1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

معاوية محمد نور.. ذلك المجهول

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏5/10/14.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    ( 1909 - 1941)

    [​IMG]




    لم اسمع باسم معاوية محمد نور، ولا اعتقد انني الوحيد، الا مؤخرا وانا بصدد البحث عن الادباء الراحلين ضمن اعدادي للانطلوجيا الخاصة بالادباء الذي توفوا في شرخ الشباب، وقد فوجئت بقيمته الابداعية وحضوره الطاغي في الاوساط الادبية، وانبهرت بشخصيته وعبقريته المرموقة، التي تكاد ان تتقاطع مع شخصية مصطفى سعيد في رائعة الطيب صالح موسم الهجرة الى الشمال، لا من حيث الموهبة الفذة، والذكاء المتوهج، والاحساس الوطني المتيقظ، والمتحفز، أو الثقافة الموسوعية ومواقفه المتميزة من الاستعمار الانجليزي الذي ناصبه العداء، ولقد استطاع معاوية محمد نور خلال حياته القصيرة جدا، وهو لم يكد يتجاوز بالكاد الثلاثين ربيعا بكثير ان يفرض نفسه ندا لكبار المثقفين المصريين والعرب دون أدنى إحساس بالدونية كما يصف ذلك النور محمد حمد قائلا:
    (أميز ما يميز معاوية عندي، هو أنه لم يحسّ بالدونية تجاه أحد من العالمين.)
    فانبرى محاججا مناظرا ومنتقدا لكبار الادباء مثل طه حسين، وأحمد شوقي، وابراهيم ناجي، وعلي محمود طه، والمازني، ومحمد حسين هيكل، وجليسا لعباس محمود العقاد الذي استأثره ولازمه في صالونه وندواته الأدبية، وقال في حقه هذه الشهادة الخالدة
    ( لو عاش معاوية لكان نجما مفردا في سماء الفكر العربي )

    وابى الا ان يقف على قبره في احدى زياراته للسودان ويخصه بقصيدة تأبينية جاء فيها:

    أجل هذه ذكرى الشهيد معاويـة = فيالك من ذكرى على النفس قاسيـة
    أجل هذه ذكراه لا يــوم عرسه = ولا يوم تكريم ودنياه باقيـــــة

    إلى أن يقول:
    بكائي عليــــه من فؤاد مفجع = ومن مقلة ما شوهدت قط باكيــة
    بكائي على هذ الشباب الذي ذوى = وأغصانه تختال في الروض ناميـة

    ويقول في ختام القصيدة:
    وياعارفيــه لا تضنوا بذكره = ففي الذكر رجعى من يد الموت ناجيه
    أعيروه بالتذكار ما ضن دهره = به عيشة في مقبـــل العمر راضيه

    يروي المرحوم عمر علي أحمد التروِّس، وقد كان من المداومين على ندوة العقاد بالقاهرة، عن أول لقاء جمع العقاد بمعاوية محمد نور..

    ( لقد كان العقاد يجلس في مكتبة ومعه مجموعة من أصدقائه وفجأة يدخل شاب في مفتتح الشباب وخواتيم الصبا أسود اللون وسيم الطلعة ويبدأ في إنتقاء مجموعة من الكتب وعندما هم بالخروج نده عليه العقاد قائلا:
    - تعال يلا
    فذهب معاوية نحوه بثقة وإعتداد، فأخذ العقاد من يديه الكتب وقلبها وقال:
    - مين باعتك بالكتب دي؟
    أجاب معاوية بهدوء:
    - هذه الكتب لي
    قال العقاد:
    - إنت تقرأ للكاتب ده(ولوح بكتاب)
    قال معاوية وإبتسامة في شفتيه:
    - قرأت له قبلها كتاب كذا وكذا وكذا وكذا.....
    نظر العقاد الى أحدهم وقال:
    - قوم يا بغل.. إجلس يابني.. )

    كما شارك بكتاباته القيمة التي حرص فيها على ان يكون ناقدا متبصرا عير مجامل في العديد من المجلات والصحف المصرية كالهلال، السياسة الاسبوعية، حريدة مصر، الرسالة، والبلاغ الاسبوعي وغيرها كثير، وقد حاول برغم حداثة سنه تأكيد اسمه في الاوساط الفكرية والسياسية، وشكل احدى العلامات الفارقة في النقد الادبي بمصر والسودان..

    وقد قال عنه الكاتب المصري انور وجدي:
    (إنني اتطلع إلى حفل ضخم يقام في الخرطوم من أجل أحياء ذكراه، وطبع آثاره، والتنويه به في العالم العربي كله.)

    لأن معاوية محمد نور وللحقيقة اسم سامق، وهو كباقي الادباء في السودان على شاكلة محمد عبدالحي وعبدالله الطيب وعبدالخالق محجوب والطيب صالح والكثير من الاسماء البارزة الاخرى حتى لا اظلم احدا، في حياته ما يستحق البحث والتنقيب والدراسة، لكن ومن غريب الصدف او سوئها فانه لا يكاد يحظى وهو الاديب الألمعي بالاهتمام اللازم من طرف المثقفين السودانيين ..

    قراءة شائقة
    نقوس المهدي
    .
     
    آخر تعديل: ‏27/3/15
    أعجب بهذه المشاركة عبدالعاطي طبطوب
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    أصدقائي الشعراء
    هذا لا يؤدي
    الجزء الأول


    ظهرت في الشهور الأخيرة عدة دواوين شعرية، فأثارت كثيراً من اللغط في الصحف، وكثرت الكتابة الرديئة والحسنة، شاع الحديث بمناسبتها عن الشعر والأدب.

    ولقد كان في نيتي ألا أتعرض لهذه الدواوين بخير أو شر، لأن نفوس الأدباء بمصر تضيق ذرعاً بالملاحظة والنقد، ولا تتسع الصدور لكلمة الحق، ويقل التسامح، وتغلق أبواب النظر وسعة الفكر ورحابة العطف الفكري. ولأن معظم من يكتب أو ينظم الشعر يعتقد أن الأدب نوع من الملكية الفردية يسوء صاحبها ألا نقول كلمة إطراء عن بضاعته.

    غير أن الحديث قد تشعب في الأونة الأخيرة في الصحف والمجلات الأدبية عن هذه الدواوين، ويسوء الناقد أن يرى أن معظم ما كتب في هذا الموضوع لا يوجه القاريء الراغب في الفهم، ولا يصلح الأذواق الأدبية ويوجهها وجه الصدق وطريق الصلاح الأدبي.

    وسبب آخر كان ينأى بنا عن الكتابة في هذا الموضوع، وهو أن صاحب " وراء الغمام" صديق عزيز علينا، أهدى إلينا ديوانه ليلة ظهوره، وكذلك فعل صاحب "الملاح التائه" . وهما بلا شك ينتظران المديح والثناء من صديق يجلس معهما ويأنس إلى صحبتهما، غير أن الموضوع في رأينا قد تعدى أخيراً هذين الأديبين إلى ما هو أخطر وأبعد شأناً ، تعداه إلى الحديث عن طبيعة الشعر والكتابة، وأن الأقلام قد خطت في هذا الطريق بكلام نعد معظمه خطراً على الحركة الأدبية في مصر، وفهم الفنون الأدبية على الوجه الذي تفهم به في الوقت الحاضر.

    ولهذا رغبنا في كتابة هذه الكلمة لا لنمدح أو نذم، ولكن لندلي برأي في الشعر كما نقرأه ونفهمه، وكما ننتظر من الكتاب والقراء أن يقرأوه ويفهموه..

    وأول ما يلاحظ على هاتين المجموعتين أن ديوان "وراء الغمام" يكاد ينحصر في الحب ومطالبه، وأن موضوعات "الملاح التائه" تكاد تنحصر في النظم عن مظاهر الطبيعة الكبرى كالبحر والليل، , وأن أكثر أخيلته وألفاظه هي عن النسائم والأمواج والشواطيء العامرة أو المهجورة ، وما إليها من "الشعريات" التي تواضع العرف الدارج على أنها "الطبيعة" فأولهما إذن يمكن تسميته "بشاعر الحب" والثاني "بشاعر الطبيعة" فكيف يفهم صاحبنا الأول الحب. وكيف يعي الثاني بالطبيعة، وإلى أي شيء منها يتلفت ذهنه؟ .

    والمفروض بالبداهة أن مثل هذا الشعر يكتب ليقرأه الرجل المصري أو العربي المثقف . الملم بشيء من حضارة هذا العصر وثقافته، الشاعر "يعي" هذا الزمن الذي يعيش فيه. والذي تشغله آراء ومسائل تثير شكوكه أو تبعثه على التفكير والتأمل والإنتاج الفني.

    فلنتكلم عن الحب كموضوع شعري يتناوله أي شاعر عصري، يود أن يقرأه أي مخلوق حي شاعر في القرن العشرين، فليس ثمة شك في أن الحب كحاجة "فسيولوجية" هو كحاجة أي مخلوق حي إلى الأكل والنوم. وهو مظهر عادي تشترك جميع الأحياء فيه "ويمكن أن يقال أن النبات والجماد يعرفان الحب أيضاً والسلب والأيجاب من قوانين الكون بأجمعه) .

    حينما أجلس إلى أي صديق هاديء فيحدثني عن متاعبه، وما يستحسن من الأكل وما يستهجن وعما يحب أو يكره من ألوان الثياب، ولكني لا أطيق كقاريء حي أن أستمع إلى شعر لا يتعدى نغمه مثل ذكر تلك الأشياء الأولية وإلا لكان كل فرد منا شاعراً، لأن لكل فرد حاجاته وأذواقه وشئونه التي تتعلق بالحب والأكل والنوم والمجي والذهاب. فأنما هذه أبجدية كل أنسان.

    أصدقائي ! .. أن هذا الشيء الذي نمسيه شعراً والذي نود أن نقرأه نحن الأحياء العارفين لعالم الحبر والورق، هو خلاف "الكلام الحسن" عن الأشياء العادية. أنه يتطلب وجود شاعر يأكل كبقية الناس ولا شك، ويحب مثلهم، ولكن نظره وأحاسيسه والتفاتات ذهنه وقفزات وعيه نحو هذه الأشياء العادية "غير عادي" . وهو شيء آخر خلاف ما يحس عامة الناس ويقفون عنده. ومن هنا كانت قيمة الشاعر الحق. أي أنه (ولو أنني لا أود استعمال الكلمة ولكنها كبير الدلالة) فيلسوف. فالحب يصبح موضوعاً جديراً بالشعر كما تصبح أية حاجة إنسانية أخرى حينما يكتشف لنا الشاعر معنى ونغماً وراء مظاهره المعروفة ومصاحباتها العادية.

    أما الشاعر الذي يبدي ويعيد في الحديث عن ملذاته وآلامه وحسراته التي يثيرها شخص المحبوب أو ذكراه فحسب، (مهما اختلفت القافية وتعدد الإيقاع) لا يعدو أن يكون إنساناً لم تتسع أنانيته إلى أكثر من حاجاته البسيطة المتعارفة، وهو يشبه العليل الذي أكتشف لذة الخبز لأول مرة، أو الرجل الصحيح الذي حيل بينه وبين النوم ، فيفرح الأول حينما يتناول وجبة فاخرة، ويتألم الثاني لذلك النوم الهنيء الذي طلقه الآن، وهذه ولا شك أشياء إنسانية عادية لا غبار عليها ولا نقد فيها، ولكن ليس فيها ما يبرر وضعها فناً يسترعي إهتمام القاريء الصحيح، ‘وربما يصلح مثل هذا الشعر ويحمل عند أناس هم دون طبقة هذا "الكوكب الجديد" الذي أكتشف "قارة الأكل" أو "قارة المرأة" ثم وقف يسبح بحمدهما

    . والدكتور ناجي بعد كل هذا قرأ بعض قصائد "د هـ لورنس) وت. س إليوت " وأضرابهما من الشعراء المحدثين والقدماء عن الحب، أولئك الشعراء الذين تراهم جاهدين يفتشون عن الله، ويبحثون في الجنس ونشوة العفاف الروحي، ثم يعود كل منهم "وحقيبة وعيه" ملأى بالأحاسيس المختلفة، والأفكار المريرة أو العذبة، ملأى بالثعابين التي تبرق كاللؤلؤ، وبالسلام الذي تعقبه أشد فترات الحرب تمزيقاً للأجسام والأرواح، وبالذهول الذي يسمو إلى طبقات السماء، وبالسحر الذي يرى القمر في أمسية حب أشبه ببالون يعلب به صغار الأطفال".

    ونحن لا نريد من هذا الحديث أن يقلد أي أديب أحاسيس غريبة عن نفسه بعيدة عن مطارح فكره، ولكن كقراء مخلصين نطلب منه إذا لم يكن لديه ما يؤلم ويسعد ويشجي القاريء المعاصر، أن يريحنا ولا يكلف نفسه هذا الجهد. ففي الحياة من التفاهات اليومية، وفي إطراد هذه الحاجات التي نتشعر بها في صباحنا ومسائنا ما يجعلها عسيرة الإحتمال، ويضاعف مشقة العيش، فليس بنا ثمة حاجة إلى أن نقرأها في عالم الورق.

    والشاعر العصري ـــ سواء في مصر أو في الصين ـــ الذي لا تثيره تيارات الفكر المعاصر ، وإكتشافاته ومتاعبه، والذي ليس له وجدان يتغير ويتفاعل بما يسمع ويقرأ ويفكر ويشاهد من عيوب في نظام حياتنا الحاضرة، أو نشوز في أنغام فكرنا المعاصر، أو ألوان تسترعى الإهتمام في نسيج الثوب الذي يلفنا، أو فراغ في إنسان باديء الإمتلاء أو أغنية في زاوية من زوايا بيتنا المعنوي، ليس له، بل لنا الحق في ألا نعده في عداد الشعراء المخلصين.

    والظاهر أن شعراءنا يعيشون في أجسام محدودة الفكر والإحساس بحدود جسدها وغرفتها التي تسكن، وأن الأشياء التي تبعث الرجل المعاصر على أن يفكر ويضطرب أو يغني لا تدنو منه أو هو لم يعرفها قط . أن نظرة واحدة حيث يتقاطع شارع عماد الدين بشارع فؤاد الأول مثلاً في أي مساء لحرية بأن تبعث في الفنان أحاسيس وأفكار تصلح لأن تكون قصيدة جيدة اذا كان له من الشعر نصيب.

    والذي يبدو لي من قراءة هؤلاء الشعراء والحديث معهم أيضاً أن ليس في حياتهم الفكرية والشعورية أي شيء يشبه الصحاري العارية الجرداء، أوالظلمات الحالكة ، أو البرق الخاطف ، أو الخبرة الشاعرة أو أي إشتغال جدي بأي ناحية من نواحي حياتنا الراهنة. وأن الشكوك والمذاهب والقيم الفكرية التي تحرك الفنان العصري في أوروبا إلى الثورة حينا، وإلى السأم حينا آخر ، أو إلى أي فلسفة أو "عدم فلسفة" يكتشفها الفنان المرهف الإحساس، الواسع العطف، القدير الفهم، وراء مظاهر الحياة اليومية من عمل ونوم وأكل وحب ، ومال وجنس، ما يجعله يقف وقفة قصيرة أو طويلة يحاسب العالم بأجمعه، أو يجرؤ على حوار مع الطبيعة أو الأحياء أو ما وراءهما، لم تدن منه أو هو لم يعرفها أبداً .

    ليس الشعر أيها الأصدقاء بالمادة الكاملة الصنع التي يمكن أن نشتريها جميعاً من الحانوت، أو يمكن صنعها كما تصنع الثياب على هذا الطراز أو ذاك، إنما الشعر هو تجربة حية يحسها شخص حي ، ويبصرها وجدان نير، وهي تجربة فريدة لم تحصل ولم تر إلا كما حصلت وكما رآها ذلك الشخص الحي، ثم يحاول نقلها وإيصالها عن طريق الكلام والإيقاع ــ على قدر مهارته ــ إلى أمثاله من الأحياء الشاعرين.

    وشعر صديقنا ناجي مازال نغماً واحداً بسيطاً لا يتعدى ــ بعد زخرفة النظم ــ إحساس رجل عادي حينما يرى وجها مشرقاً، أو جسماً جميلاً أو عملاً عظيماً يقف مشدوهاً ويقول: مأحلى ذلك الوجه، وأنها لتبدو لي في بداءتها وطفولتها بما يسمى "رد الفعل" . وليصدقني القاريء أن هذا هو كل ما يخرج به الإنسان من شعر ناجي بعد تجريده من صناعة "الكلام" ورنين القافية.
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    أصدقائي الشعراء
    هذا لا يؤدي
    الجزء الثاني


    وعندي أن السر في أن شعر علي محمود طه المهندس قد نال شيئا من التقدير والثناء مرجعه لإجادة الصنعة والصقل، ولو أن مواده تافهة بدائية المعنى ، غير صادقة يعوزها الشعور الفردي القوي، والنظر الأصيل الواحد.

    ثم لأن العرف الدارج والعقل الشعبي قد تعود أن يقرن الشعر بمظاهر الطبيعة المعروفة فيقول الناس عن ليلة مقمرة: إنها ليلة شعرية، أو عن روضة فيحاء: إنها تبعث على النشوة والسرور، وإنهما لكذلك. غير أن الشاعر الذي لا يتعدى في نغمه ووعيه الشعري سوى ترديد ما تواضع عليه الناس وأقروا به, إنما يدل على أن المحاكاة والتقليد والعرف الدارج هي أميز خواص فكره, وأخص ميادين لعبه الفكري.

    وعلي محمود طه يكتب عن الطبيعة ويستوحي النهر والبحر والغدير والقمر والأشباح والرياض والشفق, ولايفهم بأن "الطبيعة" التي يجدربأن تنظم شعراً هي الطبيعة في أضخم مظاهرها وأعظمها, وأوقعها في الحس, وأشدها رائحة، وأهولها منظراً , وهو لا يفهم هذا الفهم ويتجه إليه لأن مزاجه هكذا, ولكن لأن هذه الأشياء قد كثرت في الشعر وأصبحت معروفة معترفاً بها على أنها تصلح موضوعاً للشعر، ولو لم يحس الأديب تجاهها بأي شعور غريب أو نظر حديث.

    وبديهي أن الشاعر المعاصر الذي لا يلتفت في عالم الطبيعة إلا إلى المظاهر التي التفت إليها خلافة من عهد آدم ، يدل أولاً على أن تقدمه الذهني وقف هناك, وأن وعيه الفني لم يتطور، ففي الطبيعة خلاف البحر الذي يقف عنده القروي. وفي الطبيعة خلاف الشواطيء التي تقف عندها سفن البحارة، أشياء أخرى أدق وربما كانت ألصق بحياتنا واجدر بالتفات الشاعر... فالحجر الصلد الذي يقف في طريقك, و "الشارع" الذي تصقله مصلحة التنظيم حيث يعمل جماعة المهندسين, والفأر الهارب من سفينة خربة، والذباب الذي يطن على جيفة عنفة، وقطعة الحديد التي أكلها الصدأ، والخشب الذي تأكل عليه، والزرع الذي نلبسه ثياباً، والعصفور الوحيد الذي ينتقل من بيت لأخر، والنمل، والنحل، وصوت الباخرة، وضجيج الترام, وخلافها من المظاهر التي نراها ونسمعها في غدونا ورواحنا هي أجزاء حية في الطبيعة، والإلتفات إليها في وضع جديد أتي به نظام حياتنا الراهنة وحضارتنا المعاصرة، لأدل على فهم الطبيعة من آلاف القصائد عن البحر والشفق والنجوم !.

    ويجب ألا يفهم من هذا أننا ننكر على الشاعر أن يعني بمظاهر الطبيعة الكبرى البدائية الجميلة أو المتوحشة، ولكن هنا يقل الإبداع، ولا يسلم الشاعر من الإسفاف والتفاهة، إلا إذا كان عملاقاً عظيم النظر فريد الشاعرية، كما أننا لا ننكر الإلتفات إلى "المظاهر الرومانتيكية" التي يولع بها المهندس، ولكن هذا الإلتفات وهذه العناية "بالربيعيات" يسهل فيها الغش، وتندر به الإجادة والتفرد ، وهو أقرب طريق يلجه الأدب القليل الحيلة، المقلد الأسلوب، الذي لا تميزه شارة، ولا يستشف في تكوينه أصالة نظر أو عمق تفكير.

    وكثير من شعراء أوروبا المعاصرين اقتربوا من الموضوعات "الرومانتيكية" بأسلوب جديد. فبدلاً من الحديث عن سحرها وخوفها وهولها، تراهم يحاولون تفسيرها والنظر إليها من خلال شعور وعقلية رأت وسمعت وقرأت ما يجعلها تنظر إلى هذا الجمال والهول والخوف من زوايا جديدة ليس فيها ذلك الجهل الناطق. فإن كل شيء لا يعرفه الإنسان يبدو له سراً تحار له الأذهان، ولو كان من أبسط البسائط !.

    فالقروي الذي يزور القاهرة لأول مرة ويشاهد المصعد لا يمكنه إلا أن يذكر الله والأسرار، وتتملكه الحيرة والعجب، فإذا حاول مثل هذا الرجل أن ينظم قصيدة عن "المصعد" فقد تروق لأمثالة الذين لا يعرفون الميكانيكيات "وقوانين الطبيعيات" ولكن القاريء المتحضر لا يستطيع قراءة قصيدة تنسب إلى هذا المصعد أهوال الجن وأعمال الشياطين!.

    فالثقافة ووعي العصر الذي نعيش فيه لابد منهما لأي فنان يكتب ليقرأه الجيل الذي يعيش بينه، وذلك لأن الشاعر المصري المعاصر لا يعيش في "شبرد" أو "ديوان حكومي" ولكنه قبل ذلك إنسان حي يعيش في كل العالم، ويحس ببعض ما يدفع بالنفوس الآدمية إلى مناجاة النفس، والذي يستطيع أن يرى في شارع عماد الدين مثلاً وجوها وأجساماً وثياباً و آلات كاملة الصنعة مصقولة المظهر, يخبر مظهرها عن السكون والإطمئنان، غير أنها تفتح عوالم داخلية مروعة. وبالإختصار فإن الفنان الذي لم يحس بقبس أو لمحة أو ناحية من "تيار الوعي" كامل يمكنه من رؤية التشابة في أشياء ومظاهر بادية الإختلاف، أو بالعناصر والقوى والفكر التي تذهب جميعها لإخراج فكرة أو مظهر عادي مما نراه في حياتنا اليومية، ليس لديه تلك الملكة الشاعرة التي تستطيع أن تبني القصور من الرماد والهواء، أو تحلل السيارة الجيدة الصنع ، الجميلة المظهر إلى عناصر حلم وغفوة إنسان وعصب حيوان، أو فقرات مادة سنجابية وجرح عامل فقير، ليس له ذلك الإحساس النافذ القديرالذي يجبر القاريء على الإنصات والإستماع لنغمة الشعري.

    وإني لأعجب كيف يعجب أي قاريء له حظ من الثقافة ودقة الحس بكلام مثل هذا .

    رب ليل مر أمضيناه ضماً وعناقاً
    وأدرنا من حديث الحب خمراً نتساقى
    في طريق ضرب الزهر حوالية نطاقاً
    وتجلى البدر فيه، وصفا الجو وراقا

    فإذا كان هنالك حب وضم وعناق، وزهر وبدر وجو رائق. فالإنسان العادي قادر على الإحساس بهذه النشوة الحسية من غير أن ينظم لها هذا الكلام شعراً. وأن أي إفريقي في أدغال أفريقيا، حينما يصفو الجو ، وينمو الزهر، ويشرق البدر، ويحب أمرأة يستطيع أن يقول هذا الكلام.

    وعند علي محمود طه أيضاً شعور غير محمود بأنه شاعر، ذلك لأنه قد ضم كل الشعريات وأحصاها في ديوانه . فقصيدة ميلاد شاعر مثلاً كلها تمجيد لهذا الرجل الذي يحسب نفسه شاعراً . لأن لفظة الشعر والشاعر والزهور والألحان تكثر في كلامه.

    والرجل الذي يستطيع أن يكتب – بعد معرفتنا الحاضرة وشعورنا المحدود الذي أتاحه لنا العلم والبحث العصري مثل هذه الأبيات الآتية، إنما أحسده لبساطته التي لا تحسد.

    وتجلى الصدى الهتوف الساحر في محيط من الأشعة غامر
    وسكون يبث في الكون روعاً وقفت عنده الدوائر (كذا)
    واستكان الوجود والتفت الدهر وأصغت إلى صداه المقادر (كذا)


    وقد يتورط محمود طه في غرامه "بالشعريات" برسمه صوراً مضحكة إذا لم تكن مستحيلة كقوله:

    ماؤه ذوب خمرة وسنا شمس وربا ورد وألحان طائر

    وعنده إذا لم يجعل هذا الماء ذوب خمر وسنا شمس وربا ورد وألحان طائر في آن واحد فهو ليس بشاعر. وأي منطق يستطيع أن يفهم شيئاً يكون سنا شمس محرقة وربا وردة ، ثم يكون في نفس الوقت صوت طائر ؟ ! اللهم إن هذا خلط قبيح لا نرضاه لصديقنا الشاعر.

    وليس أدل على فهم شاعرنا لطبيعة الشعر من قوله في رثاء شاعر:

    وهو شعر صورت ألوانه بهجة الفجر وأحزان الشفق
    ونشيد مثلت ألحانه همسات النجم في أذن الغسق

    وفي قصيدة (الله والشاعر) بساطة مؤلمة :

    مدى لعينيه الرحاب الفساح ورقرقى الأضواء في جفنه
    وامسكي يا أرض عصف الرياح والرعد المغضب عن أذنه

    فهذا كلام لا يشرف أي طالب في مدرسة ثانوية، فضلاً عن شاعر عصري. والقصيدة ملأى بهذه الأشياء التي تواضع البسطاء على أنها الطبيعة التي لا طبيعة غيرها:

    مر بنهر دافق سلسبيل تهفو القماري حوله شادية
    في ضفتيه باسقات النخيل ترعى الشياه تحتها غانية

    فإذا كان هذا النهر ملحاً مثلاً. وكانت هنالك ضفادع على حوافه، وأحجار تدمي الأقدام بدل النخيل، فليس هنالك طبيعة جديرة بالشاعر والشعر !:

    حتى إذا شارف ظل الشجر في روضة غناء ريا الأديم
    قد ضحكت للنور فيها الزهر وصفقت أوراقها للنسيم

    فهذا الشاعر لا يكفيه أن تكون هنالك روضة غناء رياء الأديم ولكن لابد أن يضحك الزهر ويصفق النسيم لأول مرة ! أما المسائل الفكرية التي أثارها الشاعر في حواره مع الله فهي أول ما يقرأه الطالب في العلوم الدينية في باب القضاء والقدر. إن مسألة الإثم والشر لا يعالجها فنان عارف بمثل هذه البساطة.

    وفي قصيدة "قيثارتي" مثل قوي لهذه النزعة نحو "الشعريات" التي حاولنا إيضاحها وهذه هي أواخر الأبيات من غير تحوير ولا مبالغة، ولو أنها أشبة بالمبالغة والتحوير

    والغور والآكام للشعر والإلهام مودتي
    وذمامي قديم هيامي قلبي الدامي دمعي

    الهامي حبيسة الأنغام.

    أن مثل هذا الشعر ليوحي إلى القاريء الدقيق الحس كراهية للآكام والزهور والبحار والأنغام وما إليها بفعل هذه النغمة المبتذلة الكثيرة التكرار، التي لا تحس معها بواقعة حال صحيحة، أو شعور نضر مباشر!.

    وإنما أتينا بهذه الإستشهادات لندل القاريء على أننا لا نتعسف، وإلا فإن الديوان كله يصح أن يستشهد به، فلا يخرج في ألفاظه ومعانيه عن هذه الألفاظ والأمثلة والمعاني.

    وقد كنا نظن أن أصدقاءنا من الجيل الجديد الذين يشتغلون بالشعر، يفهمون الشعر على حقيقته، وأنه ليس ألفاظاً ومبالغات عن عالم الطبيعة والزهر والحب وما إليه من الألفاظ والأخيلة التي يسهل على أي يد تحرك القلم أن تأتي بها.

    أصدقائي الشعراء، أقولها لكم مخلصاً: أن هذا عبث قبيح بالكبار. وأقبح ما فيه أن يأتي من جيل جديد له دعوى كبيرة نسمع عنها في الصحف، وهو على هذا التخلف المعيب في فهم الفنون والحياة. ولو أننا رأينا الإتجاه صحيحاً، وأن الطريق الذي تسلكونه قويماً، مهما كانت النظرة زائغة والنغم غير منسجم لتساهلنا وكانت معالجتنا للموضوع غير هذه.

    غير أن الطريق من أوله خاطيء، وأن الفهم من أساسه غير صحيح وأن هذه الطريق لا يؤدي أبداً الى الشيء الذي نسميه شعراً هو خلاف هذا في جملته وتفصيله، فمن شاء منكم فليرجع إلى نفسه يحاسبها، وينظر من جديد، ويقرأ ما يقول خلافه من الشعراء الفحول، وخاصة المعاصرين في أوربا ليرى في أي طريق تسير الأقدام، وأي عوالم يستكشفها الفنان المعاصر.

    المصدر السابق ص 228 الى 232




    .
     
    1. أستاذي الكبير نقوس المهدي ، يالروعتك وأنت الباحث عن الكنوز الدفينه ، وهذه المواضيع الجاذبه حقا ، دمت وفيا للأدب وبورك بك وأمد في عمرك ومتعك بموفور العافيه ، نقدر كل جهد ونشكرك من القلب ، محبتي
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    بوركت اخي الامير الشهابي وشكرا على بصمتك على هامش هذا المتصفح المخصص للمفكر والاديب الكبير معاوية محمد نور لاكثر ما شدتني شخصيته اللامعة والتي استطاع برغم حياته الخاطفة جدا وحداثة سنه ان يحفر له موقعا بين ادباء العرب ويثبت وجوده بين ادباء مصر بالنقد الصريح والمرافعة، والوقوف الند للند وينتقدهم في عقر دارهم
    قرات نصوص معاوية محمد نور جدير ولم ازدد له الا تقديرا وتوقيرا واستحسانا


    لك كل المودة
     
    أعجب بهذه المشاركة الأمير الشهابي
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    ساعة مع أندريا موروا



    أندرية موروا كاتب ملحوظ المكانة عالي الشهرة كثير التفنن في ضروب الأدب وألوان الكتابة. فهو يعد ثالث ثلاثة في كتابة التراجم الفنية الحديثة، هم أشهر من عرف هذا الباب.

    إنتهزت فرصة زيارته لمصر – في شهر مارس الماضي وطلبت منه أن أتحدث اليه في شئون الأدب والفن فأجابني الى طلبي، في أريحية وظرف. وجدته في غرفته في فندق شبرد .
    وبدأت الأسئلة
    هل لك ان تحدثني عن الفرق – بوجه عام – بين الشخصيتين الإنجليزية والإمريكية ؟

    فقال ليس الفرق بين الخلق الإنجليزي والأمريكي بالواسع المدى والمشترك بينهما أكثر وأهم " ويمكنني أن أقول إجمالاً أن الأمريكان – لأنهم شعب حديث شغوفون بالحياة يستولى عليهم القلق والتطلع، بينما ترى الإنجليز هاديء الأعصاب متئد الخطى، يستقبل الحياة إستقبال الواثق المطمئن.

    فقلت كنت أقرأ هذه الايام كتاباً لمؤلف دنماركي عاش في انجلترا ووضع كتاباً مشهوراً عنهم إسمه "الإنجليز هل هم إنسانيون ، وفي مقدمة ذلك الكتاب يشير المؤلف الى صمت الإنجليزي وعدم مقدرته على الإفصاح والإبانة.
    قال : إنما هم كذلك لآنهم شعب متأدب محتشم لا يحب الثرثرة والمباهاة.

    فقلت
    أذكر أنني قرأت لكم في أحد أعداد مجلة الأتلانتيك الأمريكية خطاباً لصديق فرنسي يرغب في زيارة إنجلترا، تنصحون له وتحدثونه عن الخلق الإنجليزي. وقد قلتم لذلك الصديق في مقالكم المذكور في فكاهه ظاهرة " أن الإنجليزي يدعوك لآن تزوره في كوخه الصغير في القرية الفلانية ، فإذا ذهبت تجد ذلك الكوخ قصراً كبيراً !! . وأنك سوف تحب الكتب الإنجليزية أكثر من كل شيء آخر، ولكن أياك أن تتحدث عن حبك لها – الى آخر ما قلت لذلك الصديق من هذا القبيل فهل ترون في ذلك إحتشاماً وتواضعاً أو هو نفاق وكبرياء؟

    فابتسم وقال:
    إنني أذكر ذلك المقال جيداً . والإحتشام medesty ربما جاء من فرط الضعف أو فرط القوة والطمانينة ، ومصدر إحتشام الإنجليزي وعدم تحدثه عن ممتلكاته ومعارفه بتأكيد والحاح هو أنه شاعر بقوته، واثق من نفسه. وأغلب ما يكون الرجل الكثير الكلام الكثير التأكيد ضعيفاً غير واثق مما يقول. فيلجأ الى الحديث ليوهم نفسه بوجود ماليس له وجود. وعليه فأنا لا أرى في هذه الصفة أي نفاق أو كبرياء ، وأنما أرى فيها إحتشاماً وأدباً وقوة خلق.

    أتجاه الأدب الحديث في الغرب:
    قلت: هل لي أن أعرف رأيكم في الإتجاهات الحديثة في أدب أوربا وأمريكا؟

    قال : هي واحدة ومصدر ذلك أن أدب أي جيل من الأجيال لابد أن تؤثر فيه المكتشافات والبحوث العلمية لذلك العصر - ويجب أن أسرع فأقرر أنني لا أؤمن بالمدارس والحركات الأدبية، وأنما أؤمن بالكتاب أفراداً لا جماعات أو مدارس خاصة.
    فإذا عرفنا هذا أمكننا أن نرجع بأسباب الحركة الأدبية الحديثة في أوروبا الحديثة في أوربا وأمريكا الى عاملين إثنين

    أولهما بحوث فرويد وأدلر وأضرابهما من أفذاذ علما السيكلوجيا الحديثة فقد شجعت هذه المباحث النفسانية جماعة من الأدباء وحفزت قواهم وأمدتهم بالقوة اللازمة لأن يصرحوا بما يعتقدون ويكتبوا ما يفكرون من غير خشية ولا خوف من لوم

    ثانيهما - نظرية النسبية المعروفة لإنشتاين فالحقائق والنظريات لم تعد مطلقة، وأي شيء لم يعد هو نفسه الشيء ، ولكل رأي - فالأشياء تخلف بإختلاف الأفراد ، وقد يختلف الشيء الواحد لدى الفرد الواحد بإختلاف المكان والزمان.

    وأول من إستفاد من بحوث إنشتين في النسبية هو إمام القصة في العصر الحديث بلا مراء أعني مارسيل بروست فهذا القصصي لم يصف الحوادث كما هي بالطريقة الزمانية المألوفة ، وإنما حاول أن يدون تيارات التصور والخيالات في وعي أشخاص قصصه. وهو على هذا الإعتبار قصصي في عالم الأحلام والرؤى!

    قلت : غير أن بروست فيما يتضح لي من مطالعته التي لم أقو عليها طويلا عالم يقتل دنيا أحلامه التي يصورها بكثرة التحليل والإسهاب في الوصف والتوضح العقلي. وأنني أجد كتاب إنجلترا المحدثين أمثال فرجينيا ولف وكاترين مانسفيلد أسهل على الفهم وأخف في القراءة لأنهم يستعملون الإيحاء بدلا من التحليل الممل.

    فأجاب كل هؤلاء ولا شك يقتفون أثر بروست ويأتمنون به فـــ بروست هو إمام العصر الحديث في القصة كما كان بلزاك اماما للقصة في عصره، وكما كان فلوبير زعيم القصة في أواخر القرن التاسع عشر.

    ثم سألت ماهي الخواص التي تجعل الترجمة عملاً فنيا وتميزها عن بقية التراجم وكتابة السير العادية ؟

    فقال يجب أن تعرف العمل الفني أولاً فأنت تذكر كلمة "بيكون" القائل "أن الفن هو الإنسان مضافاً إليه الطبيعة" ومعنى ذلك أن الفن هو الطبيعة كما تتضح لذهن فرد من الأفراد.

    والترجمة على هذا الإعتبار تصبح عملاً فنياً حينما تتعدى أن تكون جملة من الحقائق والأفكار وهي عمل فني حينما يرتب المؤلف حقائق كتابه ويعرضها من غير أن يشوهها في نظام خاص يبرز به عوامل الشعر في حياة من يترجم لهم، ويشير من طرف خفي الى موضوعات الحياة الرئيسية ! وأن يكون المؤلف قد أحس بمثل إحساس بطله، وأن يعطف عليه، وأن يحاول أن يرى وجه نظره كاملة تامة"

    قلت : أذكر أنكم عقدتم فصلا خاصاً في كتابكم "نواحي الترجمة" عنوانه "الترجمة كتعبير ذاتي ومؤدى ذلك الفصل أن المؤلف يجب أن يأخذ حياة بطله الى نفسه وأن يعبر عنه بعد أن يرى رأيه، ويدير هواجسه في وجدانه وأفكاره في مطارح فكرة. أفلا ترون أن ذلك النهج حري بأن ينأي بالمؤلف عن محجة الصواب والوقائع، فيضع أشياء وأفكاراً وعواطف لا أصل لها في حياة البطل أو هي لم توجد بذلك القدر وعلى ذلك الوجه؟

    قال: ذلك صحيح ولكنني لا أعني التعبير عن النفس حرفياً و لا أقول بوضع أشياء لا وجود لها فعلاً في حياة البطل، وإنما أقول بضرورة العطف وتفهم وجه نظر من نترجم له"

    تم إستأنف حديثه قائلاً وقد بدت عليه علائم التفكير وإستجماع الذهن:

    "ولكي تصبح الترجمة عملاً فنياً يجب على المترجم أن يلاحظ عنصر التناسب في تخطيط كتابه، وأن يجعله من هذه الناحية مفهوماً واضحاً من غير أن يظهر أثر الذهن الذي يوضح ويقوم بعملية التخطيط والتوزيع".

    وكان كلما انتهى من الرد على سؤال إبتسم إبتسامة الطفل ثم قال next مقلداً المدرسين الإنجليز الذين يستعجلون الطلبة.

    مستقبل القصة:

    فقلت : ما رأيكم في مستقبل القصة، وهل ترون أنها أيلة الى ـــــ"

    فم يدعني أتتم جملتي وقال:

    تريد أن تسأل هل القصة آيلة الى الإنقراض كما يعتقد بعض صحفيي فرنسا ؟ لا وعندي أن هؤلاء الذين يقولون ذلك لا يعرفون الطبيعة البشرية، ويمكنني شخصياً أن أرسل إليهم تلغرافاً كما فعل أحد أدباء فرنسا في أخريات القرن التاسع عشر حينما شاع أن المذهب الطبيعي في الوصف القصصي قد مات. فقد أرسل ذلك الأديب يومئذ هذا التلغراف "النزعة الطبيعية naturalism لم تمت الإيضاح بالبريد وعلى هذه الطريقة يمكنني أن أرسل هذا التلغراف "القصة لم تمت".


    ثم قال : أن رواية القصص، ووضع الروايات من أهم خصائص الطبيعة البشرية وإذا أمكن الإنسان أن يستغنى عن الخبز الذي يأكله أمكنه بعد ذلك أن يستغنى عن القصة التي يقرأها، وأنا شخصياً لو خيرت بين الخبز والقصة لأخترت القصة . فيها تشبع عاطفة إنسانية لا سبيل الى إروائها من غير ذلك السبيل. ذد على ذلك أن القصة قد تطورت في شكلها المعاصر حتى أصبحت تشمل كل شيء يمكن أن يفكر فيه أو يشعر به الإنسان وهي ولا شك أصح الأدوات الفنية في وقتنا الحاضر.

    كيف يؤلف الكتاب:

    ثم سألته عن سر الخلق الفني . . وقلت : "أنني أظن أن معظم القصصيين وكتاب المسرح في أوروبا قل أن يتركوا مكتباتهم، وهم بعد ذلك يكتبون عن الطبيعة البشرية وإختلاف وجوهها، وألوان الشخصيات، وتعدد المذاهب الخلقية، والأفراد والأماكن المتباعدة، فكيف يتيسر لهم ذلك؟ وهل هم يستوحون نفوسهم في ذلك ويترجمون لعواطفهم وميولهم الخاصة بهم ؟

    فأجاب " كلا . ويمكنني أن أقول لك أن كل الكتاب يعرفون الحياة أولاً قبل البدء بالكتابة الخالقة. وأنا لم أبدأ أكتب إلا بعد الثلاثين من عمري، وقد عشت ولا شك أثناء ذلك وعرفت ألواناً من الحياة وصنوفاً من الناس والشخصيات المختلفة.

    ومن جهة أخرى فأنت قل أن تجد كاتباً يجلس الى مكتبه طيلة الوقت، فالكتاب يعيشون مثل كل الناس وأن لم نرهم في الطرقات والشوارع.

    وكان آخر سؤال وجهته له : ماهي نصيحتك لمن يحترفون الكتابة إذا أرادوا ان ينتجوا أدباً يقرأ في الخارج؟

    فأجاب : أن هذا البلد "مصر" مليء بالمواد الكتابية البكر، خاصة في ميدان الأدب القصصي، وليس على الأدباء إلا أن يخرجوا صورة أمينة لمختلف الأهواء والميول ، وتفاعلها مع بعض في هذا البلد الذي ضم خليطاً من الأجناس والعادات والأمزجة، فذلك خير موضوع يصلح للكتابة القصصية . وقد قرأت بعض مقطوعات شعرية لشاعر مصري وأعجبت بها كثيراً . كما قابلت عدداً من الشبان الأذكياء وميدان الخلق الأدبي في مصر واضح، وكل ما يطلب منكم هو التصوير الصادق لهذه الحياة التي تعيشون . ومن حسن الحظ أنها مازالت بكراً لم تتناولها الأيدي بعد بالكتابة ولاشرح. وأنني أود لو كنت كاتباً قصصياً في هذه البلاد ، إذاً لكانت المادة لدي متيسرة وفرص الإتقان والإجادة لست البعيدة النائية..


    نشرته جريدة الهلال مايو 1932
    .
     
    آخر تعديل: ‏6/10/14
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    في القطار


    مأساة

    بعد أن قطع القطار صحراء العتمور العاتية ومافيها من جبال متلفه ورمال بيضاء منبسطة وأحجار سوداء متناثرة، في لج ذلك الخضم الذي لا تقف منه العين على شيء من صور الحياة النابضة. وسار ينساب في أرض لا تحوجه الى مثل ذلك الكفاح والنضال القوي، بل راح راكضاً في إتساق وسرعة على ضفاف وادي النيل ، وكنت وكلما أمعنت النظر وجاشت بي الخواطر والذكر، خيل الى ان لي تاريخاً مع هذه الصحراء وأنه محال أن تكون هذه المرة الثانية أو الثالثة التي أشاهد فيها هذه الصحراء لما أشعر به من القرابة والعطف والإيناس لهذه الحجارة التي تترامى بالقرب من سير القطار وربما جنح بي الفكر فخيل إلي أنني قد رأيت كل هذا وعرفته قبل حياتي الراهنة، وإلا فكيف أفسر هذا العطف وهذه الإلفة وهذه القرابة الروحية التي هي أشد من كل عطف وقرابة وإيناس ! والقطار سائر الى أن إقترب من مدينة شندي بعد أن مر بمدن أخرى، والمسافر لا يرى غير السهول الواسعة حينا، والأشجار المتناثرة الكثيفة حيناً آخر. وقد يرى بعض الأحيان أرضاً خضراء ، ولا يرى في غيرها سوى الرمال والحصى. غير أن النظر الى شجرة من هذا الشجر الذي تجده بين حين وأخر واقفاً متدلي الأغصان في أسى وإكتئاب وصبر وحشه لا تخالطها بشاشة أو يمازحها فرح، لحري بأن يحمل الإنسان الى الإعتقاد بنضوب هذه البقاع من الحياة كما عرفها وذاقها بين المدن الصاخبة، وأنفاس الإنسان النابضة ووثبة الحياة الدافقة. كل هذا وبعض أصحابنا المسافرين المترفين في شغل عن الصحراء والسهول والأشجار وحديثها : هذا يدخن سيجارة، وغيره يقرأ كتاباً، وثالث نائم، وغيره وادع حالم ! . وما أن يقف القطار عند قرية صغيرة يحسبها الإنسان خلاء وقفراً قبل ان يطلع عليه بعض أهليها من شبان وشيب ومعهم أشياء من الطعام يرغبون في بيعها الى المسافرين أو أنواع من الخزف والآنية.

    ووقف بنا القطار في هدوء طاريء في محطة من المحطات بعد أن إجتاز مدينة شندي وكنت تسمع المسافرين ينادون بعضهم بعضاً "أقفل الشباك " وأقفل الباب وبين قصف الرياح وأصوات المسافرين - ذلك لأن الرياح قد إبتدأت تقفصف بشدة وتذر التراب في العيون والعاصفة تولول كالشارد المجنون، والشمس تختفي بين حين وآخر لان بالسماء الداكنة غمام يتجمع ثم يتلاشى حينا آخر، وكانت هنالك إمراة تجلس على بعد ثلاثة أمتار من القطار ناظرة الى الصبية الذين ينادون بملء أفواههم بما عندهم من طعام وشراب لجماعة المسافرين، وكانت تشير على أحد الصبية بين حين وأخر ان يجري هنا وهناك من واجهات القطار منادياً "بيض مستوي" بي ض مستوي" وهم يمدون كسرة الباء مداً طويلاً تكاد تخرج معه حناجرهم من شدة الصياح.. كل ذلك الصراخ كان من غير جدوى إذا استثنينا مسافراً واحدا إشترى من أحدهم بيضاً بقرش صاغ ، ولشد ما كنت ترمقه عيون آخرين حاسدة حاقدة ! أما ذلك الطفل الصغير فقد ظل في ندائه باجتهاد وصبر من غير أن يلاقي نجاحاً ! وكانت صرخاته تشتد كلما مر الزمن ولم يبع شيئاً من شايه الذي يحمله في آنية تعافها النفس، وأكواب يصعب على الإنسان الشرب منها ولقد كان يلبس هذا الفتى الصغير جلباباً أبيض قد استحال لونه فأصبح أسوداً من كثرة الإتساخ ، وتراكم عليه التراب قاتماً أسود يمشي حافي القدمين، عاري الرأس، لم يتجاوز عمره إحدى عشر عاماً، براق العينين ، دقيق الشفاه في أسى وإكتئاب تطل عليك من نظرته لوعة وشجن دفين.

    وقد ارتسمت على جبهته وحول شفتيه غضون جاءت قبل أوانها مبكرة لشدة وقوفه على الشمس، وحياة المتاعب والشظف التي يحياها ، كل هذا وقد ترى في وثبته وحركته شيئاً من السهوم الواجم، والخفة المستحبة لا تلبث كثيراً إلا وتنقلب الى إنقباض ولوعة، ولعل خفة الحركة والقفز تتملكه عندما ينسى نفسه وما حواليه، ونظرة الأسى والإكتئاب تعتريه عندما يذكر إخفاقه وبؤسه! وانني لن أنسى ذلك الصوت الذي ظل يردد لفظة "شاي" والناس عنه في شغل ، ولعله هو الآخر في شغل عما يحمل من آنية وشاي، بل كان باديء السهوم في أوجه المسافرين وكأنما تنطلق شفاهه في حركة ميكانيكية بين حين وآخر بلفظة "شا... آ.. ي " وهو يمد فتحة "الشين" مداً تكاد تحسب أن روح هذا المسكين تكاد تزهق مع ندائه الحار ولكنه لم يسمع رداً لصداه ولا مجيباً لندائه إزداد عدوه من أول القطار الى آخره، ومن آخره الى أوله ، كأنما هو الحيوان الخائف الهارب! .. وإبتدأ المطر ينزل رذاذاً في هذا الوقت والقطار واقف ، وصوت الرياح وهدير الأمواج يبعث في الإنسان شيئاً من الخوف والجلال والرهبة .. وبين جيشان الطبيعة وثورتها كنت تسمع صوت هذا المسكين بين حين وآخر منادياً "شـــآآآآآآي"

    وأحس الفتى برذاذ المطر يهطل على آنية الشاي وهو لم يبع منها شيئاً ، فازداد حزنه ولقد كان المسافرين في حاجة الى الشاي، غير أن ما صدهم عنه رداءة آنيته وإتساخ أكوابه، وهيئته حامله وقد كانت تناديه تلك المرأة بين حين وآخر مشيرة عليه بأن يسرع خطاه وان يذهب الى الناحية الأخرى من القطار لعله بائع شيئاً للمسافرين

    وأخيراً بلغ به التعب مبلغه وبح صوته، غير أنه واظب على ندائه وكأنما القطار بانتظاره الطويل قد زاد من ألم هؤلاء الناس وضاعف أحزانهم وقد برد الشاي وأستمر ينادي ولما تعب ذهب الى تلك المرأة وأراد الجلوس الى جانبها فما كان منها إلا ان دفعته الى ناحية القطار، ولكنه وقد خارت قواه لم يستطع الصراخ فصار ينادي في شيء من الهمود والإعياء وفقدان الصوت "شاي.. شاي" حتى كأنه قد ابتلعته الرياح وصفر القطار معلناً سفرته فذهب هؤلاء الباعة مبتعدين عن القطار وسمعت هذه المحادثة والقطار يتحرك بين تلك المرأة وذلك الفتى .

    قالت المرأة ها قد خسر الشاي ! من ذا الذي قال لك ضع القرشين في مثل هذا الشاي ومن سيشربه لك الآن ؟ لتنام الليلة من غير عشاء وظلت توبخه وهو ساكت وقد بلغ بها الحنق غايته فدفعته بشده إرتج لها جسم الفتى، وأخذت منه آنية الشاي، وبعدها أخذ الطفل يبكي وأقتربت منه في عطف واسى وأخذت رأسه بين يديها وخانتها قواها ، فانحدرت دمعة كبيرة من مآقيها ولما رأها الفتى على هذه الحالة إسترد شيئاً من شجاعته وقال له " ولكنك أنتي يا أماه قد قلتي لي أعمل هذا الشاي علنا نربح منه قرشاً، وقد عملته كما أمرتني !" فأجابته بعد ان نظرت الى عينيه الدامعتين قائله في صوت هاديء تخالطه مرارة دفينة ، " نعم أنا ... أنا السبب أسكت ياولدي ..الله في.. وبعد هذا المقطع لم أسمع شيئاً بل رأيت الأم والإبن يتجهان نحو قريتهما في خطى متثاقلة وسكون كئيب، على حين كان المطر يزداد، والأمواج تصخب والريح تولول وجسماهما يختفيان كنقطتين سوداوين وسط ذلك الظلام ، وإبتعد القطار وصورة ذلك المشهد لا تفارق نظري، ونغم ذلك الجرس الصارخ المملوء لوعة وأسى "شا...آ أي" مازال يرن في إذني .

    وإذا بصراخ بعض أفندية القطار يقطع على تفكيري فهو ينادي الجرسون "واحد بيرة بس خلي الثلج يكون كثير ورأيت هناك نفراً من الموظفين الإنجليز وهم جالسون في غرفة الطعام يتكلمون بسرعة ويتبادلون النكات المضحكة ويدخنون بينما القطار في عدوه .


    .
     
    أعجب بهذه المشاركة الأمير الشهابي
  7. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    أستاذي الراقي ، السي المهدي نقوس
    أشكرك على دورك التنويري ، و فاعليتك في إنارة معارفنا بما لذ و طاب من جميل الكتابة و رائع الإبداع.
    حقا ، لم أكن أعرف هذا الرجل إلا الآن.
    بوركت
    مودتي
     
  8. شكرا استاذ نقوس من القلب أيها البهي دوما ، أستأذنك في نشر مقتطف من الموضوع لأعجابي الشديد بكل صراحه ، وأدون لك ما تم تقديمه عن
    المقدمه
    الأستاذ والأديب نقزس المهدي:
    يقدم
    في منتدى مطر: (نصوص ايروسيه )
    مختارات للمفكر والأديب السوداني الراحل (معاويه محمد نور )
    (ساعة مع أندريا مورا )...
    الخاتمه :
    المصدر : منتدي مطر : مختارات
    (للباحثين عن المعرفه والأدب تفضلوا بزيارة منتدى مطر )
    كل الشكر للأستاذ نقوس المهدي ،
    (سيبق مطر مصدر اعتزازي الكبير دوما )
    (منشوراتي في صفحتي في الفيس بوك)
     
    آخر تعديل: ‏7/10/14
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    تحية اخي الغالي السي عبدالرحيم التدلاوي
    بدوري لم اتعرف على هذه الشخصية العصامية الفذة الا مؤخرا وانا انقب عن الاسماء الادباء الراحلين في سن الشباب واكثر ما شدني في شخصيته هو تكوينه وثقافته الواسعة وانتقاده دون خوف ولا وجل لكبار ادباء زمانه.. وليس سهلا ابدا ان يقربه اديب كعباس محمود العقاد في مجلسه وحكاية تعارفهما مذكورة في التقديم
    اشد على يديك واتمنى لك كل التوفيق
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة



    شكرا اخي الامير الشهابي وتحية وتقدير على جهودك النبيلة حول التعريف بالمنتدى الذي يعد بيتنا جميعا


    اتمنى لك كل الخير والسعادة واطيب المنى
     
  11. أستاذي الغالي نقوس المهدي ، لك من القلب كل تحية وتقدير على التنويه للسهو الذي حصل في منشوري في الفيس بوك وقد تم تعديل المنشور ، فلك مني أصدق التحايا على هذا الخلق الكريم ، وشكرا من قلبي أن نبهتني لسهو غير مقصود ،شكرا شكرا شكر .
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    تحية للصديق الامير الشهابي ومزيدا من التالق والعطاء
     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    إيمان



    نعم أعرفه، أليس هو ذلك الشاب الكث الشعر، النحيل الجسم، الطويل الأنف الذي يعني بهندامه ويضع طربوشه قريباً من حاجبيه، وهو جالس دائماً في تلك الزاوية، ينظر بإمعان للأعبي الطاولة فاتحاً فاه طيلة الوقت يلتهم حديث المتكلمين والمتحدثين إلتهاماً من غير مضغ ؟.
    -لقد مات ياسيدي بعد أن إعتراه مس من الجنون لم يطل أمده لأنه ترك الأكل إلا لماما، وصار هائماً على وجهه في الشوارع والطرقات العامة، لا يثنيه حر ولا برد من ذلك.

    -وأي سبب أدى به الى الجنون فالموت ، فلقد شاهدته منذ زمن ليس بالبعيد يلعب الطاولة وبدأ مبتهجاً وهو على خير ما يكون إنسان.

    لقد كان جلال أفندي عبد الكريم أيها الأخ، شاباً سمح الخلق طيب الخاطر، كله نعومة وإطمئنان وطيبة قلب، يستمع بشغف لأحاديث المتكلمين حوله في المكتب والترام والمنتديات العامة، ثم يأخذ بعض هذه الأراء التي تروق عنده، وهو أكثر ما يكون تأثراً إذا كان صاحب الحديث قوي الحجة، قوي الشخصية يتكلم بكل حزم وتأكيد، يأخذ هذه الأراء فيعيدها على صحبه وكأنما هي له والحديث من بنات أفكاره لشدة ما يتعصب لها ويذود عنها.

    وأذكر أنه كان في وقت من الأوقات كثير التلفظ بهذه العبارة وقد سمعها من جلال الدين أفندي "إن الرأسماليين عندنا هم رأس كل بلية في هذا الضعف الإقتصادي، وهم الدود الذي ينخر في عظام هذه الأمة" ! كما أنني أذكر أنه قد ترك هذه الجملة في وقت من الأوقات ومسك أخرى سمعت أنه سمعها من نور الدين أفندي عن أغانينا القومية"إنني لا أنكر على أغانينا بعض الحلاوة المخنثة والميلودية الباكية الشاكية، ولكنها طنبورة هزيلة وأغان مملة لا تضرب على أوتار النفس الشاعرة، وإنما وترها واحد هزيل لا يحث على الجد ولا يدعو الى النشاط والحياة الهنيئة" .

    وأنت تراه وتسمعه يقول هذا الكلام بكل كبرياء ذهني واقتناع وعظمة ! وجلس في يوم من الأيام مع جماعة من بينهم حسين أفندي حسني الذي كان يطلب العلم في القاهرة، فأراد صاحبنا أن يظهر علمه ولوذعيته ، فأدار الحديث لذلك الغرض خاصة حتى إذا ما جاء الحديث عن الأغاني السودانية قال قولته هذه في شيء من الإقتناع والفهم المصطنع، وراح يدخن سيجارته بعد أن أتم حديث وينظر في الفضاء بكل إدعاء في التفكير والتأمل كما يفعل "خير الله الماوردي" بالضبط. وأخيراً نطق حسين أفندي حسني وقال بعد أن تكلم عن عبقرية الأمم والأغاني القومية المختلفة: "وإن الذين يقلدون الأفرنج في كل شيء ويحاولون أن يلبسونا ثياباً لم تخط لأجسامنا ليشتطون ويهرفون بما لا يعرفون، فكيف يريدوننا على أن نستبدل شعورنا الشرقي البسيط بالشعور الغربي، والأغاني شعور وهي شعورنا .

    زد على ذلك أن من يعلم حالة هذا الشعب وتاريخه يعرف تمام المعرفة لم كانت أغانينا على هذه الوتيرة الباكية . وأن "السايكلوجي" الإجتماعي ليقرر صحة ما أذهب إليه. وخير لنا أن نحاول تحسين أغانينا على هذا النسق من أن نفقد روحها وعنصرها فإن روحها لهو روحنا وعنصرها لهو عنصرنا، وعبثاً محاولة تغيير الروح والعنصر" ! فأعجبت هذه الجملة صاحبنا جلال أفندي وحفظها لساعتها بعد أن إقتنع بصحتها وترك قولته القديمة في الأغاني.

    وهذه ولا شك تظهر له أكثر عمقاً وعلماً ولوذعية من الأولى. ولقد كان قوي الذاكرة، ويكفيه أن يسمع مثل هذه الجملة مرة واحدة فيلتهمها إلتهاماً ويحفظها عن ظهر قلب، ولو أنه في بعض الأحيان ينسى كلمة أو كلمتين فيتغير المعني المطلوب تماماً.

    وصار منذ ذلك اليوم يردد هذه الجملة في المكتب والبيت والمنتدى ، وهكذا كان صاحبنا – رحمه الله - شديد التأثر يصدق كل ما يقال أمامه بحزم وصوت مرتفع. وكان في حفظه كعدسة "الفوتوغرافيا" يلتقط الأفكار لأول وهلة ويرددها كأنها من بنات أفكاره من غير أن يشعر بأقل غضاضة أو فقر ذهني .

    ومع كل هذا فقد كانت الناس تحبه وتستظرفه لما فطر عليه من مراحة الطبع والدعابة والخفة. وهو إذا ذهب الى مكتبه وكلم بعض إخوانه في المكتب عن المسائل العامة فلم يأبهوا له، بادرهم بهذه الجملة التي سمعها من "الباشكاتب" على أفندي رحمه الله "إن حياة الموظف عندنا لهي حياة مملة سخيفة. وما أشبهكم بالالآت الميكانيكية تؤدي واجبها الآلي ثم يشيع فيها الصدأ فتبلى وتتحطم " كما أنه كان كثير التقليد لرؤسائه يقلدهم في نبرات أصواتهم وفي مشيتهم ويلتقط الكلمات الإنجليزية من رئيسة الإنجليزي. والويل في ذلك اليوم لراكبي الترام، فإنه يزعجهم بمثل هذه الكلمات بمناسبة وغير مناسبة . وأذكر أنه كان يستعمل هذه الكلمات وقد التقطها حديثاً “
    Tremendous, extraordinary, absolutely
    ولقد كان يرتاد بيوت الرقص الوطني بين حين وأخر فيأتي مسلوب العقل والوجدان معاً، ويقرر لك بكل حزم أن "فلانه" هذه أرقص بنت في السودان، وأن تلك البنت أجمل بنات العالم طراً ، ولا يمر أسبوع من هذا التاريخ إلا ويأتيك بأسماء أخرى هي أجمل البنات وأرقصهن ، وهو في كل ذلك محكوم "بالمودة" وما يقوله صحبه ورفقاؤه فهو قل أن يكون لنفسه رأياً حتى في الطعام والملبس يأكل ما يقول بعض أخوانه أنه أجود الأطعمة ويلبس ما يلبس زيد وعمر.

    وحصل يوماً أن إجتمع بهاشم عرفات في المنتدى الذي يجلس فيه في عصر كل يوم هو وصحبه، وكان "هاشم عرفات" هذا شاباً كثير الإطلاع ، كثير الشك الفلسفي لا يؤمن بالأقاويل ولا يستطيب الجزم في شيء، وهنا إبتدأت صفحة جديدة من تاريخ بطلنا جلال أفندي عبد الكريم إذ كل ما أتي بجملة من جمله المحفوظة، سأله هاشم عن صحة ما يقول وعن أدلته وبراهينه، وينتهي بأن يشككله في قوله ويسخف له هذا الرأي ويفند ذلك . وصار كل ما قال رأياً سأله هاشم "هل أنت متأكد" حتى جعله يرتج في أجوبته ويشك كثيراً أو صار لا يقتنع بالقول الذي يقوله الصحاب ولكن لا بد أن يراه عملياً حتى يصدقه. وقبل أن يتفرقوا قال له هاشم "ياسي جلال أفندي خليك من فضلك ما تصدق كل حاجة، إن هذا العالم كله رياء وكذب وتدجيل" فتركت هذه الكلمات أثرها في ذهن جلال أفندي وهو يودع صحبه في تلك الليلة !

    وحصل أن كان يوماً جالساً مع بعض الصحاب وفيهم من كان يدرس الكيمياء فقال هذا الكيمائي: "أتدرون أن الماء من الهواء" ؟
    -لا ، لا أصدق
    -ياعجباً: انه إمتزاج الهيدروجين بالأكسجين في نسب معلومة.
    -كلام فارغ "برزت من جلال وتبعها منه أيضاً "هل أنت متأكد؟

    كتأكدي من وجودك هنا

    "واشترط الصحاب أن يذهبوا الى أقرب معمل في الخرطوم ليروا هذه العملية، ولكنه لسوء الحظ أو لحسنه، مهما حاول صحابنا الكيمائي في التحضير فقد فشلت كل مجهوداته، وأخيراً صاح به جلال أفندي: "ألم أقل لك كلام فارغ"

    وأي كلام فارغ تعني؟ أن المواد لسوء الحظ ليست جيدة وهذا كلما في الأمر : وقد عملت أنا هذه العملية مئات المرات، وهي حقيقة ثابتة كوجودي ووجودك"
    وأطلعه على عدة كتب فيها هذه الحقيقة ، فكان جواب جلال أفندي

    أتظنني مغفلاً لهذه الدرجة ؟ إن هذا العالم كله رياء وكذب وتدجيل" وقفل راجعاً.

    وجلس يوماً آخر مع بعض صحبه وكان بينهم جاد الله العربي، وهو فتى مرموق الجانب، معروف بسعة الإطلاع والفهم فقال لهم "هل تدرون أنه سوف يحصل كسوف جزئي للشمس في الغد" "هل أنت متأكد ؟" قالها صاحبنا الذي كان يؤمن قبل بكل شيء :

    -أأنت عبيط. أقول لك أن في الغد سوف يحصل كسوف جزئي للشمس فتسألني هل أنت متأكد !

    إن هذه الأشياء يقررها العلم ، والعلم صادق لا يداجي ولا يكذب، ويمكننا أن نعرف الدقيقة و الثانية التي سوف يحصل فيها الكسوف! ووافقة الجميع على هذا الكلام ونظروا شزراً الى جلال أفندي. وراح صاحبنا يعلن هذا الرأي وقد نسى شكه "إن في الغد سوف يحصل كسوف جزئي للشمس ! وظهرت الشمس غداً أشد ما تكون لمعاناً وضياء فلا كسوف ولا خسوف، وكلما تقدم النهار ولم تنكسف الشمس إزداد شك صاحبنا وقلقة وصار يقول لنفسة" أقول لهم هل أنتم متأكدون فيقولون يا للعبيط ، إينا الآن العبيط أنا أم هم ؟

    وبعد هذه الحادثة رجع فقابل "هاشم عرفات" الرجل الذي جعله أول مرة يشك في حياته – وقص عليه قصة الكسوف المزعوم، وكيف أنه شك في حديثهم فما كان منهم إلا أن ضحكوا منه، فقال له هاشم أفندي: "أسمع ياأخي إن الأشياء لا تحصل حسب قوانين معلومة ولكنها تحصل كل يوم في حالات كثيرة متعددة، وأساس هذا العالم إنما هو "التغير والتحول" فعبثاً نحاول إستنتاج القوانين العامة التي تحكم الأشياء، وقد يظهر لنا في كثير من الأحيان أننا قد نجحنا في ضبط القوانين ومعرفة الأشياء، ولكن هذا وهم خادع . فالحياة لا يحدها قانون أو "سابقة وهي دائمة التحول والتجديد، وهي مستبدة وهي قاهرة، وربما تحصل بعض الأشياء عدة مرات، ولكن ليس معنى هذا أنها سوف تحصل دائماً. " فالتهم صاحبنا هذه العبارة وتأثر منه وأعجب به كثيراً ، وزادت نزعته الشكية من ذلك الحين كثيراً !

    وكان صالح أفندي عثمان، المشهور بنكاته وألاعيبه في الأندية والمجتمعات في ليلة من الليالي يقوم ببعض الألعاب ، فجاء إلى مسألة كوب الماء إذا ما ملئت وأقفل فمها بورقة قوية أو خشبة مستديرة أو ما إليها ثم جعل سافلها عاليها لم يتدفق الماء للضغط الذي داخلها، فقاطعه جلال أفندي عبد الكريم وأنكر عليه حديثه وقال له دونك التجربة، فجربها صالح أفندي عثمان بوضعه "لكوب" الماء وهو مقلوب فوق رأسه فلم يصبه أذى، ولكن جلال أفندي لم يقتنع إذا لم يجرب العلمية بنفسه، فقام وملأ الكوب ماء ووضع الغطاء وأدارها فوق رأسه، ولكنها سالت فوق رأسه وابتل هندامه، وضحك الجميع ساخرين هازئين، فما كان منه إلا أن تناول طربوشه وقفل راجعاً الى بيته لا يلوي على شيء وهو حانق مغضب أكثر ما يكون شكاً وحنقاً على الحياة وما يقبله الناس كأنه حق لا يأتيه الباطل من خلفه أو أمامه.

    ومن ذلك الحين إضطرب كيانه العصبي وصار يهيم على وجهه ويرد على كل من يسأله أو يكلمه بجملة "هل أنت متأكد" ؟ ولا يأكل ولا يشرب إلا نادراً فزاد جسمه نحولاً على نحول ، وأخيراً لزم فراشه لمدة أسبوع فارق بعدها هذا العالم. وقد كان يوم موته يوماً عاصفاً ماطراً، يكثر سحبه ويتجمع غمامه ويصبح الجو أدكن غابراً لمدة ساعة، ثم تشرق الشمس ويشع الضياء وفجاء تتجمع السحب مرة أخرى ويبرد الجو كأنما يريد أن يهطل المطر ثم لا يهطل . وقد بلغني أن آخر ما نطق به وهو على فراش الموت بعد أن سأله أهله أن يتشهد مرات ويقول "لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله " أن فتح عينه وقال لهم "هل أنتم متأكدون ؟ ثم أغمض عينه وراح في سبات عميق، وهكذا مات جلال أندي شاكاً في كل شيء بعد أن كان مؤمناً بكل شيء ؟



    يقول الأخ فضيلي جماع عن معاويه محمد نور" يكتب عن الأدب المصري ولكنه يكتب أيضاً عن الأدب الألماني – خواصه وتطوره ويكتب بجانب ذلك عن الدراما وعن مستقبل إفريقيا قارة الشمس وفوق ذلك يكتب عن القصة في الأدب الروسي. كل هذا التدفق لفتى دون الرابعة والثلاثين !! ص 68

    أي عبقرية وأي نبوغ ؟!! ونحن في السودان قبل سوانا مطالبين أن نعرف بهذا الأديب وأمثاله وأن نقدمهم للقاريء جهد المستطاع."

    ويقول الأخ فضيلي في ص 70 نفس المصدر السابق
    "ولقد جذب إنتباهي شيء في كل ما قرأته لمعاوية نور وما قرأته عنه وهو إهتمامه بأدب حوض وادي النيل للدرجة التي يستعصى فيها التفرقة بين أن تنسبه الى مصر أو السودان وانت تبحث عن جنسيته .

    المصدر فضيلي جماع قراءة في الأدب السوداني الحديث.

    إشارة الأخ فضيلي جماع لفتت إنتباهي أيضاً وأنا أقرأ لمعاوية كتابته عن أدق تفاصيل الحياة المصرية إذ كان يكتب حتى عن تحديد النسل في مصر والسبب في ذلك ان مصر والسودان كانا شبه قطر واحد في تلك الفترة ثورة 24 مثلاً وإرتباطها مع مصر.

    إسهم معاوية في الحركة النقدية في مصر وكان من النقاد الكبار في ذلك الوقت وفي ما يلي موقف طريف لأحد الكتاب المصريين الجدد وقد عرض عليه قصته الجديدة ويبدأ بوصف الكاتب الجديد’

    بلع مرتين، وتنحنح للمرة الأخيرة، ثم أخرج أوراقاً من جيبه وبدأ يقرأ : "عزت شاب، أنيق الملبس، جميل الطلعة محبوب من جميع عارفيه وأقرانه. الخ. قابل "عايدة" في الترام ذات مساء "ثم ماذا"؟ فأحبها من أول نظرة وهام عشقاً بها ... وبادلته هي الأخرى عواطف العشق والغرام، إستمر صديقي يقرأ لي تحفته الفنية، وينظر إلى بعد كل حين وآخر كأنما يستفسر مابي. وتستمر القصة بأن يجتمع عزت وحبيته، ويتطارحان أحاديث الحب فيقول لها عزت "لوعلمتي ياعايده كم أنا أعشقك ولا أستطيع فراقك ساعة واحدة، دقيقة واحدة، ربع ثانية.

    إن هذا الدهر الخؤون الخ، فتجيبه عائدة أنني أعبدك ، أهيم بك ولا أرضى بغير ذلك بديلاً . أنهم يريدونني أن أتزوج من إبن عمي وأنا لا أضمر له حباً، وهم لا يفهمونني " وتنتهي تلك المحادثة في قصة صديقي بعد خطبة بليغة عن تنهدات الفجر وإصفرار الشمس، وطغيان الآباء، وظلم المجتمع بكميات ضخمة من التنهدات والزفرات والنظرات وعلى كثرة هذه الأشياء تعتمد حرارة القصة، وضخامتها وتنتهي قصة صديقي بأن تموت البنت، الفريدة الحسن غماً من زوجها الذي لا تحبه، وينسى حبيبها الأول عزت كل شيء ، فيتزوج أمراة أخرى يرزق منها أولاداً هم قرة العين وفخر الوالدين، ويحرص صديقي أن يقول في آخر قصته "وهكذا عاش عزت بعد ذلك في سلام وأمان"!!!!

    ويقبل علي صديقي بكل جد وإلحاح يستطلع رأي، وقبل أن أجيب يقول.
    "أليست تصور الحياة المصرية تماماً، ... ألا تلمح العواطف فيها، وعندما يشدد الخناق علي أجيبه بأنها قصة جميلة، لكن هذه العواطف غير مهمة.

    "بالله ! كيف؟ أتقول أن العواطف غير مهمة في القصص، ثم يروح يتكلم عن الريالزم وزولا والموضوعية والذاتية مما تنشره بعض الصحف، من غير فهم ملحاً في أن يعرف رأيي في قصصه فأقول وقد ضقت به ذرعاً:

    صديقي – ليست هذه قصصاً !

    ويعقب ذلك صمت رهيب. ثم يروح يقلب الظنون، معللأ عدم إعجابي بقصته
    "أه .. لابد أن يكون حاسداً تأكل الغيرة صدره ، أو أنه يضحك مني ويستغفلني وهو مدرك لجمال هذه القصة، أوربما كان ناقداً جاهلاً لا يفهم شيئاً في طبيعة الفن القصصي والعواطف. !

    ليست هذه القصة قصة صديقي وحده، وإنما تكاد تكون قصة معظم من يكتب القصة عندنا: جرأة في الكتابة، ولجاجة في الإدعاء، وجهل عميق بأصول الفن ومستلزماته وأصوله.
    المصدر الأعمال الأدبية لمعاوية محمد نور – دار الخرطوم للطباعة والنشر ص 192


    لمعاوية القدرة ذكية على إلتقاط الإشياء الجميلة ويظهر ذلك حديثة التالي

    في مقاله أديب معاصر – إبراهيم المازني يقول معاوية في ص 88 المصدر السابق:

    "فالمازني يستطيع أن يحدثك عن نفسه حديثاً شائقاً في فكاهة ودقة ووصف ويستطيع أن يعطيك الكل مصوراً في وحدة فنية قوية – فهو يرى الأشياء الصغيرة والحالات النفسية الطارئة يتصورها ولكنه لا يستطيع أن يعطيك الحالة النفسية الكاملة لشخصية من الشخوص في كل أطوارها وأدوارها ومزاجها وإنما هو يأخذ منها لمحة فوتوغرافية أو لمحة نفسانية فيبرزها كأشد ما تكون بروزاً. من هنا كانت إجادته في المقال القصير وفشله في كل محاولاته الكبيرة.
    ولنعطيك نماذج من هذه الرواية نعتقد أنه أجاد فيها التصوير "ص 60"

    "محمد الصغير إبني يبكي – أو على الأصح تبكي حنجرته الجديدة دون عينه – لسبب لا شك أنه يدعو إلى بكاء مثله، إذ في كفه مرآة صغيرة ينظر فيها ويظهر أن الغرض من ذلك أن يرى في صقالها كيف يبدو الوجة الإنساني حين يبكي حامله! وكان يكف عن التشنج كما استوقفه المنظر العام أو لفته مني شيء خاص" ثم يستأنف الإعوال".



    .
     
    أعجب بهذه المشاركة نبيل محمود
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الفاضل حسن عوض الله
    معاوية نور.. مصطفى سعيد.. وموسم الهجرة إلى الشمال



    كم أحببت كتابات الطيب صالح.. وأحببت تواضعه الشخصي، بل أحببت حتى صوته.. ربما يعود ذلك لخلفيته المهنية كمذيع ففي نبرات صوته دفء وعذوبة.
    والطيب مفتون بالأديب السوداني الراحل معاوية محمد نور.
    أذكر في بداية الثمانينيات تولى الناقد والأديب المصري رجاء النقاش رئاسة تحرير مجلة المصور القاهري، وقد جيء به لإنقاذ (المصور) من كساد وتعثر طال به الزمن. لجأ الأستاذ رجاء إلى استقطاب قامات فكرية وأدبية سامقة على رأسها الطيب صالح لتجاوز هذه المحنة ، وكان أول مقال للطيب صالح عن معاوية محمد نور وهو مقال مجيد استعرض فيه الكاتب سيرة الأديب الراحل بكل ما فيها من مجد وبهاء وعثرة وإنكفاء.
    ومن خلال متابعتي لسيرة الأديب الراحل معاوية محمد نور، وتيقني من افتنان الطيب صالح به.. لاحظت أن هناك ثلاثة محاور شبه بين معاوية ومصطفى سعيد بطل موسم الهجرة إلى الشمال:
    - المحور الأول:
    النبوغ المبكر لكليهما في حقبة زمنية واحدة، فنبوغ معاوية المبكر أكده إدوار عطية في كتابه «عربي يحكي قصته».
    إدوار عطية هذا كان مسئول قلم المخابرات في حكومة السودان البريطانية قبل الاستقلال، وهو إلى جانب وظيفته الأمنية كان أديباً مرموقاً تخرج في كلية فيكتوريا بمصر وواصل دراسته بأكسفورد ببريطانيا. حكى عطية في مذكراته أنه كان يظن نبوغ معاوية مجرد قشرة سطحية يتباهى بها ذاك الشاب الأسمر اليافع، ولكن سرعان ما تبين له عمق ثقافة معاوية وموسوعيته.
    - المحور الثاني:
    الهجرة شمالاً.. فكلاهما كان لديه نهم فاتك للمعرفة والتحصيل، نهم وجوع لم يسكته فتات العلم والأدب في المؤسسات التعليمية المتواضعة التي أنشأها الإنجليز. هاجر معاوية إلى مصر ثم التحق بالجامعة الامريكية ببيروت ثم عاد إلى مصر بينما هاجر مصطفى سعيد إلى بريطانيا مروراً بمصر.
    - المحور الثالث:
    الإنكفاء والعودة إلى الوطن وكلاهما مثخن بالجراح، فقد عاد معاوية، بل أعيد بواسطة خاله المرحوم/ الدرديري محمد عثمان ونفسه الشفيفة قد تناثرت إلى أشلاء، في حين عاد مصطفى سعيد بكل أدواء الفصام.
    هذه المحاور الثلاثة... النبوغ المبكر... الهجرة شمالاً ثم الإنكفاء والعودة للوطن قفزت إلى ذهني وأنا أتامل في شخصية معاوية المبدعة التي جابت طرقات الموردة في الثلث الأول من القرن العشرين ورفاتها يتوسد ثرى حمد النيل الوداع بأمدرمان...
    وشخصية مصطفى سعيد التي نسجها في ابتداع الطيب صالح.
    كم هو فطير أن تسأل:-
    هل كان مصطفى سعيد هو معاوية محمد نور؟
    الاجابة قطعاً لا..
    فمصطفى سعيد لم يكن سوى مصطفى سعيد بكل ألقه وإنكساراته التي أرادها له الطيب صالح.



    .

    صحيفة الصحافة
     
    آخر تعديل: ‏10/10/14
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    قصيدة عباس محمود العقاد في تأبين معاوية محمد نور، بعنوان:

    (الشهيد معاوية)

    أجل هذه ذكرى الشهيد معاوية = فيالك من ذكرى على النفس قاسيه
    أجل هذه ذكراه لا يوم عرسه = ولا يوم تكريم، ودنياه باقيه
    فما أقصر الدنيا التي طول الضنى = أصائله فيها، وأشقى لياليه
    وما أضيع الآمال آمال من رأوا = مطالعه في مشرق النور عاليه
    ومن أيقنوا أن الهلال الذي بدا = على الأفق أحرى أن يعم نواحيه
    بكائي عليه من فؤاد مفجع = ومن مقلة ما شوهدت قط باكيه
    بكائي على ذاك الشباب الذي ذوى = وأغصانه تختال في الروض ناميه
    بكائي على ما أثمرت وهي غضة = وما وعدتنا، وهي في الغيب ماضيه
    فضائل منها نخبة أزهرت لنا = لماماً وأخرى لم تزل فيه خافيه
    تبينت فيه الخلد يوم رأيته = وما بان لي أن المنية آتيه
    وما بان لي أني أطالع سيرة = خواتيمها من بدئها جد دانيه
    وأن اسمه الموعود في كل مقول = سيسمعه الناعون من فم ناعيه
    أجل هذه ذكراه يا نفس فاذكري = فجيعتنا فيه، وما أنت ناسيه
    أجل هذه ذكراه يا عين فاذرفي = عليه شآبيب المدامع دامية
    إذا قصرت أيام من نرتجيهم = فيا طول حزن النفس والنفس راجيه
    ويا طول حزن النفس وهي منيبة = وهي إلى اليأس من عجز بها، وهي آبيه
    فيا يوم ذكراه سنلقاك كلما = رجعت إلينا والضمائر صاغيه
    ويا عارفيه لا تضنوا بذكره = ففي الذكر رجعى من يد الموت ناجيه
    أعيروه بالتذكار ما ضن دهره = به عيشة في مقبل العمر راضيه
    وزيدوا النفيس النزر من ثمراته = بتكرارها في القلب أولى وثانيه
    فإن لم تكن في العد كثراً فباركوا = معانيها حباً، ووفوا معانيه
    عليه سلام لا يزال يعيده = ويبديه شاد في الديار وشاديه
     
    آخر تعديل: ‏10/10/14
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. النور حمد
    معاوية نور: هل غار منه الطيب صالح أم خشي على مواقفه منه؟!



    لربما استغرب البعض عنوان هذه الحلقة، إذ كيف يغار الطيب صالح، وهو الذي أطبقت شهرته الآفاق، من معاوية محمد نور، الذي لم يلتفت إليه السودانيون، إلا بعد وقتٍ طويلٍ جداً من وفاته؟! وحتى بعد أن تم الالتفات إليه، ظل الاحتفاء به محدودا وسط فئة المثقفين السودانيين، إضافة إلى قلةٍ قليلةٍ جدا من كبار المثقفين المصريين.
    غير أن الذي دعاني إلى الإشارة إلى احتمال وجود "غيرة" لدى الطيب صالح من معاوية، هو ما ألمح به الأستاذ السني بانقا، وهو يعلق على ما سمعه من الطيب صالح مباشرة، وهو يقول له إن معاوية كان يتعالى على كبار الكتاب المصريين. إضافة إلى ما أشرت إليه في مقالة الأسبوع المنصرم، من أن الطيب صالح كرر، بشكل ملفت للنظر، القول بأن معاوية "فشل" و"انهزم"!. ويرى السني بانقا أن بعضاً من آراء الطيب صالح في معاوية آراء لم يحالفها الصواب. وعزى السني، وهو يلخص ما جرى بينه وبين الطيب صالح في ذلك الصدد، إلى أن الغيرة الأدبية ربما دفعت بالكاتب إلى إطلاق أحكامٍ مجافية للصواب أحياناً. قال السني: ((ولكنني أردت ألا أستبعد أن يكون الطيب صالح قد شعر بـ "الغيرة الأدبية" عندما قرأ كتابات معاوية، وإطراء العقاد له في رثائه)). (السني بانقا، معاوية نور، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2006، ص 114).
    وقد أشار السني، علي سبيل المثال، إلى الغيرة التي كانت ناشبة بين العقاد وطه حسين، وأشار إلى أن العقاد انتقد عبد الله الطيب بعد إصدار كتابه "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها"، لأن الدكتور طه حسين احتفى بالكتاب احتفاءً كبيراً، وقال في المقدمة التي كتبها له قائلاً: ((هذا الكتاب ممتع إلى أبعد غاية الإمتاع، لا أعرف أن مثله أتيح لنا في هذا العصر الحديث)).
    فعبارة طه حسين القائلة بأن كتاب "المرشد" كتاب لا شبيه له، ربما تكون هي التي أثارت غيرة العقاد، ودعته إلى أن يقول: إن مؤلفه ذو ذكاء وفطنة ولكن تعوزه "الحاسة الفنية".
    وعموما فالغيرة والتنافس الحاد بين العقاد وطه حسين أمر معروف. ويرى السني، أيضاً، أن انتقاد عبد الله الطيب لابن الرومي ربما يكون هو الذي أثار حفيظة العقاد الذي له رأي حسن في ابن الرومي، ضمنه في كتابه "حياة ابن الرومي".
    (المصدر السابق، ص 113).

    من جانبي، أميل أكثر إلى القول بأن الطيب صالح لم تأخذه الغيرة من معاوية، فالطيب صالح قد نال من المجد والشهرة، والقبول بين الناس، ما لا مطمح وراءه لطامح، ولكني أرجح أن الطيب صالح ظل مهموماً ومُهَجَّسَاً بنموذج معاوية.
    فمواقف معاوية وخياراته النارية قد مثلت في جملتها النقيض لمواقف الطيب صالح وخياراته. فقد اتسمت مواقف معاوية بالمبدئية، والقدرة على المواجهة، والاستعداد لخسارة كل شيء في سبيل الموقف والخيار الحر، في حين ظل الطيب صالح وسطياً، قليل التعليق على ما يدور حوله من شؤون السياسة، حتى في بلده السودان، حريصا على أن تظل حبال وُدِّهِ ممدودة للجميع، دون استثناء.
    وحياة معاوية كانت كلها صداماً مع المحيط. وقد شمل ذلك الصدام أسرته ومحاولتها الاختيار له بالنيابة عنه، وشمل صدامه المستعمر والقالب الذي أراد أن يصب فيه ناشئة المتعلمين السودانيين، محددا سقفاً لتطلعاتهم، ما كان يود لهم أن يتجاوزوه. كما شمل صدام معاوية رموز وقته، من كبار الكتاب في مصر. وهكذا ظل معاوية معتدا بنفسه، مستقلاً في آرائه، مواجهاً، يحارب على جميع الجبهات، حتى أدركه الموت في تلك السن المبكرة. هذا النهج الملحمي، وهذا الأسلوب الحياتي، هو ما لا يميل إليه الطيب صالح، فيما أرى. ولست هنا بصدد إطلاق حكم تفضيلي، أرجح به كفة معاوية على كفة الطيب صالح، لمجرد أن معاوية اختار نهج الصدام على نهج المهادنة.
    فإشكالية الصدام والمهادنة إشكالية معقدة ولا يمكن اختزالها في مجرد إطلاق الأحكام.
    وعموما الطيب صالح رجل ذكي، واسع الإدراك، ومن يقارب آراءه لابد له من الروِيّّة، ومن اصطحاب حقيقة قامته السامقة، وذكائه، وسعة أفقه المعرفي.
    ينصب غرضي من هذا المقال في محاولة المقاربة النقدية التي تهدف إلى إضاءة إشكالية خياريْ الصدام والمهادنة، وإلى فحص أوجه الخيارين. كما تهدف أيضا، إلى إضاءة حدود المسؤولية الأخلاقية للكاتب الكبير، ذي المكانة المُجمع عليها.
    وبطبيعة الحال فإن الصدام والمواجهة ليسا مطلوبين دائما، غير أن هناك من المنعرجات والأحوال التي يصبح فيها الصدام والمواجهة خياراً لا محيص عنه.
    والذي دعاني للتعرض لخيار الطيب صالح للمهادنة، إنما هو إطلاقه حكماً على معاوية، وعلى خلاصة تجربته الحياتية، واصفاً إياها بـ "الفشل" وبـ "الهزيمة".
    وقد ناقشت ذلك بما يفي بالغرض في الحلقة السابقة، وقلت أن الطيب صالح أطلق حكما تفضيلياً على معاوية، أعلى فيه من شأن انصياع المحجوب لخيار الإنجليز بدراسة الهندسة، ومن خضوع التجاني يوسف بشير لأبيه، الذي أعاده من محطة السكة الحديد في الخرطوم، كسير الخاطر، إلى أمدرمان، بعد أن عقد العزم على الذهاب إلى مصر.
    نعى الطيب صالح على معاوية اعتداده بنفسه وإصراره على خياراته، ولا مبالاته بالعواقب التي تترتب على خياراته. وعموماً فإن ما جرى به قلم الطيب صالح في حق معاوية نور، يوحي باعتقاده بأن معاوية كان متطرفاً، وجانحاً. ولو وقف الطيب صالح موقفاً محايداً من الخيارين ـ خيار المهادنة وخيار الصدام ـ وقال إن من الناس من يميل بطبيعته إلى الصدام، وإن منهم من يميل بطبيعته إلى المهادنة، لكان موقفه أفضل في نظري. فالطيب قارئ واسع القراءة، وهو عارف بأنماط الشخصيات الاستثنائية، خاصة المصلحين، والأدباء، والفنانين، وغيرهم من الأفراد الطليعيين الذين يستعصون على الانصباب في القالب، والذين لا يملك الفرد منهم، بحكم الطبيعة المودعة فيه، خياراً غير خيار مناهضة السائد، وقلب الطاولة عليه.
    ولقد ألفتت انتباهي إشارة الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي لكل من معاوية نور، والشيخ بابكر بدري بوصفهم علمين من أعلام التنوير لدينا. (صحيفة الأحداث، 9 ديسمبر 2009).
    غير أن الطيب صالح تجاهل معرفته بالشخصيات الاستثنائية، وذهب ليقدم تلخيصاً لحياة معاوية واضعاً كل خلاصتها النفيسة في جرة "الفشل" و"الهزيمة"، وهذا أمر بالغ الغرابة!! فذلك التلخيص لا يشبه عقل الطيب صالح، وقدراته العالية، وقراءاته الواسعة، ومعرفته بتاريخ الأعلام من البشر. ولقد دعاني كل ذلك، إلى التساؤل عن السبب الذي أوقع الرجل في تلك الكبوة.
    فهل كان انسياقاً وراء القلم بغير روية، أم أن و راء الأمر رأي محسوب يقف وراء صراع داخلي من نوع ما؟
    كتب حسن موسى، في مقالته الشيقة، (دليل الفالح في استخدامات الطيب صالح)ما يلي: (دفعني لكتابة هذه الكلمة كم الملاحظات الأخيرة في خصوص موقف الطيب صالح من القائمين على أمر نظام الجبهة الإسلامية في الخرطوم. وهو موقف أثار حسرات السودانويين من كل المشارب (والمآكل) الذين "قفلوا" ـ في رطانة لاعبي الورق ـ على الطيب صالح وعلقوا أمرهم من عَصَبَتِهِ بغير مسافة نقدية تؤمنهم ضد الانجراف وراءه في رمال السياسة السودانية المتحركة التي يسوح الطيب صالح فيها بلا خارطة). انتهى. (الموقع الإليكتروني: "سودان فورآل دوت أورج").
    فالمسافة النقدية، كما تفضل حسن موسى، ضرورية لكونها تؤمن لنا فرصة التأمل وفرصة تقليب الخيارات وفحصها. كما تجنبنا مغبة الانسياق الأعمى الذي يخلط الأوراق ويتسبب في ضياع البوصلة. فمن ناحيةٍ، يمثل الطيب صالح، في مصنفاته، قوة وجدة الفن الروائي، ورهافة الحس الإنساني، وطلاقة الشاعرية، ودفق طاقة الإلهام العالية، التي تُعدي كل من يقرأ سطوره. ولكنه يمثل من الناحية الثانية الكاتب المهادن، الميال إلى قبول المتشكِّل السائد، لا في صورته التي يمثلها الوعي الجمعي، الشعبي، القاعدي، وحسب، وإنما أيضاً في صورته السلطوية القامعة لخيارات الآخرين، ولتطلعاتهم للحرية وللكرامة الإنسانية. ظل الطيب صالح مقبولاً قبولاً استثنائياً، حتى لدى أكثر الحكام العرب محافظة، وأشد الأنظمة العربية تنكراً للحقوق الأساسية لبني البشر. وما من شك أن الطيب صالح رمز عربي كبير، وهو كرمز عربي أيقوني ICONIC ، أصبح مصدر فخرٍ لكل أهل الثقافة العربية. غير أن الطيب صالح لم يوظف تلك المزية التوظيف الأمثل، فيما أرى، وإنما وظفها ليضع ذاته فوق أتون الصراع والتناقضات.
    كان من الممكن أن يجعل الطيب صالح من تلك الوضعية المتميزة، وذلك القبول العام، سلطة أخلاقية مؤثرة في نصرة المظلومين، ولكنه حرص أكثر على استخدامها في وجهة أرى أنها انحصرت في مجرد تحقيق "البريستديج" الشخصي، وفي وجهة ضمان استمرار حالة القبول العام، التي تمتع بها لعقود.
    كسب الطيب صالح بعبقريته الكبيرة وضعية أخلاقية مؤثرة كان في وسعه استخدامها في وجهة لجم جور الحكام، بالامتثال للأمر القرآني الخالد:
    (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذي يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، وأجعل لنا من لدنك ولياً، وأجعل لنا من لدنك نصيرا) (النساء 75)، ولكن تلك الوضعية جرى تبديدها، في ما أرى، في جيوب جانبية، ضيقة، مغلقة.
    ظل الطيب صالح يدعو ويروج ويعلي بالمسلك وبالقول لخيار المهادنة، والمرة الوحيدة التي جرى فيها قلمه ناقداً نظاماً سياسياً عربياً، إنما حدث في مقالته الشهيرة في نقد رجال حكومة الإنقاذ في السودان، التي اشتهرت بـ: (من أين جاء هؤلاء الناس؟).
    فما أن صدع الطيب صالح بتلك المقالة المؤثرة، في تلكم الأيام حالكة السواد من أيام السودان، حتى سرت وسط السودانيين، وغير السودانيين، سريان النار في الهشيم. وغفر السودانيون للطيب صالح صمته الطويل. غير أن الطيب صالح لم يترك مقالته تلك لتثبت طويلاً في سجله الخالي من مقارعة الحكام! إذ عاد بعد سنوات ليزور السودان، ويلتقي بحكامه، ويتلقى منهم التكريم في لقاء بدا مرتباً، ومُعَدَّاً له. عقب ذلك اللقاء، تحدث الطيب صالح عن حكام السودان، الذين سبق أن هجاهم هجاءً مراً، ليصفهم بـ "الطيبة"! وليقول ما يُفهم منه أنه فوجئ، بطيبتهم تلك، حتى أن من يستمع إليه يحس وكأنه يريد أن يقول إن أحداً ما قد ضلله بشأنهم! وبدا في عموم ما قاله، كمن يعتذر عن ما وصفهم به في السابق!
    وهكذا كسب الحاكم الداهية الجولة النهائية مع الكاتب الكبير، في نهاية المطاف! وخسر الأدب وسلطته الأخلاقية المفترضة، تلك الجولة الأخيرة، خسراناً مبينا!
    يتضح من أقوال الطيب صالح المحسوبة بعناية شديدة، مما ظل ينثره هنا وهناك في فترات متباعدة، ومن تجنبه الخوض في أمور السياسة، إلا نادراً، أنه شخص يفضل التعامل مع ما هو متاح، بلا جنوح لاتخاذ المواقف التي ربما استلزمت تنكب مخاطر التضحية، التي تهدف إلى توسيع ماعون ذلك المتاح. فإن اتسع الماعون المتاح بالتطور الطبيعي، من تلقاء نفسه، أو اتسع بجهود وتضحيات الغير، فبها ونِعِمَّ، وإن لم يتسع، يُترك لمزيد من الزمن. ولقد سمعت الطيب صالح في نهاية الثمانينات في النادي الثقافي في مدينة مسقط بسلطنة عمان، وهو يرد على أحد السائلين، في محاضرة دُعي لإلقائها هناك، قائلاً: يريدون لي دور الكاتب الشهيد!! أما أنا فأريد أن أعيش أطول عمرٍ ممكن!! قال ذلك فما يشبه الانفعال ـ وقلَّ أن ينفعل الطيب صالح ـ ثم أتبع ذلك بقهقهةٍ، مجلجلةٍ، ساخرة.
    ليس من السهل أن يختلف المرء مع الطيب صالح، فالطيب صالح عقل كبير، وقلب كبير، وروح كبير، أيضاً. وليس غرضي هنا محاكمته، وإنما ينحصر غرضي في الانتصاف لمعاوية محمد نور العبقري الاستثنائي، الذي لأمرٍ ما حاول الطيب صالح أن يضع حصيلة تجربته الحياتية الملحمية الثرية المنتجة في جرة "الفشل" و"الهزيمة". فما ضرَّ الطيب صالح، مثلاً، لو أنه قال إن معاوية قد خُلق أصلاً ليعيش تلك الحياة الملحمية القصيرة المنتجة، وأن ذلك النمط من العيش كان قدره الذي لم يكن يملك منه فكاكاً، وإنه لم يكن يملك، بحكم المزاج المودع في بنيته النفسية، خياراً آخر سواه؟! الشاهد أن الكتاب الذين نذروا أنفسهم للتضحيات، من شاكلة معاوية محمد نور، والأستاذ محمود محمد طه، وغيرهم من حملة الصلبان والأكفان، قد ظلوا يزعجون الطيب صالح، ويؤرقون مضجعه. فهو، فيما ظللت ألمس، لم يكن راضياً تمام الرضا عن خياراته الوسطية التوفيقية، وعن كونه ظل صديقاً حميماً جداً لكثير من الرؤساء والملوك العرب، بل وللمتأدبين والمتشاعرين من الأثرياء العرب أيضاً.
    وفي ما أرى، أن تلك الأمور جعلت الطيب صالح يؤثر الصمت، في أحايين كثيرة، كان يتوجب عليه فيها الصدع بقولة الحق. أخبرني الدكتور الباقر العفيف أنه سأل الطيب صالح، الذي كان قد زارهم بدعوة من السودانيين بمدينة مانشستر في انجلترا، قبل عدة سنوات، عن سبب صمته عقب اغتيال الأستاذ محمود محمد طه. وكان رده، حسب ما حفظته من رواية الدكتور الباقر العفيف: ((هذا هو الأمر الذي لن أغفر فيه لنفسي أبداً!!)). وتلك قولة نبيلة، لا شك، إلا أنها تبقى قولة محصورة في مجلس ضم بضعة أشخاص فقط في غرفة في دار.
    نقوم الآن ـ شخصي، وصديقي الأستاذ عبد الله الفكي البشير ـ بإعداد كتابٍ عن الطيب صالح نناقش فيه قضية استخدام سلطة الأدب الأخلاقية المفترضة، من أجل دفع عجلة الوعي بالحقوق ودفع حراك التغيير. ويتوفر الكتاب على رصدٍ دقيقٍ جداً لسجل الطيب صالح من أقواله وسيرته. وليس الغرض من الكتاب محاكمة الطيب صالح، وإنما الغرض منه الاحتفاء بالطيب صالح، واستخلاص العبر من تجربته.
    فالطيب صالح يبقى، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه، علماً من أعلامنا، وكنزاً ثميناً جداً من كنوز ثقافتنا الوطنية. فالغرض من الكتاب إنما هو إلقاء الضوء على السالب في بنية ثقافتنا، وفحص مكوناتها التي تؤثر علينا جميعاً، وبلا استثناء، وتجعل خياراتنا الأخلاقية ملتبسةً وغائمة. ولا يمكن، بطبيعة الحال، أن يتم تحميل المسؤولية في اضطراب أحوالنا، لفردٍ واحد، أو لأفراد قلائل، خاصة في هذا المخاض الأليم، والطويل في آن معا، في مضمار بناء أمتنا، التي لم تتخلق ثوابتها بعد. فكلنا ضحايا لوضع موروث معقد يحتاج منا الكثير من البحث، ومن الصبر، ومن الأناة، ومن الحيدة العقلية. والأمر في عمومه، أعمق، وأعقد، من مجرد الصراع على السلطة، ومن مجرد التحزب بين موقعي الحكم، ومعارضة الحكم. فالفيل الحقيقي الذي يتوجب طعنه، إنما هو علل بنية ثقافتنا التي أنتجتنا. وما إخفاقات الأفراد، مما يتبدى لنا هنا وهناك، سوى الظل، الذي لا ينبغي أن يعمينا أبداً عن الفيل.
    قال السيد المسيح عليه السلام:
    (وُضعت الفأسُ على أصلِ الشجرةِ، كلُّ شجرةٍ لا تأتي بثمرٍ، تُقطعُ وتُطرحُ في النار).


    .
     
    آخر تعديل: ‏10/10/14
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد المنعم عجب الفيا
    معاوية محمد نور رائد الحداثة النقدية ...



    الاعتقاد السائد أن الشاعر الانجليزي الامريكي تي اس اليوت (1888-1965 ) صاحب قصيدة "الارض الخراب " التي غيرت مجرى الشعر العربي ، لم يعرف في العالم العربي إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ، وذلك بفضل كتابات الأديب الدكتور لويس عوض التي بدأ في نشرها بالصحف المصرية في النصف الثاني من الأربعينات وذلك بعد عودته من جامعة كمبريدج مع نشوب الحرب ( راجع كتابه في الادب الانجليزي الحديث).

    لكن الحقيقة المثبتة هي أن الناقد والاديب السوداني معاوية محمد نور( 1909 – 1941 ) يعد أول من لفت الأنظار في العالم العربي إلى تى . اس اليوت وأول من حاول تطبيق نظرياته النقدية الحديثة على الشعر العربي وذلك منذ بداية الثلاثينات أي في ذات الوقت الذي بدأ فيه القارئ الإنجليزي يتعرف على شعر اليوت ومذهبه النقدى الجديد . وكان معاوية ينشر هذه الكتابات في الصحف والمجلات المصرية المرموقة في ذلك الوقت مثل : "السياسة الاسبوعية" و"المقتطف " و"الرسالة" و"البلاغ الاسبوعي" و" الجهاد " و"الهلال" و" جريدة مصر " .

    ومع ذلك لعل الكثيرين لا يعرفون معاوية نور شيئا . ولا يكاد يذكره الباحثون الا لماما . ربما بسبب وفاته باكرا. فقد انتقل عن هذه الفانية وهو لم يتجاوز الرابعة والثلاثين ربيعا. يقول عنـه الدكتـور الشاعـر محمد عبد الحي ان معاوية محمد نور ، هو أول ناقد عربي ذكر تي . اس اليوت والشعر الإنجليزي – آنذاك – شعر ت . أ . هيوم وعزرا باوند و د . هـ لورنس وأديث سيتويل . وأول من أنتقد من وجهة نظر هذا الشعر واسسه النقدية شعر كبار الرومانتيكين العرب أمثال على محمود طه وإبراهيم ناجي وهم في أوج سيطرتهم على الذوق الأدبـي للعصر " . (1)

    وكان معاويه قد أشار إلى اسم اليوت لأول مرة في مقالة نقدية له حول شعر عبـاس محمـود العقـاد ، نشـرت بجريـدة ( الجهـاد ) المصريـة بتاريـخ 3 مـايو 1933م بعنوان " القالب في شعر العقاد ". وهو يقصد بالقالب هنا الشكل الشعري أو الصياغة الشعرية التي عمادها الصنعة المحكمة والإحساس المرهف بكيمياء اللغة والتي يرى فيها خاصية يكاد ينفرد بها شعر العقاد دون سواه من معاصريه من الشعراء .

    ووردت الإشارة إلى اسم اليوت في هذه المقالة في سياق الحديث عن ميزة التيار الشعري الجديد الذي برز في انجلترا بتأثير من اليوت : " انما القالب الجديد لا يترك شاردة ولا واردة في معنى أو لفظ إلا ويأتي بها في مكانها من الوضع وترتيبها من النسيج الفني حتى انك لتجد الجمل الاعتراضية في شعر عظام الشعراء أمثال : تى . اس . اليوت وبراوينج واندادهم لها قيمة الشعر مع أنها حتى في الكتابة الفكرية مجرد تحديد وتوضيح " . (2)

    ولا تقف أهمية هذه المقالة الرائدة على أنها أتت بذكر اليوت لأول مرة في اللغة العربية وإنما تتعدى ذلك إلى كونها – في تقديرنا - أول تجربة رائدة في تطبيق نظريات اليوت النقدية على الشعر العربي في الثلاثينات . فنجد معاوية في هذه المقالة يقيم شعر العقاد من خلال معالجته لنظرية ( المعادل الموضوعي) ونظرية تيار الشعور أو الوعى إلى جانب الافادة مـن مفهوم ( موسيقى الشعر ) عند اليوت .

    فإذا كان بعض معاصري العقاد من النقاد يرى أن شعره يطغى فيه الفكر على العاطفة والإحساس ، فإن معاوية من خـلال توظيفـه لنظـرية ( المعادل الموضوعي ) يحتج عليهم بأن ليس مهمة الشعر إثارة العاطفة وإنما ترجمة العاطفة والإحساس إلى فكر ومنطق : " .. فات هؤلاء ان أقصى ما يرتجيه الشاعر أن يترجم العاطفة والإحساس إلى لغة الفكر والمنطق " ذلك " أن العاطفة لا يمكن أن يعبر عنها بعاطفة وإنما سبيل التعبير عنها هو اللفظ ، واللفظ أداة الفكر لا أداة العاطفة . ويجب أن نزيد على هذا غرض الشعر الصحيح هو إثارة عاطفتك – لأن خبر موت أحد أقاربك يثير عاطفتك وليس هنالك من يقول أن هذا الخبر شعر وإنما غرضه الأسمى هو إرضاء وتهدئـة العاطفـة المفكرة " . (3)

    ويذهب معاوية أكثر من ذلك في تأكيد دور الفكر في الشعر ويجعل له دورا حاسما في موسيقى الشعر إذ يرى أن موسيقى الشعر ليست موسيقة لفظية وإنما موسيقى فكرية أيضا . " .. أن موسيقى الشعر الجيد ليست هي موسيقى لفظية فحسب ، وإنما هي موسيقى فكرية أولا وأخيرا ، يلمحها الذهن ويرتاح إليها التفكير الشاعر الدقيق ، في تقسيم الفكرة وتسلسل الإحساس واصطحاب اللفظ الموفق والعبارة الدقيقة في المعنى ، المنسجمة في اللون والصورة مع لون الإحساس وصورة الفكرة " . (4)

    ولا يخلو وصف معاوية لموسيقى الشعر بأنها ( موسيقى فكرية ) من أصداء وصف الناقد الإنجليزي الشهير أ . أ . ريتشاردز ، أحد أقطاب ما عرف بالنقد الأمريكي الجديد أو النقد العملي ( التطبيقي ) الذي راج في الثلاثينات وذلك حينما وصف قصيدة ( الأرض الخراب ) بأنها " موسيقى أفكار " .

    ويصف معاوية الموسيقى التي تعتمد على رنين الألفاظ فقـط بأنهـا موسيقى رخيصة اذ يقول : " .. بعض هؤلاء النقاد يعتقد أن الشعر كل الشعر بما يكون في سهولة الأداء وموسيقى اللفظ . ويعنى بسهولة الأداء وموسيقى اللفظ أن يكون معنى الشعر في سطحه وأن تكون الموسيقى من النوع الذي يقول ( أنا موسيقى ) لرخص عنصرها ولرنينها الذي تعرفه الأذن أول ما تعرف الرنين " . ويضرب مثالا على رخص هذه الموسيقى اللفظية بشعر آدجار آلان بو وشوتيريان ويقول عنهما أنهما " أعظم الشعراء الذين أجادوا الموسيقى اللفظية في شعرهم مع أنهم لا يذكـرون الآن إلا لنقد موسيقاهـم اللفظيـة وتوضيـح قيمة الموسيقى الشعريـة الحقـة " . (6)

    هذا أبرز ما ورد عن اليوت وعن مذهبه الشعري الجديد في مقالة ( القالب في شعر العقاد ) وهو يكشف مدى إدراك معاوية نور الواعي والمبصر ومدى استيعابه العميق والمبكر لتيارات الحداثة الشعرية في وقت لم تكن فيه هذه التيارات معروفة على نحو كاف حتى في أوربا نفسها .

    أما المقالة الثانية التي ذكر فيها معاوية اسم تي . أس اليوت فهي مقالة نشرت في جزئيـن بمجلـة ( الرسالـة ) المصريـة بتاريخ 15-22 أكتوبر سنة 1934م تحت عنوان ( أصدقائي الشعراء ، هذا لا يؤدى ا ) أنتقد فيها معاوية شعراء الحركة الرومانسية العرب – آنذاك – الذين كانوا يسيطرون على الذوق الأدبي ، انتقادا لاذعا ، وعاب عليهم تمسكهم بالأساليب والموضوعات الشعرية البالية وانغلاق افقهم الشعري على مظاهر الطبيعة التقليدية وحثهم فيها على الالتفات إلى مظاهر الحياة الحديثة وتياراتها الفكرية والإلمام بوعي العصر وتمثل ذلك كله في تجاربهم وعوالمهم الشعرية .

    وقد جاء ذكر اليوت في هذه المقالة في سياق حديث معاوية للشعراء الرومانسيين العرب للإفادة من أساليب شعراء الحداثة في أوربا أمثال ت . س . اليوت و د. هـ لورنس و ت. أ هيولم : " أولئك الشعراء الذين نراهم جاهدين يفتشون عن الله ، ويبحثون في الجنس ونشوة العفاف الروحي ، ثم يعود كل منهم وحقيبة وعيهم ملأى بالأحاسيس المختلفة والأفكار المريرة أو العذبة ، ملأى بالثعابين التي تبرق كاللؤلؤ وبالسلام الذي تعقبه أشد فترات الحرب تمزيقا للأجسام والأرواح وبالذهول الذي يسمو إلى طبقات السماء ، وبالسخر الذي : يرى القمر في أمسية حب أشبه ببالون يلعب به صغار الأطفال . ويرى : المساء ينام كرجل عليل ينتظر مبضع الجراح .. وربما يرى : في أنامل الحبيب أقطارا متسعة ولو أنها بادية التناقض أو بأحاسيس متناقضة بعيدة ، حالكـة الظلمـة أو شديـدة الوهج " . (7)

    يشير معاوية هنا بالقمر الذي يشبه بالون لعب الأطفال إلى قول الشاعر الإنجليزي ت . أ هيولم في قصيدته : " لدى المرسى " :

    لدى المرسى الهادئ عند منتصف الليل
    مشتبكا في حبال أعلى السارية
    تدلى القمر
    إن ما بدا نائيا جدا
    ليس غير بالون طفل منسي بعد اللعب

    أما قوله : " المساء الذي ينام كرجل عليل ينتظر مبضع الجراح "

    يشير به الي قول تي . اس اليـوت الـوارد فـي قصيدتـه الشـهيرة The love song of J. Alfred Profrouk ( أغنية العاشق جي . الفريد بروفروك ):
    Let us go then, you and I,
    When the evening is spread out against the sky
    Like a patient etherized upon a table;

    هيا بنا نتمشى سويا
    حيث المساء ممد على السماء
    كما يتمدد مريض مخدر على منضدة

    وهذا" تشبيه يفرغ المساء مما أرتبط به من جماليات عاطفية تعلقت به في الشعر الرومانتيكي. ومادته مستمدة من جوانب غير مطروقة في تجارب ذلك الشعر" (8)

    ولعل معاوية ساق هذا التشبيه للتدليل على ضرورة تفاعل الشعراء العرب في ذلك الوقت مع اشكالات الحياة وقضاياها العملية . عوضا عن الانغلاق في العوالم الرومانسية الحالمة . وهو الأمر الذي دفعه إلى انتقاد رموز الحركة الرومانسية وتحديدا إبراهيم ناجى وعلى محمود طه بالرغم من صداقة الاثنين له وبالرغم من أن كلا منهما قد أهداه نسخة من ديوانـه ليلـة صـدوره وهما ديوان ( الملاح التائه ) لعلى محمود طه وديوان ( وراء الغمـام ) لإبراهيـم ناجـى :

    يقول: " وهما لاشك ينتظران المديح والثناء من صديق يجلس معهما ويأنس إلى صحبتهما غير أن الموضوع في رأينا قد تعدى أخيرا هذين الأديبين إلى ما هو أخطر وأبعد شأنا ، تعداه إلى الحديث عن طبيعة الشعر والكتابة ، وأن الأقلام قد خطرت في هذا الطريق بكلام تعد معظمه خطرا على الحركة الأدبية في مصر ، وفهم الفنون الأدبية على الوجه الذي يفهم منها في الجيل الحاضر . ولهذا رغبنا في كتابة هذه الكلمة لا لنمدح أو نذم ، ولكن لندلى برأي في الشعر كما نقروءه ونفهمه ، وكما ننتظر من الكتاب والقراء أن يقرأوه ويفهموه " . (9)

    وأول ما يأخذه معاوية على هذين الشاعرين هو أن ديوان ( وراء الغمام ) لإبراهيم ناجى ، يكاد ينحصر في الحـب ومطالبـه ، وأن موضوعـات علـى محمود طه في ديوانه ( الملاح التائه ) تكاد تنحصر في النظم عن مظاهر الطبيعة .

    وهو يرى أن ذلك ( الشيء ) الذي يسمى شعرا – هو خلاف الكلام الحسن عن الأشياء العادية : " أنه يتطلب شاعرا يأكل كبقية الناس ولا شك ويحب مثلهم ، ولكن نظره وأحاسيسه والتفاتات ذهنه وقفزات وعيه نحو هذه الأشياء العادية غير عادى .. فالحب يصبح موضوعا جديرا بالشعر حينما يكشف لنا الشاعر معنى ونغما وراء مظاهره المعروفة ومصاحباته العادية .. أما الشاعر الذي يبدى ويعيد في الحديث عن ملذاته وآلامه وحسراته التي يثيرها شخص المحبوب أو ذكراه فحسب ، مهما اختلفت القافية وتعدد الإيقاع ، لا يعدو أن يكون إنسانا لم تتسع أنانيته إلى أكثر من حاجاته البسيطة المتعارفة " . (10)

    أن كثرة استعمال ( الشعريات ) مثل الشعر والشعور والزهور والألحان والطيور والأقمار والآكام لا تجعل من أي إنسان شاعر كما يرى معاوية بل " أن مثل هذا الشعر ليوحي إلى القارئ الدقيق الحس كراهة الآكام والزهور والبحار والأنغام وما إليها من هذه النغمة المبتذلة الكثيرة التكرار التـي لا تحـس معهـا واقعـة حـال صحيحة أو شعور مباشر " . (11)

    ففي الطبيعة .. أشياء أخرى خلاف البحر والشواطئ " أدق وربما كانت ألصق بحياتنا وأجدر بالتفات الشاعر . فالحجر الصلد الذي يقف في طريقك ، والشارع الذي تصقله مصلحة التنظيم حيث جماعة المهندسين ، والفأر الهارب من سفينة خربة ، والذباب الذي يطن على جبة عفنة ، قطعة الحديد التي أكلها الصدأ والخشب الذي نأكل عليه والنمل وضجيج الترام وصوت الباخرة وخلافها من المظاهر .. هي أجزاء حية في الطبيعة . والالتفات إليها في وضع جديد أتى به نظام حياتنا الراهنة وحضارتنا المعاصرة ، لأدل على فهم الطبيعة من آلاف القصائد عن البحر والشفق والنجوم ا " . (12)

    فهو يرى أن الثقافة ووعى العصر الذي نعيش فيه لابد منهما لأي فنان يكتب ليقرأه الجيل الذي يعيش بينه . و " الشاعر العصري سواء في مصر أو في الصين الذي لا تثيره تيارات الفكر المعاصر واكتشافاته ومتاعبه والذي ليس له وجدان يتغير ويتفاعل بما يسمع ويقرأ ويفكر ويشاهد من عيوب في نظام حياتنا الحاضرة أو نشوز في أنغام فكرنا المعاصر أو فراغ في إنسان بادئ الامتلاء أو أغنية في زوايا بيتنا المعنوي ليس له ، بل لنا الحق في ألا نعده في عداد الشعراء المخلصين " . (13)

    " ويبدو لي من قراءة هؤلاء الشعراء والحديث معهم أن ليس في حياتهم الفكرية والشعرية أي شئ يشبه الصحارى العارية الجرداء ، أو الظلمات الحالكة ، أو البريق الخاطف أو الحيرة الشاعرة أو أي اشتغال جدي بناحية من نواحي حياتنا الراهنة .

    " إن نظرة واحدة إلى حيث يتقاطع شارع عماد الدين بشارع فؤاد الأول مثلا في أي مساء لحرية بأن تبعث في الفنان أحاسيس وأفكارا تصلح لأن تكون قصيدة جيدة " . (14)

    وباختصار فإن " الفنان الذي لم يحس بقبس أو لمحة أو ناحية من تيار وعى Stream of consciousness كامل يمكنه من رؤية التشابه في أشياء ومظاهر بادية الاختلاف ، أو بالعناصر والقوى والفكر التي تذهب جميعا لاخراج فكرة أو مظهر عادى مما نراه في حياتنا اليومية ، .. ليس له ذلك الإحساس الناقد القدير على التكوين والتخيل الذي يجبـر القـارئ علـى الإنصـات له والاستماع لنغمته " .(15)

    لقد حرصنا على إيراد الاستشهادات التي تمثل الأفكار المحورية في هذه المقالة الرائدة ذات القمة التاريخية الخاصة . فهي من ناحية تكشف للقارئ ليس الاتصال الباكر لمعاوية بتيارات الحداثة الأدبية التي لم تكن معروفة حتى في بلدانها وحسب وإنما تكشف عن عمق إدارة معاوية ووعيه النافذ بضرورة التغيير والتجديد .

    ومن ناحية أخرى تكاد تمثل هذه المقالة بما حوته من أفكار وآراء جديدة وجريئة ( مانفيستو ) لحركة الحداثة الأدبية في العالم العربي صدر قبل أوانه بنحو عشرين سنة أو يزيد . بدليل أنه لم يتنبه الأدباء والشعراء العرب إلى ضرورة الانفتاح على تيارات الحداثة والإفادة منها إلا بعد نهاية النصف الثاني من القرن العشرين .

    التعريف بتيار الوعي في القصة :



    ولعل مصطلح ( تيار الوعي ) Stream consciousness الذي أشار إليه معاوية آنفا يرد في تلك المقالة لأول مرة في اللغة العربية . وتكنيك تيار الوعي من أبرز الخصائص الأسلوبية التي أدخلها تي . اس اليوت على الشعر . وخلصنا الى ان معاوية نور كان قد سبق أن تعرض لشرح مفهوم هذا المصطلح في مقدمة كتبها لقصة قصيرة نشرت له بجريدة ( مصر ) بتاريخ 11 نوفمبر 1931م بعنوان ( المكان – قصة تحليلية ) وجاء في هذه المقدمة :

    " حينما فرغت من كتابة هذه القصة رأيت واجبا على أن أعين القارئ العربي على فهمها لأن هذا الضرب من التأليف القصصي حديث العهد حتى في أوربا نفسها وهو آخر طور من تطورات القصة التحليلية .. وقد انتشر هذا النوع في أوربا منذ عشر سنوات تقريبا حينما أخرج مارسيل بروست الفرنسي روائعه القصصية كما عرف في أتمه وأحسنه عند كاترين مانسفيلد وفرجينا ولف " . (16)

    ويعرف معاوية في تلك المقدمة تكنيك تيار الوعي بقوله : " أن هذا الأسلوب الفني " ليست مهمته تصوير المجتمع ولا النقد الاجتماعي ، وليس من مهمته أن يحكى حكاية ، وإنما يتناول التفاعلات الداخلية في عملية الإحساس والتفكير عند شخص من الأشخاص ويربط كل ذلك بموسيقى الروح واتجـاه الوعي " إنه " يعرض الجانب الغامض في تسلسل الاحساسات واضطراب الميول والأفكار وتضادها في لحظة واحدة من الزمان عند شخص ما . كما أنه يصور ما يثيره شئ تافه من ملابسات الحياة في عملية الوعي وتداعى الخواطر ، وقفز الخيال ، وتموجات الصور الفكرية . ويمزج ذلك بنوع من الشاعرية والغموض العاطفي ، فيخرج كل ذلك تحفة فنية حقا " . (17)

    وبالرغم أن الباحث والشاعر الدكتور محمد عبد الحي يرى أن معاوية نور في نقده لشعراء الحركة الرومانسيين العرب ، (18) قد وقع على كتاب ناقد جامعة كمبيردج ف . ر. ليفيز : ( اتجاهات جديدة في الشعر الإنجليزي ) New bearings in English poetry الذي نشر سنة 1932م – أي قبل سنة من نشر مقالة معاوية ، إلا أن عبد الحي يخلص إلى أن معاوية كان أصيلا في إطلاعه وتقييمه لتيارات الحداثة الشعرية ولم يكتفي فقط بترديد الآراء التي أوردها ليفيز في كتابه .

    ويدلل عبد الحي ، على ذلك بأن معاوية أورد أفكارا ونماذج من قصائد هؤلاء الشعراء لم يشر إليها ليفيز في كتابه ومن ذلك تشبيه اليوت للمساء بمريض مخدر مستلقى على منضدة طبيب جراح في قصيدة ( أغنية حب الفريد جي . بروفروك ) وكذلك تشبيه الشاعر ت . أ . هيولم للقمر ببالون يلعب به الأطفال في قصيدته ( لدى المرسى) . حيث لم يتطرق إلى هذين التشبيهين في كتابه ولم يناقشهما .

    ولد معاوية محمد نور بجزيرة توتي لدي مقرن النيلين بالخرطوم سنة 1909 وتلقى تعليمه الثانوي بكلية غرودون بالخرطوم ثم اختير ضمن حفنة من الطلبة المتفوقين لدراسة الطب (19) . ولكنه لم يمكث في مدرسة الطب اكثر من عامين بسبب نزوعه الجارف لدراسة الادب. بعد مشاروات بين اسرته والحكومة الاحتلال البريطاني استقر الرأي على ان يواصل دراسته الجامعية ببيروت لدراسة الادب الانجليزي بالجامعة الاميريكية هناك . وعقب تخرجه من الجامعة انتقل الى مصر ليعمل بالصحافة حيث عين مشرفا ادبيا ب" جريدة مصر " وكان من المقربين جدا للاديب الكبير عباس محمود العقاد .

    الا ان جسمه النحيل لم قوى على حمل عبقريته النارية فاصيب باختلال عقلي عاد بسببه الى السودان وبقى تحت رعاية اسرته الى ان لقي ربه في سنة 1941 . وقد حزن صديقه الكاتب الكبير عباس العقاد حزنا شديدا على رحيله المبكر وسجل حزنه هذا في قصيدة بعث بها لتقرأ في مأتمه جاء فيها (20) :

    بكائي عليه من فؤاد مفجع *ومن مقلة ما شوهدت قط باكيه
    بكائي على ذاك الشباب الذي ذوى * وأغصانه تختال في الروض ناميه
    تبينت فيه الخلد يوم رأيته * وما بان لي ان المنية آتيه

    ________

    • نشرت بمجلة "الرافد" عدد يناير 2008 - دائرة الثقافة بالشارقة – الامارات العربية المتحدة

    الهوامش والمصادر

    1- معاوية نور ونقد الرومانتيكين العرب في الثلاثينات – د. محمد عبد الحي – مجلة الدوحة – السنة الرابعة العدد 40 – أبريل 1979م .
    2- القالب في شعر العقاد – معاوية محمد نور – جريدة الجهاد – العدد 590 – 3 مايو 1933م – نقلا عن – مؤلفات معاوية محمد نور – إعداد الرشيد عثمان خالد – دار الخرطوم للطباعة والنشر – ص 216 .
    3- المصدر السابق
    4- المصدر السابق
    5- المصدر السابق
    6- المصدر السابق
    7- أصدقائي الشعراء : هذا لا يؤدى – معاوية محمد نور – مجلة الرسالة العدد 67/68 – 15 و 22 أكتوبر سنة 1934م – نقلا عن من آثار معاوية محمد نور – جمع د. الطاهر محمد على البشير – الدار السودانية الطبعة الأولي 1970م – ص 257 .
    8- معاوية نور ونقد الرومانتيكين العرب في الثلاثينات – سبق ذكره .
    9- أصدقائي الشعراء هذا لا يؤدى - سبق ذكره
    10- المصدر السابق
    11- المصدر السابق
    12- المصدر السابق
    13- المصدر السابق
    14- المصدر السابق
    15- المصدر السابق
    16- المكان – قصة تحليلية – معاوية محمد نور – جريدة مصر – العدد 10324 – 11 نوفمبر 1931 – نقلا عن - مؤلفات معاوية محمد نور – إعداد الرشيد عثمان خالد – سبق ذكره .
    17- المصدر السابق .
    18- الأدب الإنجليزي الحديث – سلامة موسى – سلامه موسى للنشر والتوزيع – الطبعة الأولي 1933م – الطبعة الثالثة 1978م ص 147 .
    19- معاوية محمد نور – الاعمال الادبية لمعاوية محمد نور – جمع وعداد رشيد عثمان خالد – سبق ذكره . ص10 -17
    20- من آثار معاوية محمد نور – الدكتور الطاهر محمد علي البشير – الدار السودانية 1970 ص 3


    .
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الطيب صالح مقدما كتاب "معاوية نور " للكاتب السني بانقا


    تمر بحي الموردة، حيث ولد معاوية نور، وإلى يمينك مراكب خشبية راسية جاءت من أعلى النيل تحمل القنا والخشب والبروش وأزيار الفخار. تمر على حي الهاشماب, حيث نشأ محمد أحمد محجوب وعبد الحليم محمد صاحبا "موت دنيا". إلى اليمين حي "السور" ودور آل المهدي، ثم مدرسة الأحفاد على اليسار، ثم إلى يمينك جامع الخليفة بسوره القديم، ثم المستشفى الكبير والمدرسة الثانوية. تنزل في السوق ويواصل الترام سيره إلى "أب روف" الحي الذي نشأت فيه حركة فكرية "فابيانية" تعرف بمدرسة "أب روف".
    البيوت من الطين في الغالب وقليل منها من الطوب الأحمر، وكلها من طابق واحد. دور الحكومة فقط أكثر من طابق، وهي لا تزيد على طابقين. تدخل دار الطين، فلعلك تجد أرض "الديوان"– غرفة الاستقبال– مغطاة بالبلاط، وربما يكون في الدار كهرباء والماء جارٍ في المواسير. كل شيء كما عهدته ولكن أحسن قليلاً. عندكم الحيشان، فها هنا حيشان. وعندكم "العناقريب" هذه الأسرة الخشبية المنسوجة بالحبال، فها هنا عناقريب. ربما بعضها من الحديد ولكنها منسوجة بالحبال. الطعام هو الطعام لكنه هنا مطهو بطريقة أفضل، الكسرة والويكة والملوخية كما عهدتها. ذات الناس والوجوه واللغة. والأسر في أم درمان ما تزال تحتفظ بروابطها في الريف، من حيث جاءت. الشايقي مايزال له أهل في ديار الشايقية يزورهم ويزورونه في الأفراح والأتراح. والجعلي، وسكان الجزيرة والبطانة والشرق والغرب. المدينة لم تقطع بعد جذورها وتتحول إلى كائن منعزل، لا صلة له بما حولها. مولد معاوية محمد نور:في هذه البيئة ولد معاوية محمد نور عام 1909، كما يحدثنا السني بانقا في كتابه، وذلك في العام نفسه الذي ولد فيه يوسف مصطفى التني، وقبل عام واحد من مولد محمد أحمد محجوب والتجاني يوسف بشير، وقبل ثمانية أعوام من مولد جمال محمد أحمد، وتسعة أعوام من مولد أحمد الطيب، وعشرة أعوام من مولد محمد المهدي المجذوب، واثني عشر عاماً من مولد عبد الله الطيب. كل هذه الأسماء لعبت أدواراً مهمة في تاريخ الحركة الأدبية والفكرية في السودان، وبعضهم لعب أدواراً رئيسية في الحركة السياسية. وكان مولد معاوية محمد نور بعد أحد عشر عاماً من غلبة الاستعمار البريطاني على السودان عام 1898. ذلك الحدث الفادح الذي أثر بشكل أو بآخر في مصائر كل الأسماء التي ذكرتها آنفاً، وفي مصائر أجيال من السودانيين، وكان سبباً رئيسياً في مأساة هذا الإنسان النابغة، معاوية محمد نور. اختار إدوارد عطية في كتابه "عربي يروي قصته" الذي صدر في لندن باللغة الإنجليزية عام 1946، عربيين، اتخذ أحدهما مثلاً للنجاح، والثاني للفشل المأساوي لعملية الامتزاج بالثقافة الإنجليزية، وربما بالحضارة الغربية عموماً. لم يقل هذا صراحةً، فلم تكن تلك الظاهرة قد تبلورت وأخذت مضامينها الفادحة، كما رأينا في ما بعد الصراع العربي ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وصراع مصر مع القوة الاستعمارية إطلاقاً، وكما رأينا وما نزال نرى في الصراع العربي– الإسرائيلي في فلسطين. وقد كان إدوارد عطية نفسه، خير مثال على التأقلم الكامل، ظاهرياً مع الحضارة الأوروبية، وكان سورياً تعلم في جامعة أكسفورد وتجنّس بالجنسية الإنجليزية وتزوج وأقام في إنجلترا بشكلٍ مستديم، وكان يتحدث اللغة الإنجليزية كأنه إنجليزي، وقد عمل في السودان في مكتب "الاتصال العام" ثم استقال لما نشبت الحرب في فلسطين والتحق بـ"المكتب العربي" وساهم في الدعوة للقضية العربية، وأبلى بلاءً حسناً بشهادة المرحوم موسى العلمي. وقد كتب رواية عن السودان باللغة الإنجليزية، عنوانها "الطليعة السوداء"، وظل إلى أن توفي في الستينيات، يكتب في الصفحة الإنجليزية، مدافعاً عن القضايا العربية. اختار إدوارد عطية، أمين عثمان باشا مثالاً على نجاح عملية التأثر بالحضارة الأوروبية، فقد ذهب أمين عثمان من كلية فيكتوريا إلى جامعة أكسفورد في إنجلترا، وعاد إلى مصر حيث لمع نجمه واحتل مكانةً مرموقةً في فترة وجيزة. وكان أثيراً لدى الإنجليز، مقرباً من المندوب السامي البريطاني. لكن حتى هذه القصة انتهت بالفشل، ففي عام 1950، أي بعد صدور كتاب إدوارد عطية، أصبح أمين باشا وزيراً في حكومة الوفد، فاغتيل رمياً بالرصاص بتهمة الخيانة. وكان أحد المتهمين في قتله، المرحوم أنور السادات، ومن العجب أن أنور السادات نفسه قتل اغتيالاً في ما بعد، بالتهمة نفسها، تهمة الخيانة والعمالة للغرب. إنها خيوط متشابكة في مأساة مثل المآسي الإغريقية. أما معاوية محمد نور ثاني الرجلين، فقد شاءت أقداره أن يسلك طريقاً آخر، انتهى به إلى الهزيمة بطريقة أخرى. ذهب من كلية غردون، وقد كانت مثل كلية فيكتوريا في مصر، لا إلى أكسفورد أو كامبردج، ولكن إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ذلك لأن الإدارة الإنجليزية في ذلك العهد كانت تحدد للشباب نوع الدراسات العليا المحتم عليهم تلقيها، فحددت لمعاوية دراسة الطب. لكن معاوية كان قد عشق الأدب الإنجليزي وصمم على مواصلة دراسته مهما كلف الأمر. وهكذا، فرغم اعتراض السلطات الإنجليزية الحاكمة، ورغم مقاومة عائلته، فقد تم له ما أراد، فأرسلته والدته ليتعلم على نفقتها في الجامعة الأمريكية في بيروت. وربما يكون أول سوداني يدرس على نفقة عائلته في الخارج. ولا يملك المرء هنا إلا أن يقارن بين إصرار معاوية، ولين عريكة التجاني يوسف بشير، الشاعر الملهم الذي أراد أن يسافر ليدرس في مصر، فلحق به أبوه إلى محطة السكة الحديد في الخرطوم، واقتاده حزيناً مكسور الخاطر إلى أم درمان. لماذا لم يبعث الإنجليز معاوية إلى أكسفورد أو كامبردج؟ إنه لأمر يدعو للعجب، فها هنا شاب أحب لغتهم ونبغ فيها، وكان هو صبي دون العشرين يبز الإنجليز أنفسهم في الحديث عن دكتور جونسون وشكسبير وبرنارد شو. الفرنسيون كانوا حتماً سيحتفون به ويرسلونه إلى السوربون في باريس، كما فعلوا مع سنقور إلى أصبح من كبار شعراء اللغة الفرنسية، وكان أول شخص غير فرنسي إطلاقاً، ينتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية. أما الاستعمار البريطاني، فلم تكن متطلبات العقل والوجدان، ضمن أهدافه. وكان معظم حكام السودان إنجليزاً في ذلك العهد، من العسكريين، وهؤلاء لا يحسنون الظن بمتطلبات العقل والوجدان على أي حال. ولابد أن معاوية خلق لهم مشكلة. كانوا يريدونه أن يأخذ من لغتهم ما يفي بالغرض، لكنه أخذ الأمر مأخذ الجد، فغاص في أعماق اللغة. وتبحر في طيات وجدان المستعمرين وعقلهم، كمن يبحث عن مفتاحٍ للغز، وحاربهم في ما بعد بسلاحهم وانهزم، لأنه جاء باكراً، أبكر مما يجب، ولم يكن أمثاله كثيرين. وربما يكون من الطريف، أن يتصور ماذا كان سوف يحدث له، لو أنه ذهب بالفعل إلى أكسفورد أو كامبردج. إنني أعتقد أنه كان سيسعد جداً، في بداية الأمر على أي حال. كانت هاتان الجامعتان في تلك الأيام في العشرينيات، وخاصة جامعة كامبردج، بؤرتي إشعاع فكري وانطلاق روحي لا مثيل لهما. كان معاوية سوف يلتقي بالفيلسوف أي. جي. مور، والفيلسوف برتراند راسل. كان سوف يقابل العالم جوليان هكسلي وأخاه الروائي المبدع أولدس هكسلي. هناك كان سوف يتعرف على ليونارد وولف الذي تزوج في ما بعد من الروائية العبقرية فرجينيا وولف. وكان سيقابل الرسامة فانسا بل أخت فرجينيا وولف. كان سيتعرف على لتن ستريشي وبقية آل ستريشي، وعالم الاقتصاد الذي قلب الأفكار الاقتصادية رأساً على عقب، كينز. وكان بطبيعة الحال سوف ينضم إلى مجموعة "بلو مسبري" التي كانت تلتف حول فرجينيا وولف ولتن ستريشي. وكان حتماً سوف يتصل بجماعة الفابيانيين المكونة من بعض هؤلاء، إضافةً إلى برنارد شو وأتش. جي. ولز وبروفيسور توني وسدني ويب وزوجته بياتريس ويب، وكان سوف يجد إنجليزاً من نوع آخر، كأنهم لا يمتون بأية صلة لنوع المديرين والمفتشين الذين يحكمون السودان، بضحالتهم وعنجهيتهم وضيق أفقهم. ها هنا لا حدود على العقل البشري في محاولته ارتياد المجهول، ولا قيود على الفرد في التعبير عن نفسه. وكان معاوية محمد نور وسيماً جداً، كما يروي كل من عرفوه، هذا بالإضافة إلى شفافية روحه وتوقد ذهنه وعمق ثقافته. لذا فأغلب الظن أنه كان سيجد فتاةً من مثقفات الطبقة الأرستقراطية تقع في حبه. كانت فتيات هذه الطبقة، خصوصاً المثقفات منهن، يبحثن عن الطريف و"الأكسوتيكي" غير المألوف. وكن سيجدن في معاوية إنساناً طريفاً حقاً. والحب من الحلقات الضائعة في قصة معاوية. إنسان كهذا لابد من أنه أحب كثيراً. ماذا حدث له في بيروت؟ وماذا حدث له في مصر. وما حدث له في السودان يمكن أن يتخيله الإنسان؟ ويورد السني بانقا عرضاً في كتابه، أن معاوية أحب فتاةً سودانية وشقراء، يا للعجب!بلى، كان سوف يسعد في أكسفورد أو كامبردج. وكان سوف يطلق لخياله العنان، ويرتاد كل الآفاق العقلية التي كان يحلم بها. ولا شك عندي، أنه كان سيصبح ناقداً مرموقاً في الأدب الإنجليزي، وسط الإنجليز أنفسهم. هل كان سيفقد "هويته" ويصبح "مستلباً" كما نقول هذه الأيام؟ ربما، ولكن عذاباته ومعاناته كانت ستسمو إلى مستويات أرفع، ولابد أنه كان سيصنع منها فكراً وأدباً عظيمين، يضيئان الطريق لمن بعده، في الشرق والغرب. ولعل من الطريف أيضاً أن ننظر إلى ما حدث لشخص مثله أو قريب منه من الذين قبلوا بالواقع وصبروا على العيش في السودان. وربما يكون أكثر الناس شبهاً به المرحوم محمد أحمد محجوب. يحدثنا السني في كتابه أن محجوباً كان من أصدقاء معاوية المقربين الذين كان يقضي أوقاته معهم يتحدثون في شؤون الأدب. كان محجوب في مثل سن معاوية وولد بعده بعام، سنة 1910، في حي قريب من الحي الذي نشأ فيه معاوية في أم درمان، كان أديباً شاعراً، ولو كانت الظروف مختلفة، لعله كان يتفرغ للأدب. لم يكن في مثل نبوغ معاوية، ولكنه كان موهوباً يحيط به ألقٌ لازمه في نهاية حياته. تعلم مثله في كيلة غردون وفرض عليه الإنجليز أن يدرس الهندسة فأذعن وتخرج مهندساً. ثم لما فتحوا فرعاً للقانون تحول للقانون وعمل قاضياً في السلك الإداري لحكومة السودان. ولما قامت الأحزاب وعلت الدعوة للاستقلال استقال من القضاء وانضم إلى حزب الأمة، فأصبحت له فيه مكانة. وكان زعيماً للمعارضة في أول برلمان سوداني، ثم صار وزيراً للخارجية فرئيساً للوزراء. وفي كل مراحل حياته لم يكف عن ممارسة الأدب، فكتب القصة والمقالة والشعر. وشعره ناصعٌ حسن، وله عدة دواوين. وقد تزوج وأنجب وعاش حياةً ميسورة واكتسب شهرةً في القضاء والمحاماة والسياسة وحتى الشعر. توفي– رحمه الله– وهو يخطو نحو السبعين. لكنني أظن، بأن محجوباً رغم النجاح الذي ناله، كان يحس في قرارة نفسه، بأن المجد الحقيقي الذي يشتهيه، وكان في متناول يده، لم يحصل عليه. ذلك هو مجد الشعر. هكذا نجح المحجوب، بعض النجاح، بينما فشل معاوية فشلاً مأساوياً. ذلك لأن معاوية كان "أديباً" صرفاً و"مفكراً" صرفاً، ولم يكن يرضى لحياته في الأدب والفكر بديلاً، ولم يكن مستعداً للمساومة وقبول أنصاف الحلول. واللمحات القليلة الكاشفة التي يذكرها السني عرضاً في الكتابة، تعطي القارئ صورة غريبة لحياة معاوية في السودان. كان يلبس ربطة العنق المساماة "ببيون" وهي ربطة قليل من يلبسها حتى هذه الأيام، وكان حين يعود إلى السودان يقيم في "هوتيل" وهو أمر شاذ في عرف السودانيين إلى اليوم، وكان يلعب التنس في ملعب خاله، وقد أدهشني أن سودانياً كان عنده ملعب للتنس عام 1926! وكان يلعب "البليارد" في "كلوب أم درمان". هذا إلى جانب أنه أحب فتاةً "شقراء" عندها فونوغراف من نوع "صوت سيده"، وكان يقرأ "كانت" و"نيتشه" و"شوبنهاور" و"شللي" و"بايرن" و"هازلت" وفلاسفة وشعراء وكتاب، كلهم أوروبيون، قليل من قرأهم حتى في أيامنا هذه. وكتاباته عن التراث العربي تشي بنوع من الاحتقار. أليست هذه إرهاصات لما يسميه أخواننا المغاربة "الاستلاب"؟ لو عاش حتى قرأ "فرانز فانون" لأدرك أن الاستعمار، الذي كرهه وقاومه بفكره، كان ينفث سمومه في روحه من حيث لا يدري. ولكن معاوية– رحمه الله– توفي صغيراً جداً، ولو عاش أطول لاتضحت له الأمور، بل إن الأمور حتماً قد بدأت تتضح له بالفعل. ولأنه كان ذكياً حساساً، روّاد آفاق، فإنه كان سيرى أبعد مما رأى غيره. حصل معاوية على شهادة الماجستير في الأدبي الإنجليزي من الجامعة الأمريكية في بيروت، ولم يجد العمل الذي يناسبه في الخرطوم، ولم تكن الإدارة الإنجليزية متحمسة لتوظيفه، فذهب إلى القاهرة عام 1930 وهو في الحادية والعشرين من عمره. وفي الفترة الوجيزة التي قضاها هناك، أحدث أثراً غير قليل. رحب به العقاد واصطفاه وشجعه. كان العقاد قد وفد إلى القاهرة من أسوان في أقصى الصعيد، كما وفد إليها بعد ذلك بسنوات عبد الرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل. ولابد أنه لاقى صعوبة بادئ الأمر، أن يجد لنفسه حيزاً في مجتمع القاهرة. لذلك، لا ريب أنه تعاطف مع هذا الشاب القادم من جنوب وادي النيل، الذي جاء مثله، يبحث عن المجد الأدبي في ذلك المجتمع المتشابك. وسرعان ما بدأت مقالات معاوية تظهر في كبريات الصحف المصرية، مثل "السياسة الأسبوعية" و"المقتطف" و"البلاغ". كما عمل في تحرير الـEgyptian Gazette باللغة الإنجليزية. وكان على حداثة سنه، كما يظهر من مقالاته واسع الاطلاع، معتداً بنفسه، ثاقب الرأي في كثير من الأمور، جريئاً لا تخيفه الأسماء الكبيرة. وقد قارع كبار الأدباء في مصر فثبت لهم. تصدّى لطه حسين وزكي مبارك وسلامة موسى ومحمد حسين هيكل والمازني وأضرابهم، وكان يكتب وكأن مصر والسودان كيان واحد، ويقول "نحن" وهو يعني "مصر والسودان" معاً، دون شعور بالحرج أو إحساس بالتبعية، أو رغبة في تملق الشعور المحلي المصري. وهذه حقيقة جديرة بالتأمل، أنه بعد معاوية، أي منذ أكثر من خمسين عاماً، لم يفد على مصر أديب سوداني، ويقيم فيها ويكتب في صحفها بشكل متصل، وتصبح كتاباته متاحة للقارئ المصري، مثل الكتاب المصريين أنفسهم. هذا رغم كل الكلام عن "المصير المشترك" بين مصر والسودان. كان معاوية سعيداً بحياته في القاهرة، كما نفهم من كتاب السني، يسكن غرفة بسيطة أكثر أثاثها من الكتب، ويعيش على الخبز والجبن، يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً. كان إنتاجه غزيراً جداً حقاً إذا اعتبرنا قصر الفترة التي أتيحت له، وهي أقل من خمس سنوات غير متصلة. وكان متنوعاً. يكتب في النقد والسياسة والقضايا الاجتماعية. ومقابلته مع الكاتب الفرنسي أندريه موروا، التي نشرتها مجلة "الهلال" عام 1932، لعلها من أوائل المقابلات الأدبية في الصحافة العربية, إن لم تكن أولها. وهي تنم عن مقدرة وعمق وكان يتحدث فيها إلى الكاتب الفرنسي الكبير حديث الند. وكان معاوية أول من تحدث عن الشاعر الأمريكي– الإنجليزي تي. اس. إليوت، الذي ما يزال يشغل كثيرين من النقاد العرب. وكتب منذ خمسين عاماً عن الروائي البريطاني جون كوبر باور، الذي يعتبر اليوم من أعظم كتاب الرواية في العالم، وما زال مجهولاً لدى أغلب المثقفين في العالم العربي. ونشرت له "السياسة الأسبوعية" في أبريل عام 1930 عن الراقصة إيزادورا دلكن" مقالة لو نشرت اليوم في بعض البلدان العريبة لأحدثت ضجة. ومقالته "نحن وجائزة نوبل" التي نشرت في جريدة "مصر" في سبتمبر 1931، يمكن أن تنشر اليوم فما زاد الناس كثيراً على ما ورد فيها من أفكار. واستمع إلى قوله في معرض الحديث عن كاتب نمساوي يدعى آرثر سنتزلز في جريدة "مصر" في أكتوبر عام 1931: (نحن في مصر نتكلم عن كتاب الدرجة الثالثة في فرنسا وإنجلترا، ونجهل من هم في طليعة كتاب العصر الحديث، لا لسبب سوى أنهم من أمم ليس لها حظ إنجلترا أو فرنسا من الاتساع أو السلطان... بل يخيل إلي في كثير من الأحيان أن أدباء النرويج وبولندا وتشيكسلوفاكيا والسويد والنمسا، نحن أقدر على فهمهم والاستفادة منهم من أدباء الإمبراطوريات والممالك الضخمة التي لا نشترك معها في عاطفة أمل أو ألم... وفي يقيني لو أن أدباءنا ابتدأوا يتدبرون منتجات "هامسون" و"ستيفان زفايج" وأندادهما لوجدوا فيها أشياء جديدة من نفوسهم مكان العطف والمجاوبة... ولاكتشفنا في تلك النغمة صداقة وقرابة روحية مثل ما وجدنا من صداقة وقرابة في الأدب الروسي). ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أعجب قوله: "صداقة وقرابة روحية" منذ أكثر من خمسين عاماً!وفي مقالة عن الجامعة المصرية نشرت في جريدة "مصر" في أكتوبر 1931، يقول: (وليس بنا حاجة إلى أن نقول إن الجامعة "وسط" قبل أن تكون معهداً لتلقي المعارف والعلوم، وإنها "مؤسسة" تشير إلى مجهودات الأمم الفكرية وخصائص عبقريتها، وتنتج لها من الشبان من يشيرون إلى أنبل وأعمق خصائص تلك الأمة ومنتجاتها الفكرية ومساهمتها في الحضارة العالمية. وليس قصاراها أن تمنح كذا وكذا من الشهادات وأن تلقى فيها الدروس على هذه الطريقة "الإسكولاستيكية" العتيقة. والسبب في كل هذا الارتباك والبعد عن جادة الصواب مرجعه إلى حب مظاهر الأشياء دون بواطنها وصميمها). أليس هذا من دلائل عظمة الكتّاب، أن يقول القول ويمضي عليه أكثر من خمسين عاماً، فيظل صادقاً كأنه قيل لساعته؟!كذلك أنت ترى أن العقاد لم يكن مغالياً حين قال في رثائه: بكائي على ما أثمرت وهي غضةٌوما وعدتنا وهي في الغيب ماضية تبينت فيه الخلد يوم رأيتهوما بان لي أن المنية آتية هذا الإنسان، بهذه الصورة، انتهى به المطاف إلى داره في أم درمان، فلزمها لا يخرج ولا يقابل أحداً، وعاد إلى لبس الثوب الوطني، وأصيب في عقله، فركن إلى شيخ يعطيه الرُّقى والتعاويذ. وتوفي في عام 1941 وعمره فوق الثلاثين بقليل. لا عجب إذاً أن صديقنا السني بانقا قد شغف بقصة معاوية محمد نور الذي جاهد جهاداً نبيلاً، ومات موتاً مأساوياً. والموت المأساوي للنوابغ في السودان، أمر مألوف، فهو بلد أعطاه الله كل شيء، وحرمه كل شيء؟! ذلك أن أخانا السني فياض الشعور، سريع التأسّي، ثم أن معاوية قريبه، ولابد أنه وهو طفل لمحه أو سمعه، ولابد أنه ظل يسمع الحديث يتردد عنه بعد وفاته في محيط أسرتهما. والسني إلى جانب هذا، أديب، ولعله حلم أن يوقف حياته على الأدب، لو كان السودان غير السودان. كان من أكثرنا إلماماً بالأدب، ونحن صبية في مدرسة "وادي سيدنا" الثانوية. وأحمد له أنه نبهني إلى معاوية وإلى التجاني يوسف بشير. إنه أيضاً مثل على تبديد الطاقات في السودان، مثل أخينا مأمون حسن مصطفى، الذي كان نابغة في علم "الكيمياء" فانتهى به الأمر مثل السني أن أصبح إدارياً، وعبد الوهاب موسى, ومحمد خير عبد القادر, وسيد أحمد نقد الله, وكثيرين غيرهم. هؤلاء في جيلنا فحسب. لكن القصة لم تكتمل بعد، فالسني قد أعطانا خيطاً أو خيطين، ما تزال ثمة خيوط كثيرة. والسني يحث الباحثين والدارسين أن يجمعوا هذه الخيوط. لكنني لا أعرف أحداً أحق بهذا الشرف، ولا أقدر على هذه المهمة، منه هو. ويا ليته نذر نفسه، وليمد الله في الأيام، للنهوض بهذا العبء. سوف نحمده نحن وتحمده الأجيال القادمة، ولعله أيضاً يجد أن أحلامه الوضيئة، إذ نحن صبية في مدرسة "وادي سيدنا" لم تذهب كلها هباء


    نشر بصحيفة الاخبار .

    .
     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معاوية محمد نور
    في الخرطوم ..
    خواطر وذكريات محزونة


    الوقت ليل . والكون ساج نائم . فما تسمع نأمة ولا ترى حركة ، ولا تحس سوى الركود والإغفاء ، والسكون الشامل ، والظلام الصافي ، والهدأة الناعسة . ولقد تحس الحين بعد الحين حركة ضئيلة أو تسمع صوتا خافتا فيزداد إحساسك بذلك الصمت ويشتد تقديرك لذلك السكون ، ويأخذك ذلك السحر ، وتستولي على نفسك تلك الهدأة ويغمرك ذلك الصفاء . فتروح في عالم الأحلام والذكريات وتدلف إلى عوالم الفكر والعواطف المشجيات . وقد خيل إلي أن الحياة قد وقفت فجأة ، وأن الوجود قد أخلد إلى نومة هادئة ، ويعديني ذلك الشجو والسهوم فلا أستطيع أنا الآخر حركة أو قياما ، أظل أتبع حركة الماء الدافق أمامي حينا ، وحركة ما يجري في خواطري وأحاسيسي حينا آخر ، وأنا جالس على أحد المقاعد على ضفاف النيل الأزرق في مدينة الخرطوم . والنيل ينساب في مشيته هادئا كأنه صفحة المرآة المجلوة وعلى يميني في النهر بضع سفن بخارية وأمامي الخرطوم بحري وجزيرة توتي وعلى شمالي مدينة أمدرمان ، يخيم عليها الصمت ويكسوها ثوبا رقيقا ، ويخيل إلي أن ذلك الشجر الحاني بعضه على بعض والذي يظلل شارع الشاطئ ، وذلك النهر الهادئ بما فيه من قنطرة وأمامه من مدينة وجزيرة وما فوقه من سماء تحسبها لشدة زرقتها وانكفائها على حدود النيل أن السماء نيل وأن النيل سماء ، وأن الكل صورة يمكن أخذها ووضعها في إطار للتأمل فيها واستلهام الوحي منها ! .. وخطرت سفينة من تلك السفن المرصوصة ، فحسبت لأول وهلة أنها لاشك طامسة أثر ذلك الجمال ، عابثة بذلك الهدوء الصامت متلفة لتلك الصورة الرائعة ، ولكنها لم تصنع شيئا من ذلك بل أعطت الصورة لونا ، وزادتها حياة وبشرا ، وما يخيل للرائي أنها سفينة تعبر نهرا ، وإنما كأنها قلم يرسم خطا على صفحة أو كأنها شهاب يشق عنان السماء في إتئاد وسرعة ! عجبا لمنظر النيل ليلا ! .. ليس بعده جمالا ولا جلال ، وما يفوقه منظر مما رأيت سحرا وروعة ، وما تستجيش الخواطر ولا يصفو الذهن ولا يتألف الفكر ولا تكثر الذكريات وتغمر النفس فيضا وحنينا مثلما تفيض النفس في حضرة النيل ، ويحن القلب ، ويحلو في كل ذلك الشجو والحنين .

    ظللت الساعات وأنا مأخوذ بسحر ذلك المنظر ، في شبه صلاة روحية ، وخشوع فكري ، وجلالة تغمر النفس ، وتخلع على الحياة شعرا ، وتحيطها بالأطياف والأرواح ، وتملأها بأسرار النفوس وخفاياها ! وبالقدرة منظر كمنظر النيل على ابتعاث روافدها وزخر جميع تياراتها من حنين إلى المجهول ، وشجو إلى الماضي ، وتطلع إلى المستقبل المنظور !

    لم يظهر لي النيل في تلك الليلة كالشيئ السائل المائي ، وإنما هو بالتماسك أشبه وإلى مادة كالزئبق أقرب فما تشهد شيئا من العنف أو من الإندفاق الظاهر ، وإنما تشاهد العمق البعيد متشحا بثوب الهدوء والسطحية البارزة وتشاهد العدو السريع ولا تلمح شيئا من آثاره ومظاهره ، ولقد تسمع الوسوسة من حين لآخر بين نباتات المياه كأنما أشتدت بها الوحشة ، وكثر عليها الصمت والسكون ! ولكن العالم غاف ، وللعالم حرمة عندها ، فتنطلق في صوت خافت ، وتهمس بدلا من أن تفصح ويعود الماء إلى سكونه ووحشته الجميلة والعين لا تفتأ تنظر إليه ولا تتعب من ذلك ولا تحس إعياءً ولا فتورا . ولقد يقع حجر في النهر وسط ذلك السكون فيكون للصوت الذي يحدثه موسيقية لا تعثر عليها عند أعاظم أرباب الموسيقى والفنون ! وأسأل أحيانا ، من أين يا ترى تأتي هذه المياه وإلى أين هي ذاهبة ؟ أهي لا تفتر من هذه الحركة الدائمة والدائرة التي تنتهي لتبتديء وتبتديء لتنتهي . إلى أين أيتها المياه ومن أين ؟ ألا تفترين ؟ ألا تسخطين ؟ ألا تنتابك عوامل الضجر والسأم ؟ فألمحها تسخر بي وتشفق علي ، وعلى شفتيها إبتسام ، وفي نفسها مرارة وهي تهمس خوفا من أن تسمع (( هكذا ، هكذا ، لقد نفذ القضاء ، أليس من الحماقة والضيق التأفف مما لابد منه ولا محيد عنه ، ونحن أبناء الحياة ولا شيء هنالك غيرها ، أليس من الخير أن نتحملها ونكون عند ظنها ولا نفتر عنها ؟ بل نحياها في أناة ورضاء وابتسام وادع مرير ، ذلك أحجى وأحكم لو كنتم تعلمون )) . وكذلك تذهب المياه معززة حديثها بالإبتئاس والإصطخاب ، ونسيانها للشعور بالنفس ، وهزئها بشعور الملال والإعياء ! .. والماء في جريه ووسوسته الدائمة يتخطى المدن والبلدان راكضا وادعا ، يمثل فلسفة الحياة وكيف يجب أن يكون إحتمالها والتغلب على شعور الملال ودواعي الإعياء والسخط .

    ويأتي النيل الأبيض من الناحية الأخرى وهو أكثر زبدا وصخبا من النيل الأزرق ، قد ترى موجه المزبد وآذيه المصطفق يتكسر في عنف وشدة على الشاطئ حتى إذا ألتقى بالنيل الأزرق عند الخرطوم شد من أزره وأخذ يساعده وتكاتف الإثنان معا في مرحلة الحياة التي ليس لها أول ولا آخر ، وهكذا يسيران وقد صارا نيلا واحدا وقلت وحشتهما وزاد أنسهما ، فتلمح نجواهما وشعورهما بالرضاء الوادع ، والحكمة الهادئة ، وهما يندلفان في سير سريع ما سار الزمن وبقيت الحياة .. !

    وهذا الجمال ما شأنه ؟ هذا الجمال الساهي الوادع الذي تستمرئه النفس لأول نظرة ويفرح له اللب ، وتجزل الروح ، ماله يميل بذهني إلى خواطر محزونة ، وصور مشجية ؟

    هذه السفن التي تنبسط أمامي أجلها في خوف ولعل السبب موت خال لي غريقا في سفينة بخارية في النيل الأزرق . و (( توتي)) منبسطة هي الأخرى أمامي ، مالها تثير في نفسي شجوا حزينا ، وما لشجوها الكئيب الذي لم يبق له إلا أن يدمع ، وما هذه الوحشية المخيفة ، وما لرمالها الناصعة تبعث في نفسي شعور الأسى والذكريات الأليمة ؟ وإنني لأذكر توتي وأذكر أياما لي بها ، وأذكر زرعها وأذكر مجدها ، و أذكر تلك الخضرة ملء العين والبصر نهارا ، وهي الجلال والأطياف والخوف ليلا . وأذكر - ويا لشدة ما أذكر - أذكر أبي وأذكر بيت أبي ، أذكر ذلك البيت القائم وسط الزرع وحيدا لا أخ له ، كالشارة الموسومة وسط ذلك الزرع الحافل ! . أين كل ذلك اليوم ؟ لقد مات أبي واضمحل الزرع وتهدم البيت وما بقي منه سوى الجدران والتراب ، وصار مأوى حيوانات ضارية ، تسكنه الهوام ويعمره الخراب الماثل للعيان .

    وهذا الشارع الجميل المنسق على ضفاف النيل الأزرق ماذا يترك في نفسي من إحساس ؟ لا تزال صورته التي رأيتها وأنا طفل بأمدرمان مرسومة أمام ناظري وهي صورة فيها من الحنين والشوق والقدم ما لا سبيل إلى وصفه . على أن ما يعني العالم بخواطر حالم مثلي ؟ وهؤلاء بعض الناس يتحدثون في شغب وقد خرجوا من دور السينما ، وربما كانت هنالك حفلة راقصة ! وفي البحر حيتان ، وفي الشجر أطيار نائمة ، وغير هؤلاء وأولئك من أعمال متباينة ، وحالات مختلفة . ماذا يعني كل هذا التناقض سوى طريق الحياة وشمولها وعدم معرفتها للسهولة ، بل هي الشدة وهي القوة الغازية ! تلك هي أمدرمان وادعة نائمة ، ومن يدري ما بداخلها من المتناقضات ومختلف مظاهر الحركة والسكون ، وشتى مظاهر العاطفة والشجون ! وإنني لأذكر النيل الأبيض وسفرتي فيه وأنا ما زلت صبيا حدثا ، كيف نسيت نفسي في مرح وبساطة وأنا على السفين ! كلها ذكريات قوية واضحة ، تتسلل إلى ذاكرتي من حيث لا أشعر أنني في حاجة إلى (بروست) آخر ليصف كل ما يجري في وعيي المستتر في تلك اللحظة من الزمان . إنها لتملأ مجلدا ضخما ولا تفنى ! وإنني لأذكر ليالي المدرسة ، وسماعي لذلك البوري الذي يهز كياني هزا ، ويلعج نفسي ويذكرها بمن مات من أهلي وأحبابي ! ولا أدري أي علاقة لذلك الصوت وتلك الذكريات المحزونة ، فلربما لأن خالي كان ضابطا ، وأن ذلك البوري يضرب لعشاء الضابط ، وخالي قد مات ! . وأنظر إلى يميني فأذكر ضواحي الخرطوم وأذكر بري بنوع خاص ، لا أذكر بري اليوم وإنما أذكر بري التي لم أرها بل سمعت عنها ، وأصغيت إلى أناشيد الفتيات وأغانيهن في مدحها ( بري الطراوة والزول حلاوة ) إن ذكر هذه الجملة ليمثل أمامي صورا من الماضي قوية ، حية كأشد ما تكون حياة وقوة ! يا لصور الماضي ويا لشجوه وحنينه ! أذكر شوقي إلى الماضي ، وأذكر حنيني إلى المجهول ، وأذكر شعور الإغتباط والجمال الفني الذي أشرف عليه عند مشاهدتي النيل في تلك الليلة ، فأقول يا للعجب ! أتراني أود أن أعيش الماضي والحاضر والمستقبل في ساعة واحدة ! يا لنهم الحياة ، وطبع الإنسان ، وعطش العواطف !

    فأنا الآن أذكر كل هذا ، أذكر الليلة القمراء بأمدرمان وأنا صبي ألعب ، وأذكر مكاني من الخرطوم وجمالها الساهي ، وصفائها الصامت ، ورونقها وأحلامها وصمتها وما يحيط بها من ضوضاء ، وما يتصل بأسمها من أسماء تاريخية ، وهالات وحروب ، وأذكر الحيتان في قعر النيل ، وأذكر الشجر في وقفته الكئيبة ، ووحشته الدامعة ، وأذكر عوالم أخرها شهدتها أو قرأت عنها .. وأذكر أبي وأذكر أختي التي فارقت هذه الحياة ، وأذكر هؤلاء الراقصين القاصفين ، وأذكر الجمال الماثل لعيني ، وأذكر غير هؤلاء أشياء كثيرة لا صلة بينها ولا قرابة عندها .. ! فأسأل نفسي ماذا تعني كل هذه الأشياء ؟ وليس من مجيب .. سوى أننا في هذه الحياة وسنظل فيها إلى أبد الآبدين ، لا نعرف عنها شيئا يرتاح إليه الضمير ، ويسكن عنده الخاطر . وإذا أنا في هذه الخواطر المسائية أشعر برعشة في جسمي ، وأحس بدمعة في عيني .. فما أدري أهذه الدمعة شعور بجذل الحياة ، أم هي بكاء عليها ؟ غير أنني أعرف أنني أذهب وأعمل بعد ذلك كما يذهب أناس كل يوم ويعملون .

    المصدر : السياسة الإسبوعية - العدد 246 - 22 نوفمبر سنة 1930 م


    .
     

مشاركة هذه الصفحة