1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ما هي قصائد الهايكو؟ بقلم أ/ عباس باني المالكي

الموضوع في 'مفاهيم نقدية' بواسطة أحلام المصري, بتاريخ ‏5/8/14.

  1. أحلام المصري

    أحلام المصري شجرة الدر/ مشرفة قصيدة النثر

    ما هي قصائد الهايكو؟
    بقلم أ/ عباس باني المالكي
    (منقول)...

    يعد الهايكو واحد من أهم أشكال كتابة في الشعر الياباني.وربما أختلط على البعض مصطلحات Haiku, Hokku , Haikai
    فـ(هوكو) حرفياً تعني مستهل القصيدة و بدايتها,أما إذا كان المستهل أطول يسمى حينها بال (هايكا)و يتكون من خمسة وسبعة مقاطع في ثلاثة أسطر تشكل قصيدة قصيرة تمثل لحظة التنوير التي تسمى «ساتوري»لدى اليابانيين .

    و الفرق أن الهوكو يؤسس لنغمة باقي القصيدة كما ومن الممكن للشاعر أن يكتب (هوكو) فقط دون إكمال القصيدة، ويرجع تأريخ الهايكو الحديث الى عام 1892م بظهور قصائد الشاعر( سيكو شايكي ) وقد بدأ القارئ العربي ، والمثقف بخاصة ، بالتعرف على أنماط الشعر الياباني وتقاليده الموروثة منذ وقت قريب لا يتجاوز العقدين تقريباً.

    ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى المناخ الروحي الذي تنبع منه ثقافة أهم شعراء الهايكو الكلاسيكيين ومعظمهم من الرهبان، أما موضوعاتها فان أشهر قصائد الهايكو تحكي عن تفاصيل و حالات يومية لكن من زاوية جديدة تجعل الحالة المألوفة جديدة تماما على المتلقي. تتكون قصيدة الهايكو من جزأين , و يكون بينهما حيز خيالي يترك للمتلقي فرصة للولوج للقصيدة . كما ويبدو استقلال المقطعين الى حد ما عن بعضهما البعض من ناحية الشكل و أن يكونا متصلين من حيث المعنى بحيث يغذي كل الواحد فهم الآخر.

    ولعمل هكذا قطع باللغة العربية علينا أن ننهي أحد المقطعين بنقطتي تنصيص( : ) أو بشرطة(-) من الشروط الواجب توافرها في قصيدة الهايكو وجوب احتوائها على( kigo ) وهو كلمة فصلية توضح في أي الفصول كتب الشاعر الهايكو .

    على سبيل المثال (الأزهار) أو (الكرز) تذكر للدلالة على الربيع, (الجليد(للدلالة على الشتاء أو (البعوض) للدلالة على الصيف. لكن الكلمة الفصلية لا تكون مباشرة.

    وكذلك يجب على شاعر الهايكو تجنب التشخيص أو أنسنة الأشياء .

    فالإنسان ليس مركزاللاشياء بل هو خيط في شبكة كلية ،حاله حال بقية الموجودات من تراب ونبات وحيوان ونجوم وسديم
    مثال ذلك :

    *ضفدعة خضراء-
    أجسدك أيضا
    جديد الطلاء?

    *لا أحد يسافر
    هكذا طريق-
    سواي في هذا الخريف

    *أحبت زرقة الياقوت
    كم كان وحيدا
    هذا ألليلك ! ولو تحولنا الى ما كتب المبدع (علي العبودي) لو جدنا إمكانية وضعه تحت هذا النوع من البوح فهو يقول في:

    *طفلة
    هو وطفلته يتحاوران اللعب –
    بمرح بريء ودون شوائب
    فجأة –
    انفجار .

    فهذا المقطع يتكون من احد عشر كلمة موزعة على ثلاثة مقاطع تفصل بينهما شرطة، المقطع الأول (هو وطفلته يتحاوران اللعب) المقطع الثاني (بمرح بريء ودون شوائب) المقطع الثالث( فجأة انفجار) وأنا أرى في تركيب ( دون شوائب) تحقيق لوجود kigo وفيها إحالة الى صفاء الجو ومن ثمة يمكن أن نقول إن هذه الهايكو قد وقعت في الصيف، وان علي العبودي قد عمد الى الفصل بين المقطعين بوضعه شرطة بينهما في الكتابة حتى ليتبادر الى ذهن المتلقي إمكانية الفصل الكتابي بينهما . ولكن وحدة المعنى تتطلب من القارئ دمجهما معا للوصول الى المعنى، وان لحظة التنوير وجدت من خلال كلمة انفجار .

    وبحدوث ذلك الانفجار تحقق تشظي الإنسان وتماهيه مع مكونات الطبيعة الأخرى .

    أما في قصيدة قبلة فقد قسمها الى قسمين أيضا، احتوى القسم الأول منها على ستة كلمات فصلت بينهما نقطتين شارحة بينما ضم القسم الثاني خمس كلمات فهوكي يقبل حبيبته الموجودة في شرفة عالية كان لابد من حل وقد، إعطانا علي ذلك الحل بزراعة شجرة ولعلها تكبر فيتسلقها الى شرفة المعشوقة ويحدث اللقاء فهو يقول : • قبلة

    أراد الوصول الى شرفتها كي يقبلها : زرع شجرة لعلها تكبر ويصل .

    المقطعان ينفصل احدهما عن الآخر كتابياً ويلتقيان ليكتمل المعنى .

    هذه قصائد بحاجة إلى مدخل ، ليس لأنها غامضة ، بل لأن وضوحها الشديد يجعلها كذلك لسببين : الأول ، أنها لا تعلق لها بأنماط الشعر العربي ، التقليدي منها والمحدث ، الموزون والمنثور . والثاني لأنها تحمل رؤيا مختلفة إلى العالم غير ملموسة في الثقافة العربية .

    سبب الأختلاف منبعها الشرقي لا الغربي . والذين اعتادوا على المنبع العربي التقليدي أو المنبع الغربي التقليدي الذي طبع بطوابعه الشعر العربي الحديث ، سيجدون في هذه القصائد ما لا يفهمون . فهي تتجنب الأساسيات العزيزة للجمال الشعري المألوف : التشبيه والمجاز وتجريد الملموس وتجسيد المجرد ، وتتمسك بتسمية الموضوع (موضوع الخبرة) مباشرة . وهي تتجنب التشخيص أو أنسنة الأشياء . فالإنسان ليس مركزا بل هو خيط في شبكة كلية ، وكذلك بقية الموجودات من تراب ونبات وحيوان ونجوم وسديم .

    يتأتي هذا التجنب من حاجة الفنان ، والشاعر فنان ، إلى الإدراك في حدوده القصوى ، وإلى أن يجسد تجربته الفريدة هذه في شكل ملموس ؛ التجربة وحدها . لا شيء يشبه شيئا في لحظة ادراك قصوى .

    يمكن القول ان الأسلوب هو تشذيب الأداة إلى أدنى حد ممكن بحيث لايقف إلا الأقل من الكلمات والشروح بين القارئ والتجربة . والنتيجة هي قصيدة عارية لا يتدخل فيها شيء بين الشاعر وموضوعه . المجاز تدخل والتشبيه احتيال . الغاية هي التجسيد بحيث يظهر موضوع الخبرة بذاته الفذة من دون حاجة إلى إشارة إلى شيء آخر غير ذاته . وحيث يستعصي التعبير أمام الخبرة التي لاسابق لها ، وهو عصي بالطبيعة في مثل هذا الموقف الصوفي (ذروة الموقف الفني من الوجود) ، يلجأ النظامون إلى المجاز والتشبيه وكل القوالب المتداولة .

    هذا النمط الشعري تعرفه الثقافة اليابانية تحت عنوان " قصيدة الهايكو " ، وله في تلك الثقافة شروطه وانتصاراته وهزائمه ، وله امتداد لا يعرفه الكثيرون عندنا في اللغات الأسبانية والهنغارية والإنجليزية والألمانية ولغات أخرى . ولكن ما هو مأخوذ هنا في هذه المجموعة هو جوهر فكرة الهايكو : اللحظة الجمالية ، أي لحظة الاستنارة التي تأتي بعد الأضطراب والتمزق وانقسام الوجود إلى ذات وموضوع (بدهيات الفكر اليوناني الذي يلقي ظله منذ أكثر من ألف عام على الفكر الإنساني) . اللحظة التي يشرق فيها نور اكتشاف الإنسان لكينونته العميقة في هذا الكون .

    الهايكو اليابانية شكل من أشكال هذه اللحظة الجمالية . شكل دال على فلسفة رؤيا معينة يندرج في سبعة عشر مقطعا تتوزع على ثلاثة سطور : خمسة مقاطع ، سبعة مقاطع ، خمسة مقاطع . ومدة ترتيلها لا تتجاوز مدّة النفس الواحد . ولكن لاضرورة تتطلب ابتكار نمط مواز لهذا الشكل الياباني في العربية . فوحدة الوزن العربية هي التفعيلة لا المقطع . كما أن إعطاء اللحظة الجمالية طابعا مميزا يعاكس تنميط الأشكال وينسجم مع جعل الشكل مفتوحا ، مع الحفاظ على شكل أقصر يجسد لحظة الحدس المباشر .

    هنا في هذه القصائد يمكن الأحساس بنوعين من الايقاع : الايقاع الخارجي المعتاد في الشعر العربي (المتحرك والساكن) ، والايقاع الداخلي المعتمد على تدفق الصور ، والذي يتبع نظام الجملة الموسيقية الحرة . في الايقاع الخارجي ابتعاد عن نمط شعر التفعيلة ، ومزج تفاعيل من بحور مختلفة في الهايكو الواحدة . قد يبدا السطر ، وليس البيت ، بتفعيلة الرجز ، تتلوها تفعيلة الرمل ، ثم يبدأ سطر بتفعيلة الخبب ... وهكذا . المعيار هنا هو الإحساس بالتدفق الداخلي . مثلا قد تبدأ القصيدة بايقاع بطيء تقوده تفعيلة الكامل ، وقد تنتهي بتفعيلة الخبب للإيحاء بالتسارع .

    صحيح أن المزج كان أسلوبا اتبعه بعض النظامين في الثلاثينات ، إلا أنه كان مزجا محكوما بالموت لأنه اعتمد مزج البحور لا التفاعيل ولا دقائق الأوتاد والأسباب . فكان مزجا خارجيا بين قوالب لا مزجا داخليا بين عناصر . مزج العناصر هو كيمياء اللغة لا مزج القوالب . وهذا هو ما يميز القصيدة القصيرة الحرة هنا حين تعتمد مزج العناصر . إنه أكثر جدة ، فهو يخرج على نظام الشطرين ونظام التفعيلة المكرورة رغم عللها وزحافاتها .

    هناك أمر آخر تلتفت إليه الهايكو هنا ، وهو إعطاء أهمية لجرس الألفاظ وحركات الإعراب والميزان الصرفي ، فلكل هذه الجوانب دلالات شعورية في لغتنا العربية ، ويمكن أن نجد اعتناءً بها في الموروث البلاغي أهملته قطعان النقاد والشعراء المحدثين رعونة أو جهلا ، وتمسكت به ذائقة البسطاء من الناس . وربما يفسر هذا الأهمال الحنين الذي لاينضب إلى الشعر التقليدي في أوساط عامة الناس : إنهم يفتقدون في الشعر الحديث ليس المألوف فقط بل وما هو جوهري في اللغة بوصفها فنا ممتعا لا مجرد كلمات ومعان في سطور .

    المنبع الثاني لهذه القصائد يأتي من مفاهيم المدرسة الألسنية في النقد المعاصر وتنوعاتها ، وبخاصة في تشديدها على العلاقة الاعتباطية بين الكلمة والموضوع ، والتمييز بين اللسان والكلام أي بين قواعد اللغة وبين اللغة في الأداء . ويأتي أيضا من فكرة ما بعد - حداثية ، إن الفكر ليس مرآة الطبيعة (ريتشارد رورتي) . ما يعنيه كل هذا أن العلاقة ملتبسة وغامضة جوهرا لا عرضا ، وأن الوجود الحق أو الكينونة العميقة بتعبير "هيدغر" منطقة بين الحضور والغياب ، ما بين الخيط الأسود والأبيض . هي الوجود عاريا من الأسماء كما تنظر إليه عين طفل أو فنان في ليل الوجود قبل أن تتخذ الأشياء أسماء . لا حد للرؤيا ولا صيغة نهائية ، بل ابتكار متواصل للحضور ، لا تفسير ولا تحليل في الفن ، بل إشارة إلى ما ينبثق انبثاقا ، وحيث للصمت ثقل الكلام ذاته.

    يسمون هذا المابين أحيانا فراغا أو خواء حيا أو فضاء أو صمتا بليغا مأهولا بالمعنى ولا معنى ومأهولا بالصوت ولا صوت ، كأن الشاعر رسام الفراغ ذاته ، أو صانع فخار علينا أن ندرك أن آنيته التي يصنع هي الفراغ بين جدرانها . الكلمات ليست كل شيء في القصيدة : هي كتلة الطين وما تحتويه من فراغ هو القصيدة .

    وأخيرا ، يأتي منبع هذه القصائد الثالث من اللغة البصرية ، لغة العين واللمس والسماع أو الحواس كلها ، لغة الحضور لا كما انعكس في لغة الذاهبين والحاضرين بل وكما سينعكس في لغة القادمين : لغة مفتوحة بلا يقين . يأتي الشاعر الوجود مواربة بلا يقينيات (اليقين هو اللحظة التي يتحجر فيها كل شيء) ويحوله إلى احتمال وجود ، أي أغنية . ومن الأفضل أن لا يستعير السؤال الأبله عما تعنيه الأغنية ، لأنها تحضر بكل بساطة مثلما يحضر طيران الطير والموج ويمر النسيم (ويتمان).

    هذا هو الموقف الذي يسمونه الأستـنارة . ليس الحكمة بالطبع ، بل جذرها الحي حين يندمج المشاهد بموضوع المشاهدة بلا غاية سوى الاندماج ذاته . لا تعليق هنا ولا تفسير حين يثيرنا الجميل ، إننا نرسمه فقط . هل يمكن صب طوفان من المشاعر في مساحة بوصة على الورق ؟ هل يمكن أسر السماء والأرض في قفص الشكل؟ كان هذا سؤال الصيني "لوتشي" ومازال سؤال الشاعر .
    ومن الجدير إضافة..


    * التاريخ

    إن الـ"هايكو" ينحدر من نوع آخر من الشعر القديم (القرن الـ8 م) الـ"رنغا"، وهو أكثر رونقا وإرهافا من الأول. انتشر في البداية بين الأوساط المثقفة، وكانت أصول هذا الفن تعود إلى مباراة شعرية يقوم فيها شخص ما بإلقاء البيت الأول (أو "هوكو")، ويتشكل من سبعة عشر مقطعا صوتيا (5-7-5)، على أن يقوم الباقون بتكملته ببيت ثان وهكذا.

    منذ القرن الـ17 م وحتى الـ18 م، طور أصحابه ألفاظ ومعان جديدة. أصبح فنا حقيقيا متميزا يضفي جوا من الظرافة على مجالس أهل الأدب ("هائيكائي نو "رنغا" أو (شعر الترفيه)، ثم انتشر بين أوساط طبقات المجتمع. منذ انتشاره بين عامة الشعب، بدأ يفقد قيمته الشعرية، ثم أسقطت الأبيات الثانوية، واختصر إلى بيت واحد أساسي (هائيكائي نو هوكو). وكلمة "هايكو" أو "هائيكو" هي اختصار لـ"هائيكائي نو هوكو".


    * الأعلام

    ازدهر الـ"هايكو" في مرحلته الأولى في القرن الـ17 م، بفضل "باشو"، المعلم الأول لهذا الفن بلا منازع. يشكل كل من الشاعر والرسام "بوسون" (1716-1783 م)، "ماسا-أوكا شيكي" (1867-1902 م) و"ناتسومي سوسيكي" أعمدة هذه الفن. لازال تعاطي هذا الشعر شائعا في أيامنا هذه، ويحتل مكانة متميزة في الأدب الياباني. كان الـ"هايكو" سببا في ظهور "الصورية" وهي حركة شعرية أنجلو-أمريكية راجت في أوائل القرن العشرين (الـ20 م)، كما أثر في العديد من الأعمال الأدبية الغربية الأخرى.


    * التركيب

    يقوم شاعر الـ"هايكو" وعن طريق ألفاظ بسيطة بعيدة عن التأنق بوصف الحدث أو المنظر بعفوية ومن دون تدبر أو تفكيرا، تماما كما يفعل الطفل الصغير:


    وَبَلٌ في الصيف
    المطر يهطل
    على رؤوس أسماك الشبوط


    (شيكي)


    يأخذ الشاعر الحاذق الأحاسيس، المشاعر والانطباعات المتدفقة ويعرف كيف يصبها في قالب من سبعة عشر لفظا:

    أُصبع البَنَّاء
    المجروح
    وزهور الآزاليا الحمراء

    (بوسون)


    تنطلق الألفاظ بطريقة عفوية وآنية، تعطي صورة تكون محسوسة، عناصرها مترابطة، فكل منها تقاسم للتو لحظة من حياته مع الآخر:

    تغوص روحي في الماء
    ثم تطفو
    مع طائر الغاق

    (أونيتسورا)


    وهذا مثال آخر

    صفصاف أخضر
    تتقاطر أغصانه على الطمي
    أثناء الجزر

    (باشو)



    مندلينة

    شجرة المندلينة
    تطفح فوق أوراقها الخضراء
    أزهارها الثلجية

    أرجوان

    الأرجوان
    والندى
    في هدأة الصباح


    حبيبتي

    حبيبتي
    تفاحة
    في نداوة الصباح


    رمان

    شجيرة الرمان
    ظل أخضر
    زهرة .. أو زهرتان


    ليل

    هي كان السوسن
    هل كان النرجس
    هل كان ليل عينيك ؟


    ظل

    في ضباب الأرجوان
    ظل
    وجسد


    صباح

    صباح وكمثرى
    كم مر سريعاً هذا الليل !


    حديث

    أسمع همساً
    قطرات من ندى
    بتلات حمراء



    فينيسيا

    من النوافذ المضاءة
    في آخر العتمة
    تأتي ضجة أقداح النبيذ


    نوار

    تحت زذاذ خفيف
    يلتمع النوار
    في هذه البرية الشاسعة


    صوفيا

    يا لهذا الليل
    يأتي هادئاً
    نحو أوراق الخريف !


    كلمات

    تمتزج الكلمات برنات الأقداح
    ولمس الأيدي
    تتموج في عمق الليل



    ذكرى

    صباح .. وغيم خفيف ..
    ربما ... يتناثر
    زهر الرمان


    بوكنفيليا

    ذات مساء في حديقتها
    تهمس البوكنفيليا
    مثقلة بأزهارها الحمراء
    بحر

    يهدأ البحر
    عميقاً
    تحت طوفان النجوم


    طفلة

    هذه الطفلة
    تهرع صاعدة
    سلالم قلبي


    بتولا

    خفيفة أوراق البتولا البيضاء
    تتساقط
    في النهر المعتم


    نسيم

    يهب النسيم خفيفاً
    على العشب
    ذات مساء



    سحابة

    فوق أشجار التفاح
    تمر عالياً
    غيوم بيضاء


    أزرق

    أحبت زرقة الياقوت
    كم كان وحيداً
    هذا الليلك !



    خريف

    ذات خريف
    بين الأشجار
    أسمع ضحكات الأطفال



    ثلج

    ناعم الثلج
    يحنى بلطف
    هذه النرجسة



    قيثار

    أكان ذلك رنين قيثار
    وراء الليل
    والأشجار ؟



    في الضباب

    ترتطم الأقدام بالحصى ..
    هناك من يمضي وحيداً
    في الضباب


    حارسة الليل

    في ضباب الفجر تصغي
    حين يستيقظ لغط الناس
    وسكون الأمكنة


    دفلى

    تحت نافذتي
    حيث تهب الريح
    تتمايل أشجار الدفلى



    حديث

    أمكنة مضاءة
    أمكنة غارقة في العتمة
    ربما ظلت تواصل الحديث


    البط البري

    في الطريق إلى التل كنا
    نشاهد
    أسراب البط البيضاء



    ظنون

    ما ظننته وقع أقدامها
    على الطريق
    كان خفقان قلبي


    روما

    نبيذ .. صخب ..
    في تلك الظهيرة
    لم نقل حتى .. وداعاً !



    طريق

    ليل
    وعطر حديقة
    ونغمة ماندولين


    جاردينيا

    أتساءل ..
    في أي حدائق مهجورة
    تتساقط الآن زهور الجاردينيا ؟



    دوري

    حول النافورة
    في الظلال
    تتصايح أسراب الدوري


    ما غنوليا

    آه .. في الظل
    تحت نافذتي
    كانت تتفتح أزهار الماغنوليا !


    دفلى

    كم هي وحيدة
    هذه الدفلى في باحة البيت
    حيث يتساقط المطر !

    أسراب

    أسراب نحل تلك
    أم نوارها
    بين الظلال ؟

    سدرة

    وحدها في الظهيرة
    سدرة البيت تلقى الظلال
    على الباحة الخاوية


    حين أراك

    أتساءل حين أراك
    الا تزهر أشجار البرقوق
    في مطر الربيع ؟


    تشكيل

    قدح أزرق
    وجه حجري
    عينان مسبلتان !


    بيضاء

    عصافير بيضاء
    تحاول إيقاظ العتمة
    بين أغصان الصفصاف



    حديقتها

    يمنحنى الليل شذى
    حديقتها
    وكل ليل !


    أندلسيا

    تتغلغل لاهبة
    شقائق النعمان
    في الخضرة الداكنة


    جسدان

    جسدان أخرسان
    في
    عمق الليل



    كاميليا

    مطر .. شباك ..
    تحت الإفريز المعتم
    كاميليا مرتعشة !


    أسماء

    من يسأل
    الوردة
    عن أسمائها ؟


    شفاه

    أوائل الفجر ..
    شفاه عذبة
    تواصل الحديث



    مساء

    مساء .. أزهار بيضاء ..
    موسيقى
    دامعة في هذا التيه !


    نساء رينوار

    ضباب الكرز
    رفيف المياه
    ولمسة نور في بياض الحجر


    ربما

    ظل
    ونور بين أشجار التفاح
    ربما تلتمع الأبدية !


    كنيسة سان بيترو

    من الشرفة الدائرية
    يطل مائة قديس حجري
    على النافورة الصامتة





    كلمات

    أحياناً تترك لي كلمات
    ينحتها
    الصمت


    ديقة

    أشجارها
    ظلال
    في مرآة !


    صمت

    عصفور وحيد
    في الظل يشرب ماءً
    وأنا متكئ على صمتي


    عتمة

    الليل نفسه
    والندى والحديث ..
    يا للعتمة الفاحمة !


    كستناء

    يا لهذا النحيب الطويل !
    واحدة بعد أخرى
    تتساقط أوراق الكستناء !


    خطوات

    هذه الخطوات
    غمغمة
    على أوتار قيثار بعيد


    خيمة

    يتناول ضيفي كأسه
    ظله يحرسه
    على ستار الخيمة


    مطر

    ما الذي
    يبكيك
    أيها المطر ؟


    أنا والليل

    أنا والليل والنجوم
    والسكر
    يأخذ مني كل مأخذ !


    بلبل

    أسمع أغنية تغرق
    في حجر الليل
    يا لهذا البلبل العابث !

    سيتار

    أسمع السيتار
    في الليالي الموحشة
    وأفكر بالمشنوقين على الأشجار


    من روائع الهايكو الياباني

    1

    أصبح الجو قارسا بعض الشيء

    لا حَشَرة

    تقترب من الفانوس


    2

    وَحدةٌ

    أفرِّج أصابعي الخمسة

    عَلّي أرى


    3

    معبد الجبل.

    الناقوس، عند انبلاج الفجر،

    يُشَتِّت الغربان!


    4

    بَرْدُ المساء

    يحسُّ به قبْلي

    تُوَيْجُ الزّنبقة


    5

    بَغتةًً،

    في سماء الخريف، ها هُوَ ذا

    جبل فوجي!


    6

    ها هو ذا الوابل !

    جُنَّتِ

    المراكب الصغيرة


    7

    لا يبدو أنه يتحرَّك.

    ومع ذلك يخدم بجهدٍ

    حقلَه، الفَلاّح! ُ


    8

    من ذا تُسَوِّلُ له نفسُه النظر إلى

    زهرة الجزر البري

    وقتَ إزهار الكرز


    9

    فوق قبّعتي

    أحسب الثلج خفيفا

    لأنه لي


    10

    النشال

    انتشل مني كل شيء، سوى

    القمر الذي كان عند شرفتي


    11


    هذا الخريف

    لا طفلَ لَدَيّ في حِجْري

    لأتأمل القمر.


    12


    زهرةٌ سقطتْ

    تصعدُ إلى غُصْنها

    لا، إنها فراشة!


    13

    أسندُ الإنسان

    الذي كان فيما مضى

    يحملني بين ذراعيه


    14


    عنقودُ عنب

    مجهودُ إنسانٍ

    لَذةُ آخرَ


    ....................

    القصائد المترجمة هي على التوالي للشعراء اليابانيين الآتية أسماؤهم:

    1 ـ شيكي Shiki

    2 ـ هوساي أوزاكي (1885-1926) Hôsai Ozaki

    3 ـ يوكوي يايو Yokoï Yayû

    4 ـ إيشو Isshu

    5 ـ أونيتسورا Onitsura, 1661-1738

    6 ـ سينا Senna

    7 ـ كيوراي Kyorai

    8 ـ سودو Sodo

    9 ـ كيكاكو Kikaku

    10 ـ رْيوكان Ryokan

    11 ـ أونيتسورا Onitsura

    12 ـ موريتاك Moritake

    13 ـ لمؤلف مجهول

    14 ـ لمؤلف مجهول
     
    أعجب بهذه المشاركة الأمير الشهابي
  2. أحلام المصري

    أحلام المصري شجرة الدر/ مشرفة قصيدة النثر

    العالم- بنظر الطاوية- مقدس, ولا يسع الإنسان تحسينه. ولو حاول المرء تغييره, لاستحال خرابا.

    العالم جميل كما هو, ومكتمل, وربما مكتف بذاته.

    إذن (دع كل شيء يكون ما هو عليه, فسيكون السلام) كما يقول ( ليوآن) صاحب ( التوهج العظيم).‏

    تعترف الطاوية للحكيم, بدوره في العالم, وتعترف به بوجوده, وربما بضرورته, فلا تنفيه قبل أن يكون, وإنما تنظر كينونته, تنقله إلى حالة اللاشيء, المرتهنة بحالة اللافعل. وربما تكون الطاوية, بهذا المعنى, صعبة الفهم,‏

    إلا أن التدقيق في تراتبية هذا الكلام, سيمنحنا بعض الثقة بها, وسنجد أننا مقتنعون بأن حالة اللافعل, هي حالة من التأمل العالي والصفاء النهائي, ومن هنا نجد أن القول الطاوي ( تخلوا عن الحكمة. تخلصوا من الفطنة يسعد بكم الناس أكثر مئة مرة) هو نزوع مشروع في الارتقاء إلى شكل وجودي راق.‏

    تمتزج الفلسفة الطاوية بالشعر الياباني- الهايكو, وتدخل البوذية فيه أيضا. ولكن فلسفة ( الزن) المدجنة يابانيا, والتي تعتبر النسخة البوذية بشكلها الياباني, تؤلف الحالة الذهنية للهايكو بشكل أساسي, وهي تتضمن نكران الذات والوحدة, وقبول الاقرار بالجميل, والصمت حين يفقد الانسان الكلمات, والتناقض واللاعقلانية, والحرية, والبساطة, والحب والشجاعة.‏

    الليل الطويل‏

    خرير الماء‏

    يبوح بما أفكر‏

    في الهايكو, يجب التخلي عن كل شيء, وعدم رؤية المرغوبات, كي يبقى القلب نقيا دون تشويش, وهذا ما يقود إلى التطابق مع القوة الكونية الفعالة, ويؤدي إلى الاتحاد مع المبدأ الأول, الفراغ العظيم, الكل العظيم , كما يقول تشوانغ تسه, وبهذا , يصبح الاتحاد بكل شيء دون ملكيته, هو حالة راقية. فما من خطيئة أعظم من الرغبة, وما من لعنة أبشع من الجشع. ولاسوء حظ أشد من أن يريد المرء لنفسه شيئا.‏

    كل موجودات الكون تشكل حالة اتحاد عند شعراء الهايكو, فيجب أن يكون الشاعر واحدا مع تراب الأرض. وهذا هو الاتحاد الأكبر.‏

    ما أسعدها, وما أرقها‏

    إذا ولدت ثانية, هل يمكن‏

    أن أكون فراشة في حقل?‏

    لا يعني شاعر الهايكو هم نفسه, بل تؤرقه هموم الآخرين, كل الآخرين. وتتصف قصائد الهايكو بالبساطة الخادعة, بما يخص جذورها وعمق مضامينها. وتتطلب أنقى وأعمق وعي روحي للفرد, كونها تمثل كل العالم الديني و التجربة الشعرية الشرقية.‏

    ظهر ( ما تسو باشو) في القرن السابع عشر, كأكبر المساهمين في تطور الهايكو, وطور أسلوبا جديدا, واستطاع التعبير عن الدعابة والإنسانية ونفاذ البصيرة الدينية العميقة:‏

    يالروعة من لا يظن أن ( الحياة زائلة)‏

    حين يرى وميض البرق!‏

    وبمشاعر كائن اتحادي, يحاكي الكائنات الأخرى, وكأنها عناصر يجب أن تشارك في صنع السلام و الراحة:‏

    عصفور الدوري!‏

    لا تأكل ذبابة الخيل‏

    التي تلعب فوق الزهور‏

    ياصديقي‏

    بعد موت ما تسوباشو, توجهت قصائد الهايكو نحو التلغيز والأحجيات, وتحولت إلى مجرد لعب بالكلمات من أجل المتعة و الإشباع الذاتي . وهذا ما حدا بالشاعر والرسام ( يوسا بوسون) في القرن الثامن عشر, إلى العودة إلى عمق روحانية باشو, وقد امتلك مخيلة محلقة وثقافة عالية وصورا مفعمة بالحيوية:‏

    الفراشة التي حطت‏

    على جرس المعبد‏

    تنام بسكون.‏

    وما إن حل القرن التاسع عشر, حتى تعاظم عدد شعراء الهايكو, وكان أبرزهم ( كوباياشي إسا) الذي امتاز بأسلوب غايةفي البساطة, وتدور قصائده حول فقره وحبه للحيوانات الصغيرة والحشرات:‏

    طائرة ورق رائعة‏

    حلقت‏

    من كوخ متسول.‏

    ***‏

    عصافير الدوري‏

    تلعب الاستغماية‏

    بين أزهار الشاي‏

    ***‏

    فراشة طائرة:‏

    أشعر‏

    بأني مخلوق من تراب‏

    وضع ( ماساوكا شيكي) في نهاية القرن التاسع عشر, أسس الهايكو, كشكل شعري جديد. وقد كرس نفسه لتطوير شعر الهايكو, وإن احتفظ بعنصرين تقليديين منه: تقسيم القصيدة إلى 17 مقطعا لفظيا في ثلاث مجموعات (5-7-5) وتضمينها مواضيع متعلقة بالفصول, كما أكد على الواقعية والآنية في الهايكو. وجاء (تاكاها ما كيوشي) كأحد عمالقة شعراء الهايكو المعاصرين, وقد اعتمد التقاليد المرعية الشائعة للهايكو, مع تركيز أكبر على الشؤون الإنسانية, والفكرة المعقدة في القصيدة.‏

    يؤكد الهايكو كشكل شعري غنائي, على جمال الحياة والطبيعة, ويظهر الشعور بالحنين جوهرا مهما أيضا, حيث تتداخل كل المشاعر في نسيج واحد, وينسحق شاعر الهايكو متماهيا مع كل الأشياء, وهو يردد:‏

    أواه! كم تبعث على الأسى‏

    صرخة زيز الحصاد‏

    المضروب بطائرة الورق‏


    مرآة الماء

    تجعلك تتشكك

    في وجهك .. قليلا


    ********

    ترفع رأسها

    نقر على الشباك

    إنه المطر .. فقط


    ********

    ربيع


    رياح الربيع

    السيدة العجوز تحاول ثانية

    ترتيب شعرها


    ********

    العيون


    في العيون

    أضواء


    ********

    أكثر فأكثر

    يزداد حنيني إلى

    بلدي الذي غادرته ..

    آه .. كم أحسد الموج الذي

    يستطيع الرجوع!


    ********

    صامت، لكنني


    ربما أكون صامتا

    لكنني أفكر

    ربما لا أتكلم

    ولكن لا تحسبي أني جدار

    مقاطع شعر ( هايكو ياباني)

    (ظنون)

    ما ظننته وقع أقدامها
    على الطريق
    كان خفقان قلبي

    (بيضاء)

    عصافير بيضاء
    تحاول إيقاظ العتمة
    بين أغصان الصفصاف

    (أندلسيا)

    تتغلغل لاهبة
    شقائق النعمان
    في الخضرة الداكنة


    (جسدان)

    جسدان أخرسان
    في
    عمق الليل

    (أسماء)
    من يسأل
    الوردة
    عن أسمائها ؟

    (كنيسة سان بيترو)
    من الشرفة الدائرية
    يطل مائة قديس حجري
    على النافورة الصامتة


    (كلمات)

    أحياناً تترك لي كلمات
    ينحتها
    الصمت


    (مطر)

    ما الذي
    يبكيك
    أيها المطر ؟

    (فينيسيا)

    من النوافذ المضاءة
    في آخر العتمة
    تأتي ضجة أقداح النبيذ

    أما شاعر الهايكو ريوكان فقط سطا لص على كوخه الصغير وأخذ ثيابه وقصعة الأرز
    فكتب قصيدة قال فيها :

    اللص أخذ كل شئ
    ما عدا القمر
    على النافذة

    ووردت بالصيغة التالية:

    النشال

    انتشل مني كل شيء، سوى

    القمر الذي كان عند شرفتي


    وأخيرا:
    لقد سمعتُ عن الطريق

    الذي سوف يأخذه الجميعُ

    في نهايةِ المطاف

    لكنني لا أفكرْ اليوم أن ذلك قد يكون غدا

    شعر: اريوارا ناريهيرا

    المصدر : ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
    نقلتها بتصرف بالتقديم والتأخير من أجل أن تعم الفائدة
    عباس باني المالكي
     
  3. أحلام المصري

    أحلام المصري شجرة الدر/ مشرفة قصيدة النثر

    العالم- بنظر الطاوية- مقدس, ولا يسع الإنسان تحسينه. ولو حاول المرء تغييره, لاستحال خرابا.

    العالم جميل كما هو, ومكتمل, وربما مكتف بذاته.

    إذن (دع كل شيء يكون ما هو عليه, فسيكون السلام) كما يقول ( ليوآن) صاحب ( التوهج العظيم).‏

    تعترف الطاوية للحكيم, بدوره في العالم, وتعترف به بوجوده, وربما بضرورته, فلا تنفيه قبل أن يكون, وإنما تنظر كينونته, تنقله إلى حالة اللاشيء, المرتهنة بحالة اللافعل. وربما تكون الطاوية, بهذا المعنى, صعبة الفهم,‏

    إلا أن التدقيق في تراتبية هذا الكلام, سيمنحنا بعض الثقة بها, وسنجد أننا مقتنعون بأن حالة اللافعل, هي حالة من التأمل العالي والصفاء النهائي, ومن هنا نجد أن القول الطاوي ( تخلوا عن الحكمة. تخلصوا من الفطنة يسعد بكم الناس أكثر مئة مرة) هو نزوع مشروع في الارتقاء إلى شكل وجودي راق.‏

    تمتزج الفلسفة الطاوية بالشعر الياباني- الهايكو, وتدخل البوذية فيه أيضا. ولكن فلسفة ( الزن) المدجنة يابانيا, والتي تعتبر النسخة البوذية بشكلها الياباني, تؤلف الحالة الذهنية للهايكو بشكل أساسي, وهي تتضمن نكران الذات والوحدة, وقبول الاقرار بالجميل, والصمت حين يفقد الانسان الكلمات, والتناقض واللاعقلانية, والحرية, والبساطة, والحب والشجاعة.‏

    الليل الطويل‏

    خرير الماء‏

    يبوح بما أفكر‏

    في الهايكو, يجب التخلي عن كل شيء, وعدم رؤية المرغوبات, كي يبقى القلب نقيا دون تشويش, وهذا ما يقود إلى التطابق مع القوة الكونية الفعالة, ويؤدي إلى الاتحاد مع المبدأ الأول, الفراغ العظيم, الكل العظيم , كما يقول تشوانغ تسه, وبهذا , يصبح الاتحاد بكل شيء دون ملكيته, هو حالة راقية. فما من خطيئة أعظم من الرغبة, وما من لعنة أبشع من الجشع. ولاسوء حظ أشد من أن يريد المرء لنفسه شيئا.‏

    كل موجودات الكون تشكل حالة اتحاد عند شعراء الهايكو, فيجب أن يكون الشاعر واحدا مع تراب الأرض. وهذا هو الاتحاد الأكبر.‏

    ما أسعدها, وما أرقها‏

    إذا ولدت ثانية, هل يمكن‏

    أن أكون فراشة في حقل?‏

    لا يعني شاعر الهايكو هم نفسه, بل تؤرقه هموم الآخرين, كل الآخرين. وتتصف قصائد الهايكو بالبساطة الخادعة, بما يخص جذورها وعمق مضامينها. وتتطلب أنقى وأعمق وعي روحي للفرد, كونها تمثل كل العالم الديني و التجربة الشعرية الشرقية.‏

    ظهر ( ما تسو باشو) في القرن السابع عشر, كأكبر المساهمين في تطور الهايكو, وطور أسلوبا جديدا, واستطاع التعبير عن الدعابة والإنسانية ونفاذ البصيرة الدينية العميقة:‏

    يالروعة من لا يظن أن ( الحياة زائلة)‏

    حين يرى وميض البرق!‏

    وبمشاعر كائن اتحادي, يحاكي الكائنات الأخرى, وكأنها عناصر يجب أن تشارك في صنع السلام و الراحة:‏

    عصفور الدوري!‏

    لا تأكل ذبابة الخيل‏

    التي تلعب فوق الزهور‏

    ياصديقي‏

    بعد موت ما تسوباشو, توجهت قصائد الهايكو نحو التلغيز والأحجيات, وتحولت إلى مجرد لعب بالكلمات من أجل المتعة و الإشباع الذاتي . وهذا ما حدا بالشاعر والرسام ( يوسا بوسون) في القرن الثامن عشر, إلى العودة إلى عمق روحانية باشو, وقد امتلك مخيلة محلقة وثقافة عالية وصورا مفعمة بالحيوية:‏

    الفراشة التي حطت‏

    على جرس المعبد‏

    تنام بسكون.‏

    وما إن حل القرن التاسع عشر, حتى تعاظم عدد شعراء الهايكو, وكان أبرزهم ( كوباياشي إسا) الذي امتاز بأسلوب غايةفي البساطة, وتدور قصائده حول فقره وحبه للحيوانات الصغيرة والحشرات:‏

    طائرة ورق رائعة‏

    حلقت‏

    من كوخ متسول.‏

    ***‏

    عصافير الدوري‏

    تلعب الاستغماية‏

    بين أزهار الشاي‏

    ***‏

    فراشة طائرة:‏

    أشعر‏

    بأني مخلوق من تراب‏

    وضع ( ماساوكا شيكي) في نهاية القرن التاسع عشر, أسس الهايكو, كشكل شعري جديد. وقد كرس نفسه لتطوير شعر الهايكو, وإن احتفظ بعنصرين تقليديين منه: تقسيم القصيدة إلى 17 مقطعا لفظيا في ثلاث مجموعات (5-7-5) وتضمينها مواضيع متعلقة بالفصول, كما أكد على الواقعية والآنية في الهايكو. وجاء (تاكاها ما كيوشي) كأحد عمالقة شعراء الهايكو المعاصرين, وقد اعتمد التقاليد المرعية الشائعة للهايكو, مع تركيز أكبر على الشؤون الإنسانية, والفكرة المعقدة في القصيدة.‏

    يؤكد الهايكو كشكل شعري غنائي, على جمال الحياة والطبيعة, ويظهر الشعور بالحنين جوهرا مهما أيضا, حيث تتداخل كل المشاعر في نسيج واحد, وينسحق شاعر الهايكو متماهيا مع كل الأشياء, وهو يردد:‏

    أواه! كم تبعث على الأسى‏

    صرخة زيز الحصاد‏

    المضروب بطائرة الورق‏


    مرآة الماء

    تجعلك تتشكك

    في وجهك .. قليلا


    ********

    ترفع رأسها

    نقر على الشباك

    إنه المطر .. فقط


    ********

    ربيع


    رياح الربيع

    السيدة العجوز تحاول ثانية

    ترتيب شعرها


    ********

    العيون


    في العيون

    أضواء


    ********

    أكثر فأكثر

    يزداد حنيني إلى

    بلدي الذي غادرته ..

    آه .. كم أحسد الموج الذي

    يستطيع الرجوع!


    ********

    صامت، لكنني


    ربما أكون صامتا

    لكنني أفكر

    ربما لا أتكلم

    ولكن لا تحسبي أني جدار

    مقاطع شعر ( هايكو ياباني)

    (ظنون)

    ما ظننته وقع أقدامها
    على الطريق
    كان خفقان قلبي

    (بيضاء)

    عصافير بيضاء
    تحاول إيقاظ العتمة
    بين أغصان الصفصاف

    (أندلسيا)

    تتغلغل لاهبة
    شقائق النعمان
    في الخضرة الداكنة


    (جسدان)

    جسدان أخرسان
    في
    عمق الليل

    (أسماء)
    من يسأل
    الوردة
    عن أسمائها ؟

    (كنيسة سان بيترو)
    من الشرفة الدائرية
    يطل مائة قديس حجري
    على النافورة الصامتة


    (كلمات)

    أحياناً تترك لي كلمات
    ينحتها
    الصمت


    (مطر)

    ما الذي
    يبكيك
    أيها المطر ؟

    (فينيسيا)

    من النوافذ المضاءة
    في آخر العتمة
    تأتي ضجة أقداح النبيذ

    أما شاعر الهايكو ريوكان فقط سطا لص على كوخه الصغير وأخذ ثيابه وقصعة الأرز
    فكتب قصيدة قال فيها :

    اللص أخذ كل شئ
    ما عدا القمر
    على النافذة

    ووردت بالصيغة التالية:

    النشال

    انتشل مني كل شيء، سوى

    القمر الذي كان عند شرفتي


    وأخيرا:
    لقد سمعتُ عن الطريق

    الذي سوف يأخذه الجميعُ

    في نهايةِ المطاف

    لكنني لا أفكرْ اليوم أن ذلك قد يكون غدا

    شعر: اريوارا ناريهيرا

    المصدر : ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
    نقلتها بتصرف بالتقديم والتأخير من أجل أن تعم الفائدة
    عباس باني المالكي
     
    أعجب بهذه المشاركة الأمير الشهابي
  4. الأستاذه أحلام المصري ، هذه مواضيع حقا تشكل زادا معرفيا بورك بك هذا الأستعراض المفيد جدا ،
    تقلبي تحياتي الصادقه لجهود مميزه ،
     
  5. شكرا أحلام
    أفدت و أمتعت باختيارك
    كل التقدير لك
     
  6. رضا ديداني

    رضا ديداني عضو جديد

    فعلا الشعر الياباني مهما كانت المسميات أضاف الى الشعر العالمي والعربي بالخصوص وهنا نذكر الترجمات التي أنارت الثقافة العربية خاصة ، انها حضارة الشرق التي تتماهى مع الثقافة العربية
     

مشاركة هذه الصفحة