب رمت به الطبيعة وسط ذلك الجو المحرق وتركت له صفات الصدق والبساطة في عالم لا بساطة فيه ولا صدق! هو شعب من بقية أمم مجيدة طيبة الأرومة، اضطره الكسب والمعاش أن يهاجر إلى تلك البلاد ذات السهول الواسعة والصحراء المحرقة، فكان تاريخه مأساة تتبع مأساة، وماضيه كله الجرم والإثم، وهؤلاء المهاجرون من أذاقوا السكان الأصليين الألم وساموهم الخسف والعذاب، كرت عليهم النوبة من أمم أخرى فكان نصيبهم الألم والتعب والخوف. وإذا كل السكان سواسية أمام عوامل الجو ودواعي الملال والسأم، ومغريات الشعر والذكر وويلات الفقر، وإذا بكل تلك العوامل المختلفة تترك طابعاً خاصاً على نفوسهم وسمات خلقهم وسحنات وجوههم لا يخطئها الناظر العارف، ولا تقل في الدلالة والشاعرية والحزن الكظيم عن تلك الخصائص التي يراها الإنسان على وجه الرجل الروسي الحزين.

    وأبلغ ما يدل على تلك النفسية وذلك الخلق الأغاني الشعبية التي يرددها الكل، من أكبر كبير إلى الأطفال في الطرقات والشوارع، بل إنني لا أعرف شعباً فتن بأغانيه وأعجب بها فتنة السوداني وإعجابه بها. فإذا أنت تجد الموظف في مكتبه، والتاجر في حانوته، والطالب في مدرسته، والشحاذ والحمّار والعامل والمزارع والطفل الذي لم يتجاوز الثالثة ومن إليهم كلهم يغنونها ويرددونها في كل ساعة وكل مكان، ويأخذون من نغمها وإيقاعها معيناً لهم يعينهم على العمل ويلهب إحساسهم بدواعي النشاط والتيقظ الشاعر. بل بلغ افتتانهم بها أن الرجل ربما يشتري "الأسطوانة" الغنائية بعشرين قرشاً وهو لا يملك قوت يومه، وقل أن يمر الإنسان بأي شارع من شوارع أم درمان إلا ويعثر على إنسان أو جماعة تدمدم بتلك الأغاني في شبه غيبوبة حالمة وصوت باك حزين!

    والأغاني لا يمكن أن تذيع في أمة مثل هذا الذيوع وتحظى بمثل هذا الانتشار إذا هي لم تعبر عن نفسية تلك الأمة أتم التعبير.

    وأغرب من ذلك وأدعى إلى الدهشة أنهم يرقصون على تلك الأغاني الحزينة الكئيبة ولا يرون فيها حزناً ولا كآبة لاعتيادهم سماعها وارتباطها الوثيق بحياتهم. فإذا غنى المغني قائلاً "يا حبيبي خايف تجفاني" وكان هذا المقطع الأخير الذي يرددونه مثل "الكورس" المسرحي وغناها المغني بصوت عال وترديد شجي ناعم طرب الكل واشتد الرقص واشتعل النظارة حماساً، ونسي كل نفسه في موجة طرب راقص، فيعرف المشاهد أن هذا الشعب قد وطد نفسه على قبول الحياة كما هي في غير ما ثورة وكان له في آلامه الدفينة البعيدة القرار نعم السلوى عن الحاضر، ونعم العزاء عن الآلام والمتاعب. وتلك هي نعمة الاستسلام والحنين ومظهر الاستهتار بألم طال وتأصل فانقلب فرحاً ونعيماً!

    ونفوس السودانيين واضحة واسعة وضوح الصحراء وسعتها، وخلقهم لين صاف لين ماء النيل وصفائه، وفيهم رجولة تكاد تقرب من درجة الوحشية، وهم في ساعات الذكرى والعاطفة يجيش الشعور على نبرات كلماتهم وسيماء وجوههم حتى تحسبهم النساء والأطفال؛ وتلك ميزات لا مكان لها في حساب العصر الحاضر، وإن كان لها أكبر الحساب في نفوس الأفراد الشاعرين وفي تقدير الفن والشعر والحضارة.

    .
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    يحيى فضل الله
    معاوية محمد نور.. ألا يمر بكم الدكتور هنا؟




    (يدخلها الإنسان عن طريق القنطرة الجديدة المقامة على النيل الأبيض، بعد أن ينهب الترام سهول الخرطوم الخضراء الواسعة، فيلقي نظرة على ملتقى النيلين في شبه حلم، ويعجب لهذا الالتقاء الهادئ الطبيعي، وذلك التصافح العجيب من غير إثارة ضجة ولا صوت، فكأنما النيلان افترقا في البدء على علم منهما، وهنا يتلاقيان كما يتلاقى الحبيبان ويندمجان نيلاً واحداً، فما ندري أنهما كانا نيلين من قبل، ولا ترى في موضع الالتقاء ما يشير إلى شيء من المزاحمة أو عدم الاستقرار مما يلاحظ عادة في التقاء ما بين جهتين مختلفتين، وإنما هناك عناق هادئ لين، وانبساط ساكن حزين.
    فإذا فرغ المشاهد من هذا المنظر الذي لا بد أنه آخذ بنظرة مرغمة على التأمل، انتقل إلى الضفة الأخرى من النيل الأبيض فرأى البيوت الصغيرة مثبتة في الصحراء، ورأى السراب يلمع ويتماوج بعيداً، ورأى بعض العربان وراء جمالهم المحملة حطباً تمشي في اتئاد وفتور، ومن ورائها سراب ومن أمامها سراب، فكأنما هي تخوض في ماء شفاف. ورأى إلى شماله بعض ثكنات الجنود السودانيين منبثة هي الأخرى في أماكن متقاربة، ثم سمع صوت «البوري» يرن حزيناً شجياً وسط ذلك السكون الصامت، وفي أجواء ذلك الفضاء اللامع وتلك الشمس المحرقة، فيحس بشيء من الحنين والحزن الفاتر المنبسط، ويعجب لذلك المكان ما شأنه وشأن الترام الكهربائي والقنطرة والأتومبيل الذي يخطف كالبرق بين كل آونة وأخرى في ذلك الفضاء السحيق.
    وإذا سار به الترام قليلاً في اتجاه النيل؛ رأى أول المدينة المعروف ب(الموردة)، ورأى السفن البخارية الآتية من أعالي النيل واقفة على الشاطئ محملة ببضائع تلك الأماكن الجنوبية، كما رأى بائعي الذرة أمام حبوبهم المرصوصة في أشكال أهرامات صغيرة، وهم يبيعون للمشترين وينطقون العدد في نغمة إيقاعية موسيقية فيها شيء من الملال والترديد الحزين).
    هذا السيناريو الممتع مأخوذ من نصٍّ كتبه الأستاذ معاوية محمد نور، كصورة قلمية ل (أم درمان) في الثلاثينيات من القرن المنصرم. ومعاوية محمد نور كاتب متعدد، عقل متسع، يعمل فكره في كل ضروب المعرفة، يكتب عن مختلف المواضيع، يكتب عن مواضيع فلسفية معقدة، يكتب في النقد الأدبي، يمارس كتابة القصة، ويكتب عن أمور اجتماعية تستحق الالتفات إليها. إن قدرات معاوية نور في التأمل والكتابة تستطيع أن تجعل من أبسط التفاصيل موضوعاً له ثقل جوهري، ويصبح الموضوع في حيوية التأمل.
    علاقتي بكتابات الأستاذ معاوية محمد نور؛ علاقة قديمة ومتجددة، هذه العلاقة أثمرث أربع حلقات إذاعية من برنامجي (فضاءات) لإذاعة البرنامج الثاني الذي استمر حتى بداية التسعينيات، وأذكر مذاق المتعة الذي كنت أحس به، وأنا أعد هذه الحلقات الأربع، كل ذلك لأن عوالم كتابات معاوية نور متعددة، وتضرب في اتجاهات مختلفة من ضروب الكتابة، والمفاهيم حول الكتابة تجدها مفاهيم معاصرة، وتلوح بأسئلتها واجتراحاتها دون أن تصدأ تلك الرؤى والمفاهيم. وأذكر مفهوماً عن الشعر والشاعر، ناوشني وحطم البداهات الأولى لديَّ عن الشعر، أيام المعهد العالي للموسيقى والمسرح، في بداية ثمانينيات القرن المنصرم، كتب معاوية نور: (الشاعر الذي يبدي ويعيد في الحديث عن ملذاته وآلامه وحسراته التي يثيرها شخص المحبوب أو ذكراه فحسب، مهما اختلفت القافية وتعدد الإيقاع، لا يعدو أن يكون إنساناً لم تتسع أنانيته إلى أكثر من حاجاته البسيطة المتعارفة).
    ومن هذا المفهوم أكاد أجزم بأني قد تعقدت واتسعت علاقتي بالشعر وتفجرت تأملات كثيرة حول هذه الجملة (لم تتسع أنانيته) حد أن أصبحت أميز بسهولة أولئك الشعراء الذين لم تتسع أنانيتهم بعد، وللأسف ظل هذا النموذج من الشعراء يتناسل شاعراً بعد شاعر، وبعلائقي مع فن القصة أجدني أتحسس وبطرب خاص المقدمة التي كتبها معاوية محمد نور لقصته (المكان) التي نشرت في جريدة (مصر) في الحادي عشر من نوفمبر 1931م من القرن المنصرم، وقد وسم هذه القصة بـ (القصة التحليلية). كتب معاوية: (هذا النوع من الفن القصصي ليس من مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الاجتماعي، ولا استجاشة الإحساس والعطف القوي على الخلائق، وليس من مهمته أن يحكي حكاية، وإنما هو يتناول التفاعلات الداخلية في عملية الإحساس والتفكير عند شخص من الأشخاص، ويربط كل ذلك بموسيقى الروح واتجاه الوعي. كما يعرض لمسائل الحياة العادية المبتذلة، ويشير عن طريق الإيحاء إلى علاقتها بشعر الحياة ومسائلها الكبرى. وهو يعرض لذلك الجانب الغامض في تسلسل الإحساسات واضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص واحد من الأشخاص. كما أنه يصور ما يثيره شيء تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعي الخواطر، وقفز الخيال، وتموجات الصور الفكرية. هذا اللون القصصي – والحالة كما وصفنا- يعرض لأدق المسائل العلمية السيكولوجية المظلمة، حتى للعلماء أنفسهم، ويمزج ذلك بنوع من الشاعرية والغموض العاطفي، ويخرج من كل ذلك تحفة فنية حقاً. ويغلب في كتّاب هذا اللون القصصي أن يستثيروا نفوسهم ويكتبوا من معين حياتهم، فكأنهم يترجمون لأنفسهم مع بعض الزيادة والنقصان وتغيير الأمكنة والأزمان والأسماء. هذا النوع انتشر في أوروبا وعرف منذ عشر سنوات تقريباً حينما أخرج (مارسيل بروست) الفرنسي روائعه القصصية، كما أنه عرف في أتمه وأحسنه عند (كاترين مانسفيلد) و(فرجينيا ولف) من كتاب الإنجليز، ونود ولا شك أن يكتب وأن يعرف في وادي النيل).
    ويدخل معاوية نور في تحليل شخصية قصته (مجدي) وعلاقاته وعلائقه بالمكان: (وابتدأ يلم أطراف موضوعه تهَيُّؤاً للكتابة النهائية. فخط في وسط السطر ((إحساسي بالمكان)) وكتب:
    1 - كيف أنني أذكر الأشخاص الذين عرفتهم دائماً في مكان بعينه ويتكرر ذلك المكان كلما ذكرتهم!
    2 - كيف أنني في ساعات الدرس والتحصيل تلح في ذاكرتي صور وخرائب وأمكنة رأيتها منذ عشرات الأعوام فتزورني من غير أن أناديها. وقد يقفز بي مكان في بلد إلى مكان في بلد آخر لا أعرف ما العلاقة بينهما قط ولا أستطيع أن أعرف.
    3 -كيف أتخيل بعض الأمكنة ومواقعها قبل أن أراها، فلما تسعدني الظروف برؤيتها تكون وفق ما تخيلت في أغلب الأحيان!
    -4 كيف أحس أن المكان الذي رأيته لأول مرة في حياتي قد رأيته من قبل في حياة سابقة أخرى!
    5 - كيف أن خاطري في بعض الأحيان يلح بي لكي أذرع حوائط الدكاكين الداخلية – التي لا أعرفها - وأتمعن في ترابها وزواياها كأنني قد تركت روحاً هناك!).
    كتب معاوية محمد نور في جريدة الجهاد في 25 مارس 1933م بعنوان (الأهالي بين المرض والصحة) نتجول في هذا المقال ونرى كيف أن اهتمامات هذا الكاتب المفكر بأمور وطنه كانت جادة في تلمس تفاصيل الحياة، لا سيما إن علمنا أن جريدة (الجهاد) جريدة مصرية، كتب في هذا المقال: (ما أعرف أمة تشقى بالمرض والألم الجسماني مثل ما يشقى السودان، وما أعرف شعباً سرقت منه حيويته ومقدرته على العمل والإنتاج مثل الشعب السوداني، فالملاريا والدوسنتاريا والبلهارسيا وخلافها من الأمراض المضعفة للجسم، المنهكة للقوى ما زالت تعمل بين حميع أهالي السودان عملها، وخاصة بين الفلاحين عمود الأمة الفقري ورجالها العاملين وقد ازدادت الأمراض في الأعوام الأخيرة ازدياداً وانتشرت أمراض جديدة لم تكن معروفة بهذا القدر في سابق الأيام وعندي أن الفاقة وما ينتج عنها من سوء التغذية ورداءة السكن هي السبب الأول في انتشار الملاريا والدوسنتاريا والجدري بطريقة وعلى منوال مفزع في مديرية دارفور، فقد توفي من الجدري وحده في مديرية دارفور في أعوام ثلاثة نحو1293 نفساً، هذا هو الإحصاء الرسمي، من يدرينا؟ فلعل ما لم يُحص أو ما لم يُستطع إحصاؤه كان أكبر من هذا العدد).
    إن معاوية نور يعري الواقع الاجتماعي والاقتصادي للإنسان السوداني في فترة الثلاثينيات من القرن المنصرم، وفي كلماته ثورة واضحة ضد هذا الوضع المتدهور، ويربط ذلك بقدرة هذا الإنسان على الإنتاج: (زرت أثناء الصيف الماضي بعض مدن وقرى النيل الأزرق بمديرية الفونج، ورأيت الفلاح السوداني عن كثب يعمل بصبر عجيب وهو يكاد من الجوع والمرض لا يستطيع الحراك، وقد رأيت أولاده يسكنون معه في كوخ صغير من القش لا نوافذ له وليس به أثاث، رأيت هذا الرجل يعمل والعرق يتصبب من جبينه وسط المستنقعات الموبوءة بالبعوض، فإذا فرغ من عمله أوى إلى كوخه منهوك القوى، يتناول طعامه، وما طعامه سوى الذرة المسلوقة فحسب، ورأيت أولئك الأبناء تعصف بهم الملاريا؛ فإذا ببطونهم منفوخة وارمة، وإذا بلونهم شاحب حزين، التراكوما هي الأخرى تكاد تودي بأبصارهم، وهم عراة الأجسام، ضعيفو البنية، ويغدون ويروحون تحت ذلك الهجير الملتهب، كيف نطلب إذن من هذا الرجل الميِّت أن يعمل فيجيد العمل وينتج الثروة لبلاده ونحن لا نهيئ له مسكناً صالحاً ولا طعاماً مقبولاً ولا صحة في بدن أو أملاً في راحة مقبلة أو سعادة منتظرة).
    إن قلم معاوية محمد نور يغوص عميقاً في تفاصيل مأساة الإنسان السوداني، ويقدم إدانته واضحة للاستعمار الإنجليزي: (لقد رأيت بعض الشباب في قرية من قرى مركز سنار، مرضى بالملاريا والتراكوما، فلما تحدثت إليهم: «ألا يمر بكم الدكتور هنا؟»، أجابوا بصوت واحد مليء بالرجاء والاستعطاف: «كلم المفتش يا جناب الأفندي»، ثم سألت وقد رأيت في بعضهم ذكاء ونشاطاً رغم مظاهر الفاقة والمرض: «أليس عندكم كتاب، مدرسة أولية هنا؟»، أجابوا: «كان زمان في مدرسة هنا وبعدين شالوها والعمدة طلبها تاني من المفتش، لكن لسه ما جابوها». هؤلاء هم السودانيون العاملون دافعو الضرائب وزارعو الأرض الذين من أجلهم ذهب الإنجليز إلى السودان لنشر الحضارة والتقدم بينهم، يعيشون في فقر مدقع ومرض متواصل وفقر روحي وجهل لا يوصف).
    قبل ما يزيد عن ستين عاماً، وفي ما قبل منتصف القرن العشرين، كتب معاوية محمد نور هذا المقال، ترى هل اختلف الواقع السوداني الآن عما وصفه معاوية محمد نور في الثلاثينيات من القرن المنصرم؟ ويبقى تساؤل معاوية محمد نور (ألا يمر بكم الدكتور هنا؟) تساؤلاً قائماً وعابراً قرناً من الزمان، فاضحاً لاجدوى الممارسة السياسية في السودان، ويتساوى الاستعمار والحكومات الوطنية أمام هذا التساؤل.
    (في القطار)، قصة قصيرة كتبها معاوية محمد نور في الثلاثينيات من القرن المنصرم عن مأساة طفل يبيع الشاي ومعه أمه في محطة (شندي)، نحن الآن نكاد نتجاوز العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ومحطة شندي نادراً ما تمر عليها القطارات.


    .
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الليبرالية السودانية من أمين مكي مدني إلى معاوية محمد نور وبالعكس
    عبد العزيز حسين الصاوي

    [​IMG]



    فعاليتان هامتان حول موضوع هذا المقال خلال الايام القليلة الماضية هما المناقشة التي نظمها اتحاد الكتاب السودانيين حول « دور المثقفين والمهنيين في انتفاضة ابريل 85 يوم الجمعة 5 مايو، وتكريم د. امين مكي مدني،وهو أبرز وجوه هذه المجموعة، بواسطة مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية كشخصية العام الاستنارية. يفترض ان هاتين الجهتين هما الاكثر تأهيلا من غيرهما لانتاج معرفة جديدة بهذا الموضوع. والمعني بذلك معرفة تصلح للبناء المستقبلي عليها نحو تفكيك معضلة الديموقراطية المستدامة القاتلة للسودان مجازا وفعلاً. هذه مجموعة أفكار/ خواطر / تأملات أثارتها هاتان الفعاليتان لنقاش يؤمل الا ينتهي بنهايتهما.
    في رسالة الكترونية مختصرة الى « مركز الخاتم عدلان « قبل عدة أيام عند اعلان النبأ كتبت مقترحا ان يكون جوهر الاحتفاء بدكتور مدني كونه ممثلا لما يمكن تصنيفه ب « الليبرالية الحديثة» وهو مصطلح أعتقد ان من الممكن إطلاقه علي المجموعة التي يدور حولها منشط اتحاد الكتاب. فماهو معني هذا المصطلح عموما وفي السياق السوداني بصورة خاصة وماعلاقته أصلا بنقل الديموقراطية السودانية من حيز الاستحالة الي حيز الامكان؟
    لاسباب تتعلق بضيق الوقت، ولكن الى حد أو اخر أيضا بدرجة الكفاءة الثقافية، يتجنب هذا المقال الدخول في مبحث فلسفي- فكري حول المصطلح مكتفيا باضاءته من خلال رصد حقيقتين اثبتتهما نهائيا التطورات التاريخية منذ انهيار حائط برلين في نوفمبرعام 89م، أولي الحقيقتين هي انه لاتنمية مستدامة وتاليا عدالة اجتماعية دون ديموقرطية والثانية، والاهم، انه لاديموقراطية بدون استناد فلسفي الى مفهوم حرية الفرد، جوهر الليبرالية. الانظمة القائمة علي مفهوم حرية الجماعات « الطبقة/ الاشتراكية، الامة/ الإسلامية- العربية » ثبت عمليا أنها تنتهي الى صروح استبداد مفلسة اقتصاديا تهدر فيها حقوق العيش الكريم والانتماء الوطني للشعوب افرادا وجماعات. وبينما تزدهر أحوال اقطار إسلامية « تركيا، ماليزيا واندونيسا الخ.. الخ» وغير إسلامية « البرازيل وكوريا الجنوبية الخ.. الخ.. » علي طريق التحول الديموقراطي المستدام يبقي السؤال حول المصير السوداني ؟
    الحالة السودانية التي تتوسع فيها، دون هوادة، مساحات التدهور الشامل أقاليمياً وطبقياً وتتفكك عري الوحدة الوطنية حروباً أهلية قائمة وممكنة، يصح القول إزاءها فيما يتصل بالعلاقة بين الديموقراطية والليبرالية، بأنه حتي لو لم توجد قوي او تيارات ليبرالية سودانية فلا بد من اختراعها لان البديل لايمكن حتي تصوره لكونه أبشع من الحاضر الماثل أمام أعيننا يوميا الان ؟ ولكن الامر، لحسن الحظ، لايخلو من إرهاصات ظهرت الى السطح في التحضير لانتفاضة ابريل 85 وتنفيذها. تجسدت هذه الارهاصات في النشاط الدائب لمجموعة من المثقفين والمهنيين حسب التوصيف الصحيح لاتحاد الكتاب ، أساتذة وطلبة جامعيين، محامين، أطباء، مهندسين، مصرفيين، لعبت دورا محوريا في تشكيل التجمع النقابي الذي تولي تنظيم الاضراب السياسي وأهم المظاهرات ثم جولة المفاوضات الاولي مع قيادة الجيش بعد « انحيازها » للشعب. بالمقارنة للاطراف السياسية التي لعبت دورا في الانتفاضة سواء مباشرة أو من خلال نفوذها في الاوساط النقابية والحياة العامة، هناك قواسم مشتركة بين افراد هذه المجموعة تجيز اطلاق هذه الصفة عليها ببعض التجاوز وكذلك صفة الليبرالية بتجاوز أكبر. لايمكن بطبيعة الحال الحديث عن درجة من التماسك بين مكونات هذه المجموعة تقارب تلك القائمة لدي الاطراف السياسية الاخري ولكن قدرتها علي أداء دورها المبادر تدل دون شك علي توفر قدر من التنسيق والثقة المتبادلة بين افرادها لايمكن بدونه تفسير حيازتها لهذه القدرة مما لاينفي عنها صفة المجموعة كلية. الخاصية الاولي المشتركة بين افراد هذه المجموعة انهم في عمومهم غير منتمين حزبيا سواء للاحزاب «الحديثة » الاشتراكية او الإسلامية، او الأحزاب « التقليدية ». القاسم المشترك الثاني هو التوجه الـ« علماني » لأفراد المجموعة ليس بمعني الالتقاء الواعي حول هذا التوجه وانما بمعني ابتعاد نمط حياتهم الاجتماعية ومزاجهم العام عن الاجواء والممارسات التي نشأت عن محاولة نظام نميري- الاخوان حشر كافة اوجه الحياة في قالب ديني إسلامي وبصورة قسرية. الخاصية الثالثة للمجموعة أن محددات موقفها من الغرب غير متأثرة بجذور ايديولوجية و/ او تاريخية كما هو الحال مع اليسار واليمين.
    هل يمكن بناء علي هذا التحليل المبسط الاستنتاج بأن هذه المجموعة كانت، علي الاقل في الحد الادني، مرشحة كمجال أو بيئة ملائمة او كخميرة لحركة الديموقراطيين الليبراليين السودانيين؟ واجابة هذا المقال هي: نعم لان تكوينها الذاتي خلا من العوائق الثقافية والتاريخية، يمينية كانت او يسارية او تقليدية المصدر، أمام الشرط الرئيسي لنمو الديموقراطية في التربة السودانية كثقافة ومؤسسات وهو الحرية التي تستنبط ضوابطها الاجتماعية والسياسية من طبيعتها وبوسائلها. الاحزاب/ المجموعات السياسية الاخري لم تولد بعاهات جينية تمنعها من حيازة هذه الخاصية ولكنها نشأت في ظروف تاريخية تجعل تكييفها لتلك الضوابط قابلا للتأثر الشعوري أو اللاشعوري بالاعتبارات الطبقية بالنسبة للحركة الشيوعية والاشتراكية عموما، او الدينية -الطائفية بالنسبة لحزبي الامة والاتحادي، والدينية الايديولوجية بالنسبة للحركة الإسلامية.
    علي ذلك فان تلك المجموعة كانت مرشحة ايضا لتهيئة العقل السوداني للتوصل علي المدي البعيد الى حل لمعضلة الديموقراطية المستحيلة الكامن جوهريا في الفرق بين ظروف اوروبا والسودان. الاخير لم يعرف ثورة صناعية ولا إصلاحا دينياً ولاتيارات تنوير فلسفية، المخاض الكبير الذي ولدت فيه الديموقراطية الليبرالية كمسلمات للحياة ولنظام الحكم، لذلك ظل سؤال النهضة لدينا ولايزال هو : مع الاستحالة البديهية لاستنساخ التجربة الغربية، كيف يمكن استزراع مفتاح نجاحها وهو تحرير ارادة الانسان وقدرته الخلاقة علي صنع وترقية الحياة المادية والمعنوية بتحرير عقله، في التربة المحلية بتضاريسها الثقافية والتاريخية المختلفة ؟ والاجابة هي : بالاستيعاب النقدي ولكن المفتوح دون عقد ومعوقات من اي نوع تجاه الثقافة والتجربة الغربيتين. البشرية قادرة أكيد علي صنع حضارة أرقي وأكمل، كما فعل المسلمون والعرب وغيرهم من قبل، ولكن ذلك مستحيل دون هذه النوعية من التعاطي مع النموذج الغربي. هذا مايقوله، بالاضافة لتجربة مجموعة الاقطار المسلمة وغير المسلمة المذكورة سابقا، النظر في تجربة افريقيا الناهضة حيث قفز عدد الديموقراطيات في افريقيا جنوب الصحراء من 3 عام89 الي 23 حتي عام 2008 بينما تحسب ست من الدول الافريقية بين الدول العشر الاسرع نموا في العالم خلال العقد الماضي.
    واذا كانت تجربة « المسودة الاولية » من الليبرالية السودانية قد توقفت عند هذه الحدود بينما تبدو الاحزاب عاجزة عن تصفية كافة معوقات التعاطي المفتوح المطلوب في تكويناتها، وتتكسر كافة محاولات انشاء احزاب جديدة امام نفس السؤال، فان أحد اهم المداخل الممكنة لاستكشاف طريق الخروج من أزمة الاستعصاء الديموقراطي هو تواصل الاهتمام بدراسة تجربة مجموعة انتفاضة ابريل. كما أن طبيعة نشاطات مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية ، لاسيما تقليد احتفاله السنوي بشخصية العام الاستنارية، تفتح امامه طريقا رديفا ومكملا إذ يؤول الي تركيز الانتباه علي تجربة المثقف الاستثنائي معاوية محمد نور «1919 - 1941 » لان المنجز الاهم لسيرته الثقافية المعدومة النظير سودانيا وربما حتي عربيا، هو بالضبط الانفتاح النقدي ولكن الكامل علي التجربة الغربية. ويقترح هذا المقال علي المركز بدء التحضيرات منذ الان للاحتفاء به كشخصية عام 2013 الاستنارية بهدف تجميع أكبر قدر من المعلومات الموثقة تصويرا وغير ذلك عن هذه الشخصية « تاريخ ميلاده تحديدا وبيئته الاسرية وتفاصيل ظروف وفاته مرورا بتقصي بقية كتاباته الخ.. الخ.. » تمهيد مثلا لافتتاح متحف مصغر يوم الاحتفال تلقي فيه أيضا بعض الدراسات عنه وحبذا لو صاحب ذلك إزاحة الستار عن تمثال نصفي لمعاوية، ويمكن في هذا الصدد تنظيم حملة تبرعات مالية « وعينية من قبل نحات سوداني » لتغطية التكاليف. هذه خدمة تاريخية، ومبتكرة في الوقت عينه، يسديها مركز الخاتم عدلان لتاريخ الاستنارة والديموقراطية في السودان.




    .
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور: استعراض واستقصاء المثقف الحق
    قصي مجدي سليم

    أكثر تلاميذي نجابةً ونبوغاً وذا مستقبل واعد، صبيٌ نحيل الجسم وسيم الطلعة يدعى معاوية نور
    (ادوارد عطية)

    لو عاش معاوية لكان نجما مفردا في سماء الفكر العربي
    (العقاد)

    أميز ما يميز معاوية عندي، هو أنه لم يحس بالدونية تجاه أحد من العالمين
    (النور محمد حمد)

    في مقال له ممتاز الصنعة واللغة والموضوع تناول الأستاذ الفنان النور حمد جانبا من حياة وفكر معاوية نور(1909-1941-او ربما 1942)[1].. لم يقف المقال عند حد التعريف بمعاوية وأعماله كما يفعل الناس عادة بل تناول المقال جانبا مهما في علاقة المستعمِر بمستعمَريه وروح الدونية التي تصاحب المستعمَر وبإستشهادات ذكية خلص المقال الى ما يميز معاوية نور عند الكاتب..
    وما يميز معاوية عندي أنه بالإضافة لبرءه من عقدة الدونية – التي اشار لها استاذي الفاضل/ النور محمد حمد- فهو قد زاوج بين بغضه للإستعمار في شكله الإستغلالي وبين حبه للحضارة الغربية في شكلها الفني والأدبي والعلمي!
    هذا التزاوج قد أنتج لنا الفنان المفكر المبدع، والثائر الرافض والوطني الغيور في بوتقة متوائمة قل أن تجدها في انسان..
    ومعاوية الفنان قد قرأ وتثقف بثقافة عصره، ثم انه ناضل من أجل أن ينال هذا التثقيف في بيئة لا شأن لها بالفكر ولا حاجة لها بالثقافة!! قرأ وهو صبيا (برنارد شو وأناتول فرانس وجين أوستن وأولدس هكسلي)[2] وغيرهم من الأدباء والمفكرين فاستحق بجدارة الإهتمام والملاحظة من استاذه ادوارد عطية الذي التحق بالتدريس حوالي عام 1925فلحظ في الصبي ما لحظ من ذكاء ونبوغ.
    ناضل معاوية حتى حقق رغبته وأقنع (خاله)، رب أسرته، بالسفر الى بيروت للدراسة بالجامعة الأمريكية هناك بعد أن تخلى عن كلية الطب بالسودان. وبعد أن فرغ من دراسة الأدب الإنكليزي ذهب الى مصر واتصل بالعقاد.. ولقد حكى لي استاذي المرحوم/ عمر علي أحمد التروِّس، ولقد كان عليه رحمة الله من المداومين على ندوة العقاد بالقاهرة، حكى لي عن أول لقاء جمع العقاد بأديبنا معاوية.. لقد كان العقاد يجلس في مكتبة ومعه مجموعة من أصدقائه وفجأة يدخل شاب في مفتتح الشباب وخواتيم الصبا أسود اللون وسيم الطلعة ويبدأ في إنتقاء مجموعة من الكتب وعندما هم بالخروج نده عليه العقاد قائلا:
    -تعال يلا
    فذهب معاوية نحوه بثقة وإعتداد، فأخذ العقاد من يديه الكتب وقلبها وقال:
    -مين باعتك بالكتب دي؟
    أجاب معاوية بهدوء:
    -هذه الكتب لي
    قال العقاد:
    -إنت تقرأ للكاتب ده (ولوح بكتاب)
    قال معاوية وإبتسامة في شفتيه:
    -قرأت له قبلها كتاب كذا وكذا وكذا وكذا.....
    نظر العقاد الى أحدهم وقال:
    -قوم يا بغل.. إجلس يابني..

    ***

    لقد بهر نور معاوية كل من قاربه.. لقد كان شهابا يمضي بسرعة فيغشي الأبصار أو كما قال الأديب الفنان النور حمد:
    (خرج معاوية على الحياة الفكرية السودانية في عشرينات القرن الماضي كما الشهاب، متوهجاً، مندفعاً في قوة، وكما الشهاب أيضاً، انطفأ، وتفتت، وتناثرت طاقته الجبارة، في ظلمة السديم الشاسعة.)
    وعندما يقرأ المرء موسم الهجرة الى الشمال وينظر في الوصف الأريب لمصطفى سعيد ولعقله الذي يعمل كالمدية الحادة ثم يقرأ لمعاوية نور يجد تلك المدية العقلية حاضرة مع فارق الوعي الزائد الذي وائم بكل بساطة ووضوح بين المكتسبات البشرية الحضارية وبين الأخطاء الإستعمارية الكولونولية، فلم تأخذه العقدة ليقف حائرا متخبطا بين رغبة دفينة للإنتقام وبين حضارة غربية ينهل منها.. فهو يرد على كاتب فاضل رأى أنه لا يمكن للعرب أن يعيشوا من منهل الثقافة الغربية فقال له معاوية:
    (فليست هنالك حضارة غربية محضة أولاً ثم حضارة شرقية خالصة ثانياً. وليس من السهل أن نتكلم في شؤون الفكر والفن فنقول هذا لهذا وهذا لذاك!. وإنما الثقافة تراث إنساني ليس لإنجلترا أو النمسا أو الصين أن تستأثر به وتقول للآخذ منه "هذا لي وليس لك فيه أي حق")
    الى أن يقول:
    (والثقافة حق مشاع، وليس لأي شعب أن يستأثر بها. وهي حق الإنسان وحق الإنسانية وصلت إليه بعد تاريخ طويل من التضحيات وقيام مدنيات وإنهيار أخرى.)
    الى أن يقول:
    (فإذا فرغنا من هذا الذي نقرر وددنا أن ننتقل إلى فكرة أخرى بديهية ولكنها في مصر تحتاج الى تقرير وإثبات! وهي أن الآداب في أي أمة من الأمم لا تنتعش ولا تثمر إلا تحت تأثير ثقافة أجنبية تخفزها. هذا ما حصل في العصر العباسي، وما حصل في عصر النهضة الأوروبية، وما يحصل كل يوم بين كل الشعوب. وهو ما يحصل في مصر الآن وما نود أن يحصل بصورة أتم وأجلى.)
    اذن فمعاوية الدارس للغرب ولأدبه وفنونه لم يتعامل مع الأمر من منطلق الدونية أو الإنمحاق المُذهِب للكينونة البشرية.. بل هو التفاعل الإنساني الذي يأخذ القيمة من الحضارة ويترك القشور مستلهما التاريخ الإنساني الطويل وصراعه الممتد لإنشاء الإرث الإنساني ككل.
    هذا أكثر ما يمز معاوية نور عن الحركة الفكرية والسياسية والفنية السودانية في تلك الحقبة التي عاش فيها ولو صبر قليلا لما وجد أكثرهم مثله.
    ما يميز معاوية أيضا هو شجاعته منقطعة النظير والتي سولت له أن ينتقد من هم أباطرة في عالمنا العربي وآلهة لا تعبد ولا تمس.. ولقد كان معاوية مركا لخطورة دوره لا مجرد متهور لا يعلم ما يصنع فيقول في مقاله أصدقائي الشعراء:
    (ولقد كان في نيتي ألا أتعرض لهذه الدواوين بخير أو شر، لأن نفوس الأدباء بمصر تضيق ذرعاً بالملاحظة والنقد، ولا تتسع الصدور لكلمة الحق، ويقل التسامح، وتغلق أبواب النظر وسعة الفكر ورحابة العطف الفكري. ولأن معظم من يكتب أو ينظم الشعر يعتقد أن الأدب نوع من الملكية الفردية يسوء صاحبها ألا نقول كلمة إطراء عن بضاعته.)
    فهو هنا يعلم السايكلوجية المصرية وضيقها بالنقد والملاحظة.. أكثر من هذا فإنه لا تغلق أبواب سعة الفكر فقط بل ضيق الفكر قد يغلق في وجهه أبواب الرزق أيضا.. ولكن هل كان يأبه!! هل كان يكترث؟!! بالطبع لا.. لقد وجه نقده "لناجي" و"للمهندس" ولكنه لم يكتف بهذا بل إمتد به النقد حتى طال "شوقي" و"المازني" بل و"طه حسين" نفسه.. وهل مع هذا كان مجرد يافع يحاول أن يصنع لنفسه مجدا بنقد الكبار؟!! بالطبع لا.. فأنت عندما تقرأ نقد معاوية للمازني يروعك أمران:
    أولهما: سرقات المازني الأدبية التي تعصف به ككاتب فني
    وثانيهما: سعة إطلاع معاوية التي لا تقف عند حد
    يقول معاوية:
    (ويجب أن نقرر ونحن نتحدث عن سرقات المازني أن الأديب الذي يعثر له النقاد على أشياء كثيرة مسروقة تقل قيمته عندهم، والسرقة في الأدب داء. والمازني مصاب بهذا الداء لا يستطيع أن يقرأ قطعة فكاهة جميلة "لمارك توين" أو هنري أو غيرهما من كتاب الفكاهة في أمريكا والمانيا وإنجلترا إلا ويركبه عفريته الذي إستراح إلى كتفه كما يقول يغريه بسرقتها وإدعائها لنفسه. ولا أدري كيف يستسيغ المازني ذلك وهو يعرف أن في البلاد أناساً يقرأون مثل ما يقرأ على الأقل، وهم لا بد عاثرون اليوم أو غداً على ما كتب وادعاه لنفسه !)
    أكثر من هذا فإن معاوية يخبرك من أين أتى "طه حسين" بفكرة كتابه (في الشعر الجاهلي) و من أين أتى ب(حديث الاربعاء) وكيف لم يوفق شوقي في مجاراة شكسبير وكيف أخذ "لاشين" مسرحية تشكوف –وأظن أن معاوية قد كان يقصد مسرحية الدب لتشيكوف- وحولها لقصة بعنوان (لكنها الحياة)!! والقائمة تطول ولا سبيل لحصرها اليوم
    لهذا فعندما يتسائل كاتب مصري (لماذا لا نأخذ جائزة نوبل) فإن معاوية يمتلك الجواب برؤية علمية وصدق وصبر، يحكي له لماذا وكيف..
    وعندما يتسائل آخر (هل نعيش على موائد الغرب الى الأبد) كانت اجابته حاضرة ب(لا) ثم يردف:
    (ولكننا نسأل الكاتب الفاضل الذي أزعجنا بالحديث عن الحطيئة وأمثاله من الشعراء "هل نعيش على أدب العرب إلى الأبد؟ ذلك ما أود الجواب عليه!. وليفهم حضرة الكاتب الفاضل أن الحديث عن الأدب العربي وفضله عن كل أدب وثقافة، هو حديث سطحي لا يدل على علم ولا بصر بحقيقة الأمور.)
    لا.. لم يهادن معاوية، فالفكر عنده إلتزام صادق وروح دائمة مشتعلة تنقح وتبحث وتناقش وهي مع هذا روح جادة ملتزمة بقضية الفكر وبقضية الأدب هذا هو ما يجعلك تظن عندما تراه بأنه سيعيش الى الأبد!! فكأنه خلاصة الحياة الفكرية ونهايتها لهذا تجده في تجدد مستمر وتطور لا يتوقف وكأنه يسير بك الى السرمد..هذا ما دفع العقاد للقول:
    بكائي على ذاك الشبابِ الذي ذوى = وأغصانه تَخْتالُ في الروض نامية
    تبينت فيه الخلد يوم رأيته = وما بان لي أن المنية آتية
    وأظن أنه لولا معاوية الناقد لما شهد وادي النيل عملاقيه (نجيب محفوظ) و (الطيب صالح).. فكلاهما –وبلا شك عندي- قد إهتدى بهديه في الإلتزام الأدبي وامتثل له في النقد الفني فنراهما يتركان ما ناشد به أن يترك ويفعلان ما طالب به أن يفعل.
    ومعاوية هذا الذي نتحدث عنه لا يلاقي من الاجلال والإحترام حقه الكافي "كشأن العباقرة في بلادي" بل في بعض الأحيان تجد الإشارة له بصورة غير دقيقة.. أكثر من هذا فإن كثيرين لا يعرفون من هو معاوية نور حتى!! وان عرفوا جهلوا له أدوارا ريادية في القصة والنقد!!
    لقد كان معاوية هو الرايد الأول للقصة القصيرة (الناضجة) في الوطن العربي والرايد الأوحد للقصة القصيرة التحليلية في العالم العربي وأفريقيا..فهل هناك من يبحث في هذا؟! وهل هناك من "يفلق" رأسنا كما يفعل المصريون بكتابهم؟! بالطبع لا.. هذي بلاد لو مر منها نبي لما حفلوا به!!
    ومعاوية الوطني:
    فمعاوية ليس مجرد أديب-والسلام- إنه رجل مفكر في المقام الأول (كما أعدنا وكررنا ولن ننفك) رجل يمتلك رؤية لما يجب أن تكون عليه الأحوال.. فقط.. وربما.. أنه لا يعرف لهذه الرؤية سبيلا واضحا يهتدي به فهناك إشارات أن معاوية قد كان ذو ميولا شيوعية الا أنه تخلى عن تلك الميول لاحقا وفي أواخر سنين حياته لصالح عقله الحر الذي لا يكل عن البحث والتنقيب –وإن صحت هذه الإشارات فإن معاوية يكون قد سجل موقفا جديدا في الالتزام الفكري. لهذا فإن معاوية ما انفك معارضا للسياسات الاستعمارية فاهما لأبعادها الاستغلالية وكاشفا لمخططاتها التوسعية(هذا مع تزامن فكري وفصله للجانب الايجابي في الحضارة الغربية كما اشرنا)..
    ومعاوية لا تعجبه –بالطبع- الحالة السياسية العامة ورغم أن الوقت لم يكن قد حان بعد لمواجهة الإستعمار الانكليزي بصورة ناضجة ومكتملة الا أن معاوية قد وجه نقده للسياسات الانكليزية في السودان.. خصوصا في تخطيط المدن ومعالجة الفقر ونشر التعليم ورفضه للإدارة الأهلية فكانت سلسلة (ماذا يحدث في السودان).. ولعل من الطريف أن مقالا كتبه معاوية عن امدرمان في اواخر العقد الثاني من القرن الماضي ينفع أن يكتب عن أمدرمان الآن خصوصا ما ذكره عن سوق العناقريب والمراكيب وعن البؤس والملاريا والفقر وسوء التخطيط وكأن أمدرمان قد كتب عليها التهميش من الجميع..
    يغيظه أن يرى بلاده تعاني الفقر والمرض والجهل، وهو -مع هذا- ذو نزعة إشتراكية واضحة يؤلمه وجع الناس ويؤرق مضجعه البؤس والمعاناة.. ففي مأساته (في القطار) صور لنا بطريقة مريعة أقصى درجات البؤس الانساني في صراعه المستمر من أجل البقاء مع أقصى درجات الامبالة التي تحولنا الى كائنات غريبة لا تمتلك حتى الإحساس الحيواني المتبلد.. فصورة الأم وإبنها وهما يحاولان –دون جدوى- بيع شاييهما الذي أنفقا فيه قرشين والموقف الدرامي المؤثر للأم وهي توبخ إبنها ثم ذهابهما متعانقين باكيين يقابله بكل (جليطة):
    (وابتعد القطار رويدا رويدا، وصورة ذلك المشهد لا تفارق نظري، ونغم ذلك الجرس الصارخ المملوء لوعة واسى (( شا... آآ..آي)) ما زال يرن في أذني، وإذا بصراخ أفندية القطار يقطع علي تفكيري وذكراي فهو ينادي الجرسون (واحد بيرة، بس خلي الثلج يكون كثير شوية، فاهم! ) وقام البعض يلبس ملابسه ويصلح من هندامه استعدادا لطعام العشاء، وقال احدهم وهو يربط رباط الرقبة (يالله .. أيه ... يا ولاه.... آنت ليه ما جبتش الكرافتات الحرير؟ ابق ذكرني علشان ما ناخذ دسته من دفس براين!!) واتي من بعد ذلك خادم (الرستوران) مشيرا الى ان طعام العشاء قد آن، فقام البعض في مشية متثاقلة كلها خيلاء وكبرياء، وراينا هناك نفرا من الموظفين الانجليز وهم جالسون في غرفة الطعام يتكلمون بسرعة ويتبادلون النكات المضحكة ويدخنون. وكنت تسمع الافندية من ركاب الدرجة الاولى والثانية وهم على مائدة الطعام الانيقة ينادون بين حين واخر ( واحد توست) بينما القطار في عدوه لا يلوى على شيء.)

    هل هذه هي عوالم معاوية؟! بالطبع لا.. فالشاب الذي قضى في الثانية(أو الثالثة) والثلاثين لم يك سهل المراس ولم يك خامل النشاط ولم يكُ قليل الانتاج.. ولو عاش، ربما، لكان كما قال العقاد في مفتتح المقال (نجما مفردا في سماء الفكر)!! لهذا فإن الدخول في عوالم معاوية يقتضي تأدبا وتفهما وصبرا ودقة لا أظن أن هذا المقال ولا عشرات مثله تتسع لهذا.. ولكن حسبنا أن نحاول في هذه البركة الساكنة أن نثير في شخص ما رغبة ما فيقوم ويفعل ما عجزنا عنه..
    هذا دون أن ننسى ما قام به آخيرا الأستاذ (السني بانقا) من دراسة طريفة نشرت في كتاب صغير الحجم قدم له الأديب الراحل (الطيب صالح).. وأيضا لا ننسى جهد الأستاذين (الطاهر محمد علي و رشيد عثمان خالد) لقد كان الأول هو من أخرج أول مجموعة مقالات لنور صدرت حوالي عام 1970 ورغم أن الأستاذ رشيد عثمان قد جمع مجموعته في فترة متأخرة عن ذلك التاريخ (حوالي عام 1964) الا أنها لم ترى النور الا في العام 1994 لهذا فإننا قد نشأنا على مجموعة الأستاذ الطاهر نتداولها وكأنها كتاب سري ونحافظ عليها بأرواحنا، وكانت على قلة ما فيها تمثل لنا عالما كاملا..
    ولكن( تزداد قيمة نشرة الأستاذ رشيد لآثار معاوية نور أمام نشرة الطاهر في أنها لم تقتصر على الآثار الأدبية؛ بل أضافت مقالات سياسية في هجوم الاستعمار وضعها المحرر تحت باب "ماذا في
    السودان".)[3]هذا بالإضافة لمجموعة الطاهر نفسها مضمنة فيها كل هذا في طبعة جديدة فخمة لم يأكل الدهر منها ولم يشرب فهرعنا اليها بقوة واقتنينا منها أكثر من نسخة (شرفة مننا) وشوقا لمعاوية الذي قرأنا له.
    هذا جانب من معاوية الأديب ومعاوية السياسي ومعاوية المفكر ومعاوية الناقد ومعاوية القارئ لقد كان مبرزا في كل هذا ثم كان مبرزا في جانب آخر الا وهو معاوية (المحاور).. فعندما زار الكاتب أنرية موروا مصر قال معاوية:
    (إنتهزت فرصة زيارته لمصر – في شهر مارس الماضي وطلبت منه أن أتحدث اليه في شئون الأدب والفن فأجابني الى طلبي، في أريحية وظرف)
    لقد كان لقاءا رائعا ذكي الاسئبلة والتتابع ولطيف الاجابات وعميق الأفكار.. أكثر من هذا فإن معاوي قد أبان أوجهه العدة في ذلك اللقاء فتراه قد قرأ لأندرية مقالات يستشهد له بها في معرض اسئلته فيجيبه ذاك مبتسما.. وتراه ينقده في بعض ما قاله فيتجهم وجه أندرية لجدية الطرح ويوافقه في بعض الجوانب ويصحح ما يريد قوله بالضبط وليس من سبيل غي أن أنقل لك جانبا من ذلك الحوار الممتع:
    نور: أذكر أنني قرأت لكم في أحد أعداد مجلة الأتلانتيك الأمريكية خطاباً لصديق فرنسي يرغب في زيارة إنجلترا، تنصحون له وتحدثونه عن الخلق الإنجليزي. وقد قلتم لذلك الصديق في مقالكم المذكور في فكاهه ظاهرة " أن الإنجليزي يدعوك لآن تزوره في كوخه الصغير في القرية الفلانية ، فإذا ذهبت تجد ذلك الكوخ قصراً كبيراً !! . وأنك سوف تحب الكتب الإنجليزية أكثر من كل شيء آخر، ولكن أياك أن تتحدث عن حبك لها – الى آخر ما قلت لذلك الصديق من هذا القبيل فهل ترون في ذلك إحتشاماً وتواضعاً أو هو نفاق وكبرياء؟
    فابتسم وقال:
    إنني أذكر ذلك المقال جيداً . والإحتشام medesty ربما جاء من فرط الضعف أو فرط القوة والطمانينة ، ومصدر إحتشام الإنجليزي وعدم تحدثه عن ممتلكاته ومعارفه بتأكيد والحاح هو أنه شاعر بقوته، واثق من نفسه. وأغلب ما يكون الرجل الكثير الكلام الكثير التأكيد ضعيفاً غير واثق مما يقول. فيلجأ الى الحديث ليوهم نفسه بوجود ماليس له وجود. وعليه فأنا لا أرى في هذه الصفة أي نفاق أو كبرياء ، وأنما أرى فيها إحتشاماً وأدباً وقوة خلق.
    نور: أذكر أنكم عقدتم فصلا خاصاً في كتابكم "نواحي الترجمة" عنوانه "الترجمة[4]كتعبير ذاتي ومؤدى ذلك الفصل أن المؤلف يجب أن يأخذ حياة بطله الى نفسه وأن يعبر عنه بعد أن يرى رأيه، ويدير هواجسه في وجدانه وأفكاره في مطارح فكرة. أفلا ترون أن ذلك النهج حري بأن ينأي بالمؤلف عن محجة الصواب والوقائع، فيضع أشياء وأفكاراً وعواطف لا أصل لها في حياة البطل أو هي لم توجد بذلك القدر وعلى ذلك الوجه؟
    أندريه: ذلك صحيح ولكنني لا |أعني التعبير عن النفس حرفياً و لا أقول بوضع أشياء لا وجود لها فعلاً في حياة البطل، وإنما أقول بضرورة العطف وتفهم وجه نظر من نترجم له"
    تم إستأنف حديثه قائلاً وقد بدت عليه علائم التفكير وإستجماع الذهن:

    "ولكي تصبح الترجمة عملاً فنياً يجب على المترجم أن يلاحظ عنصر التناسب في تخطيط كتابه، وأن يجعله من هذه الناحية مفهوماً واضحاً من غير أن يظهر أثر الذهن الذي يوضح ويقوم بعملية التخطيط والتوزيع".

    هذا جانب آخر من جوانب معاوية.. فهل يمكن استقصاء جوانبه..
    بالطبع لا..






    [1] هناك اشارتان لتاريخ وفاة معاوية نور –راجع كتاب الطاهر محمد علي – وكتاب رشيد عثمان خالد-مجموعتي مقالات معاوية
    [2] ادوارد عطية
    [3]معاوية نورالآثاروالنشر :الفكي علي عبداللطيف
    [4] مقصود بالترجمة هنا: الكتابة عن الاشخاص وسيرتهم لا الترجمة والنقل عن لغة أخرى.


    .
    .
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور.. ألا يمر بكم الدكتور هنا؟
    يحيى فضل الله



    (يدخلها الإنسان عن طريق القنطرة الجديدة المقامة على النيل الأبيض، بعد أن ينهب الترام سهول الخرطوم الخضراء الواسعة، فيلقي نظرة على ملتقى النيلين في شبه حلم، ويعجب لهذا الالتقاء الهادئ الطبيعي، وذلك التصافح العجيب من غير إثارة ضجة ولا صوت، فكأنما النيلان افترقا في البدء على علم منهما، وهنا يتلاقيان كما يتلاقى الحبيبان ويندمجان نيلاً واحداً، فما ندري أنهما كانا نيلين من قبل، ولا ترى في موضع الالتقاء ما يشير إلى شيء من المزاحمة أو عدم الاستقرار مما يلاحظ عادة في التقاء ما بين جهتين مختلفتين، وإنما هناك عناق هادئ لين، وانبساط ساكن حزين.
    فإذا فرغ المشاهد من هذا المنظر الذي لا بد أنه آخذ بنظرة مرغمة على التأمل، انتقل إلى الضفة الأخرى من النيل الأبيض فرأى البيوت الصغيرة مثبتة في الصحراء، ورأى السراب يلمع ويتماوج بعيداً، ورأى بعض العربان وراء جمالهم المحملة حطباً تمشي في اتئاد وفتور، ومن ورائها سراب ومن أمامها سراب، فكأنما هي تخوض في ماء شفاف. ورأى إلى شماله بعض ثكنات الجنود السودانيين منبثة هي الأخرى في أماكن متقاربة، ثم سمع صوت «البوري» يرن حزيناً شجياً وسط ذلك السكون الصامت، وفي أجواء ذلك الفضاء اللامع وتلك الشمس المحرقة، فيحس بشيء من الحنين والحزن الفاتر المنبسط، ويعجب لذلك المكان ما شأنه وشأن الترام الكهربائي والقنطرة والأتومبيل الذي يخطف كالبرق بين كل آونة وأخرى في ذلك الفضاء السحيق.
    وإذا سار به الترام قليلاً في اتجاه النيل؛ رأى أول المدينة المعروف ب(الموردة)، ورأى السفن البخارية الآتية من أعالي النيل واقفة على الشاطئ محملة ببضائع تلك الأماكن الجنوبية، كما رأى بائعي الذرة أمام حبوبهم المرصوصة في أشكال أهرامات صغيرة، وهم يبيعون للمشترين وينطقون العدد في نغمة إيقاعية موسيقية فيها شيء من الملال والترديد الحزين).
    هذا السيناريو الممتع مأخوذ من نصٍّ كتبه الأستاذ معاوية محمد نور، كصورة قلمية ل (أم درمان) في الثلاثينيات من القرن المنصرم. ومعاوية محمد نور كاتب متعدد، عقل متسع، يعمل فكره في كل ضروب المعرفة، يكتب عن مختلف المواضيع، يكتب عن مواضيع فلسفية معقدة، يكتب في النقد الأدبي، يمارس كتابة القصة، ويكتب عن أمور اجتماعية تستحق الالتفات إليها. إن قدرات معاوية نور في التأمل والكتابة تستطيع أن تجعل من أبسط التفاصيل موضوعاً له ثقل جوهري، ويصبح الموضوع في حيوية التأمل.
    علاقتي بكتابات الأستاذ معاوية محمد نور؛ علاقة قديمة ومتجددة، هذه العلاقة أثمرث أربع حلقات إذاعية من برنامجي (فضاءات) لإذاعة البرنامج الثاني الذي استمر حتى بداية التسعينيات، وأذكر مذاق المتعة الذي كنت أحس به، وأنا أعد هذه الحلقات الأربع، كل ذلك لأن عوالم كتابات معاوية نور متعددة، وتضرب في اتجاهات مختلفة من ضروب الكتابة، والمفاهيم حول الكتابة تجدها مفاهيم معاصرة، وتلوح بأسئلتها واجتراحاتها دون أن تصدأ تلك الرؤى والمفاهيم. وأذكر مفهوماً عن الشعر والشاعر، ناوشني وحطم البداهات الأولى لديَّ عن الشعر، أيام المعهد العالي للموسيقى والمسرح، في بداية ثمانينيات القرن المنصرم، كتب معاوية نور: (الشاعر الذي يبدي ويعيد في الحديث عن ملذاته وآلامه وحسراته التي يثيرها شخص المحبوب أو ذكراه فحسب، مهما اختلفت القافية وتعدد الإيقاع، لا يعدو أن يكون إنساناً لم تتسع أنانيته إلى أكثر من حاجاته البسيطة المتعارفة).
    ومن هذا المفهوم أكاد أجزم بأني قد تعقدت واتسعت علاقتي بالشعر وتفجرت تأملات كثيرة حول هذه الجملة (لم تتسع أنانيته) حد أن أصبحت أميز بسهولة أولئك الشعراء الذين لم تتسع أنانيتهم بعد، وللأسف ظل هذا النموذج من الشعراء يتناسل شاعراً بعد شاعر، وبعلائقي مع فن القصة أجدني أتحسس وبطرب خاص المقدمة التي كتبها معاوية محمد نور لقصته (المكان) التي نشرت في جريدة (مصر) في الحادي عشر من نوفمبر 1931م من القرن المنصرم، وقد وسم هذه القصة بـ (القصة التحليلية). كتب معاوية: (هذا النوع من الفن القصصي ليس من مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الاجتماعي، ولا استجاشة الإحساس والعطف القوي على الخلائق، وليس من مهمته أن يحكي حكاية، وإنما هو يتناول التفاعلات الداخلية في عملية الإحساس والتفكير عند شخص من الأشخاص، ويربط كل ذلك بموسيقى الروح واتجاه الوعي. كما يعرض لمسائل الحياة العادية المبتذلة، ويشير عن طريق الإيحاء إلى علاقتها بشعر الحياة ومسائلها الكبرى. وهو يعرض لذلك الجانب الغامض في تسلسل الإحساسات واضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص واحد من الأشخاص. كما أنه يصور ما يثيره شيء تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعي الخواطر، وقفز الخيال، وتموجات الصور الفكرية. هذا اللون القصصي – والحالة كما وصفنا- يعرض لأدق المسائل العلمية السيكولوجية المظلمة، حتى للعلماء أنفسهم، ويمزج ذلك بنوع من الشاعرية والغموض العاطفي، ويخرج من كل ذلك تحفة فنية حقاً. ويغلب في كتّاب هذا اللون القصصي أن يستثيروا نفوسهم ويكتبوا من معين حياتهم، فكأنهم يترجمون لأنفسهم مع بعض الزيادة والنقصان وتغيير الأمكنة والأزمان والأسماء. هذا النوع انتشر في أوروبا وعرف منذ عشر سنوات تقريباً حينما أخرج (مارسيل بروست) الفرنسي روائعه القصصية، كما أنه عرف في أتمه وأحسنه عند (كاترين مانسفيلد) و(فرجينيا ولف) من كتاب الإنجليز، ونود ولا شك أن يكتب وأن يعرف في وادي النيل).
    ويدخل معاوية نور في تحليل شخصية قصته (مجدي) وعلاقاته وعلائقه بالمكان: (وابتدأ يلم أطراف موضوعه تهَيُّؤاً للكتابة النهائية. فخط في وسط السطر ((إحساسي بالمكان)) وكتب:
    1 - كيف أنني أذكر الأشخاص الذين عرفتهم دائماً في مكان بعينه ويتكرر ذلك المكان كلما ذكرتهم!
    2 - كيف أنني في ساعات الدرس والتحصيل تلح في ذاكرتي صور وخرائب وأمكنة رأيتها منذ عشرات الأعوام فتزورني من غير أن أناديها. وقد يقفز بي مكان في بلد إلى مكان في بلد آخر لا أعرف ما العلاقة بينهما قط ولا أستطيع أن أعرف.
    3 -كيف أتخيل بعض الأمكنة ومواقعها قبل أن أراها، فلما تسعدني الظروف برؤيتها تكون وفق ما تخيلت في أغلب الأحيان!
    -4 كيف أحس أن المكان الذي رأيته لأول مرة في حياتي قد رأيته من قبل في حياة سابقة أخرى!
    5 - كيف أن خاطري في بعض الأحيان يلح بي لكي أذرع حوائط الدكاكين الداخلية – التي لا أعرفها - وأتمعن في ترابها وزواياها كأنني قد تركت روحاً هناك!).
    كتب معاوية محمد نور في جريدة الجهاد في 25 مارس 1933م بعنوان (الأهالي بين المرض والصحة) نتجول في هذا المقال ونرى كيف أن اهتمامات هذا الكاتب المفكر بأمور وطنه كانت جادة في تلمس تفاصيل الحياة، لا سيما إن علمنا أن جريدة (الجهاد) جريدة مصرية، كتب في هذا المقال: (ما أعرف أمة تشقى بالمرض والألم الجسماني مثل ما يشقى السودان، وما أعرف شعباً سرقت منه حيويته ومقدرته على العمل والإنتاج مثل الشعب السوداني، فالملاريا والدوسنتاريا والبلهارسيا وخلافها من الأمراض المضعفة للجسم، المنهكة للقوى ما زالت تعمل بين حميع أهالي السودان عملها، وخاصة بين الفلاحين عمود الأمة الفقري ورجالها العاملين وقد ازدادت الأمراض في الأعوام الأخيرة ازدياداً وانتشرت أمراض جديدة لم تكن معروفة بهذا القدر في سابق الأيام وعندي أن الفاقة وما ينتج عنها من سوء التغذية ورداءة السكن هي السبب الأول في انتشار الملاريا والدوسنتاريا والجدري بطريقة وعلى منوال مفزع في مديرية دارفور، فقد توفي من الجدري وحده في مديرية دارفور في أعوام ثلاثة نحو1293 نفساً، هذا هو الإحصاء الرسمي، من يدرينا؟ فلعل ما لم يُحص أو ما لم يُستطع إحصاؤه كان أكبر من هذا العدد).
    إن معاوية نور يعري الواقع الاجتماعي والاقتصادي للإنسان السوداني في فترة الثلاثينيات من القرن المنصرم، وفي كلماته ثورة واضحة ضد هذا الوضع المتدهور، ويربط ذلك بقدرة هذا الإنسان على الإنتاج: (زرت أثناء الصيف الماضي بعض مدن وقرى النيل الأزرق بمديرية الفونج، ورأيت الفلاح السوداني عن كثب يعمل بصبر عجيب وهو يكاد من الجوع والمرض لا يستطيع الحراك، وقد رأيت أولاده يسكنون معه في كوخ صغير من القش لا نوافذ له وليس به أثاث، رأيت هذا الرجل يعمل والعرق يتصبب من جبينه وسط المستنقعات الموبوءة بالبعوض، فإذا فرغ من عمله أوى إلى كوخه منهوك القوى، يتناول طعامه، وما طعامه سوى الذرة المسلوقة فحسب، ورأيت أولئك الأبناء تعصف بهم الملاريا؛ فإذا ببطونهم منفوخة وارمة، وإذا بلونهم شاحب حزين، التراكوما هي الأخرى تكاد تودي بأبصارهم، وهم عراة الأجسام، ضعيفو البنية، ويغدون ويروحون تحت ذلك الهجير الملتهب، كيف نطلب إذن من هذا الرجل الميِّت أن يعمل فيجيد العمل وينتج الثروة لبلاده ونحن لا نهيئ له مسكناً صالحاً ولا طعاماً مقبولاً ولا صحة في بدن أو أملاً في راحة مقبلة أو سعادة منتظرة).
    إن قلم معاوية محمد نور يغوص عميقاً في تفاصيل مأساة الإنسان السوداني، ويقدم إدانته واضحة للاستعمار الإنجليزي: (لقد رأيت بعض الشباب في قرية من قرى مركز سنار، مرضى بالملاريا والتراكوما، فلما تحدثت إليهم: «ألا يمر بكم الدكتور هنا؟»، أجابوا بصوت واحد مليء بالرجاء والاستعطاف: «كلم المفتش يا جناب الأفندي»، ثم سألت وقد رأيت في بعضهم ذكاء ونشاطاً رغم مظاهر الفاقة والمرض: «أليس عندكم كتاب، مدرسة أولية هنا؟»، أجابوا: «كان زمان في مدرسة هنا وبعدين شالوها والعمدة طلبها تاني من المفتش، لكن لسه ما جابوها». هؤلاء هم السودانيون العاملون دافعو الضرائب وزارعو الأرض الذين من أجلهم ذهب الإنجليز إلى السودان لنشر الحضارة والتقدم بينهم، يعيشون في فقر مدقع ومرض متواصل وفقر روحي وجهل لا يوصف).
    قبل ما يزيد عن ستين عاماً، وفي ما قبل منتصف القرن العشرين، كتب معاوية محمد نور هذا المقال، ترى هل اختلف الواقع السوداني الآن عما وصفه معاوية محمد نور في الثلاثينيات من القرن المنصرم؟ ويبقى تساؤل معاوية محمد نور (ألا يمر بكم الدكتور هنا؟) تساؤلاً قائماً وعابراً قرناً من الزمان، فاضحاً لاجدوى الممارسة السياسية في السودان، ويتساوى الاستعمار والحكومات الوطنية أمام هذا التساؤل.
    (في القطار)، قصة قصيرة كتبها معاوية محمد نور في الثلاثينيات من القرن المنصرم عن مأساة طفل يبيع الشاي ومعه أمه في محطة (شندي)، نحن الآن نكاد نتجاوز العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ومحطة شندي نادراً ما تمر عليها القطارات.



    .
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    تلميذي معاوية محمد نور
    بقلم : إدوارد عطية
    ترجمة وتقديم : محمد وقيع الله
    دار " كلى " للنشر



    إهداء
    إلى علم الثقافة العربية الوطنية الكبير
    أستاذ التاريخ الافريقى و الفولكلور السودانى
    العلامة الدكتور عبد الله على إبراهيم ..

    بسم الله الرحمن الرحيم

    بين يدي هذا الكتيب

    مقدمة :
    وجّهني الأستاذ محمود الفضلي - رحمه الله - لقراءة كتاب : An Arab Tells His Story (1) لمؤلفه الأستاذ إدوارد عطية . كنت قد سألت الأستاذ الكبير الفضلي عن بعض ظروف و خفايا إنشاء الأحزاب السودانية في أربعينيات القرن الماضي ، وهو بذلك الأمر جد عليم ، و لكنه ما زوّدني إلا بإجابة موجزة ، لم يشأ أن يستطرد فيها - ربما خشية أن أتهمه بالتحيز ضد طرف سياسي ما - ثم طلب أن أستوفي بقية الأسرار في إهاب ذلك الكتاب.
    نسخ كتاب عطية نادرة وعزيزة الوجود إذ أنه طُبع في عام 1946، (2) و لكنى طفقت أبحث عنه حتى عثرت بنسخة منه ظفرت بطيها ما هو أهم بكثير من بُغيتي الأولى . وجدت بالكتاب فصلين نفيسين عقدهما المؤلف للحديث عن الأديب السوداني المتفوق معاوية محمد نور . و كان المؤلف قد خبره عن قرب ، إذ كان عطية أستاذاً بكلية غوردون التذكارية يتعاطى فيها تدريس الأدب الإنجليزي . وقد تناقش وتحاور مع تلميذه معاوية ملياً وخبر نزعاته الفكرية و الأدبية خبرة وافية ، وأفضى إليه هذا بكثير من آماله ومواجده و شجونه ، إذ وجد فيه خير من يصبح شريكاً عقلياً له في بيئة السودان الثقافية المجدبة في ذلك الحين . وبأسلوبه الأدبي العميق الشديد التركيز تولى الأستاذ عطية إيجاز قصة معاوية محمد نور في كتابه ، ولكنها - مع ذلك الإيجاز - استغرقت فصلين من فصول الكتاب الذي كرسه أساساً للحديث عن نفسه.
    لم يجد عطية بُدَّاً من أن يسوق تجربته في سياق مقارن مع تجربة تلميذه النابغة معاوية ، الذي أطنب كثيراً في الثناء عليه ، والاعتراف بتفوقه حتى على الأوساط الثقافية والأدبية بمصر في ذلك الأوان ، ومن غريب الصدف أن تلك الملاحظة نفسها قد أفضى بها في وقت لاحق إمام الفكر العظيم الأستاذ عباس محمود العقاد حينما قال:

    " لو عاش معاوية لكان نجماً مفرداً في عالم الفكر العربي " !

    بين التبعية والأصالة:
    و بجانب الحديث عن النبوغ الفكري والنقدي العجيب لمعاوية ، فقد استفاض الأستاذ عطية في الإبانة عن الآراء السياسية الوطنية لمعاوية . وربما كان هذا هو الجديد في كتابة الأستاذ عن تلميذه ، لأن الاهتمام العام بشخص معاوية ظل منصباً على جوانب تبريزه الأدبى وحدها مع إهمال ذلك الجانب المهم من جوانب حياته العامة . وقد ذكر الأستاذ عطية أن معاوية كان يضع قضية استقلال السودان في إطار أكبر حيث كان يتخذ من قضايا " الإمبريالية" و " التنمية الاقتصادية " و " الإصلاح الاجتماعي " و " التطور الثقافي " أسساً مفهومية للتحليل ، ولم يكن يتناول قضية الاستقلال إلا على ذلك النحو ، نائياً بنفسه عن استهلاك الشعارات العاطفية ، و إدمان التلويح بالمطالب السياسية الحماسية ، التي درج على رفعها المثقفون والسياسيون في زمانه ، وزماناً قبله ، بل ما فتئوا يرفعونها حتى الآن .



    وتلك إشارة واضحة شديدة الأهمية تؤكد أن رأى معاوية القائل بأن الاستقلال السياسي السوداني سيأتي فارغ المضمون كان ثاقباً و مصيباً حقاً . وقد كوَّن معاوية ذلك الرأي - بلا ريب - من خلال استقرائه الطويل و تأمله المستبطن في أحوال واهتمامات النخبة الثقافية حديثة التكوين في السودان ، وكذا من استقرائه و تأمله في أحوال النخبة الثقافية والسياسية الأفضل تكويناً في مصر ، وقد احتك بها احتكاكاً مباشراً و كثيفاً فلم يجدها في عاقبة أمرها أفضل من حال الطائفة المثقفة في السودان بكثير !



    ولعل ذلك هو سر إحجام معاوية عن دخول ساحة العمل السياسي الوطني العقيم الجدوى . إذ ظن أن تلك الطائفة المرشحة لإصلاح الوطن هي في نفسها في أشد الحاجة إلى الإصلاح و التقويم ! ولعل في إدراك معاوية العميق للقضايا السياسية لوطن محتل ، ذلك الإدراك الذي يذكر بنفاذ تحليلات آراء المفكر الجزائري العظيم " مالك بن نبى " ، شأن في تلك النهاية البئيسة المحزنة التي انحدر إليها على الصعيد الشخصي .



    لقد تم تصنيف معاوية من قبل دهاقنة الاستعمار على أنه شخص ذكي ذكاءً مفرطاً يتفوق به على كافة أنداده من أفراد النخبة السودانية لجيله ، و رفضت إدارة المعارف لذلك السبب تعيينه أستاذاً بكلية غوردون التذكارية ، إذ من شأن تعيين أستاذ نابه مثله أن يسهم في تنبيه الآخرين ، و يهدد بتكوين جيل متعلم جديد يدرك خفايا و خبايا الصراع الفكري في البلاد المستعمرة. و قد انطوت التوصية السرية لمدير المعارف بشأنه على كلمة دقيقة تقول عنه إنه : "Not the type, too clever" ، (4) أي أنه أذكى كثيراً من المعهود في أفراد النخبة السودانية ، و أنبه من النوع الذي يمكن أن يخدم مصالحنا في تلك البلاد !



    لم يكن الاستعمار البريطاني في السودان يأمن خطر الفكر التقدمي التحرري الذي انفرد به معاوية محمد نور ، حيث تهدد عاقبته بانفلات البلاد عن الدوران في فلك المنظومة الاستعمارية الغربية ، وانفكاكه عن أحابيلها ، وتوجهه نحو إنشاء وطن حر مستقل بمعنى الكلمة ، بعيد عن التبعية بكل معنى من معانيها الوبيلة ، بل ربما أصبح السودان بذلك قدوة تحتذى في بقية الأوطان المستعمرة !



    إن الناظر في مقالات معاوية النقدية التي نشرها في صحف و مجلات " الجهاد " و " السياسة " و " الأسبوع " و " البلاغ " و " مصر " و "الرسالة " و " المقتطف " _ وهى ارقى صحف و مجلات مصر في النصف الأول من القرن العشرين - يلاحظ بجلاء تام تفوق معاوية في شؤون الفكر والأدب حتى على عمالقة عصر النهضة الأدبية بمصر في ذلك الحين ، فقد طفق يتعامل بأستاذية مقتدرة لا تكلف فيها ولا ادعاء ، حتى مع أئمة الشعر والقصة والرواية بمصر ، فلم يوفر أحمد شوقي من النقد والتوجيه بشأن رواياته المسرحية الشعرية ، ولم يتردد في تقويم شعراء كبار من أمثال علي محمود طه المهندس و الدكتور إبراهيم ناجي و الدكتور أحمد زكي أبي شادي و غيرهم وتبصيرهم أن طريقهم خاطئ من أوله ، وأنه لا يؤدي أبداً إلى إنتاج شعر مجيد .



    ولم يحذر معاوية من مقارعة ناقد فحل مثل إبراهيم عبد القادر المازني قائلاً إن أسلوبه في النقد لا يرضيه ولا يعجبه و لا يقنعه لأنه لا يكلف نفسه الإحاطة التامة بما ينتقد . ولم يأبه معاوية بكشف سرقات المازني العديدة من روائع الأدب الأوربي والأمريكي متعجباً من استساغته لإتيان ذلك الصنيع المنكر وهو يعرف أن في البلاد من يقرأ مثله في غرر الآداب الغربية !



    إن من يطالع تلك المقالات النقدية لمعاوية يدرك حتماً صدق مقولة إدوارد عطية في وصفه بالتفوق على الأوساط الثقافية المصرية التي حل بها ، و يدرك أيضاً أن سر تفوق معاوية يكمن في تملكه التام لناصية اللغة الإنجليزية : " وصفه مدير المعارف إياه بأنه يعرف الإنجليزية بشكل أفضل منه ! " (5) وإطلاعه الوافر على آدابها وآداب اللغات الأوربية والروسية التي ترجمت إليها ، وبصيرته النقدية الوقادة ، وحالة الجذب الصوفي التي قيدته بأعالي الأدب العالمي . ومن هذه الناحية يمكن أن يوصف معاوية بتعلقه غير المحدود بمثالية الآداب الغربية " الروسية" ، وازدرائه لقيم وأصول الأدب العربي ، ودعوة شعراء العالم العربي وقصاصه وروائييه ونقاده لاحتواء وتمثل قيم الأدب الغربي والنسج على هواها .



    وهكذا فبينما كان معاوية داعية من دعاة رفض التبعية للغرب على المستوى السياسي ، ظل على مستوى الأدب والنقد أحد دعاة التبعية والتغريب ، وتجاهل خصائص البيئة النفسية و " الدينية " للأدب العربي ، بل للإنسان العربي نفسه ، وهي خصائص تعصم الإنسان العربي المسلم من التهويم في عوالم المجهول " المطلق " التي يتيه فيها إنسان الغرب الحساس ، فلا معنى عند الإنسان المسلم اللائذ بعقائد التوحيد ، والمتعلق بتراثها وآثارها في المجتمعات المسلمة عبر التاريخ ، لا معنى عنده لقضايا الشك الفلسفي الذي ينضج القصص الروائية الغربية ويسم الشعر الغربي بالغموض . إن ارتكاز معاوية على الرؤية الكونية الغربية وتشبثه بالنزعة " الإنسانوية Humanism " (6) كانت بلا شك أحد أسباب نكبته الأليمة . فلما تدهورت أوضاعه الاقتصادية والصحية والاجتماعية بشكل مريع في القاهرة لم يجد عاصماً من روح دينية قوية تحول بينه وبين الاضطراب الذهني والوقوع فريسة للبلابل والهواجس ، وما وجد ملاذاً أو سلواناً إلا في قيم الأدب الغربي ومثله ، وطفق يعزي نفسه بالروائي الفرنسي إميل زولا الذي ما كان يبالي بعضة الجوع وهو يبدع فرائد الأدب.



    لقد آب معاوية في آخر عهده بالدنيا إلى إيمان ديني حدث به أستاذه إدوارد عطية ، وهو الإيمان الذي استخرجه بنفسه من مطالعاته و تأملاته في القرآن الكريم ، و قد ذكر لأستاذه أنه وجد في ثنايا القرآن الكريم معاني لم يكن يفطن لها من قبل . ولا شك أن قدرات معاوية الأدبية التحليلية الراقية كانت خير معين له لاستبطان نصوص القرآن الكريم ، غير أن ذلك كله ما جاء إلا في لحظات الغسق والاختلاط الذي أطبق علي حياته في نهايتها ، حيث عصف به الردى واهتصر عوده وهو بعد في الميعة والريعان.



    عن شهادة إدوارد عطية :



    إن شهادة إدوارد عطية (1902 - 1964) في معاوية محمد نور (1909 - 1941) هي بلا ريب أعمق الشهادات بشأنه و أكثرها تفصيلاً واتزاناً ، إذ أنها صيغت في نهج علمي نقدي خالص ، ولم يجنح صاحبها إلى محض الثناء والاحتفال . ولا شك أن الأستاذ أي أستاذ هو خير من يخبر عن تلميذه ، لا سيما التلميذ البار كمعاوية الذي حافظ على علاقته بأستاذه إلى خواتيم العمر . و لشهادة إدوارد عطية جانب مهم آخر ، وهو أن عطية كان يعمل بالإضافة إلى أستاذيته بكلية غوردون في بعض أعمال الاستخبارات للحكومة الإنجليزية في السودان ، ثم خلف عمه صمويل عطية في رئاسة قلم الاستخبارات ، واستمر في ذلك المنصب إلى أن خرج من السودان في أعقاب الحرب العالمية الثانية . وقد أكسبته مهنته " الاستخباراتية " بعداً أوسع في تحليل شخصية معاوية كأديب ومفكر وطني في آن واحد ، وإذن فمستوى التناول والتحليل عند إدوارد عطية كان أرفع وأرحب بكثير مما لدى من كتبوا عن معاوية بعده حيث جاءت كتاباتهم اجتزائية إلى حد كبير.



    وثمة مصدر آخر للكتابة عن معاوية وتقدير مكانته الإبداعية والنقدية ، حيث كتب عنه ابن أخته الأستاذ رشيد عثمان خالد في عام 1964 مقدمة ضافية صدر بها المجموعة القيمة التي جمعها من آثار معاوية من بطون الصحف والمجلات المصرية . وقد كان رشيد مرجواً لأن يكون أصيلاً في كتابته عن معاوية بحكم قرابته به أولاً ، ثم بحكم إقامته بمصر حيث كان بمكنته أن يستنطق معاصري معاوية ويستقي أخباره ومآثره من أفواههم ، وأخيراً بحكم اقتداره الأدبي الذي تبين جلياً من ديباجته النثرية الناصعة في تلك المقدمة . ولكنه عوضاً عن ذلك فقد اتجه اتجاهاً مشيناً حيث عمد إلى انتهاب ملاحظات وآراء إدوارد عطية ودسها في ثنايا مقدمته لتبدو وكأنها من إنشائه الخاص ، ولعله ظن - مخطئاً - أن كتاب إدوارد عطية لن يقع في يد أحد من المعجبين بشخص معاوية والمتتبعين لآثاره الفكرية والأدبية فيفضح صنيعه الشنيع هذا !



    وحيث لا يتسع المجال لتتبع تلك الاختلاسات جميعاً فبحسبنا أن نشير إلى بعضها ، تاركين بقيتها لمن شاء أن يقوم بنفسه بمقارنة هذا النص الذي ترجمناه بنص الأستاذ رشيد عثمان خالد - رحمه الله - فلقد درج رشيد على إدماج كلام إدوارد عطية في كلامه بدون أن يشير أدنى إشارة إلى المصدر الذي أخذ عنه ، وكانت تلك هي خطته العامة في النقل ، كما قام في بعض الأحيان باجتزاء عبارات إدوارد عطية ثم بنى عليها تفصيلات أكثر ، وفي أحيان أخر أخذ كلام عطية كما هو من دون تبديل قليل و لا كثير ثم نسبه إلى نفسه وكأنه قائله الأصيل !



    مثال الخطة الأولى - وهي الخطة العامة للنقل عند الأستاذ رشيد - هو ما فى شاكلة هذا الفقرة التي يقول فيها : " ولنتصور هذا الفتى الذي يفيض تطلعاً وطموحاً يعيش في أم درمان وحوله أمه وعماته وخالاته وكلهن محجبات ، عقولهن لا تعي من الحياة إلا مفاهيمها الأولية والتي كانت لا تخرج عن نطاق العائلة وتقاليدها ونواميسها مثل الزواج والطلاق والحمل والموت والحزن والتزين ... ويقضين بقية ساعاتهن في اجترار الأساطير والخرافات ... لنتصوره وسط بيئة كهذه وقد علقت بروحه واستبدت بوجدانه أفكار (جين أوستن) و (توماس هيكسلي) وغيرهما من مفكرى القرن الثامن عشر ... في ذات الوقت الذي تهب فيه عليه رياح القرن العشرين من إنجلترا تحمل آداب وأفكار كتابها ... أي تباين ... وأي بون شاسع ! ! "(7) . فهي مجرد ترجمة رشيقة ورائعة لكلام إدوارد عطية الذي يجده القارئ كاملاً ملحقاً بنهاية ترجمتنا له .



    وتتمثل خطة الأستاذ رشيد في اجتزاء أقوال إدوارد عطية والبناء عليها بإضافات جديدة في شاكلة قوله : " وكان الشاب الأسمر بابتسامته المرحة وعينية الوهاجتين ومثاليته القويمة وحبه العنيف للأدب ، وثقافته ، وسعة اطلاعه ، وغزارة أنتاجه ... كان هذا الشاب شيئاً جديداً على الأوساط الأدبية في القاهرة ، وظاهرة جعلت أدباء القاهرة ومفكريها يناقشون كنهها في صالوناتهم وندواتهم ، ولقد لفت نظر فقيد الفكر العربي الأستاذ عباس محمود العقاد ، فأدناه منه وقربه إليه ، وكان يجد إمتاعاً لا يعادله إمتاع في مناظرته ومناقشته في شتى الموضوعات الأدبية . وإنني لأكاد أرى عبر الأيام تلك الحسرة التي علت محيا أستاذنا العملاق العقاد حين عرج بنا الحديث إلى ذكرى معاوية (وكنت قصدته في داره بمصر الجديدة ابتغاء رجائه كي يقدم لهذا الكتاب بقلمه) ... أقول أكاد أتمثل الحسرة والنغمة الآسية الحزينة التي تحدث بها أستاذنا العقاد عن الخسارة التي حاقت بأدبنا المعاصر بفقدان معاوية " ( .



    وقد أخذ الأستاذ رشيد رضا هنا عدة أسطر من حديث عطية عن تفوق معاوية بالقاهرة ثم أضاف إليها حديث العقاد إليه بشأن معاوية بمناسبة إصداره لمجموعة مقالاته النقدية .



    وأما مثال اقتطاع كلام عطية بنصه وفصه ومن ثم انتحاله فقد ورد في هذه العبارة التي تحدث فيها الأستاذ رشيد بضمير القائل : " ولعلنا لا نركن إلى المغالاة إذا ذهبنا إلى القول بأن معاوية كان أول سوداني يتصل اتصالاً حقيقياً بروح الغرب وأدب الغرب " (9) وهي ترجمة واضحة لعبارة إدوارد عطية التي أصلها : "Moawiya was the first Sudanese to make real contact with the spirit of the West . " (10) فهذه تصرفات غير كريمة وغير لائقة بمناهج تاريخ وتوثيق الأدب ، وما كان أغنى الأستاذ رشيد بأن ينأى عنها ، وما كان بضائره شيئاً أن يشير إلى المصدر الذي استل منه تلك الأقوال ، فهو مصدر عال يشرف كل باحث بأن يأخذ عنه . ولو امتثل الأستاذ رشيد لدواعي الأمانة العلمية ، وذكر المصدر الذي أخذ عنه في مقدمته ، لكان قد أفاد الباحثين عن تاريخ معاوية وتحليل شخصيته الأدبية بفائدة جلى ، وَ َوقَفهم على مصدر يعدُّ بلغة مناهج البحث مصدراً أساسياً أصيلاً في الموضوع ، وإذن لما تأخرت ترجمة هذا المصدر إلى لغة الضاد لهذا الحين ....


    .
     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    إدوارد عطية
    تلميذي معاوية محمد نور
    ترجمة وتقديم : محمد وقيع الله



    جزئية منقولة بمناسبة مرور مئة عام على مولد فقيد الأدب السوداني و رمز من رموزه ونجم ساطع في سماء بلادي معاوية نور

    وأما أبرز طلابي على الإطلاق فقد كان الشبل الواعد معاوية محمد نور ، و هو الفتى الذى جاء أداؤه الفكري اللاحق بمستوى متفوق وغير معهود على الإطلاق ، وانتهى نهاية مذهلة كذلك في مواجعها وإخفاقاتها . كان فتىً ناحلاً ، حسن المنظر ، له من العمر ثمانية عشر عاماً حينما التقيته أول مرة وهو طالب في السنة النهائية بالكلية ، ولقد جذب انتباهي منذ اليوم الأول حينما رأيته يستشهد بمقتطفات من كتابات برنارد شو وأناتول فرانس . ولقد حسبته بادي الرأي أحد أولئك الذين يستعرضون بضاعة مزجاة من المعارف السطحية ، ولكن لدهشتي العظيمة فإني لما عجمت عوده ألفيت أن معرفته بآراء ذينك الكاتبين عميقة حقاً وتستند إلى قدرة عقلية ونقدية كبيرة .

    انحدر معاوية من أسرة قديمة مرموقة تنتسب إلى أصول عربية ، وقد اعتلى جده مكاناً علياً في حكم المهدي ، وعمل أحد أعمامه قاضياً في العهد الإنجليزي . وبسبب من تبريزه الكبير في طليعة جيله فقد تم اختياره معاوية بواسطة سلطات الكلية للعمل في المجال الطبي ، ومنح قبولاً مجانياً بمدرسة كتشنر الطبية التي كانت قد أنشئت قبل فترة قصيرة ، وخص بالقبول بها أذكى وأبرع طلاب كلية غوردون .

    ولكن ميول معاوية لم تكن لتنسجم مع ذلك الخيار الأكاديمي و المهني في شئ ، إذ لم يكن يعدل بميوله الأدبية الأصيلة أي لون آخر من ألوان الدراسة ، حتى ولو كان ذلك هو درس الطب الذي بإمكانه أن يلبي له ولأي طالب سوداني آخر أقصى ما يتمنى من الأماني ، وهو الحصول على وظيفة دائمة كطبيب في خدمة الحكومة .

    وربما كان معاوية هو الوحيد في جيله الذي لم يعد التعليم بالنسبة إليه مجرد باب يقود إلى الوظيفة الحكومية . كان معاوية يتطلع إلى التعليم من أجل نيل المعرفة وحسب ، و بقي مع هواه القديم في دراسة الأدب الإنجليزي ، ولكن لم تكن بالسودان جامعة تقدم مقررات منتظمة في ذلك المساق ، وهكذا كانت دراسته لذلك الأدب الذي يشتهيه ستنقطع بعد إنهائه لتعليمه بكلية غوردون .

    وعند مغادرته كلية غوردون انحصر خياريه في أن يصبح موظفاً حكومياً صغيراً في السلك الكتابي ، أو أن ينخرط في دراسة الطب بمدرسة كتشنر الطبية ، و ذلك بعد أن انهار خيار ثالث بقرار سلطات كلية غوردون أن خريجها المرموق معاوية لا يصلح أن يصير ناظر مدرسة في مقبل أيامه . وإزاء إصرار معاوية على عدم قبول المنحة المجانية لدراسة الطب ظن به الناس الجنون ، إذ كيف يضيع على نفسه تلك الفرصة النادرة التي ترفرف بأحلام أترابه في أن يصبحوا أطباء يشار إليهم بالبنان . كان معاوية في هذا الموقف المتأبي العجيب ظاهرة لم يشهدها السودان من قبل . كان موقفه المركب البالغ التعقيد شيئاً ناجماً عن أعماق خصائصه الوراثية ، ثم انبعث إلى بيئة ثقافية وحضارية غير مواتية . ومهما يكن فقد وافق معاوية أخيراً ، على مضض ، على أن يجرب حظه في دراسة الطب .

    ولكن قبل ذلك بكثير كان قلب معاوية قد توجه تلقاء ناحية قصية ، إذ استولت على لبه دراسة الأدب الإنجليزي ، وهفا قلبه نحو الغرب , إن معاوية هو بلا أدنى ريب أول سوداني يحقق اتصالاً عقلياً وثيقاً بروح الغرب على هذا النحو . هذا الفتى العربي الإفريقي اليافع الذي لم يكن حينها قد عبر حدود السودان قط ، والذي قضى سالف عمره يعيش في باحة بيت عتيقة ، ما تمكنت نساؤه من نيل تعليم من أي نوع أو مستوى ، ولا من مجرد إجادة القراءة ، ولو في اللغة العربية ، وجد له بيتاً روحياً في قلاع الأدب الإنجليزي الشامخة !

    و حالة معاناته تلك كانت شبيهة يتجربتي الخاصة في هذا المضمار ، ولكن حالته مع ذلك كانت أشد إغراباً من ناحية ، وأكثر إمعاناً في التطرف من ناحية أخرى . إن الفوارق بين ملجئه الروحي والتربة التي درج عليها ، أو بين وطنه وأسرته والتقاليد التي انتمى إليها ، وبين العالم النائي غير المرئي الذي ظل يتصل به بقوة عن طريق نشاطه الذهني الماضي وعاطفته الروحية الفياضة ، كانت فوارق حادة بكل معنى ، وأشد حدة من تلك التي عبرتها أنا بكثير .

    تجسمت تلك الفوارق في أن معاوية مسلم الديانة ، وأسود البشرة ، و لم يكن عربياً فقط ، وإنما عربياً داكن اللون ، وأما بلاده فلم تتمتع بثقافة حقيقية أصيلة ، وإنما بنماذج ضيقة اشتقت التقاليد الإسلامية في أوان انحطاط الحضارة الإسلامية . ولتقريب صورة تلك الوضعية التي عاش معاوية في ظلها ، و لكي نتصور حجم الخليج الهائل الذي كان يحاول أن يعبره ، تصور وجوده في صميم منزل أسرته بأم درمان ، محاطاً بأمه وعماته وخالاته وأخواته وبنات عماته وخالاته ، اللائي حيل بينهن وبين مجتمع الرجال ، ولم ينظرن قط إلى رجل غريب ، ولبثن طوال أعمارهن يرزحن في قيود الجهل والأمية ، ولم تتسع أذهانهن ولا تجاربهن لشيئى وراء حقائق ومتطلبات الحياة " البيولوجية " الصرفة كالإنجاب والختان والزواج والحمل والطلاق والموت والنياحة ، والطبخ والزينة . تصور شُخُوصه مادياً في وسط كذلك ، وهو منصرف عنه ذهنياً بالكلية ، و هو يقرأ بينهم بنهم الفصول الشائقة من أدب جين أوستن ، وألدوس هكسلي ، ويتنفس الهواء الفكري الطلق ، هواء للقرن العشرين !

    لقد شعرت بتعاطف عميق معه أحس به ، وبادله بأن منحني ثقة وإعجاباً متوهجين من قلب شاب صغير شديد الحماسة ، يطلب الهداية ، ويعترف بالجميل لمن يبذلها له . لقد التقينا معاً في هذا العالم العظيم : عالم الأدب الإنجليزي ، الذي أتيناه من عوالم منفصلة ، و سبل متخالفة . لقد وصلت إلى هناك قبله ببعض الوقت ، وكان هو قد وصل إليه لتوه . جاء معاوية إلى هنا من مناخ مختلف بالكلية عن مناخ الأدب الإنجليزي ، وصعبت عليه من ثم المواءمة بينهما ، هذا بينما تمكنت أنا من المواءمة بدون أن يشق على الأمر كما شق عليه .

    إنني أستطيع أن أعيش هنا في السودان إلى أمد غير محدود في كثير من اليسر و الرغد والهناء ، وأستطيع - إن تحتم علي – أن أرجع إلى وطني في لبنان وأعيش هنالك ، ولو على مستوى أدنى من الحيوية والنشاط الذهني . ولكن هذا الغريب غربة كاملة والذي أخذ يستنشق بعاطفته الحادة هواء الأدب الإنجليزي ، هل تراه يستطيع الصمود بلا تراخٍ ، والمضي قدماً بلا تراجعٍ نحو ما نصبه لنفسه من هدف قصي لا يزداد عنه مع مرور الوقت إلا نأياً ؟ !

    و بعد شهور قلائل من التحاقه بمدرسة كتشنر الطبية جاء معاوية يزورني ويتحدث إلي ، وأثناء حديثه ألقى عدة أسئلة عن الجامعات الخارجية وشرائط الالتحاق بها ، و المصاريف الدراسية ونحو ذلك من الأسئلة . وبعد أسبوع واحد من ذلك اللقاء تنامى إلي علمي بأنه قد هجر دراسته الطبية بمدرسة غوردون ، وانسرب خفية إلى مصر . وقد شقّ الأمر على أسرته وهالتها محاذيره الخطيرة ، لأن الانتماء إلى مصر أو الانعطاف إليها ، كانت بمثابة معرّة كبرى في نظر الإدارة البريطانية للسودان .

    و تزايدت خشية أسرته من أن يعتبر معاوية الفار من أجل مواصلة تعليمه العالي بمصر ، في عداد الناشطين السياسيين الخونة بنظر المسؤولين الإنجليز ، وقد كان الاحتمال كبيراً أن يظنه الإنجليز متمرداً سياسياً ، لا طالباً متشوقاً لإكمال دراسته في الأدب الإنجليزي . و مما زاد في مخاوف أسرته أن معاوية بفراره عن السودان قد فقد أي فرصة في المستقبل للالتحاق بالوظائف الحكومية . ولذلك ذهب خاله لمقابلة مدير المعاررف بحكومة السودان ، معلناً عن شجبه القوي لمسلك ابن أخته وجحوده ، ومتعهداً بأن يذهب بنفسه إلى مصر على التو ليحضر هذا الشاب الغبي بالقوة إذا لزم الأمر !

    استجاب مدير المعارف لرجاء حار من خال معاوية والتزم بأن يحفظ للفتى الشارد مكانه بمدرسة الطب ريثما يعود ، وهكذا حزم الخال أمره مسافراً إلى مصر للإتيان بابن أخته ، وهنالك طلب مساعدة وزارة الداخلية قائلاً إنه يريد القبض على ابن أخته القاصر ليعيده إلى السودان ، ولم تبخل وزارة الداخلية المصرية بإسداء العون ، فأصدرت أوامرها باعتقال معاوية ليلاً ،وإيداعه قسم الشرطة حتى يأتي خاله فيستلمه في صبيحة الغد ، ومن هناك دفع به إلى قطار الصعيد فإلى الخرطوم .

    ولكن معاوية كان قد صمم على هجر دراسة الطب نهائياً ، وعلى رفض قبول أي وظيفة في السلك الكتابي الحكومي ، عاقداً العزم على الالتحاق بأي جامعة تقدم دراسات متخصصة في الأدب الإنجليزي . و لما كان خال معاوية صديقاً لي ، وكان يدري أن لي تقديراً جيداً لابن أخته ، وأن لي بعض النفوذ الأدبي على شخصيته ، فقد اتجه إلي لأكون محكّماً في المستقبل الدراسي لابن أخته . و أتيا معاً إلى مكتبي حيث عقد اجتماع مهيب ناقشنا فيه ملياً مصير الفتى معاوية الذي عبر عن رغبته الحارة في الالتحاق بالجامعة الأمريكية في بيروت ، قائلاً بأن أسرته مقتدرة مالياً على أن تبعث به إلى هناك . واعترف العم بقدرات الأسرة المالية ، إلا أنه اعترض على الأمر في جملته قائلاً بأن ذهاب معاوية إلى بيروت سيفقده مهنته المرتجاة ، كما سيفقده أي تعهدات حكومية بإعطائه وظيفة أخرى . وأجاب معاوية بأنه لا يريد أي ضمانات حكومية بالتوظيف في أي مجال ، وأنه قادر على أن يكسب عيشه بوسيلة أو بأخرى عندما يتمكن من نيل درجته الجامعية في الأدب الإنجليزى .

    وهنا أشار الخال إلي لكي أصدر حكمي في النزاع المحتدم . عندها خامرنى إحساس عارم بأني أستعيد تجربتي القديمة الخاصة التي دامت لأربع سنوات قبل أن يخوض معاوية التجربة نفسها ، لقد أدركت ما يدور بدواخل معاوية لأنني خبرت ذلك الشوق الشائق والتوق المحرق من قبل . كنت ألمح مخايل أحلامه الوردية المتألقة في عينيه ، وفي نظراته التي ترنو إلى أفق قصي .

    أما الخال ، فقد كان صديقاً رصيناً ، لم يكن قاسِ القلب ولا ضيق العطن ، كان عقلانياً واقعياً ، يفكر في إطار القيم النسبية ، ويوازن بين الإيجابيات والسلبيات ، ويتدبر العواقب ، ومستقبل الوظائف والمهن وقضايا المعيشة .

    أما معاوية الذي كان مشحوناً بالعواطف فإنه لم يعر أياً من تلك الاعتبارات العملية اهتماماً يذكر . لم تشغل اهتمامه إلا قيمة واحدة مطلقة ، وغاية مفردة ظل يسعى لتحقيقها بغض النظر عن أي عواقب يمكن أن تعترض طريقه أو تكبل خطوه . تلك هي غاية تثقيف العقل وتطوير الذات حسب المسالك و الوسائل التي اختارها هو ولا يخترها له أحد من الناس . لقد أراد معاوية أن يحقق ذاته قبل أن يحقق أي غاية أخرى من غايات الحياة التي تشغل الناس وتقتصر مساعيهم عليها ، مثل غايات تأمين المطعم ، والملبس ، والمسكن . وتقديراً لتلك العزيمة القوية الماضية ، فقد أعطيت حكمي أخيراً لصالحه ، وقبل أهله بحكمي و ارتضوه ، و هكذا كان معاوية بعد أسابيع قلائل يشق طريقه متوجهاً إلى بيروت .






    نصر و هزيمة :

    بالرغم من أن لنا الآن أصدقاء إنجليز عديدين أمسيت أحس وأنا بينهم وكأني في ديار أهلي ، إلا أنني لم أنضم إلى دائرة المجتمع الإنجليزي ، وبالتأكيد فإني لم أشأ أن أنضم إلى تلك الدائرة قط . ولم نشأ – أنا وزوجتي جين – أن ننضم إلى أي دائرة اجتماعية محددة ، أو أن نغلق أنفسنا في إسار حلقة قومية ضيقة رتيبة .

    كنا نهوي صنع الأصدقاء من كل صوب وحدب حتى نعيش في مجتمع كوني متسع الأبعاد ، وقد أفلحنا في ذلك المسعى كثيراً ، حيث أنشأنا علاقات صداقة واسعة مع بعض مواطنينا اللبنانيين ، وذلك من غير أن نلزم أنفسنا بالانضمام إلى مجتمعهم اللبناني ، وأنشأنا علاقات صداقة وطيدة مع مواطنين مصريين ، وإغريق ، وأرمن . وأهم من ذلك كله تلك الحلقة الواسعة التي كوناها من الأصدقاء السودانيين .

    بعض أولئك السودانيين الذين صادقناهم كانوا أصدقاء لأبي من قبل ، ولكن كثرتهم الكاثرة كانت من ضمن تلاميذي الذين توليت تعليمهم بكلية غوردون التذكارية ، أو الذين تعرفت عليهم من خلال عملي هناك , كانوا جميعاً لطيفين أنيسين ، شديدي الود والترحاب ،سجيتهم مبادلة الصدق بالصدق بقلوبهم الدافئة التي لا تعرف التحفظ أو التحرج أو الانغلاق .

    ولم يعد صعباً على زوجتي " جين " وعليّ أن نتعامل مع ذلك العدد الجم الغفير من الأصدقاء ، فقد أجادت اللغة العامية السودانية ، وبرعت في التعامل مع السودانين حسب تقاليدهم المحلية ، وطورت ذوقاً لاستطعام و استطابة الطبق الشعبي السائد الذي يدعى : “Kisra and Mulah” وأصبحت بذلك ذات شعبية ضاربة وسط أولئك الأقوام .

    وما كانت من عادة نساء السودان أن يختلطن بالرجال عندما نذهب لزيارتهم في دورهم . ولكن " جين " كانت تتخذ طريقها إلى جناح الحريم فور انقضاء مأدبة الغداء ،وتقضي وقتاً طيباً في الحديث إليهن بعامية سودانية طليقة يتطرق فيها الحديث إلى المعهود من مسائل الأطفال ، والقضايا البيتية ، و شؤون التفصيل والخياطة و أمور النساء من هذا القبيل .

    هكذا عشنا بالسودان حياة غنية بتنوعاتها وربما بما اكتنفها من متناقضات حادة ، ولكننا مع ذلك استمتعنا بها متعة لا حد لها . كانت حياة من صنعنا نحن ، أجدنا صناعتها لأنفسنا بمواصفاتنا الخاصة ، ولم نجدها مهيأة لنا أصلاً بهذا التكوين هناك . وبانغماسنا في ذلك النمط الحياتي الفريد ، هدأ التوتر ، بل ذاب و غاب عن حياتنا في الخرطوم ، ذلك التوتر الذي كان مبعثه صراع الأصول والأعراق والقوميات .

    ومن بين السودانيين جميعاً كان أعظم أصدقائي وما يزال هو تلميذي القديم معاوية محمد نور . لقد حافظت على اتصالي به خلال السنوات الثلاث التي قضاها بالجامعة الأمريكية ببيروت يعمل لنيل درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي ، وكنا نلتقي كل صيف إما في لبنان أو في رحاب السودان . وقد تابعت بسعادة غامرة تحقيقه لحلمه الدراسي وتنامي قوته الفكرية من عام لآخر . ولدى تخرجه من الجامعة الأمريكية توجه معاوية تواً إلى مصر آملاً أن يتمكن من كسب عيشه من خلال عمله ككاتب يزود الصحف والمجلات المزدهرة هناك بالمقالات الأدبية من دون أن يكون محرراً رسميا ًفيها .

    هكذا انتهى مدفوعاً بحماسته العقلية إلى عالم الحياة الأدبية في تلك المدينة العظيمة التي ظل يتشوف و يحلم بالوصول إليها وهو بعد في منزله بأم درمان ، وهو بعد يعانى من دراسة الطب على غير إرادته ولا هواه في الخرطوم . لقد تمكن معاوية أخيراً من تحطيم كل الأصفاد التي كانت تثقل خطاه : معارضة أسرته لرغباته الدراسية ، و تعسف السلطات الإدارية ، وإغراء مناصب الخدمة الحكومية !

    هاهو معاوية وهو في الحادية والعشرين من عمره ، شاب صغير من قلب أم درمان ، يحمل إجازة البكالوريوس في الآداب من جامعة بيروت الأمريكية ، و يعيش حراً في مدينة القاهرة العظيمة ، التي تنتظره بما كان يرنو إليه بخياله من حياة الفكر و الأدب والفن ، بعليّاتها ، ومقاهيها ، وأحيائها التي تشبه الحي اللاتيني الباريسي مقطونة بأمثال "إميل زولا " و " صمويل جونسون " و " دوستويافسكي " ، وبما كانت تزخر به من أمجاد العقل ، وبؤس الواقع المادي المعاش .

    هنالك بدا الشاب السوداني الصغير الناحل الداكن البشرة ، بطموحاته المتأججة في عينيه الوهاجتين ، والطرب البادي في ثناياه شديدة الابتراق ، ومثاليته العنيفة ، وعاطفته المحترقة من أجل العمل الأدبي ، وحجم قراءاته الضخم المذهل ، وذهنه النشط الفياض ، بدا بذلك جديداً كل الجدة على الأوساط الأدبية المصرية ، واجتذب لتوه انتباه الكاتب المصري عباس محمود العقاد ، الذي رحب به في حلقته الأدبية ، و من ثم وطبقت شهرة معاوية الآفاق .

    لقد أكسبته مقالاته الأدبية التي دأب فيها على تطبيق موازين النقد الأوربي على الأدب العربي نفوذاً طاغياً على الأوساط الأدبية المصرية ، واعترف كبار الكتاب بالقيمة العالية للآراء التي بثها في مقالاته الدسمة . وقد سعد معاوية بذلك الإطراء لبعض الوقت . سعد بانتصاره الروحي كما سعد بحياة التقشف المادي التي كان يحياها هناك ، حيث كان يقيم في غرفة صغيرة على سطح بناية بمدينة الشمس " مصر الجديدة الحالية " وسط أوعية و متاع قليل ، وأكداس كثيرة من الكتب والأوراق المتناثرة على مزاج خليق بأن يتحلى به فنان أصيل كمعاوية محمد نور !

    واكتفى بتناول وجبات قليلة هزيلة حيث ظل يقتات بالخبز والجبن في معظم أيامه ، وأحياناً كان يبيت على الطوى ، حيث لا يجد حتى الخبز و الجبن ! ولكنه ظل فخوراً بكل ذلك إلى حد الانتشاء ، ألم يحس إميل زولا بلذع المسغبة من قبل ؟ ! إن تلك هي التقاليد الإنسانية الأصيلة الفاضلة في نظر معاوية : أن يحس الإنسان بانتصار عقله و تساميه بينما يتهاوى جسمه من أثر المسغبة و اللُّغُوب !

    ولكن ما أسرع ما أخذ الجسد المهان ينتقم من صاحبه شر انتقام ، فقد طغى الهزال و سادت آثار سوء التغذية عليه . لم يعد مردود معاوية المادي من نشر مقالاته المعجبة كافياً للصرف على غذائه ولو كان من الخبز و الجبن ، ولم يبق ثمة رجاء أو أمل في تحسن الحال ، فقد بات من المحال أن يكسب المرء رزقه في مصر من مجرد الكتابة للصحف والمجلات . و هكذا تتأخر العلة كثيراً إذ هبطت على معاوية وهو مقيم في حجرته العلوية ، ولم يجد ما يكافحها به من غذاء أو دواء أو رعاية من أحد ، ما عتّم الاكتئاب أن هاجمه ، وتبدد في خاطره تباعاً كل ما كان يراوده من أمجاد الأدب والفن .

    ولبضعة أشهر واصل معاوية صموده وهو على تلك الحال ، واستدان بعض المال من أصدقائه ثم اجتلب عوناً آخر من أسرته بأم درمان ، ولكنه في النهاية خضع لظروف و شروط الخطب الداهم ، واستجاب لحضّ عمه له بالرجوع إلى السودان ، والبحث عن وظيفة مناسبة من الوظائف الحكومية ، لا سيما وأنه قد حقق طموحه بإكمال تعليمه الجامعي ، وبالتالي فقد فقدت حجته القديمة في رفض الوظائف الحكومية بعض وجاهتها القديمة .

    إنه وقد أصبح جامعياً الآن يمكنه أن يحصل على مقعد تعليمي ، أو منصب إداري مريح ، يتيح له مواصلة عمله الأدبي إن لم يكن بصورة خالصة ، فعلى الأفضل بصورة عمل ثقافي وإنساني عام . إن أمن الوظيفة ورفاهيتها يمكن أن يمنحه وقتاً كافياً يكرسه للكتابة ، و تتحقق كل آماله على نحو مريح بالسودان .

    وانسياقاً مع تلك الآمال الخلّب انقلب معاوية إلى السودان ، ولبث لعدة شهور يبحث عن وظيفة حكومية محترمة . وفي تلك الفترة تَاحَ لي أن التقيه مراراً ،حيث أُخذت كثيراً بنضجه العقلي واستقامة آرائه . لقد كان معاوية قومي التفكير ، بيد أن قوميته كانت من نوع جديد على الأوساط السودانية . كان معاوية قومياً عقلانياً بناءً ناقداً لا يتردد في التبرؤ من الإثارة العاطفية العمياء المعادية للغرب ، و من تلك الرغبة التجريدية الفارغة والملحة في طلب الاستقلال القومي وكأنه غاية في حد ذاتها ما وراءها من غاية أخرى أبر و أهم !

    ومدفوعاً بطبيعته الجدية أدرك معاوية أن الراية القومية مجرد شعار لا يعطيه معنى وتبريراً إلا إذا أدى إلى تمليك الناس قوة حقيقية ، وبوأهم مكاناً مرموقاً في سجل الإسهام الحضاري العالمي ، وبهذا المقتضى يكون الاستقلال وسيلة لتلك الغاية ، وما لم تظهر غاية كبرى يحققها الاستقلال القومي ، فإن الشعب لا يستحق أن ينال استقلاله ، وإنه أن تأتي له أن ينال الاستقلال ، فإن ذلك الاستقلال سيكون بلا معنى بالتأكيد !

    أراد معاوية للدعوة القومية أن تبدأ بإبداع وإنجاز خطط جيدة للتنمية الاقتصادية ،والتقدم الثقافي ، والإصلاح الاجتماعي ، قبل أن تنفجر في شكل تمرد ضد السيطرة الخارجية .و لم يستبطن معاوية مشاعر كرهه للإنجليز ، بل كان معجباً بهم إعجاباً عظيماً لقاء ما كان يراه بعينيه الصافيتين ، اللتان لم يحل ضباب العاطفة دون نفاذهما لرؤية صفات الإنجليز ، ومؤهلاتهم ، وأدائهم العملي في تعمير السودان .

    ذلك الإعجاب هو الآخر لم يكن إعجاباً أعمى ولم يحل بين صاحبه وبين نقد أخطاء الإنجليز نقداً إيجابياً متسامحاً . وعلى العموم فقد كان معاوية مقتنعاً بأن إنجلترا ملكت من الأفكار والثقافة والمؤسسات قدراً عظيماً قيماً يمكن أن تجلبه إلى الشرق ، وكان متلهفاً إلى أن يحظى السودان بقسط وافر مما حظي به الإنجليز .

    هذا طرف من القضايا التي دأب معاوية على أن يثيرها في نقاشه معي عندما كان يزورني بانتظام في غدواته إلى مكتبي , و كان يكرر الطرق على تلك القضايا بأقدار متطاولة تدعو إلى السأم في بعض الأحيان ، و يسهب في تحليل الحركة الإمبريالية و مختلف الدعاوى القومية ، ويستشهد بمقتطفات من أقوال لوجارد Lugard ، وجوليان هكسلي Julian Huxley ، و يضحك كثيراً عندما يستغرقه تعقب أصول تلك القضايا ،وتبرق ثناياه العذاب . وذلك ملمح آخر من ملامح شخصيته حيث كان يوازن حماسة طبعه وجديته المفرطة بحسٍ فكاهي عظيم . لقد تمتع معاوية حقاً بقدر وافر من الذكاء ، حتى من خويصة نفسه . فكثيراً ما كان ينفجر ضاحكاً بصورة فجائية في غمار حديث حماسي له في شأن من الشؤون العويصة المحتدمة .

    ثم جاء حدث غير متوقع حيث فشل معاوية في الحصول على الوظيفة التي كان يبتغيها عند عودته إلى السودان ، إذ رأت فيه الحكومة شخصاً مزعجاً ، ورفضت إدارة المعارف طلبه ، إذ قدرت عدم ملاءمته لوظيفة التدريس !

    وكانت المقابلة التي انعقدت له مع الموظف الكبير الذي تولى تقويمه نحسة الحظ من كل النواحي . ذهب معاوية إلى مقابلة ذلك المسؤول الكبير بإدارة التعليم وهو يرتدي ربطة عنق عالية صفراء اللون ، جلبت تأثيراً مدمراً على نفسية ذلك البيروقراطي العتيق . وتحدثنا معاً عن بعض قضايا الأدب الإنجليزي ، و تشعب الحديث فعرجنا على أدب صمويل جونسون الذي كان معاوية يعرفه معرفة عظيمة ، بينما كانت معرفة الموظف البيروقراطى الضخم عنه ضئيلة وعرضية .

    وإزاء إحساس الموظف الكبير بالعجز الفكرى و الأدبى ، وحرج الموقف تجاه الفتى الذي يختبره نحا منحىً التفافياً ، وتعمد الإفضاء بقول فضفاض يداري به جهله المزري فقال : إن جونسون ولد قبل أوانه ! وكان ذلك القول كافياً لكي يكتشف معاوية جهل الموظف و غلظة ادعائه في آن ، وصُدم معاوية لذلك القول ، بقدر ما صُدم مظهره بربطة عنقه الصفراء العالية ذوق ذلك الموظف البيروقراطي الذي يتعبد للتقاليد المكتبية ، وانتهت المقابلة نهاية سلبية ، وأخفق معاوية في نيل ما كان يطمح إليه من توظيف كريم .

    ولاحقاً عرضت على معاوية وظيفة صغيرة في إدارة المالية ، لم تكن لتلائم ميوله الفكرية والأدبية ، ولا تضع في الحسبان قيمة للدرجة الجامعية التي نالها من خارج البلاد ، فرفض معاوية تلك الوظيفة بإصرار وقرر السفر إلى مصر ، ليجرب حظه فيها مرة أخرى .

    انقلب معاوية إلى مصر يجلله شعور عميق بالإحباط والأسى والحنق على الحكومة الإنجليزية في السودان ، لحرمانها إياه من فرصة أن يحيا في وطنه ،ويخدمه في منصب وظيفي يناسب نزعاته الفكرية وتحصيله الأكاديمي . وبأثر من ذلك الكبرياء الجريح - لا بأثر قناعة صحيحة ، أو رغبة في غاية أدبية - ومن أجل أن يكسب بعض المال الذي أضحى في أمس الحاجة إليه ، والذي كانت بعض صحف القاهرة على استعداد لتقديمه له ، خدمة لدعاياتها السياسية ضد البريطانيين ، كتب معاوية مجموعة مقالات في هجاء و ذم الرجل الأبيض الذي يعتصر إمكانات السودان ويتنعم بخيرات الخرطوم .

    لم يرجع معاوية إلى مصر لمجرد أنه فشل في الحصول على وظيفة مناسبة في الخرطوم ، إنما كان السبب الأعمق إحساسه أنه سيصبح غريباً في وطنه ، وروحاً متوحدة بين أهله وشعبه . وإذا لم يكن الأديب البريطاني صمويل جونسون قد ولد قبل زمانه ، فقد كان الأديب السوداني معاوية محمد نور هو الذي ولد قبل زمانه بالتأكيد . لقد أدى بنضج معاوية الثقافي إلى أن يتسع الفارق بشكل مهول ما بينه وبين البيئة الاجتماعية والثقافية السودانية التي كان يحيا بها ، ولم يعد يجد له مرسىً أو مرفأ صالحاً هناك ، وتفاقمت مأساته إلى حد بليغ عندما لم يجد مرسىً و لا مرفأّ في أي مكان آخر !

    فحياة الفكر والأدب القاهرية التي كان يحلم بها تكشفت له عن زيف كبير . لقد منحته إثارة ومتعة روحية وعقلية كبيرة ، ولكن تلك الحياة لم تكن قائمة على تربة أصيلة سمحة ،تسمح لمعاوية بأن يضرب بجذوره في أعماقها . ففي الجوانب الإنسانية " الجُوَّانيَّة " من الحياة كان معاوية يعيش غربة ووحشة شديدة في القاهرة ، ولبث هناك بروح طائفة لا تجد لها ملاذاً إلا في العالم الخيالي للأدب الغربي , وما وجد نفسه متآلفاً إلا مع أبطال روايات وأشعار دوستويافسكي ، وتوماس هاردي ، و د. هـ . لورانس ، وألدوس هكسلي !

    و ظلت مسببات كثيرة أخرى لا تحصى تعمل خفية في تدمير معاوية محمد نور لا سيما على الصعيد النفسي ، و كان تشرده الروحي ولا شك من أقوى العوامل التي أنضجت مأساته الأخيرة . وبعد أشهر قلائل من عودته إلى مصر سمعت بأنه قد أُصيب بانهيار عصبي ، وأنه أُخذ على إثره إلى مستشفى الأمراض العصبية بالقاهرة ، وبعد أسابيع قلائل بدأ يبلَّ من مرضه ، ثم عاد إلى السودان للمرة الأخيرة ، حيث لم يعد للقاهرة بعد ذلك . لقد انضم لأسرته بأم درمان وقد قام أفراد أسرته على رغم الفوارق العقلية والثقافية الكبيرة بينه وبينهم برعايته على أتم وجه . لقد كانت رجعة حزينة باعثة على الشجى لتلك الروح المخاطرة التي كانت تجوب الآفاق ، رجعة مجللة بالفشل والعطب والرعب من مهمة استكشاف عقلي بالغ الاجتراء .

    ولبعض الوقت ظل معاوية يطوف ويجول بالمدينة ويبدو مظهره السطحي طبيعياً للعيان . وأتى ذات مرة يزورني بمكتبي كما كانت عادته في سالف الأيام . ولم أر في سلوكه بادي الرأي أي اختلاف عما كنت أعهده فيه من قبل إصابته بذلك الداء العضال، ثم لاحظت أنه يحمل كتاباً كبير الحجم في جيب سترته ، وما لبثت أن سألته عنه ، فأجاب بأنه القرآن الكريم ، ثم أبان لي عن أنه غدا يستمد منه كثيراً من الراحة النفسية ، وأنه أخذ يستكشف فيه معاني لم يسبر غورها من قبل . وتحدث يومها إلي بلغة من الإلماح الصوفي وكأنه واحد من زمرة الملهمين !

    وجاء وقع حديثه ذاك إليَّ عصيباً بل أصابني بصدمة شديدة ، لأنني كنت قد مررت بمثل ذلك الطور من الانهيار العصبي المصحوب بتجليات دينية في فترة سابقة من عمري . وقد ساعدتني تلك التجربة في النفاذ إلى الأبعاد الخطيرة لحالة معاوية . ثم أصابني حديثه بصدمة أعظم بعد ما تمادى لعدة دقائق فيه . كان معاوية يحدثني في عام 1935 وجيوش موسوليني تمزق جسد الإمبراطورية البريطانية . وبنظرة لها معناها الخفي سألني معاوية إن كان الإنجليز المقيمين في السودان قد أصابهم الرعب بعد !

    ولدهشتي البالغة فإنه لم ينتظر إجابتي بل اندفع في حديثه بلغة الشطح الإلهامي العرفانى قائلاً إن هناك رباطاً سرياً يجمع بينه وبين موسوليني والقرآن الكريم والنهاية القدرية الوشيكة للإمبراطورية البريطانية !

    وأفاض في الإلماح إلى القوى القدرية الخفية ، محاولاً أن يلقي في روعي أن في صيرورة الكوارث العالمية الناشبة يومها ما لا تدركه الأبصار ، أو بصري أنا على الأقل ، وأن موسوليني هو أداة تنفيذ لإرادة علوية لها تعاطف مع آمال ورغبات معاويةمحمد نور شخصياً ، لقد نظرت إليه وهو يفوه بتلك الكلمات ، وقد خرس لساني عن النطق ، وطفقت أرى في كيانه الجسدي المحطم وحديثه الملتوى ، بعض أعاجيب الدهاء التي يمارسها العقل البشري عندما يحطمه الواقع . فما كان ذلك الوهم الكبير الذي استولى على عقل معاوية سوى استجابته للتحدي الموجه إليه من قبل القوة العظمى للإمبراطورية البريطانية ، وانتقامه من التسلط الإنجليزي على السودان ، وثأره من الإدارة التي حرمته من نيل وظيفة يخدم بها بلاده .

    ولم أر معاوية لفترة بعد ذلك اللقاء ، إذ لم يحضر لزيارتي ، كما سمعت بأنه كل يقضي كل وقته ببيته ، ولا يحب أن يرى أحداً على الإطلاق . ثم بلغتني رسالة منه يدعوني بها لزيارته ، فذهبت تواً إلى لقياه ، وصعقت بالتغير الهائل الذي عراه . عندما التقيته كان صافي التفكير على نحو ما ، وذلك ما زاد من لذع ما رأيت على شعوري . وفهمت خلال حديثي معه أنه بدأ يدرك أن عقله قد أُصيب بعطب ما ، وأنه أخذ يبحث عن علاج ناجع يسترجع به عافية عقله . وقد وجد ذلك العلاج أخبراً على يد " فكي " جاهل ، مشعوذ ، يتشبث ببعض دعاوى دينية ، و يستخدم السحر وبعض العلاجات البدائية .

    ولقد عاد معاوية أخيراً إلى ارتداء الملابس السودانية الشعبية . ومثل هذا التحول ما كان له في الأحوال العادية أن يثير انتباهي ، ولكنه بدا لي الآن رمزاً لانقلاب كامل في عقل معاوية وتجربته المعرفية ، فوراء تلك الملابس الشعبية بدت لي مخايل ثقافته الكونية الكلية وهي تتفكك وتتآكل . وتماماً على خطى الإمبراطور " جونتر " وهو في هلعه المتصل بليلته الطويلة تلك التي قضاها في شعاب الغاب ، جاء معاوية مضطرباً متعثراً مبعثر العقل ، وأخذ يطوح بكل ما علق بواعيته من أكسية الفكر الغربي ، مفضلاً حالة العرى البدائي المرتجف . ولم يتمكن " الفكي " من علاجه ، بل تفاقم أمره إلى حالة جنون مطبق ، ثم ما لبث أن مات .


    .
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أخطر وثيقة أمنية كُتبت عن معاوية محمد نور
    عرض وتقديم: الدكتور محمد وقيع الله



    التقرير الأمني الذي كتبه إدوارد عطية عن معاوية محمد نور مستخرة من مذكرة المستر و.س. وليمز ناظر مدرسة كلية غردون عن مسألة معاوية محمد نور بتاريخ 12/1/1932م.

    إنه في الوقت الحاضر يطلب عملاً من حكومة السودان، وإن خاله يرغب أشد الرغبة في أن يوفق معاوية إلى الحصول على عمل كهذا، والصبي يتيم ويعتبر بالنسبة للسوداني العادي على درجة كبيرة من الذكاء وسعة الاطلاع.. وقد كان نابغة في الكلية بذكائه وسعة اطلاعه، فلو أنه لم يجد عملاً مناسباً أو أن الحكومة رفضت خدماته نهائياً فقد يصبح بالنسبة لنا في المستقبل مصدراً للقلق والمتاعب.
    وفي اعتقادي أنه ينبغي للحكومة أن تستفيد من أمثاله، ولا بد أن يكون هناك على وجه التأكيد مكان يليق به. فلقد تخرّج بنجاح في جامعة بيروت، وكانت التقارير التي تُكتب عن أعماله هناك مرضية على الدوام. وأن له نفس المؤهلات التي تتوفر للسوري العادي الذي توظفه الحكومة في مصلحة المالية أو غيرها من المصالح. وإنني لعلى يقين من أننا، برفضنا إيجاد عمل له، إنما نخسر فرصة هامة:
    «1» نكسب خدمات سوداني ذكي معنا.
    «2» كما نخسر فرصة ربط مصالحه بمصالح الحكومة.
    «3» كما أننا نخزن مصدراً لمتاعب محتملة الوقوع في المستقبل. ولربما أخطأ بالطبع لأن الإنسان لا يستطيع أن يضمن شيئاً بالنسبة لسوداني. ولكنني على يقين من أنه يستحق أن يوضع موضع التجربة.
    ٭٭٭
    12 ــ مذكرة إلى مدير مصلحة التعليم من مدير مصلحة الأمن العام.
    أولاً: أوافق على أن معاوية محمد نور مشكلة، ولكني أشك في أننا نبالغ في الاهتمام بضرورة حلها، وليس في المسألة. كما يقول هو. شيء شخصي، لأنها مشكلة تتعلق بكل من هم على شاكلته. وفيما يلي ما اختلفنا، على الأرجح ــ فيه:
    ثانياً: من المتفق عليه أن معاوية شخص موهوب وذكى جداً، أي أنه يمتاز على رفقائه السودانيين جميعاً، وقد أتم تعليمه في كلية غردون، وعندئذ واجه محاولة خاطئة لإجباره على دراسة الطب، ففر، وقُبض عليه في القاهرة، وأُعيد إلى الخرطوم ليقضي المدة الباقية له في مدرسة الطب. ولما رفض مرة أخرى، أخرجه الوصي عليه من المدرسة، وأخذ على عاتقه أن يعلمه بنفسه، وقد قام بهذا العمل.وإذا اعترفنا بذلك بكفاءته ونحن هنا لا نعني مظهره وروحه فما هو الموقف؟ إنك تصر على استخدامه في الحال، فلماذا؟ ليس هنا سوى سبب معقول واحد لاستخدامه قبل غيره، وهو أنه أكفأ منهم. ولكن هل هو كذلك من وجهة نظر الحكومة؟ إنني أشك في هذا. إنني أحب أن أراه في خدمة الحكومة، ولكن أين؟
    إن جميع المسؤولين متفقون على أنه لن يكون ذا فائدة كمدرس. وقد كتب صمويل بك بنفسه يقول إنه في رأيه لا يصلح للعمل في مكتبه، فهل نعتقد أنه يستطيع أن يقوم بعمل عادي أو عمل كتابي؟! أما أنا فأشك في أنه يستطيع أن يستمر في العمل العادي أو الكتابي وقتاً طويلاً.
    الواقع أنه لا يصلح للخدمة في مثل هذا العمل في مكتبه، فهل نعتقد أنه يستطيع أن يقوم بعمل عادي أو أي عمل كتابي على وتيرة واحدة؟! كما أنه ليس جاداً أو عاقلاً إلى درجة تؤهله لتولي عمل رئيسي مثل الأعمال التي يقوم بها مكتبنا، بل إنه في الواقع ليس من النوع الذي تريده الحكومة لتولي أعمالها.
    خبِّرني هل تنصح شاباً إنجليزياً مثل معاوية في الذكاء بأن يقبل عملاً في البريد؟! إنه لا يمكن أن تُفكر حتى في هذه النصيحة، فإن مثل هذا العمل يُعتبر تكراراً لما قمنا به من محاولة لإجبار معاوية على تعلم الطب! وإن ما يقوله معاوية صحيح، فإن الحكومة لا تريد انتشار التعليم العالي وإن الحكومة محقة، وإن معاوية ينسب هذا لتخوف الحكومة، وأنت تعلم كما أعلم أن السبب هو أن السودانيين ما زالوا غير قادرين على «هضم» التعليم العالي! إن النمو الإجباري لا يبقى طويلاً، وإن الطالب العالي لشيء مُحرج ومُتعب من الناحية السياسية. وحينما كان منشأه فإنه لا بد أن يعاني نوعاً من سوء الهضم، ولابد أن يؤدي به إلى الخراب في معظم الحالات!
    ثالثاً: لقد خرج معاوية عن حده، ويجب عليَّ أن أنصحه بالتخلي عن فكرة العودة إلى الخرطوم، فهي عودة إلى الموت العقلي، وهو وصف صحيح، وإذا أجري في العام القادم أو العام الذي يليه امتحان عام لتولي الوظائف الحكومية، ففي استطاعته أن يقدم له، وأن ينجح فيه.
    إن معاوية ذكي بدرجة تكفي لأن يدرك أن التعليم ليس من أجل العلم وحده، ولقد اتبع في تعليمه طريقاً دفع به إلى عدم الاستقرار، وإلى عدم الصلاحية للعمل الحكومي. وربما كان هذا الوصف له قاسياً ولكني لا أستطيع أن أرى كيف أن صحفياً أديباً ناجحاً، هو الوحيد في مصر الذي اجتمع بأندريه موروا، وتحدوه رغبة قوية في العودة إلى الخرطوم، حيث لا ينتظر مواهبه سوى الموت والاندثار.
    إن معاوية لن يموت جوعاً، ومن المؤكد أنه يستطيع أن يعمل كمصحح براتب ثلاث جنيهات في الشهر، كزكي عبد السيد، وإني لا أفهم لماذا لا يعمل في ميدان الصحافة السياسية، أو لماذا لا يكتب لـ«المقطم» أو «الأهرام»؟!
    أعتقد أن عليك كصديق لمعاوية أن تقول له: ابق حيث أنت هذه السنة على الأقل.


    التوقيع: مدير الأمن العام



    .
     
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    منقول

    انحدر معاوية من عائلة ميسورة الحال عريقة الأصل، فقد كان أبوه من سراة قومة ان لم يكن أكثرهم ثراء. وكان جده لأمه (محمد عثمان حاج خالد) أميراً من أمراء المهدية وكان ذا مكانة ونفوذ. وقد مات والد معاوية، وكان الطفل يخطو في أعتاب ربيعه العاشر فكفله أخواله ومن بينهم الدرديري محمد عثمان الذي كان من الرعيل الأول من المتعلمين في السودان ومن الشباب المرموق في ذلك الحين، فقد كان أول سوداني يتولى منصباً قضائياً رفيعاً إذ كان أول قاض لمحكمة عليا في تاريخ القضاء السوداني كما كان من الرواد في الحركة الوطنية في السودان حتى اختير بعد استقلال بلاده عضواً في مجلس الرئاسة.

    معاوية محمد نور
    انحدر معاوية من عائلة ميسورة الحال عريقة الأصل، فقد كان أبوه من سراة قومة ان لم يكن أكثرهم ثراء. وكان جده لأمه (محمد عثمان حاج خالد) أميراً من أمراء المهدية وكان ذا مكانة ونفوذ. وقد مات والد معاوية، وكان الطفل يخطو في أعتاب ربيعه العاشر فكفله أخواله ومن بينهم الدرديري محمد عثمان الذي كان من الرعيل الأول من المتعلمين في السودان ومن الشباب المرموق في ذلك الحين، فقد كان أول سوداني يتولى منصباً قضائياً رفيعاً إذ كان أول قاض لمحكمة عليا في تاريخ القضاء السوداني كما كان من الرواد في الحركة الوطنية في السودان حتى اختير بعد استقلال بلاده عضواً في مجلس الرئاسة.
    كانت حياة معاوية عادية في أول مدارج حياته. فقد دخل "الخلوة" (1)،وفيها تعلم مباديء القراءة والكتابة ثم انتقل إلى مدرسة أم درمان الأولية وفيها واصل تجويده للقراءة والكتابة ومن ثم انتقل إلى المدرسة الوسطى (الابتدائي) بعد أن اجتاز الامتحان بتفوق ملحوظ وظل بها حتى وقع عليه الاختيار ضمن النابهين للانخراط في كلية غردون. وفي كلية غردون بدأ حبه للبحث والتحصيل يبدو واضحاً وأخذ ينهل من مكتبتها العامرة بنهم واضح، وتملكه حب الاطلاع بدرجة كبيرة حتى صار يدخر كل درهم يحصل عليه كى يشترى به كتباً. وفي هذا الوقت بدأت ميوله الأدبية تبدو واضحة جلية وبدأ نجمه في عالم الأدب يتألق سريعاً حيث كان يكتب في الصحف السيارة والمجلات بالسودان – ومن بينها جريدة الحضارة – الكثير من المقالات والتراجم من الأدب الانجليزي مذيلة بتوقيع مستعار هو "مطالع". وكان طبيعياً أن يلفت أمر هذا اليافع الذي يناقش القضايا الأدبية في الصحف على هذا النحو من التمكن والتقصي، والذي كثيراً ما استشهد بكبار المفكرين مثل أناتول فرانس وبرنارد شو وأضرابهم.. أقول كان من الطبيعي أن يلفت أمر هذا الفتى نظر أساتذته الذين حسبوا لأول وهلة أنه دعي يتعجل الظهور والشهرة فعمدوا إلى مناقشته في الموضوعات التي كان يكتبها في الصحف فهالهم ما لمسوه فيه من تفهم عميق وإدراك واع لأفكار أولئك الكتاب والمفكرين الذين طالما أخذ آثارهم بالتحليل والمناقشة.
    وحينما أتم معاوية دراسته الثانوية بكلية غردون سنة 1927 اختير لدراسة الطب وكانت وقفاً على قلة مصطفاة من النابغين من طلبة المرحلة الثانوية.. وكان الانخراط في كلية الطب – الحديثة التأسيس آنذاك – حلماً طالما راود كل شاب في السودان لما تتيح لخريجيها من مكانة عالية ومركز مرموق وراتب وفير. ولكن معاوية كان من طينة أخرى!! إذ سرعان ما جاهر بعزوفه عن الالتحاق بكلية الطب وما تتيحه أمامه من مستقبل وضاء، ذاكراً أنه ينبغي مواصلة دراساته الأدبية التي علق بها والتي تملكت شغاف قلبه ووجدانه. وكما كان متوقعاً أحدث عزوفه هذا عن دراسة الطب دوياً هائلاً بين لداته وفي محيط أسرته وكان الجميع يتساءلون عن ماهية هذا "الأدب" الذي يفضله على الطب والمستقبل العريض الذي يتيحه لدارسيه.. حتى حسبوه معتوهاً أصابه مس من ذهول. وتحت ضغط عنيف من أهله وأساتذته وزملائه انخرط معاوية في كلية الطب بجسمه فقط فقد كانت روحه تهوم في آفاق بعيدة كل البعد عن كل ما يتصل بالدراسات الطبية.. حيث كان يرتاد دنيا الأدب والفنون التي وجدت روحه فيها الواحة التي تفيء اليها.. ولعلنا لا نركن الى المغالاة اذا ذهبنا الى القول بأن معاوية كان أول سوداني يتصل اتصالاً حقيقيا بروح الغرب وأدب الغرب. لقد وجد معاوية – هذا الشاب العربي الأفريقي – الذي لم يبرح بلاده حتى ذلك الوقت – والذي نشأ في بيئة جاهلة لم تأخذ الا اليسير من أسباب المعرفة – وجد في الأدب الانجليزي ضالته المنشودة ووطنه الذي يعيش فيه.. بين دنياه البعيدة غير المنظورة التي كان دائم التطلع اليها بشغف وطموح، وبين دنياه التي يعيشها كواقع لا مهرب منه ولا مفر (بلده وعائلته وتقاليده).. ولكى ندرك مدى التباين بين هذين العالمين يحسن بنا أن نلقى نظرة عجلى وعابرة على الفروق التي بين البيئتين: .
    ولنتصور هذا الفتى الذي يفيض تطلعاً وطموحاً يعيش في أم درمان وحوله أمه وعماته وخالاته وكلهن محجبات، عقولهن لا تعي من الحياة إلا مفاهيمها الأولية والتي كانت لا تخرج عن نطاق العائلة وتقاليدها ونواميسها مثل الزواج والطلاق والحمل والموت والحزن والتزين.. ويقضين بقية ساعاتهن في اجترار الأساطير والخرافات.. لنتصوره وسط بيئة كهذه وقد علقت بروحه واستبدت بوجدانه أفكار (جين اوستن) و (توماس هكسلي) وغيرهما من مفكري القرن الثامن عشر.. في ذات الوقت الذي تهب فيه عليه رياح القرن العشرين من انجلترا تحمل آداب وأفكار كتابها..
    أى تباين .. وأى بون شاسع!!
    مهما يكن من شيء فقد واصل معاوية دراسته الطبية مدى عامين أظهر خلالهما تبرماً بمناهجها وكان كثيراً ما يلجأ لأستاذه ادورد عطية – وقد كان صفياً له وصديقاً – ويكثر من سؤاله عن الجامعات بالخارج ومناهجها وشروط الالتحاق بها والمصروفات التي تتطلبها الدراسة فيها والشروط التي يتعين توافرها لدى الملتحقين الى غير ذلك.. وفي خلال هذه الفترة بدا جلياً أنه يعتزم في نفسه شيئاً. صار معاوية أكثر تبرماً وضيقاً بدراساته الطبية بالرغم من المحاولات اليائسة التي كان يقوم بها أهله بغية حمله على مواصلة دراساته الطبية. ولما تمادى أهله في هذا لم يجد بداً من الفرار الى القاهرة عساه يشفى غليله من العلم والمعرفة. وقد كانت الصدمة قاسية على أهله لأسباب عديدة.. ذلك أنه ضحى بدراسة الطب التي كان يغبطه عليها الكثيرون، فضلاً عن أن مصر في ذلك الحين كانت محرمة على السودانيين سياسياً، وكان من يهبط مصر من السودانيين يعتبر هارباً سياسياً في نظر حكومة السودان الإنجليزية في ذلك الوقت، وكان يستهدف حرباً عاتية لدى رجوعه لبلاده ومضايقات في رزقه أقلها حرمانه من حق المطالبة بالعمل في الخدمة الحكومية، لذا فقد سارع خاله خالد محمد عثمان بالذهاب إلى مدير التعليم مبدياً عدم رضائه بما أقدم عليه معاوية واعداً بملاحقته في مصر لإرجاعه راجياً الاحتفاظ له بمكانه في كلية الطب ريثما يعود به وقد استجاب المدير لذلك. وفي مصر سعى خاله لدى وزارة الخارجية والمسئولين مبدياً أن معاوية ما زال حدثاً طائشاً لم يبلغ سن الرشد راجياً مساعدته في العثور عليه لإرجاعه، وقد استجاب المسئولون لذلك إذ سرعان ما أتى بالفتى مخفوراً بالحراس إلى قسم عابدين حيث احتجز ليلة سلم بعدها لخاله الذي عاد به للسودان.
    ولكن معاوية كان أكثر صموداً وتحمساً لمبادئه وأفكاره.. فعرض على خاله السماح له بالإلتحاق بإحدى الكليات الأدبية التي توائم مواهبه وليكن في لبنان. وأخيراً رأى أخواله الاحتكام لأستاذه ادورد عطية وكان ذا منزلة خاصة لدى معاوية وخاله – الذي نصح بتحقيق رغبة معاوية – رأفة منه بهذا النبوغ وهذه الموهبة من الضياع.
    وبالرغم من أن المستقبل المعيشي لمثل هذه الدراسة غير مأمون وبالرغم من أن الدراسة نفسها تتكلف مبالغ طائلة إلا أن خاله نزل عند رغبة الفتى وأتاح له تحقيق حلم طالما راوده.. وبعد أسابيع قليلة انطلقت السفينة تحمل الفتى الى بيروت حيث استقر الرأي على أن يلتحق بكلية الآداب التابعة للجامعة الأمريكية هناك وهو أشد ما يكون سعادة بالرغم من ادراكه التام أن السلطات الأجنبية في السودان ربما عملت على حرمانه فرصة التوظف ومضايقته في العيش لدى عودته تمشياً مع خطتها الرامية الى محاربة الذين يهاجرون للعلم في الخارج ويتنسمون الثقافة الحرة المتمردة على الجمود ويتشربون أفكار التحرر الذي كانت تهب رياحه على الوطن العربي في هذه الحقبة. فالقاهرة وبيروت كانتا مقصداً لكل شاب عربي طموح وكانتا منارتين للأفكار ومقصداً لكل مناهض للاحتلال والنفوذ الأجنبي.. ولعل هذا ما جعل السلطات الأجنبية في السودان تعمل جاهدة على عزل الشباب السوداني عن مثل هذه الأجواء فشغلته بمشاكل العيش وأقامت له معاهد لم تكن أكثر من "معمل" لتفريخ الموظفين الذين يسيرون دولاب الأعمال المكتبية.. ولعل معاوية كان أكثر إدراكاً لهذا بعد أن شعر به كواقع حى وفي هذا يقول: ".. فسياسة التعليم في السودان لم تكن في يوم من الأيام ترمي إلى نشر الثقافة والعلم بين أبناء البلاد وإنما كان أكبر همها فيما مضى أن تخرج موظفين وطنيين يشتغلون في الوظائف الصغرى في البلاد.. أما الوظائف الكبرى فهى بلا شك للانجليز.. والوظائف الوسطى للأرمن والاغريق وما شابههم من الأجانب ( الى أن يقول) والأساتذة الانجليز الذين يدرسون في الكلية (أى كلية غردون) فيختارون من السلك السياسي كى يقضوا عدة أيام .. وان من يرى هؤلاء الأساتذة يضيقون على الطلبة ويرهقونهم بكثرة الأمر والنهى ويعاقبونهم على أقل هفوة أو بادرة بالجلد الصارم والعقاب الشديد لهاله الأمر ولظن نفسه في ثكنة من ثكنات العساكر لا في معهد للتثقيف والتعليم.. ومنهاج التدريس في كلية غردون غريب في بابه فليس هناك مجال للعلوم الطبيعية أو التاريخ الحديث أو الأدب وإنما معظمه تمرين على الآلة الكاتبة." (2)
    وما أن استقر معاوية في بيروت حتى تجلت مواهبه الأدبية التي بدأ يذكيها وينميها بالدرس والتقصي فكان لا يرى إلا في المكتبات باحثاً منقباً وفي ذلك يقول في مقال له بعنوان "أنا والكتب" :-"لا أعرف على وجه التحقيق متى أحببت الكتب أو متى هامت الكتب بطلعتي البهية.. فقد أكون مفلساً ولا أشتري كتاباً واحداً ، ولكنني لا أفتأ أزور المكتبات العامة كل يوم الى أن يضج أصحابها مني ومن إفلاسي ولكن لا أفتأ أزورها ، ذلك لأن لمرأى الكتب عندي سحراً خاصاً يزري بكل سحر.. وليس أجذب عندي في المكتبات من معرض الكتب في الواجهة الزجاجية .. واروح متنقلاً أنظر إلى الغلاف اللازوردي لذلك الكتاب ويشتد حزني أنني لا أستطيع أن أمتلك ذلك الكتاب"(3) إلى أن يقول "ثم يا صديقي هل يكفي أن يعرف الإنسان الأدب العربي أو الإنجليزي أو الفرنسي ليصبح أديباً واسع الإطلاع؟ لابد أن يعرف الأدب التشيكوسلوفاكي والبولندي والدنماركي وأدب الهتنتوت والمكسيك وبلاد الواق الواق.. ضروري كل ذلك. ولكن أين النقود؟ لعن الله النقود. ثم الوقت – لعن الله الوقت – هل يسمح بقراءة كل ما أريد قراءته؟ كلا. إنه لا يسمح ولكن ذلك لا يجب أن يقف في سبيل افتتاني وجمعي لها وهيامي بها وكان معاوية اثناء إقامته ببيروت يراسل المجلات والجرائد المصرية ويبعث إليها مقالاته الأدبية ودراساته النقدية وأبحاثه الاجتماعية والفلسفية وقصصه الوطنية. وكانت تظهر مقالاته على صفحات "السياسة الأسبوعية" التي كانت أنهرها وصفحاتها وقفاً على الأدباء المرموقين، كما كتب في أمهات المجلات العربية مثل "المقتطف" و"الهلال" و"الرسالة" و"البلاغ الأسبوعي" و"جريدة مصر" و "الجهاد" وغيرها. وبدا من خلال ما كتبه تأثره العميق بأميل زولا وأبسن وبرناردشو وتولستوى ودستويفسكي وهمنجواى وتشيكوف وملتون وشكسبير وهيكل والعقاد وغيرهم من عمالقة الفكر.
    ولما أتم دراسته في بيروت حضر إلى القاهرة ليعمل بالصحافة مدفوعاً في ذلك بحماس الشباب المفكر المحب لحياة الأدب والفن.. تلك الحياة التي طالما حلم بها.. ثم عين محرراً بجريدة مصر ومشرفاً على صفحاتها الأدبية والتي تضمنت الكثير من مقالاته وأبحاثه وقصصه. لقد تهيأت لمعاوية أسباب الاستقرار وتحقق حلمه وانعتق من إسار الصراع العاتي الذي كان يطحن روحه والذي كانت تدور رحاه بين واقع عيشه والعيش الذي كان يتوق اليه والذي أمكنه الوصول اليه خلال هذه الفترة التي تميزت بانتاجه الوفير.
    وكان الشاب الأسمر بابتسامته المرحة وعينيه الوهاجتين ومثاليته القويمة وحبه العنيف للأدب وثقافته وسعة اطلاعه وغزارة نتاجه.. كان هذا الشاب شيئاً جديداً على الأوساط الأدبية في القاهرة وظاهرة جعلت أدباء القاهرة ومفكريها يناقشون كنهها في صالوناتهم وندواتهم، ولقد لفت نظر فقيد الفكر العربي الأستاذ عباس محمود العقاد، فأدناه منه وقربه إليه، وكان يجد إمتاعاً لا يعادله إمتاع في مناظرته ومناقشته في شتى الموضوعات الأدبية.. وانني لأكاد أرى عبر الأيام تلك الحسرة التي علت محيا استاذنا العملاق العقاد حين عرج بنا الحديث الى ذكرى معاوية (وكنت قصدته في داره بمصر الجديدة ابتغاء رجائه كى يقدم لهذا الكتاب بقلمه).. أقول أكاد أتمثل الحسرة والنغمة الآسية الحزينة التي تحدث بها أستاذنا العقاد عن الخسارة التي حاقت بأدبنا المعاصر بفقدان معاوية وهو يردد هذه الجملة: "لوعاش معاوية لكان نجماً مفرداً في عالم الفكر العربي". وقد حدثني العقاد عن المكانة المرموقة التي وصل إليها معاوية في عالم الفكر وخلال فترة قصيرة حتى بدأ الكتاب يقدرون آراءه ويأخذون بها في كثير من الأحيان. وكان معاوية يطبق في كتاباته القواعد الغربية في النقد الأمر الذي أكسبه شهرة واسعة الى أن ساهم في تأسيس "جماعة الأدب القومي" التي كان يرأسها المغفور له الدكتور هيكل "وجمعية العشرين" التي أسسها الأستاذ محمود تيمور – أمد الله في عمره. وكان معاوية جريئاً في نقده،مطبقاً مقاييس النقد الغربي في كل عمل أدبي تناوله، وكان غزيراً في إنتاجه يلاحق كل ما تخرج به المطبعة ويلتهمه ثم يقوم بالتعليق عليه حتى خلف لنا ضمن مقالاته النقدية ثروة غالية من النقد في شتى النواحي الأدبية.. من قصة الى شعر الى مسرحية الى غير ذلك. وقد تميز أسلوبه في النقد بالتجرد والموضوعية ولم يكن يتهيب الأسماء اللامعة فقد تناول أعمالها الأدبية بنفس الجرأة التي تناول بها أعمال الناشئة والمغمورين من الكتاب. ونجد بين مقالاته نقداً لأعمال كبار الكتاب أمثال سلامة موسى والمازني وأبي شادي. ولعل في خلو مقالاته النقدية من أعمال الأستاذين العقاد وهيكل ما يفسر لنا أنه كان راضياً عن هذه الأعمال، وليس معنى ذلك أن معاوية كان سلبياً إزاء ما أخرجته المطبعة للعقاد مثلا.. على النقيض فقد كان أكثر ما يكون إعجاباً بالعقاد ولطالما اعترف صراحة بتأثره العميق به وقد كتب المقالات الطوال في تحليل أدبه والتبصير بمواطن الجمال في شعره وتوضيح آثاره في البيئة المصرية. حتى اننا نجده يقسو في نقده على سلامة موسى حين زعم أن أدب الأستاذين العقاد والمازني فيه "صناعة" وتكلف. وإلى جانب النقد كتب معاوية في مختلف الفنون.. فبنفس الاقتدار الذي كتب به المقال النقدي كتب الأقصوصة والقصة الطويلة وكتب السيرة والترجمة والرواية.. وقد تميزت كل كتاباته هذه بالمنحى الواقعي، فضلاً عن أنه كان بين طليعة الرواد الذين دعوا الى ارتياد آفاق أدبية جديدة لم تكن مطروقة من قبل. فدعا إلى التأليف في الأدب القومي بمدلوله الواسع العميق وإلى أدب الفكاهة وإلى المقال الشخصي وإلى أدب الرسالة الأدبية أو الخطاب الأدبي لما للأخير من مكان عظيم في الأدب العالمي وفي كتاباته عن الخطاب الأدبي يسوق لنا الكثير من الرسائل التي اعتبرت من الآداب العالمية الرفيعة ويرى أن الرسالة الواحدة قد تجمع الكثير من الفنون الأدبية وفي هذا قوله "وغير المشكوك فيه أن فن المراسلة من أمتع فنون الأدب وأرقها وأكثرها ظرفاً وأدباً، ولقد كان له في جميع أطوار الأدب العربي مكان يذكروقدر عالي التقدير وهو الفن الوحيد الذي لا يكلف الكاتب قوالب وأوضاعاً معينة أو أصولاً وقواعد ثابتة، وإنما حسبه قاعدة وقانوناً أن يكون وحى الفكر ونتاج الفكر، فربما جمع الخطاب فنوناً من القول مختلفة وأساليب من التعبير متباينة. وإنه لمما يحزن أن يقبر هذا الفن الذي كان له مكان عال من أيام مضت" إلى أن يقول "وقد نجد في الخطابات كل شيء من أحاديث السياسة والاجتماع الى نقد الكتب والشئون العامة ومن وصف الأطوار والأخلاق إلى تحليل الرجال تحليلاً شائقاً ودراسة للأدب دراسة جيدة". وكان لمعاوية ذوق فني رفيع وعبقرية كامنة فكان يتذوق الموسيقى والأدب والرسم والتصوير وكان متحيزاً للفن مقدساً له، وفي هذا يقول "سيجيء اليوم الذي تزول فيه الفلسفة كما نعرفها الآن وأن الفن سوف يبتلع كل صنوف التفكير والشعور والدين والعلم الرياضي ليخرج بذلك فناً يحمل كل ميزة هؤلاء ولا يفقد طابعه الخالق وقالبه الدقيق". وقرأ معاوية الفلسفات قديمها وحديثها، وتعمق في دراستها وتحليل مذاهبها واتجاهاتها وكان ينظر الى جميع المذاهب الفلسفية على أنها مجرد نظريات وفروض قد تخطيء وقد تصيب، وكذلك عاب على الأستاذ سلامة موسى الحزم والنهائية في كتاباته النفسية. والقاريء لمقالات معاوية لابد أن تأخذه الدهشة لسعة اطلاعه وتشعب ثقافته فهو يشير في كل مقال له إلى عشرات الكتاب أو المفكرين الذين تناولوا نفس الموضوع قيد البحث ويحلل آراءهم وأفكارهم ويتناولها بالنقد الموضوعي. ولقد اهتم معاوية اهتماماً خاصاً بفن القصة – فإلى جانب تأليفه لعدد غير قليل من القصص الاجتماعية – فإنه كتب عدة أبحاث في فن القصة.. مثال ذلك مقالاته عن : الأدب القصصي في القرن العشرين – فلسفة الأقصوصة – المقال والقصة – فتور الأدب القصصي – القصص في مصر – القصص الروسي – القصص الفرنسي .... الخ. وقصص معاوية الاجتماعية . (6)


    _____________________
    (1) الخلوة: أولى المراحل في سلم التعليم في السودان.. وهى أشبه "بالكتاب في مصر" وفيها يتعلم بالروضة مباديء القراءة والكتابة وحفظ سور من القرآن الكريم.
    (2) معاوية نور: ماذا في السودان: سياسة التعليم في السودان.
    (3) صحيفة الجهاد : 17 مارس 1933
    (4)توتي: جزيرة أمام الخرطوم على الضفة الشمالية للنيل
    (5) ظهر هذا في وثيقة سرية نشرتها صحيفة البلاغ في عددها رقم 7777 بتاريخ 30 مارس 1947 والحاوية على المراسلات التي دارت بين مدير الأمن ووزير التعليم والحاكم العام للسودان بشأن معاوية.
    (6) الفقي أو الفكي "بلغة أهل السودان" وهو رجل يعمل بالشعوذة زاعماً أنه أوتى القدرة الإلهية لكشف الأسرار وإبلال المرضى.. وغالباً ما يكون "الفكي" من وافدي غرب أفريقيا – ولعل الكلمة تحريفا للفظ "الفقيه".


    .
     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الاديب السودانى الفذ: معاوية محمد نور (1909 - 1941)
    عمر الشيخ محمد حسن



    من هو معاوية نور؟

    لا يعرف الكثير منا من هو الأستاذ معاوية نور الكاتب والناقد السوداني الذي مات شهيدا في ريعان شبابه.
    انحدر معاوية من عائلة ميسورة الحال عريقة الأصل، كان جده لأمه (محمد عثمان حاج خالد) أميرا من أمراء المهدية وكان ذا مكانة ونفوذ... مات والد معاوية وكان الطفل يخطو في أعتاب ربيعه العاشر ، فكفله أخواله ومن بينهم الدرديري محمد عثمان الذي كان من الرعيل الأول من المتعلمين في السودان ومن الشباب المرموق في ذلك الحين فقد كان أول سوداني يتولى منصبا قضائيا رفيعا و كان أول قاضي محكمة عليا في تاريخ القضاء السوداني، كما كان من الرواد في الحركة الوطنية في السودان حتى اختير بعد الاستقلال عضوا لمجلس الرئاسة.

    كانت حياة معاوية عادية في أول مدراج حياته .. فقد دخل الخلوة ومنها تعلم مبادىء القراءة والكتابة ثم انتقل الى الابتدائية والوسطى بعد أن اجتاز الامتحان بتفوق ملحوظ وظل بها حتى وقع الاختيار عليه ضمن النابهين للانخراط في كلية غردون وفيها بدأ حبه للبحث والتحصيل.. وتملكه حب الاطلاع بدرجة كبيرة حتى صار يدخر كل درهم يحصل عليه كي يشتري به كتابا .. وفي هذاالوقت بدأت ميوله الأدبية تبدو واضحة جلية وبدأ نجمه في عالم الأدب يتألق سريعا حيث كان يكتب في الصحف السيارة والمجلات السودانية ، وكان رحمه الله يذيل كل كتاباته بتوقيع مستعار وهو( مطالع ) وكان طبيعيا أن يلفت أمر هذا اليافع - الذي كان يناقش القضايا الأدبية في الصحف على هذا النحو من التمكن والتقصي والذي كثيرا ما استشهد بكبار المفكرين مثل اناتول وفرانس وبرنارد شو وأضرابهم- كان من الطبيعي أن يلفت نظر أساتذته الذين حسبوا لأول وهلة أنه يتعجل الظهور والشهرة، فعمدوا لمناقشته في الموضوعات التي كان يكتبها في الصحف فهالهم من تفهم عميق وادراك واع لأفكار أولئك الكتاب والمفكرين الذين طالما أخذ آثارهم بالتحليل والمناقشة.

    بعد أن أكمل معاوية دراسته الثانوية بكلية غردون في عام 1927 اختير لدراسة الطب، وكانت وقفا على قلة مصطفاة من النابغين من طلبة المرحلة الثانوية وكانت وقتها حلما يراود كل شاب سوداني لما تتيح لخريجيها من مكانة عالية ومركز مرموق وراتب وفير.. ولكن معاوية كان من طينة أخرى، اذ سرعان ما جاهر بعزوفه عن الالتحاق بكلية الطب وما تتيحه أمامه من مستقبل وضاء، ذاكرا أنه يريد مواصلة دراسته الأدبية التي علق بها والتي تملكت شغاف قلبه ووجدانه .. وكما كان متوقعا أحدث عزوفه عن دراسة الطب دويا هائلا في محيط أسرته وكان الجميع يتساءلون عن ماهية هذا " الأدب" الذي يفضله عن الطب والمستقبل العريض، حتى حسبوه معتوها أصابه مس من ذهول ، وتحت ضغط عنيف من أهله واساتذته وزملائه انخرط معاوية في كلية الطب بجسمه فقط.. فقد كانت روحه تهوم في آفاق بعيدة كل البعد عن ما يتصل بالدراسات الطبية ، وان ذهبنا الى القول كان معاوية أول سوداني يتصل اتصالا حقيقيا بروح الغرب.. لقد وجد معاوية هذا الشاب العربي الافريقي الذي نشأ في بيئة جاهلة لم تأخذ الا اليسيرمن أسباب المعرفة ، وجد معاوية في الادب الانجليزي ضالته المنشودة ووطنه الذي يروي ظمأ روحه ووجدانه برغم البون الشاسع بين الوطن الروحي وواقع وطنه الذي يعيش فيه.. بين دنياه البعيدة غير المنظورة التي كان دائم التطلع اليها بشغف وطموح ، وبين دنياه التي يعيشها كواقع لا مهرب منه ولا مفر ( بلده وعائلته وتقاليده ) .




    .
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محاضرة
    عن الثقافة العربية في السودان
    الخضر هارون




    يلزم في البدء أن نعمد إلى تعريف ما نرمي إليه من كلمة (ثقافة) الواردة في عنوان هذه المحاضرة قبل الخوض في غمار موضوع الثقافة العربية في السودان ذلك لأن كلمة ثقافة حمالة وجوه ومفاهيم يعتريها بعض الاختلاف والتعارض في ميادين العلوم الاجتماعية فضلا عن كون الترجمة إلى العربية قد أسهمت ولا زالت تسهم في إضفاء المزيد من اللبس والغموض عليها. ونشير للتدليل على ذلك إشارة عابرة إلى كلمة مثقف حيث تعد في أغلب الترجمات المقابل العربي لكلمة (intellectual) الإنجليزية بينما تحتمل الكلمة الإنجليزية معان أوسع مثل كلمة (مفكر) مثلا.

    والتعريف الذي التزم به في هذه المحاضرة لكلمة ثقافة والذي أجده جديرا بأن يكون وعاء يتسع للجوانب المختلفة في موضوع هذه المحاضرة هو تعريف الأنثربولوجى البريطاني المعروف.Sir Edward Burnett Tylor، وهو مؤسس "علم الإنسان" أو الأنثربولوجي كعلم أكاديمي يدرس في الجامعات في العالم الناطق بالإنجليزية. حسب الأنثربولوجي الأمريكي مارفن هاريس. يقول التعريف اختصارا إن الثقافة هي " كل ضروب السلوك الإنساني المكتسب" وتفصيلا هي: " ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة، المعتقد، الفنون، الأخلاق والقوانين والأعراف والقدرات الأخرى والعادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في مجتمع."

    في ضوء هذا التعريف سأتناول تأثيرات الثقافة العربية في السودان في مفهوم الدولة وفي المعتقدات والتقاليد والأعراف والفنون والمعارف على النحو الوارد في التعريف المشار إليه آنفا. ونريد بالثقافة هنا مقابل الكلمة الإنجليزية culture)) حيث أن الكلمة العربية لم تكتسب هذا المعنى إلا في العصر الحديث إذ كانت تعنى في الماضي العمل بالسيف أي الخصام والجلاد كما قال صاحب اللسان، ويقيني أنكم على علم ببيتي عنترة:

    ومدجج كره الكماة نزاله = لا ممعن هربا ولا مستسلم
    جادت له كفي بعاجل طعنة = بمثقف صدق الكعوب مقوم

    وتثقيف السيف تسويته من اعوجاج.

    ولكن قبل الغوص في لجج ذلك قد يثير العنوان " الثقافة العربية في السودان" بعض تساؤلات وأرجو ألا يثير حساسيات مردها كون السودان في قلب إفريقيا تماما من حيث الجغرافيا، وللمكان بما يحمل من مناخ وطقس وتضاريس وحياة برية دور في تشكيل الثقافة وتعديلها أيضا وهذه الحقيقة تفضي إلى حقيقة أخرى هي أن الثقافة العربية وغيرها من الثقافات الوافدة قديما وحديثا على السودان قد شوتها بالحرارت الشموس فصارت ثقافة سودانية. التسليم بذلك أدخل في باب المصالحات السياسية بل وفي التدابير اللازمة لبناء دولة عصرية تضم مختلف الأعراق والمعتقدات. وليس فيما سيأتي تحت عنوان هذه المحاضرة معارضة للمصالحات أو التدابير الضرورية لها لكن المبحث سوف ينصب على تاريخ دخول الثقافة العربية إلى السودان وتأثيرها عبر القرون على الثقافات التي كانت سائدة فيه خاصة وأن تلك الثقافة لم تفد إلى السودان بحد السيف وإنما دخلت سلما وتغلغلت في ربوع السودان المختلفة وفي ثقافاته العديدة طوعا لا كرها سيّما والخرطوم عاصمة السودان قد زفت منذ مطالع هذا العام الميلادي خمسة وألفين عاصمة للثقافة العربية يتنادى إليها أهل الفنون والموسيقى والفكر والأدب من سائر أنحاء الوطن العربي على نحو ما فعلوا قبل آلاف السنين في أسواق عكاز وذي المجاز وغيرها يتابرون في عرصاتها شعرا وغناء وفكرا يستعينون به على عاديات العولمة والاستهداف الثقافي والحضاري المحدق بساحاتهم. فلماذا سرت الثقافة العربية في يسر وسماحة في أوصال الجسم الثقافي للسودان رغم أن السودان لم يكن خلاء بلا حضارة أو ثقافة بل كان إحدى مناراتها المضيئة في وادي النيل ولمدى زمني بلغ زهاء تسع إلى عشر آلاف عام؟ هذا السؤال سيقودنا إلى محاولة سبر أغوار العلاقة الأزلية بين ضفتي بحر القلزم، البحر الأحمر. أي بين إفريقيا والجزيرة العربية. هل يسرت العلاقة التاريخية الضاربة في القدم بين الضفتين من انسياب الثقافة العربية دون عناء إلى هذا الجزء من إفريقيا ؟

    يتوسع البروفسور على مزروعي في شرح هذه العلاقة بين الجزيرة العربية موطن الثقافة العربية وبين إفريقيا متسائلا ومشككا في موضوعية الاعتبارات التي جعلت البحر الأحمر حدا جغرافيا فاصلا بين إفريقيا وآسيا ملحقة جزيرة العرب بالقارة الآسيوية. ويتساءل في سفره القيم المصاحب لسلسلة حلقات برنامجه التلفزيوني الوثائقي الذي بثته القناة العمومية الأمريكية قبل نحو ثمانية عشر عاما تحت عنوان " الأفارقة: تراث ثلاثي الأضلاع " a Triple Heritage” ، “The Africans.


    كيف اعتبرت مورشياص التي تبعد ألف ميل عن الساحل الإفريقي ومدغشقر التي تبعد خمسمائة أجزاء من القارة الإفريقية بينما اعتبرت عدن التي تقع حسب تعبيره على مرمى حجر من سواحل الصومال عبر باب المندب جزء من قارة أخرى هي آسيا ؟ و قبل أن ينطلق من الجغرافيا إلى التاريخ الذي ربط الضفتين بأوثق رباط يورد ما أشار إليه بول بونان في كتابه " African Outline" الذي أشار فيه إلى أنه حتى من الناحية الجيولوجية البحتة فإن الجزيرة العربية والقارة الإفريقية لا تنفصلان. يشهد على ذلك تأثرهما بظاهرة جيولوجية واحدة هي الأخدود الإفريقي العظيم الممتد من هضبة الأناضول في تركيا عبر البحر الميت في وادي الأردن حتى بحيرة رودلف في كينيا. أما بالنسبة للقرابة التاريخية والثقافية بل والعرقية يشير متسائلا من يكون الأمهر في إثيوبيا إن لم يكونوا من سلالة تحدرت من جنوب الجزيرة العربية وهو ما تشير إليه أيضا المصادر العربية بأنهم من سلالة قبيلة عربية تسمى حبشات؟ ثم يتساءل مجددا ماذا تكون اللغة الأمهرية إن لم تكن فرعا من فروع اللغات الأفرو-آسيوية؟

    ونشير بدورنا إلى ما جاء في العهد القديم من إشارات إلى مملكة كوش وان موسى عليه السلام قد تزوج بكوشية وأن هاجر أم إسماعيل وزوج إبراهيم الخليل من تلك المنطقة أيضا وما سمعته من أن دمشق الاسم الذي تحمله عاصمة سورية الشقيقة وأقدم مدينة في التاريخ إنما هو اسم لخادم من الحبشة كان في خدمة سيدنا إبراهيم عليه السلام وإلى المعتقدات الإثيوبية المعاصرة بأن بلقيس ملكة سبأ كانت ملكة إثيوبية تزوجها سليمان عليه السلام وأنجب منها( منلك) جد الإمبراطور السابق هيلاسيلاسى الذي كان يلقب نفسه بأسد يهوذا في إشارة إلى تلك النسبة. ويعتقد كثير من المسيحيين أن الألواح المقدسة التي أوحيت إلى موسى تضمها إحدى كنائس منطقة أكسوم في إثيوبيا حيث يحج إليها آلاف المتدينين كل عام من كآفة أنحاء الدنيا. ونشير هنا أيضا إلى أن ملك إثيوبيا" كالب" أو ربما "غالب" أو "كليب" المسيحي الديانة قد جرد جيشا لنصرة الأقلية المسيحية في اليمن التي تعرضت للتعذيب على يدي الملك الحميرى الذي كان يعتنق الديانة اليهودية فيما يعرف بقصة أصحاب الأخدود حوالي عام 525 ميلادية بقيادة أبرهة الأشرم الذي استقل بملك اليمن حتى خلعه الفرس واستولوا على اليمن. وفي المقابل فقد أهدت اليمن لإفريقيا اسم أحد ملوكها ليصبح اسما للقارة وقد أطلق بادئ ذي بد على تونس التي ظلت تحتفظ به إلى ما بعد الفتح الإسلامي.

    ويرى عدد من المؤرخين وعلماء الأجناس أن علاقات التصاهر بين شعوب المنطقتين قد بدأت قبل ظهور الإسلام ويرون أن البجا في شرق السودان والماساي في شرق إفريقيا من نتاج تزاوج عربي إفريقي. ويورد الدكتور فرنسيس دينق في كتابه "أفارقة عالمين" آراء للأنثربولوجي البريطاني المعروف السير إدوارد إيفانس بريتشارد وللقس الباحث في الشأن السوداني جون سبنسر تريمنغهام وسيلغمان تفيد بأن القبائل النيلية في جنوب السودان وهى الدينكا والنوير والشلك تحمل دماء قوقازية وحامية لذلك تعد متزنجة وليست زنجية. ويشير فرنسيس دينق في المصدر ذاته إلى عمق تأثر عقائد هذه القبائل بما جاء في الديانات السماوية الثلاثة الوافدة من الشرق الأوسط وهى الإسلام والمسيحية واليهودية.

    ويجدر بنا ونحن نتحدث عن التأثير المتبادل للمنطقتين على بعضهما البعض أن نشير إلى أثر إفريقيا ليس على الشرق الأوسط وحده عبر وقوع منطقة الشام بأسرها تحت حكم الفراعنة بل إلى اثر حضارة وادي النيل على اليونان القديمة إذ ثبت أن أفلاطون وأرسطو وأبو الفلسفة سقراط قد تتلمذوا على قدماء المصريين في مجالات الفلسفة والرياضيات الأمر الذي جعل الباحث البريطاني (مارتن بيرنال يؤلف سفرا قيما قبل نحو عقدين من الزمان أطلق عليه ( أثينا السوداء...) أو Black Athena by Martin Bernal.

    وبعد هذا الاستطراد نشير مجددا إلى كتاب البروفسور على مزروعي آنف الذكر حيث وصف الثقافة الإفريقية المعاصرة بأنها نتاج تراث ثلاثي يتكون من الإسلام وبالطبع ما حمله من سمات عربية، والإرث الإفريقي المحلى (indigenous)، ثالثا الميراث الغربي المسيحي الذي جاء به الاستعمار الأوروبي إلى القارة، وهذا الأثر يظهر جليا في اللغات الكبرى السائدة في إفريقيا اليوم وهى العربية في الشمال والإنجليزية والفرنسية في مناطق أخرى بالإضافة إلى السواحيلية التي هي نتاج تلاقح بين العربية ولغات البانتو والبرتغالية وغيرها تشكل العربية فيها نحوا من ستين بالمائة وكذلك لغات الهوسا والفلاني في غرب إفريقيا المتأثرة باللغة العربية. هذه الحقيقة تجعل الثقافة العربية ليست وافدا أجنبيا على القارة بل واحدة من مكوناتها الثقافية.

    ونسلط الضوء بعد هذه المقدمة على صلة السودان تحديدا بالعالم القديم المتمثل في جنوب أوروبا والشرق الأوسط منذ سحيق الأزمان إلى بداية تدفق الهجرات العربية إليه خاصة بعد انتشار الإسلام.ونشير في عجالة إلى أن الإغريق والرومان من بعدهم قد أطلقوا على السودان اسم إثيوبيا ومعناها "أصحاب الوجوه المحروقة" ورغم أن الإغريق أطلقوا على جيرانهم من القبائل الأوروبية في الشمال أقذع النعوت فأسموهم البرابرة إلا أن هوميروس أطلق على النوبة أفضل الألقاب وكذلك ديودورس. قال هوميروس: "إنهم أبعد الأمم مكانا وأكثرها عدلا وأقربها مكانة وقبولا لدى الإله" وللمزيد يمكن الرجوع لكتاب ويليام آدمز "النوبة المعبر إلى إفريقيا" Nubia Corridor to Africa by William Y. Adams.

    وقد ورد اسم إثيوبيا التي تشمل السودان الحالي وجزء من أكسوم في بلاد الحبشة زهاء ثمانية وثلاثين مرة في العهد القديم. وقد أرسل الإمبراطور البيزنطي جستنيان وزوجته ثيودورا الرسل لإدخال المسيحية إلى السودان عام 534ميلادية وقد كان لهما ما أرادا ولا تزال الآثار الرومانية شاخصة حتى اليوم في مناطق كرمة في شمال السودان وما يسمى بالكشك الروماني في مناطق المصورات الصفراء ليس بعيدا عن الخرطوم.

    أما عن صلة السودان بالجزيرة العربية يشير الطبري في تاريخه إلى أن العرب كانوا يعيشون منذ القدم على ضفتي بحر القلزم. ويشير الجغرافيون العرب القدماء إلى أن عشائر من حضرموت في اليمن قد اختلطت بقبائل البجا في شرق السودان قبل ظهور الإسلام مكونة ما عرف بالحداربة ومفردها حد ربى ولعلها تصحيف لكلمة حضرمي وقد احتفظوا بلغتهم البجاوية حيث وصفهم المادح السوداني حاج الماحي قبل نحو مائة وخمسين عاما في وصفه لمشاهداته في رحلة الحج إلى الأراضي المقدسة في قصيدة بعنوان "أب جاها حوانا":

    ننزل في سواكن لينا شانا
    ومن سوق الحداربة أهل الرطانة
    اتشهلنا من بيعنا وشرانا

    كذلك عبرت مجموعة صغيرة من قبيلة هوازن البحر الأحمر إلى شرق السودان حيث استقرت في منطقة جبال التاكا واختلطت بقبائل البجا وتعرف اليوم بقبيلة الحلنقة.

    وقد أشار الرحالة العربي ابن حوقل إلى أنه وجد عربا سودا في منطقة القضارف في شرق السودان.

    لكن التاريخ الحقيقي للتغلغل العربي في السودان بدأ بحملة وإلى مصر الذي خلف عمرو بن العاص وهو عبدا لله بن سعد بن أبى السرح وهو من أقرباء الخليفة الثالث عثمان بن عفان وأخوه في الرضاعة فقد جرد حملة فيسنة 641م لفتح بلاد النوبة المسيحية فلم تنجح الحملة في مسعاها لإخضاعهم بل تكبد المسلمون فيها خسائر مقدرة من رماة الرماح الذي أطلق عليهم العرب اسم " رماة الحدق " لمهارتهم في إصابة أهدافهم بما في ذلك عيون أعدائهم. وكرر ابن أبى السرح المحاولة بعد سنوات دون نجاح وأخيرا لجأ إلى مصالحة النوبة عبر معاهدة سميت معاهدة "البقط" ولعلها أطول معاهدة في التاريخ إذ ظلت نافذة على مدى ستة قرون. وفتحت هذه المعاهدة الباب لتدفق العرب المسلمين على بلاد النوبة في تؤدة وأناة بادئ الأمر وشكلت هذه المعاهدة مع معاهدة أخرى أبرمت عام 855 م مع قبائل البجا في شرق السودان وتلال البحر الأحمر أهم معلمين لبداية انتشار الوجود العربي والثقافة العربية في السودان وقد فتحت معاهدة المسلمين مع البجا في العام المذكور أول ما فتحت أرض البجا لتدفقات عربية كبيرة بدأتها قبيلة ربيعة التي كانت تعيش في نجد تنقيبا عن الذهب في منطقة وادي العلاقي في المنطقة الممتدة بين ميناء عيذاب وأسوان وبلاد النوبة ومنذ ذلك الحين احتدمت صراعات مريرة بين القبائل العربية المهاجرة المتنافسة على الثروة والملك في المنطقة وبين البجا والنوبة من جانب آخر وللاستزادة يرجع للمقريزي وفي كتاب المؤرخ السوداني ضرار صالح ضرار "هجرة القبائل العربية إلى وادي النيل مصر والسودان" توثيق جيد لذلك.

    أما بالنسبة للتدفقات العربية إلى بلاد النوبة وبأعداد مقدرة فقد بدأت بوصول الخليفة العباسي المعتصم إلى الملك في بغداد ووصول أحمدبن طولون واليا على مصر868 م كأول وال مسلم غير عربي حيث قام الخليفة المعتصم والذي كانت أمه من أصول تركية باستبدال الكتائب العربية في مصر بأخرى من المماليك والأتراك كما قام بقطع الأعطيات التي كانت تصرف من بيت المال على الجند العرب الذين منعوا منذ أيام الخليفة عمر بن الخطاب من الاشتغال بغير الجندية حفاظا على انضباطهم وجاهزيتهم العسكرية فكونوا طبقة حاكمة مميزة في مصر انحصر وجودها في أروقة الحكم وفي الحاميات والحصون العسكرية فظلت على بداوتها وتقاليدها العربية وصحب قطع الأعطيات تضييق على الوجود العربي في مصر كان سببا في تدفق الهجرات العربية إلى بلاد البربر في الغرب وإلى بلاد النوبة في السودان.(للاستزادة أيضا راجع صفحة 160 من كتاب هارولد ماكمايكل( تاريخ العرب في السودان).

    ومع تكاثر الوجود العربي وانتشار الإسلام تساقطت ممالك النوبة المسيحية الثلاث الواحدة تلو الأخرى ومع تزايد التصاهر بين العرب والنوبة انتشرت اللغة العربية ويرجح ابن خلدون أن العرب استفادوا من تقاليد النوبة في توريث الملك لأبناء الأخوات فتزوجوا أخوات الملوك حتى انتهى الملك إلى أبناء العرب من النوبيات فزاد ذلك من وتيرة التعريب في البلاد. وانتهت عمليات التصاهر بقيام أول دولة عربية إسلامية في السودان عام 1504 م أي قبل زهاء خمسمائة عام من يومنا هذا وهى مملكة سنار وتسمى أيضا دولة الفونج أو السلطنة الزرقاء وعرف رعاياها في المنطقة بالسنانير. قال المادح حاج الماحي يصف ترحاب أهل الحجاز بحجاج السودان على أيامه في قصيدة معروفة "احبو من صغير" :

    قالولنا حباب السنانير!

    وأقام سلاطين مملكة سنار رواق السنارية في الأزهر الشريف في القاهرة حيث كانوا يبتعثون طلبة العلم إلى هناك وحثوا عددا من علماء الدين والمتصوفة من شتى بقاع العالم الإسلامي للمجيء للسودان بغرض الدعوة ونشر العلم وأنشأ السلطان بادى الأحمر وقفا في المدينة المنورة لاستقبال الزوار من مملكته للإقامة المجانية هناك أثناء زيارتهم للحرم المدني لا يزال جزء من أوقاف السودان هناك وحذو حذوه بعد عقود السلطان على دينار سلطان مملكة الفور. وفي هذه الفترة انتشرت الكتاتيب التي تعرف بالخلاوى في السودان لتحفيظ القران وعلوم العربية ومبادئ الحساب.

    وتبع قيام هذه الدولة سلطنات إسلامية عديدة في المنطقة أسهمت بقدر واسع في انتشار اللغة والثقافة العربية في أجزاء واسعة من إفريقيا فأسس الجيلي أبو جريدة وهو من مناطق الجعليين في شمال السودان، مملكة تقلى العباسية في جبال النوبة وسليمان صولون (أي العربي) وهو حفيد أبو زيد الهلالي مملكة الفور التي استمرت حتى عام 1916 والتي كانت ترسل الكسوة للكعبة في مكة كذلك أسس رابح فضل الله السوداني مملكة امتدت في مناطق من تشاد والكميرون والنيجر وأطلق على عاصمتها اسم انجمينا وهى كلمة عربية معناها استرحنا مشتقة من الجمام. يقول أبو الطيب المتنبي:

    يقول لى الطبيب أكلت شيئا = وداؤك في شرابك والطعام
    وما في طبه أنى جواد = أضر بجسمه طول الجمام

    ومع سقوط دولة غرناطة في الأندلس كآخر معقل للعرب والمسلمين في الأندلس في عام 1492 حتى بدأت تدفقات جديدة من العرب المسلمين من تلك الأنحاء على السودان تشهد على ذلك عشرات القرى في منطقة الجزيرة والنيل الأبيض وولاية الخرطوم التي تنسب تلك القرى إلى المغاربة بالإضافة إلى العشائر التي وفدت من موريتانيا إلى ذات المناطق وإلى كردفان ويطلق عليهم اسم الشناقيط نسبة إلى مدينة شنقيط التاريخية هناك أو "المشايخة". ويشهد على ذلك الخط المغربي المميز في نواحي كردفان ودارفور وهناك المذهب المالكي الذي وفد على السودان من نواحي المغرب العربي الكبير بينما يسود المذهب الشافعي في الجارة مصر والمذهب الحنبلي في السعودية وهى جارة للسودان عبر البحر الأحمر وكذلك لفظة "مسيد" التي تطلق على المدارس الدينية والخلاوى الكبيرة والمستخدمة حتى اليوم في المغرب العربي كمرادف لكلمة مدرسة. وتنتشر رواية ورش عن عاصم كإحدى روايات القرآن الكريم في أجزاء واسعة من غرب السودان وأغلب الظن أنها وفدت مع الهجرات التي ذكرنا. وهناك تنتشر الطريقة التيجانية القادمة أصلا من منطقة عين ماضي في غرب الجزائر والتي انتشرت بعد هجرة مؤسسها الشيخ أحمد التيجاني إلى فاس في المغرب الأقصى. أما رواية القرآن السائدة في أنحاء السودان الأخرى فهي رواية أبى عمرو الدوري ولا توجد اليوم في غير السودان. وعن خصائص العامية السودانية فقد الفت كتابا تجرى طباعته الآن تحت عنوان " أشتات مجتمعات في الفصحى والعامية " وقد وجدت أنها تنتسب إلى كافة لهجات العرب المعروفة مشرقا ومغربا يغلب عليها طابع البداوة ومفردات الأبالة وقد حوت العديد من الألفاظ المحلية دون إن تفقد خصائصها كلهجة من لهجات العرب كما حوت ألفاظا تركية جاءت مع حكم أسرة محمد على باشا للبلاد عام. 1821

    وألف مؤخرا الباحث السوداني إبراهيم إسحاق إبراهيم مؤلفا عن صلة اللهجات المحلية في أقاليم دارفور باللهجات القديمة التي كانت سائدة في اليمن كاللغة الحميرية وهذا دليل آخر على عمق وقدم الثقافة العربية في السودان حتى قبل انتشار الإسلام. ومن الجدير بالملاحظة أن المسعودي أشار إلى ملوك النوبة في عصر الممالك المسيحية أكدوا له أنهم ينحدرون من أصول حميرية.

    كذلك تدفقت هجرات واسعة بعد ذلك على السودان قوامها الهلاليون وقبائل جهينة اليمنية استقرت في سهوب البطانة في وسط السودان والجزيرة وكردفان ودارفور حتى بلغت نواح تشاد بينما تنسب القبائل التي تتحدث العربية دون غيرها في المنطقة الممتدة شمال الخرطوم إلى العرب العدنانية. هذا فضلا عن هجرات قبيلة الرشايدة من الجزيرة العربية قبل أقل من قرنين من الزمان ويبلغ تعدادهم اليوم قرابة نصف المليون نسمة.

    وعن الموسيقى والغناء فقد تأثرت بالإيقاعات الإفريقية الصاخبة في بعض المناطق كما أن الطرق الصوفية قد وظفت هذه الإيقاعات في مجالات الدعوة عبر دقات الطبول والرقصات وهذا أثر إفريقي بلا جدال كما يقول البريطاني جون سبنسر تريمنغهام. ويغلب على الموسيقى السودانية السلم الخماسي السائد في تخوم الصحراء الكبرى من موريتانيا وحتى الصومال ويمتد تأثير السلم الخماسي إلى ما وراء القارة الإفريقية إلى شبه الجزيرة الهندية والصين واليابان وتجد الموسيقى السودانية في حزام الصحراء الذي ذكرنا رواجا منقطع النظير بينما لا تجد آذانا تطرب لها في ربوع الوطن العربي الكبير حيث تسود الموسيقى الشرقية والسلم السباعي الذي لا يوجد في السودان إلى لدى عرب كردفان ودارفور حيث الغناء عندهم مشابه للغناء التقليدي في الخليج العربي واليمن قال عنه الباحث اليمنى نزار غانم أنه مطابق في جرسه ومضامينه للغناء في اليمن ودونكم غناء الأستاذ عبد القادر سالم في أغانيه التراثية مثل "حلوة يا بسامة " وبعض غناء عمر احساس. ومن الآلات السائدة في شمال وشرق وجنوب السودان آلة الطنبور وهو آلة وجدت على النقوش الفرعونية القديمة وتستخدم الفوف في أقصى الشمال مصاحبة للغناء بينما يقتصر استخدامها في مناطق السودان الأخرى على المدائح النبوية.أما الطبخ السوداني فهو في الغالب إفريقي في الأرياف مع مؤثرات عربية بدوية خاصة لدى الرعاة. أما المطبخ في المراكز الحضرية فهو بفعل الأثر التركي شديد الشبه بالمطبخ الشرق أوسطي.

    وأعادت الثقافة العربية ما سبق أن أنتجته في جزيرة العرب ففي الشعر انتشر شعر الدوبيت ومعناه من الفارسية بيتين بيتين وهو شعر عبارته عامية شبيه بالزجل في لبنان والشعر النبطي في الجزيرة العربية. وأسوق الحديث التالي للشاعر السوداني الكبير عبدا لله الشيخ البشير نقلا عن كتاب الأستاذ فرح عيسى محمد “فيض الذاكرة" يروى الشاعر عبدا لله الشيخ البشير انه عمل معلما في نجد في المملكة العربية السعودية يقول: "حصلت ألفة بيني وبينهم وجدت أنهم يشابهوننا في الكثير بدأت احفظ شعرهم العامي وهو يشبه شعر الدوبيت وان كان يختلف في الوزن صرت ألقى على الطلاب شيئا من الدوبيت فيحفظونه مثل الذي أرسل إلى أهله مع الطير:

    يا طير إن مشيت سلم على الأمات
    وقوليهن وليدكن في الحياة ما مات
    الدار عيشت جابت تلات سلقات
    المرة حلقت وجمله البسافر مات

    بعد شرح الأبيات حفظوها وبثوها في نجد كلها. كذلك وجدت شبها في الأحاجي مثل حجوة " أم ضبيبينة" الحجوة التي لا تنتهي أبدا يسمونها " حجوة الذباب" ولهم ألعاب تتطابق مع ألعابنا تماما وقد لاحظت نبتة نحن نسميها في الشمال "الجتية" لما سألتهم عنها قالوا "الجثية ".

    ونقلوا عن العرب وشم الشفاه واللثة عند النساء حتى يظهر ذلك بياض الأسنان. قال طرفة بن العبد في معلقته يصف جمال محبوبته:

    وتبسم عن ألمى كأن منورا = تخلل حر الرمل دعص له ند
    سقته اياة الشمس الا لثاته = أسف ولم تكمد عليه باثمد

    وانتشرت بين رعاة الإبل منهم ظاهرة سرقة الأيل كنوع من أنواع الفروسية وعرف أولئك لدى العرب الأقدمين بالصعاليك منهم عمرو بن معد كرب وكان بينهم شعراء فحول سمي هؤلاء في السودان بالهمباتة والظاهرة بالهمبتة ومن شعرائهم الطيب ود الضحوية.

    وهكذا وعلى مدى قرنين أو ثلاثة شكل السودان منطقة جاذبة تدفق نحوها عشائر عربية من أجزاء الوطن العربي الكبير الأمر الذي عمق غراس الثقافة واللغة العربية في أرضه ورغم أن الظروف المناخية في جنوب السودان قد حالت دون تدفقات كبيرة للقبائل العربية إلى هناك إلى أن الثقافة العربية قد تمكنت من الانتشار هناك لغة وسمات إلى درجة أصبحت فيها اللغة العربية منذ القرن التاسع عشر هي اللغة المشتركة بين قبائل الجنوب أو ما يعرف بLingua franca لأكثر من مائة لهجة محلية ولغة ويعلق الدكتور فرنسيس دينق في كتابه المشار إليه آنفا إلى أنه وبعد أن اعتمدت الإدارة البريطانية المستعمرة سياسات محاربة التعريب والأسلمة في الجنوب.

    كان مما يسترعى الاهتمام أن العربية ظلت هي لغة التخاطب المشتركة بين قبائل الجنوب خاصة في المراكز الحضرية وما ظهور ما يعرف بعربي جوبا إلى أبلغ دليل على ذلك. يقول جون سبنسر ترمينغهام في كتابه" التناول المسيحي للإسلام في السودان" انه قبل وصول الاستعمار كانت أسواق الجنوب في مدن واو وغيرها قد أصبحت مثل أسواق الشمال تماما ويشيد بقرار الإدارة البريطانية تنفيذ قرارت مؤتمر الرجاف عام 1928 التي قضت بمنع تدريس اللغة العربية في مدارس الجنوب قائلا انه لو لا ذلك لما وقف عائق في وجه انتشار الإسلام في إفريقيا! علما بأن الإدارة البريطانية قد أغلقت الجنوب على مدى ثلاثين عاما في وجه الشماليين عبر قانون المناطق المغلقة الذي ضم جبال النوبة وأجزاء من دارفور وجنوب النيل الأزرق وصل حد طردهم من الجنوب واستبدالهم بالطليان واليونانيين ومنع الجنوبيين من لباس الجلباب والطاقية وتسمية أبنائهم بالأسماء العربية.

    ومثلت فترة الحكم التركي منذ عام 1821 وحتى قيام الثورة المهدية وانتصارها في 1885 بداية ارتباط وثيق بين الثقافة العربية في مصر ونظيرتها في السودان ذلك أن العهد التركي أقام عددا من المدارس العصرية في السودان أرسل إليها أعلاما في تاريخ التعليم في مصر أمثال رفاعة رافع الطهطاوي كما عمدت الإدارة التركية إلى إقامة مؤسسة دينية فعينت مفتيا وقاض للقضاة سعيا منها لمراقبة الدين الشعبي الذي قد يؤدى لاشتعال الثورات وهو ما حدث بالفعل في نهاية المطاف بقيام الثورة المهدية. هذا رغم أن العهد التركي حارب العربية في مصر والسودان وجعل التركية لغة التدريس في كليهما وقد يبدو غريبا الإشارة إلى أن اللغة العربية أعلنت لغة رسمية في مصر عام فقط1862لكن ربط مناهج التعليم في البلدين ساعد في المستقبل على توثيق الصلات الثقافية بينهما خاصة وان الطباعة قد ازدهرت في مصر لاحقا فتوفر الإنتاج المصري من الكتابات والكتب للمدارس والمكتبات في السودان.

    في هذه الفترة أيضا بدأ الشعر المقفي ينافس الشعر العامي الذي كان منتشرا مثل شعر الحاردلو في بوادي البطانة:

    الشم خوخت بردت ليإلى الحرة
    والبراق برق من منا جاب القرة
    شوف عينى الصقير بجناحو كفت الفرة
    تلقاها أم خدود الليلة مرقت برة

    وخوخت أي ضعفت ليس بمعنى أنها أصبحت مثل ثمرة الخوخ لأن الخوخ لا يعرف في السودان ولكن خوخة معناها في الفصيح الباب الصغير بين بابين ونسميه في السودان (النفاج) أو كوة صغيرة يدخل منها الضوء وتحرير المعنى أن الشمس صغرت وضعف حرها ربما بسبب الخريف وغزارة المطر. يقول القاص العالمي الطيب صالح أن شعر الحاردلو في مضامينه أشبه ما يكون بشعر ذي الرمة. ومن جميل المقفى في القرن التاسع عشر قصيدة الشاعر محمد عمر البنا في مدح الإمام المهدي:

    الحرب صبر واللقاء ثبات = والموت في شأن الإله حياة
    قوم إذا حمى الوطيس رأيتهم = شم الجبال وللضعيف حماة

    ولما كانت هذه المحاضرة ليست في سرد تطور الشعر السوداني نكتفي بأن نحيل من أراد التوسع في ذلك إلى كتاب الدكتور عبده بدوى " الشعر الحديث في السودان" وكتاب المرحوم السفير عبد الهادي الصديق " أصول الشعر السوداني " ونكتفي بالإشارة إلى أن مدارس الشعر الحديث والتقليدي في مصر قد كانت لها انعكاساتها على المدارس الشعرية في السودان. ويجدر بنا الإشارة هنا إلى عدد من شعراء وأدباء السودان الفحول الذين استطاعوا أن يزاحموا نظراءهم في الصالونات الأدبية في مصر نذكر منهم معاوية محمد نور الذي رثاه الأستاذ عباس محمود العقاد بقصيدة عند موته وكذلك الشعراء حمزة الملك طمبل ومحي الدين فارس ومحمد الفيتو ري وتاج السر الحسن ومحمد سعيد العباسي.

    إلى جانب ذلك فقد تأثر السودان بكافة المدارس الفكرية والسياسية التي نشأت في العصر الحديث فقد انتقلت حركة الأخوان المسلمين من مصر منذ أيام الشيخ حسن البنا إلى السودان على يد عدد من الطلاب السودانيين في مصر منهم الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد المرشد العام الحالي للجماعة في السودان وكذلك الحركات الشيوعية منذ حركة (حدتو) وقد أفرد الأستاذ أحمد سليمان سفير السودان الأسبق لدى الولايات المتحدة والذي تلقى تعليمه الجامعي في مصر حيث كان منخرطا أيضا في الحركة الشيوعية هناك ضمن الطلاب السودانيين، كتابات هامة في هذا الشأن وكيف رعى هنري كورييل في مصر مجموعة الطلاب السودانيين الشيوعيين الأوائل وللدكتور محمد نورى الأمين أستاذ العلوم السياسية بحثا عن دور الحزب الشيوعي المصري في تكوين الحزب الشيوعي السوداني باللغة الإنجليزية. كذلك تلقى عدد من رموز الحركة الاتحادية العلم في مصر نذكر منهم الأستاذ أحمد خير المحامى وزير خارجية السودان الأسبق والدكتور أحمد السيد حمد أحد رموز الحزب الاتحادي الديموقراطي. كذلك كان للحركة الناصرية دور في الحركة الطلابية في السودان زاد من ذلك الأثر وجود البعثة التعليمية المصرية في السودان ووجود فرع لجامعة القاهرة في الخرطوم وكان لهذا الأثر صداه الثقافي في ميادين الشعر والغناء والثقافة بوجه عام وقد ذكر الرئيس جمال عبد الناصر في إحدى خطبه الأثر البالغ الذي تركه استقبال السودانيين الحافل له عقب هزيمة 1967 عندما جاء إلى الخرطوم وكيف أن ذلك قد أثار غضب الإعلام الغربي الذي قال " الخرطوم تستقبل القائد المهزوم". تأسست في السودان أيضا فروع لحزب البعث العربي الاشتراكي بشقيه السوري والعراقي وهى تشكل الآن روافد من الحركة اليسارية في السودان وفي فترات سابقة نشط رافد لحزب التحرير الإسلامي الذي أسسه النبهانى في فلسطين ومر زمان في حقبة الستينات من القرن الماضي كان يقال فيه إن القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ وقد شهدنا في صبانا الباكر كيف استقبلت الخرطوم ومدينة ودمدنى الشاعر الفذ نزار قباني استقبال الفاتحين. ولا ننسى في هذا السياق عددا من القيادات السياسية والفكرية التي تلقت تعليمها الجامعي في الجامعة الأمريكية في بيروت إبان تصاعد حركات التحرير والمقاومة ضد الاستعمار الأمر الذي أتاح لها الاحتكاك بالكثير من التيارات الفكرية والسياسية العربية نذكر من أولئك الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري رئيس أول حكومة سودانية ونصر الحج على أول مدير لجامعة الخرطوم وعدد من أساتذة الجامعات كالدكتور مالك بدري والدكتور محمود عبدا لله برات والشاعر والأستاذ الجامعي السر دوليب.

    ونود أن نشير في خواتيم هذه المحاضرة إلى أن قيام الدولة السنارية كنتيجة طبيعية للتغلغل العربي والإسلامي عبر قرون وما صاحبه من تمازج الدماء العربية والنوبية والزنجية والحامية قد وضع إطارا لتطور السودان لم يعد العرق عاملا أساسيا فيه بل أصبح الأنموذج السناري دالة على يسر التلاقح بين الثقافتين العربية والإفريقية بحيث لم يفضِ إلى شوفونية عنصرية عربية كانت أم زنجية إذ يعد من خطل القول الحديث عن نقاء عرقي في السودان أو في غيره. لكن غلب في ظن بعض المثقفين السودانيين في ستينيات القرن الماضي وبسبب تنامي المشاعر العربية في خضم الصراع العربي الإسرائيلي من جهة والمواجهات مع بريطانيا وفرنسا في قناة السويس وحرب التحرير الجزائرية أن صوت المكون العربي في الثقافة السودانية قد تنامي بما قد يخل بالمرجعية السنارية القائمة على فكرة توازن عربي إفريقي ذلك أن دولة سنار تأسست بقيام تحالف بين قبائل القواسمة العربية الجهنية بقيادة شيخ العبدلاب عبد الله جماع وبين زعيم قبائل الفونج عمارة دنقس وهو افريقى مسلم من مناطق جنوب النيل الأزرق. وهذا التحالف اعتمد اللغة العربية كلسان للثقافة السودانية دون كبير تعويل على عرق أو عنصر وهو تدبير غير مكتوب أسهم إلى حد كبير في صهر الأعراق والأجناس. قلنا إن عددا من المثقفين أحسوا في بدايات ستينيات القرن الماضي بما يشبه الإخلال بالتوازن الذي جاء به الأنموذج السنارى فأسسوا ما عرف بمدرسة الغابة والصحراء حيث ترمز الغابة للبعد الإفريقي والصحراء للبعد العربي ومن رموز تلك المدرسة الشاعر الراحل محمد عبد الحى والشاعر النور عثمان والسفير الشاعر محمد المكي إبراهيم الذي أرجو أن يكون ضمن حضور هذه المحاضرة ليلقى المزيد من الضوء على هذه المدرسة. ومما وجد حفاوة عند رواد هذه المدرسة أشعار الشاعر الكبير محمد المهدي مجذوب إبان فترة عمله في جنوب السودان من ذلك أبياته المشهورة:

    وليتنى في الزنوج ولى رباب = تميد به خطاي وتستقيم
    وأجترع المريسة في الحواني = وأهذر لا ألام ولا ألوم
    وأصرع في الطريق وفي عيوني = ضباب السكر والطرب الغشوم
    طليق لا تقيدنى قريش = بأحساب الكرام ولا تميم

    وقد أفرد الدكتور عبد الله على إبراهيم فصلا جديرا بالقراءة في كتابه " الثقافة والديمقراطية في السودان." لهذه المدرسة عنوانه "تهافت الآفروعربية أو تحالف الهاربين."

    وعلى كل فإن العبرة من أنموذج سنار أنه قام وأقام دهرا ولا يزال على التراضي لا القهر وعلى التلاقح بين المكونات المختلفة للمجتمعات السودانية دون إقصاء وحري بتدابير المستقبل أن تسعى لإذابة الفوارق وتقوية الأواصر على النسق ذاته بحيث تتنافس الثقافات الفرعية تنافسا حبيا شريفا في إثراء الثقافة الوطنية الجامعة و في ذلك فليتنافس المتنافسون.


    .
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    وفاء طه
    معاوية نور عبقرية العمر القصير



    نظم منتدى دال الثقافي جلسة استثنائية حول الكاتب السوداني معاوية محمد نور … أثرى الحوار وجود أسرة معاوية نور التي قدمت اضافات أضاءت كثير من الجوانب المتعلقة بشخصية معاوية نور … أدار الحوار الأستاذ عمر عشاري وقدم الأوراق د. حسن صلاح والأستاذ عبدالغني كرم الله … ابتدر الحديث د. حسن بتقديمه فذلكة تاريخية لمسيرة معاوية نور تحدث بدءاً عن نشأته وطفولته ومراحله التعليمية حيث درس الخلوة وفيها تعلم القراءة والكتابة ثم انتقل الى مدرسة أمدرمان الأولية ثم انتقل بعد ذلك الى المدرسة الوسطى ثم وقع الاختيار عليه للدراسة في كلية غردون ، وفي كلية غردون بدأت ميوله الأدبية وبدأ يكتب في الصحف السيارة والمجلات الكثير من المقالات والتراجم من الأدب الانجليزي …
    بعد ذلك اختير لدراسة الطب بكلية غردون ولكنه رفض دراسة الطب وفضل عليها دراسة الأدب فهرب الى القاهرة ولكنه أعيد منها الى السودان .. بعد ذلك تم اقناع أهله بالسفر الى بيروت وعلى نفقة أسرته حيث باعت والدته صيغتها وأرضها الزراعية ودرس الأدب الانجليزي وفي ذات الوقت كان يرسل بمقالاته الى صحف القاهرة … في بيروت قرأ معاوية والتهم جميع الآداب العالمية وقد ذكر الرئيس اسماعيل الأزهري أنه عندما كان طالبا في بيروت كان يشاهد رجلا نحيلا مزروعا في المكتبة وكان يقصد « معاوية « كما كانت لمعاوية بحوث ودراسات أثناء وجوده بالجامعة ترجم منها د. أحمد البدوي وفي مقال له بعنوان أنا والكتب كتب عن شغفه بالكتب وقد كان يريد أن يحدث حركة جديدة في الأدب عموما تحدث أيضا عن أدب الخطابة والرسائل الأدبية وهو أدب كان معروفا أراد أن يحييه وأسماه « أدب ضائع « وهو أول عربي يكتب قصة تحليلية عام 1931م وهو نوع جديد من القصة حتى في أوربا وقد كان معاوية كلما وجد جديداً حاول أن يدخله على الآداب العربية .. عندما تم دراسته ببيروت ذهب الى القاهرة وقد سبقته اليها كتاباته وكانت له مراسلات شخصية مع العقاد وغيره بدأ العمل في الصفحات الأدبية محاولا الكسب من قلمه وكان يؤثر شراء الكتب على كثير من احتياجاته حتى المأكل والمشرب وذكر أنه كان في منامه يقرأ الكتب ويلخصها … كان مهتما بما وراء الورائيات كان يتخيل المكان قبل رؤيته وعند رؤيته يجده كما رأه في الخيال ، لالحاح الأسرة عليه ورغبته في التدرس في كلية غردون عاد الى السودان ولكن الانجليز كانوا يرون في تعيينه خطرا عليهم وليبرروا رفضهم تعيينه قالوا أنه أكثر ذكاءا من تعيينه بها وتم تعيينه في الغرفة التجارية كموظف بمرتب عال ولكنه شعر بأن هذه الوظيفة فخ ، أتاحت له هذه الوظيفة التجول في ربوع السودان المختلفة وبعد فترة وجيزة ترك الوظيفة وبعد أن تكاثرت عليه الضغوط رجع الى مصر وكتب مقالات ساخنة ضد الحكومة البريطانية …
    عبدالغني كرم الله قدم تأملات في فكر معاوية نور وتعرض الى فلسفة الكتابة عنده وأشار الى اندهاشه بما كتب معاوية رغم قصر عمره ووصفه بأنه شمس والشمس لا يطفأ نورها وهو قبة من المعرفة … وقال أن معاوية بدأت طفولته حيث انتهى أجداده وهو فيلسوف في نصوصه وتناول نصه ذكريات وخواطر في الخرطوم وتأملات معاوية لمنابع النيل الأزرق الذي كان معجبا به وكتب معاوية عن الأمكنة بشكل جميل كان في هدأة الليل يراقب توتي ويربط بين وحدة المكان ويرى كرم الله أن الأيام ان امتدت بمعاوية لولد فلسفة متكاملة وكان مفكرا وهو من الكبار الذين أدركوا ذكاء الطبيعة ، عندما تقرأ كتابات معاوية عن الأمكنة تجد له احساس غريب بها ، كان له توقد عقلي وله حس مرهف وصاحب حدس عال كان يحب الأمكنة ويحس بأنه كان موجودا فيها من قبل وهذا حس صوفي وكان مشروعه متطورا مع تطور الحياة كتب عن نزع السلاح منذ العام 1931م وقال جملة بسيطة لها دلالات عظيمة قال يدعو للسلام أن السلام يتأتى بنزع الضغائن لا بنزع السلاح … والحرب عنده ما يدور بين العقل والتفكير وفي فنه هدف ورسالة ونجده واضحا في قصصه « ايمان « وغيرها ويرى جمال الوجود في كل مكان والجمال يؤثر في النفس وينعكس ذلك في نفس الانسان لذلك فهو بحر من الفنون والفكر .
    تداخل عدد كبير من الحضور والأسرة منهم الأستاذ بابكر ود الطاهرة « والطاهرة « هي والدة معاوية وبابكر أخ معاوية لأمه لذلك عرف نفسه بها وتحدث عن ما سمع به من أهله وقليل من ما عاصره معه فهو مولود عام 1928 بينما ولد معاوية عام 1909م فقال سمعت أن معاوية منذ أن ولد ظهر عليه نبوغ وذكاء خارق وقال عندما فرضت عليه كلية الطب ودخل المشرحة هرب من حينها ولم يعد الى منزل أهله بل ذهب الى محطة القطار ومنها الى القاهرة وهذا زاد الطين بلة لأن الحكومة البريطانية كما كانت في السودان كانت في مصر فرفضوا وجوده هناك مما جعل أهله يقتنعون بدراسته في بيروت وذكر بأنه بعد أن عاد السودان مريضا وكان يعالج عند الفقيه كنت أذهب اليه بالغداء وأذكر ذات مرة وصاني بأن أحضر له ورقة وقلم كتب فيه كلاما لم أفهمه ، المهم الورقة استقرت عند منصور علي حسيب فقال أن معاوية كتب هذه الورقة لصاحبه في بيروت يطلب فيها خلطة معينة وأذكر عندما عدت منه ذات مرة بعد قليل دخل علي طالب في المدرسة وقال لي البركة فيكم قلت ليه في من قال لي معاوية مات وكنت قد تركته قبل دقائق معدودة وكان وقتها يأتي اليه الفكي في البيت وعندما ذهبت وجدته كاتبا على الحائط ما يأتي :
    "الآن قد حان أجلي
    وداعا يا أخوان
    أدعوا لي بالرحمة"
    وقد ظلت هذه الكتابة موجودة على الحائط لسنوات عدة رفضت الأسرة محوها الى أن محاها الزمن .


    .
     
  19. شكرا جزيلا استاذ نقوس المهدي على هذا الجهد النبيل وانت تقدم لإخوتنا المغاربة والمشارقة ايضا هذا الاديب العبقري
    والحقيقة ان السودان يعج بالادباء والشعراء ، لكن طبيعة شعبنا الحياء الذي يمنع من تقديم الذات للآخرين ، اضافة الى ان هناك اشكلات كبرى حول مسألة الهوية اذ بين العروبة والافرقانية اندلعت حروب لازالت تثير كثير من القلق عندنا . وانعكس ذلك حتى على الادب ، اذ ستجد ان هناك مدرستى الغابة والصحراء في الشعر يومها كثير من الافذاذ ،
    ومن اعظم شعراء السودان التجاني يوسف بشير وادريس جماع وهم ممن رحل مبكرا عن عالمنا، وهناك ايضا محمد عبد الحي ومصطفى سند والدكتور عبد الله الطيب ومحمد مفتاح الفيتوري وغيرهم وغيرهم
    اما معاوية محمد نور فاتفق معك انه لم يجد الاهتمام اللائق بمكانته الادبية حتى في السودان، وقد مات مبكرا في اربعينات القرن الماضى ، اعتبره بعض النقاد رائدا من رواد النقد الحديث في مصر والسودان، وذهب بعض النقاد انه اول من كتب القصة القصيرة في السودان، وهو من اسرة عريقة ، فجده هو اول رئيس للقضاء في السودان ، وهو حفيد لاحد امراء الثورة المهدية ضد الاستعمار الانجليزي، من اعجب الاشياء في سيرته انه نشر في الاربعينات قصة توفى بطلها بعد ان اصيب بمرض عقلي هو ماحدث له تماما .
    بكل تقدير تحياتي
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    تحية اخي اسامة
    شكرا على تعليقك الجميل حول شخصية ادبية مرموقة ، ما شد انتباهي في حياة معاوية محمد نور هو ذكاؤه المتقد، ومقالاته وتحليله العميق وانفتاحه على الثقافات الاجنبية .. حتى ان بعض النقاد يرون بعض الشبه بينه وبين شخصية مصطفى سعيد في موسم الهجرة الى الشمال
    بالنسبة للادباء السودانيين فهناك عديد من الاسماء البارزة التي اغنت الساحة الادبية العربية وهؤلاء توفوا كلهم في ميعة شبابهم التجاني يوسف بشير - الأمين علي مدني - إبراهيم عبدالعاطي - حسن عزت - سعدالدين فوزي - علي عبدالفتاح - محمد عبد الرحمن شيبون - الناصر قريب الله - و سامي يوسف غبريال الذي كتب بدوره قصصا مائزة في اربعينيات القرن الماضي فيما لا يكاد يذكره ابناء هذا الجيل حتى من بلده السودان، ومن هذا المنطلق كان تركيزي على شخص المفكر معاوية محمد نور

    محبتي الصادقة
     

مشاركة هذه الصفحة