1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

أدب السجون

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏22/9/14.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سالم الفائدة
    أدب السجن من التأسيس إلى إشكالية التجنيس

    [​IMG]


    شَكَّلَ السجن عبر تاريخ البشرية أحد الهواجس التي شغلت الإنسان عبر التاريخ، حيث تكاد لا تخلو ثقافة شعب من الشعوب من هذه الظاهرة، التي تشكَّلت واقعياً قبل أن تتشكَّل على مستوى الوعي الإنساني، فتبلورت في قوالب فكرية وأدبية مـخـتـلفـة ومـتـنـوعـة، احتوت التجربة الفردية والجماعية، وعَبَّرت عنها بصيغ متعددة حسب الزمان والمكان والظروف المحيطة. فباتت باستنادها على المادة التاريخية والواقعية، واقعاً فنياً عبر مسافة التخييل.



    نتج عن هذا الارتباط الجدلي بين التجربة الإنسانية والممارسة الفكرية تيار أدبي يعرف بـ «أدب السجن» أخد سماته العامة من التجربة الواقعية، والأشكال الأدبية والثقافية عامة، الأمر الذي انعكس على سمات هذه الكتابة، خاصة السردية منها، التي باتت تقلق الخطاب النقدي والتجنيسي في العالم العربي.

    يقول بوكوفسكي: «عرف تاريخ البشرية عشرات الملايين من الناس الذين دخلوا السجن وعشرات الآلاف منهم الذين كتبوا ارتساماتهم عن هذه التجربة، لكن كل هذا لم يكن كافياً لإطفاء عطش الإنسانية، ولم يقلّص من الاهتمام البالغ والمستمر الذي يثيره موضوع الأسر، ذلك أن الإنسان منذ أقدم العصور تَعوَّد اعتبار الموت والجنون والسجن من أشد المظاهر هولاً. إننا نستهوي ما يرعبنا، وننجذب إليه كما هو الشأن بالنسبة لكل ما هو مجهول. نعم، لو رجع الآن شخص ما من الآخرة فمن المحتمل أنه سيقتل من جديد لفرط الأسئلة التي ستُوجَّه إليه».

    يشير مفهوم «أدب السجن» إلى نوعين من الكتابة: النوع الأول يرتبط بالكتّاب الذين عاشوا تجربة السجن فكتبوا عنها، والنوع الثاني يشير إلى الأدباء الذين تناولوا موضوع السجن في أعمالهم الأدبية ، سواء أكتبوا عن تجربة مَعيشة أم متخَّيلة. ومنه فقد تنوعت التعبيرات الفنية لأدب السجن شعراً ونثراً، وهذا ما تبرزه الكتابة العربية القديمة منها والحديثة.

    إن المتتبع للخطاب الأدبي، ولهذه التجربة تحديداً، سيدرك حجم التأثير الذي مارسته على كتّابها جسدياً ونفسياً حيث حفرت في ذهنيات أصحابها أخاديد، فنحتوا بذلك تجارب أدبية ظلت راسخة في الذاكرة البشرية، وهذا ما يبرز بشكل جليّ بالعودة إلى بعض الأعمال الرائدة في الأدب العالمي الحديث مثل «ذكريات من منزل الأموات» للكاتب الروسي الكبير ديستوفسكي، و«عراة بين الذئاب» لبرونوبيتيز.

    إذا كانت ظاهرة السجن مرتبطة بشكل أساس بالأنظمة السياسية وبسيادة اللاديموقراطية فيها فإن استمرار الكتابة عنها في العصر الحديث لا يمكن أن ينظر إليه خارج هذا السياق، فالقمع والقهر الذي تعرّض له المواطن والمثقف العربي وسيادة الأنظمة الشمولية - تبعاً لتعبير عبد الرحمن أبو عوف- يُعَدّان عاملين أساسيين في بروز هذه الكتابات واستمرارها.

    إن إلقاء نظرة بانورامية على الآداب العربية الحديثة كاف لإبراز كيف احتضن الأدب الحديث هذه التجربة- الحية أو المتخيلة - بصيغها وأشكالها التعبيرية المختلفة والمتنـــوعة (الشــــــعر، الرســـــــالة، الرواية، السيرة الذاتية ، المذكرات ، اليوميات ، الشهادات، القصة.... )، حيث تبقى السمة البارزة إلى جانب «أدبية» هذه النصوص، هي كونها استطاعت أن تصهر، في إطار النوع الأدبي، رؤى أيديولوجية متباينة، فجاء بذلك هذا الإنتاج مطبوعاً بالروح الأيديولوجية لكاتبه، محافظاً على طبيعة النوع الذي ينتمي إليه.

    فرغم أن تجربة السجن في أبعادها الواقعية تبقى واحدة في جميع التجارب إلا أن التعبير عنها كان غنياً أسلوبياً وفنياً، وهذا ما يؤكد للقارئ أن الأدب يختلف عن باقي الخطابات العلمية الأخرى التي يمكن تناولها باعتبارها «انعكاساً» مباشراً أو نقلاً أميناً لتجربة موضوعية، فالكتابة الأدبية على خلاف الكتابات العلمية، تصلح مرصداً لاستكناه والتقاء الذات بالتاريخ، فالكتابة تضفي «الموضوعية» على الأنا، تدرجها في سياق التاريخ، وتقدِّم لنا التاريخ «مذوّتاً» والذات «موضعة»، ولعل هذا- بحسب بارت- ما تجسِّد ه الكتابات المتواترة عن الذات خاصة في الأدب الحديث.

    لقد جندت الثقافة العربية المعاصـــرة مخـــــتلف أشــــــــــكالها التعبيرية الموروثة في صراعها ضد الاستعمار، قبل أن تكتشف أن بينها شكلاً جديداً قادراً على استيعاب المتغيرات الجديدة، هذا الشكل هو الرواية، التي يرى بعض النقاد أن «ولادتها المعوّقة» تجعلها لا تخرج عن إطار النص التنويري في تلك المرحلة، وهو ما يتنافى ومرجعيتها أو خلفيتها التاريخية كجنس تشكَّل للتعبير عن الوعي البورجوازي الجديد.

    رغم أننا لسنا هنا بصدد التفكير في نظرية الرواية العربية إلا أن الإشارة إلى الدور الهام الذي لعبته في تصوير الواقع العربي «المشلول» سيـــاســـــــياً واجتــــماعياً وثقافياً.. وإنصاتها لإيقاعاته بمختلف تجلِّياتها يظل ضرورياً، خاصة أن عدداً من النصوص السجنية جاء تحت خانة هذا الجنس. حيث عزف مجموعة من الكتاب تجاربهم السجنية الواقعية والمتخيلة على وتر اللغة، فأنتجوا بذلك «سيمفونيات» تحكي التجربة الفردية والجماعية للمجتمع العربي الجريح. يكفي فقط أن نذكر بعض النماذج الروائية المتميزة مثل: ثلاثية شريف حتاتة في جزأيها الأوّلَين: «العين ذات الجفن المعدنية» و «جناحان للريح»،ورواية «المحاصـــرون» لفيصل حـــوراني، و«الوشم» لعبد الرحمن الربيعي، و«السجن» لنبيل سليمان، و«شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، ثم «الكرنك» لنجيب محفوظ، و«نجمة أغسطس» لصنع الله إبراهيم، و«وراء الشمس» لحسن محسب... وغيرها من الأعمال التي ظلت محفورة في الذاكرة الجمعية للعالم العربي.

    أما في المغرب وخلافاً للشرق العربي، فالكتابة الروائية السجنية فيه لم تستوِ إلا على ترنيمة الجسد وعذاباته داخل السجن وخارجه.

    لقد ثبث من بعض الدراسات التاريخية للكتابة في المغرب الحديث أن أول عمل سردي سجني يعود تاريخه إلى سنة 1937، تحت عنوان «ذكريات سجين مكافح» لمحمد إبراهيم الكتاني، وهو واحد من جملة وطنيي مدينة فاس الذين تَمَّ اعتقالهم بمنطقة كلميمة. غير أن هذا العمل لم يظهر إلا سنة 1977 نظراً لظروف الرقابة في المغرب.

    وفي سنة 1964 صدرت سيرة سجنية جديدة، تحت عنوان «حياة مليئة بالثقوب» ترجع أحداثها لمتخيّل الراوي الشعبي العياشي، حيث حرّرها نيابة عنه الكاتب الأمريكي «بول بولز»، وقد بقيت هذه السيرة- حسب تعبير حسن بحراوي- «سجينة» اللغات الأجنبية العديدة التي نقلت إليها بانتظار اليد الرحيمة التي تعود بها إلى دفء لغتها الأصيلة. إلى جانب هذه الأعمال التي صدرت خلال هذه المرحلة نجد كتاب «معتقل الصحراء» لمحمد المختار السوسي، الذي نُفِي إلى قرية إلغ بالجنوب..

    غير أن صدور عمل رابع هو «سبعة أبواب» لعبد الكريم غلاب سيجعل هذه الكتابة تأخذ مساراً آخر في المغرب حيث اتَّجه بهذا النوع من الكتابة من الصيغة التاريخية إلى الصيغة الأدبية، ولعل هذا راجع بالأساس إلى تجربة غلاب الأدبية والثقافية.

    وحتى لا نقفز على مرحلة مهمة هي مرحلة بداية الاستقلال، لابد أن نشير إلى أن بعض الدراسات أشارت إلى المصير المجهول لعدد من السِّيَر السجنية، من قبيل سيرة «مومن الديوري» التي يحكي فيها عن بعض فظاعات. «دار المقري»، أو كتاب المهدي التجكاني التي عنونها بـ «دار بريشة». وهي كتابات تحكي جميعها عن قصص تعذيب بعض الوطنيين خلال مرحلة الاستقلال.

    تمثِّل هذه الكتابات التي أشرنا إليها مجرَّد تمهيد لما سيُكتَب في السنوات اللاحقة، خاصة بعد احتدام الصراع الطبقي في مستوياته السياسية والاقتصادية والثقافية، وهو الأمر الذي سينتج عنه مخاض سياسي نهاية الستينيات وبداية السبعينات والذي تجسَّد أساساً في ظهور تنظيمات ماركسية ثورية «إلى الأمام»، «23 مارس»، «لنخدم الشعب» وحركات فوضوية مسلحة، حركة 3 مارس، ثم الانقلابين العسكريين (71 - 72.)، كل هذا ستنتج عنه اعتقالات واسعة في صفوف العسكريين، والحركة التقدمية عموماً، وهو الأمر الذي سيمهِّد لظهور عدد من الكتابات التي تحكي عن هذه التجربة سواء لكتاب عاشوا التجربة مثل ما نجد عند عبد اللطيف اللعبي في «مجنون الأمل»، أو عبد القادر الشاوي في «كان وأخوتها» والتي تعتبر في نظر الكثير من النقاد من الكتابات المؤسسة لهذا الأدب يضاف إلى هذه، كتابات العسكريين، مثل «من الصخيرات إلى تازمامارت» لمحمد الرايس، إلى جانب عدد كبير من الكتابات الصادرة باللغتين العربية والفرنسية سواء لكتاب عاشوا تجربة السجن، أو لكتاب استثمروا تجارب معتقلين سابقين نذكر هنا «تلك العتمة الباهرة» للطاهر بن جلون، الذي قدم تجربة أحد الناجين من جحيم تازمامارت وهو عزيز بنين. أو كانت تجربة متخيلة ناتجة عن معايشة هؤلاء المعتقلين مثل «سيرة الرماد» لخديجة مروازي.

    لقد أضحت كتابة الاعتقال السياسي تشكِّل ظاهرة في الحقل الأيديولوجي المغربي، بما هي ظاهرة متجذِّرة في التاريخ البعيد (المعتمد بن عباد. ) ممتدة في التاريخ المعاصر والحديث، وهي ظاهرة تميِّز الحقل المغربي نظراً لتنوُّعها وحجمها والقيمة التي أضافتها إليه.

    تبعاً لكل ما سبق ذكره بخصوص كتابة «أدب السجن» سواء منها العربية أو الأجنبية، يمكن القول إن هذه الكتابة صارت تشكِّل دائرة أيديولوجية في البناء الثقافي العالمي، خاصة أنها تنطلق من فرضية «موحَّدة» وهي أن الإبداع هو فضاء الحرية المتبقي، وأن جُلّ مَنْ كتبوا هذه النصوص كانوا يهدفون في العمق إلى تصوير فضاء السجن وعذاباته النفسية والجسدية، في أفق تجاوز واقعه غداً، ولعل ما يميز بين هذه التجارب المكتوبة ويوحِّد بينها أيضاً هو كونها تعتمد جميعاً على اللغة كأداة للتعبير والتصوير والتوثيق لهذه التجربة الإنسانية التي لن تفلح كل كتابات من عاشوها في تحقيقها واقعاً على مستوى اللغة مادامت تجربة السجن تعاش قبل أن تُكتَب أو تُروى.




    مجلة الدوحة
     
    آخر تعديل: ‏27/9/14
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد القادر الشاوي
    من السجن إلى الحياة



    الوقائع والتطورات

    لا أذكر شيئا مما حدث في صباح ذلك اليوم الذي كانت شمسه أقل دفئا من المعتاد. شهر نوفمبر من عام 1974 الذي عدت في أسبوعه الأول من فاس وَلَبِدْتُ في منزلٍ اقتسمته مع أفرادٍ من مدينتي في حي (المعاريف)، ولم أعد أنتظر شيئا إلا:

    1- أن تتوالى الحملة التي أسميناها فيما بعد بالشرسة، وقد كانت عنيفة مفاجئة مسعورة تُقَاد بالليل وفي الفجر وخلال النهار، فتذهب بجميع من وقع في الشباك إلى جحيم الاعتقال الذي أوَّلُه التعذيب الفظيع، أو،

    2- أن أنجو بنفسي فأغادر البلد في أقرب فرصة إلى مكان في الخارج (الذي صار أملا في النجاة) غير مأسوف على نضال طبقي صار يطوقني بالاعتقال على الأرجح، كنا نخوضه بهيام وسذاجة وافتتان من أجل قيام الجمهورية الديموقراطية الشعبية. وماذا أقول بعدُ، إلا أنني اعتقلت فعلا وقولا.

    الواقع شيء آخر تماما. فلم يكن لي لا هذا ولا ذاك، كما تصورت من شدة الترقب وقفقفة الخوف. أن الخيال شيء أخر تماما. توالت الحملة وصارت تحصد الكثيرين إلا من اختبأ أو فر أو حالفه حظ ثوري. وبقيت أنا في حال من التردد، مع علمي بهذا كله فضلا عن الأخبار التي كنت أتسقطها من المصدر الثوري المتواري، أقدم رِجْلا تريد الهروب، وتتأخر بي الرِّجْل الأخرى تلك التي تريد المرابطة في الوهم.

    وهكذا اعتقلت في صباح ذلك اليوم الذي كانت شمسه أقل دفئا من المعتاد من شهر نوفمبر بتاريخ 13 منه.

    هذه هي الحقيقة، وعادة ما أقول هنا كما قال شاعر فلسطيني بعد الهزيمة: لقد ولدت من جديد!!. قال صاحبي الذي يقرأني: جديد هذا، وأي جديد هذا!!

    المسألة غير المفكر فيها أن من اعتقل قبلي وقبل الآخرين من مناضلينا الشرفاء، رغم أنهم أبلوا البلاء الحسن، كما يقال، تحت سياط التعذيب، أرْخوا حبال ذواتهم ولم يسعفهم الصمود، فأعطوا أسماءنا لجلاديهم، وصرنا في اللائحة المطلوبة دون أن نكون على بينة من ذلك، ولا خطر على بال أحد بسبب كتاب الصمود الذي قرأنا فيه المقاومة وعدم الاستسلام للعدو. ولما تمت محاصرتي في الثانوية التي كنت أدَرِّس فيها شيئا من اللغة والأدب لم أجد، في الواقع، أي سبب وجيه يدعوني إلى المراوغة، ولاحقا، وأنا تحت التعذيب، لم أجد ما يدعوني إلى الصمود، ثم ولا أي سبب أخير يساعدني على التنكر. وهنا أقول، إن مبدأ الانسجام الذاتي الذي قاومت به شيئا كثيرا طوال مدة السجن جاءني من هنا. من اليأس، من شيء من العدمية، والقليل من السخرية، والله أعلم!!

    التطورات الأخرى هي التي حدثت، والمواقف الغامضة هي التي انقشعت. فاقرأ معي ما يلي في هذا الباب لتعرف ذلك:

    كنت أستاذا للغة العربية وآدابها في مدينة مزعجة لم تكن، في الواقع، إلا "الدار البيضاء" في تلك السنوات الأولى الملتهبة من بداية السبعينيات. أما الحي الأخير الذي سكنته فكان في أعالي المدينة، وأنت تسير في الاتجاه الذي يقود إلى ناحية (المْذَاكْرة)... حيث الخلاء وذلك الانفتاح المبهر على سماء كانت تبدو في تلك الأيام، مع وجود سحب عابرة سابحة توحي بفصل شتاء قادم، كبيرة تتراقص فيها جميع الخيالات المهوِّمة... الثورية منها والرومانسية. وبالنسبة لي شخصيا، كانت تبدو لي السماء وقد حط أديمها هناك على بلاد (مْزَابْ)، في متناول الخيال تماما، حتى أنني بقيت طوال أيامي الأولى في الاعتقال، وخاصة عندما كان يخف التعذيب وترتخي الحراسة الدائمة ويسبح الرفاق المعصبي العيون جميعا في أيامهم وأوهامهم، مشدودا إلى منظر تلك السماء القريبة الحانية الممتدة على أرض (مْزَابْ) حيث كنت أخرج لفسحة تدعوني إلى الترويح عن النفس واستلذاذ المنظر البديع الذي لم يكن له مثيل في الخلية السياسية ولا في البرنامج النضالي بكل تأكيد.

    وصلت إلى (درب مولاي الشريف)، الذي كنت أعرف موقعه من حي شعبي بالدار البيضاء، منهك القوى، المعنوية بصورة خاصة، بل قل: كنت منهارا من جراء ما كان قد وصلني، قبل ذلك، من أخبار منكرة تتحدث كلها عن الانهيار الضخم الذي أصاب منظمتنا الفتية التي، والحق يقال، رضعنا فيها، يقينا، حليب الصمود وآيات الولاء للقيادة، وأقسمنا بآمال الثورة الموعودة بأننا سنبقى على العهد إلى أن يسقط النظامُ فريسةً وأن تقوم دولتنا منتصرة. في سيارة (الفياط) دسوا رأسي بين أفخادهم فشممت روائح عطنة قذفتها نفسي إلى الخارج في تثاقل وعياء. أدركت أننا وصلنا بعد أن داروا بي في السيارة دورات خلتها في مكان مهجور. توقعت كل شيء إلا أن أصل سالما. عرفت أنهم يريدونني في أصدق حال لكي أعترف بأسماء من سيأتون بعدي لا محالة.

    وبدأت الإجراءات الباردة لاستضافة الوافد الجديد، أنا، المعصب العينين الذي حُمل في سيارة فياط إلى (الدرب): الاسم واللقب، وانزع ثيابك كلها، ولا تترك فوق جلدك عُرْيَا يسترك. اللباس العسكري، القيد المعدني، العصابة فوق العينين لأنه لا يجب أن ترى شيئا في هذا المكان الصارخ بالعذاب. ثم الزاوية التي أركنوك فيها قبل المناداة عليك وأنت في الحيرة الأولى المفرطة في الخوف تلك التي قَلَبَتْ دماغك قلبا لا قِبَلَ لك به أبدا. أنت الآن، وهذا هو الألم الذي يحس به المهزوم عادة حتى وهو يقاوم الهزيمة: ماض بدون مستقبل، شخص بدون هوية. أصبحتُ رقما بين أعداد متواصلة، جسد مستباح ليست له ذاكرة، حيرة بدون وجود. نفسُك تناقضات متلاطمة. دماغك بين الأخذ والرد يوازن بين اللحظات في أتم استعداد للوفاء أو لتوقيع السقوط.

    لم تكن قد مرت سوى لحظات قصيرة، فبدا لي، في حقيقة الحيرة إياها، أن كل شيء أعِدَّ بعناية، ولو أن فيها فوضى مرتجلة، لكي يكون التعذيب مناسبة للاعتراف. غير أنني حُمِلت ونُهِرتُ ودُفعتُ إلى حجرة أدركت أن بها محققين متحفزين، وعرفت منذ البدء، وأنا مذهول، أن قَدْرِي لدى هؤلاء مُهِمٌ. أدركتُ حقيقتي إذن. وإلا كيف يعقل أن يجتمع قوم شداد، فيما يبدو، على فرد أعزل بالتأكيد لو لم أكن بالنسبة إليهم صيدا مُهِما أحمل من الأسرار ما سوف يفكون به عُقَد الحركة الماركسية اللينينية.

    أكتشفت، قبل التعذيب، أن أسئلة المحققين شكلية سطحية مبهمة، بعضها تافه لا يستطيعون الوصول به إلى أية حقيقة مطلوبة. بالقدر الذي كنا نعرف نحن. فهمت أن القصد، وخصوصا بعد أن تناهى إلى سمعي صراخ حاد فيه توسلات وأدعية ونحيب ملأ المكان بالقسوة، هو الوصول إلى الغاية المنتظرة بأسرع طريقة ممكنة، ولم تكن تلك الطريقة الممكنة، إلا التعذيب الذي تنجلي به الحقائق في عرف الجلادين. نقطة.

    تقول التعذيب؛. لأن ما قد يُروى منه لا يمكن أن تصفه لغة. أولا لأنه عنف متواصل يعتصر الكيان الفردي فيكون مصحوبا بالألم الحاد والصراخ الممض والرغبة في الافتكاك والتخلص. ثم لأن التفكير في حال التعذيب يشرع، بكيمياءٍ غريبٌ تركيبُها فيما يبدو، في إرسال موقفين: فإما الصمود النسبي بأقل الأضرار الممكنة، لأن الجسم هنا يقاوم الآلة الجهنمية المشحودة للقيام بالفعل المؤذي وإحداث التأثير النهائي بغاية الإخضاع، أو الاستسلام للوحش البشع الذي حوّلك، تخويفا وتهديدا ورعبا، إلى فريسة سهلة بعد أن وهبْتَهُ نفسك، كُرْها، فداء لجسدك.

    وتخرج من التعذيب لكي تعود إليه في كل حين، لأنه لا ينتهي بالصمود ولا يخف بالاستسلام. إذا اعترفتَ خوَّنك رفاقك، وإذا لم تعترف أماتك جلادك. والنتيجة هي هي لمن بقي على قيد الحياة لاهيا وكذا لمن غادرها صارخا: نهاية تجربة. عليك الآن أن تعالجها بالنسيان حتى تهنأ، أو أن تكتبها بمداد الفخر، كما يدعي الصامدون، لإسكات نباح النرجسية الذي يتولاك. يا إلاهي كم كان التعذيب، والاعتقال قبله، حياة ملأى بالأوهام لمن لم تكن لهم حياة في الوجود.



    أما (الدرب) فَحَدِّثْ عنه ولا حرج
    "عشرون عاما وهذا الدرب يرفض أن يسير..."
    (أدونيس)

    من يقول (الدرب) يقول التعذيب. كمن يقول السجن يقول الحرمان، أو من يقول الوجود يقول العدم. إنه التلازم الذي به تتحقق الوظيفة في كثير من الأحيان. وظيفة (الدرب) أن تَسْلُكَهُ إليه. لا مفر، لأنه الوجهة الوحيدة المكتفية بموقعها، المنغلقة على بنايتها. وهذا حين أدركت، بطبيعة الحال، أن (درب مولاي الشريف) ليس ممرا (للموت) ومكانا له فقط، وقد اشتهر بذلك بين سكان الحي منذ أن كان مخفرا رسميا للشرطة، بل إنه "مجهول" لا يمكن الاستدلال عليه. وهنا الخطورة: الوجود معلوم والمجهول معدوم. والذين وصلوا إليه مكبلين قد غشيت أبصارهم عصّابة لا يبين من خلالها أي شيء لا يعرفون. لا يعرفون "المجهول". والعالم لا يعرف. ولكن، من يعرف يا ترى؟ الجلادون فقط، يستوي في ذلك من كان منهم مشرفا على أدوات التعذيب، أو أولئك القائمين على التحقيق الذي هو التعذيب المعنوي بالتأكيد، أو حراس (الأرواح المتهالكة)، نحن، في الغرف التي لا يغرب عنها الضوء في الليل ولا في النهار.

    كنت وحيدا معلوما بنفسي في (الدرب) المجهول. لا أعرف من جاء قبلي ولا من أتى بعدي. ولما أدركوا أنني لا أملك أكثر مما يملكون تركوني في الممر لأيام، ثم ألحقوني بالغرفة التي سكنها قبلي حالمون مثلي، فكان منظرنا الشامل بعد أن ألبسونا (الكاكي) العسكري على شبه بفرقة من الجنود الحيارى الذين انهزموا في معركة لم تقع أبدا، أو الذين انهزموا في معركة أوقعهم عدوهم فيها وهم لا سلاح لهم إلا الصمود فغدر بهم النصر، النصر المفترض بطبيعة الحال.

    في (الدرب) بدأت أستعيد ذاتي وبعض أمجادي. قلت من أنا؟، فلم أظفر في البداية بأي جواب، أو لعلي قلت في الجواب: أنا واحد من الجماعة المناضلة المحتجزة هنا. فكان أن هجرت الأسئلة المقلقة. حَسْبِيَّ الذاتُ أنني نجوت من الموت (الذي هو في "الدرب" اغتيال كما لا تعرفون)، ونجوت، فيما أظن، من الانهيار الشامل، وأقول الشامل حصرا (الذي هو في "الدرب" تحطيم للصمود وسلخ للكرامة)، ونجوت بنفسي من المحاسبة التي كانت تطرق بابي طرقا، باب الدماغ أقصد، في الليل والنهار، وما بينهما بحكم الفراغ، داعية حافزة، جارفة متوترة، تريد لي أن أقول بالكلام البوَّاح ما كنت أخجل، بحكم تركيبي النفسي المعقد، من قوله لغيري. الغير من الرفاق. الغير من الناس الآخرين. الغير الذي يطالبني، سريا، بالانسجام والمسؤولية والانضباط والتفاني وسحق التفكير البورجوازي الصغير المرافق لتكويني منذ الشباب الأول في مدينة من مدن الشمال. أقول المحاسبة، وأعني أن تتهاوى في عزلتك المفرطة، فتشرع في نهش ضميرك وفكرك والحميمية المركبة من حب وقهر، إلى أن تظهر عليك علائم بثور مدماة كنا نسميها تلطفا بـ(النقد والنقد الذاتي)، والنقد الذاتي أكثر، ولعله النقد الذاتي حصرا. الآن يبدو لي، بحكم التغيير، أن الأمر لا محالة كان على علاقة بالجلد المازوخي الممعن في الإيذاء والتجريح.

    الحاصل أيضا، أن في هذا (الدرب) الصارخ مات (اقرأ: اغتيل) عبد اللطيف زروال. الواقعة صعبة وعنيفة، وعلى نفسي المكلومة معقدة، ولا أستطيع أن أكتب عن الشهيد دون أن تحاصرني، في هذه السن المتقدمة الآن، دموع الرفقة والمحبة. ولو لم يمت (اقرأ: اغتيل) في (الدرب) الذي نجوت منه أنا لَمَا كان لي ألما. مصيبة. ولَكَان لي أن أدعي في شساعة الحلم ويوم الحساب، كما فعل الغير، براءة صمود. لا، لم أفعل، وها أنذا أجتر غصة عاثرة ترافقني، وحسرة مضجرة تزعجني، لا أملك إلا أن أقول: عجبي، كيف لم أُوَفَّق في المراوغة؟


    في السجن يا هوى

    "قيدي أما تعلمني (مُحَطَّما)، أبيت أن تشفقا أو ترحما.."
    (المعتمد بن عباد، مع التحريف:

    سألتني حبيبتي، قبل أن تتخلى عني، وأنا في سجن (اغْبيلة) عن (الدرب) فقلت لها: إنه بعدَ التعذيبِ العذابُ!. لو كان (طائرة) و(كهرباء) و(ببغاء) والماء المخلوط بالدِّدِتِ (DTT) الذي يصيب الجهاز العصبي ويتلف الكبد، فضلا عن القِنَان، لقلنا هذا جزاء عظيم يلقاه مَن اعتقل وهو على نضال ضد العدو الطبقي. المشكلة أيضا أنه الصمت واستغوار الذات والماضي والمراجعة واليأس والبرحاء. والمشكلة أيضا أنه كل ذلك وغيره في دائرة محكمة من العزلة والوحدة. فكان السجن، كما أدركت حبيبتي قبل أن تتخلى عني، فسحة وعودة، وكان بالنسبة للبعض الآخر ولادة، وهو بالنسبة لجميع المناضلين الآن الطريق في العلن نحو الارتباط المتجدد بالحياة... الحياة المحكومة بقوانين السجن، ولكنها الحياة كما لم تكن في (الدرب) وعدمه.

    والواقع أن السجن في بدايته، وإلى نهايته بطريقة أخرى، كان امتدادا للعزلة المفرطة، وفي نظام الاستجبار المرعب... هذا إلى شيء آخر لم يكن من الوارد تماما: العقيرة النضالية الآن، وقد علت بالصراخ مدفوعة بإرادة الانتقام، شرعت تطالب بالمحاسبة. نعم، المحاسبة. طبعا. هل انهار الجمع أم البعض فقط؟. وإذا كان الانهيار جماعيا فهل نحن فيه على نفس المستوى من الخيانة أو من الصمود؟ أما إذا كان البعض فقط، فأين هي وجوههم؟، وما القاعدة العامة للانتقام منهم يوم المحاسبة المتوقعة؟

    فتية قالوا جهارا: نحن نريد إطلاق صرخة الهزيمة الجماعية، لأن العذاب الذي لحق بنا كان أليما لا يمكن أن يُحتجز في رئة أو أن يُعتقل في عقل. هيَّا بنا إلى اللعب، هيا إلى المحاسبة.

    في السجن رأيت، لأول مرة، وجوه من لم أكن أعرفهم أو عرفت بعضهم بالاسم الحركي فقط. خرجنا جميعا إلى العلن بعد أن غادرنا السرية مكرهين، وعلينا اليوم أن ندشن البناء الذاتي الفردي والجماعي والنضالي والعائلي والحياتي والدراسي والسياسي والوجداني والعقدي والعاطفي والاجتماعي... البناء الذي كان يغادر الشباب شيئا فشيئا، وهو الذي كان يغادر الإيديولوجية بالنسبة للبعض، والنضال بالنسبة للبعض الآخر، والسياسة لِقِلَّة. هو البناء المفهوم كحرية في أتون الأسر، والذي يعني، بعد الخيانة أو الصمود، ان المناضل الطبقي صار شيئا آخر لم يكن عليه من قبل. الكل، بدرجات متفاوتة، كان في حِل من تقديم الحجج التبريرية الكافية، صادقا مع نفسه أو مدعيا مع غيره، لأنه كان قد حول نفسه إلى "أسطورة" صغيرة تفوح بالمعاناة مثلما تفوح الجِيَّف بالروائح العفنة.

    في قمة التبرير السائغ هناك المسخ، وهذا، أي المسخ، صيغة معدلة للتَّحول، وهذا، أي التحول، شكل من أشكال الانقلاب الذي يطبع السيرورة، وهذه، أي السيرورة، مجرى حياة لا تستقر على حال، والحال، كما لا شك تعلمون، هو الحال: أي ما نحن عليه قبل أن نصير شيئا آخر... والذات لا تحب الفراغ أيضا. وهكذا في يومِ حَيْرةٍ وقلقٍ وجودي يَطِلُّ العمرُ الجميلُ عليك من النافذة الصغيرة مبتسما ودودا داعيا الزمن الحرون، والحرمان البارد، والوقت المنقضي، للتضامن جميعا، بدون تردد، من أجل إطلاق سراح المعتقل السياسي. أقصدُ لم أعد كما كنتُ، وفي هذا البيانُ كُلُّهُ.

    وصلت إلى السجن وأنا على شيء من الفردية الداعية للأنانية التي اختمرت في طور الاعتقال والتعذيب والتحقيق والصمت والإذلال، فركَّبتُ في دماغي، استعدادا للمواجهة، أنني البطل بعد المناضل، الصامد بعد المنهزم، القائد بعد الجندي، الكاتب بعد القارئ، الهائم بعد الثابت، المعلوم بعد المجهول، القادر بعد اليائس، النرجسي الفائر بعد الطهراني البليد... وأشياء أخرى عفوية، يقينية، غير مدركة. وانتهى الأمر.

    كنت على مذهب الجماعة في السجن لأن المخالفةَ بَيْنُونَةٌ (قل: قطيعة وهجر)، والتميز مدعاة للاشتباه. وكنت، فقط، في المجرى الذي يجري بنا جميعا في اتجاه، أو عكس، الأيام الثقيلة بالتأكيد، الرهيبة في بعض جوانبها بالطبع، تلك التي لا تترك فسحة للأمل إلا لِمَن جعل من خياله أمَلَه. هكذا، رغم علمي بثقل السنوات، حوَّلْتُ نرجسيتي إلى عزلة. أما اليقين التام الذي جعل هذه العزلة على شَبهٍ كبير بالانقطاع الذي يطلبه الصوفيون لذاتِه وَلَهُم فيه خلوة محببة فكان في الإقرار التام، وخصوصا بعد المحاكمة التي أدانت الجميع ولم تبرئ المُخْتَل حتى، بأن العقوبة، رغم زمنها المحدد، طويلا كان أم قصيرا، أقْفَلَتْ علينا أبواب الزنازن في ظلمة نفسيةٍ لا نهائية... رغم النشيد الحار الذي كان يبكيني ويُلْهِبُ دمعي: لم يَعُدْ يقبل الهوان، إذْ ذَوَتْ صرخة الظامئ، إيمانُه يُسَدِّدُ خُطاهُ، شمسُ الحقيقةِ هُدَاهْ، والأفق الأحمر يسير، لتكسير أيدي العبودية، وأنياب الفقر الوحشية، يَهُبُّ الثوار، ولهيب النار... يا سلام مع اللحن الحزين الشجي المثقل بالكبرياء!.

    الحياة تدعو إلى المفارقة. وفي السجن، بعد اليأس وربما في قمته الشامخة، تدعوك أيضا إلى المقاومة. ولذلك أحب أن أُصَوِّرَنِي اليومَ، كطريقة للاعتداد بالنفس في يأس العمر، على هيئة ذلك المقاوم الأعزل الذي دُعِيَ للمواجهة المفروضة في حلبة إسْمَنْتِية لا تَتَّسِع إلا له... كلما حرك جزءا منه انكسر عليه بالضرورة!

    الحصيلة النهائية مؤكدة ولكنها، لِمَنْ خبر الحرية، قد تكون هزيلة: 150 يوما من الإضرابات، أو ما هو، بالساعات الطوال، قرابة ألفيْ ساعة من الألم والحرمان.

    أذكر تماما تلك الليلة المُدَوِّخة التي أطْلِقَ فيها سراحي قُرْبَ الفجر بعد 5475 يوما. أذكرها الآن بعد أربعة وعشرين عاما حين هَمَسْتُ مُلتَاعا لِمَنْ كان ينصت إلي: والآن، إلى أين سنذهب أيها الرفيق بعد 180 شهرا؟

    كانتِ الوجهةُ، في نَظَر الحرية، معلومةً، ولكنها في نظر الحياة غير معلومة... أو على الأقل لم تكن معلومة بالبداهة.


    باب الخلاصة

    "وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخد الدنيا، (إذا استطعت)، غلابا"
    (مع التحوير، طبعا).

    إنني أكتب على مسافة زمنية لا تشبهني في النسيان. أكادُ أقرأنِي لِوَحْدِي في صمت مُذِلٍ كأنني أقرأ أحزاني. حكايتي لا تعنيني إلا أنا، ولا أحب أن يَملني الآخرون. عَصِيُّ كياني وأعلم أن السجن في الرأس، عَطَبَه في البدن، مَدَاهُ في الروح، أرْكانَه وتداعياته في وجداني. والألم الذي خَفَتَ مع الأيام لم يغادر أيامي... بل أراه، يا صاحبي، جمرا ورائي وَقُدَّامي.

    السجن، في حالتي، أنْ تَكْتُبَه لا أن تُغَادِرَه. وقد قيل: إن الكتابةَ سَبَبٌ كافٍ للحرية، وإنَّ المغادرةَ انتقالٌ موهومٌ في الزمن... ولا أعرف من القائل. أيكُونُ أنا؟.


    يوليوز (تموز) 2014
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مذكرات محمد سقراط في السجن

    (الحلقة الأولى)
    بعد أن تجاوزت السطافيط مباشرة عتبة باب السجن , والتي سأعرف فيما بعد أن إسمها الباب الكحلة باللهجة " البيضانصية ", تأكدت حينها أن الله أخيرا إستجاب لدعوات الواليدة التي ظلت ترددها بإيمان مطلق و يقين صادق و حاجة ملحة:
    - سير الله يغبرليك الشقف ....
    هاهوما غبروه ليا دابا الواليدة.

    كنت أعرف أين أنا و كان هذا يعزيني بعض الشيء, فأنا وسط أحد أرقى أحياء مراكش " تطور كبير هادا من بلعكيد لكيليز " , و بمعدة فارغة و ذهن مشوش و روح مغمورة بالفضول و ملابس متسخة و رائحة عرق كريهة و ذاكرة مليئة بحبيبات تحررن مني , نزلت من السطافيط.
    طبعا تقدمت بالرجل اليمنى حيت فيها البركة , تم حشرنا فيما بعد في غرفة مسيجة و طلب منا بكل أدب و لباقة:
    - لي عندو شي حاجة يلوحها فالصرب راه الحبس مابقاش كما كان.. كونوا معانا رجال و راه هانية و لكن الى بغا شي ولد القحبة يدوز علينا الدكاكة راه نحويو ليه مَو.

    أواه على الحبس كيفاش كان ؟
    سؤال سيتضح فيما بعد.

    طبعا ذلك ماكان , شي وحدين كانو عندهم شي طريفات لاحوهم , و بدأ بعد ذلك خلق حوار معانا من أجل تصيد ضحية مناسبة باش يموت المش , لم يكن الضحية سوى مسخوط الواليدين ديال شويبة الذي تم تقديمه بتهمة انتحال صفة شرطي المرور , وحقا كان صديقنا مقتنعا بأنه شرطي مرور حقيقي خدام مع المخزن و سيتبث بعد ذلك أنه مختل عقلي بعد أن أدلى أخوه بوثائق السبيطار في المحكمة و تمت تبرئته . لقد كان شويبة تحفة حية سبق أن دفع لجوندارم و لم يتم قبوله و بعد ذلك اختل عقله لدرجة أنه إنصهر في شخصية رجل سلطة , و كان دائما ما يقتني و يخيط ملابس لرجال أمن بمختلف أنواعهم مرة لابس لبسة البومبية مرة جوندارم مرة بوليسي , و آخرهم شرطي مرور بمينوط و فردي من البلاستيك و كان فعلا يزاول مهامه فالرومبة ديال حومتهم نهارا و بالليل يوصل القحاب لي كيجيو معطلات و سكرانات لديورهم حيث ولد الحومة الدراري كيوقروه و عندو خوتو خاسرين , بالإضافة الى أنه كان يعطي معلومات لرجال البوليس عن البزنازة ديال الدرب عن الدراري لي روشيرش . كانت علاقته بهم جد طيبة , لذا إقتنع مع مرور الزمن أنه واحد منهم.. يوم المحكمة سأله القاضي:
    - منين جبتي اللبسة ديال البوليس ؟
    - جاوبو: عطاها ليا الكوميسير سعادة القاضي .

    طريقة القبض عليه كانت سوريالية .. وقفات عليه السطافيط فالرومبة ,. شافها جمع الوقفة و عطا السلام ,. فهم بكل بساطة قالوا ليه طلع راه بغيناك .. تقدم هو بكل ثقة و صرامة و طلع فالسطافيط بوحدو , بحال الى مدوز معاهم خمسة و عشرين عام ديال السربيس . قال له الشرطي لي كيسوق السطافيط :
    - وا قودتيها أمسخوط الواليدين فردي كاع هي باغي تولي كوميسير .

    طبعا كانو يعرفونه و يعرفون جنونه لكن فالحبس مكانوش كيعرفوه و لهذا جاب الربحة هو اللول,

    فأول ما بدأو بسؤاله عن مونتيفو و كيفاش و علاش بدا كيدخل عليهم و يخرج فالهدرة , هادوك للي ما كيعرفوهش جاب لهم الله أنه تريكيل منو لذا أجتمعوا عليه في حالة من الهيجان و شتفوا عليه مزيان حدانا حتى بان الحق , حينها عرفت أن فالحبس النهار اللول كيموت المش , و بعدها سأعرف أن فالحبس كل نهار كيموت المش و كاين النهار لي كيموتو فيه كثر من عشرة ديال لمشاش.

    بعد أن أخدو منا آخر ممتلاكاتنا و وضعوها فالكريف " غادي يبقى هادشي تا تخرج و تلقاه " تقدمنا للتفتيش . طلب مني الموظف نزع ملابسي قطعة قطعة , و كان يفتش كل قطعة على حدى بدقة متناهية , و طبعا توقفت عند الكرصون , السروال حيدتو دغية دغية حيث فايت محيدو فالكوميسارية و لكن الكرصون أول مرة و طبعا استجبت لظني أن الأمر سينتهي هنا , لكن أدهشني الموظف عندما طلب مني أن أجلس قرفصاء و أكحب ." أواه لاش نكحب لاش آش علاقة الكحيب بثقبة الفرج " و كحبت و بينما أنا أكحب كان يضرب على أسفل قفاي بضربات متتالية باش تتحل ليا التقبة ديال زكي و الى خاشي فيها شي حاجة تطيح. " شوف العلم فين وصل , " و يا للنزاهة و الإنظباط و الإلتزام المخيب للآمال لم تسقط مني و لا حتى قطعة براز صغيرة.
    بعدها و أنا أرتدي ملابسي سولني واش أول مرة أجبته بالتأكيد فقال:
    - كون معانا راجل و ميخصك تاخير ....
    أجبته في نفسي :
    - واش كاين شي رجولة كثر من هادي , النهار اللول حيدت الكرصون و بالخاطر.

    جاء المدير بحجمه النابليوني و صوته الذي يتعمد تخشينه و سلطته البادية على وجوه الموظفين, بدأ بسؤالنا و بينما هو يتحدث طلب أحد الموظفين من خلفه الى مسجون كان قربي من أن يحدر عينيه لأنه كان ينظر الى المدير مباشرة في عينيه.
    " أواه مال هادا لبارح و حنا مجمعين مع فقهاء قانون و مع مستشار ملكي حالي حول الدستور هازين ريوسنا ليوم نطئطئوهم بين يدي مدير حبس واش هادو جهلوا".

    قبل أن يقترب مني لسؤالي كنت أفكر فآش غادي نقوليه واش لحشيش أو عشرين فبراير و زايدون واش كاينة شي جريمة سميتها عشرين فبراير و الى قتليهم هكاك يقدروا يحضيوني أو يضايقوني , اللهم نقوليهم خوكم بزينيز صغيور و نتخشى مع الخوت , و ندير راسي و سط الريوس و ذلك ما كان . لكن المدير باغتني بسؤال و لاش كتبيع لحشيش نتا زعمة كتبان دري نقي . فأجبته باش نلبس من زارا و سبرينغفيلد و سيليو و باش نسهر فكيليز ... فقال:
    - هانتا جيتي لكيليز غادي إن شاء الله تولي تظل و تبات فيه .

    - عن كود
    .
     
  4. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    شكرا للأخ ناقوس المهدي،
    السجون في الأنظمة القمعية وسيلة لتحطيم المعتقل. لكن ليس على السجين حرج أن يصيح ويستعطف ويتبول أو يتغوط في ثيابه... فالأولى بالشفقة هم أولئك الذين يعذبونه، لأنهم فقدوا إنسانيتهم.
    أما فيما يتعلق بمختلف الشهادات، فتتميز شهادة محمد سقراط (التي نشرها على فصول في كود) بكونها تطرقت لسجناء الحق العام ولجوانب من الحياة في السجن لم يتجرأ المعتقلون السياسيون التطرق لها. فالعلاقات بين سجناء الحق العام مختلفة عن العلاقات بين المعتقلين السياسيين، فبين هؤلاء كثير من التضامن وأيضا حزازات قد تسمم الجو. أما بين معتقلي الحق العام، ورغم الغيرية والإنسانية التي يتميز بها البعض إلا أن كثيرا من المعتقلين يعانون من قانون الغاب الذي يفرضه البعض.
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    تحية طيبة اخي السي محمد اليعقابي
    السجن في العالم العربي والدول المتخلفة هو محاولة لاذلال الكائن واعادة انتاجه من جديد لاحتراف الجريمة .. السجانون يتفننون في اختراع اساليب جديدة للقمع والتعنيف .. السجون المغربية احدى النماذج في هذا المسعى وما سطره الكاتب الساخر محمد سقراط هو عينة مصغرة لما يجري من سلوكات مهينة واستفزازية.. ولعلك قرات نماذج عديدة لادب السجن في الروايات والاشعار والشهادات الاليمة التي انتجها مبدعون مغاربة مروا من هذه السراديب وكتبت لهم حيوات اخرى

    لك لك الود صديقي الرائع
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الـكـتـابـة داخـل الـسـجـن
    عبدالرحمن مطر



    وجب عليّ أن أدفع ثمناً باهظاً من أجل ممارسة حقي في الكتابة، وأنا داخل السجن. كلما أمعنت في التمسك بالقلم أكثر واستخدامه سراً أو علناً، مكثت في السجن وقتاً أطول، لأن لساني أيضاً لم يكن ليدخل حلقي، فامرؤ مثلي لا أمان فيه إن أُفرج عنه، طالما أن السجن لم يكسر قلمه، ولم يخنق صوته!

    لم يكن ممكناً لي أن أكتب في البدء. حصلت على دفتر وقلم بواسطة سجين قديم، أسدى إليَّ نصيحة في الليلة الأولى، لتحويلي من جهاز المخابرات الى السجن، ونحن نتهيأ للدخول الى الغرفة 3 من القسم السابع، بأن لا أحادث أحداً في السياسة، وألا أكتب هنا على الإطلاق. مع مرور الوقت خالفت النصيحة، ورميتها خلفي. كلما طالت أيامي ازدادت خبرتي بالمكان وطبيعته، فتمرست على تجاوز المحظور، بل كنتُ أسعى إلى ذلك بلا وجل.

    روحي وثّابةٌ، فلم تنطفئ جمرة التمرد، على الرغم من أجواء المعتقل وحالة التوتر والقلق والكآبة والخوف: خوفٌ على أولادي، و خوف من مصير مجهول ينتظرني. كان دمي يحترق، أمسك طوال الوقت بالقلم بين أصابعي، أبرمه ..أعبث به، دون أن أجرؤ على كتابة حرف واحد.
    ينام الـ110 سجيناً في الغرفة، بالتناوب، ودائماً ثمة من لا ينام في الليل. حمّام واحد فقط لكل هؤلاء، فلا يمكن لأحدنا أن يقضي حاجته براحة..أو بمتسع من الوقت. ذلك – كما فكرّت – لا يُمَكنني فعل شئ هناك: أعني الكتابة. في اليوم الثاني والعشرين اغتنمت هدوء وصمت المكان عقب صلاة الفجر، تشجعتُ وقد أخفيتُ ورقة صغيرة، وانسللتُ الى الحمّام، أسدلت الستارة، وقرفصتُ أكتب على ركبتي، مع خرير الماء الدالّ على وجود أحد هنا.
    كتبتُ بضعة أسطر لا أذكر شيئاً منها الآن بعد هذه السنوات الطوال، لكنها كانت كافية لامتصاص حمم بركان الحروف الذي كان يغلي في داخلي. ولكني في اليوم ذاته تشاحنت مع شاب قال أنه يؤيد بقاء السلطة في حوزة آل الأسد، ويحب أن تكون بشرى هي الرئيس! خرجت عن طوري..ولم أصمت، لأرى نفسي بعد ساعات قليلة فقط ، أنا وهو، معاقبان بالنقل الى أكثر الأقسام سوءاً.

    هناك كتبت النص الشعري الأول، داخل الغرفة 4 من القسم الخامس، حيث عتاة المجرمين في قضايا القتل والمخدرات. كان تحدياً بالنسبة لي، حين اتكأتُ الى الجدار مع كأس الشاي، لأكتب ” رفاق السجن “. وطوال الأشهر اللاحقة التي تنقلت فيها من قسم لآخر، كان الحمام المكان الأكثر أماناً و أريحية، ووقت معقول للكتابة. قصاصات الورق لا تتجاوز حجم نصف الكفّ، والكتابة بخط ناعم وصغير، مستغلاً كل هامش أو فراغ في الورقة التي بين يدي وعيوني وأضلعي.

    بعد أشهر سُمح لي بالخروج إلى المكتبة، شرطي جديد على الباب، ربما لا يعرف أن ثمة كتاباً رسمياً في لوحة إعلانات ” البلاغات ” تنبة لضرورة مراقبتي الدائمة، ومنع الزيارات. مضيت ضمن مجموعة أتخفى بينها. وعبر كوّة صغيرة ضيقة حصلت على ديوان أحمد رامي، احتفظتُ به لأسبوع كامل، أقرأه ودموعي تنساب بلطفٍ فرحاً بالكتاب والقراءة..وبالشعر الذي لم أكن أهوى فيه غناء أم كلثوم. لكأنني عثرتُ على كنزٍ جديد، فقد كان الحرمان والعذاب واللوعة، صورتي التي تنضح بها أشعار رامي.
    الكتاب التالي هو الجزء الثاني من الأعمال الكاملة لأدونيس، طبعة دار العودة التي يمكن تمييزها ببساطة عن غيرها من الكتب، فكنت أشير إليها لموظف المكتبة من بعيد.
    منتصف الليل أغارت علينا قوات التدخل السريع، بعد مقتل سجين بسبب مشاجرة دامية. كنت أدفن وجهي في الكتاب والضوء شحيح. خلال دقائق كنّا شبه عراة نزحف تحت المطر، وديوان أدونيس، يركله الشرطي بعيداً في المهجع. ومع خيوط الصباح الأولى كنتُ أكتبُ على الغلاف الداخلي الأخير: ” يباغتُ الجندُ النيامَ، كالتتار..كالطليان..”.

    واصلت الكتابة سرّاً في الحمّام لعدّة أشهر، ثم أخذت أجمعها على صفحات، بعد أن حصلت على سبع أوراق كاملة، قدّمها لي أحد السجناء. فتدبرت أمر تهريبها كرسائل، عبر أحدهم، لأكتشف بمرور الوقت أنها كانت تصل الى البيت بعد مرورها الى جهاز المخابرات، فتوقفتُ عن الإرسال، حتى حُكمت بالسجن المؤبد..!
    مضى عام حين وصلني أول كتاب من خارج السجن، كان رواية ” موبي ديك ” لـ هيرمان ملفل، أرسله لي صديق كاتب وصحافي شجاع، وكنتُ قبلها بأسبوع قد غامرتُ بإدخال كتابي الشعري ” أوراق المطر “، عبر شبّاك الزيارات مدسوساً بين الألبسة الداخلية، فوقع بين يدي ضابط شاب حديث التخرج، أدهشه أن أكون السجين المؤلف، فمرره لي شريطة أن يبقى لديه حتى الصباح. صار هذا الضابط نافذتي إلى العالم، يهرّب لي كتباً وجرائد، فيما أكتب له قصائد الغرام لصديقته.
    تدبرتُ سطلاً صغيراً أُخبئ فيه كتبي وأوراقي، وهو مقعدي في الساحة وقت القراءة. ومع توفر كتب جديدة، تراجعت قراءتي للكتاب الوحيد الذي لازمني منذ اليوم الثالث للإعتقال: القرآن الكريم الذي ختمته أكثر من مئة مرّة. أما الجرائد، فغالبا ماكنت أحتفظ بها، وأعيرها للسجناء فتنام كل ليلة في غرفة للقراءة..إلى أن بدأت المواجهات مع ادارة السجن فصرتُ أعلّم السجناء حقوقهم، وألصق بمعجون الأسنان ورقات الجريدة على الحائط..إمعاناً في التمرد والتحدي.
    صار لي سرير..أخيراً نقلتُ فراشي من المستطيل المحاذي للحمامات، إلى صدر الغرفة. أضحى بيتي، مكتبتي وفضائي اللامحدود لأحلامي. كنت أجعل من بعض الثياب ستاراً يحجب بعضاً مني كي أكتب خفيةً. وشيئاً..فشيئاً لم يعد الحذر ملازماً لي، وطردتُ الخوف من داخلي..فما عدتُ أخاف أحداً أو شيئاً. صداقتي لزعماء القسم، منحتني فرصة كي أصنع هالةَ ” مثقف ” لنفسي. ما مكنني أن أتحدث باسم الجميع عن مطالباتنا، أمام الإدارة التي ترتاب من حضوري..ومعرفتي للحقوق والواجبات بشكل رئيس.
    اغتنمتُ ذلك في الكتابة، فكنت أكتب مقالاً وأهرّبه، ثم يُنشر باسم مستعار، بمساعدة أصدقاء. نشرتُ في الصحافة المحلية والعربية، منها جريدة الوطن القطرية، التي نشرت عدّة مقالات..قبل أن تكتشف المخابرات ذلك..فحاصرتني.

    شتاء 2011 اقتطفتُ حريتي عنوةً من سجاني، خرجتُ وقد هزمته مرات عديدة، على الرغم من التعذيب، العذاب والحرمان والألم، هزمت سجاني بالقراءة والكتابة المتواصلين، لما يزيد عن 500 كتاب. واستطعت خلالها كتابة رواية ” سراب بريّ” حول الاعتقال والسجن..تجربتي أنا، وجزءاً من روايةٍ أخرى حول المستبد ” الساطر”، وعشرات النصوص الشعرية، والقصصية، والمقالات. قمت بتهريبها ورقة ..ورقة. ولا زلت أحتفظ بجزء كبير منها على الرغم من احتراق المكتبة بقذيفة هاون، والاعتقالات اللاحقة.
    الكتابة والقراءة، هي التي حققت لروحي سلامها..توازناً في مهب الخوف والقلق، في أوقاتٍ وأمكنة صعبة ومرّة، مكنتني من اجتياز أقسى اختبارات الحياة: السجن!
    ___________
    * كاتب سوري
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    لسان الدين ابن الخطيب

    َبَعُدنا وإنْ جاوَرَتْنا البُيوتْ = وجِئْنا بــوَعْظٍ ونَحْنُ صُموتْ
    وأنْفاسُــنا سَكَتَتْ دَفْعَةً = كَجَهْرِ الصّــــــلاةِ تَـــلاهُ القُــنوتْ
    وكُنّا عِظاماً فصِرْنا عِظاماً = وكُــنّا نَـقوتُ فَها نحْــنُ قوتْ
    وكنا شموس سماء العلى = غربن فناحــت عليها الـــبيوت
    فكمْ جَدّلَتْ ذا الحُسامِ الظُّبى = وذا البَخْتِ كم خَذلَتْهُ البُخوتْ
    وكمْ سِيقَ للقَبْرِ في خِرْقَةٍ = فَتىً مُلِئَتْ منْ كُساهُ التّخــــوتْ
    فقُلْ للعِدا ذَهَبَ ابْنُ الخَطيبِ = وفاتَ ومَنْ ذا الذي لا يَفـوتْ
    فمَنْ كانَ يَشمت منْكُمْ لهُ = فـقُــلْ يَشمت اليومَ منْ لا يَـــمـوتْ

    "لسان الدين ابن الخطيب"
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    قصة الشاعر الإسباني الذي سجنه فرانكو في مدينة الداخلة المغربية
    علي بونوا *


    بيدرو غارسيا كابريرا (1905-1981) شاعر إسباني من جزر الكناري، قاده نشاطه السياسي في إطار الجمهورية الإسبانية الثانية _التي قامت ما بين 1931 و 1939_ إلى معتقل مدينة الداخلة بالصحراء المغربية، في عهد الاستعمار الإسباني وتسمى آنذاك “بِيَّا ثيسنيروس”. وكانت إسبانيا تتخذ منها معتقلا ومنفى تنقل إليه المعارضين السياسيين خصوصا بعد الانقلاب العسكري الذي قاده أربعة من قادة الجيش الوطني ضد الجمهورية وكان سببا مباشرا في اندلاع حرب أهلية دامت ثلاث سنوات (1936-1939) وانتهت بانتصار الوطنيين على الجمهوريين لتدخل إسبانيا في مرحلة الحكم الديكتاتوري برئاسة الجنرال فرانكو.
    بعد سقوط الجمهورية الثانية، التي كانت مساندة من طرف المثقفين وشريحة واسعة من مشاهير الكتاب والمبدعين الإسبان، لجأ نظام فرانكو الفاشي إلى شن حملة اعتقالات واسعة في صفوف معارضيه، منهم من تم اغتياله أو اعتقاله ومنهم من تم نفيه إلى السجون في المستعمرات الإسبانية في إفريقيا. وكان ذلك شأن الشاعر بيدرو غارسيا كابريرا الذي قُبض عليه في يوم 18 يوليوز 1936 رفقة مجموعة من النشطاء الجمهوريين واقتيادهم، في مرحلة أولى، إلى سجن عائم ثم إلى إحدى المعتقلات بجزيرة “كناريا الكبرى” ليتقرر أخيرا، شهرا بعد ذلك، نفيهم إلى معتقل الداخلة وسط شبه جزيرة وادي الذهب.
    ALI_BOUNOUA
    وفي يوم 19 غشت (1936)، وهو يوم ذكرى ميلاد غارسيا كابريرا، تم نقل 37 معتقلا سياسيا إلى المعسكرات الإسبانية في الصحراء، ثمانية منهم نقلوا إلى مستعمرة “لكويرة” بينما نُقل الباقون، وبينهم غارسيا كابريرا، إلى الحصن القديم بمدينة “الداخلة”، _بناه المستعمر الإسباني سنة 1884_ حيث وصلوا إليه في مركب لنقل البريد كان يسمى “بـييرا إي كلابيخو”. بعد سبعة أشهر من مرارة الاعتقال قضاها في سجن “بِيَّا ثيسنيروس” لم تخلُ من أعمال شاقة وأخرى شعرية تحكي هذه التجربة، استطاع الشاعر الكناري أن يُعد بمعية عدد من رفاقه السجناء وبمساعدة بعض الجنود الإسبان، خطة محكمة مكنتهم من السيطرة على الحصن ومن تم الهروب الجماعي _على متن ذات المركب الذي جاء بهم_ ليلة 28 مارس 1937 نحو العاصمة السنغالية “داكار”.
    لم يمر وقت طويل على وصول الشاعر إلى “داكار” حتى قرر أن يغادرها على متن إحدى البواخر الأجنبية الآتية من أمريكا والمتوجهة نحو أوروبا. وصل شاعرنا إلى ميناء مدينة “مارسيليا” الفرنسية، ومن هذه الأخيرة دخل، عبر القطار، إلى بلاده لينضم إلى صفوف الجيش الجمهوري الذي فتح عدة جبهات للقتال ضد الوطنيين. واختار غارسيا كابريرا دخول جبهة القتال جنوبا من “أندلوسيا” واندرج في خدمة الاستخبارات العسكرية. وذات ليلة، أثناء القيام بمهمة، تعرضت سيارته لحادثة اصطدام مع قطار أصيب خلالها بحروق بليغة نُقل على إثرها إلى مستشفى بمدينة “خاين” ثم بعدها إلى “باثا” بنواحي “غرناطة”. وهنالك تم القبض عليه مجددا وحُكم عليه بالسجن لمدة 30 سنة. وتم إطلاق سراحه سنة 1946 بعد عفو جزئي يمنحه الحرية مع دوام المراقبة.
    صورة تاريخية - الحصن القديم لمدينة الداخلة
    ويُعتبر بيدرو غارسيا كابريرا من أهم رموز الأدب الإسباني في جزر الكناري، خصوصا وأنه كان ينتمي لأدباء “جيل 27” أشهر المجموعات الأدبية في الأدب الإسباني المعاصر. وله 20 ديوانا شعريا ألفها على مدى خمسين عاما من الإنتاج الأدبي إضافة إلى عديد النصوص الروائية والدرامية والمقالات الأدبية والنقدية والفكرية والسياسية المنشورة في الجرائد والمجلات المحلية. في 1987، وبعد ست سنوات من وفاته، جمعت مصلحة الثقافة في الحكومة الكنارية المستقلة كل أعماله وأصدرتها في كتاب، من أربعة مجلدات، تجمع فيها ما تفرق في غيرها من إبداعات الشاعر التي لم ير أغلبها النور إلا بعد هذا الإصدار لأعماله الكاملة.
    لقد ترك الاعتقال والنفي إلى الصحراء أثرا بارزا في شعر غارسيا كابريرا بصم مسيرته الأدبية. ويتجلى ذلك في تخصيصه لخمسة دواوين شعرية كاملة لتناول مواضيع السجون والنفي والهروب من الصحراء والحرب بما حملته التجربة من مشاعر وتأملات وكوابيس وهواجس وكل تلك اللحظات المريرة في حصن شبه جزيرة وادي الذهب، طيلة سبعة أشهر، بعيدا عن مسرح الأحداث الساخنة التي كانت تمور بها الضفة الشرقية لشبه الجزيرة الأيبيرية ومعها الأرخبيل الكناري. ولعل الديوان المعنون بـ (Romancero cautivo) أو “الديوان الأسير” أحسن انموذج من بين الدواوين الشعرية الخمسة المذكورة آنفا، والذي يظهر موضوعه من اسمه، وخلد من خلاله مروره من الداخلة ووادي الذهب عبر قصيدة طويلة صدر بها هذا الكتاب.
    ويتكون “الديوان الأسير”، الذي ألفه الشاعر بين سنتي 1936 و1940، من ثلاث مجموعات قصائد شعرية. كتب الاثنتان الأخيرتان منها خلال تواجده بسجون غرناطة، موطن أعظم شاعر في القرن العشرين، بشهادة كثير من النقاد والأدباء عبر العالم، الشاعر الإسباني الآخر فيديريكو غارسيا لوركا، مؤلف (Romancero gitano) أو “الديوان الغجري”. هذا الديوان أثر بعمق، من حيث الشكل والأسلوب، في شعر غارسيا كابريرا بحكم انتماء الشاعرين معا لمجموعة أدباء “جيل 27” المعتنقين لنفس التيار الفكري – السياسي. وللتذكير فإن لوركا كان جمهوريا أيضا وتم إعدامه رميا بالرصاص على يد الوطنيين عام 1936 وعمره لم يتجاوز 38 سنة.
    وفي “الديوان الأسير” تناول غارسيا كابريرا موضوع اعتقاله بالصحراء في المجموعة الأولى من القصائد الشعرية المشكلة للديوان وقوامها 684 بيتا شعريا توزعت على أربعة أجزاء. وتتكون الأجزاء الثلاثة الأولى من ما مجموعه 606 بيتا كتبها وسط معتقل الداخلة، بحيث كان ينظم أبيات الشعر ويدونها على أوراق السجائر بقلم رصاص وكان يخبئها في جيبه، طيلة مدة اعتقاله، مستعملا تلك الحيلة حتى لا يحرمه الحراس من كتابة وتدوين قصائده التي ستصبح لاحقا وثيقة تاريخية ، في قالب أدبي، سجلت مروره من الصحراء المغربية ليصبح بعد سنوات أحد رموز الأدب الإسباني الحديث بجزر الكناري. أما الجزء الرابع والأخير من القصيدة، وعدد أبياته 78، فقد كتبه بعد هروبه من المعتقل عبر خليج وادي الذهب لدى وصوله للسنيغال.
    وللإشارة فإن الحصن القديم الذي شيده الإسبان منذ سنة 1884 على الطراز المعماري العسكري القشتالي، وهو أقدم بناية أنشأها الاستعمار الإسباني بالصحراء المغربية، وكان مسرحا لما عاشه الشاعر الإسباني بيدرو غارسيا كابريرا من مرارة الحرية المسلوبة، (الحصن) لم يعد له وجود بمدينة الداخلة بعد أن قررت السلطات المغربية هدمه في أواخر سنة 2004 _بعد 120 عاما من بنائه_ وأقامت مكانه ساحة عمومية ينتصب في إحدى جنباتها مجسم لشبه جزيرة الداخلة. وكم من زائر مر من هذه الساحة الفسيحة فجلس في أحد مقاعدها وهو لم يدر أنها كانت في يوم من الأيام مقاما لحصن عتيق ضم بين جدرانه رمزا من رموز الأدب الإسباني المعاصر الذي استقبلته هذه المدينة الصحراوية ليس كمستعمر أو سائح بل أسيرا منفيا خلد مقامه فيها بعمل شعري سيبقى خالدا في الذاكرة الأدبية العالمية المشتركة… فلو سقطت جدران الحصن يوما، لن تسقط أبيات الشعر أبدا.
    Pedro-Garcia-Cabrera-171206
    وفي الختام نورد ترجمة الأبيات الأولى من القصيدة التي كتبها الشاعر بيدرو غارسيا كابريرا على أرض مدينة الداخلة:
    كَانَت السَّماءُ صافِيةً والبَحْرُ راقِداً
    إِذْ خَرَجَ مِنَ السُّجُونِ العائِمَةِ
    لِجَزيرَةِ «تِنِيريفي»
    سَبعَةٌ وَثَلاثونَ مُبْعَداً
    فِي اليَوْمِ التّاسِعِ عَشَر مِن أَغُسْطُس
    يَوْمَ ذِكْرَى مِيلادِي.
    كَانَتْ أَضْوَاءُ الحُزْنِ وَالأَرْضِ
    وَالمَدِينَةِ وَالمَراكِبِ
    باسِطَةً أَذْرُعَها الطَّويلَةَ
    عَبْرَ الهَواءِ وَفَوْقَ المَاء.
    فِي وَسَطِ الخَلِيجِ
    حَضَرَ نَقْلَنَا إِلَى مَرْكَبٍ جَدِيدٍ
    قَمَرُ الكآبَةِ
    وَفَيْلَقٌ مِنَ الجُنُودِ.
    عَلَى مَتْنِ مَرْكَبِ “بْيِيرَا”
    وَاحِداً تِلْوَ الآخَر، حُبِسْنَا
    بَيْنَ نَهْرٍ مِنَ البَنَادِقِ
    وَغَابَةٍ مِنَ القَلَقِ،
    فِي الطَّرِيقِ إِلَى “وَادِي الذَّهَب”
    نَحْوَ “لاَسْ بَالْماسْ” أَبْحَرْنا.
    خَلْفَنا بَقِيَت العَائِلَة،
    وَبَقِيَ الحُبُّ المَكْشُوفُ عَنْه.
    يَا سَطْحَ مَنْزِلِي
    وَيا زُقَاقَ حَيِّي الزّاهِي
    إِذا سَأَلَتْ عَنِّي الرِّيَاحُ
    فَقُولُوا أَنِّي قَدْ نُفِيت.
    _________________
    *مترجم وأستاذ باحث في الأدب الإسباني
    - ثقافات
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة