1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

معاوية محمد نور ذلك المجهول

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏5/10/14.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    فهرست
    معاوية محمد نور
    ( 1909 - 1941)

    - نقوس المهدي: تقديم
    - معاوية محمد نور: أصدقائي الشعراء ... هذا لا يؤدي - الجزء الأول
    - معاوية محمد نور: أصدقائي الشعراء ... هذا لا يؤدي - الجزء الثان
    - معاوية محمد نور: ساعة مع أندريا موروا
    - معاوية محمد نور: في القطار
    - معاوية محمد نور: إيمان
    - الفاضل حسن عوض الله: معاوية نور.. مصطفى سعيد وموسم الهجرة إلى الشمال
    - عباس محمود العقاد: قصيدة في تأبين معاوية محمد نور- (الشهيد معاوية)
    - د. النور حمد: معاوية نور: هل غار منه الطيب صالح أم خشي على مواقفه منه؟!
    - عبد المنعم عجب الفيا: معاوية محمد نور رائد الحداثة النقدية
    - الطيب صالح مقدما كتاب "معاوية نور " للكاتب السني بانقا
    - معاوية محمد نور: في الخرطوم .. خواطر وذكريات محزونة

    .
     
    آخر تعديل: ‏11/12/14
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أخطر وثيقة أمنية كُتبت عن معاوية محمد نور
    محاولة خاطئة لإجباره على دراسة الطب



    التقرير الأمني الذي كتبه إدوارد عطية عن معاوية محمد نور مستخرة من مذكرة المستر و.س. وليمز ناظر مدرسة كلية غردون عن مسألة معاوية محمد نور بتاريخ 12/1/1932م.
    إنه في الوقت الحاضر يطلب عملاً من حكومة السودان، وإن خاله يرغب أشد الرغبة في أن يوفق معاوية إلى الحصول على عمل كهذا، والصبي يتيم ويعتبر بالنسبة للسوداني العادي على درجة كبيرة من الذكاء وسعة الاطلاع.. وقد كان نابغة في الكلية بذكائه وسعة اطلاعه، فلو أنه لم يجد عملاً مناسباً أو أن الحكومة رفضت خدماته نهائياً فقد يصبح بالنسبة لنا في المستقبل مصدراً للقلق والمتاعب.
    وفي اعتقادي أنه ينبغي للحكومة أن تستفيد من أمثاله، ولا بد أن يكون هناك على وجه التأكيد مكان يليق به. فلقد تخرّج بنجاح في جامعة بيروت، وكانت التقارير التي تُكتب عن أعماله هناك مرضية على الدوام. وأن له نفس المؤهلات التي تتوفر للسوري العادي الذي توظفه الحكومة في مصلحة المالية أو غيرها من المصالح. وإنني لعلى يقين من أننا، برفضنا إيجاد عمل له، إنما نخسر فرصة هامة:
    «1» نكسب خدمات سوداني ذكي معنا.
    «2» كما نخسر فرصة ربط مصالحه بمصالح الحكومة.
    «3» كما أننا نخزن مصدراً لمتاعب محتملة الوقوع في المستقبل. ولربما أخطأ بالطبع لأن الإنسان لا يستطيع أن يضمن شيئاً بالنسبة لسوداني. ولكنني على يقين من أنه يستحق أن يوضع موضع التجربة.
    ٭٭٭
    12 ــ مذكرة إلى مدير مصلحة التعليم من مدير مصلحة الأمن العام.
    أولاً: أوافق على أن معاوية محمد نور مشكلة، ولكني أشك في أننا نبالغ في الاهتمام بضرورة حلها، وليس في المسألة. كما يقول هو. شيء شخصي، لأنها مشكلة تتعلق بكل من هم على شاكلته. وفيما يلي ما اختلفنا، على الأرجح ــ فيه:
    ثانياً: من المتفق عليه أن معاوية شخص موهوب وذكى جداً، أي أنه يمتاز على رفقائه السودانيين جميعاً، وقد أتم تعليمه في كلية غردون، وعندئذ واجه محاولة خاطئة لإجباره على دراسة الطب، ففر، وقُبض عليه في القاهرة، وأُعيد إلى الخرطوم ليقضي المدة الباقية له في مدرسة الطب. ولما رفض مرة أخرى، أخرجه الوصي عليه من المدرسة، وأخذ على عاتقه أن يعلمه بنفسه، وقد قام بهذا العمل.وإذا اعترفنا بذلك بكفاءته ونحن هنا لا نعني مظهره وروحه فما هو الموقف؟ إنك تصر على استخدامه في الحال، فلماذا؟ ليس هنا سوى سبب معقول واحد لاستخدامه قبل غيره، وهو أنه أكفأ منهم. ولكن هل هو كذلك من وجهة نظر الحكومة؟ إنني أشك في هذا. إنني أحب أن أراه في خدمة الحكومة، ولكن أين؟
    إن جميع المسؤولين متفقون على أنه لن يكون ذا فائدة كمدرس. وقد كتب صمويل بك بنفسه يقول إنه في رأيه لا يصلح للعمل في مكتبه، فهل نعتقد أنه يستطيع أن يقوم بعمل عادي أو عمل كتابي؟! أما أنا فأشك في أنه يستطيع أن يستمر في العمل العادي أو الكتابي وقتاً طويلاً.
    الواقع أنه لا يصلح للخدمة في مثل هذا العمل في مكتبه، فهل نعتقد أنه يستطيع أن يقوم بعمل عادي أو أي عمل كتابي على وتيرة واحدة؟! كما أنه ليس جاداً أو عاقلاً إلى درجة تؤهله لتولي عمل رئيسي مثل الأعمال التي يقوم بها مكتبنا، بل إنه في الواقع ليس من النوع الذي تريده الحكومة لتولي أعمالها.
    خبِّرني هل تنصح شاباً إنجليزياً مثل معاوية في الذكاء بأن يقبل عملاً في البريد؟! إنه لا يمكن أن تُفكر حتى في هذه النصيحة، فإن مثل هذا العمل يُعتبر تكراراً لما قمنا به من محاولة لإجبار معاوية على تعلم الطب! وإن ما يقوله معاوية صحيح، فإن الحكومة لا تريد انتشار التعليم العالي وإن الحكومة محقة، وإن معاوية ينسب هذا لتخوف الحكومة، وأنت تعلم كما أعلم أن السبب هو أن السودانيين ما زالوا غير قادرين على «هضم» التعليم العالي! إن النمو الإجباري لا يبقى طويلاً، وإن الطالب العالي لشيء مُحرج ومُتعب من الناحية السياسية. وحينما كان منشأه فإنه لا بد أن يعاني نوعاً من سوء الهضم، ولابد أن يؤدي به إلى الخراب في معظم الحالات!
    ثالثاً: لقد خرج معاوية عن حده، ويجب عليَّ أن أنصحه بالتخلي عن فكرة العودة إلى الخرطوم، فهي عودة إلى الموت العقلي، وهو وصف صحيح، وإذا أجري في العام القادم أو العام الذي يليه امتحان عام لتولي الوظائف الحكومية، ففي استطاعته أن يقدم له، وأن ينجح فيه.
    إن معاوية ذكي بدرجة تكفي لأن يدرك أن التعليم ليس من أجل العلم وحده، ولقد اتبع في تعليمه طريقاً دفع به إلى عدم الاستقرار، وإلى عدم الصلاحية للعمل الحكومي. وربما كان هذا الوصف له قاسياً ولكني لا أستطيع أن أرى كيف أن صحفياً أديباً ناجحاً، هو الوحيد في مصر الذي اجتمع بأندريه موروا، وتحدوه رغبة قوية في العودة إلى الخرطوم، حيث لا ينتظر مواهبه سوى الموت والاندثار.
    إن معاوية لن يموت جوعاً، ومن المؤكد أنه يستطيع أن يعمل كمصحح براتب ثلاث جنيهات في الشهر، كزكي عبد السيد، وإني لا أفهم لماذا لا يعمل في ميدان الصحافة السياسية، أو لماذا لا يكتب لـ«المقطم» أو «الأهرام»؟!
    أعتقد أن عليك كصديق لمعاوية أن تقول له: ابق حيث أنت هذه السنة على الأقل.

    التوقيع: مدير الأمن العام

    عرض وتقديم: الدكتور محمد وقيع الله
    صحيفة الانتباهة


    .
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الفاتح إبراهيم أحمد
    معاوية وبليك/ العبقري والشهرة


    هل الشهرة ضرورية للعبقري؟
    يجيب الشاعر الإنجليزي وليم بليك على هذا السؤال قائلاً:
    "ان الشهرة ليست ضرورية لصاحب العبقرية لان الإنسان يعيش وحيداً ويموت وحيداً فلا ينبغي ان ينسى وحدته الأساسية ويعيش في وهم علاقاته الاجتماعية".
    وإجابة بليك تنبع من سيرته الذاتية وحياته الشخصية وتعكس الظروف التي واجهها في موطنه.. فبالرغم من أن بليك من اكبر شعراء الإنكليز فأنه عاش مغموراً ولم يعترف له بالنبوغ حتى من بعض أصدقائه.. بل اعتبره البعض مجنوناً ولم يكترث بليك وواصل إنتاجه الشعري وقال في إحدى قصائده انه يمتلك كل ما يحتاج إليه في حياته.

    عدد بليك ما يملكه وهو الغبطة العقلية والصحة العقلية وأصدقاء العقل وزوجة تحبه ويحبها. قال أنه بذلك يملك كل ما يريد في الحياة بالرغم من أنه لا يملك شيئاً من ثروات
    الجسد.

    ولا ينبغي ان يؤخذ ما حدث لوليم بليك برمته حتى يطبق على غيره من الأدباء لأن بليك كان محظوظاً بوقوف زوجته إلى جانبه تلك الفتاة التي عرفت برزانتها ونبلها غمرته
    بحنانها ولم تكف عن تشجيعه والاعتراف له بالنبوغ. فقد كان دورها رائعاً بحق في حفظ التوازن النفسي لهذا الشاعر الذي صار من أكبر شعراء الإنجليز. فالعبقري يحتاج إلى من يقف بجانبه يدعمه ، ويشجعه، والا فأن التجاهل وعدم الاعتراف له بالنبوغ يصيبه بالعقم والانزواء والجنون وهذا بعض ما حدث للأديب السوداني معاوية محمد نور الذي عاش مغموراً ومات مغمور أو ما يزال حتى الآن مجهولاً من القراء بالرغم من كتاباته المتنوعة الجريئة في الصحف المصرية في الثلاثينات.

    والكتابة عن هذا الأديب العبقري تعيقها ندرة المعلومات عن سيرة حياته الغامضة. تخرج معاوية في كلية غردون بالخرطوم ثم ذهب إلى مصر ليكمل تعليمه فلم يستطع غير أنه أكمله في جامعة بيروت الأمريكية بدعم من عائلته في السودان وبعد فترة قضاها في مصر رجع إلى السودان وأثر في نفسه ما لقيه من ظروف صعبة بسبب مواقفه الوطنية إبان الاستعمار الإنجليزي.

    لاحت العبقرية في شخصية معاوية في وقت مبكر جداً من عمره وخلال الفترة التي قضاها في مصر. بعد عودته من بيروت أتصل بالأوساط الأدبية في مصر وغمر الصحف المصرية بكتاباته في السياسة الأسبوعية (1927-1933) وفي المقتطف والبلاغ وفي جريدة الجهاد (1934-1937) كما عمل محرراً في جريدة "الاجيبشيان غازيت) التي تصدر باللغة الإنجليزية. وتناول معاوية في كتاباته نقد الشعر والقصة والنثر.

    وكانت لمعاوية صلة صداقة قوية بالعقاد الذي رثاه بقصيدة نشرت فيما بعد في ديوان العقاد " أعاصير مغرب" وقد ارسلها لتلقى في تأبينه بالخرطوم يقول فيها:
    اجل هذه ذكرى الشهيد معاوية = فيالك من ذكرى على النفس باقية
    بكائي عليه من فؤاد مفجع =ومن مقالة ما شوهدت قط بالكية
    تبينت فيه الخلد يوم رأيته = و ما بان لي أن المنية آتية
    و ما بان لي أنى أطالع سيرة = خواتيمها من بدئها جد دانية

    نهضة أدبية
    وأذا تتبعنا نماذج من مقالات معاوية النقدية تجد انه تلمس الطريق الصحيح لإرساء نهضة أدبية متكاملة في تلك الأيام الباكرة من تاريخنا الأدبي الحديث وذلك بالرغم من قصر حياته والاضطراب الذي عاش فيه .. يقول في إحدى مقالاته عام 1929: " ليس الأدب هو الشعر فحسب، و ما أظن كائنا من كان يقول بذلك.. وإنما الشعر فرع من فروع الأدب. فهناك الرواية، وهناك القصة القصيرة، والدراما.. وهناك البحوث الفكرية والأدبية ذات الصبغة الاجتماعية والفلسفية التقدمية.

    وقد وجد معاوية ثورة عنيفة على مسألة حصر الأدب في نطاق ضيق من الإنتاج الأدبي وعول على ضرورة التنويع وولوج كل جوانب الإنتاج الأدبي كالرواية والقصة والمسرح..
    ونعى معاوية في مقالاته على زعماء النهضة في ذلك الوقت حصر إنتاجهم في المقالات الأدبية فقط. يقول:
    " ويحزنني أن أقول إن زعماء نهضتنا إلى الآن لم يحاولوا الرواية ولم ينتجوا فيها شيئاً يذكر. ويتلخص عمل كتابنا الناثرين في عدة مقالات نقدية وصفية تنشر بالصحف السيارة ثم تجمع في كتاب وتقدم للجمهور. وأعجب من هذا إذا أردت إن تعرف شيئا عن فلسفتهم الأدبية أو الفكرية الأساسية كما هو الحال عند كبار الكتاب".

    ومن ليس له فكرة أساسية يصدر عنها فمين به الا يعد من زعماء النهضة. ويمضي معاوية نور يوضح مفاهيمه حول أسس النهضة المطلوبة: " نحن نطلب منهم مقاييس أدبية مبتكرة ونظرة خاصة للحياة والآداب. والآن أنظر معي إلى مؤلفات الأستاذ سلامة موسى والدكتور هيكل والدكتور طه حسين وأحزابهم فهل ترى في جميع كتاباتهم شيئاً مثل هذه الفكرة الأساسية؟ فـ " أوقات الفراغ" للأستاذ هيكل ما هو آلا مجموعة مقالات وليس فيه أي فكرة أساسية".

    ويتساءل معاوية في مقالة " ما الذي عمله الدكتور طه حسين إلى الآن؟
    أعترف بأنه حينما يحلل القصص الفرنسية وينقدها يلذ للقارئ كثيراً أو يدل على قوة
    نقدية رائعة ولكن هل هذا كل ما نطلبه من زعيم نهضة؟
    وقد يقول قائل أن الدكتور طه حسين مؤرخ آداب وناقد وليس بأديب فمالك تطلب
    منه ذلك؟
    فأقول : أين هي مقاييسه المبتكرة في نقد الآداب وكتابة تاريخها؟
    فأننا نعلم إن كبار مؤرخي الأدب لهم فلسفة خاصة بهم أمثال "تيـن" وسانت بيف
    وهالام فأين الدكتور طه من هؤلاء وأين هي تأليفه؟
    " حديث الأربعاء" وما هو الا حديث عن الشعراء ليس فيه فكرة أساسية."
    الشعر الجاهلي" نعم فيه فكرة أساسية ولكنها منقولة من المستشرقين أمثال "نواكرة" الألماني ونيكسون الإنجليزي " فلسفة ابن خلدون" هو الآخر ليس فيه فكرة أساسية وانما تحليل فقط وتطبيق لنظرية "تين" في دراسة الرجال فهل مثل هذا الاحتكار لأراء علماء الغرب يجدر بزعماء النهضة؟

    وكتاب سلامة موسى
    " حرية الفكر وأبطالها في التاريخ" الذي كتب عنه بعض النقاد فأسماه كتاب السنة وما إلى ذلك من مثل هذا الهراء المحصن، مأخوذ من كتاب تحرير الإنسانية للأستاذ "فان لون" وتاريخ الحركة الفكرية لمؤلفه "ج ب بري" فأي فضل له سوى فضل الترجمة والنشر؟

    هذا نموذج من مقالات معاوية النقدية التي أوردها هنا للدلالة على ثقافته الواسعة وثقته في نفسه المتطلعة لمكان لها في الأوساط الأدبية في ذلك الزمان ويظهر ذلك جلياً في تصدية لقضايا أساسية في الأدب ونقده حتى لكبار الكتاب والأدباء والشعراء.

    ذكـي جـداً... لا يصـلح

    وقد كتب معاوية أيضا سلسلة مقالات في أوائل الثلاثينيات في مجلة "الرسالة" بعنوان "
    أصدقائي الشعراء هذا لا يؤدي" نقد فيها إبراهيم ناجي وعلي محمود طه المهندس..
    كما نقد أبو شادي في ديوان "الشفق الباكي" في "السياسة الاسبوعية" عام 1930 قال فيه:
    "لا يمكننا ان نعرض له في شئ من الجد إلا حينما يكون للشاعر شعر وموضوعات شعرية"

    وقد حفلت مقالات معاوية بمختلف المواضيع، إذ كتب في الاجتماع والسياسة كما كتب في الثقافة العامة وكتب سلسلة مقالات كانت عبارة عن خواطر يومية ، وكتب مجموعة من الاقاصيص المليئة بالصور السودانية..

    وقد لاقى معاوية من الصعاب وضنك العيش من خلال حياته القصيرة بسبب موقفه الوطني ونبوغه الذي ضاقت به البيئة السودانية في ذلك الوقت.

    يقول الأستاذ مختار عجوبة في كتابه " القصة القصيرة في السودان"ومعاوية الذي طارده الأنجليز وحرموه الاستقرار في السودان وخذله أبناء وطنه ولم يتيحوا له فرصة النمو في داخل بلاده، بل إنهم كانوا يتجاهلون ادبه وصدقه.

    لقد كانوا دونه طراً فحسدوه فعاش غريباً كطائر يغرد يحمل وطنه بين جناحيه ومع نبضات قلبه باحثاً "عن سودانه".. وما ذنب معاوية إذا كان ذكياً حتى يكتب عنه احد
    الحكام الأنجليز بأنه"ذكي جداً لا يصلح".

    وقد كان معاوية في ذلك الوقت يكتب مقالات مسلسلة بعنوان " سوداني يبحث عن سودانه "كما كتب في السياسة الأسبوعية مقالاً تحت عنوان "أحاسيس الحياة في الخرطوم:

    خواطر وذكريات محزونة".

    وتعكس هذه المقالات مدى ارتباطه الوجداني بالوطن وهو ما زال فى جامعة بيروت في ذلك الوقت.
    لقد تركت الظروف الصعبة المريرة التي واجهها أثارها عل صحته النفسية والجسدية خاصة بعد موت أبيه فقد واجه اليتم والفقر وأسلم الروح وهو في ريعان شبابه في حوالي الثلاثين من عمره. مات معاوية قبل أن يكمل مشوار العبقرية الذي بدأه بكل هذا التوهج والجرأة.
    وهكذا قضى ذلك الأديب. حاربه الاستعمار وصرعه الفقر واليتم والمرض ولم يجد ما وجده " بليك" شاعر الإنجليز لينقذه من الجنون ويعيد إليه التوازن النفسي.


    *******
    منتدى الجالية السودانية الأمريكية


    .
     
    آخر تعديل: ‏13/10/14
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمود عثمان رزق..
    معاوية محمد نور يشرح العقلية اللاتينية ويسأل



    معاوية نور ذلك الفتى المجهول هو أحد عباقرة السودان فى النقد الأدبيونجم لامع فى سمائه و فيلسوف أرسله الزمان مبكرا لأهل السودان وأخذه مبكرا لحكمة يعلمها مالك الملك وحده!
    فمن هو معاوية محمد نور؟؟
    ولد معاوية عام 1909 فى امدرمان فى بيت عز وثراء وجهاد وعلم، وقد كان خاله الدرديرى محمد عثمان رائدا من رواد الحركة الوطنية السودانية التي قادت البلاد للاستقلال وأول قاض للمحكمة العليا فى البلاد. وفى هذا الجو الأسري المشبَع بالنضال والعلم نشأ الفتى محبا للعلم ، محبا لوطنه، عزيز النفس متطلعا للثريا وقد جعل من خاله مثالا يحتذى. وحينما أتم دراسته الثانوية قبل لدراسة الطب بكلية غردون التذكارية، وقد كانت كلية الطب وقتها حديثة التأسيس محدودة العدد لا يتجاوز طلابها العشرات من النوابغ. فدرس فيها عامه الأول إلا أنّ نفسه الأديبة ضاقت بدراسة الطب ومنهجه التجريبي فقرر أن ينتقل من كلية الطب لكلية الآداب لتحقيق رغبته ويمشي مع ميوله الفطرية، ولكن بضغط من خاله وأهله واصل الفتى دراسة الطب لعام ثان فازداد بعد ذلك العام يقينا أنّه لم يخلق ليصبح طبيبا يداوى الناس، فهرب من أهله صوب القاهرة ومنها سافر لبيروت بموافقة خاله الدرديري حيث التحق بالجامعة الأمريكية لدراسة الآداب فيها. ومن بيروت بدأ معاوية رحلة المتاعب الفكرية التي استلذها وكان يبحث عنها عمدا ويصرّ على ولوج نارها مستعذبا لعذابها! من بيروت بدأ معاوية يراسل المجلات والصحف المصرية فنشرت له مجلة “الهلال ” و”الرسالة” و “السياسة الاسبوعية” و”جريدة مصر” و “البلاغ الأسبوعي” و “المقتطف” و “الجهاد” مقالات رصينة لفتت إليه أدباء مصر العظام.وبعد تخرجه في بيروت رجع لمصر لأن المستعمر قد توعده وأرهبه وأغلظ عليه لئن عاد للسودان ليسجننَ ويكن من الصاغرين، فلجأ معاوية للقاهرة وواصل حياته فيها يرتاد آفاق الفكر ويشارك فى صوالين الأدب التي يعقدها كبار الأدباء متحدثا ومستمعا ومناظرا شرسا.
    ومع كل هذه العظمة الفكرية والمجد التليد فقد كان معاوية يصارع من أجل لقمة العيش فكثيرا ما غالب الجوع والفقر وهو غير مكترث طالما وجد كتابا يقرأه! فقد كانت الكتب هي أهله وجليسه وطعامه وشرابه! واستمر فى حاله ذاك حتي احترق ذهنه ووهن جسده فسقط فريسة لمرض نفسي وعقلي قاده كرها أو طوعا لمصحات مصر العقلية ليقضي فيها أمرا كان مفعولا. ومن مصر نقل إلى السودان فظل بين أهله فترة لم يتحسن فيها حاله فأسلمنه خالاته لفكي ليعالجه! وتحت أذى سياط الفكي فى وادي الدجل والجهل لحقت روحه الطاهرة بعقله الفذ الذى فرَ قبله من عالم الشهادة ليلتحق باخوان له فى عالم عبقر فى قلب عالم الغيب. نعم فرّ عقل معاوية قبله لأنَ جسمه النحيل ثقلت عليه حمولة ذلك العقل الجبار وتلك الروح العظيمة الكبيرة معا! فأنهكت تلك الحمولة جسمه قبل أن تنهكه سياط الدجل وكآبة المنظر من حوله،فتوفى مظلوما مهموما منهكا فى عام 1941 وعمره 32 عاما فى ريعان شبابه ،فبكى عليه العقاد بكاء حارا ، وجاء للسودان قاصدا أهله وقبره متيما بحبه فقال في يوم تأبينه : “لو كان معاوية حيّا لكان نجما مفردا فى عالم الأدب العربي”، وكأني بالأديب العملاق المازني وتلاميذه قد فرحوا بنبأ موته –وإنّ بعض الظن إثم – لأنه قد فضح المازني وأبان للملأ سرقاته الأدبية فى مقال رصين محكم البناء، وسنتعرّض لهذا الموضوع فى مقال آخر بإذن الله، لاننا فى حاجة ماسة لفضح “الفساد” الأدبي والأكاديمي وقد رأينا بأمّ أعيننا المازني يتمدد ويستنسخ نفسه في عصرنا هذا وفي بلدنا هذا بصورة مزعجة.
    ذلكم هو معاوية باختصار شديد.
    وإليكم الآن ما قاله معاوية بشأن العقل اللاتيني:
    يقول معاوية فى مقال له بعنوان “الثقافة اللاتينية: هل هي خير لنا من غيرها؟
    ” الثقافة اللاتينية (يقصد بها ثقافة شعوب شبه جزيرة إيبيريا وجنوب غرب فرنسا وجنوب وسط إيطاليا وجنوب اليونان وجزر البحر الأبيض المتوسط من الناحية الأوربية)من ثقافات العالم المعدودة، لا شك فى ذلك ولا ريب. وهي ككل ظاهرة لها خصائص ناتئة تشير إليها وتعطيها طابعها وتسهل أمر الحديث عنها للعارفين الدارسين، فما هي خصائص الثقافة اللاتينية إذن؟
    أول خصائص الرجل اللاتيني أنّ له عقلية يقظة ذكيّة تلمح ألوان الحياة ودقائقها وتفاصيلها، ويثبت كل ذلك فى الفن (أي فنه) المكتوب أو المخطوط، وتعطيه من لذة الحياة وإندفاع الشعور ومسرات الساعة ألوانا صافية مشرقة. و”حكمة الحياة” عند الرجل الفرنسي أو الطلياني إنّما هي فى لذة الحياة، فالعقلية اللاتينية متوفرة الشعور دائما، متحفزة الفكر وعندها القدرة على الاستمتاع بالحياة ولمح الدقائق، والاسترسال مع مطالب السلعة ونزوات القلب والفكر. يعدل من هذا الاتجاه نزعة منطقية فكرية محضة ، تعبد الوضوح وتعرض كل شيء فى دقة حسابية لا مكان للمجهول أو الغامض، أو العميق الملتوي، أو الرمز من مكان فيها. فالادب والفن والفلسفة اللاتينية ترى فيها هذه الخصائص أكثر مما ترى. هذا هو لونها الغالب المتسيطر ، ومرجع هذا اللون هو المزاج اللاتيني وطبيعة تكوين الشخصية اللاتينية.
    فالشعوب اللاتينية تنظر إلى الحياة – ويرجع ذلك الصدى فى ثقافتهم فى الأغلب والأعم – نظرة اللاهي المرح الذي يديم النظر في (كلايد وسكوب) حياة بلذة واستمتاع ويرى الأشياء في لحظات خاطفة، ولا يؤمن بالواجب و “الرواقية” والنظر إلى الحياة نظرة الجاد المتجهم الذي ينظر للحياة وكأنها ميدان قتال شأن الأنجلو ساكسون (الانجليز والألمان)، ولكنه أقرب لأن ينظر إليها وكأنها فراش من الورد كل ما فيه ملذ ، وهم يؤدون أعمالهم وكأنهم يلعبون أو يتحادثون.” .
    وبعد هذا التحليل العميق لعقلية الإنسان اللاتيني ينتقل بنا معاوية نور ليربط هذه العقلية بعقلية شعوب البحر الأبيض المتوسط العربية، وهو يرى أن البحر الأبيض المتوسط هو القاسم المشترك بين العقليتين لجوارهما له. يقول معاوية مواصلا :
    ” وباختصار فإنّ العقلية اللاتينية تشبه عقلية أكثر الشعوب الشرقية، خاصة ما كان منها على البحر الأبيض المتوسط مثل مصر. فإجادات اللاتينيين ليست بغريبة عنا. كما أن ما يؤخذ عليهم عادة من خصال وخصائص يمكن أن يؤخذ علينا أيضا، وهنا وجه الشبه. وذلك راجع من غير شكّ إلى أثر الإقليم فى المزاجين. فنحن نفهم الفن الإيطالي أو الفرنسي بأقل عناء مما نفهم به الفن الألماني أو الإسكندناوي مثلا ، لأنّ ذلك (الفن اللاتيني) إلينا أقرب وبنا أشبه.”
    وبعد هذه المقاربة بين الأمتين الشرقية البحر أوسطية واللاتينية يقفز الكاتب ليطرح أسئلة فلسفية فيقول :
    “هذه هي المسألة، فهل نحن نربح فكريا بدراسة فكر يشبه فكرنا ، وتقرب أمثلته العليا من أمثلتنا ، ونشترك معه فى أهمّ الميزات والخصائص؟ أم نحن أقرب إلى الصواب الفكري بدراسة ثقافة وفكر يختلفان عن ثقافتنا وفكرنا فى أهم الخصائص والسمات؟.
    والجواب على هذا السؤال ليس مما يسهل أمره، بل هو من الصعوبة بمكان كبير!
    هل نضيف إلى محصولنا الثقافي وإلى نمونا الفكري بدراسة ثقافة وطرائق فكرية لا ننكرها بل لا يبدو عليها وجه الغرابة لدينا، وهل “المِثلُ” يعين “المِثلَ” أكثر ويساعده على تفهم نفسه ونموه الفكرى أم أن “الضدّ” أو الشيء المختلف أقمن بالدراسة وتكميل أوجه الضعف ومعرفة أوجه النظر الأخرى؟”
    وهنا يقف معاوية هنيهة متأملا ثم يقول بكل شجاعة وصدق:
    “أعتقد أن دراسة البعيد عنا، الغريب عن طبعنا ، أحرى بأن يفيدنا فى الخلق والشخصية ، ولكنني لا أستطيع الجواب على هذا السؤال من حيث الفائدة الفكرية وفهم الأشياء.
    وأقرب الأسئلة التي ترد إلى الذهن فى هذا المضمار هي:
    لماذا نغيّر وجهة فهمنا إلى الأشياء؟ وهل من خير فى ذلك؟
    وهل من الطبيعي المأمون العاقبة للتقدم الفكري أن نقحم على مزاجنا مزاجا آخر؟
    تلك بعض المسائل، وحسبي أن أفتح هذا الموضوع لأدبائنا ومفكرينا، خاصة رجال الجامعة المصرية الذين يقومون بمهمة تثقيف النشأ المصري.”
    كتب ونشر معاوية هذا المقال فى مصر فلذلك خاطب به المفكرين والأدباء المصريين، ولكن السؤال أيضا مطروح للمفكرين والأدباء السودانيين بقوة. هل من الطبيعي المأمون العاقبة للتقدم الفكري أن نقحم على مزاجنا مزاجا آخر؟ وهل “المِثلُ” يعينُ “المِثلَ” أكثر ويساعده على تفهم نفسه ونموه الفكرى أم أنّ “الضدّ” أو الشيء المختلف أقمن بالدراسة وتكميل أوجه الضعف (فينا) ومعرفة أوجه النظر الأخرى؟
    فهل من مجيب يا أصحاب الفخامة؟؟

    سودارس


    .
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    إدوارد عطية
    تلميذي معاوية محمد نور
    ترجمة وتقديم : محمد وقيع الله





    وأما أبرز طلابي على الإطلاق فقد كان الشبل الواعد معاوية محمد نور ، و هو الفتى الذى جاء أداؤه الفكري اللاحق بمستوى متفوق وغير معهود على الإطلاق ، وانتهى نهاية مذهلة كذلك في مواجعها وإخفاقاتها . كان فتىً ناحلاً ، حسن المنظر ، له من العمر ثمانية عشر عاماً حينما التقيته أول مرة وهو طالب في السنة النهائية بالكلية ، ولقد جذب انتباهي منذ اليوم الأول حينما رأيته يستشهد بمقتطفات من كتابات برنارد شو وأناتول فرانس . ولقد حسبته بادي الرأي أحد أولئك الذين يستعرضون بضاعة مزجاة من المعارف السطحية ، ولكن لدهشتي العظيمة فإني لما عجمت عوده ألفيت أن معرفته بآراء ذينك الكاتبين عميقة حقاً وتستند إلى قدرة عقلية ونقدية كبيرة .

    انحدر معاوية من أسرة قديمة مرموقة تنتسب إلى أصول عربية ، وقد اعتلى جده مكاناً علياً في حكم المهدي ، وعمل أحد أعمامه قاضياً في العهد الإنجليزي . وبسبب من تبريزه الكبير في طليعة جيله فقد تم اختياره معاوية بواسطة سلطات الكلية للعمل في المجال الطبي ، ومنح قبولاً مجانياً بمدرسة كتشنر الطبية التي كانت قد أنشئت قبل فترة قصيرة ، وخص بالقبول بها أذكى وأبرع طلاب كلية غوردون .

    ولكن ميول معاوية لم تكن لتنسجم مع ذلك الخيار الأكاديمي و المهني في شئ ، إذ لم يكن يعدل بميوله الأدبية الأصيلة أي لون آخر من ألوان الدراسة ، حتى ولو كان ذلك هو درس الطب الذي بإمكانه أن يلبي له ولأي طالب سوداني آخر أقصى ما يتمنى من الأماني ، وهو الحصول على وظيفة دائمة كطبيب في خدمة الحكومة .

    وربما كان معاوية هو الوحيد في جيله الذي لم يعد التعليم بالنسبة إليه مجرد باب يقود إلى الوظيفة الحكومية . كان معاوية يتطلع إلى التعليم من أجل نيل المعرفة وحسب ، و بقي مع هواه القديم في دراسة الأدب الإنجليزي ، ولكن لم تكن بالسودان جامعة تقدم مقررات منتظمة في ذلك المساق ، وهكذا كانت دراسته لذلك الأدب الذي يشتهيه ستنقطع بعد إنهائه لتعليمه بكلية غوردون .

    وعند مغادرته كلية غوردون انحصر خياريه في أن يصبح موظفاً حكومياً صغيراً في السلك الكتابي ، أو أن ينخرط في دراسة الطب بمدرسة كتشنر الطبية ، و ذلك بعد أن انهار خيار ثالث بقرار سلطات كلية غوردون أن خريجها المرموق معاوية لا يصلح أن يصير ناظر مدرسة في مقبل أيامه . وإزاء إصرار معاوية على عدم قبول المنحة المجانية لدراسة الطب ظن به الناس الجنون ، إذ كيف يضيع على نفسه تلك الفرصة النادرة التي ترفرف بأحلام أترابه في أن يصبحوا أطباء يشار إليهم بالبنان . كان معاوية في هذا الموقف المتأبي العجيب ظاهرة لم يشهدها السودان من قبل . كان موقفه المركب البالغ التعقيد شيئاً ناجماً عن أعماق خصائصه الوراثية ، ثم انبعث إلى بيئة ثقافية وحضارية غير مواتية . ومهما يكن فقد وافق معاوية أخيراً ، على مضض ، على أن يجرب حظه في دراسة الطب .

    ولكن قبل ذلك بكثير كان قلب معاوية قد توجه تلقاء ناحية قصية ، إذ استولت على لبه دراسة الأدب الإنجليزي ، وهفا قلبه نحو الغرب , إن معاوية هو بلا أدنى ريب أول سوداني يحقق اتصالاً عقلياً وثيقاً بروح الغرب على هذا النحو . هذا الفتى العربي الإفريقي اليافع الذي لم يكن حينها قد عبر حدود السودان قط ، والذي قضى سالف عمره يعيش في باحة بيت عتيقة ، ما تمكنت نساؤه من نيل تعليم من أي نوع أو مستوى ، ولا من مجرد إجادة القراءة ، ولو في اللغة العربية ، وجد له بيتاً روحياً في قلاع الأدب الإنجليزي الشامخة !

    و حالة معاناته تلك كانت شبيهة يتجربتي الخاصة في هذا المضمار ، ولكن حالته مع ذلك كانت أشد إغراباً من ناحية ، وأكثر إمعاناً في التطرف من ناحية أخرى . إن الفوارق بين ملجئه الروحي والتربة التي درج عليها ، أو بين وطنه وأسرته والتقاليد التي انتمى إليها ، وبين العالم النائي غير المرئي الذي ظل يتصل به بقوة عن طريق نشاطه الذهني الماضي وعاطفته الروحية الفياضة ، كانت فوارق حادة بكل معنى ، وأشد حدة من تلك التي عبرتها أنا بكثير .

    تجسمت تلك الفوارق في أن معاوية مسلم الديانة ، وأسود البشرة ، و لم يكن عربياً فقط ، وإنما عربياً داكن اللون ، وأما بلاده فلم تتمتع بثقافة حقيقية أصيلة ، وإنما بنماذج ضيقة اشتقت التقاليد الإسلامية في أوان انحطاط الحضارة الإسلامية . ولتقريب صورة تلك الوضعية التي عاش معاوية في ظلها ، و لكي نتصور حجم الخليج الهائل الذي كان يحاول أن يعبره ، تصور وجوده في صميم منزل أسرته بأم درمان ، محاطاً بأمه وعماته وخالاته وأخواته وبنات عماته وخالاته ، اللائي حيل بينهن وبين مجتمع الرجال ، ولم ينظرن قط إلى رجل غريب ، ولبثن طوال أعمارهن يرزحن في قيود الجهل والأمية ، ولم تتسع أذهانهن ولا تجاربهن لشيئى وراء حقائق ومتطلبات الحياة " البيولوجية " الصرفة كالإنجاب والختان والزواج والحمل والطلاق والموت والنياحة ، والطبخ والزينة . تصور شُخُوصه مادياً في وسط كذلك ، وهو منصرف عنه ذهنياً بالكلية ، و هو يقرأ بينهم بنهم الفصول الشائقة من أدب جين أوستن ، وألدوس هكسلي ، ويتنفس الهواء الفكري الطلق ، هواء للقرن العشرين !

    لقد شعرت بتعاطف عميق معه أحس به ، وبادله بأن منحني ثقة وإعجاباً متوهجين من قلب شاب صغير شديد الحماسة ، يطلب الهداية ، ويعترف بالجميل لمن يبذلها له . لقد التقينا معاً في هذا العالم العظيم : عالم الأدب الإنجليزي ، الذي أتيناه من عوالم منفصلة ، و سبل متخالفة . لقد وصلت إلى هناك قبله ببعض الوقت ، وكان هو قد وصل إليه لتوه . جاء معاوية إلى هنا من مناخ مختلف بالكلية عن مناخ الأدب الإنجليزي ، وصعبت عليه من ثم المواءمة بينهما ، هذا بينما تمكنت أنا من المواءمة بدون أن يشق على الأمر كما شق عليه .

    إنني أستطيع أن أعيش هنا في السودان إلى أمد غير محدود في كثير من اليسر و الرغد والهناء ، وأستطيع - إن تحتم علي – أن أرجع إلى وطني في لبنان وأعيش هنالك ، ولو على مستوى أدنى من الحيوية والنشاط الذهني . ولكن هذا الغريب غربة كاملة والذي أخذ يستنشق بعاطفته الحادة هواء الأدب الإنجليزي ، هل تراه يستطيع الصمود بلا تراخٍ ، والمضي قدماً بلا تراجعٍ نحو ما نصبه لنفسه من هدف قصي لا يزداد عنه مع مرور الوقت إلا نأياً ؟ !

    و بعد شهور قلائل من التحاقه بمدرسة كتشنر الطبية جاء معاوية يزورني ويتحدث إلي ، وأثناء حديثه ألقى عدة أسئلة عن الجامعات الخارجية وشرائط الالتحاق بها ، و المصاريف الدراسية ونحو ذلك من الأسئلة . وبعد أسبوع واحد من ذلك اللقاء تنامى إلي علمي بأنه قد هجر دراسته الطبية بمدرسة غوردون ، وانسرب خفية إلى مصر . وقد شقّ الأمر على أسرته وهالتها محاذيره الخطيرة ، لأن الانتماء إلى مصر أو الانعطاف إليها ، كانت بمثابة معرّة كبرى في نظر الإدارة البريطانية للسودان .

    و تزايدت خشية أسرته من أن يعتبر معاوية الفار من أجل مواصلة تعليمه العالي بمصر ، في عداد الناشطين السياسيين الخونة بنظر المسؤولين الإنجليز ، وقد كان الاحتمال كبيراً أن يظنه الإنجليز متمرداً سياسياً ، لا طالباً متشوقاً لإكمال دراسته في الأدب الإنجليزي . و مما زاد في مخاوف أسرته أن معاوية بفراره عن السودان قد فقد أي فرصة في المستقبل للالتحاق بالوظائف الحكومية . ولذلك ذهب خاله لمقابلة مدير المعاررف بحكومة السودان ، معلناً عن شجبه القوي لمسلك ابن أخته وجحوده ، ومتعهداً بأن يذهب بنفسه إلى مصر على التو ليحضر هذا الشاب الغبي بالقوة إذا لزم الأمر !

    استجاب مدير المعارف لرجاء حار من خال معاوية والتزم بأن يحفظ للفتى الشارد مكانه بمدرسة الطب ريثما يعود ، وهكذا حزم الخال أمره مسافراً إلى مصر للإتيان بابن أخته ، وهنالك طلب مساعدة وزارة الداخلية قائلاً إنه يريد القبض على ابن أخته القاصر ليعيده إلى السودان ، ولم تبخل وزارة الداخلية المصرية بإسداء العون ، فأصدرت أوامرها باعتقال معاوية ليلاً ،وإيداعه قسم الشرطة حتى يأتي خاله فيستلمه في صبيحة الغد ، ومن هناك دفع به إلى قطار الصعيد فإلى الخرطوم .

    ولكن معاوية كان قد صمم على هجر دراسة الطب نهائياً ، وعلى رفض قبول أي وظيفة في السلك الكتابي الحكومي ، عاقداً العزم على الالتحاق بأي جامعة تقدم دراسات متخصصة في الأدب الإنجليزي . و لما كان خال معاوية صديقاً لي ، وكان يدري أن لي تقديراً جيداً لابن أخته ، وأن لي بعض النفوذ الأدبي على شخصيته ، فقد اتجه إلي لأكون محكّماً في المستقبل الدراسي لابن أخته . و أتيا معاً إلى مكتبي حيث عقد اجتماع مهيب ناقشنا فيه ملياً مصير الفتى معاوية الذي عبر عن رغبته الحارة في الالتحاق بالجامعة الأمريكية في بيروت ، قائلاً بأن أسرته مقتدرة مالياً على أن تبعث به إلى هناك . واعترف العم بقدرات الأسرة المالية ، إلا أنه اعترض على الأمر في جملته قائلاً بأن ذهاب معاوية إلى بيروت سيفقده مهنته المرتجاة ، كما سيفقده أي تعهدات حكومية بإعطائه وظيفة أخرى . وأجاب معاوية بأنه لا يريد أي ضمانات حكومية بالتوظيف في أي مجال ، وأنه قادر على أن يكسب عيشه بوسيلة أو بأخرى عندما يتمكن من نيل درجته الجامعية في الأدب الإنجليزى .

    وهنا أشار الخال إلي لكي أصدر حكمي في النزاع المحتدم . عندها خامرنى إحساس عارم بأني أستعيد تجربتي القديمة الخاصة التي دامت لأربع سنوات قبل أن يخوض معاوية التجربة نفسها ، لقد أدركت ما يدور بدواخل معاوية لأنني خبرت ذلك الشوق الشائق والتوق المحرق من قبل . كنت ألمح مخايل أحلامه الوردية المتألقة في عينيه ، وفي نظراته التي ترنو إلى أفق قصي .

    أما الخال ، فقد كان صديقاً رصيناً ، لم يكن قاسِ القلب ولا ضيق العطن ، كان عقلانياً واقعياً ، يفكر في إطار القيم النسبية ، ويوازن بين الإيجابيات والسلبيات ، ويتدبر العواقب ، ومستقبل الوظائف والمهن وقضايا المعيشة .

    أما معاوية الذي كان مشحوناً بالعواطف فإنه لم يعر أياً من تلك الاعتبارات العملية اهتماماً يذكر . لم تشغل اهتمامه إلا قيمة واحدة مطلقة ، وغاية مفردة ظل يسعى لتحقيقها بغض النظر عن أي عواقب يمكن أن تعترض طريقه أو تكبل خطوه . تلك هي غاية تثقيف العقل وتطوير الذات حسب المسالك و الوسائل التي اختارها هو ولا يخترها له أحد من الناس . لقد أراد معاوية أن يحقق ذاته قبل أن يحقق أي غاية أخرى من غايات الحياة التي تشغل الناس وتقتصر مساعيهم عليها ، مثل غايات تأمين المطعم ، والملبس ، والمسكن . وتقديراً لتلك العزيمة القوية الماضية ، فقد أعطيت حكمي أخيراً لصالحه ، وقبل أهله بحكمي و ارتضوه ، و هكذا كان معاوية بعد أسابيع قلائل يشق طريقه متوجهاً إلى بيروت .






    نصر و هزيمة :

    بالرغم من أن لنا الآن أصدقاء إنجليز عديدين أمسيت أحس وأنا بينهم وكأني في ديار أهلي ، إلا أنني لم أنضم إلى دائرة المجتمع الإنجليزي ، وبالتأكيد فإني لم أشأ أن أنضم إلى تلك الدائرة قط . ولم نشأ – أنا وزوجتي جين – أن ننضم إلى أي دائرة اجتماعية محددة ، أو أن نغلق أنفسنا في إسار حلقة قومية ضيقة رتيبة .

    كنا نهوي صنع الأصدقاء من كل صوب وحدب حتى نعيش في مجتمع كوني متسع الأبعاد ، وقد أفلحنا في ذلك المسعى كثيراً ، حيث أنشأنا علاقات صداقة واسعة مع بعض مواطنينا اللبنانيين ، وذلك من غير أن نلزم أنفسنا بالانضمام إلى مجتمعهم اللبناني ، وأنشأنا علاقات صداقة وطيدة مع مواطنين مصريين ، وإغريق ، وأرمن . وأهم من ذلك كله تلك الحلقة الواسعة التي كوناها من الأصدقاء السودانيين .

    بعض أولئك السودانيين الذين صادقناهم كانوا أصدقاء لأبي من قبل ، ولكن كثرتهم الكاثرة كانت من ضمن تلاميذي الذين توليت تعليمهم بكلية غوردون التذكارية ، أو الذين تعرفت عليهم من خلال عملي هناك , كانوا جميعاً لطيفين أنيسين ، شديدي الود والترحاب ،سجيتهم مبادلة الصدق بالصدق بقلوبهم الدافئة التي لا تعرف التحفظ أو التحرج أو الانغلاق .

    ولم يعد صعباً على زوجتي " جين " وعليّ أن نتعامل مع ذلك العدد الجم الغفير من الأصدقاء ، فقد أجادت اللغة العامية السودانية ، وبرعت في التعامل مع السودانين حسب تقاليدهم المحلية ، وطورت ذوقاً لاستطعام و استطابة الطبق الشعبي السائد الذي يدعى : “Kisra and Mulah” وأصبحت بذلك ذات شعبية ضاربة وسط أولئك الأقوام .

    وما كانت من عادة نساء السودان أن يختلطن بالرجال عندما نذهب لزيارتهم في دورهم . ولكن " جين " كانت تتخذ طريقها إلى جناح الحريم فور انقضاء مأدبة الغداء ،وتقضي وقتاً طيباً في الحديث إليهن بعامية سودانية طليقة يتطرق فيها الحديث إلى المعهود من مسائل الأطفال ، والقضايا البيتية ، و شؤون التفصيل والخياطة و أمور النساء من هذا القبيل .

    هكذا عشنا بالسودان حياة غنية بتنوعاتها وربما بما اكتنفها من متناقضات حادة ، ولكننا مع ذلك استمتعنا بها متعة لا حد لها . كانت حياة من صنعنا نحن ، أجدنا صناعتها لأنفسنا بمواصفاتنا الخاصة ، ولم نجدها مهيأة لنا أصلاً بهذا التكوين هناك . وبانغماسنا في ذلك النمط الحياتي الفريد ، هدأ التوتر ، بل ذاب و غاب عن حياتنا في الخرطوم ، ذلك التوتر الذي كان مبعثه صراع الأصول والأعراق والقوميات .

    ومن بين السودانيين جميعاً كان أعظم أصدقائي وما يزال هو تلميذي القديم معاوية محمد نور . لقد حافظت على اتصالي به خلال السنوات الثلاث التي قضاها بالجامعة الأمريكية ببيروت يعمل لنيل درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي ، وكنا نلتقي كل صيف إما في لبنان أو في رحاب السودان . وقد تابعت بسعادة غامرة تحقيقه لحلمه الدراسي وتنامي قوته الفكرية من عام لآخر . ولدى تخرجه من الجامعة الأمريكية توجه معاوية تواً إلى مصر آملاً أن يتمكن من كسب عيشه من خلال عمله ككاتب يزود الصحف والمجلات المزدهرة هناك بالمقالات الأدبية من دون أن يكون محرراً رسميا ًفيها .

    هكذا انتهى مدفوعاً بحماسته العقلية إلى عالم الحياة الأدبية في تلك المدينة العظيمة التي ظل يتشوف و يحلم بالوصول إليها وهو بعد في منزله بأم درمان ، وهو بعد يعانى من دراسة الطب على غير إرادته ولا هواه في الخرطوم . لقد تمكن معاوية أخيراً من تحطيم كل الأصفاد التي كانت تثقل خطاه : معارضة أسرته لرغباته الدراسية ، و تعسف السلطات الإدارية ، وإغراء مناصب الخدمة الحكومية !

    هاهو معاوية وهو في الحادية والعشرين من عمره ، شاب صغير من قلب أم درمان ، يحمل إجازة البكالوريوس في الآداب من جامعة بيروت الأمريكية ، و يعيش حراً في مدينة القاهرة العظيمة ، التي تنتظره بما كان يرنو إليه بخياله من حياة الفكر و الأدب والفن ، بعليّاتها ، ومقاهيها ، وأحيائها التي تشبه الحي اللاتيني الباريسي مقطونة بأمثال "إميل زولا " و " صمويل جونسون " و " دوستويافسكي " ، وبما كانت تزخر به من أمجاد العقل ، وبؤس الواقع المادي المعاش .

    هنالك بدا الشاب السوداني الصغير الناحل الداكن البشرة ، بطموحاته المتأججة في عينيه الوهاجتين ، والطرب البادي في ثناياه شديدة الابتراق ، ومثاليته العنيفة ، وعاطفته المحترقة من أجل العمل الأدبي ، وحجم قراءاته الضخم المذهل ، وذهنه النشط الفياض ، بدا بذلك جديداً كل الجدة على الأوساط الأدبية المصرية ، واجتذب لتوه انتباه الكاتب المصري عباس محمود العقاد ، الذي رحب به في حلقته الأدبية ، و من ثم وطبقت شهرة معاوية الآفاق .

    لقد أكسبته مقالاته الأدبية التي دأب فيها على تطبيق موازين النقد الأوربي على الأدب العربي نفوذاً طاغياً على الأوساط الأدبية المصرية ، واعترف كبار الكتاب بالقيمة العالية للآراء التي بثها في مقالاته الدسمة . وقد سعد معاوية بذلك الإطراء لبعض الوقت . سعد بانتصاره الروحي كما سعد بحياة التقشف المادي التي كان يحياها هناك ، حيث كان يقيم في غرفة صغيرة على سطح بناية بمدينة الشمس " مصر الجديدة الحالية " وسط أوعية و متاع قليل ، وأكداس كثيرة من الكتب والأوراق المتناثرة على مزاج خليق بأن يتحلى به فنان أصيل كمعاوية محمد نور !

    واكتفى بتناول وجبات قليلة هزيلة حيث ظل يقتات بالخبز والجبن في معظم أيامه ، وأحياناً كان يبيت على الطوى ، حيث لا يجد حتى الخبز و الجبن ! ولكنه ظل فخوراً بكل ذلك إلى حد الانتشاء ، ألم يحس إميل زولا بلذع المسغبة من قبل ؟ ! إن تلك هي التقاليد الإنسانية الأصيلة الفاضلة في نظر معاوية : أن يحس الإنسان بانتصار عقله و تساميه بينما يتهاوى جسمه من أثر المسغبة و اللُّغُوب !

    ولكن ما أسرع ما أخذ الجسد المهان ينتقم من صاحبه شر انتقام ، فقد طغى الهزال و سادت آثار سوء التغذية عليه . لم يعد مردود معاوية المادي من نشر مقالاته المعجبة كافياً للصرف على غذائه ولو كان من الخبز و الجبن ، ولم يبق ثمة رجاء أو أمل في تحسن الحال ، فقد بات من المحال أن يكسب المرء رزقه في مصر من مجرد الكتابة للصحف والمجلات . و هكذا تتأخر العلة كثيراً إذ هبطت على معاوية وهو مقيم في حجرته العلوية ، ولم يجد ما يكافحها به من غذاء أو دواء أو رعاية من أحد ، ما عتّم الاكتئاب أن هاجمه ، وتبدد في خاطره تباعاً كل ما كان يراوده من أمجاد الأدب والفن .

    ولبضعة أشهر واصل معاوية صموده وهو على تلك الحال ، واستدان بعض المال من أصدقائه ثم اجتلب عوناً آخر من أسرته بأم درمان ، ولكنه في النهاية خضع لظروف و شروط الخطب الداهم ، واستجاب لحضّ عمه له بالرجوع إلى السودان ، والبحث عن وظيفة مناسبة من الوظائف الحكومية ، لا سيما وأنه قد حقق طموحه بإكمال تعليمه الجامعي ، وبالتالي فقد فقدت حجته القديمة في رفض الوظائف الحكومية بعض وجاهتها القديمة .

    إنه وقد أصبح جامعياً الآن يمكنه أن يحصل على مقعد تعليمي ، أو منصب إداري مريح ، يتيح له مواصلة عمله الأدبي إن لم يكن بصورة خالصة ، فعلى الأفضل بصورة عمل ثقافي وإنساني عام . إن أمن الوظيفة ورفاهيتها يمكن أن يمنحه وقتاً كافياً يكرسه للكتابة ، و تتحقق كل آماله على نحو مريح بالسودان .

    وانسياقاً مع تلك الآمال الخلّب انقلب معاوية إلى السودان ، ولبث لعدة شهور يبحث عن وظيفة حكومية محترمة . وفي تلك الفترة تَاحَ لي أن التقيه مراراً ،حيث أُخذت كثيراً بنضجه العقلي واستقامة آرائه . لقد كان معاوية قومي التفكير ، بيد أن قوميته كانت من نوع جديد على الأوساط السودانية . كان معاوية قومياً عقلانياً بناءً ناقداً لا يتردد في التبرؤ من الإثارة العاطفية العمياء المعادية للغرب ، و من تلك الرغبة التجريدية الفارغة والملحة في طلب الاستقلال القومي وكأنه غاية في حد ذاتها ما وراءها من غاية أخرى أبر و أهم !

    ومدفوعاً بطبيعته الجدية أدرك معاوية أن الراية القومية مجرد شعار لا يعطيه معنى وتبريراً إلا إذا أدى إلى تمليك الناس قوة حقيقية ، وبوأهم مكاناً مرموقاً في سجل الإسهام الحضاري العالمي ، وبهذا المقتضى يكون الاستقلال وسيلة لتلك الغاية ، وما لم تظهر غاية كبرى يحققها الاستقلال القومي ، فإن الشعب لا يستحق أن ينال استقلاله ، وإنه أن تأتي له أن ينال الاستقلال ، فإن ذلك الاستقلال سيكون بلا معنى بالتأكيد !

    أراد معاوية للدعوة القومية أن تبدأ بإبداع وإنجاز خطط جيدة للتنمية الاقتصادية ،والتقدم الثقافي ، والإصلاح الاجتماعي ، قبل أن تنفجر في شكل تمرد ضد السيطرة الخارجية .و لم يستبطن معاوية مشاعر كرهه للإنجليز ، بل كان معجباً بهم إعجاباً عظيماً لقاء ما كان يراه بعينيه الصافيتين ، اللتان لم يحل ضباب العاطفة دون نفاذهما لرؤية صفات الإنجليز ، ومؤهلاتهم ، وأدائهم العملي في تعمير السودان .

    ذلك الإعجاب هو الآخر لم يكن إعجاباً أعمى ولم يحل بين صاحبه وبين نقد أخطاء الإنجليز نقداً إيجابياً متسامحاً . وعلى العموم فقد كان معاوية مقتنعاً بأن إنجلترا ملكت من الأفكار والثقافة والمؤسسات قدراً عظيماً قيماً يمكن أن تجلبه إلى الشرق ، وكان متلهفاً إلى أن يحظى السودان بقسط وافر مما حظي به الإنجليز .

    هذا طرف من القضايا التي دأب معاوية على أن يثيرها في نقاشه معي عندما كان يزورني بانتظام في غدواته إلى مكتبي , و كان يكرر الطرق على تلك القضايا بأقدار متطاولة تدعو إلى السأم في بعض الأحيان ، و يسهب في تحليل الحركة الإمبريالية و مختلف الدعاوى القومية ، ويستشهد بمقتطفات من أقوال لوجارد Lugard ، وجوليان هكسلي Julian Huxley ، و يضحك كثيراً عندما يستغرقه تعقب أصول تلك القضايا ،وتبرق ثناياه العذاب . وذلك ملمح آخر من ملامح شخصيته حيث كان يوازن حماسة طبعه وجديته المفرطة بحسٍ فكاهي عظيم . لقد تمتع معاوية حقاً بقدر وافر من الذكاء ، حتى من خويصة نفسه . فكثيراً ما كان ينفجر ضاحكاً بصورة فجائية في غمار حديث حماسي له في شأن من الشؤون العويصة المحتدمة .

    ثم جاء حدث غير متوقع حيث فشل معاوية في الحصول على الوظيفة التي كان يبتغيها عند عودته إلى السودان ، إذ رأت فيه الحكومة شخصاً مزعجاً ، ورفضت إدارة المعارف طلبه ، إذ قدرت عدم ملاءمته لوظيفة التدريس !

    وكانت المقابلة التي انعقدت له مع الموظف الكبير الذي تولى تقويمه نحسة الحظ من كل النواحي . ذهب معاوية إلى مقابلة ذلك المسؤول الكبير بإدارة التعليم وهو يرتدي ربطة عنق عالية صفراء اللون ، جلبت تأثيراً مدمراً على نفسية ذلك البيروقراطي العتيق . وتحدثنا معاً عن بعض قضايا الأدب الإنجليزي ، و تشعب الحديث فعرجنا على أدب صمويل جونسون الذي كان معاوية يعرفه معرفة عظيمة ، بينما كانت معرفة الموظف البيروقراطى الضخم عنه ضئيلة وعرضية .

    وإزاء إحساس الموظف الكبير بالعجز الفكرى و الأدبى ، وحرج الموقف تجاه الفتى الذي يختبره نحا منحىً التفافياً ، وتعمد الإفضاء بقول فضفاض يداري به جهله المزري فقال : إن جونسون ولد قبل أوانه ! وكان ذلك القول كافياً لكي يكتشف معاوية جهل الموظف و غلظة ادعائه في آن ، وصُدم معاوية لذلك القول ، بقدر ما صُدم مظهره بربطة عنقه الصفراء العالية ذوق ذلك الموظف البيروقراطي الذي يتعبد للتقاليد المكتبية ، وانتهت المقابلة نهاية سلبية ، وأخفق معاوية في نيل ما كان يطمح إليه من توظيف كريم .

    ولاحقاً عرضت على معاوية وظيفة صغيرة في إدارة المالية ، لم تكن لتلائم ميوله الفكرية والأدبية ، ولا تضع في الحسبان قيمة للدرجة الجامعية التي نالها من خارج البلاد ، فرفض معاوية تلك الوظيفة بإصرار وقرر السفر إلى مصر ، ليجرب حظه فيها مرة أخرى .

    انقلب معاوية إلى مصر يجلله شعور عميق بالإحباط والأسى والحنق على الحكومة الإنجليزية في السودان ، لحرمانها إياه من فرصة أن يحيا في وطنه ،ويخدمه في منصب وظيفي يناسب نزعاته الفكرية وتحصيله الأكاديمي . وبأثر من ذلك الكبرياء الجريح - لا بأثر قناعة صحيحة ، أو رغبة في غاية أدبية - ومن أجل أن يكسب بعض المال الذي أضحى في أمس الحاجة إليه ، والذي كانت بعض صحف القاهرة على استعداد لتقديمه له ، خدمة لدعاياتها السياسية ضد البريطانيين ، كتب معاوية مجموعة مقالات في هجاء و ذم الرجل الأبيض الذي يعتصر إمكانات السودان ويتنعم بخيرات الخرطوم .

    لم يرجع معاوية إلى مصر لمجرد أنه فشل في الحصول على وظيفة مناسبة في الخرطوم ، إنما كان السبب الأعمق إحساسه أنه سيصبح غريباً في وطنه ، وروحاً متوحدة بين أهله وشعبه . وإذا لم يكن الأديب البريطاني صمويل جونسون قد ولد قبل زمانه ، فقد كان الأديب السوداني معاوية محمد نور هو الذي ولد قبل زمانه بالتأكيد . لقد أدى بنضج معاوية الثقافي إلى أن يتسع الفارق بشكل مهول ما بينه وبين البيئة الاجتماعية والثقافية السودانية التي كان يحيا بها ، ولم يعد يجد له مرسىً أو مرفأ صالحاً هناك ، وتفاقمت مأساته إلى حد بليغ عندما لم يجد مرسىً و لا مرفأّ في أي مكان آخر !

    فحياة الفكر والأدب القاهرية التي كان يحلم بها تكشفت له عن زيف كبير . لقد منحته إثارة ومتعة روحية وعقلية كبيرة ، ولكن تلك الحياة لم تكن قائمة على تربة أصيلة سمحة ،تسمح لمعاوية بأن يضرب بجذوره في أعماقها . ففي الجوانب الإنسانية " الجُوَّانيَّة " من الحياة كان معاوية يعيش غربة ووحشة شديدة في القاهرة ، ولبث هناك بروح طائفة لا تجد لها ملاذاً إلا في العالم الخيالي للأدب الغربي , وما وجد نفسه متآلفاً إلا مع أبطال روايات وأشعار دوستويافسكي ، وتوماس هاردي ، و د. هـ . لورانس ، وألدوس هكسلي !

    و ظلت مسببات كثيرة أخرى لا تحصى تعمل خفية في تدمير معاوية محمد نور لا سيما على الصعيد النفسي ، و كان تشرده الروحي ولا شك من أقوى العوامل التي أنضجت مأساته الأخيرة . وبعد أشهر قلائل من عودته إلى مصر سمعت بأنه قد أُصيب بانهيار عصبي ، وأنه أُخذ على إثره إلى مستشفى الأمراض العصبية بالقاهرة ، وبعد أسابيع قلائل بدأ يبلَّ من مرضه ، ثم عاد إلى السودان للمرة الأخيرة ، حيث لم يعد للقاهرة بعد ذلك . لقد انضم لأسرته بأم درمان وقد قام أفراد أسرته على رغم الفوارق العقلية والثقافية الكبيرة بينه وبينهم برعايته على أتم وجه . لقد كانت رجعة حزينة باعثة على الشجى لتلك الروح المخاطرة التي كانت تجوب الآفاق ، رجعة مجللة بالفشل والعطب والرعب من مهمة استكشاف عقلي بالغ الاجتراء .

    ولبعض الوقت ظل معاوية يطوف ويجول بالمدينة ويبدو مظهره السطحي طبيعياً للعيان . وأتى ذات مرة يزورني بمكتبي كما كانت عادته في سالف الأيام . ولم أر في سلوكه بادي الرأي أي اختلاف عما كنت أعهده فيه من قبل إصابته بذلك الداء العضال، ثم لاحظت أنه يحمل كتاباً كبير الحجم في جيب سترته ، وما لبثت أن سألته عنه ، فأجاب بأنه القرآن الكريم ، ثم أبان لي عن أنه غدا يستمد منه كثيراً من الراحة النفسية ، وأنه أخذ يستكشف فيه معاني لم يسبر غورها من قبل . وتحدث يومها إلي بلغة من الإلماح الصوفي وكأنه واحد من زمرة الملهمين !

    وجاء وقع حديثه ذاك إليَّ عصيباً بل أصابني بصدمة شديدة ، لأنني كنت قد مررت بمثل ذلك الطور من الانهيار العصبي المصحوب بتجليات دينية في فترة سابقة من عمري . وقد ساعدتني تلك التجربة في النفاذ إلى الأبعاد الخطيرة لحالة معاوية . ثم أصابني حديثه بصدمة أعظم بعد ما تمادى لعدة دقائق فيه . كان معاوية يحدثني في عام 1935 وجيوش موسوليني تمزق جسد الإمبراطورية البريطانية . وبنظرة لها معناها الخفي سألني معاوية إن كان الإنجليز المقيمين في السودان قد أصابهم الرعب بعد !

    ولدهشتي البالغة فإنه لم ينتظر إجابتي بل اندفع في حديثه بلغة الشطح الإلهامي العرفانى قائلاً إن هناك رباطاً سرياً يجمع بينه وبين موسوليني والقرآن الكريم والنهاية القدرية الوشيكة للإمبراطورية البريطانية !

    وأفاض في الإلماح إلى القوى القدرية الخفية ، محاولاً أن يلقي في روعي أن في صيرورة الكوارث العالمية الناشبة يومها ما لا تدركه الأبصار ، أو بصري أنا على الأقل ، وأن موسوليني هو أداة تنفيذ لإرادة علوية لها تعاطف مع آمال ورغبات معاويةمحمد نور شخصياً ، لقد نظرت إليه وهو يفوه بتلك الكلمات ، وقد خرس لساني عن النطق ، وطفقت أرى في كيانه الجسدي المحطم وحديثه الملتوى ، بعض أعاجيب الدهاء التي يمارسها العقل البشري عندما يحطمه الواقع . فما كان ذلك الوهم الكبير الذي استولى على عقل معاوية سوى استجابته للتحدي الموجه إليه من قبل القوة العظمى للإمبراطورية البريطانية ، وانتقامه من التسلط الإنجليزي على السودان ، وثأره من الإدارة التي حرمته من نيل وظيفة يخدم بها بلاده .

    ولم أر معاوية لفترة بعد ذلك اللقاء ، إذ لم يحضر لزيارتي ، كما سمعت بأنه كل يقضي كل وقته ببيته ، ولا يحب أن يرى أحداً على الإطلاق . ثم بلغتني رسالة منه يدعوني بها لزيارته ، فذهبت تواً إلى لقياه ، وصعقت بالتغير الهائل الذي عراه . عندما التقيته كان صافي التفكير على نحو ما ، وذلك ما زاد من لذع ما رأيت على شعوري . وفهمت خلال حديثي معه أنه بدأ يدرك أن عقله قد أُصيب بعطب ما ، وأنه أخذ يبحث عن علاج ناجع يسترجع به عافية عقله . وقد وجد ذلك العلاج أخبراً على يد " فكي " جاهل ، مشعوذ ، يتشبث ببعض دعاوى دينية ، و يستخدم السحر وبعض العلاجات البدائية .

    ولقد عاد معاوية أخيراً إلى ارتداء الملابس السودانية الشعبية . ومثل هذا التحول ما كان له في الأحوال العادية أن يثير انتباهي ، ولكنه بدا لي الآن رمزاً لانقلاب كامل في عقل معاوية وتجربته المعرفية ، فوراء تلك الملابس الشعبية بدت لي مخايل ثقافته الكونية الكلية وهي تتفكك وتتآكل . وتماماً على خطى الإمبراطور " جونتر " وهو في هلعه المتصل بليلته الطويلة تلك التي قضاها في شعاب الغاب ، جاء معاوية مضطرباً متعثراً مبعثر العقل ، وأخذ يطوح بكل ما علق بواعيته من أكسية الفكر الغربي ، مفضلاً حالة العرى البدائي المرتجف . ولم يتمكن " الفكي " من علاجه ، بل تفاقم أمره إلى حالة جنون مطبق ، ثم ما لبث أن مات .


    .
    * جزئية منقولة بمناسبة مرور مئة عام على مولد فقيد الأدب السوداني و رمز من رموزه ونجم ساطع في سماء بلادي معاوية نور
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    إدوارد عطية
    تلميذي معاوية محمد نور
    ترجمة وتقديم : محمد وقيع الله


    بسم الله الرحمن الرحيم
    بين يدي هذا الكتيب


    مقدمة :
    وجّهني الأستاذ محمود الفضلي - رحمه الله - لقراءة كتاب : An Arab Tells His Story (1) لمؤلفه الأستاذ إدوارد عطية . كنت قد سألت الأستاذ الكبير الفضلي عن بعض ظروف و خفايا إنشاء الأحزاب السودانية في أربعينيات القرن الماضي ، وهو بذلك الأمر جد عليم ، و لكنه ما زوّدني إلا بإجابة موجزة ، لم يشأ أن يستطرد فيها - ربما خشية أن أتهمه بالتحيز ضد طرف سياسي ما - ثم طلب أن أستوفي بقية الأسرار في إهاب ذلك الكتاب.
    نسخ كتاب عطية نادرة وعزيزة الوجود إذ أنه طُبع في عام 1946، (2) و لكنى طفقت أبحث عنه حتى عثرت بنسخة منه ظفرت بطيها ما هو أهم بكثير من بُغيتي الأولى . وجدت بالكتاب فصلين نفيسين عقدهما المؤلف للحديث عن الأديب السوداني المتفوق معاوية محمد نور . و كان المؤلف قد خبره عن قرب ، إذ كان عطية أستاذاً بكلية غوردون التذكارية يتعاطى فيها تدريس الأدب الإنجليزي . وقد تناقش وتحاور مع تلميذه معاوية ملياً وخبر نزعاته الفكرية و الأدبية خبرة وافية ، وأفضى إليه هذا بكثير من آماله ومواجده و شجونه ، إذ وجد فيه خير من يصبح شريكاً عقلياً له في بيئة السودان الثقافية المجدبة في ذلك الحين . وبأسلوبه الأدبي العميق الشديد التركيز تولى الأستاذ عطية إيجاز قصة معاوية محمد نور في كتابه ، ولكنها - مع ذلك الإيجاز - استغرقت فصلين من فصول الكتاب الذي كرسه أساساً للحديث عن نفسه.
    لم يجد عطية بُدَّاً من أن يسوق تجربته في سياق مقارن مع تجربة تلميذه النابغة معاوية ، الذي أطنب كثيراً في الثناء عليه ، والاعتراف بتفوقه حتى على الأوساط الثقافية والأدبية بمصر في ذلك الأوان ، ومن غريب الصدف أن تلك الملاحظة نفسها قد أفضى بها في وقت لاحق إمام الفكر العظيم الأستاذ عباس محمود العقاد حينما قال:

    " لو عاش معاوية لكان نجماً مفرداً في عالم الفكر العربي " !

    بين التبعية والأصالة:
    و بجانب الحديث عن النبوغ الفكري والنقدي العجيب لمعاوية ، فقد استفاض الأستاذ عطية في الإبانة عن الآراء السياسية الوطنية لمعاوية . وربما كان هذا هو الجديد في كتابة الأستاذ عن تلميذه ، لأن الاهتمام العام بشخص معاوية ظل منصباً على جوانب تبريزه الأدبى وحدها مع إهمال ذلك الجانب المهم من جوانب حياته العامة . وقد ذكر الأستاذ عطية أن معاوية كان يضع قضية استقلال السودان في إطار أكبر حيث كان يتخذ من قضايا " الإمبريالية" و " التنمية الاقتصادية " و " الإصلاح الاجتماعي " و " التطور الثقافي " أسساً مفهومية للتحليل ، ولم يكن يتناول قضية الاستقلال إلا على ذلك النحو ، نائياً بنفسه عن استهلاك الشعارات العاطفية ، و إدمان التلويح بالمطالب السياسية الحماسية ، التي درج على رفعها المثقفون والسياسيون في زمانه ، وزماناً قبله ، بل ما فتئوا يرفعونها حتى الآن .



    وتلك إشارة واضحة شديدة الأهمية تؤكد أن رأى معاوية القائل بأن الاستقلال السياسي السوداني سيأتي فارغ المضمون كان ثاقباً و مصيباً حقاً . وقد كوَّن معاوية ذلك الرأي - بلا ريب - من خلال استقرائه الطويل و تأمله المستبطن في أحوال واهتمامات النخبة الثقافية حديثة التكوين في السودان ، وكذا من استقرائه و تأمله في أحوال النخبة الثقافية والسياسية الأفضل تكويناً في مصر ، وقد احتك بها احتكاكاً مباشراً و كثيفاً فلم يجدها في عاقبة أمرها أفضل من حال الطائفة المثقفة في السودان بكثير !



    ولعل ذلك هو سر إحجام معاوية عن دخول ساحة العمل السياسي الوطني العقيم الجدوى . إذ ظن أن تلك الطائفة المرشحة لإصلاح الوطن هي في نفسها في أشد الحاجة إلى الإصلاح و التقويم ! ولعل في إدراك معاوية العميق للقضايا السياسية لوطن محتل ، ذلك الإدراك الذي يذكر بنفاذ تحليلات آراء المفكر الجزائري العظيم " مالك بن نبى " ، شأن في تلك النهاية البئيسة المحزنة التي انحدر إليها على الصعيد الشخصي .



    لقد تم تصنيف معاوية من قبل دهاقنة الاستعمار على أنه شخص ذكي ذكاءً مفرطاً يتفوق به على كافة أنداده من أفراد النخبة السودانية لجيله ، و رفضت إدارة المعارف لذلك السبب تعيينه أستاذاً بكلية غوردون التذكارية ، إذ من شأن تعيين أستاذ نابه مثله أن يسهم في تنبيه الآخرين ، و يهدد بتكوين جيل متعلم جديد يدرك خفايا و خبايا الصراع الفكري في البلاد المستعمرة. و قد انطوت التوصية السرية لمدير المعارف بشأنه على كلمة دقيقة تقول عنه إنه : "Not the type, too clever" ، (4) أي أنه أذكى كثيراً من المعهود في أفراد النخبة السودانية ، و أنبه من النوع الذي يمكن أن يخدم مصالحنا في تلك البلاد !



    لم يكن الاستعمار البريطاني في السودان يأمن خطر الفكر التقدمي التحرري الذي انفرد به معاوية محمد نور ، حيث تهدد عاقبته بانفلات البلاد عن الدوران في فلك المنظومة الاستعمارية الغربية ، وانفكاكه عن أحابيلها ، وتوجهه نحو إنشاء وطن حر مستقل بمعنى الكلمة ، بعيد عن التبعية بكل معنى من معانيها الوبيلة ، بل ربما أصبح السودان بذلك قدوة تحتذى في بقية الأوطان المستعمرة !



    إن الناظر في مقالات معاوية النقدية التي نشرها في صحف و مجلات " الجهاد " و " السياسة " و " الأسبوع " و " البلاغ " و " مصر " و "الرسالة " و " المقتطف " _ وهى ارقى صحف و مجلات مصر في النصف الأول من القرن العشرين - يلاحظ بجلاء تام تفوق معاوية في شؤون الفكر والأدب حتى على عمالقة عصر النهضة الأدبية بمصر في ذلك الحين ، فقد طفق يتعامل بأستاذية مقتدرة لا تكلف فيها ولا ادعاء ، حتى مع أئمة الشعر والقصة والرواية بمصر ، فلم يوفر أحمد شوقي من النقد والتوجيه بشأن رواياته المسرحية الشعرية ، ولم يتردد في تقويم شعراء كبار من أمثال علي محمود طه المهندس و الدكتور إبراهيم ناجي و الدكتور أحمد زكي أبي شادي و غيرهم وتبصيرهم أن طريقهم خاطئ من أوله ، وأنه لا يؤدي أبداً إلى إنتاج شعر مجيد .



    ولم يحذر معاوية من مقارعة ناقد فحل مثل إبراهيم عبد القادر المازني قائلاً إن أسلوبه في النقد لا يرضيه ولا يعجبه و لا يقنعه لأنه لا يكلف نفسه الإحاطة التامة بما ينتقد . ولم يأبه معاوية بكشف سرقات المازني العديدة من روائع الأدب الأوربي والأمريكي متعجباً من استساغته لإتيان ذلك الصنيع المنكر وهو يعرف أن في البلاد من يقرأ مثله في غرر الآداب الغربية !



    إن من يطالع تلك المقالات النقدية لمعاوية يدرك حتماً صدق مقولة إدوارد عطية في وصفه بالتفوق على الأوساط الثقافية المصرية التي حل بها ، و يدرك أيضاً أن سر تفوق معاوية يكمن في تملكه التام لناصية اللغة الإنجليزية : " وصفه مدير المعارف إياه بأنه يعرف الإنجليزية بشكل أفضل منه ! " (5) وإطلاعه الوافر على آدابها وآداب اللغات الأوربية والروسية التي ترجمت إليها ، وبصيرته النقدية الوقادة ، وحالة الجذب الصوفي التي قيدته بأعالي الأدب العالمي . ومن هذه الناحية يمكن أن يوصف معاوية بتعلقه غير المحدود بمثالية الآداب الغربية " الروسية" ، وازدرائه لقيم وأصول الأدب العربي ، ودعوة شعراء العالم العربي وقصاصه وروائييه ونقاده لاحتواء وتمثل قيم الأدب الغربي والنسج على هواها .



    وهكذا فبينما كان معاوية داعية من دعاة رفض التبعية للغرب على المستوى السياسي ، ظل على مستوى الأدب والنقد أحد دعاة التبعية والتغريب ، وتجاهل خصائص البيئة النفسية و " الدينية " للأدب العربي ، بل للإنسان العربي نفسه ، وهي خصائص تعصم الإنسان العربي المسلم من التهويم في عوالم المجهول " المطلق " التي يتيه فيها إنسان الغرب الحساس ، فلا معنى عند الإنسان المسلم اللائذ بعقائد التوحيد ، والمتعلق بتراثها وآثارها في المجتمعات المسلمة عبر التاريخ ، لا معنى عنده لقضايا الشك الفلسفي الذي ينضج القصص الروائية الغربية ويسم الشعر الغربي بالغموض . إن ارتكاز معاوية على الرؤية الكونية الغربية وتشبثه بالنزعة " الإنسانوية Humanism " (6) كانت بلا شك أحد أسباب نكبته الأليمة . فلما تدهورت أوضاعه الاقتصادية والصحية والاجتماعية بشكل مريع في القاهرة لم يجد عاصماً من روح دينية قوية تحول بينه وبين الاضطراب الذهني والوقوع فريسة للبلابل والهواجس ، وما وجد ملاذاً أو سلواناً إلا في قيم الأدب الغربي ومثله ، وطفق يعزي نفسه بالروائي الفرنسي إميل زولا الذي ما كان يبالي بعضة الجوع وهو يبدع فرائد الأدب.



    لقد آب معاوية في آخر عهده بالدنيا إلى إيمان ديني حدث به أستاذه إدوارد عطية ، وهو الإيمان الذي استخرجه بنفسه من مطالعاته و تأملاته في القرآن الكريم ، و قد ذكر لأستاذه أنه وجد في ثنايا القرآن الكريم معاني لم يكن يفطن لها من قبل . ولا شك أن قدرات معاوية الأدبية التحليلية الراقية كانت خير معين له لاستبطان نصوص القرآن الكريم ، غير أن ذلك كله ما جاء إلا في لحظات الغسق والاختلاط الذي أطبق علي حياته في نهايتها ، حيث عصف به الردى واهتصر عوده وهو بعد في الميعة والريعان.



    عن شهادة إدوارد عطية :



    إن شهادة إدوارد عطية (1902 - 1964) في معاوية محمد نور (1909 - 1941) هي بلا ريب أعمق الشهادات بشأنه و أكثرها تفصيلاً واتزاناً ، إذ أنها صيغت في نهج علمي نقدي خالص ، ولم يجنح صاحبها إلى محض الثناء والاحتفال . ولا شك أن الأستاذ أي أستاذ هو خير من يخبر عن تلميذه ، لا سيما التلميذ البار كمعاوية الذي حافظ على علاقته بأستاذه إلى خواتيم العمر . و لشهادة إدوارد عطية جانب مهم آخر ، وهو أن عطية كان يعمل بالإضافة إلى أستاذيته بكلية غوردون في بعض أعمال الاستخبارات للحكومة الإنجليزية في السودان ، ثم خلف عمه صمويل عطية في رئاسة قلم الاستخبارات ، واستمر في ذلك المنصب إلى أن خرج من السودان في أعقاب الحرب العالمية الثانية . وقد أكسبته مهنته " الاستخباراتية " بعداً أوسع في تحليل شخصية معاوية كأديب ومفكر وطني في آن واحد ، وإذن فمستوى التناول والتحليل عند إدوارد عطية كان أرفع وأرحب بكثير مما لدى من كتبوا عن معاوية بعده حيث جاءت كتاباتهم اجتزائية إلى حد كبير.



    وثمة مصدر آخر للكتابة عن معاوية وتقدير مكانته الإبداعية والنقدية ، حيث كتب عنه ابن أخته الأستاذ رشيد عثمان خالد في عام 1964 مقدمة ضافية صدر بها المجموعة القيمة التي جمعها من آثار معاوية من بطون الصحف والمجلات المصرية . وقد كان رشيد مرجواً لأن يكون أصيلاً في كتابته عن معاوية بحكم قرابته به أولاً ، ثم بحكم إقامته بمصر حيث كان بمكنته أن يستنطق معاصري معاوية ويستقي أخباره ومآثره من أفواههم ، وأخيراً بحكم اقتداره الأدبي الذي تبين جلياً من ديباجته النثرية الناصعة في تلك المقدمة . ولكنه عوضاً عن ذلك فقد اتجه اتجاهاً مشيناً حيث عمد إلى انتهاب ملاحظات وآراء إدوارد عطية ودسها في ثنايا مقدمته لتبدو وكأنها من إنشائه الخاص ، ولعله ظن - مخطئاً - أن كتاب إدوارد عطية لن يقع في يد أحد من المعجبين بشخص معاوية والمتتبعين لآثاره الفكرية والأدبية فيفضح صنيعه الشنيع هذا !



    وحيث لا يتسع المجال لتتبع تلك الاختلاسات جميعاً فبحسبنا أن نشير إلى بعضها ، تاركين بقيتها لمن شاء أن يقوم بنفسه بمقارنة هذا النص الذي ترجمناه بنص الأستاذ رشيد عثمان خالد - رحمه الله - فلقد درج رشيد على إدماج كلام إدوارد عطية في كلامه بدون أن يشير أدنى إشارة إلى المصدر الذي أخذ عنه ، وكانت تلك هي خطته العامة في النقل ، كما قام في بعض الأحيان باجتزاء عبارات إدوارد عطية ثم بنى عليها تفصيلات أكثر ، وفي أحيان أخر أخذ كلام عطية كما هو من دون تبديل قليل و لا كثير ثم نسبه إلى نفسه وكأنه قائله الأصيل !



    مثال الخطة الأولى - وهي الخطة العامة للنقل عند الأستاذ رشيد - هو ما فى شاكلة هذا الفقرة التي يقول فيها : " ولنتصور هذا الفتى الذي يفيض تطلعاً وطموحاً يعيش في أم درمان وحوله أمه وعماته وخالاته وكلهن محجبات ، عقولهن لا تعي من الحياة إلا مفاهيمها الأولية والتي كانت لا تخرج عن نطاق العائلة وتقاليدها ونواميسها مثل الزواج والطلاق والحمل والموت والحزن والتزين ... ويقضين بقية ساعاتهن في اجترار الأساطير والخرافات ... لنتصوره وسط بيئة كهذه وقد علقت بروحه واستبدت بوجدانه أفكار (جين أوستن) و (توماس هيكسلي) وغيرهما من مفكرى القرن الثامن عشر ... في ذات الوقت الذي تهب فيه عليه رياح القرن العشرين من إنجلترا تحمل آداب وأفكار كتابها ... أي تباين ... وأي بون شاسع ! ! "(7) . فهي مجرد ترجمة رشيقة ورائعة لكلام إدوارد عطية الذي يجده القارئ كاملاً ملحقاً بنهاية ترجمتنا له .



    وتتمثل خطة الأستاذ رشيد في اجتزاء أقوال إدوارد عطية والبناء عليها بإضافات جديدة في شاكلة قوله : " وكان الشاب الأسمر بابتسامته المرحة وعينية الوهاجتين ومثاليته القويمة وحبه العنيف للأدب ، وثقافته ، وسعة اطلاعه ، وغزارة أنتاجه ... كان هذا الشاب شيئاً جديداً على الأوساط الأدبية في القاهرة ، وظاهرة جعلت أدباء القاهرة ومفكريها يناقشون كنهها في صالوناتهم وندواتهم ، ولقد لفت نظر فقيد الفكر العربي الأستاذ عباس محمود العقاد ، فأدناه منه وقربه إليه ، وكان يجد إمتاعاً لا يعادله إمتاع في مناظرته ومناقشته في شتى الموضوعات الأدبية . وإنني لأكاد أرى عبر الأيام تلك الحسرة التي علت محيا أستاذنا العملاق العقاد حين عرج بنا الحديث إلى ذكرى معاوية (وكنت قصدته في داره بمصر الجديدة ابتغاء رجائه كي يقدم لهذا الكتاب بقلمه) ... أقول أكاد أتمثل الحسرة والنغمة الآسية الحزينة التي تحدث بها أستاذنا العقاد عن الخسارة التي حاقت بأدبنا المعاصر بفقدان معاوية " ( .



    وقد أخذ الأستاذ رشيد رضا هنا عدة أسطر من حديث عطية عن تفوق معاوية بالقاهرة ثم أضاف إليها حديث العقاد إليه بشأن معاوية بمناسبة إصداره لمجموعة مقالاته النقدية .



    وأما مثال اقتطاع كلام عطية بنصه وفصه ومن ثم انتحاله فقد ورد في هذه العبارة التي تحدث فيها الأستاذ رشيد بضمير القائل : " ولعلنا لا نركن إلى المغالاة إذا ذهبنا إلى القول بأن معاوية كان أول سوداني يتصل اتصالاً حقيقياً بروح الغرب وأدب الغرب " (9) وهي ترجمة واضحة لعبارة إدوارد عطية التي أصلها : "Moawiya was the first Sudanese to make real contact with the spirit of the West . " (10) فهذه تصرفات غير كريمة وغير لائقة بمناهج تاريخ وتوثيق الأدب ، وما كان أغنى الأستاذ رشيد بأن ينأى عنها ، وما كان بضائره شيئاً أن يشير إلى المصدر الذي استل منه تلك الأقوال ، فهو مصدر عال يشرف كل باحث بأن يأخذ عنه . ولو امتثل الأستاذ رشيد لدواعي الأمانة العلمية ، وذكر المصدر الذي أخذ عنه في مقدمته ، لكان قد أفاد الباحثين عن تاريخ معاوية وتحليل شخصيته الأدبية بفائدة جلى ، وَ َوقَفهم على مصدر يعدُّ بلغة مناهج البحث مصدراً أساسياً أصيلاً في الموضوع ، وإذن لما تأخرت ترجمة هذا المصدر إلى لغة الضاد لهذا الحين ....

    .
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد المنعم عجب الفيا
    معاوية محمد نور رائد الحداثة النقدية ... بقلم:


    الاعتقاد السائد أن الشاعر الانجليزي الامريكي تي اس اليوت (1888-1965 ) صاحب قصيدة "الارض الخراب " التي غيرت مجرى الشعر العربي ، لم يعرف في العالم العربي إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، وذلك بفضل كتابات الأديب الدكتور لويس عوض التي بدأ في نشرها بالصحف المصرية في النصف الثاني من الأربعينات وذلك بعد عودته من جامعة كمبريدج مع نشوب الحرب ( راجع كتابه في الادب الانجليزي الحديث).لكن الحقيقة المثبتة هي أن الناقد والاديب السوداني معاوية محمد نور( 1909 – 1941 ) يعد أول من لفت الأنظار في العالم العربي إلى تى . اس اليوت وأول من حاول تطبيق نظرياته النقدية الحديثة على الشعر العربي وذلك منذ بداية الثلاثينات أي في ذات الوقت الذي بدأ فيه القارئ الإنجليزي يتعرف على شعر اليوت ومذهبه النقدى الجديد . وكان معاوية ينشر هذه الكتابات في الصحف والمجلات المصرية المرموقة في ذلك الوقت مثل : "السياسة الاسبوعية" و"المقتطف " و"الرسالة" و"البلاغ الاسبوعي" و" الجهاد " و"الهلال" و" جريدة مصر " .
    ومع ذلك لعل الكثيرين لا يعرفون معاوية نور شيئا . ولا يكاد يذكره الباحثون الا لماما . ربما بسبب وفاته باكرا. فقد انتقل عن هذه الفانية وهو لم يتجاوز الرابعة والثلاثين ربيعا. يقول عنه الدكتور الشاعر محمد عبد الحي ان معاوية محمد نور ، هو أول ناقد عربي ذكر تي . اس اليوت والشعر الإنجليزي – آنذاك – شعر ت . أ . هيوم وعزرا باوند و د . ه لورنس وأديث سيتويل . وأول من أنتقد من وجهة نظر هذا الشعر واسسه النقدية شعر كبار الرومانتيكين العرب أمثال على محمود طه وإبراهيم ناجي وهم في أوج سيطرتهم على الذوق الأدبي للعصر " . (1)
    وكان معاويه قد أشار إلى اسم اليوت لأول مرة في مقالة نقدية له حول شعر عباس محمود العقاد ، نشرت بجريدة ( الجهاد ) المصرية بتاريخ 3 مايو 1933م بعنوان " القالب في شعر العقاد ". وهو يقصد بالقالب هنا الشكل الشعري أو الصياغة الشعرية التي عمادها الصنعة المحكمة والإحساس المرهف بكيمياء اللغة والتي يرى فيها خاصية يكاد ينفرد بها شعر العقاد دون سواه من معاصريه من الشعراء .
    ووردت الإشارة إلى اسم اليوت في هذه المقالة في سياق الحديث عن ميزة التيار الشعري الجديد الذي برز في انجلترا بتأثير من اليوت : " انما القالب الجديد لا يترك شاردة ولا واردة في معنى أو لفظ إلا ويأتي بها في مكانها من الوضع وترتيبها من النسيج الفني حتى انك لتجد الجمل الاعتراضية في شعر عظام الشعراء أمثال : تى . اس . اليوت وبراوينج واندادهم لها قيمة الشعر مع أنها حتى في الكتابة الفكرية مجرد تحديد وتوضيح " . (2)
    ولا تقف أهمية هذه المقالة الرائدة على أنها أتت بذكر اليوت لأول مرة في اللغة العربية وإنما تتعدى ذلك إلى كونها – في تقديرنا - أول تجربة رائدة في تطبيق نظريات اليوت النقدية على الشعر العربي في الثلاثينات . فنجد معاوية في هذه المقالة يقيم شعر العقاد من خلال معالجته لنظرية ( المعادل الموضوعي) ونظرية تيار الشعور أو الوعى إلى جانب الافادة من مفهوم ( موسيقى الشعر ) عند اليوت .
    فإذا كان بعض معاصري العقاد من النقاد يرى أن شعره يطغى فيه الفكر على العاطفة والإحساس ، فإن معاوية من خلال توظيفه لنظرية ( المعادل الموضوعي ) يحتج عليهم بأن ليس مهمة الشعر إثارة العاطفة وإنما ترجمة العاطفة والإحساس إلى فكر ومنطق : " .. فات هؤلاء ان أقصى ما يرتجيه الشاعر أن يترجم العاطفة والإحساس إلى لغة الفكر والمنطق " ذلك " أن العاطفة لا يمكن أن يعبر عنها بعاطفة وإنما سبيل التعبير عنها هو اللفظ ، واللفظ أداة الفكر لا أداة العاطفة . ويجب أن نزيد على هذا غرض الشعر الصحيح هو إثارة عاطفتك – لأن خبر موت أحد أقاربك يثير عاطفتك وليس هنالك من يقول أن هذا الخبر شعر وإنما غرضه الأسمى هو إرضاء وتهدئة العاطفة المفكرة " . (3)
    ويذهب معاوية أكثر من ذلك في تأكيد دور الفكر في الشعر ويجعل له دورا حاسما في موسيقى الشعر إذ يرى أن موسيقى الشعر ليست موسيقة لفظية وإنما موسيقى فكرية أيضا . " .. أن موسيقى الشعر الجيد ليست هي موسيقى لفظية فحسب ، وإنما هي موسيقى فكرية أولا وأخيرا ، يلمحها الذهن ويرتاح إليها التفكير الشاعر الدقيق ، في تقسيم الفكرة وتسلسل الإحساس واصطحاب اللفظ الموفق والعبارة الدقيقة في المعنى ، المنسجمة في اللون والصورة مع لون الإحساس وصورة الفكرة " . (4)
    ولا يخلو وصف معاوية لموسيقى الشعر بأنها ( موسيقى فكرية ) من أصداء وصف الناقد الإنجليزي الشهير أ . أ . ريتشاردز ، أحد أقطاب ما عرف بالنقد الأمريكي الجديد أو النقد العملي ( التطبيقي ) الذي راج في الثلاثينات وذلك حينما وصف قصيدة ( الأرض الخراب ) بأنها " موسيقى أفكار " .
    ويصف معاوية الموسيقى التي تعتمد على رنين الألفاظ فقط بأنها موسيقى رخيصة اذ يقول : " .. بعض هؤلاء النقاد يعتقد أن الشعر كل الشعر بما يكون في سهولة الأداء وموسيقى اللفظ . ويعنى بسهولة الأداء وموسيقى اللفظ أن يكون معنى الشعر في سطحه وأن تكون الموسيقى من النوع الذي يقول ( أنا موسيقى ) لرخص عنصرها ولرنينها الذي تعرفه الأذن أول ما تعرف الرنين " . ويضرب مثالا على رخص هذه الموسيقى اللفظية بشعر آدجار آلان بو وشوتيريان ويقول عنهما أنهما " أعظم الشعراء الذين أجادوا الموسيقى اللفظية في شعرهم مع أنهم لا يذكرون الآن إلا لنقد موسيقاهم اللفظية وتوضيح قيمة الموسيقى الشعرية الحقة " . (6)
    هذا أبرز ما ورد عن اليوت وعن مذهبه الشعري الجديد في مقالة ( القالب في شعر العقاد ) وهو يكشف مدى إدراك معاوية نور الواعي والمبصر ومدى استيعابه العميق والمبكر لتيارات الحداثة الشعرية في وقت لم تكن فيه هذه التيارات معروفة على نحو كاف حتى في أوربا نفسها .
    أما المقالة الثانية التي ذكر فيها معاوية اسم تي . أس اليوت فهي مقالة نشرت في جزئين بمجلة ( الرسالة ) المصرية بتاريخ 15-22 أكتوبر سنة 1934م تحت عنوان ( أصدقائي الشعراء ، هذا لا يؤدى ا ) أنتقد فيها معاوية شعراء الحركة الرومانسية العرب – آنذاك – الذين كانوا يسيطرون على الذوق الأدبي ، انتقادا لاذعا ، وعاب عليهم تمسكهم بالأساليب والموضوعات الشعرية البالية وانغلاق افقهم الشعري على مظاهر الطبيعة التقليدية وحثهم فيها على الالتفات إلى مظاهر الحياة الحديثة وتياراتها الفكرية والإلمام بوعي العصر وتمثل ذلك كله في تجاربهم وعوالمهم الشعرية .
    وقد جاء ذكر اليوت في هذه المقالة في سياق حديث معاوية للشعراء الرومانسيين العرب للإفادة من أساليب شعراء الحداثة في أوربا أمثال ت . س . اليوت و د. ه لورنس و ت. أ هيولم : " أولئك الشعراء الذين نراهم جاهدين يفتشون عن الله ، ويبحثون في الجنس ونشوة العفاف الروحي ، ثم يعود كل منهم وحقيبة وعيهم ملأى بالأحاسيس المختلفة والأفكار المريرة أو العذبة ، ملأى بالثعابين التي تبرق كاللؤلؤ وبالسلام الذي تعقبه أشد فترات الحرب تمزيقا للأجسام والأرواح وبالذهول الذي يسمو إلى طبقات السماء ، وبالسخر الذي : يرى القمر في أمسية حب أشبه ببالون يلعب به صغار الأطفال . ويرى : المساء ينام كرجل عليل ينتظر مبضع الجراح .. وربما يرى : في أنامل الحبيب أقطارا متسعة ولو أنها بادية التناقض أو بأحاسيس متناقضة بعيدة ، حالكة الظلمة أو شديدة الوهج " . (7)
    يشير معاوية هنا بالقمر الذي يشبه بالون لعب الأطفال إلى قول الشاعر الإنجليزي ت . أ هيولم في قصيدته : " لدى المرسى " :
    لدى المرسى الهادئ عند منتصف الليل
    مشتبكا في حبال أعلى السارية
    تدلى القمر
    إن ما بدا نائيا جدا
    ليس غير بالون طفل منسي بعد اللعب
    أما قوله : " المساء الذي ينام كرجل عليل ينتظر مبضع الجراح "
    يشير به الي قول تي . اس اليوت الوارد في قصيدته الشهيرة The love song of J. Alfred Profrouk ( أغنية العاشق جي . الفريد بروفروك ):
    Let us go then, you and I,
    When the evening is spread out against the sky
    Like a patient etherized upon a table;
    هيا بنا نتمشى سويا
    حيث المساء ممد على السماء
    كما يتمدد مريض مخدر على منضدة
    وهذا" تشبيه يفرغ المساء مما أرتبط به من جماليات عاطفية تعلقت به في الشعر الرومانتيكي. ومادته مستمدة من جوانب غير مطروقة في تجارب ذلك الشعر" (8)
    ولعل معاوية ساق هذا التشبيه للتدليل على ضرورة تفاعل الشعراء العرب في ذلك الوقت مع اشكالات الحياة وقضاياها العملية . عوضا عن الانغلاق في العوالم الرومانسية الحالمة . وهو الأمر الذي دفعه إلى انتقاد رموز الحركة الرومانسية وتحديدا إبراهيم ناجى وعلى محمود طه بالرغم من صداقة الاثنين له وبالرغم من أن كلا منهما قد أهداه نسخة من ديوانه ليلة صدوره وهما ديوان ( الملاح التائه ) لعلى محمود طه وديوان ( وراء الغمام ) لإبراهيم ناجى :
    يقول: " وهما لاشك ينتظران المديح والثناء من صديق يجلس معهما ويأنس إلى صحبتهما غير أن الموضوع في رأينا قد تعدى أخيرا هذين الأديبين إلى ما هو أخطر وأبعد شأنا ، تعداه إلى الحديث عن طبيعة الشعر والكتابة ، وأن الأقلام قد خطرت في هذا الطريق بكلام تعد معظمه خطرا على الحركة الأدبية في مصر ، وفهم الفنون الأدبية على الوجه الذي يفهم منها في الجيل الحاضر . ولهذا رغبنا في كتابة هذه الكلمة لا لنمدح أو نذم ، ولكن لندلى برأي في الشعر كما نقروءه ونفهمه ، وكما ننتظر من الكتاب والقراء أن يقرأوه ويفهموه " . (9)
    وأول ما يأخذه معاوية على هذين الشاعرين هو أن ديوان ( وراء الغمام ) لإبراهيم ناجى ، يكاد ينحصر في الحب ومطالبه ، وأن موضوعات على محمود طه في ديوانه ( الملاح التائه ) تكاد تنحصر في النظم عن مظاهر الطبيعة .
    وهو يرى أن ذلك ( الشيء ) الذي يسمى شعرا – هو خلاف الكلام الحسن عن الأشياء العادية : " أنه يتطلب شاعرا يأكل كبقية الناس ولا شك ويحب مثلهم ، ولكن نظره وأحاسيسه والتفاتات ذهنه وقفزات وعيه نحو هذه الأشياء العادية غير عادى .. فالحب يصبح موضوعا جديرا بالشعر حينما يكشف لنا الشاعر معنى ونغما وراء مظاهره المعروفة ومصاحباته العادية .. أما الشاعر الذي يبدى ويعيد في الحديث عن ملذاته وآلامه وحسراته التي يثيرها شخص المحبوب أو ذكراه فحسب ، مهما اختلفت القافية وتعدد الإيقاع ، لا يعدو أن يكون إنسانا لم تتسع أنانيته إلى أكثر من حاجاته البسيطة المتعارفة " . (10)
    أن كثرة استعمال ( الشعريات ) مثل الشعر والشعور والزهور والألحان والطيور والأقمار والآكام لا تجعل من أي إنسان شاعر كما يرى معاوية بل " أن مثل هذا الشعر ليوحي إلى القارئ الدقيق الحس كراهة الآكام والزهور والبحار والأنغام وما إليها من هذه النغمة المبتذلة الكثيرة التكرار التي لا تحس معها واقعة حال صحيحة أو شعور مباشر " . (11)
    ففي الطبيعة .. أشياء أخرى خلاف البحر والشواطئ " أدق وربما كانت ألصق بحياتنا وأجدر بالتفات الشاعر . فالحجر الصلد الذي يقف في طريقك ، والشارع الذي تصقله مصلحة التنظيم حيث جماعة المهندسين ، والفأر الهارب من سفينة خربة ، والذباب الذي يطن على جبة عفنة ، قطعة الحديد التي أكلها الصدأ والخشب الذي نأكل عليه والنمل وضجيج الترام وصوت الباخرة وخلافها من المظاهر .. هي أجزاء حية في الطبيعة . والالتفات إليها في وضع جديد أتى به نظام حياتنا الراهنة وحضارتنا المعاصرة ، لأدل على فهم الطبيعة من آلاف القصائد عن البحر والشفق والنجوم ا " . (12)
    فهو يرى أن الثقافة ووعى العصر الذي نعيش فيه لابد منهما لأي فنان يكتب ليقرأه الجيل الذي يعيش بينه . و " الشاعر العصري سواء في مصر أو في الصين الذي لا تثيره تيارات الفكر المعاصر واكتشافاته ومتاعبه والذي ليس له وجدان يتغير ويتفاعل بما يسمع ويقرأ ويفكر ويشاهد من عيوب في نظام حياتنا الحاضرة أو نشوز في أنغام فكرنا المعاصر أو فراغ في إنسان بادئ الامتلاء أو أغنية في زوايا بيتنا المعنوي ليس له ، بل لنا الحق في ألا نعده في عداد الشعراء المخلصين " . (13)
    " ويبدو لي من قراءة هؤلاء الشعراء والحديث معهم أن ليس في حياتهم الفكرية والشعرية أي شئ يشبه الصحارى العارية الجرداء ، أو الظلمات الحالكة ، أو البريق الخاطف أو الحيرة الشاعرة أو أي اشتغال جدي بناحية من نواحي حياتنا الراهنة .
    " إن نظرة واحدة إلى حيث يتقاطع شارع عماد الدين بشارع فؤاد الأول مثلا في أي مساء لحرية بأن تبعث في الفنان أحاسيس وأفكارا تصلح لأن تكون قصيدة جيدة " . (14)
    وباختصار فإن " الفنان الذي لم يحس بقبس أو لمحة أو ناحية من تيار وعى Stream of consciousness كامل يمكنه من رؤية التشابه في أشياء ومظاهر بادية الاختلاف ، أو بالعناصر والقوى والفكر التي تذهب جميعا لاخراج فكرة أو مظهر عادى مما نراه في حياتنا اليومية ، .. ليس له ذلك الإحساس الناقد القدير على التكوين والتخيل الذي يجبر القارئ على الإنصات له والاستماع لنغمته " .(15)
    لقد حرصنا على إيراد الاستشهادات التي تمثل الأفكار المحورية في هذه المقالة الرائدة ذات القمة التاريخية الخاصة . فهي من ناحية تكشف للقارئ ليس الاتصال الباكر لمعاوية بتيارات الحداثة الأدبية التي لم تكن معروفة حتى في بلدانها وحسب وإنما تكشف عن عمق إدارة معاوية ووعيه النافذ بضرورة التغيير والتجديد .
    ومن ناحية أخرى تكاد تمثل هذه المقالة بما حوته من أفكار وآراء جديدة وجريئة ( مانفيستو ) لحركة الحداثة الأدبية في العالم العربي صدر قبل أوانه بنحو عشرين سنة أو يزيد . بدليل أنه لم يتنبه الأدباء والشعراء العرب إلى ضرورة الانفتاح على تيارات الحداثة والإفادة منها إلا بعد نهاية النصف الثاني من القرن العشرين .
    التعريف بتيار الوعي في القصة :
    ولعل مصطلح ( تيار الوعي ) Stream consciousness الذي أشار إليه معاوية آنفا يرد في تلك المقالة لأول مرة في اللغة العربية . وتكنيك تيار الوعي من أبرز الخصائص الأسلوبية التي أدخلها تي . اس اليوت على الشعر . وخلصنا الى ان معاوية نور كان قد سبق أن تعرض لشرح مفهوم هذا المصطلح في مقدمة كتبها لقصة قصيرة نشرت له بجريدة ( مصر ) بتاريخ 11 نوفمبر 1931م بعنوان ( المكان – قصة تحليلية ) وجاء في هذه المقدمة :
    " حينما فرغت من كتابة هذه القصة رأيت واجبا على أن أعين القارئ العربي على فهمها لأن هذا الضرب من التأليف القصصي حديث العهد حتى في أوربا نفسها وهو آخر طور من تطورات القصة التحليلية .. وقد انتشر هذا النوع في أوربا منذ عشر سنوات تقريبا حينما أخرج مارسيل بروست الفرنسي روائعه القصصية كما عرف في أتمه وأحسنه عند كاترين مانسفيلد وفرجينا ولف " . (16)
    ويعرف معاوية في تلك المقدمة تكنيك تيار الوعي بقوله : " أن هذا الأسلوب الفني " ليست مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الاجتماعي ، وليس من مهمته أن يحكى حكاية ، وإنما يتناول التفاعلات الداخلية في عملية الإحساس والتفكير عند شخص من الأشخاص ويربط كل ذلك بموسيقى الروح واتجاه الوعي " إنه " يعرض الجانب الغامض في تسلسل الاحساسات واضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص ما . كما أنه يصور ما يثيره شئ تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعى الخواطر ، وقفز الخيال ، وتموجات الصور الفكرية . ويمزج ذلك بنوع من الشاعرية والغموض العاطفي ، فيخرج كل ذلك تحفة فنية حقا " . (17)
    وبالرغم أن الباحث والشاعر الدكتور محمد عبد الحي يرى أن معاوية نور في نقده لشعراء الحركة الرومانسيين العرب ، (18) قد وقع على كتاب ناقد جامعة كمبيردج ف . ر. ليفيز : ( اتجاهات جديدة في الشعر الإنجليزي ) New bearings in English poetry الذي نشر سنة 1932م – أي قبل سنة من نشر مقالة معاوية ، إلا أن عبد الحي يخلص إلى أن معاوية كان أصيلا في إطلاعه وتقييمه لتيارات الحداثة الشعرية ولم يكتفي فقط بترديد الآراء التي أوردها ليفيز في كتابه .
    ويدلل عبد الحي ، على ذلك بأن معاوية أورد أفكارا ونماذج من قصائد هؤلاء الشعراء لم يشر إليها ليفيز في كتابه ومن ذلك تشبيه اليوت للمساء بمريض مخدر مستلقى على منضدة طبيب جراح في قصيدة ( أغنية حب الفريد جي . بروفروك ) وكذلك تشبيه الشاعر ت . أ . هيولم للقمر ببالون يلعب به الأطفال في قصيدته ( لدى المرسى) . حيث لم يتطرق إلى هذين التشبيهين في كتابه ولم يناقشهما .
    ولد معاوية محمد نور بجزيرة توتي لدي مقرن النيلين بالخرطوم سنة 1909 وتلقى تعليمه الثانوي بكلية غرودون بالخرطوم ثم اختير ضمن حفنة من الطلبة المتفوقين لدراسة الطب (19) . ولكنه لم يمكث في مدرسة الطب اكثر من عامين بسبب نزوعه الجارف لدراسة الادب. بعد مشاروات بين اسرته والحكومة الاحتلال البريطاني استقر الرأي على ان يواصل دراسته الجامعية ببيروت لدراسة الادب الانجليزي بالجامعة الاميريكية هناك . وعقب تخرجه من الجامعة انتقل الى مصر ليعمل بالصحافة حيث عين مشرفا ادبيا ب" جريدة مصر " وكان من المقربين جدا للاديب الكبير عباس محمود العقاد .
    الا ان جسمه النحيل لم قوى على حمل عبقريته النارية فاصيب باختلال عقلي عاد بسببه الى السودان وبقى تحت رعاية اسرته الى ان لقي ربه في سنة 1941 . وقد حزن صديقه الكاتب الكبير عباس العقاد حزنا شديدا على رحيله المبكر وسجل حزنه هذا في قصيدة بعث بها لتقرأ في مأتمه جاء فيها (20) :
    بكائي عليه من فؤاد مفجع *ومن مقلة ما شوهدت قط باكيه
    بكائي على ذاك الشباب الذي ذوى * وأغصانه تختال في الروض ناميه
    تبينت فيه الخلد يوم رأيته * وما بان لي ان المنية آتيه

    _
    _______
    نشر في سودانايل
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    في الخرطوم
    خواطر وذكريات محزونة


    الوقت ليل.. والكون ساج نائم، فما تسمع نأمة ولا تري حركة، ولا تحس سوي الركود والأغفاء، والسكون الشامل، والظلام الصافي، والهدأة الناعسة، ولقد تحس الحين بعد الحين حركة ضئيلة، او تسمع صوتاً خافتاً فيزداد إحساسك بذلك الصمت ويشتد تقديرك لذلك السكون ويأخذك ذلك السحر، وتستولي علي نفسك تلك الهدأة ويغمرك ذلك الصفاء، فتروح في عالم الاحلام والذكريات وتدلف الي عوالم الفكر والعواطف المشجيات.
    وقد خيل الي أن الحياة قد وقفت فجأة، وأن الوجود قد أخلد الي نومة هادئة ويعديني ذلك الشجو والسهوم فلا استطيع أنا الآخر حركة او قياماً، أظل أتبع حركة الماء الدافق أمامي حينا، وحركة ما يجري في خواطري وأحاسيسي حيناً آخر، وانا جالس علي احد المقاعد علي ضفاف النيل الازرق في مدينة الخرطوم. والنيل ينساب في مشيته هادئاً كأنه صفحة المرآة المجلوة وعلي يميني في النهر بضع سفن بخارية وأمامي الخرطوم بحري وجزيرة (توتي) وعلي شمالي مدينة أم درمان يخيت عليها لاصمت ويكسوها الليل ثوباً رقيقاً، ويخيل الي أن ذلك الشجر الحاني بعضه علي بعض، والذي يظلل شارع الشاطئ وذلك النهر الهادئ بما فيه من قنطرة وأمامه من مدينة وجزيرة وما فوقه من سماء تحسبها لشدة زرقتها وإنكفائها علي حدود النيل أن السماء نيل وأن النيل سماء، وأن لكل صورة يمكن أخذها ووضعها في إطار التأمل فيها واستلهام الوحي منها!.. وخطرت سفينة من تلك السفن المرصوصة، فحسبت لأول وهلة أنها لا شك طامسة أثر ذلك الجمال، عابثة بذلك الهدوء اصامت متلفة لتلك الصورة الرائعة. ولكنها لم تصنع شيئاً من ذلك بل اعطت الصورة لونا وزادتها حياة وبشراً، وما يخيل للرائي أنها سفينة تعبر نهراً، وانما كانها قلم يرسم خطا علي صفحة، أو كانها شهاب يشق عنان السماء في اتئاد وسرعة! اعجبا لمنظر النيل ليلاً.. ليس بعده جمال ولا جلال، وما يفوقه منظر مما رأيت سحراً وروعة. وما نستجيش الخواطر ولا يصفو الذهن ولا يتألق الفكر ولا تكثر الذكريات وتغمر النفس فيضاً وحنيناً مثل ما تفيض النفس في حضرة النيل، ويحن القلب، ويحلو في كل ذلك الشجو والحنين.
    ظللت الساعات وأنا مأخوذ بسحر ذلك المنظر في شبه صلاة روحية وخشوع فكري، وجلالة تغمر النفس وتخلع علي الحياة شعراً، وتحيطها بالأطياف والارواح وتملأ بأسرارها النفوس وخفاياها! وبالقدرة منظر كمنظر النيل علي ابتعاث روافدها وزخر جميع تياراتها من حنين الي المجهول وشجو الي الماضي، وتطلع الي المستقبل المنظور.
    ولم يظهر لي النيل في تلك الليلة كالشئ السائل المائي، وانما هو بالتماسك والي مادة كالزئبق أقرب، فما تشهد شيئا من العنف او من الاندفاق الظاهر، وانما تشاهد العمق البعيد متشحا بثوب الهدوء والسطحية البارزة، وتشاهد العدو السريع ولا تلمح شيئاً من أثاره ومظاهره، ولقد تسمع الوسوسة من حين لآخر بين نباتات المياه كأنما اشتدت بها الوحشة. وكثر عليها الصمت والسكون! ولكن العالم غاف، وللعالم حرمة عندها، فتنطق في صوت خافت، وتهمس بدلاً من ان تفصح ويعدو الماء الي سكونه ووحشته الجميلة والعين لا تفتأ تنظر اليه ولا تتعب من ذلك ولا تحس اعياء ولا فتوراً ولقد يقع حجر في النهر وسط ذلك السكون فيكون للصوت الذي يحدثه موسيقية لا تعثر عليها عند أعاظم أرباب الموسيقي والفنون! وأسأل احياناً، من أين ياتري تأتي هذه المياه والي أين هي ذاهبة؟ أهي لا تفتر من هذه الحركة الدائمة والدائرة التي تنتهي لتبتدئ وتبتدئي لتنتهي؟. الي أين ايتها المياه ومن أين؟ ألا تفترين؟ الا تسخطين؟ الا تنتابك عوامل الضجر والسأم؟ فالمحها تسخر بي وتشفق علي، وعلي شفيتها إبتسام وفي نفسها مرارة وهي تهمس خوفاً من ان تسمع (هكذا، هكذا لقد نفذ القضاء، اليس من الحماقة والصفق والتأفف مما لا بد منه ولا محيد عنه، ونحن ابناء الحياة ولاشئ هنالك غيرها، اليس من الخير أن نتحملها ونكون عند ظنها ولا نفتر عنها؟ بل نحياها في أناة ورضاء وابتسام وادع مرير، ذلك احجي واحكم لو كنتم تعلمون وكذلك تذهب المياه معززة حديثها بالابتئاس والاصطخاب، ونسيانها للشعور بالنفس. وهزئها بشعور الملال و الاعياء.. والماء في جرية ووسوسته الدائمة يتخطي المدن والبلدان راكضا وادعاً، يمثل فلسفة الحياة وكيف يجب ان يكون احتمالها والتغلب علي شعور الملال ودواعي الاعياء والسخط.
    ويأتي النيل الابيض من الناحية الأخري وهو اكثر زبداً وصخباً من النيل الارزق، قد تري موجه المزبد وآذيه المصطفق يتكسر في عنف وشدة علي الشاطئ، حتي اذا التقي بالنيل الارزق عند الخرطوم شد من ازره واخذ يساعده وتكاتف الاثنان معاً في مرحلة الحياة التي ليس لها أول ولا آخر وهكذا يسيران وقد صارا نيلاً واحداً وقلت وحشتهما وزاد انسهما، فتلمح نجواهما وشعورهما بالرضاء الوادع، والحكمة الهادئة، وهما يندلفان في سير سريع ماسار الزمن وبقيت الحياة..
    وهذا الجمال ما شأنه؟ هذا الجمال الساهي الوادع التي تستمرئه النفس لأول نظرة ويفرح له اللب، وتجزل الروح، ما له يميل بذهني الي خواطر محزونة، وصور مشجية؟ هذه السفن التي تنبسط أمامي اجلها في خوف – ولعل السبب موت خال لي غريقا في سفينة بخارية في النيل الارزق. وتوتي منبسطة هي الأخري امامي، مالها تثير في نفسي شجوناً حزينا. وما لشجوها الكئيب الذي لم يبق له الا ان يدفع، وما هذه الحشة المخيفة، وما لرمالها الناصعة تبحث في نفسي شعور الأسي والذكريات الأليمة؟.. وإنني لاذكر (توتي) واذكر ايامها لي بها، واذكر زرعها واذكر مجدها، واذكر تلك الخضرة ملء العين والبصر نهاراً، وهي الجلال والاطياف والخوف ليلاً واذكر – ويالشدة ما أذكر – أذكر أبي وأذكر بيت ابي، اذكر ذلك البيت القائم وسط الزرع وحيداً لا اخ له، كالشارة الموسومة وسط ذلك الزرع الحافل، أين كل ذلك اليوم؟ لقد مات ابي واضمحل الزرع وتهدم البيت. وما بقي منه سوي الجدران والتراب، صار مأوي حيوانت ضارية، تسكنه الهوام ويعمره الخراب الماثل للعيان.
    وهذا الشارع الجميل المنسق علي ضاف النيل الازرق ماذا يترك في نفسي من إحساس؟ لا تزال صورته التي رأيتها وانا طفل بام درمان مرسومة امام ناظري وهي صورة فيها من الحنين والشوق والقدم مالا سبيل الي وصفه علي ان ما يعني العالم بخواطر حالم مثلي؟ وهؤلاء بعض الناس يتحدثون في شغب وقد خرجوا من دار السينما وبما كان هنالك حفلة راقضة! وفي البحر حيتان، وفي الشجر أطيار نائمة، وغير هؤلاء وأولئك من اعمال متباينة، وحالات مختلفة. ماذا يعني كل هذا التناقض سوي طريق الحياة وشمولها وعدم معرفتها للسهولة، بل هي (الشدة) وهي القوة الغازية! تلك هي ام درمان وادعة نائمة، ومن يدري ما بداخلها من المتناقضات ومختلف مظاهر الحركة والسكون، وشتي مظاهر العاطفة والشجون. وإنني لاذكر النيل الابيض وسفرتي فيها وأنا ما زلت صبياً حدثاً كيف نسيت نفسي في مرح وبساطة وانا علي السفين! كلها ذكريات قوية واضحة تتسلل الي ذاكرتي. لتملأ مجلداً ضخما زما تغني! وإنني لاذكر ليالي المدرسة، وسماعي ذلك (البوري) الذي يهز كياني هزا، ويلج نفسي ويذكرها بمن مات من اهلي وأحبابي! ولا ادري اي علاقة لذلك الصوت وتلك الذكريات المخزونة، فلرمبا لان خالي كان ضابطاً وان ذلك (البوري) يضرب لعشاء الضباط، وخالي قد مات !.. وانظر الي يميني فاذكر ضواحي الخرطوم، واذكر (بري) بنوع خاص، ولا اذكر (بري) اليوم وانما اذكر (بري) اليت لم ارها بل سمعت عنها واصغيت الي اناشيد الفتيات واغانينهن في مدحها (بري الطراوة والزول حلاوة) ان ذكر هذه الجملة ليمثل امامي صوراً من الماضي قوية، حية أشد ما تون حياة وقوةّ يالصور الماضي ويا لشجوه وحنينه! اذكر شوقي الي الماضي. واذكر حنيني الي المجهول. واذكر شعور الاغتباط والجمال الفني الذي اشرف عليه عند مشاهدتي النيل في تلك الليلة، فأقول ياللعجب! أتراني اود ان اعيش الماضي والحاضر والمستقبل في ساعة واحدة يالنهم الحياة، وطبع الانسان، وعطش العواطف.
    فأنا الآن اذكر كل هذا، اذكر الليلة القمراء بام درمان وانا صبي العب، واذكر مكاني من الخرطوم ومكان الخرطوم من الكرة الارضية – ان صح انها كرة – اذكر الخرطوم وجمالها الساهي، وصفاءها الصامت ورونقها واحلامها وصمتها وما يحيط بها من ضوضاء، وما يتصل باسمها من اسماء تاريخية، وهالات وحروب، واذكر الحيتان في قعر النيل، واذكر الشجر في وقفته الكئيبة، ووحشته الدامعة، واذكر عوالم اخري شهدتها، او قرأت عنها.. واذكر ابي واذكر اختي التي فارقت هذه الحياة واذكر هؤلاء الراقصين القاصفين، واذكر الجمال الماثل لعيني، واذكر غير هؤلاء أشياء كثيرة لا صلة بينها ولا قرابة عندها.. فأسأل نفسي ماذا تعني كل هذه الاشياء وليس من مجيب.. سوي ننا في هذه الحياة وسنظل فيها الي ابد الابدين، لان نعرف عنها شيئاً يرتاح اليه الضمير.. ويسكن عنده الخاطر واذا انا في هذه الخواطر المسائية اشعر برعشة في جسمي. واحس بدمعة في عيني.. فما ادري اهذه الدمعة شعور بجدل الحياة ام هي بكاء عليها؟ غير انني اعرف انني اذهب واعمل بعد ذلك كما يذهب اناس كل يوم ويعملون.


    نشرت في (السياسة الاسبوعية) العدد رقم 246 – 22 نوفمبر سنة 1930م.


    .
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور منصور
    المفكر المزعج


    ولد معاوية محمد نور منصور فى سنة 1909م فى حى الموردة بأم درمان وكان ذلك فى منزل جده محمد عثمان حاج خالد وكانت عائلته تحتل مكانة خاصة فى المجتمع انذاك من حيث العراقة والثروة .. وكان والده من كبار تجار أم درمان اذ كان يمتلك الكثير من الاراضى الزراعية بجزيرة توتى موطنه الاصلى .
    تنتمى أسرة معاوية لقبيلة العمراب ، وهم فرع من فروع الجعليين الذين اتخذوا من منطقة جبل أم على مقرا لهم .
    نشأ معاوية وسط اسرتين عريقتين بأم درمان وتوتى ، واظهر معاوية قدرا كبيرا من الفطنة والذكاء وهو لا يزال صغيرا ، فكان محل رعاية واهتمام من معظم افراد العائلة ، كما لاحظ افراد اسرته أيضا حساسيته وتوجسه السريع وخوفه من ابسط الأشياء
    ولما بلغ العاشرة توفى والده فكفله اخواله واهتموا به خاصة خاله الدرديرى محمد عثمان الذى لم يقف عند حدود التربية فحسب بل كان يشجعه ويناصره وفى ذلك يقول فى مذكراته : ( نبعت العناية الخاصة التى اوليتها لأبن اختى المرحوم معاوية محمد نور عندما توسمت فيه نبوغا مبكرا واستعدادا أدبيا ممتازا ) التحق معاوية نور فى بداية مسيرته التعليمية بالخلوة ثم المرحلة الأولية بمدرسة أم درمان الاميرية ثم الوسطى (الابتدائية ) بنفس المدرسة ثم كلية غردون التى انخرط فيها بالدراسة الاكاديمية وفيها عرف معاوية بحبه للبحث والمطالعة كما لوحظ أيضا ارتباطه الوثيق بمكتبتها العامرة التى اخذ ينهل منها دون ملل أو ضجر . احب معاوية فى كلية غردون الأدب الانجليزى وعكف على دراسة ادبائه
    شهدت هذه الفترة المبكرة من حياة معاوية ظهور مقالاته الأدبية الأولى على الصفحات الأدبية لجريدة الحضارة ولم يوقع على هذه المقالات باسمه الحقيقى انما ذيلها باسم (مطالع ) .
    اكمل معاوية دراسته الثانوية بكلية غردون فى 1927م بتفوقه المتواصل الذى كفل له الاختيار ضمن طلبة مدرسة كتشنر الطبية . وقد كانت دراسة الطب حلما لكل شاب ، ولكن معاوية كان غير ذلك .. درس الطب لمدة عامين ثم اخذ يتبرم من دراسة الطب وبدأ يتطلع لدراسة الآداب خارج السودان .. حتى فر إلى القاهرة لتحقيق حلمه بدراسة الآداب .. كان هروبه صدمة لأهله الذين عملوا على اعادته للخرطوم ، ونجحوا فى ذلك ، واعيد معاوية للسودان ، إثر عودته لم يبد رغبة فى العودة لمدرسة الطب مرة اخرى اتجه معاوية هذه المرة إلى لبنان وبعلم الأسرة للدراسة .
    واصل معاوية جهوده فى البحث وكتابة المقال الأدبى خلال الأعوام الأربعة التى قضاها بلبنان دارسا ، وراسل خلالها الصحف المصرية واتصلت رسائله بالعقاد . وكانت هذه الفترة من اخصب سنين معاوية نور فى الكتابة .
    وبعد الانتهاء من الدراسة فى القاهرة رحل معاوية إلى مصر وعمل فى مجال الصحافة بصحيفة مصر مشرفا على الصفحة الأدبية اضافة إلى مراسلة المجلات الاجنبية مثل التايمز اللندنية ، وكانت وقتها لا تحفل الا بمفكر راسخ فى العلم والأدب والسياسة فاحتفت الجريدة بمقالات معاوية وكانت تنشرها فور وصولها .
    عرف معاوية القاهرة وعانى فيها معاناة الأديب الذى لايمل مواصلة البحث ، وعاش فى خضم حركتها الأدبية واتصل بكبار ادبائها جالسهم وتفاكر معهم ، عرفه الأدباء ولفت انظارهم بطريقته المتفردة فى تناول الموضوعات ثم بملاحظاته الذكية
    رجع معاوية مشحونا بآماله إلى السودان وابدى رغبة فى التدريس بكلية غردون وبالفعل تقدم بطلب للالتحاق بهذه الوظيفة ولكن طلبه رفض من الانجليز الذين كانوا يعملون على ابعاد كل سودانى متعلم خارج السودان ومنعه من التوظيف بحجة ان مستواه اعلى من التدريس بالكلية .
    حاول الانجليز بعد رفضهم طلب معاوية ارضاء اسرته وابداء حسن النية تجاهه ، وحاولوا أيضا الخروج من حيرتهم تجاه المفكر المزعج ، فجادت ايديهم بوظيفة صغيرة وهى سكرتيرا لتحرير جريدة الغرفة التجارية ، وقد رفض معاوية هذه الوظيفة فى بداية الأمر ولكنه قبل تحت الحاح اسرته الشديد وبدأ الضيق والملل يتسرب إليه وبدأ بالحنين الى القاهرة فقرر العودة وترك الوظيفة بعد شهور من تعيينه فيها .
    عاد معاوية مثقلا بالاسى والالم ولم تكن هذه العودة لفشله فى ايجاد وظيفة فحسب ، وانما كان يساوره احساس عميق بالغربة فى وطنه وبين أهله ، فرجع معاوية إلى القاهرة فى اوائل 1933م ونفسه تميز من الغيظ على المستعمر الذى حرمه متعة الحرية فى بلده ، رجع وهو يحمل هم الوطن فكتب فى جريدة الجهاد خمس مقالات متسلسلة متصلة تحت عنوان ( ماذا فى السودان ) كشف من خلالها السوء الادارى وسياسة الانجليز الخداعة .
    منذ عودته من الخرطوم كان يشعر بالالم فتخيل ان اسنانه هى السبب فخلعها كلها ، مما ضاعف معاناته ، ثم اصيب من جراء ذلك بمرض (البرانويا ) و من اعراضه الشعور بالاضطهاد ،فى 1935م ، فأدخل مستشفى الدمرداش للعلاج ، وبعد خروجه مكث فترة فى القاهرة ثم عاد إلى الخرطوم وبدأ يسترد صحته الجسدية ، ولكن العافية النفسية مفقودة ، وبعد ثلاثة شهور عاد معاوية إلى القاهرة مرة اخرى ، عاد وهو مازال يعانى من هذا المرض النفسى ، واعيد للسودان مرة اخرى وكان ذلك فى العام 1935م وبدأ معاوية غامضا فى هذه الفترة فانعزل عن الناس وبدأت حالته تتدهور .
    وفى اواخرعام 1942م توفى معاوية ودفن بمقابر حلة حمد ، فانطفأ بذلك الطموح المتألق وذلك الذهن المتوقد
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. النور حمد
    معاوية نور: هل كان التوسط ممكنا؟
    {2}



    في المقدمة التي كتبها الروائي الكبير، الراحل، الطيب صالح لكتاب
    الأستاذ السني بانقا (معاوية نور) الصادر عن مركز عبد الكريم
    ميرغني، في أمدرمان، في العام 2006، ناقش الأستاذ الطيب
    صالح مأساة النابغة معاوية محمد نور، مشيراً في أكثر من موضع،
    من تلك المقدمة إلى أن معاوية محمد نور قد "انهزم" و"فشل".
    ولقد استغربت كثيرا في استخدام الأستاذ الطيب صالح للفظي
    "انهزم"، و"فشل"، وهو يلخص الحصيلة النهائية للحياة الملحمية
    التي عاشها الكاتب النابغة معاوية محمد نور!
    تحدث الطيب صالح عن اختيار إدوارد عطية لشخصيتين تأثرتا بالثقافة
    الغربية هما: أمين عثمان باشا، من مصر، ومعاوية محمد نور، من
    السودان. وذكر الطيب صالح أن إدوارد عطية أتي بنموذج أمين عثمان
    باشا كمثالٍ لنجاح عملية التأثر بالحضارة الغربية. قال الطيب صالح:
    ((ذهب أمين عثمان من كلية فكتوريا إلى جامعة أكسفورد في
    إنجلترا، وعاد إلى مصر حيث لمع نجمه واحتل مكانة مرموقة في
    فترة وجيزة، وكان أثيراً لدى الإنجليز، مقرباً من المندوب السامي
    البريطاني)).
    (السني بانقا، معاوية نور، مركز عبد الكريم ميرغني، أمدرمان السودان،
    2006، ص 15). غير أن الطيب صالح علق على رأي إدورد عطية حول
    نجاح أمين عثمان باشا قائلاً، إن قصة أمين عثمان باشا نفسها، قد
    انتهت هي الأخرى بالفشل، وكتب معلقاً: ((لكن حتى هذه القصة
    انتهت بالفشل، ففي عام 1950، أي بعد صدور كتاب إدورد عطية،
    أصبح أمين باشا وزيراً في حكومة الوفد، فاغتيل رمياً بالرصاص
    بتهمة الخيانة)). (المصدر السابق، ص 15).

    السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا، هل يمثل الموت، مبكراً كان أو
    متأخرا، مبرراً لكي نصف تجربة حياتية لفرد ما بالفشل، أو بالهزيمة؟
    وهل في وسع المرء أن يتجنب كل الخيارات والمواقف التي يمكن
    أن تُفضي إلى الموت إغتيالا، كما في حالة أمين باشا، أو تلك التي
    تقود إلى الضغط النفسي الذي ربما أفضي لتدهور الصحة العقلية،
    وإلى الموت المأساوي المبكر، كما في حالة معاوية محمد نور؟
    وهل لكي تكون حياة المثقف، أو الكاتب، أو السياسي، حياةً "ناجحة"،
    يتعين عليه أن يتخير الخيارات التي تضمن له الموت على سريره
    هانئاً، وادعاً، بعد عمرٍ مديد؟! فالأسئلة التي يمكن أن تثور في وجه
    هذه الرؤية الغريبة التي صدع بها الأستاذ الطيب صالح، ربما تناسلت
    لتشمل المعيار الذي وفقه يتم تقييم حيوات الأفراد وإلصاق بطاقة
    "الفشل" أو "النجاح"، أو "النصر" أو "الهزيمة" عليها. كما يمكن أن
    يتفرع الاستفهام في هذه الوجهة ليشمل التساؤل عن طول مضمار
    السباق الذي عند نهايته تتقرر النتائج؟! هل هو مضمار محدود ينتهي
    بالموت؟ أم هو مضمار مفتوح النهايات؟ ففي ما أرى أن مضمار العطاء
    الإنساني، مضمار مفتوح. ومفهوم المضمار المفتوح مفهوم تمليه
    الرؤية الدينية العميقة، التي تقوم على الوعي الكوسمي cosmic
    المستحصد الذي يربط بين عدوتي الغيب والشهادة، ربطا محكما،
    نتيجة لفناء وهم العقل الذي يفصل بين العالمين، اللذين هما ليسا
    سوى عالمٍ واحد، لدى التحليل النهائي. ولا يقوم هذا المفهوم على
    أديم الفكرة الدينية وحدها. فالنظر الفلسفي العميق، يملي مثل هذا
    التصور أيضا، كما هو بَيِّنٌ في خلاصات التجارب الفلسفية المعاصرة،
    لدى فلاسفة الروحانية الجديدة من أمثال كين ويلبر Ken Wilber ومن
    ماثلوه من نقاد فلسفة حقبة الحداثة، وفصلها المتعسف بين الذات
    والموضوع.

    الشاهد، فيما أرى، أن مضمار السباق فيما يتعلق بالعطاء الحياتي
    مضمار لا ينتهي بالموت، ولذلك لا مجال لإصدار أحكام قيمية نهائية
    على أي تجربة حياتية، أو رؤية شخصية، أو نهج حياة شخصي، خاصة
    عندما يتعلق الأمر بالشخوص الإستثنائيين من المبدعين. ما أثبته التاريخ
    أن تأثير الحيوات المبدعة لا ينتهي بالموت.
    بل لقد بقي تأثير بعض الحيوات الإستثنائية خالداً أبد الدهر، رغم أن أصحاب
    تلك الحيوات قد ماتوا ميتاتٍ مأساوية، وكثير منهم مات في عمرٍ مبكر جداً.
    فما دامت التجربة الإستثنائية ذات قدرة على رفد الحياة، وتجديد دمها،
    وما دام اللاحقون يسمعون، أو يقرأون عنها، ويستلهمونها، ويسترشدون
    بقبسها، فإن صاحبها يبقى حياً، وإن غاب عن عالم المحسوس، وانطمر
    جرمه في التراب.

    بدا لي، وأنا أتأمل ما كتبه الأستاذ الطيب صالح في هذه الوجهة، أن الأستاذ
    الطيب صالح يدعو إلى التوسط وإلى الإعتدال، وإلى مجانفة الغلو. ولكن
    هل تتوفر فرص التوسط في كل الأوقات؟ وهل تطورت الحياة عبر تاريخها
    الطويل بالتوسط، وبالإعتدال وحدهما، أم أن الثورات، والشطط، وقلب
    الطاولة على المتشكل الراهن، جملة واحدة، قد لعبت، هي الأخرى،
    الدور الأكثر تأثيراً في كل النقلات التاريخية الكبيرة؟

    كتب الأستاذ الطيب صالح عن نموذج معاوية محمد نور قائلاً: ((أما معاوية
    محمد نور، ثاني الرجلين، فقد شاءت أقداره أن يسلك طريقا آخر، انتهى
    به إلى الهزيمة بطريقة أخرى)).
    (المصدر السابق، ص 16).
    ويقول الطيب صالح في صفحة 17 من نفس المقدمة: ((كانوا يريدون
    أن يأخذ من لغتهم ما يفي بالغرض، لكنه أخذ الأمر مأخذ الجد، فغاص
    في أعماق اللغة. وتبحر في طيات وجدان المستعمرين وعقلهم، كمن
    يبحث عن مفتاح للغز، وحاربهم في ما بعد بسلاحهم وانهزم، لأنه جاء
    باكراً، أبكر مما يجب، ولم يكن أمثاله كثيرين)).
    لقد كرر الأستاذ الطيب صالح، وهو يرسم لحياة معاوية نور محصلة نهائية،
    مستخدما تشكيلة من العبارات التي تصف خلاصة حياته بالهزيمة تارة،
    وبالفشل تارة أخرى. قال الطيب صالح: ((وحاربهم في ما بعد بسلاحهم
    وانهزم))، وقال: ((أما معاوية محمد نور، ثاني الرجلين، فقد شاءت أقداره
    أن يسلك طريقا آخر، انتهى به إلى الهزيمة بطريقة أخرى))، وقال:
    ((وهكذا نجح المحجوب بعض النجاح، بينما فشل معاوية فشلاً مأساوياً)).

    يلمح المرء في كل هذه النصوص التي اقتبستها أعلاه من مقدمة الطيب
    صالح لكتاب السني بانقا، أن هناك إصراراً شديداً من جانبه، على وصف
    خلاصة حياة معاوية نور الإستثنائية، الرائدة، بالهزيمة، وبالفشل، لمجرد
    أن معاوية عاش خياة عاصفة، ولم يحرز في حياته عيشاً مادياً رغداً،
    ولم يلق من القبول من المحيط ومن الوجاهة الإجتماعية، مثلما لقيه
    بعض أقرانه. في حين أن العيش الرغد، والقبول الإجتماعي، والوجاهة
    تأتي غالبا للمثقف، بسبب ممالأة المؤسسات الممسكة بمقاليد الأمور،
    والانحناء لخياراتها. ولقد أجرى الأستاذ الطيب صالح مقارنتين، إحداهما
    بين معاوية نور والتجاني يوسف بشير، والثانية بين معاوية نور ومحمد
    أحمد محجوب، ودعونا نعرض لهاتين المقارنتين.

    المقارنة بين معاوية والتجاني:

    علق الأستاذ الطيب صالح على إصرار معاوية محمد نور على الذهاب إلى
    بيروت ليدرس الأدب الإنجليزي على حساب أسرته قائلاً: ((وربما يكون
    أول سوداني يدرس على نفقة عائلته في الخارج. ولا يملك المرء هنا
    إلا أن يقارن بين إصرار معاوية، ولين عريكة التجاني يوسف بشير،
    الشاعر الملهم الذي أراد أن يسافر ليدرس في مصر، فلحق به أبوه
    إلى محطة السكة الحديد في الخرطوم، واقتاده حزيناً مكسور الخاطر
    إلى أم درمان)). (المصدر السابق، ص 16). غير أن الذي حدث هو أن
    لين عريكة التجاني وانصياعه لأمر أبيه، لم يجولا بينه وبين الموت
    المأساوي المبكر. فحرمانه من ارتياد الآفاق البعيدة التي كان يود أن
    يطالها، ومن رؤية مصر، التي طالما برَّحَ به الشوق للوصول إليها، لم
    يحصنه من غوائل بيئته التي لم تعرف قيمته، بل وضيقت عليه في
    رزقه، وقضت عليه وهو في ريعان الشباب، بل وفي عمر أقل من عمر
    معاوية نور! فالمناخ الذي عاش فيه هؤلاء العباقرة جعل جو المأساة
    محيطاً بهما إحاطة السوار بالمعصم. بل ربما أجرؤ فأقول إن جو المأساة
    الذي أحاط بهم، ربما كان جزءا من حكمة وجودهم نفسه.
    لقد كانت المأساة هي قدر تلك الحيوات الإستثنائية، ولم يكن ليحدث
    أي فرق إن هي قامت، أو قعدت، خرجت من القطر أو بقيت فيه!!

    لربما حالف الأستاذ الطيب صالح الصواب أكثر، لو أنه نعى على الظرف
    غير المواتي الذي أحاط بعبقرية معاوية، بدلاً عن نعيه على معاوية
    كونه لم يرتض الحلول الوسط، واختار مواقف صارمة مما يحيط به،
    أو كونه اختار خيارات لم يكن الواقع مهيأً لقبولها، في ذلك الوقت.
    ولربما يحسن أن نشير هنا إلى أن الحيوات الملحمية كانت جزءاً من
    ديناميات التغيير عبر التاريخ الإنساني. فمثلاً، عاش السيد المسيح
    حياةً ملحميةً، وعاش نبي الإسلام العظيم، عليه أفضل الصلاة وأتم
    التسليم، حياةً بالغة الاستثنائية من حيث ملحميتها. وعموما فإن
    المخاطرة جزء لا يتجزأ من وقود أي تغير جوهري جرى في حياة
    الناس. لابد من من وجود مخاطرين risk takers، بمخاطراتهم تنفتح
    الطرق المنغلقة. حتى أن تنكب المخاطرات الفكرية أصبح مزيةً
    وجزءاً من الأدبيات التي يتم تدريسها في تربية الشخصية من أجل
    خلق الأفراد القادرين على اجتراح المبادرات التي بها يتم تخطى
    السائد، وبها يتم الخروج من الدوائر الشريرة التي تمحق الجهد
    الإنساني، وتقتل الحلم الإنساني. ولو راجعنا التاريخ لرأينا كثيراً من
    النماذج التي تشبه نموذج معاوية نور. وعلى سبيل المثال، نجد أن
    الشاعر الفرنسي الذائع الصيت، جان آرثر رامبو ترك المدرسة وهو
    في سن العاشرة، بعد أن كتب على سبورة الفصل: ((ليس من
    الخير أن نُبلي سراويلنا على مقاعد الدرس!)). وحين بلغ السادسة
    عشر كتب رامبو شعراً مدهشاً، وحين بلغ العشرين كان رامبو قد كتب
    كل الشعر الذي أراد أن يكتبه. توقف عن كتابة الشعر في تلك السن
    المبكرة وذهب في مغامرات شملت منطقة هرر في القرن الإفريقي،
    ومدينة عدن في اليمن، وقضى وهو في السابعة والثلاثين من العمر.
    أما شعره الذي كتبه فلا يزال يشغل الناس إلى يومنا هذا. ومن الأمثلة
    أيضا، الرسام الفرنسي بول غوغان الذي ترك باريس وصالوناتها وذهب
    ليبدع فنه وسط الأهالي في تاهيتي. وعموما فإن ما يسمى بالمزاج
    الفني artistic temperament لا يعطي صاحبه خياراً غير خيار
    المخاطرة، وخيار الحياة العاصفة، وهذا معروف ومتواتر.


    ليس بغائب عن بالي، أننا كلما تقدمنا، ودرجنا أكثر في مراقي التطور،
    كلما تناقصت حاجتنا إلى بذل التضحيات الجسام. غير أن ذلك لا يتم
    إلا حين تكمل العقول، وتسلم القلوب. وأغلب الظن عندي أن اختيار
    نهج المهادنة والتوسط في الوضع الاستعماري الذي عاش فيه معاوية،
    لم يكن ليتم إلا على حساب قيمة الذات وكرامتها. ولقد كان معاوية نور
    من أصحاب العقول الكبيرة، والقلوب الكبيرة، والنفوس الكبيرة، وكما
    قيل قديماً: ((وإذا كانت النفوس كبارا، تعبت في مرادها الأجسام)).

    المقارنة بين معاوية ومحجوب:

    أيضا عقد الأستاذ الطيب صالح مقارنة بين معاوية ومحمد أحمد محجوب،
    جعل فيها كفة المحجوب ترجح على كفة معاوية! تحدث الأستاذ الطيب
    صالح في تلك المقارنة عن محمد أحمد محجوب قائلاً، إن المحجوب
    كان في عمر معاوية، فهو قد وُلد بعده بعام واحد، كما تخرج الإثنان
    من كلية غردون، وكانا كثيراً ما يلتقيان ويناقشان شؤون الأدب، وفق
    ما عرفه الطيب صالح من الأستاذ السني بانقا. ويمضي الطيب صالح
    فيقول، إن الإنجليز فرضوا على المحجوب دراسة الهندسة، رغم
    شغفه الشديد بالأدب، فأذعن لهم، في حين رفض معاوية خيار دراسة
    الطب الذي حاول الإنجليز فرضه عليه. وقد رضخت أسرة معاوية لخياره
    بعد مقاومة، فبعثت به إلى بيروت، على نفقتها، ليدرس الأدب الإنجليزي.
    ويمضي الأستاذ الطيب صالح ليقول إن محجوب تزوج وأنجب وأصاب
    جاهاً كبيراً في حياته إذ أصبح أول زعيم للمعارضة، كما أصبح وزيراً
    للخارجية، ورئيساً للوزراء. يقول الطيب صالح: ((هكذا نجح محجوب،
    بعض النجاح، بينما فشل معاوية فشلاً مأساويا. ذلك لأن معاوية كان
    "أديبا" صرفا وكان "مفكرا" صرفا، ولم يكن يرضى لحياته في الأدب
    والفكر بديلاً، ولم يكن مستعداً للمساومة وقبول أنصاف الحلول)).
    (المصدر السابق، ص 20).

    واضح من كل ما تقدم أن الطيب صالح قد ناقش في مقدمته هذه المشار
    إليها قضية المثقف والسلطة ـ سلطة الحاكم، وسلطة الأب، وسلطة
    المجتمع ـ وفاضل بين الانصياع للسلطة ومجاراتها وبين مواجهتها
    ومقارعتها، مؤثراً الإعتدال والانصياع، والمصالحة، على المواجهة.
    ويبدو أن الطيب صالح كان مهموماً بموقفه هو من قضايا التغيير، ومن
    السلطة بشكل عام. وإني لأرى في تفضيله لخيار المحجوب على
    خيار معاوية نور، واستخدامه للعبارت القوية من شاكلة "فشل"
    و"انهزم" في حق معاوية ما ينم عن محاولة محسوبة لإيجاد ما يعضد
    خياراته هو بما ماثلها من تجارب الأدباء السودانيين. وهذا ما سأتناوله
    بشيء من التوسع في الحلقة القادمة


    .
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. النور حمد
    معاوية محمد نور: كبرياء البُرْءِ من عقدة الدونية
    {1}


    في هذا العام يكون قرنٌ كاملٌ من الزمان قد مر على ميلاد الكاتب السوداني العبقري معاوية محمد نور (1909 – 1941).
    ويتميز معاوية على سائر أبناء جيله بكونه القلم الذي ظل يشغل الساحة الفكرية السودانية، حتى بعد مرور قرابة السبعين عاماً على موته المأساوي المبكر. خرج معاوية على الحياة الفكرية السودانية في عشرينات القرن الماضي كما الشهاب، متوهجاً، مندفعاً في قوةً، وكما الشهاب أيضاً، انطفأ، وتفتت، وتناثرت طاقته الجبارة، في ظلمة السديم الشاسعة. كان معاوية محمد نور نسيج وحده، وأظنه لا يزال، إلى اليوم، نسيج وحده! فهو من جنس العباقرة الذين يعيشون وحيدين، ويموتون وحيدين.

    فكر معاوية بشكل مختلف، في وقت مبكر جداً، في بيئة لا ترحب بالتفكير المختلف. نحت معاوية لنفسه من خامة اللغة الصلبة العصية على التشكيل، أسلوبَ كتابةٍ مُمَيَّزٍ. فعل ذلك في وقت كان فيه الكتاب غارقين، حتى آذانهم، في التزويق اللغوي وفي افتعال حشر المحسنات البديعية في نصوصهم. لا يكاد المتأمل في كتابات معاوية يلمح ميلاً إلى تقليد أحد ممن سبقوه أو عاصروه، أو إعادةٍ لتدوير الأفكار، أو الرؤى، أو الأساليب التي كانت سائدة
    في زمانه. كان معاوية، فرداً، أصيلاً، منمازاً عن القطيع، في فكره، وفي نهج حياته، وفي أسلوبه للكتابة.

    أميز ما يميز معاوية عندي، هو أنه لم يحس بالدونية تجاه أحد من العالمين. قال عنه الروائي الكبير الطيب صالح: ((وكان على حداثة سنه، كما يظهر من مقالاته واسع الإطلاع، معتد بنفسه، ثاقب الرأي في كثير من الأمور، جريئا لا تخيفه الأسماء الكبيرة))
    (السني بانقا، معاوية نور، مركز عبد الكريم ميرغني، 2002م، ص 22).

    نعم، كان معاوية كما وصفه الطيب صالح، ((ثاقب الرأي في كثير من الأمور)). ولقد كان معتدا بنفسه، بالفعل، ولكن اعتداداه بنفسه، فقد كان اعتداداً أصيلاً، لا ادعاء فيه. ولا غرابة!
    فمعاوية من ذوي المواهب العالية، ومن أصحاب العقول الشديدة التوقد. يضاف إلى ذلك أن أطلاعه الواسع والعميق، الذي تفضل الأستاذ الراحل، الطيب صالح بالإشارة إليه قد مكنه، في أحيان كثيرة من أن يطل على أعلام عصره من علٍ، وهو يناقش انتاجهم الفكري والأدبي، وذلك بالرغم من صغر سنه مقارنة بأكثريتهم.

    وفي تقديري أن تعالي معاوية كان من جنس التعالي الذي برء من شائبات الكِبْرِ، والرعونة، ومن سخائم الأنا التي لا تجد سبيلاً إلى رؤية علوها، بغير الحط من أقدار الآخرين. كان معاوية موضوعياً يصوب عقله الوقاد على الموضوع، وليس على صاحب الموضوع. والشمم الذى يبدو على شخصية معاوية لم يكن شمماً ادعاه صاحبه إدعاءً، وإنما كان حُلَّةً إلهية خُلِعَتْ عليه خلعاً. لم يكن تعالِي معاوية تعبيراً عن طاقة نفسية منحرفة منحصرة في مجرد إعلاء الأنا، وإنما كان جزءاً من طاقته العقلية والروحية الكبيرة، التي طفحت من على حواف آنية وقته.

    الإستعمار الثقافي وعقدة الدونية:
    ما من أمة تعرضت إلى الاحتلال بواسطة الأجنبي، وإلا تعرضت لقدر
    من الإستعمار الثقافي والإستتباع. ولقد حكمت مصر التركية السودان في الفترة من عام 1821م وحتى عام 1885م، ثم عادت عقب انهيار الدولة المهدية، لتحكمه مرة أخرى في شراكة مع الإنجليز، في الفترة ما بين عام 1898م إلى عام 1956م. وكان من أبرز آثار الحكم المصري في الحقبتين، هو تمكين الفقه العثماني الوافد، على حساب التصوف السناري السوداني، وفقهه الذي تشكل على أديم التربة السودانية. جلبت التركية للبلاد المؤسسة الدينية الرسمية التي تم إنشاؤها أصلاً لتكون ذراعاً للسلطة الحاكمة. وسار الإنجليز، حين جاءوا، على نفس ذاك النهج التركي الذي يستخدم الدين
    المؤسسي الرسمي كذراع للحكم. قاد ذلك الوضع، الذي عرضته هنا بصورة مبتسرة جدا، إلى نوع من الإستتباع الثقافي للسودان، للمنظومة العقلية العثمانية شرق الأوسطية، التي كانت حكومتها الرسمية في الاستانة قد ذهب ريحها، إلا أن عقلها الفقهي بقي، واستمر فينا إلى اليوم. ولقد تركت تلك الفترة الكثير من الآثار السلبية على الحياة الفكرية والثقافية في السودان. ولذلك فإن من الآثار الضارة للإستعمارين التركي، والإنجليزي المصري، نشوء عقدة الدونية تجاه المصريين، وسط المتعلمين السودانيين الأوائل، وانصرافهم عن سبل إحياء ثقافتهم الوطنية. فهم حين وعوا محيطهم بقدر مناسب، أحسوا بوضعية الهامش التي تم وضعهم فيها. غير أنهم لم يتصدوا لمعالجة ذلك الوضع بالعمل على تنقية ثقافتهم من الآثار الوافدة السالبة، التي ألحقها بها الإستعماران التركي، والإنجليزي المصري، وإنما اتجهوا، ومنذ الوهلة الأولى، إلى تبني حالة الأخ الصغير، الذي يتوسل أن يؤخذ بيده، فانحصرت جهودهم في الإلحاح، بشتى السبل، على طلب الإجازة من المركز، في القاهرة وغيرها من حواضر شرقي المتوسط.

    ولإلقاء قليل من الضوء على حالة انكسار الأدباء السودانيين تجاه رصفائهم
    المصريين، أحب أن أعرض إلى حادثتين، ورد كلتاهما في كتاب الأستاذ حسن نجيلة، (ملامح من المجتمع السوداني). يقول نجيلة: (وتطلع علينا مجلة الفجر لصاحبها المغفور له عرفات محمد عبدالله في عددها الصادر في يوم الأحد 16 مايو 1937 فتحمل في بابها الأسبوعي "آداب وفنون" على هؤلاء المتشاعرين الذين ملأوا أعمدة الصحف بشعرهم عن الجارم)).
    ولقد جاء في مجلة الفجر، في العدد الذي أشار إليه نجيلة، هذا النص الذي نقله نجيلة عن عرفات محمد عبد الله. يقول نص عرفات: (والذي دعانا إلى هذا الحديث هو هذا الفيض من الشعر الذي امتلأت به أعمدة الصحف بمناسبة مقدم الشاعر المصري علي بك الجارم فكل من استقام له الوزن ساق القريض إلى ملك القريض مادحاً أو شاكياً وفيما يبدو لنا كانوا ينتظرون منه إصدار حكمه على مبلغ شاعريتهم. بل ربما انتظر البعض منهم أن يعطيه الجارم ـ ورقة براءة ـ كتلك التي يوزعها القسس أيام محاكم التفتيش)).

    (حسن نجيلة، ملامح من المجتمع السوداني، دار عزة للنشر والتوزيع، الخرطوم، 2005، ص522). واضح مما خطه قلم الأستاذ، عرفات محمد
    عبدالله، فيما أورده عنه الأستاذ حسن نجيلة، مبلغ تهافت أولئك "المتشاعرين" على الإجازة من قبل الشاعر الزائر علي بك الجارم مما حدا بعرفات على شن تلك الحملة الشعواء عليهم.

    أيضا، يحدثنا نجيلة، في نفس كتابه الشيق، (ملامح من المجتمع السوداني) عن زيارة الأستاذ محمود عباس العقاد للخرطوم في بدايات الأربعينات من القرن الماضي، وكانت بعد حوالي الأربع أو الخمس سنوات من زيارة علي الجارم، مشيراً إلى محاضرته أمام المثقفين السودانيين، بدار الثقافة في الخرطوم. كتب نجيلة عن تلك المحاضرة قائلا: (ولعل دار الثقافة منذ إنشائها لم تشهد حشداً من المثقفين وعشاق المعرفة مثل الحشد الذي تجمع ليستمع للعقاد وهو يحاضر عن الثقافة، فقد تحدث حديثاً سامياً رفيعاً صَعُب على كثيرٍ من المستمعين أن يلاحقوه فيه، ولما فُتح باب النقاش عقب المحاضرة ظهر قصور آفاقنا الثقافية آنذاك عن مناقشته، أما الذين تصدوا للنقاش فسرعان ما تكشف ضعفهم فاستسلموا صاغرين)).
    (المصدر السابق، ص 314).

    ودعونا نتأمل عبارات مثل: (تحدث حديثاً سامياً رفيعاً صعُب على كثيرٍ من المستمعين أن يلاحقوه فيه)، و(ولما فُتح باب النقاش عقب المحاضرة ظهر قصور آفاقنا الثقافية آنذاك عن مناقشته)، و(أما الذين تصدوا للنقاش فسرعان ما تكشف ضعفهم فاستسلموا صاغرين)! ألا تحمل كل تلك العبارات دلالة على حالة فظيعة من الإنسحاق والإحساس بالدونية؟! فالعقاد، مع سمو مكانته الأدبية وصيته الذي ملأ النصف الأول من القرن العشرين، في الشرق العربي، ليس ذلك المفكر الذي يصعب فهمه أو مجاراته.
    وفي تقديري، أن الذي أنشأ ذلك الإحساس بالانسحاق ليس قامة العقاد الفكرية الحقيقية، بقدر ما هي الهالة التي باعتها لنا آليات الثقافة المصرية المعاصرة وهي تروج نفسها، محاولةً استتباع هامشها المحيط بها، واشتريناها نحن منها دون فحص يُذكر.
    غير أن هناك من بين السودانيين من برء من مثل هذه الإحساس بالدونية، برءاً تاماَ، وعلى رأس هؤلاء النابغة، معاوية محمد نور، والأستاذ محمود محمد طه. ناقش معاوية أدب العقاد، وأدب شوقي، وأدب المازني وسرقات المازني الأدبية، وأدب طه حسين، ورومانسية علي محمود طه المهندس، وغيرهم، من منصة الناقد الند.
    وناقش بعده كبار الكتاب المصريين، وبندية تامة، الأستاذ محمود محمد طه. فعل ذلم مع كل من طه حسين، وعباس العقاد، وأحمد لطفي السيد، ومحمد النويهي، وخالد محمد خالد، ومصطفى محمود.
    (راجع كتابيه "رسائل ومقالات" الجزئين الأول والثاني

    أما عن الليلة التي جرت في نادي الخريجين إبان زيارة الأستاذ عباس محمود العقاد، فقد كتب نجيلة، ما نصه: ((وفرغ المتحدثون والشعراء واتجهت الأبصار إلى العقاد، فقام ومشى نحو المنصة وئيد الخطى مديد القامة.. وقف ليرد ـ وسمعنا عجبا. فقد أذهلنا بقوة ذاكرته، أخذ يرد على المتكلمين واحداً بعد واحد، كان يلمس أفكار المتحدث أولاً في رفق، ثم يأخذ في كشف أخطائه الفكرية واللغوية ـ وقد حفظها عن ظهر قلب. وما يزال به حتى يتركه أثراً بعد عين)) .
    (المصدر السابق، ص 320).

    ودعونا نتأمل في النص أعلاه "الدرمتة" dramatization التي قام بها الأستاذ حسن نجيلة لمشهد العقاد وهو ينهض للرد على المتحدثين.
    قال نجيلة: (فقام ومشى نحو المنصة وئيد الخطى مديد القامة).
    ودعونا نتأمل: (كان يلمس أفكار المتحدث أولاً في رفق، ثم يأخذ في كشف أخطائه الفكرية واللغوية... وما يزال به حتى يتركه أثراً بعد عين)!!
    ودعونا نلاحظ أيضا، أن العقاد لم يجد بأساً أو غرابةً في يقوم بدور "المصحح" لأفكار المتحدثين وللغتهم أيضا! ونجيلة لا يرى بأساً أن يمسح الزائر المُحتَفى به بمضيفيه الأرض، ويتركهم (أثرا بعد عين)!! لقد منح كثير من طلائع الكتاب المصريين أنفسهم موضع الأستاذية التي لا نزاع عليها، ورسم كثير منهم هالات زائفة لأنفسهم، اشتريناها نحن منهم، فسدت علينا الأفق. ولم ينفذ من ذلك الأفق المسدود سوى قليلين، على رأسهم (الولد القلبو محدثو) معاوية محمد نور. ولو كان معاوية حياً حين وفد العقاد إلى الخرطوم لربما تواضع العقاد بعض الشيء، ولربما استقوى المبهورون بالوافد دونما
    مساءلة، بما يمكن أن تجبر به كسرهم وقدة عقل معاوية وجرأته العالمة، وعدم تهيبه للأسماء الكبيرة.

    نعم، برء معاوية بُرْءاً تاماً من الإحساس بالدونية تجاه الآخرين، في وقت كان فيه الإحساس بالدونية، سمةً غالبةً لدى أدبائنا، خاصةً تجاه رصفائهم في شمال الوادي. وهذا المقال في الإحتفاء بذكراه إنما يركز على هذه الخاصية التي تميز بها هذا المفكر، والأديب، والفنان، المقتدر. لقد وُلد معاوية ليكون شمساً تدور حولها الكواكب، لا كوكباً يتخذ لنفسه مداراً حول أي شمسٍ من شموسِ وقته، بالغاً ما بلغت. ولا غرابة إذن أن حمل معاوية صليبه وتابوته، لم يساوم، ولم يتراجع حتى اغترب بعقله لسبع سنوات غيبه بعدها الموت، وهو بعد في الثانية والثلاثين من العمر.



    ...............
    صحيفة الأحداث 14 ديسمبر 2009

    .
     
    آخر تعديل: ‏20/10/14
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    احمد محمد البدوي
    معاوية محمد نور مع سيد قطب وريادة المدرسة العقادية


    اذا كان العقاد رأسا لمدرسة ادبية ركينة، ذات افق محدد المياسم، على صعيد النظرية الادبية، ولها تجليات حادة وموارة، على صعيد النقد التطبيقي. فإن من ابرز ينابيع العقاد التي استقى منها مفاهيمه عن التجديد التي لونت بيانه الشعري، عن منوعات جوهر الفن الشعري ومعمار القصيدة، ما استمده من الادب الانجليزي، ولا سيما كولردج وهازلت، والشعر الرومانسي الانجليزي الذي يصر محمد مندور علي حصر معلومات العقاد ابان مرحلة كتابة الديوان، في النصوص التي حواها كتاب الاختيار الشعري الرائج في مطلع القرن العشرين، الكنز الذهبي.

    ومن نافلة القول ان معاوية محمد نور، على دراية بتلك المنابع المحدودة، وان درايته اكثر رحابة - افقيا، وأشد عمقا، رأسيا، بالشعر الانجليزي، بحكم تخصصه الاكاديمي في مجال اللغة الانجليزية وآدابها، وبحكم شغفه المعرفي بموالاة القراءة في مضماره الأثير: الادب.

    وهو سابق من حيث الزمان، على سيد قطب الذي اكمل دراسته الجامعية في كلية دار العلوم ، عام 1932م، اي بعد معاوية ولم يكن لسيد قطب ادنى إلمام باللغة الانجليزية يومئذ او أي لغة من اللغات الاوربية ، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م، حيث شرع في تعلم الانجليزية ، ومن ثم كان على أيام سطوع نجم معاوية، يعتمد اعتمادا تاما على النصوص المترجمة الى العربية ..

    من سمات النقد الذي سطره معاوية، عن العقاد واتجاهه الادبي، انه يعمد الى الإعلاء من شأن العقاد الشاعر، وينظر بعين الانتقاص والزراية الى نتاج ادباء، للعقاد رأي سلبي في اعمالهم.

    فشعر العقاد يبدو في مرآة معاوية الذي قال:
    (إن شعر العقاد يكاد يتفرد في الشعر العربي الحديث، بجمال القطع الشعري، ودقة القالب الفني، وصرامته، فما اعرف احدا من هؤلاء الشعراء استطاع ان يعبر في و ضوح وجلاء لفظي، مثلما عبر العقاد في موضوعات شعرية).

    اما خيال العقاد فيقول عنه معاوية:
    (خيال صحيح، لأنه بعيد الغور، عميق الاصل، صحيح النسب بالحياة والفكر).
    تتحقق فيه كل مقومات (الخيال) الصحيح من حيث يبدأ من مثالب:- الوهم، ومن يداني معاوية في معرفة الخيال، والخصائص المميزة له عن الوهم بتشويشه، وفقدانه صلة النسب بالحياة، اما سيد قطب فيقول عن خيال
    العقاد:
    (يعيش العقاد صاحي الذهن، لا يهوّم إلا نادرا، ولا يتوه فيما وراء الوعي).
    وهنا يتطابق الرأيان في نعتهما خيال العقاد ، فماذا يكون الخيال صحيح النسب بالحياة والفكر، غير الخيال الذي لا يتوه وراء الوعي؟ الصاحي الحس!

    ولنا ان نستدل هنا بنصين عن المازني. النص الاول كتبه معاوية عن المازني:
    (خصائصه الجيدة ترجع الى اسلوبه.. وملاحظة الدقائق والصغائر).
    في حين كتب سيد قطب عن المازني:
    (أما مزية المازني الكبرى.. فعين المازني تأخذ الحياة بالتفصيل)، يتفق الرأيان، بل يتقاربان في العبارات المؤدية الى درجة التطابق.

    معاوية: خصائصه الجيدة.
    سيد قطب: مزية المازني الكبرى.
    معاوية: ملاحظة الدقائق والصغائر.
    سيد قطب: عين المازني تأخذ الحياة بالتفصيل.

    ان العلاقة بين معاوية وسيد قطب لا تنحصر في السبق الزمني، وعمق المعرفة بالقضايا والمفاهيم التي تناولها العقاد، ووقف في الساحة مروجا لها ومنافحا عنها.
    وانما يحق لنا ان نميل الى ان معاوية نور يمثل احد منابع سيد قطب، في معرفة حركة التجديد والحداثة، وفي الإلمام بما كان العقاد يعبر عنه ويدعو له، في شعره ونقده.

    ولم يكن معاوية اوقف قلمه على الدفاع عن العقاد، مثلما فعل سيد قطب، (مثل مساجلاته مع الرافعيين، في معركة القرن العشرين بمجلة الرسالة (1937 - 1938م)، بل كان معاوية صاحب موقف مستقل، ولكنه اذا كتب العقاد، نوّه بتميزه، وقيمه الايجابية في مجال الشعر، وقد كتب معاوية عن العقاد باللغتين العربية والانجليزية .

    ولكن من كتبوا عن حركة التجديد وريادة العقاد لجانب منها، او عن (مدرسة العقاد)، اغفلوا مكانة معاوية وريادته، لأسباب يعرفونها هم.
    بل تعاموا إسهام آخرين، مثل بابكر احمد موسى ومحجوب باشري، ممن كانت لهم صلة باتجاه العقاد، منذ الاربعينيات ، بعد رحيل معاوية
    .

    .
     
    آخر تعديل: ‏20/10/14
  13. حسين الدمرداش محمد العدل

    حسين الدمرداش محمد العدل مشرف إسلاميات طاقم الإدارة

    قصيدة جميلة لقامة سامقة من قامات الأدب العربي في تأبين أديب وناقد اتخذ
    الصدق سبيلا وحيدا في كتاباته ونقده فأحبه أعداءه قبل أصدقاءه
    تحية تقدير لهذا العقل الكبير الذي يتحفنا بين الحين والحين
    بكل مالذ وطاب من درر مستقرة في قاع بحر الأدب
    أبو إسلام المصري
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة




    تحية وسلاما صديقي ابو اسلام وشكرا لك على تعليقك بخصوص هذا المفكر السوداني العبقري الذي عايش وصادق وناقش كبار الادباء المصريين من كتاب وشعراء وروائيين مصريين كبار ، فانتقدهم بجسارة في مسائل ادبية الند للند دون ان يثنيه صغر سنه ..
    مودتي

    .
     
    أعجب بهذه المشاركة حسين الدمرداش محمد العدل
  15. حسين الدمرداش محمد العدل

    حسين الدمرداش محمد العدل مشرف إسلاميات طاقم الإدارة

    لم يكن مايظهره الأديب الألمعي معاوية محمد نور كبرياء بالمعني المفهوم والمذموم
    وإنما كان محاولة منه لوضع كل شئ في مكانه الصحيح بغير تهويل ولا تزييف
    شكرا أخي نقوس علي هذه المائدة الدسمة
    أبو إسلام المصري
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد العزيز حسين الصاوي
    له من إسمه نصيب .. معاويه محمد نور



    من المؤسف ان بوادر الاهتمام المتزايده بأرث معاويه محمد نور الثقافي مؤخرا لم تفلح حتي الان في إقامة الاحتفال بذكري ميلاده المئويه خلال هذا العام الذي تحل فيه ( 1909-1941 ). في الحدود القاصره لمتابعة كاتب المقال الذي ساهم بجهد المقل في ضربة البدايه ( الاحداث 23 ديسمبر 2008 مقال " الاحتفاء بالضوء الاول " )، شهد اكتوبر الماضي مجموعة من الجهود الفردية والجماعيه. في الاول من الشهر نشرت جريدة الميدان اكثر من مقال حول معاويه محمد نور بينما شهد اواخره مايتجاوز المائتي تعليق ومداخله في ملف فتحه احد اعضاء مجموعة سودانيز اون لاين الانترنتيه، وفي السابع منه نشرت جريدة الرأي العام خبرا يفيد بأنعقاد اللجنة التحضيرية المختصة بالدعوة للاحتفال بالذكري المئويه بمركز عبد الله الطيب يوم الاحد 4 اكتوبر " حيث ناقشت التجهيزات لقيام الاحتفاليه". واخر حلقات هذه المتابعه هما مقالا الدكتور النور حمد ( الاحداث ألاول والسابع من ديسمبر 2009 ) اللذان ينطويان علي أهمية خاصة لكونهما صادرين عن استاذ فلسفه وهم الفئة الاقدر من غيرهم علي إعادة اكتشاف معاويه محمد نور من الزاوية التي يعتبرها صاحب هذا المقال الاكثر استجابة لحاجاتنا المصيريه اليوم، وتاليا الاكثر اهمية، وهي موقعه ك "علم التنوير السوداني الاول " أي المعرف بالالف واللام، لاينافسه في ذلك الا الشيخ بابكر بدري وهذه قصة اخري. فكما ان مايعرف بعصر التنويرالاوروبي خلال القرنين السابع والثامن عشر الذي يشكل اساس اكثر حضارات العالم حيوية وازدهارا الان وحتي اشعار اخر، له أعلامه من المفكرين والفلاسفه، كذلك هناك في الاثار الكتابية التي تركها معاويه محمد نور مايجعل من الممكن، دون مبالغة حالمه أو تحيز شوفيني، المجادله بأنه يستحق هذه الصفه محددة، بطبيعة الحال، بمعايير سياق التخلف التاريخي السوداني. فأذا سلمنا بصحة المقولة التي اثبتتها التجربة التاريخية الاوروبيه من انه :" لاديموقراطيه بدون استناره " أدركنا ان شق طريق الخروج الديموقراطي من ازمة المصير السوداني مهمة مستحيله دون فحص طبيعة علاقته بأرهاصات عصر ( التنوير ) السوداني الذي توفر كتابات معاويه محمد نور المادة الاكثر ثراء بأشاراته وموحياته، وكيفية إحيائه مستداما. من هنا الحاجة الماسة لتعريف الفضاء الثقافي والفكري والسياسي السوداني بماهية عصر التنوير الاوروبي وتياراته الفلسفية والفكريه ومقوماته في الثورة الصناعية والاصلاح الديني والصراع بين البورجوازية والاقطاع، بواسطة الاساتذة المتخصصين، والقيادات الثقافية عموما، في قاعات الدراسة الجامعية وخارجها ومن ثم صلة إرث معاويه محمد نور به. حينها يمكن المضاهاة بين إسم علم التنوير السوداني هذا وأسماء اعلام التنوير الاوروبيين من أمثال أمانويل كانت وهيردر وفيخته وهيقل (المانيا ) وجان جاك روسو وفولتير وديكارت ( فرنسا ) وهيوم وهوبز وجون لوك (بريطانيا ). المطلوب اذن ان تتجاوز بوادر الاهتمام بمعاويه مؤخرا الطابع الاحتفالي و حتي القراءة الاعمق لدوره كمثقف نوعي، الي ايقاظ الذاكرة النخبوية السودانيه علي موقعه في هذا الاطار بالذات. فدون التقليل من اهمية اسماء ثقافية وفكرية اخري من زمان العشرينات والثلاثينيات لعبت دورا في الساحة الثقافية للمعركة السياسية مع الاستعمار، ينهض إنتاج معاويه الادبي والفكري نسيج وحده نموذجا لنوعية الثقافة التي كانت مطلوبة لتجنب أخطر مزالق بعد الاستقلال وهو ذبول الديموقراطيه كعقليه وأسلوب حياه العائد الي ضعف بنيتها الاستنارية التحتيه وهذا هو السبب الجوهري الذي جعل ظهرها مكشوفا امام الانقلابات وليس ميول أفراد وجماعات وفق السائد في الفكر السياسي السوداني... فهذه لم تنشأ من فراغ.
    إذا راجعنا مجمل كتابات معاويه ( الاعمال الادبيه لمعاويه محمد نور ، ،رشيد عثمان خالد، دار الخرطوم ) سنلاحظ أن اقباله علي النهل من الثقافة الغربيه يتسم بالعمق والايجابيه بمعني انه تفاعلٌ مع الحضارة الغربيه يتعدي مجرد الاستيعاب الموسوعي الي إدراك نقدي لجوانب الضعف فيها. أبرز أمثلة ذلك نجده في ص 257 حيث يعالج مسألة العلاقة بين الحضارة الغربية والاستعمار. علي ان كاتب هذا المقال يلمح في انتاج معاويه محمد نور إستشعارا مبكرا بماهو اهم بكثير من هذه المسأله فيما يتعلق بالوعي النقدي للحضارة الغربيه. ففي مقال نشر عام 1932 ( صفحة 250) إهتمام بكتاب عنوانه " فوضي العالم ومسئولية العلم " يدور حول الوجه السلبي لتيارات التنوير والعقلانيه من خلال التلخيص والتعليق الاضافي. والمعروف أن هذا التوجه ظهر بعد ذلك في الاربعينات إثر الحرب العالمية الثانيه ممثلا فيما اطلق عليه " مدرسة فرانكفورت " التي تبرز فيها اسماء مثل هوركهايمر وادورنو ثم هربرت ماركوزه صاحب كتاب " الانسان ذو البعد الواحد " في الستينيات، ويتمحور نقدها لتيارات التنوير حول ان تركيزها علي تسييد العقل والعلم علي الطبيعة والانسان ( العقل الأداتي ) كان السبب وراء اغتراب الانسان وتحوله الي شئ بل وتذهب بعض مكونات هذا التيار النقدي الي تحميلها مسئولية الحروب الاوروبيه. إذن، هنا ايضا يتعملق إرث معاويه محمد نور عند المهتمين بشق مسار جديد وانقاذي فعلا للمستقبل السوداني إذ ينبهنا الي ان دعوتنا الي التركيز الملح والضروري علي موضوع التنوير بسبب علاقته العضوية بالتنمية الديموقراطيه كحاجة حياة او موت للسودان، ينبغي ان يتم بأعين مفتوحة علي المزالق التي ينطوي عليها التعامل مع الحضارة الغربيه.
    بعد ذلك هناك مالم يكتشف بعد من كتابات معاويه محمد نور. هذا امر متوقع بسبب ضعف الاهتمام الحقيقي به حتي الان وفي احدي مداخلات شباب سودانيز اون لاين المشار اليها سابقا ورد الاتي : " واثناء دراستي بمعهد البحوث والدراسات العربيه بمصر وفي مكتبة الاداب قرأت رسائل الماجستير التي كتبت عن معاويه نور وتاريخه ". يطرح هذا مباشرة المهمة ذات الاولوية القصوي في أي برنامج تتمخض عنه جهود الاحتفال بذكري مئوية ميلاد معاويه وهي حصر أنتاجه وأي دراسات أو مقالات كتبت عنه. ولاشك ان إنشاء جائزة كبري تليق بمكانته، خاصة إذا صدرت عن مؤسسة بحثية تحمل اسمه، تعتبر عنصر تحفيز مهم للباحثين الشباب فضلا عن اهميتها في تركيز الانتباه علي دوره وسيرته بما في ذلك الخلفية الاسرية، ويمكن تمويل مثل هذه الجائزه بحملة تبرعات داخليه وعربيه وأوروبيه أو بوقفية يخصصها احد الملاك أورجال الاعمال يصرف من ريعها علي المؤسسة والجائزه. أما الأبسط ضمن بنود هذا البرنامج فهو تثبيت لافتة تحمل اسمه وتاريخ ميلاده ووفاته في المواقع ذات الصلة به واقامة تمثال أو نصب تذكاري في أحدها.
    وإذا جاز للمرء ان يشطح بخياله يمكن ملاحظة ان سيرة حياة معاويه محمد نور تصلح كمادة لعمل روائي أو درامي مسرحي او تلفزيوني ممتاز، بالذات علي محوري خاتمة حياته وعلاقته بالادارة الاستعماريه. في المحور الاول هناك التناقض الفاجع بين عقل هو التحضر والاستنارة بعينهما ووفاته فاقد العقل وهو ( يعالج ) بأكثر الوسائل بدائية. في وفاته المبكرة هذه هناك رمزية الموت السريع لامال النهضة والتقدم التي جاءت مع الاستقلال حتي وصل بنا الانحدار الي عصر الغيبيات والخرافه في اوساط اكثر فئات المجتمع (تعليما ). وفي المحور الثاني هناك علاقة الحب والكراهيه، الاعجاب والخوف بينه وبين رجال الادارة الاستعماريه كما نلمسها في روايته لها وفي رواية ادوار عطيه ( عربي يروي قصته، مطابع السودان للعمله ) ففيها ايضا رمزية موقفه من الحضارة الغربيه بين التعمق فيها والتشرب بها وفي نفس الوقت إتخاذ موقف نقدي تجاهها.



    .
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    تحية اخي ابو اسلام
    انه شخصية عبقرية بكل معاني الكلمة


    مودتي
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمود عثمان رزق
    معاوية محمد نور يشرح العقلية اللاتينية ويسأل



    معاوية نور ذلك الفتى المجهول هو أحد عباقرة السودان فى النقد الأدبي ونجم لامع فى سمائه و فيلسوف أرسله الزمان مبكرا لأهل السودان وأخذه مبكرا لحكمة يعلمها مالك الملك وحده!

    فمن هو معاوية محمد نور؟؟

    ولد معاوية عام 1909 فى امدرمان فى بيت عز وثراء وجهاد وعلم، وقد كان خاله الدرديرى محمد عثمان رائدا من رواد الحركة الوطنية السودانية التي قادت البلاد للاستقلال وأول قاض للمحكمة العليا فى البلاد. وفى هذا الجو الأسري المشبَع بالنضال والعلم نشأ الفتى محبا للعلم ، محبا لوطنه، عزيز النفس متطلعا للثريا وقد جعل من خاله مثالا يحتذى. وحينما أتم دراسته الثانوية قبل لدراسة الطب بكلية غردون التذكارية، وقد كانت كلية الطب وقتها حديثة التأسيس محدودة العدد لا يتجاوز طلابها العشرات من النوابغ. فدرس فيها عامه الأول إلا أنّ نفسه الأديبة ضاقت بدراسة الطب ومنهجه التجريبي فقرر أن ينتقل من كلية الطب لكلية الآداب لتحقيق رغبته ويمشي مع ميوله الفطرية، ولكن بضغط من خاله وأهله واصل الفتى دراسة الطب لعام ثان فازداد بعد ذلك العام يقينا أنّه لم يخلق ليصبح طبيبا يداوى الناس، فهرب من أهله صوب القاهرة ومنها سافر لبيروت بموافقة خاله الدرديري حيث التحق بالجامعة الأمريكية لدراسة الآداب فيها. ومن بيروت بدأ معاوية رحلة المتاعب الفكرية التي استلذها وكان يبحث عنها عمدا ويصرّ على ولوج نارها مستعذبا لعذابها! من بيروت بدأ معاوية يراسل المجلات والصحف المصرية فنشرت له مجلة “الهلال ” و”الرسالة” و “السياسة الاسبوعية” و”جريدة مصر” و “البلاغ الأسبوعي” و “المقتطف” و “الجهاد” مقالات رصينة لفتت إليه أدباء مصر العظام.وبعد تخرجه في بيروت رجع لمصر لأن المستعمر قد توعده وأرهبه وأغلظ عليه لئن عاد للسودان ليسجننَ ويكن من الصاغرين، فلجأ معاوية للقاهرة وواصل حياته فيها يرتاد آفاق الفكر ويشارك فى صوالين الأدب التي يعقدها كبار الأدباء متحدثا ومستمعا ومناظرا شرسا.

    ومع كل هذه العظمة الفكرية والمجد التليد فقد كان معاوية يصارع من أجل لقمة العيش فكثيرا ما غالب الجوع والفقر وهو غير مكترث طالما وجد كتابا يقرأه! فقد كانت الكتب هي أهله وجليسه وطعامه وشرابه! واستمر فى حاله ذاك حتي احترق ذهنه ووهن جسده فسقط فريسة لمرض نفسي وعقلي قاده كرها أو طوعا لمصحات مصر العقلية ليقضي فيها أمرا كان مفعولا. ومن مصر نقل إلى السودان فظل بين أهله فترة لم يتحسن فيها حاله فأسلمنه خالاته لفكي ليعالجه! وتحت أذى سياط الفكي فى وادي الدجل والجهل لحقت روحه الطاهرة بعقله الفذ الذى فرَ قبله من عالم الشهادة ليلتحق باخوان له فى عالم عبقر فى قلب عالم الغيب. نعم فرّ عقل معاوية قبله لأنَ جسمه النحيل ثقلت عليه حمولة ذلك العقل الجبار وتلك الروح العظيمة الكبيرة معا! فأنهكت تلك الحمولة جسمه قبل أن تنهكه سياط الدجل وكآبة المنظر من حوله،فتوفى مظلوما مهموما منهكا فى عام 1941 وعمره 32 عاما فى ريعان شبابه ،فبكى عليه العقاد بكاء حارا ، وجاء للسودان قاصدا أهله وقبره متيما بحبه فقال في يوم تأبينه : “لو كان معاوية حيّا لكان نجما مفردا فى عالم الأدب العربي”، وكأني بالأديب العملاق المازني وتلاميذه قد فرحوا بنبأ موته –وإنّ بعض الظن إثم – لأنه قد فضح المازني وأبان للملأ سرقاته الأدبية فى مقال رصين محكم البناء، وسنتعرّض لهذا الموضوع فى مقال آخر بإذن الله، لاننا فى حاجة ماسة لفضح “الفساد” الأدبي والأكاديمي وقد رأينا بأمّ أعيننا المازني يتمدد ويستنسخ نفسه في عصرنا هذا وفي بلدنا هذا بصورة مزعجة.

    ذلكم هو معاوية باختصار شديد.

    وإليكم الآن ما قاله معاوية بشأن العقل اللاتيني:

    يقول معاوية فى مقال له بعنوان “الثقافة اللاتينية: هل هي خير لنا من غيرها؟
    ” الثقافة اللاتينية (يقصد بها ثقافة شعوب شبه جزيرة إيبيريا وجنوب غرب فرنسا وجنوب وسط إيطاليا وجنوب اليونان وجزر البحر الأبيض المتوسط من الناحية الأوربية)من ثقافات العالم المعدودة، لا شك فى ذلك ولا ريب. وهي ككل ظاهرة لها خصائص ناتئة تشير إليها وتعطيها طابعها وتسهل أمر الحديث عنها للعارفين الدارسين، فما هي خصائص الثقافة اللاتينية إذن؟
    أول خصائص الرجل اللاتيني أنّ له عقلية يقظة ذكيّة تلمح ألوان الحياة ودقائقها وتفاصيلها، ويثبت كل ذلك فى الفن (أي فنه) المكتوب أو المخطوط، وتعطيه من لذة الحياة وإندفاع الشعور ومسرات الساعة ألوانا صافية مشرقة. و”حكمة الحياة” عند الرجل الفرنسي أو الطلياني إنّما هي فى لذة الحياة، فالعقلية اللاتينية متوفرة الشعور دائما، متحفزة الفكر وعندها القدرة على الاستمتاع بالحياة ولمح الدقائق، والاسترسال مع مطالب السلعة ونزوات القلب والفكر. يعدل من هذا الاتجاه نزعة منطقية فكرية محضة ، تعبد الوضوح وتعرض كل شيء فى دقة حسابية لا مكان للمجهول أو الغامض، أو العميق الملتوي، أو الرمز من مكان فيها. فالادب والفن والفلسفة اللاتينية ترى فيها هذه الخصائص أكثر مما ترى. هذا هو لونها الغالب المتسيطر ، ومرجع هذا اللون هو المزاج اللاتيني وطبيعة تكوين الشخصية اللاتينية.

    فالشعوب اللاتينية تنظر إلى الحياة – ويرجع ذلك الصدى فى ثقافتهم فى الأغلب والأعم – نظرة اللاهي المرح الذي يديم النظر في (كلايد وسكوب) حياة بلذة واستمتاع ويرى الأشياء في لحظات خاطفة، ولا يؤمن بالواجب و “الرواقية” والنظر إلى الحياة نظرة الجاد المتجهم الذي ينظر للحياة وكأنها ميدان قتال شأن الأنجلو ساكسون (الانجليز والألمان)، ولكنه أقرب لأن ينظر إليها وكأنها فراش من الورد كل ما فيه ملذ ، وهم يؤدون أعمالهم وكأنهم يلعبون أو يتحادثون.” .

    وبعد هذا التحليل العميق لعقلية الإنسان اللاتيني ينتقل بنا معاوية نور ليربط هذه العقلية بعقلية شعوب البحر الأبيض المتوسط العربية، وهو يرى أن البحر الأبيض المتوسط هو القاسم المشترك بين العقليتين لجوارهما له. يقول معاوية مواصلا :

    ” وباختصار فإنّ العقلية اللاتينية تشبه عقلية أكثر الشعوب الشرقية، خاصة ما كان منها على البحر الأبيض المتوسط مثل مصر. فإجادات اللاتينيين ليست بغريبة عنا. كما أن ما يؤخذ عليهم عادة من خصال وخصائص يمكن أن يؤخذ علينا أيضا، وهنا وجه الشبه. وذلك راجع من غير شكّ إلى أثر الإقليم فى المزاجين. فنحن نفهم الفن الإيطالي أو الفرنسي بأقل عناء مما نفهم به الفن الألماني أو الإسكندناوي مثلا ، لأنّ ذلك (الفن اللاتيني) إلينا أقرب وبنا أشبه.”

    وبعد هذه المقاربة بين الأمتين الشرقية البحر أوسطية واللاتينية يقفز الكاتب ليطرح أسئلة فلسفية فيقول :

    “هذه هي المسألة، فهل نحن نربح فكريا بدراسة فكر يشبه فكرنا ، وتقرب أمثلته العليا من أمثلتنا ، ونشترك معه فى أهمّ الميزات والخصائص؟ أم نحن أقرب إلى الصواب الفكري بدراسة ثقافة وفكر يختلفان عن ثقافتنا وفكرنا فى أهم الخصائص والسمات؟.

    والجواب على هذا السؤال ليس مما يسهل أمره، بل هو من الصعوبة بمكان كبير!
    هل نضيف إلى محصولنا الثقافي وإلى نمونا الفكري بدراسة ثقافة وطرائق فكرية لا ننكرها بل لا يبدو عليها وجه الغرابة لدينا، وهل “المِثلُ” يعين “المِثلَ” أكثر ويساعده على تفهم نفسه ونموه الفكرى أم أن “الضدّ” أو الشيء المختلف أقمن بالدراسة وتكميل أوجه الضعف ومعرفة أوجه النظر الأخرى؟”
    وهنا يقف معاوية هنيهة متأملا ثم يقول بكل شجاعة وصدق:

    “أعتقد أن دراسة البعيد عنا، الغريب عن طبعنا ، أحرى بأن يفيدنا فى الخلق والشخصية ، ولكنني لا أستطيع الجواب على هذا السؤال من حيث الفائدة الفكرية وفهم الأشياء.

    وأقرب الأسئلة التي ترد إلى الذهن فى هذا المضمار هي:

    لماذا نغيّر وجهة فهمنا إلى الأشياء؟ وهل من خير فى ذلك؟
    وهل من الطبيعي المأمون العاقبة للتقدم الفكري أن نقحم على مزاجنا مزاجا آخر؟
    تلك بعض المسائل، وحسبي أن أفتح هذا الموضوع لأدبائنا ومفكرينا، خاصة رجال الجامعة المصرية الذين يقومون بمهمة تثقيف النشأ المصري.”

    كتب ونشر معاوية هذا المقال فى مصر فلذلك خاطب به المفكرين والأدباء المصريين، ولكن السؤال أيضا مطروح للمفكرين والأدباء السودانيين بقوة. هل من الطبيعي المأمون العاقبة للتقدم الفكري أن نقحم على مزاجنا مزاجا آخر؟ وهل “المِثلُ” يعينُ “المِثلَ” أكثر ويساعده على تفهم نفسه ونموه الفكرى أم أنّ “الضدّ” أو الشيء المختلف أقمن بالدراسة وتكميل أوجه الضعف (فينا) ومعرفة أوجه النظر الأخرى؟
    فهل من مجيب يا أصحاب الفخامة؟؟

    .
     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    القالب الفني



    القالب في الفن هو أن يختار الكاتب الشكل الذي يناسب الأثر الفني الذي يود إحداثه في أذهان قارئيه، فحركة الأسلوب مثلا يجب أن تتمشى مع حركة العاطفة أو الحادثة أو الشخصية فتجد الكاتب القصصي يستعير الموسيقى في هذا الصدد من حيث الإيقاع، والاتساق، والتدرج rhythms والموازنة حيث تكون الموازنة ابلغ بين طبيعة الجو مثلا وجو القصة، أو التباين حيث يكون التباين أجدى وأعود على الغرض الفني، وان يعمل الأصوات الداوية أو الصفير الناعم في موضعه، وان يستخدم الاوركسترا حيث تكون للاوركسترا جلالها ورهبتها وأشباه هذه الطرق الفنية وكما يستعين القصصي بالتعبير الموسيقي، فهو يستعمل أيضا أدوات التصوير وعدته على طريقته الخاصة من حيث التظليل، ورقة التفاصيل، أو قوة الوحدة الفنية مما يناسب عرضه ويتمشى مع فنه، ويلج التعبير الفني إلى غايته. فاللمسات المحكمة الدقيقة التي لا تكاد تراها العين إذا تجمعت أخرجت الأثر الفني الواحد.
    فبعض قصاصينا يعتقدون أن الفن في الوصف، فيسهبون فيه ويطيلون من غير أن يكون القاري قد كون صورة معقولة لهذا الذي يصفون. لان جمال الوصف يعتمد على الإيحاء وليس على سرد ما تراه الحواس ويحسه كل إنسان.
    والجمال في الفن القصصي لا يكون في عرض النماذج فحسب وإنما يكون في خلق الشخصيات الفريدة.
    هنالك طريقتان لرسم الشخصية القصصية وإحيائها. أولها الطريقة المباشرة التي تحدثك عن كل ما تود معرفته عن الشخصية عن طريق الوصف المباشر. والطريقة الأخرى هي أن يعرض عليك القصصي شخوصه في تفكيرهم وأعمالهم فتعرف أنت الشخصية من طرق تفكيرها ونهج أعمالها وبداوت روحها.
    والقاص مطالب أن يكون اسع الصدر واسع النظر والروح، لا يضيق صدره بخلائقه، بل يعطف على الكل، ويسبغ على قصته روح العدل، والنظرة الشاملة المتساهلة العاطفة، ذلك العطف الذي يخلق الشخوص الطيبة والفاسدة، والضاحكة والباكية، والممعنة في الصلاح، ومن ليس لها في الصلاح حظ أو نصيب، والشخصيات الآسية، والشخصيات الضاحكة مل شدقيها، ثم يمسح على رأسها كلها ويحنو عليها كما تحنو الأم على أبنائها، فيبسم لها إذا عملت خيرا من غير ثناء واضح، ويؤنبها في ضحكة شفيقة من غير أن تكون مرة، ثم يبسم لها كلها أخيرا كما يبتسم الخالق نحو خلائقه الضعفاء في فهم وروح كبير. ذلك شاو العباقرة الأمجاد.
    أما ما يسمى بالحادثة plot في القصة وتمييزها عن الشخصية فلا يقره الناقد العارف، ذلك لأننا لا نستطيع خلق شخصية من غير حادثة، صغرت أو كبرت. والقاص الحديث لا يؤمن بضخامة الحادثة على حساب الشخصية. ثم بعد ذلك كله الحوادث ما أكثرها والشخوص الفذة ما اقلها. ومجمل ما يقال عن الحادثة أن لا نكثر منها ولا نغرب فيها وفي تفرعها وألا ندخل الحوادث التي لا يكون لها الأثر القوي في تصوير الشخوص وإحيائهم وان لا تخلق الحوادث الشخصيات بل لتخلق الشخصيات الحوادث.


    * الأعمال الأدبية لمعاوية محمد نور-ص186-190

    .
     
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صحفيون
    معاوية محمد نور



    ولد معاوية محمد نور منصور في سنة 1909م في حي الموردة بأم درمان وكان ذلك في منزل جده محمد عثمان حاج خالد وكانت عائلته تحتل مكانة خاصة في المجتمع آنذاك من حيث العراقة والثروة ، وكان والده من كبار تجار أم درمان إذ كان يمتلك الكثير من الأراضي الزراعية بجزيرة توتي موطنه الأصلي ،تنتمي أسرة معاوية لقبيلة العمراب وهم فرع من فروع الجعليين الذين اتخذوا من منطقة جبل أم على مقرا لهم ، نشأ معاوية وسط أسرتين عريقتين بأم درمان وتوتي ، واظهر معاوية قدرا كبيرا من الفطنة والذكاء وهو لا يزال صغيرا ، فكان محل رعاية واهتمام من معظم أفراد العائلة ، كما لاحظ أفراد أسرته أيضا حساسيته وتوجسه السريع وخوفه من ابسط الأشياء ،ولما بلغ العاشرة توفى والده فكفله أخواله واهتموا به خاصة خاله الدرديرى محمد عثمان الذي لم يقف عند حدود التربية فحسب بل كان يشجعه ويناصره وفى ذلك يقول في مذكراته : ( نبعت العناية الخاصة التي أوليتها لأبن أختى المرحوم معاوية محمد نور عندما توسمت فيه نبوغا مبكرا واستعدادا أدبيا ممتازا ) .

    التحق معاوية نور في بداية مسيرته التعليمية بالخلوة ثم المرحلة الأولية بمدرسة أم درمان الأميرية ثم الوسطى (الابتدائية ) بنفس المدرسة ثم كلية غردون التي انخرط فيها بالدراسة الأكاديمية وفيها عرف معاوية بحبه للبحث والمطالعة كما لوحظ أيضا ارتباطه الوثيق بمكتبتها العامرة التي اخذ ينهل منها دون ملل أو ضجر ، أحب معاوية في كلية غردون الأدب الانجليزي وعكف على دراسة أدبائه شهدت هذه الفترة المبكرة من حياة معاوية ظهور مقالاته الأدبية الأولى على الصفحات الأدبية لجريدة الحضارة ولم يوقع على هذه المقالات باسمه الحقيقي إنما ذيلها باسم (مطالع ) ،أكمل معاوية دراسته الثانوية بكلية غردون في 1927م بتفوقه المتواصل الذي كفل له الاختيار ضمن طلبة مدرسة كتشنر الطبية ، وقد كانت دراسة الطب حلما لكل شاب ، ولكن معاوية كان غير ذلك ، درس الطب لمدة عامين ثم اخذ يتبرم من دراسة الطب وبدأ يتطلع لدراسة الآداب خارج السودان حتى فر إلى القاهرة لتحقيق حلمه بدراسة الآداب كان هروبه صدمة لأهله الذين عملوا على إعادته للخرطوم ونجحوا في ذلك وأُعيد معاوية للسودان إثر عودته لم يبد رغبة في العودة لمدرسة الطب مرة أخرى اتجه معاوية هذه المرة إلى لبنان وبعلم الأسرة للدراسة ، واصل معاوية جهوده في البحث وكتابة المقال الأدبي خلال الأعوام الأربعة التي قضاها بلبنان دارسا ، وراسل خلالها الصحف المصرية واتصلت رسائله بالعقاد وكانت هذه الفترة من أخصب سنين معاوية نور في الكتابة .

    وبعد الانتهاء من الدراسة في القاهرة رحل معاوية إلى مصر وعمل في مجال الصحافة بصحيفة مصر مشرفا على الصفحة الأدبية إضافة إلى مراسلة المجلات الأجنبية مثل التايمز اللندنية ، وكانت وقتها لا تحفل إلا بمفكر راسخ في العلم والأدب والسياسة فاحتفت الجريدة بمقالات معاوية وكانت تنشرها فور وصولها ،عرف معاوية القاهرة وعانى فيها معاناة الأديب الذي لايمل مواصلة البحث ، وعاش في خضم حركتها الأدبية واتصل بكبار أدبائها جالسهم وتفاكر معهم عرفه الأدباء ولفت أنظارهم بطريقته المتفردة في تناول الموضوعات ثم بملاحظاته الذكية ،رجع معاوية مشحونا بآماله إلى السودان وأبدى رغبة في التدريس بكلية غردون وبالفعل تقدم بطلب للالتحاق بهذه الوظيفة ولكن طلبه رفض من الانجليز الذين كانوا يعملون على إبعاد كل سوداني متعلم خارج السودان ومنعه من التوظيف بحجة أن مستواه أعلى من التدريس بالكلية حاول الانجليز بعد رفضهم طلب معاوية إرضاء أسرته وإبداء حسن النية تجاهه وحاولوا أيضا الخروج من حيرتهم تجاه المفكر المزعج فجادت أيديهم بوظيفة صغيرة وهى سكرتيرا لتحرير جريدة الغرفة التجارية وقد رفض معاوية هذه الوظيفة في بداية الأمر ولكنه قبل تحت إلحاح أسرته الشديد وبدأ الضيق والملل يتسرب إليه وبدأ بالحنين إلى القاهرة فقرر العودة وترك الوظيفة بعد شهور من تعيينه فيها .
    عاد معاوية مثقلا بالأسى والألم ولم تكن هذه العودة لفشله في إيجاد وظيفة فحسب وإنما كان يساوره إحساس عميق بالغربة في وطنه وبين أهله ، فرجع معاوية إلى القاهرة في أوائل 1933م ونفسه تميز من الغيظ على المستعمر الذي حرمه متعة الحرية في بلده ، رجع وهو يحمل هم الوطن فكتب في جريدة الجهاد خمس مقالات متسلسلة متصلة تحت عنوان ( ماذا في السودان ) كشف من خلالها السوء الإداري وسياسة الانجليز الخداعة ، ومنذ عودته من الخرطوم كان يشعر بالألم فتخيل أن أسنانه هي السبب فخلعها كلها ، مما ضاعف معاناته ، ثم أصيب من جراء ذلك بمرض (البرانويا ) و من أعراضه الشعور بالاضطهاد ،في 1935م ، فأدخل مستشفى الدمرداش للعلاج ، وبعد خروجه مكث فترة في القاهرة ثم عاد إلى الخرطوم وبدأ يسترد صحته الجسدية ، ولكن العافية النفسية مفقودة ، وبعد ثلاثة شهور عاد معاوية إلى القاهرة مرة أخرى ، عاد وهو مازال يعانى من هذا المرض النفسي ، وأعيد للسودان مرة أخرى وكان ذلك في العام 1935م وبدأ معاوية غامضا في هذه الفترة فانعزل عن الناس وبدأت حالته تتدهور .وفى اواخر عام 1942م توفى معاوية ودفن بمقابر حلة حمد ، فانطفأ بذلك الطموح المتألق وذلك الذهن المتوقد .

    من إنجازاته انه أسهم في تأسيس جماعة الأدب القومي والتي كان يرأسها محمد حسين هيكل,كما أسهم في جمعية العشرين التي أسسها محمود تيمور, و شارك في الحياة الأدبية في مصر مع كبار الأدباء ف الفترة مابين عام 1934م وحتى 1937م,كتب بالعربية وراسل الصحف الغربية بالإنجليزية, كتب وهو طالب بالجامعة الأمريكية مقالة نقدية بعنوان: "نزعة الدراما في القرن العشرين ونشرها بمجلة السياسة الأسبوعية في 15 ديسمبر عام 1928م.

    كتب ادوارد عطية عنه في عام 1946م باللغة الانجليزية قائلاً: "كان معاوية من أذكى الطلبة السودانيين بكلية غردون، وكان دقيق الجسم، وسيم الطلعة، وعمره آنذاك ثمانية عشر عاماً عندما كان في السنة النهائية بالكلية, قال عنه الدكتور الطاهر محمد علي مقدماً لآثاره في كتابه (دراسات في الأدب الحديث) من آثار معاوية محمد نور: "لعل من الصعب التفريق بين العبقرية والنبوغ عند الحديث عن معاوية محمد نور، فهو من ناحية عبقري يمثل فلتة من فلتات الطبيعة، وهبة من هباتها علينا وقال عنه السني بانقا في كتابه من أدب معاوية محمد نور: "معاوية ليس كاتباً مقتدراً في اللغة العربية وحدها، بل هو أيضا من الكتاب المقتدرين في اللغة الإنجليزية، ومن فرسان ثقافتها المبرزين , وقال عنه الأستاذ أحمد إسماعيل شيلاب: "رزق موهبة عظيمة نمّاها بالدرس الشاق والاطلاع الواسع واستجاب لتوجهه الطبيعي، لم يصرفه عنه إغراء ولا مشقة، واعمل عقله ونشاطه وحصل من العلوم الآداب والفنون والمعارف قدرا عظيما في سن مبكرة من الشباب" .

    .
     
    آخر تعديل: ‏11/12/14
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة