1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

"أبواب التصوف" إصدار لفاطمة الروشدي

الموضوع في 'تقديم كتاب' بواسطة عبدالكريم القيشوري, بتاريخ ‏15/7/14.

  1. ونحن نعيش أجواء الأيام الرمضانية التي تتسربل بنفحات الطهر والابتهالات والأدعية.. والابتعاد عن كل ما يعكر صفو الجوارح ورجاحة العقل..والسفر بعيدا في ملكوت الرحمن تأملا وتدبرا.. عبر حلقات الذكر والقراءة ومراجعة الذات. لم أجد غير مؤلف "أبواب التصوف" للعارفة الفقيرة إلى الله "ذة" فاطمة الروشدي؛ التي أهدتني نسخة منه؛ ذات لقاء تأسيسي لفرع جمعية بيت المبدع بمدينة العرائش. والذي كان لي شرف الاستئناس برفقته خلال أيام هذا الشهر الفضيل؛ حيث عكفت على قراءته لاستجلاء درره وإشراك القراء الأعزاء فيما تناولته من مواضيع تخص الجوانب المشرقة في نفس الإنسان بحثا عن الذات العلية؛ والذي يعتبر التصوف آلية من آلياته المعرفية لمجاهدة النفس وتهذيبها وكبحها عن هواها وتطويعها والسمو بها في مراقي العزة والكرامة والصفاء والنقاء..

    ما أثارني بداية هو الأجواء والطقوس التي نشأت وترعرعت الطفلة فاطمة في رحابها بالزاوية العلاوية "العليوية"؛ رفقة أبيها الذي كانت تؤول إليه مسؤولية تدبير شؤونها المالية؛والإشراف على تنظيم الاحتفالات الدينية - ذات القيمة الرمزية والمعنوية - بها باعتباره "مقدم الزاوية" ؛ حيث كانت الأنشطة الدينية تتخذ من الإنشاد والذكر وقراءة الأوراد.. مرتكزا لها ؛ ما خلف أثرا محمودا في وجدان الطفلة فاطمة التي تشربت من ينابيع الكلم الطيب حيث تلقت تعليمها الأولي بكتاب الحي الذي كان يختص بتدريس القرآن الكريم للأطفال وتحفيظه مع تلقين بعض مواد التوحيد؛وملازمتها أبيها بالزاوية لسماع الذكر والطرب لإنشاده ..انعكس عليها - كل ذلك - لما اشتد عودها بالإدمان على القراءة والكتابة والبحث في مجال التعبد والزهد وتذوق حلاوة الإيمان والحكمة.. خلفت على إثره فيما بعد إصدارا حاولت طرق موضوع التصوف من خلال أبوابه؛فجاء عنوان الكتاب " أبواب التصوف". وقد اعتمدت في معالجة تيماته على منهجية رسمت معالمها عبر محددات محاور تجلت في :

    1- إعطاء نظرة عامة عن التصوف؛وتقديم التحديدات التعريفية/الاصطلاحية التي تضاربت بشأنه .

    2- تقديم حركات التصوف بالمغرب كرونولوجيا اعتمادا على ثلاث محددات .

    أ- المخـــــاض . ب – الانطــــلاق (التأسيس). جـ - التنظيم والهيكلــــة.

    3- مفهوم التصوف بعيون الزوايا المؤسسة بمدينة العرائش.

    4- نظرة بانورامية/ تعريفية عن مدينة العرائش ومقوماتها التاريخية والحضارية والتراثية والجيوستراتيجية والإنسية..

    5- تذييل المؤلف بملاحق وبقائمة المراجع والمصادر المعتمدة في البحث.

    وحتى نترك للقارئ فرصة التجوال في ربوع مملكة الوجد والوجود ؛عبر طرق "أبواب التصوف" التي أفلحت الكاتبة فاطمة في استكشاف لذة التمتع والاستمتاع بمن يبحر في لجاج محيطه.. سنكتفي بإثارة القليل القليل تشويقا للمقبلين المحبين للخلوة ولعالم الصفاء والنور والباحثين عن الحلول؛ متعة قراءته والسفر في ملكوت الوجود كما جاء في نظم الشيخ يوسف بن المغيث البصري:

    هل في الوجود حقيقة إلا هو الله ربي لا أريد سواه

    يا من له وجب الكمال بذاته فالكل غاية فوزهم لقياه

    أنت الذي لما تعالى جده قصرت خط الألباب دون سناه

    أنت الذي امتلأ الوجود بحمده لما اغتدى ملآن من نعماه

    ............................... ................................

    وسنبدأ بما افتتحت به الكاتبة فاطمة تصدير مؤلفها و هو معرفة ماهية التصوف. حيث ذهب بعض المستشرقين من مثل"نولدكه وفون هارمر" إلى أن كلمة (صوفي) مأخوذة من (صوفيا) اليونانية؛ بمعنى الحكمة. وعندما فلسفت العرب عباداتهم حرفوا الكلمة فأطلقوها على رجال التعبد والفلسفة. وقد ذهب الإمام الصوفي القشيري مذهبا آخر حيث قال :" لا يشهد لهذا الإسم(صوفي) من حيث العربية قياس ولا اشتقاق؛والأظهر فيه أنه كالقلب". وهناك من نسب الكلمة إلى الصوف للبسهم الصوف نسبة إلى أهل الصفة من أصحاب رسول الله "صلعم". وهناك أيضا من نسب الكلمة إلى رجل زاهد متعبد في الجاهلية كان يلقب بــ (صوفه) واسمه الغوث بن بركان.إلا أن الزمخشري في أساس البلاغة والفيروز أبادي وقاموسه المحيط؛ أشار إلا أن قوما في الجاهلية سموا بهذا الاسم؛وكانوا يعبدون الخالق في الكعبة. ومن المعروف أن قبل الإسلام كانت مجموعة من النساك يعتكفون بالكعبة وخصوصا برمضان؛وكانوا على بقايا دين موسى عليه السلام؛ فكانوا يختلون منقطعين عن ملذات الدنيا عازفين عن الزواج؛ أو مشاركة الناس حياتهم؛ومنهم نشأت طبقة المتحنفين. وقد تطور التصوف من بداية القرن الثالث الهجري إلى الثامن منه؛ وكثرت الاصطلاحات فيه والمذاهب وأدخلت عليه العديد من التغيرات والتطورات والتوجهات.

    ولأن لهؤلاء المتصوفة ألقابا متعددة فهم يسمون بالحكماء والعلماء؛ وأهل التعبير ؛ وأهل الحجاب؛ وأهل التذكير ؛وأهل الفتح؛ والزهاد العارفون من لدن الله .. غايتهم واحدة و هدفهم وحيد ألا وهو السير في الطريق المؤدي لله وحده. وقد سئل الإمام مالك عن الحكمة فقال : " ما زهد عبد واتقى إلا أنطقه الله بالحكمة". وذكر ابن القسطلاني عن أحمد بن سهل رحمهما الله أنه قال : أعداؤك أربعة : "أولها الدنيا وسلاحها لقاء الخلق وسجنها الخلوة".

    "ثانيها الهوى وسلاحه الكلام وسجنه الصمت ".

    " ثالثها الشيطان وسلاحه الشبع وسجنه الجوع ".

    " رابعها النفس وسلاحها النوم وسجنها السهر ".

    وقال الشيخ زروق في استمداده عن التصوف؛ إنه مستمد من الكتاب والسنة وإلهامات الصالحين وفتوحات العارفين؛ وقد أدخلوا فيه أشياء من علم الفقه لأمس الحاجة إليه في علم التصوف ؛ كما حررها الإمام الغزالي في الإحياء في أربعة كتب هي :

    1- كتاب العبادات . 2- كتاب العادات . 3- كتاب المهلكات .4- كتاب المنجيات .

    وفي هذا الصدد يقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي : "من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك؛ويمنعك ما يطغيك ". وقد استعاد رسول الله "صلعم" مما يشغل القلب وينسي الرب فقرا أو غنى. فكان يتعود من الفقر المنسي والغنى المطلق فيقول : " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ". وأيضا :" خير الذكر الخفي ويكون في القلب؛ وخيرالرزق ما يكفي ". وعن الجنيد قال :

    إذا كانت الأقدار من مالك الملك فسيان عندي ما يسر وما يبكي

    وقال السهروردي :

    تذلل لمن تهوى فليس الهوى سهل

    إذا رضي المحبوب صح لك الوصل

    تذلل له تحظى بروح جماله

    ففي وجه من تهوى الفرائض والنفل

    تذلل لمن تهوى لتكسب عزة

    فكم عزة قد نالها المرء بالتذلل .

    وزد على ما أثير من جدال وتعاريف لماهية التصوف؛ والبحث عن الجذور المؤسسة له؛والتي أنتجت فيما بعد ما أصبح يسمى بالزوايا. فاقتران ظهور الزوايا بالمغرب " تشير مؤلفة الكتاب- له ارتباط بنشوء حركات التصوف؛ كما يرى ذلك أغلب علماء الاجتماع والمؤرخين؛ فجل الدراسات التي اهتمت بالموضوع تجمع على هذه الرابطة المتينة بين الزاوية والتصوف. فبالرجوع لأواخر الفتح الإسلامي بشمال أفريقيا؛ تبلورت فكرة المزج بين السياسة والجهاد الزهدي ؛ بدء مع تأسيس الدولة المرابطية التي كان لها قصب السبق في نشر ثقافة الرباطات الجهادية التي اعتمدت في أسلوبها على الزهد والانعزالية والتقشف؛ مع محاولة ترسيخ العقيدة لدى العامة وإلباسها لبوس الجهادية دفاعا عن الوطن. وقد عرفت الزوايا في فترة كل من الموحدين والمرينيين والسعديين..إلى حين قيام الدولة العلوية؛ طفرات نوعية ساهمت سيرورة التاريخ في تجديد دمائها؛ وتغيير اهتماماتها حيث أصبحت تعتمد المزج بين التفكير العلمي الواقعي المعاصر؛ والتشبث بالمبادئ الأصيلة للمجتمع المغربي الإسلامي.

    في خضم هذه الفورة الإيمانية/الجهادية التي عرفتها أغلب مدن وقرى بلدنا المغرب؛ والتي أنشأت على إثرها العديد من القصبات والزوايا التي كانت سدا منيعا في وجه كل الطغاة الغزاة .ما نصيب مدينة "الحمامة البيضاء" مدينة العرائش من هذا الكم النضالي /الجهادي..؟

    إضاءة :

    عرفت مدينة العرائش بتموقعها في الشمال الغربي على المحيط الأطلسي وهي من أجمل مدن الشمال رغم صغرها. تمتاز بموردها البحري والبري وقربها المطل على أوربا. كما تمتاز بطابعها المعماري المتنوع والمتشبع بحضارات الأندلس؛ التي تجمع بين الطابع المغربي الأصيل و فن هندسة الأندلس. ولازالت بيوتاتها شاهدة إلى اليوم على اللمسات الإبداعية التي تميزها من زخرفة ونقوش وفناءات رحبة وشرفات.. كان لمن تعاقب على حكمها من فينيقيين ورمانيين وقرطاجنيين.. ومسلمين الأثر البالغ في تشكيل حضارة فسيفسائية ميزتها عن باقي المدن.

    الزوايا بمدينة العرائش :

    تتميز كل الزوايا الموجودة بمدينة العرائش بموقعها الاستراتيجي في أقدم منطقة يحفل تاريخها بالأحداث الصراعية. فكل لبنة منها إلا ولها ملحمة نضالية تشهد بذلك؛ كما لها مساهمة في تسجيل تاريخ يحفل بالصمود والجهاد والذوذ عن حوزة الوطن؛ حفاظا على مقدساته وكرامته..

    وقد لعبت الزوايا بمدينة العرائش دورا مهما؛ من حيث تعدد مشاربها وتنوع مشايخها؛واختلاف طرقها.. وقد تطرقت مؤلفة الكتاب بالتفصيل للحديث عن الزاويا العشر التي تأسست ما بين القرنين الثالث عشر والثامن عشر الميلادي؛ كلا على حدة معرفة بها؛ وبمشايخها وبطرقها وبأورادها؛ وبأنشطتها الدينية.. وقد جاءت على الشكل التالي :

    1-الزاوية القادرية. 2- الزاوية الحمدوشية . 3- الزاوية الحراقية .4- الزاوية الصديقية . 5-الزاوية التيجانية .6- الزاوية الناصرية .7-الزاوية العيساوية.8- الزاوية المصباحية. 9- الزاوية العلاوية. 10-الزاوية البدوية .

    ولا يسعنا في الأخير إلا أن نشكر "ذة" فاطمة الروشدي على مجهودها واجتهادها في سبيل إحياء نوع من التراث عبر تجربتها الصوفية التي شربت من معينها الصافي على يد أبيها؛ توقا لمعرفة صافية قال عن أصحابها الحبيب المصطفى سيدنا محمد "صلعم"( هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

    كما نشكرها على تتويج مجهودها البحثي هذا بملحق تضمن مقتطفا من الرسالة الملكية الموجهة لملتقى سيدي شيكر العالمي الأول للمنتسبين إلى التصوف يحملهم مسؤولية الاهتمام به والسهر على نقله للأجيال. بتاريخ16 رمضان1429ه الموافق لـ 17شتنبر 2008م جاء فيها :

    ( ..إن الحكمة المستمدة من التراث الذي هو وديعة لديكم؛ كفيلة بأن تجعلكم من كبار المسهمين الفعالين في الاندماج في كل ما تقتضيه سيرورة الإصلاح الشامل الذي نقوده؛ولا سيما بنقل القيم التي قام عليها التصوف إلى الأجيال الجديدة ؛ بالأسلوب الذي يجعلهم يستوعبونها ولا يتنكرون لها.إنه الإحياء المطلوب من المنتسبين إلى التصوف.إحياء يسترشد بنماذج الصلاح في الماضي؛ويعرف كيف يجددها في الحاضر؛ وينافس بها في المستقبل . ذلك لأن على المغرب؛ الذي يعتبره العارفون في العالم؛ منبت قيم الصلاح؛ المبني على فكرة التصوف بشكل استثنائي؛ عليه مسؤولية كبرى في هذا المقام؛ندعوكم لتدبر أبعادها؛وتقديرها حق قدرها ).





     
    أعجب بهذه المشاركة محمد فري
  2. عبد اللطيف الهدار

    عبد اللطيف الهدار المشرف العام طاقم الإدارة

    شكرا جزيلا، أخي عبد الكريم على هذا التقديم الشافي والكافي لكتاب: "أبواب التصوف"، لكابته الأستاذة فاطمة الروشدي.
    وبعد إذنك، ننقل الموضوع إلى ركن "تقديم كتاب"، نظرا للإحاطة الوافية بالكتاب. ونتمنى أن تسهم مع باقي الإخوة الأعضاء في إثراء هذا الركن المفيد بتقديم كتب أخرى.
    محبتي وفائق امتناني، أخي عبد الكريم..
    ــــــــــــــــــــ
    منقول من ركن: أخبار ثقافية.
     

مشاركة هذه الصفحة