1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

الدكتور عبد العزيز بلال

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏8/6/14.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عزيز بلال وعبد الجليل أكرام
    اقتصاد المغرب منذ الاستقلال حتى نهاية الستينات
    اقتصاد المغرب: 1956-1970


    [​IMG]

    جرى إعلان استقلال المغرب رسميا في مارس 1956. وغداة هذا الاستقلال، ظهرت المشاكل الاقتصادية بكامل حدتها ، وبوجه خاص مع سقوط هام للاستثمارات، و هروب الرساميل، و تسارع الهجرة القروية، وتفاقم البطالة.

    في الواقع، كان المشكل الرئيس المطروح هو التحويل العميق للبنيات الاقتصادية التي كان جرى تكييفها بأكثر من أربعين سنة من النظام الاستعماري، و خلق الشروط الاجتماعية و السياسية و الثقافية لإقلاع اقتصادي حقيقي.

    كان المطلوب أن ُيصنع من اقتصاد استعماري، ذي بنيات تابعة و عتيقة، اقتصاد وطني، يخلق بذاته القوى و الآليات الداخلية لتراكم الرأسمال و للتقدم.

    بدءا من سنوات 1960، جرى تطبيق ثلاث خطط تباعا: الخطة الخماسية (1960-1964)، و الحطة الثلاثية (1965-1967) و الخطة الخماسية (1969-1972). لم تتح تلك الخطط تجاوز استمرارا معدل نمو بالغ الضعف في الإنتاج الاجمالي، وتفاقم البطالة، و معدل ادخار و استثمار ناقص جدا، و المصاعب الناتجة عن ميزان أداءات بالغ الهشاشة.

    هكذا سنتناول تباعا بالبحث ما يلي:

    - في نقطة اولى، الوضع الاقتصادي في فجر الاستقلال
    - في نقطة ثانية، تطور اقتصاد المغرب بعد 1960 و في قسم ثالث الأوجه الرئيسة للسياسة الاقتصادية للمغرب المستقل

    الدراسة كاملة، بالفرنسية، مرفقة للتحميل
    http://www.almounadil-a.info/IMG/pdf/_-_1970.pdf
     
    آخر تعديل: ‏8/6/14
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أشكالية التخلف آخر محاضرة للمناضل عزيز بلال ...

     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    منقول
    عزيز بلال.. المفكر الملتزم ومنظر الحزب والعالم النامي


    عزيز بلال.. المفكر الملتزم ومنظر الحزب والعالم النامي

    يندرج هذا المقال، في إطار تخليد ذكرى وفاة شهيد الحزب والوطن والعالم النامي والتقدمي، عزيز بلال، الذي يعتبر المنظر الأيديولوجي للحزب، والخبير الاقتصادي الكفء والمقتدر. فقد وضع علمه وخبرته في خدمة الجامعة المغربية وبلده والعالم النامي، وخاصة بلدان إفريقيا جنوب الصحراء كأنكولا والموزنبيق، والتي لا يزال جزء كبير من شعوبها يتخبط في التخلف وعدم الاستقرار السياسي.

    ويرجع الفضل إلى عزيز بلال، في تحليل ظاهرة التخلف في أبعادها التاريخية والسوسيواقتصادية والثقافية والجغرافية، وسبل تجاوزها بالمغرب. ويتقاسم معه نفس التحاليل والأفكار مفكرون تقدميون من عيار سمير أمين بمصر، وملتون سانتوس بأمريكا اللاتينية، وإيف لاكوست بفرنسا، ويوري بوبوف بالاتحاد السوفياتي سابقا.
    سوف نركز في هذا المقال، على بعض الجوانب المرتبطة بشخصية عزيز بلال المناضل الصلب الذي لا يضعف أمام إغراءات المال والسلطة والجاه، والمفكر العضوي الذي ربط بين النضال بالقلم والممارسة في الميدان، وحسن الإنصات في تواضع، للجماهير الكادحة التي كان يساندها وينظمها ويوجهها ويرفع من معنوياتها، والأستاذ الجامعي المميز الذي استطاع أن يستقطب، بطريق غير مباشر، إلى حزبه وتياره التقدمي والثوري مئات المثقفين والباحثين المتأثرين بتحاليله الثاقبة، وشمولية أبحاثه التي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تتعداه إلى دراسة شاملة لظاهرة التخلف. وقد توجها بإصدار عصارتها في كتابه الذائع الصيت: التنمية والعوامل الغير اقتصادية
    ولابد لي أن أدلي بشهادات تدخل في تدوين أرشيف الحزب، حول رصانة تحاليل هذا المفكر المبدع، وحصافة مواقفه في منعطفات حاسمة من تاريخ الحزب والبلد ومنها موقفه من القضية الوطنية والمسلسل الديموقراطي. وإن معظم الأفكار والمعلومات الواردة في هذا المقال تستند على ما سجلته في ذاكرتي السياسية، خلال عقد من الزمن، كنت شاهد عيان في الفترة المعاصرة التي عاش فيها المرحوم عزيز بلال بالرباط والدار البيضاء (1968- 1981) والتي تصادف انخراطي في حزب التحرر والاشتراكية المحظور ونضالي به (1970-1974) ثم مناضلا في العلنية بحزب التقدم والاشتراكية منذ تأسيسه سنة 1974 إلى اليوم (2013)، مما سهل احتكاكي بالرفيق عزيز بلال في عدة مناسبات، تمثلت في اللقاءات والاجتماعات الحزبية والتجمعات الجماهيرية وعبر حضور المحاضرات التي كان ينشطها برحاب جامعة محمد الخامس وفضاءات مدينة الرباط (كالمنبع بأكدال)، وأنا آنذاك، شاب مناضل بالخلية الطلابية الحزبية بجامعة محمد الخامس، «طلبة أنصار التحرر والاشتراكية» التي كان هو نفسه الموجه لنضالاتها، ثم اتصالي به لاحقا كأستاذ نقابي بالثانوي بسلا والرباط حيث جمع بيننا النضال المشترك بمركزية الاتحاد المغربي للشغل، ثم كزميل له لاحقا، بجامعة محمد الخامس وجمع بيننا أيضا النضال المشترك في إطار النقابة الوطنية للتعليم العالي التي كنا ننشط فيها معا إلى حين وفاته سنة 1981.

    1. الربط الجدلي بين التحرر الوطني وتعميق الديموقراطية، وضرورة تواجد حزب من طراز التحرر والتقدم والاشتراكية.

    ظل عزيز بلال يربط جدليا بين التحرر الوطني الذي يعني النضال المستميت من أجل استرجاع الصحراء الغربية المغربية إلى حظيرة الوطن، وتعميق الديموقراطية، وانتزاع الحقوق لفائدة الطبقات الكادحة، والوصول إلى التوافقات مع الغريم بدون التنازل عن المبادئ التقدمية. في هذا الإطار أتذكر جيدا، موقفا يحسب له، حين بشرنا بابتسامته المتفائلة التي تبعث الأمل، في اجتماع سري لأعضاء لجنة ناحية الرباط لحزب التحرر والاشتراكية المحظور آنذاك، ليلة الخروج من السرية إلى العلنية؛ بشرنا بميلاد حزب التقدم والاشتراكية بتاريخ 23 غشت من سنة 1974 والذي يعتبر امتدادا لحزب التحرر والاشتراكية، ووريثا الحزب الشيوعي المغربي. وكان ذلك بمنزل والدته رحمها الله بحي أكدال ، المجاور لساحة بوركون، بالرباط، بحضور ثلة من المناضلين.
    كان الرفيق عزيز بلال هو الكاتب الأول لناحية الرباط منذ مطلع الستينات إلى حين استقراره بالدار البيضاء منتصف السبعينات حيث سيخلفه في هذه المسؤولية الرفيق محمد مشارك. وبدا الرفيق جد منشرحا وهو يعلن الخبر السار بانتهاء العمل السري بانتزاع الحزب حقه، كباقي الأحزاب، في العمل السياسي العلني.
    ولكن الرفاق المناضلين في صفوف حزب التحرر والاشتراكية، لم يثقوا أبدا في النظام المستبد آنذاك، لأنهم ذاقوا مرارة العمل السري، نظرا للقمع المسلط عليهم وعلى كل القوى التقدمية في زمن الرصاص، وتعقب أعوان السلطة والأمن لكل تحركاتهم، والزج بعدد منهم في دهاليز الكوميساريات، وأحيانا في السجون، وتعرض جريدة البيان الصادرة سنة 1972 للحجز والمنع، وقبلها جرائد الكفاح الوطني الصادرة سنة 1966، والمكافح (1960-1966) للحجز تارة، والمنع تارة أخرى ولعدة أشهر؛ كل هذا جعل الثقة منعدمة بين الرفاق والحكم. ولذا كان الرفاق حذرين من كل مبادرة تصدر عن النظام المخزني المستبد.
    في هذا اللقاء السري، طرحت شخصيا سؤالا مباشرا على الرفيق عزيز بلال، مؤطر الاجتماع السري بمنزل والدته بالرباط، يلخص هواجس الرفاق الذين كانوا يشتغلون في السرية، في إطار حزب التحرر والاشتراكية ونحن في ليلة ميلاد حزب التقدم والاشتراكية، قائلا: «رفيقي العزيز، هل الحزب متأكد من نوايا الحكم بالسماح لحزبنا بالعمل في إطار المشروعية والقانونية كباقي الأحزاب الأخرى؟ وهل نثق في قرار الحكم برفع المنع عن أنشطة حزبنا بأنه صادق؟ ألا يمكن أن يكون هذا القرار مجرد خدعة سياسية من النظام، لتكون مصيدة دبرها الحكم للإيقاع بالرفاق والمناضلات بعد التعرف عليهم وعلى مواطن تواجدهم الجغرافية وأماكن عملهم وسكنهم، لإلقاء القبض عليهم لاحقا، وحظر الحزب مرة أخرى، كما فعل مع الحزب الشيوعي المغربي في نهاية خمسينيات القرن 20 ومع حزب التحرر والاشتراكية في نهاية الستينيات؟
    وكعادته، ابتسم الرفيق عزيز، وكان رده مقنعا ومطمئنا، بل كان جوابه في غاية العمق والحكمة والرزانة وبعد النظر والتفاؤل الثوري في استشراف المستقبل. ولن أنس أبدا، عمق وصدق جواب الرفيق عزيز بلال، وأنا ذلك الشاب اليافع المتمرد على النظام، كباقي الرفاق، الذين لا يثقون في وعود الحكم ومكايده ضد المناضلات والمناضلين في عهد السرية. أجاب الرفيق عزيز قائلا: إذا كان للحكم حساباته، التي لا شك فيها، فنحن أيضا لنا حساباتنا واستراتيجيتنا كمناضلين غيورين على بلدنا وشعبنا. إن شعبنا الآن، يخوض معركة حاسمة لتحرره الوطني، ويمر بلدنا بمرحلة دقيقة وعصيبة، تستدعي تعبئة كل الطاقات البشرية الوطنية، وتعزيز الجبهة الداخلية لاسترجاع أقاليمنا الصحراوية وتوطيدها، وهذا لن يتأتى إلا مع تعميق المسلسل الديمقراطي.
    في هذا الإطار، يضيف الرفيق عزيز بلال، فإن حزب التقدم والاشتراكية الذي سيخرج إلى الوجود كامتداد للتحرر والاشتراكية، يعتبر معادلة سياسية وازنة وحاسمة في المشهد السياسي المغربي، وأساسا في معركة استرجاع الصحراء الغربية المغربية. وبالتالي لا خيار ولا مفر للنظام من الاعتراف بوجود حزبنا، كقيمة مضافة في المشهد السياسي المغربي، نظرا لوزن الحزب في الداخل، وإشعاعه الدولي في الخارج، وعلاقاته المتينة مع القوى الاشتراكية والثورية والتقدمية في العالم. وهذا يتطلب مع ذلك، ضرورة إقناع هذه القوى الصديقة، بعدالة قضيتنا الوطنية كمسألة تحرر وطني، ضد بقايا مستعمر غاشم محتل لجزء من أرضنا، لدعم القضية الوطنية، وقطع الطريق أمام خصوم وأعداء وحدتنا الترابية.
    وأردف الرفيق عزيز في تحليله قائلا: إن مشكل الصحراء جد معقد إقليميا، ودوليا في ظروف حرب باردة. ومن المستحيل حل مشكل الصحراء حتى في ظرف العشر سنوات القادمة. ولذلك، لا يمكن للحكم منعنا في خضم المعركة التي نخوضها إلى جانب القوى الحية في البلاد لاسترجاع الأرض، وتوطيد الوحدة الترابية.
    ونظرا لحنكة الرفيق عزيز بلال السياسية وبعد نظره، فقد ربط بين تحرير الأرض، وتعميق المسلسل الديموقراطي، الذي أنطلق فعلا مع المسيرة الخضراء سنة 1975، والذي يتوافق تماما مع قرار رفع المنع عن أنشطة الرفاق مناضلي حزب التحرر والاشتراكية بخروجهم إلى العلنية، في إطار حزب جديد، هو التقدم والاشتراكية سنة 1974، كامتداد للتحرر والاشتراكية.
    هذه الرؤية الثاقبة والصافية التي تميز بها الرفيق عزيز بلال، وتفاؤله الثوري في المستقبل، تجعل منه ذلك السياسي المحنك الذي خبر السياسة، فصدقت توقعاته التي لا زلنا نعيش أطوارها؛ سواء تعلق الأمر بمشكلة الصحراء التي مرت عليها أزيد من 38 سنة ولم تعرف بعد، حلا نهائيا، نظرا لشراسة الخصم الجزائري والوضع الدولي. كما أن مسلسل الديموقراطية، ورغم الأشواط الإيجابية التي قطعها، والوزن السياسي الذي أصبح يحظى به حزبنا على الساحة الوطنية، وتدبيره للشأن العام المحلي والحكومي، بعد أن كان عمله محظورا لعقود من الزمن، فلا زال المد والجزر يطبع المسلسل الديمقراطي، وهذا، رغم المكاسب التي حققها شعبنا وقواه الحية الوطنية والتقدمية والثورية في عدة ميادين ومنها، العمل بدستور 2011 بعد الربيع الديمقراطي، والذي لم تفعل لحد الساعة، معظم بنوده، بما فيه الكفاية.
    كان هذا الجواب الشافي والواقعي ينم عن بعد نظر يفتح الآفاق الرحبة أمام المناضلين؛ فهو مناضل مؤمن بالعمل الجماهيري، متفائل بنتائجه المستقبلية. إن الرفيق عزيز بلال برؤيته الواضحة للمستقبل، قد خبر الحياة السياسية ميدانيا، وتعمق قي الفكر الاشتراكي المتنور في دينامية وجدلية مستمرة، بعيدا عن التحجر السياسي، واليأس القاتل، والعمل السياسي المزيف والمصطنع. إنه المناضل الغيور على بلده كمنتخب بالدار البيضاء، قلعة الطبقة العاملة، وكقائد محلى وإقليمي لحزبه في الميدان، وموجها له في اللجنة المركزية، ومنفذا لقراراتها في الديوان السياسي. وهو إضافة إلى هذا وذلك، المثقف الثوري الذي يعمل في أفق تحقيق المشروع المجتمعي كاستراتيجية.

    2. إشعاع الرفيق عزيزبلال في الميدان الفكري في حياته وبعد مماته وتعلق الباحثين به.

    في نقطة ثانية، سأعطي بعض الجوانب التي تبرز إشعاعه في ميدان الفكر في حياته ومماته، وتعلق الباحثين بأفكاره الواضحة التي نشرها عبر طلبته، ورفاقه، وكل من تلقى دروسا حول فكره ومشروعه المجتمعي، للخروج من التبعية والتخلف إلى الانعتاق والتنمية، بدون المرور بكل المراحل التي مرت منها الدول المتقدمة.
    أنجز الراحل أطروحة دكتوراه دولة في علم الاقتصاد حول الاستثمارات الأجنبية بالمغرب خلال فترى الحماية ومطلع الاستقلال (1912-1964). وهو عمل جاد ورصين يظل مرجعا أساسيا لكل باحث في هذه الفترة، نظرا لعمق التحليل وشمولية الرؤيا وإعطاء اقتراحات لتجاوز الأوضاع التي ساهم فيها الاستعمار الترابي والاقتصادي لبلادنا وشعبنا وكذا القوى الرجعية التي عملت على كبح مخطط التنمية في حكومة عبدالله إبراهيم.
    ويسعدني أن أشير إلى جوانب من شخصية عزيز بلال كأستاذ متميز للاقتصاد بجامعة محمد الخامس، وجامعة الحسن الثاني، ومؤثر في محيطه الجامعي والسياسي، وكيف كان يراه ويتمثله طلبته، وأصداء أفكاره في الأوساط الطلابية وفي أوساط الباحثين في الاقتصاد السياسي وقضايا العالم النامي.
    لقد طبع عزيز بلال عدة أجيال طلابية في أول جامعة عصرية بالمغرب رغم قصر عمره. كان طلبته معجبين بدروسه وأفكاره وتحاليله العميقة وبعد نظره، حيث صنفوه في خانة كبار علماء الاقتصاد ومنظري العالم النامي من عيار سمير أمين، ويوري بوبوف العالم السوفياتي الذي ألف معه كتابا مشتركا حول ظاهرة التخلف بالعالم النامي وسبل الانعتاق من التبعية، والتحرر الاقتصادي والاجتماعي. وقد نشر الكتاب بعد وفاة المرحوم عزيز بلال بموسكو سنة 1987، تحت عنوان: تركبة التخلف في الماضي والحاضر والمستقبل.
    ولذا انخرط عدد من الباحثين من تلقاء أنفسهم في صفوف حزب التحرر والاشتراكية المحظور، وفي حزب التقدم والاشتراكية، لتأثرهم بأفكار عزيز بلال بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، نظرا لجاذبيتها وصدقية مؤلفها. ولا زال كتابه «التنمية والعوامل الغير اقتصادية» يحتفظ بالراهنية في معظم فقراته، وهي الخلاصة التي استخلصها عزيز بلال من عصارة أبحاثه كباحث وفاعل سياسي ونقابي وجمعوي، ربط البحث بالممارسة العملية الميدانية، قصد خدمة الصالح العام والطبقات الكادحة في بلده كجزء من البلدان النامية، باعتباره عالما دوليا يخدم القضايا العادلة في العالم والقيم الإنسانية السامية والسلم والرخاء في العالم.
    في هذا الصدد فقد سررت بردود الفعل الإيجابية لطلبتي بجامعة محمد الخامس حول الخلاصات الخمس الواردة في مؤلف عزيز بلال حول إشكالية التخلف وسبيل التخلص منه، وهو الدرس الذي كنت ألقيه بمدرج إبن خلدون بكلية الآداب شعبة الجغرافيا جامعة محمد الخامس بالرباط في مادة «جغرافية التخلف» (1984-1989) والتي خصصت محورا أساسيا لفكر عزيز بلال حول قضايا التنمية في البلدان النامية. وفي كل لقاء مع بعض خريجي تلك الأفواج، أول ما يتذكرونه حين اللقاء بهم، هو فكر عزيز بلال وخلاصاته حول التخلف وسبل التنمية من خلال ذلك الدرس الذي يفتخرون به كقاعدة لتكوينهم الجامعي، ومنهم أساتذة جامعيون (حاليا بجامعة الأخوين وجامعات مغربية ..)، وأطر إدارية عليا، وأطر سلطة (رؤساء دوائر وعمال وولاة).
    ورغم اختفائه الجسدي عنا، يظل الرفيق عزيز بلال رمزا للتضحية، والاستماتة في الدفاع عن الوطن في جدلية النضال من اجل تعميق الديموقراطية والتضامن مع الكادحين. ويظل منارة للوطن والمثقف الملتزم وفخرا لحزب التقدم والاشتراكية الذي كان يسميه عدد من المثقفين باسمه «حزب عزيز بلال». وهو ما جعلنا في قيادة الشبيبة المغربية للتقدم والاشتراكية في أول مجلس مركزي لها، وفي أول مكتب وطني لها، ومع أول كاتب أول لها هو الرفيق أحمد سالم لطافي، حين كان الرفيق عبدالله العياشي في الديوان السياسي، مواكبا لها وللمنظمات الجماهيرية، أسسنا منظمة الطلائع في منتصف الثمانينات وأطلقنا عليها إسم عزيز بلال، تيمنا بهذا المناضل الفذ، ليكون أحسن خلف لخير سلف : «منظمة الطلائع، أطفال المغرب عزيز بلال» التي تشرفت رفيقتنا المناضلة رشيدة الطاهري، البرلمانية الحالية، كأول رئيسة لهذه المنظمة الطلائعية، التي عرفت توسعا في الكم والكيف، ويرأسها حاليا رفيقنا رشيد ركبان.
    كما أن رفاق عزيز بلال في قيادة الحزب وقاعدته وفي أوساط مثقفيه لم يترددوا في تأسيس مركز علمي للبحث يحمل إسمه: «مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث» الذي يرأسه رفيقنا محمد الشيكر، أحد الباحثين الذين تتلمذوا على الرفيق عزيز بلال في مدرجات كلية الحقوق، بجامعة محمد الخامس بالرباط.
    وقد حاولنا كمستشارين منتخبين باسم الحزب في جماعة أكدال الرياض (2003-2009) اقتراح تسمية أحد شوارع العاصمة باسم عزيز بلال. ولكن السلطات لم تستجب لهذا الطلب، كتكريم لزعيم سياسي وأستاذ جامعي جليل، وهو أيضا تشريف للعاصمة باسم هذا المناضل الوطني الدولي الذائع الصيت.

    خلاصة عامة

    كان الرفيق عزيز بلال مناضلا ورمزا من رموز الحزب، صلبا ضد الرجعية المحلية، والامبريالية بدون هوادة حتى ولو كلفه ذلك التضحية بروحه الطاهرة، وهو في بداية عقده الخامس، في عز عطائه السياسي، والثقافي والفكري التقدمي، حين اختنق بغرفته في فندق بقلعة الإمبريالية في ظروف غامضة، والتي سيكشف التاريخ عن كل الحقيقة، آجلا أم عاجلا، وهو يؤدي واجبه كمواطن منتخب، كان يمثل مدينة الدار البيضاء ضمن الوفد المغربي بمدينة شيكاكو. ومما يدعو إلى الاستغراب هو أن كل مرافقيه من أعضاء الوفد المغربي رجعوا إلى البلد، باستثناء عزيز بلال. وبذلك يعتبر فقدانه خسارة كبرى لحزبه وطلبته وعائلته و بلده وشعبه، وبلدان العالم النامي التي سخر خبرته لخدمة شعوبها السائرة في طريق النمو.
    ونختم المقال بشعرنا الخالد: سنمضي، سنمضي إلى ما نريد، وطن حر وحزب عتيد. ويا عزيز بلال، لا زلنا على الطريق.
    رحم الله شهيد الحزب والوطن عبدالعزيز بلال. ودام فكره وروحه ونضاله قدوة لنا وللأجيال الصاعدة.

    أستاذ جامعي مناضل حزب التحرر والاشتراكية ثم حزب التقدم والاشتراكية


    ‏ Abdel Aziz BELAL, 1980, Développement et facteurs non économiques, SMER, Rabat.
    2 أشكر في هذا الصدد الرفيق محمد مشارك، على تفضله بتدقيق تواريخ بعض الأحداث في زمن الرصاص والحظر الذي تسلط على حزب التحرر والاشتراكية (1968-1974)، لكونه كان عضوا بمكتب ناحية الرباط في الفترة التي كان فيها الرفيق عزيز بلال كاتبا أولا للناحية رفقة الرفاق إسماعيل العلوي وفتحي لخضر والمهدي بنشقرون وحسن لمباركي وأبهات أحمد، والسربوتي أحمد، والعربي الياسني...
    ‏3 Abdel Aziz BELAL, 1968, L’investissement au Maroc (1912-1964) et ses enseignements en matière de développement économique, Paris, Monton
    ‏4 Abdel Aziz BELAL, Youri POPOV, 1987, La formation du sous-développement, passé, présent, futur, Edition du Progrès (Manuel des sciences sociales), Moscou.
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    في ذكرى رحيل عبد العزيز بلال
    قراءة في كتاب ” العوامل الغير اقتصادية للتنمية “
    عبد الصادقي بومدين

    وفاء لذكرى الراحل عبد العزيز بلال و تخليدا لهذه الذكرى ، و اعتبارا لكون أحسن تخليد لذكرى مفكر و مثقف كبير ومناضل وقائد سياسي من الطراز الرفيع هو إحياء أفكاره و نشرها، لأنها أفكار و اجتهادات تستحق أن تعيش و تستمر في تأطير الممارسة الفكرية و السياسية على حد سواء، ارتأيت إعادة نشر هذا المقال الذي سبق لي نشره في مجلة ” الاقتصاد و المجتمع ” سنة 1986 ، و أنوه إلى أنه ينبغي قراءته بوضعه في سياقه و القضايا و الانشغالات الفكرية التي كانت سائدة في بداية الثمانينات من القرن الماضي ومنها إشكالية التخلف و التنمية … وما ميز عزيز بلال في النقاش و الحوار الفكري الغني الذي كان دائرا بين المفكرين و الباحثين الاقتصاديين فيما كان يسمى ب ” العالم الثالث” حول موضوع التخلف والتنمية والذي ساهم فيه بقوة الى جانب سمير امين ومهدي عامل وانور عبد المالك واخرون خاصه في امريكا الاتينية،هو انتباهه للعوامل الثقافية ومجمل العوامل الغير اقتصادية في التنمية في وقت كان جل الباحثين يركزون على العامل الاقتصادي سواء لتحليل ظاهرة التخلف أو اقتراح بدائل للتنمية…

    كتاب عزيز بلال ” العوامل الغير اقتصادية للتنمية ” كتاب نفيس يتضمن تحاليل و أفكارا يمكن الاستئناس بها، بل و اعتمادها ،لتحليل الواقع الحالي و لفهم مجمل التحولات التي حدثت وتحدث في بلدنا و بناء إستراتيجية للتنمية ملائمة لها. وهذه مجرد إطلالة متواضعه على ما اعتبرته أهم مضامينه لا تغني بالطبع من العودة إلى الكتاب الذي لم يترجم بعد إلى العربية مع كامل الأسف…..

    عبد العزيز بلال المناضل السياسي القيادي ( عضو المكتب السياسي لحزب التقدم و الاشتراكية) والباحث المرموق في المغرب، و المؤسس الرئيس للفكر الاقتصادي المغربي، و مؤسس الجامعة المغربية و لجمعية الاقتصاديين المغاربة الذي ظل رئيسا لها حتى آخر يوم من حياته، نموذج للمثقف الثوري الذي يربط بشكل عملي بين النظرية و الممارسة و الذي يبحث بشكل مستمر عن فهم أعمق للواقع ،وينحاز عمليا لقضايا الجماهير … فقد ظل باحثا لأزيد من 20 سنة في اقتصاديات العالم الثالث مقترحا نظرية متكاملة لفهم ” التخلف ” واضعا الأسس الأساسية لإستراتيجية شمولية للتنمية … و أنتج خلال هذه الفترة عددا كبيرا من البحوث أهمها كتاب:” الاستثمارات بالمغرب ” و ” العوامل الغير اقتصادية للتنمية”.

    في هذه المحاولة سنحاول عرض أهم الأفكار التي يتضمنها آخر كتاب صدر له قبل وفاته الغامضة” العوامل غير الاقتصادية للتنمية”، باعتباره الكتاب الذي يحمل خلاصات فكر عزيز بلال التي توصل إليها خلال عشرين سنة من البحث في مسألة التخلف و التنمية.

    1- خمس أطروحات أساسية:


    لأجل مقاربة شمولية لإشكالية التخلف يقترح عزيز بلال خمس أطروحات ، تعتبر خلاصة أبحاثه في هذا الحقل:

    1- إعتبار التخلف مسلسل سوسيو /تاريخي processeurs socio-historique ناتج عن تأثير الاستعمار و الإمبريالية على التشكيلات الاجتماعية الما قبل رأسمالية التي كانت بنيتها وخط تطورها مخالفا لما كانت عليه مجتمعات أروبا الغربية ، وهذا التأثير الإستعماري في البنيات الاقتصادية و الاجتماعية الما قبل رأسمالية précapitaliste الواقعة خارج الموطن الأصلي للرأسمالية ( أروبا الغربية) لم يكن نتيجة صدفة تاريخية، بل ينبغي أن يفهم على أنه من طبيعة تطور النمط الرأسمالي للإنتاج و قوانينه المحركة في مرحلته الامبريالية.

    ومن أجل فهم عميق لهذه المسألة يستلزم الأمر نبذ كل تحليل ميكانيكي ” أروبي المركز” eurocentrisme من جانب ، ومساءلة التاريخ و الحركة السوسيو/ تاريخية الحقيقية أي القيام بقراءة جديدة للتاريخ من جانب آخر … وهنا يقترح عزيز بلال قراءة للتاريخ تميز بين نموذجين من المجتمعات قبل الثورة الصناعة ( ق 18):

    – تلك التي أدت ، في مسار تطورها،إلى ولادة الرأسمالية ( أوربا – اليابان).

    – تلك التي مرت بمراحل هامة من الحضارة ودخلت لاحقا في سبات و تقهقر… ثمة، إذن خطان من التطور التاريخي مختلفان ومتمايزان طوال المراحل التاريخية الما قبل الثورة الصناعية.

    إن هذا التمييز امر ضروري و قاعدة أساسية لفهم مسلسل تشكل ” التخلف” كبنية متميزة ناتجة عن فعل القوانين التاريخية لكلا الخطين التي ينبغي الكشف عنها من أجل إمساك معرفي بالظاهرة و إمكان تجاوزها بالتالي ، وهنا تطرح ضرورة معرفة أخرى، هي فهم المكانيزمات التي أدت إلى الانتشار الخارجي للرأسمالية وتحولها إلى الإمبريالية.. إن ميكانيزمات التحول تلك يحكمها القانون الداخلي لتطور النمط الرأسمالي للإنتاج، هذا التطور الذي قاده إلى الانتشار في المناطق الواقعة خارج مواطنه الأصلية ، و انتشاره ذاك أدى إلى تخريب البنيات الاقتصادية و الاجتماعية الماقبل الرأسمالية في هذه المناطق ، وهي بنيات مخالفة ومتميزة عن تلك التي سادت وتسود في المواطن الأصلية لنمط الإنتاج الرأسمالي ……

    فثمة عاملان إذن يفسران تشكل بنية ” التخلف” في هذه البلدان المسماة ” الدول المتخلفة”:

    – طبيعة البنيات الاقتصادية و الاجتماعية الماقبل الكولونيالية التي سادت هذه البلدان و خط تطورها التاريخي المتميز.

    – التدخل الاستعماري و تحويل مسار تطور هذه البنيات نحو إتجاه آخر غير إتجاهها الأصلي..

    أن تداخل هذين العاملين و تلازمهما التاريخي هو ما يسميه بلال بالمسلسل السوسيو / تاريخي لتشكل بنية التخلف، وهو التفسير التاريخي الذي يقترحه لفهم هذا التشكل.

    2- اختلاف بنيات التخلف من قارة لأخرى ومن بلد لآخر:

    ويرى بلال أن ملاحظة هذا الاختلاف ينبغي أن تقود إلى إعادة النظر في قراءة التخلف وعلاقته بالنظام الرأسمالي العالمي و تدقيق أصوله و أشكاله .

    فأشكال التخلف انطلاقا من ميلاده يمكن أن تختلف في الزمان ( من مرحلة لأخرى ) و في المكان ( من منطقة لأخرى)، إن هذا الاختلاف يعبر عن اختلافات البنيات الما قبل كولونيالية في هذه البلدان (المسماة متخلفة حاليا) من جانب ، و اختلاف أساليب ضم التوابع للنظام الرأسمالي العالمي من جانب آخر.

    فالبنيات الاقتصادية و الاجتماعية لما قبل الكولونيالية تختلف عن النظام الفيودالي ( الإقطاعي ) الأروبي كما تختلف عن بعضها البعض، من بلد لآخر ومن قارة لأخرى … وكمثال على ذلك يورد عزيز بلال الاختلاف الطبقي في كل من آسيا و إفريقيا، ففي آسيا كان الوضع الطبقي قبل التدخل الكولونيالي ” متمايزا حيث الفوارق الطبقية واضحة نسبيا”، عكس المجتمعات الإفريقية السوداء حيث التمايز الطبقي كان ضعيفا و حيث قوة البنيات الجماعية بهذا ما جعل تأثير التدخل الكولونيالي في البنيات الاقتصادية و الاجتماعية يختلف في إفريقيا عنه في آسيا. كما يلاحظ هذا الاختلاف، بشكل واضح، في أمريكا اللاتينية حيث كان التدخل الكولونيالي في زمن تراكم الرأسمال في بنيات تتميز بالملكية العقارية من النموذج الفيودالي ( اللاتيفونديات) وهذا ما جعل البنيات الاقتصادية الاجتماعية في معظم بلدان أمريكا اللاتينية جد متميزة عن غيرها في إفريقيا و آسيا.

    إن هذه الاختلافات الملحوظة بين القارات الثلاث ينبغي أن تدرس و تؤخذ بعين الاعتبار عند دراستنا لظاهرة التخلف..

    3- بنية التخلف هي تركيب سوسيو/ إقتصادي جديد ومتميز:

    لقد كانت سيطرة نمط الإنتاج الرأسمالي على التشكيلات الما قبل رأسمالية في البداية عبر علاقة : المتربول/التوابع، ثم بعد الاستقلال السياسي اتجه نحو إدماج هذه التشكيلات في النظام الرأسمالي بتدمير التشكيلات الغير رأسمالية التي غزاها، وتشويهها وجعلها خاضعة لوظيفته، وقد نتج عن ذلك تركيب combinaison متكون من التشكيلات الماقبل رأسمالية المحولة عن طبيعتها و التشكيلات المهيمنة .. هذا التركيب هو كل ديالكتيكي اجتماعي مختلف نوعيا عن الأشكال الما قبل رأسمالية التي كانت سائدة في هذه البلدان من جهة كما هو مختلف عن الأشكال الرأسمالية المتقدمة من جهة أخرى، أي أن التشكيلات الناتجة عن هذا الامتزاج بين تشكيلين مختلفين نوعيا هي تشكيلات متميزة..

    هذه النظرية التي يقترحها عزيز بلال، و التي تنظر إلى بنية التخلف ككل تبعدنا عن النظرية التبسيطية ” اللازدواجية” ، فليس ثمة ازدواجية قطاعين ( تقليدي وعصري ) منفصلين عن بعضهما البعض بل كل اجتماعي متميز ومترابط العناصر، وبذلك فهو يرفض الحل الذي تقترحه نظرية الازدواجية لإشكالية التخلف والملخص في عصرنة القطاع التقليدي وإلحاقه بالقطاع العصري (أي الرأسمالي) الأمر الذي يعني أن إستراتيجية التنمية تتم في أفق المشروع الرأسمالي.

    4- كل تشكيلة اقتصادية اجتماعية تشكل كلا في حركة تحكمها علاقة ديالكتيكية بين القاعدة المادية للمجتمع وبنيته الفوقية.

    أن فهم طبيعة هذه العلاقة في بلداننا ودورها في استمرار ” التخلف ” أو العكس خلق قوى قادرة على تنحيته، يعتبر في نظر عزيز بلال مسألة مركزية لم يتم الانتباه إليها إلا من طرف قلة قليلة من الباحثين .. أن لهذه المسألة أهمية إستراتيجية ومركزية اعتبارا لكون المشكل العام للتنمية هو بالأساس مشكل تغيير اجتماعي.

    ومنطق عزيز بلال النظري لفهم هذه العلاقة هو منطق مادي تاريخي جدلي ، ويقوم بتحديد المفاهيم التي يستعملها لتكون واضحة و دقيقة ، فيذكرنا أن القاعدة المادية للمجتمع أو بنيته الاقتصادية تتكون من أنماط الإنتاج الموجودة ، و البنية الفوقية له تتكون من العلاقات الاجتماعية و المؤسسات التي تنظمها ومجموع الأفكار التي تمثل الوعي الاجتماعي ( الأفكار ، الإيديولوجيات إلخ…).

    إن فهم العلاقة الموجودة بين البنية التحتية و البنية الفوقية، وهي مسألة تكتسي أهمية إستراتيجية عند عزيز بلال كما سلف الذكر، لا يمكن أن تتم إلا عبر منطق تحليل شمولي لواقع التخلف، أي القيام ب: تحليل سوسيو / إقتصادي، وتحليل سوسيو/ ثقافي وتحليل سوسيو/ سياسي ،و تحليل نفس/ إجتماعي إلخ….

    ولا يمكن بناء إستراتيجية شمولية للتنمية إلا انطلاقا من هذا التحليل الشمولي لواقع التخلف في جوانبه الاقتصادية وغير الاقتصادية، وفهم الدور المعقد لهذه الأخيرة، أي الابتعاد عن مقاربة اقتصادية محضة كما يفعل الاقتصاديون البرجوازيون .

    هنا يتميز عزيزبلال عن كثير من الباحثين في مجال التخلف و التنمية سواء في أروبا أو العالم الثالث، إنه يجتهد ليكون إمساكه المعرفي بحقائق التخلف أكثر عمقا و شمولية، فهو ينظر لبنية التخلف ككل اجتماعي له مستوى اقتصادي يستلزم تحليلا اقتصاديا، ومستوى ثقافيا إيديولوجيا – نفسيا ( غير اقتصادي ) يتطلب هو الآخر تحليلا عميقا يستند منهجيا للنظرية المادية التاريخية الجدلية، و يكون بذلك قد تجاوز كثيرا من النظريات المقترحة في هذا الحقل و مقترحا نظرية أكثر علمية وأكثر قدرة على تفسير واقع التخلف بكل مستوياته و جوانبه المكونة .. فإغفال إحدى الجوانب و المستويات المكونة لبنية التخلف يجعلنا أمام قصور معرفي و العجز بالتالي عن استيعاب علمي للإشكالية.. إننا إذن أمام نظرية شمولية متكاملة تعي جيدا حقيقة الواقع في حركيته و تعقده و ترابط مستوياته الجدلي.

    5- كل إستراتيجية للتنمية ترتبط بطبيعة الدولة و البنية الطبقية للمجتمع وكذا المشروع الاجتماعي للطبقة السائدة: ما هو طبيعة هذا المشروع؟ هل يتعلق الأمر بإعادة إنتاج التشكيلة المهيمنة أم بالسير نحو تشكيلة جديدة مخالفة؟ ثم، أين يذهب الفائض الاقتصادي؟ وما درجة المشاركة المباشرة و الواعية للمنتجين في قيادة مسلسل التنمية؟

    إنها أسئلة أساسية يلزم على كل باحث ودارس لواقع التخلف في بلد معين أن يطرحها على هذا الواقع المحدد الذي تحكمه تناقضات طبقية و مطامح و مصالح طبقية محددة، ففي كل إستراتيجية للتنمية ليس هناك مجال للحديث عن ” الصالح العام”، بل مصالح طبقية .. وبالتالي فإن البعد الطبقي و السياسي يكتسي أهمية قصوى عند تحليلنا لإشكالية التخلف و التنمية، إنه البعد المسكوت عنه في أغلب الدراسات في هذا الحقل خصوصا عن الليبراليين الجدد، وهو على النقيض من ذلك، البعد الحاضر بقوة عند عزيز بلال، أنه يعتبر أن عملية التنمية هي عملية تغيير اجتماعي وهي بالتالي عملية صراع طبقي بين طبقات تستفيد من الوضع القائم و أخرى تطمح للتغيير، إنها عملية سياسية في نهاية التحليل….

    هذه الأطروحات او الفرضيات الخمس هي المستندات النظرية الأساسية التي يقوم عليها فكر عزيز بلال و الموجهة لأبحاثه في مجال التخلف و التنمية حتى قبل صياغتها بدقة في آخر كتاب صدر له ” التنمية و العوامل غير اقتصادية” باعتبارها خلاصات أزيد من عشرين سنة من البحث المتخصص.

    إن هذه الأطروحات الخمس يعتبرها أيضا نقدا مباشرا أو غير مباشر لكل المنطلقات الأكاديمية التي تعتبر التخلف إما مجرد تأخر تاريخي أو ناتج عن النمو الديمغرافي ، أو عن عوامل أخلاقية أو نفسية أو قدرية إلخ.. وهي في نفس الوقت تصور متكامل و شمولي بديل لكل التصورات الجزئية و التي تقنع حقيقة التخلف أكثر مما تكشف عنها لاعتبارات إيديولوجية يكشف عنها بلال بوضوح و يزيح عنها الأقنعة في كثير من أعماله خصوصا في مؤلفه” الاستثمارات في المغرب” و في المؤلف موضوع حديثنا.

    – العوامل الإيديولوجية و الثقافية و إستراتجية التنمية:

    في الجزء الذي يتعلق بهذا الجانب يعمق عزيز بلال أطروحاته المتعلقة بالعوامل الغير اقتصادية للتنمية و التي خصص لها هذا الكتاب، بعد ان قام بتحليل معمق للجوانب الاقتصادية و الذي بدأه بأطروحته لدكتورة الدولة ” الاستثمارات في المغرب 1912- 1964 ” …..

    فهو يشير في هذا الجزء إلى الإهمال وعدم إنتباه الباحثين إلى أهمية العوامل الإيديولوجية و الثقافية سواء في تفسير ظاهرة التخلف او وضع إستراتيجية التنمية، فعزيز بلال يركز على ضرورة و أهمية المنطق الديالكتيكي الشمولي لدراسة الإشكالية إياها وتبيان ليس فقط التناقضات الاقتصادية ( و هي مسألة أساسية ) بل أيضا التناقضات على الصعيد الثقافي و الإيديولوجي.

    استحالة إعادة إنتاج النموذج الرأسمالي المتقدم:

    إن العراقيل التي تعاني منها مجتمعاتنا المتخلفة ليست فقط من طبيعة سوسيو/ اقتصادية ( تحويل عوائد التراكم الرأسمالي للمراكز الإمبريالية، وعدم التحكم الوطني في نمو قوى الإنتاج إلخ….) بل إنها تعاني أيضا من عراقيل تتحدد على مستوى البنية الفوقية ، عراقيل من طبيعة سياسية و إيديولوجية و ثقافية التي تقوي العوائق السوسيو / اقتصادية…. وفي إطار إستراتجية حقيقية للتنمية فإن تجاوز العوائق السوسيو/ اقتصادية ينبغي أن يترافق بالضرورة مع تجاوز العوائق الإيديولوجية و الثقافية التي تعرقل التقدم و فعالية شعوبنا…

    إن القوى السائدة تعتمد على زعم ” تفوق الحضارة الغربية” و بالتالي وجوب قبولها كما هي من طرف شعوبنا لأجل إعادة إنتاج علاقة الهيمنة الإمبريالية و بأشكال متجددة.

    ويقوم عزيز بلال بانتقاد جذري لهذا الزعم الذي تستند إليه الطبقات السائدة في سيادتها الطبقة و في استمرارية هذه السيادة…. فالحضارة الغربية – يحلل عزيز بلال – تشكل عنصرا عضويا مع طبيعة الحركية الداخلية لنموذج التطور السوسيو/ إقتصادي و الثقافي في تلك المجتمعات، فهي تعبر عن إنتصار نمط الإنتاج الرأسمالي عن الأنماط السابقة وعن تنحيتها النهائية لها، وهي تصور خاص للعلاقات الإنسانية ولنمط العيش و الاستهلاك و السلوك إلخ… و بالتالي فهي تشكل كلا منسجما مع طبيعة التطور الاقتصادي و الاجتماعي لتلك المجتمعات و طبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي.

    هنا أيضا يطرح عزيز بلال أهمية مساءلة التاريخ لأجل فهم أوضح لمشكلات الحاضر، فهو يدعم أطروحته هذه بالرجوع إلى التاريخ و مساءلته، فمنذ عدة قرون، يقول، تشكلت الطبقات الاجتماعية المختلفة و المتصارعة، في أرووبا، من حول الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ( الأرض في العهد العبودي و الإقطاعي و الرأسمال لاحقا)، أما في المجتمعات الآسيوية و الإفريقية و الأمريكية الجنوبية فإن التشكل الطبقي تم بشكل آخر و مخالف، فضمن إطار الملكية الجماعية ظهرت مجموعات تسيطر و تستغل.

    ونتيجة لهذا الاختلاف، فإن الوعي الاجتماعي لدى المنتجين وغير المنتجين تم بطريقة مختلفة في كلا النموذجين بالطبع، لا على المستوى الإيديولوجي و لا على مستوى الممارسات الإنسانية.

    فالحضارة الغربية إذن هي إفراز متميز من التطور الاقتصادي و الاجتماعي يختلف نوعيا عن تطور المجتمعات المسماة الآن متخلفة، كما سبق الذكر، و بالتالي فإنها حضارة ذات أسس تاريخية، تفتقدها المجتمعات التي تطورت تاريخيا بشكل آخر، ومن ثم فإن استعادتها او إعادة إنتاجها يبدو في نظر عزيز بلال، أمرا مستحيلاّ نظرا للتمايز الآنف الذكر…

    تم يتطرق بلال إلى اهم التيارات الفكرية التي تشكل جزءا هاما من الحقل الإيديولوجي/ الثقافي، ويحددها كما يلي:

    التيار الماضوي:passéiste ، وهو تيار يدعو إلى الرجوع إلى الأصول و إلى الماضي المثالي، هذا التيار يعبر عن الطبقات الشبه إقطاعية و بعض القطاعات من البرجوازية الوطنية.

    التيار التكنوقراطي- العصراني technocrate-moderniste : هذا التيار يسود داخل الأوساط البرجوازية، ” البرجوازية المثقفة” ويرتبط بالنمط الرأسمالي.. فهو يعتبران العامل التكنولوجي ( التكنولوجية الغربية المستوردة) هو الوحيد الذي له قيمة و يحتقر العوامل الأخرى الإقتصادية و الإيديولوجية و السياسية…

    التيار العدمي:nihiliste يبخس كل التراث الثقافي للماضي و يعتبره في مجمله رجعيا و متجاوزا.

    عدم انسجام بنيوي:

    بعد انتقاده لهذه التيارات التي تنظر إلى الواقع في إحدى جزئياته وتخفي بالتالي حقيقته، يستمر بلال في تعميق تصوره الشمولي للتخلف و الكشف عن حقائقه وتفسيرها …. حقائق إرتبط نشؤها بانتشار نمط الإنتاج الرأسمالي خارج حدوده الأصلية..

    إن هذا الانتشار ، يحلل بلال، خلق وضعية جديدة مختلفة تميزت بالخصوص بعدم انسجام بنيوي بين المسلسل السوسيو / تاريخي من طبيعة رأسمالية و المفروض من الخارج و بين الأنماط الحضارية الموجودة في هذه البلدان قبل التدخل الكولونيالي.

    إن التدخل الاستعماري بأنماطه الإنتاجية و الحضارية في بلدان ذات نمط حضاري مخالف يعتبره بلال بمثابة اصطدام عنيف خلق الشروط لمسلسل ” التخلف” الذي عايشته الشعوب المعنية كأزمة مفتوحة:

    أزمة سوسيو / اقتصادية من جانب
    أزمة حضارية من جانب آخر

    إن الأزمة الحضارية الناتجة عن الاصطدام ذاك، ترجمت عدم التأهيل ( impréparation) الاجتماعي و التاريخي لمواكبة الحضارة الدخيلة ، وعدم تقبل الثقافات و أنماط السلوك الموجودة لأشكال الحياة المفروضة من طرف التدخل الرأسمالي، وهي أشكال جاءت في أروبا بعد أن عاشت مجتمعاتها تحولات اجتماعية عامة مهدت لسيادة النمط الرأسمالي للإنتاج…

    ويشير عزيز بلال إلى أن المحيط السوسيو/ثقافي في كثير من بلدان العالم الثالث عرف نوعا من الصلابة و لم يكن اقتحامه سهلا من طرف التدخل الكولونيالي، فأغلبية الجماهير اعتبرت القيم الدخيلة بمثابة كارثة، فلم يتم تقبلها إلا من طرف أقلية وبشكل اصطناعي، وهذا ما يعطي صبغة خاصة للرأسمالية المحلية في البلدان المتخلفة.

    ينبغي إذن تجاوز الطريقة الميكانيكية التي يتم التعامل بها مع مسألة ” الأصالة و المعاصرة” المطروحة على بلداننا من طرف السوسيولوجيين و الاقتصاديين الغربيين، كما ينبغي تجاوز اعتبار التخلف بمثابة تأخر ، ذلك ان التناقضات الأساسية غير مؤسسة على هذه الأرضية و غير محددة على هذا المستوى… فالأمر لا يتعلق بتناقض أساسي بين التقدم و التأخر او الأصالة و المعاصرة، فمنطلقات كهذه لا يمكن لها إلا أن تخفي الحقائق السياسية ل ” التخلف” و تخفي جوهره، أي إخفاء بنية و دينامية العلاقات الطبقية على المستوى الداخلي و الخارجي، و هي بنية و دينامية خاصة بالتشكيلات المحيطة (أو التابعة ) وما ينتج عن ذلك من شروط لإعادة إنتاج التشكيلة الاجتماعية القائمة.

    على هذا المستوى إذن ينبغي تشخيص التناقض الرئيسي الذي يرتبط حله بإستراتيجية ثورية للتنمية ، تناقض بين:

    – ضرورة تحرر القوى المنتجة و العوائق التي تضعها علاقات الإنتاج السائدة أمام هذا التحرر و شنقها له.

    وبين

    – القوى الاجتماعية التي لها مصلحة في القضاء على الاستغلال و التبعية و التخلف، و القوى التي تستفيد من وضعية التخلف و التبعية أي ، بمعنى آخر، فإن التناقض الرئيسي يتحدد بكونه تناقض بين الطبقات الكادحة المنتجة للفائض الاقتصادي ( العمال و الفلاحون بالدرجة الأولى) وحلفائهما الوطنيين من جهة ، وقوى الهيمنة و الإمبريالية و حلفائها الداخليين في التشكيلات المحيطة و التابعة من جهة أخرى …

    و التخلف لا يمكن ان يفهم جيدا و يحلل بالتالي إلا إذا وضع على قدميه، أي اعتباره جزءا مدمجا في كل اجتماعي/ تاريخي في حركة، و اعتباره نتاج لتطور الرأسمالية، يؤكد بلال، لا يمكن أن يؤدي في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية إلا إلى ورأسمالية محيطة ( périphérique) أو تابعة ضعيفة وتحت السيطرة، تدمج الأنماط التقليدية السابقة و تستثمرها لمصلحتها… فالأنماط التقليدية تلك إذن ، بالنسبة لبلال، ليست في تناقض أساسي مع القطاع العصري ( الرأسمالي)، بل أنها مدمجة و مشكلة معه بنية التخلف…

    هنا ينتقد عزيز بلال النظريات التطورية و يكشف عن خلفيتها الإيديولوجية، نظرية روستو بالخصوص، حول مراحل التطور الاقتصادي و التي تدعو إلى ضرورة لحاق : rattrapage الدول المتخلفة للمراكز الرأسمالية المتطورة كإستراتيجية لتنمية هذه الدول….

    فهي تقدم القطاع العصري بمثابة ” مملكة الفعالية ” و العقلانية وتقابله بالقطاع الشبه تقليدي ” الغير معقلن” و المعتمد على الموروث القديم…

    و في رأي عزيز بلال فإنه ليس الموروث هو الذي يفسر سلوك جماهير ما يسمى بالقطاع التقليدي، بل الأزمة العامة التي تعاني منها هذه الجماهير منذ التدخل الرأسمالي و التهميش الذي يمارس عليها في إطار نظام ” تطور التخلف” (développement du sous –dévlopement) هو الذي يعمق أزمة عدم الإندماج لديها ، ويجعلها تهرب إلى موروثها القديم كملجأ بحثا عن الأمن، ليس الاقتصادي فحسب، بل البسيكولوجي أيضا…..

    و لأجل فهم هذه الظاهرة لابد من إدماجها ضمن مجموع الواقع الاجتماعي و الثقافي القائم، وتجاوزها لا يمكن أن يتم إلا ضمن ممارسات سياسية وثقافية جديدة ، إلا ضمن مشروع النهضة الوطنية و التحرر الاقتصادي و الاجتماعي، و في إطار هذا المشروع لا يمكن أن يكون الموروث هنا عائقا إذا كان هذا المشروع يأخذ بعين الإعتبار الكل الإجتماعي و عناصره المكونة في أفق تحويله الثوري…

    – حول دياليكتكية ” الخصوصية و الشمولية”

    تكتسي مسألة العام و الخاص أهمية قصوى في النظرية الاجتماعية الثورية، فهي محور تجددها وتطورها المستمر في إطار ما سماه لينين بحلقة الإدراك الحلزونية .

    إنها المسألة التي يتم تغييبها، بوعي أو بدونه، من طرف نقاد النظرية الثورية و من طرف الفكر البرجوازي بمختلف أصنافه ، لكونها المسألة التي تؤكد حيوية النظرية وأصالتها و قدرتها على الاستيعاب العلمي لكل واقع عيني أنى كان تحديده الزماني او المكاني.

    إن مفهوم الخصوصية هو من صميم النظرية الاجتماعية الماركسية، لكن ما هو خاص لا تعزله النظرية تلك عما هو عام و الذي يرتبط معه بشكل جدلي غير قابل للفصل ” إن الخصوصية تمثل الشكل الملموس الذي يظهر فيه القانون العام دائما”.

    هذه المسألة لم تغب عن فكر عزيز بلال، فهو يفتح حوارا حول ما إذا كانت مجتمعاتنا ذات خصوصية و إلى أي حد يمكن استخدام المنهجية المادية الجدلية و التاريخية في معرفتها؟

    يرى بلال أن مفهوم الخصوصية أصبح غطاء و معطفا إيديولوجيا ليس فقط للطبقات الرجعية و المحافظة بل أيضا لا إيديولوجية البرجوازية الصغرى التي تأخذ بالتحليل الماركسي عندما يتعلق الأمر بالإمبريالية و هيمنتها الاقتصادية و الإيديولوجية ، وترفضه عندما يتعلق الأمر بالتركيب الطبقي و التناقضات الطبقية و طبيعة الدولة ودور البروليتاريا إلخ… ثم يسأل بلال: فيما تكون مجتمعاتنا ذات خصوصية؟ يجيب أن هنا ما هو عام تشترك في مجتمعاتنا مع مجتمعات أخرى( مثلا مجتمعات طبقية، تعيش صراعا طبقيا و قائمة على الصراع ، التبعية للإمبريالية، بعض الأشكال الثقافية….) و أن تحويلها المجتمعي يتطلب، كما هو حال أي مجتمع آخر، تطبيق النظرية الاجتماعية الثورية بشكل خلاق ومبدع يأخذ هذه الخصوصيات بعين الاعتبار … أن هذا ما يسميه بلال ” بالخصوصية – الواقع” لكن هناك أيضا ، لدى بعض التيارات الفكرية و السياسية ما يسميه ب: الخصوصية / القيمة spécifité-valeur أي أدلجة الخصوصية الواقعة ( idéologisation) وجعل المجتمعات غير خاضعة للقوانين العامة لتحول المجتمعات الإنسانية….

    ولايفوته أن يشير إلى أن الخصوصية قد تصبح قيمة إيجابية عندما تكون لمصلحة التحرر الوطني و بعيدة عن كل شوفينية متطرفة ( مثال الفيتنام)، إن هذا التوجه لا يرفضه عزيز بلال بقدر ما يرفض الخطاب الرجعي و المحافظ حول الخصوصية ليجعلها قيمة إيديولوجية لمحاربة الفكر التقدمي و الثوري باسم الخصوصية…

    كما يرفض أيضا عقيدة ” الاشتراكية الإفريقية” التي تعتبر أن المشكلة الأساسية ليست تسوية التناقضات الداخلية بين الطبقات الاجتماعية في الوطن الواحد بل تسوية الفوارق الموجودة بين دول متقدمة وأخرى متخلفة، و في هذا نفي للنضال الطبقي الداخلي و الاستغلال الاجتماعي في المجتمعات الإفريقية… ثم إنه إذا كان استغلال البلدان المتخلفة مازال قائما فنظرا لوجود الطبقات الأوليغارشية و الكومبرادورية و البرجوازية البيروقراطية داخل هذه البلدان و التي تعتمد عليها الإمبريالية في هذا الاستغلال أي وجود طبقات ترتبط مصالحها الطبقية بالإمبريالية. فالأمر لا يتعلق هنا بظاهرتين متمايزتين ومنفصلتين بل بوجهين لحقيقة واحدة: النظام الرأسمالي العالمي.

    ضمن هذا الإطار يمكن فهم مسألة ” التخلف” فهما جديا و استيعابه علميا، فالاتجاهات الاقتصادية المحضة من اليمين أو اليسار، و اتجاه ” الطريق الثالث” لا يمكن لها ان تعطي تصورا علميا و شموليا لهذه المسألة ، ومن هنا فعالية المنهج المادي الجدلي والتاريخي في تحليل الظاهرة…

    ويخلص عزيز بلال إلى وجود أربع مشكلات مترابطة:التحرر الوطني،الثورة الاجتماعية ، التنمية، الحضارة، ..وهي اربع مكونات مركزية لحركة اجتماعية وتاريخية شاملة و ينبغي أو توضع في شموليتها، والتي اختزلها الكثيرون تعسفياإلى مشكل التنمية, هذا الاختزال يسميه بلال ب:الايديولوجية التنموية (Idéologie développementiste )

    إن الأمر يتعلق بتحويل شمولي، الذي لا يمكن أن يتم في نظره، إلا استنادا إلى النظرية الثورية للتغيير الاجتماعي، وهذا يستلزم استيعابا خلاقا،وليس ميكانيكيا أو دغمائيا، النظرية الماركسية-اللنينية..وهذا التغيير لا يمكن أن تقوم به الطبقات الكادحة (العمال والفلاحون بالدرجة الأولى) وتسير به إلى نهايته لأجل النهضة الوطنية والتحرر الاقتصادي والاجتماعي…

    تلك إذن إطلالة خاطفة على المحيط الفكري للشهيد عزيز بلال وعن بعض القضايا التي يطرحها للحوار، ولا يمكن لمبادرة كهذه أن تقدم فكر بلال لقراء العربية، نظرا لغنى هذا الفكر وتنوعه وتعدد اهتماماته / ونؤكد على ضرورة نقل أعماله إلى اللغة العربية لأجل إغناء الحقل الثقافي والفكري.
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عزيز بلال.. في ذكرى رحيل المثقف الذي لا يحمل فكره ربطة عنق
    عمر زغاري
    [​IMG]


    في مثل هذه الأيام قبل 34 سنة خلت، فقدت الحركة الديمقراطية والتقدمية، مناضلا فذا ومثقفا ألمعيا وأستاذا جامعيا بارزا. فمن الولايات الأميركية المتحدة، معقل الامبريالية ورأس رمح النظام الرأسمالي، شاع النبأ/ الفاجعة عبر قصاصة أعلنت وفاة عزيز بلال في حريق شبّ بأحد فنادق شيكاغو، حيث كان يقيم ويقوم بواجبه كنائب لجماعة سيدي بليوط عين الذئاب، بمهمة إنجاز عملية توأمة الدار البيضاء وشيكاغو.

    سنون مضت على هذا الحادث/ الفاجعة الملفوف بجملة من الملابسات والسيناريوهات المريبة، التي وإن كانت قد تكالبت في تغييبها القسري لمفكر اقتصادي عالم ثالثي في أوج عطاءاته وبحوثه العلمية، فإنها لم تتمكن من طمس معالم فكره الوقاد ومناهجه العلمية ومراجعه المعرفية في البحث والتحليل والدرس، حد أن صار الاقتصاد مع عزيز بلال حفريات في العوامل غير الاقتصادية في التنمية، وذلك على اعتبار أن البنيات الفوقية لاقتصاديات “العالم الثالث” تتخارج في صيرورتها، لا بفعل جدلية علائقها بالبنيات التحتية من اقتصاد واجتماع بل وبفعل العوامل الزمنية لكل بنية على حدة وتقاطب أنماطها بحيث يظل المستوى الإيديولوجي هو المهيمن في هذه المجتمعات واستخراج فائض القيمة خاضعا لسلطان البنية الفوقية.
    وهو الطرح الذي بلوره الدكتور سمير أمين في بحوثه حول أنماط الإنتاج وتراكم الرأسمال، والتقطه عالم الاقتصاد الهندي ميرنال الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في تسعينيات القرن الماضي في دراسته حول نمط الإنتاج الأسيوي، وما خلصا إليه في بحوثهم ودراساتهم من كون السلطة هي التي تتحكم بالثروة على عكس المجتمعات الرأسمالية حيث الثروة هي التي تتحكم بالسلطة. ومعلوم أن طروحات العوامل غير الإقتصادية في التنمية قد تصدرت جملة من الدراسات والبحوث المشتركة بين الاقتصادي الروسي بوبوف والفقيد عزيز بلال، الذي حال موته المفاجئ دون استكمال هذه البحوث ومقاربة الجواب حول إشكالاتها المركبة ومسارات تشكلها المعقد، والتي صارت تعد، من قبل العديد من مدارس العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة، بعد تخصيص جائزة نوبل لها، إنجازا تاريخيا وحقلا معرفيا عصيا على الحفر دون دُربة وخبرة في البحث والتنقيب بل ودون تملك الموسوعية والتخصص في آن واحد.
    ونحن نستحضر ذكرى الفقيد عزيز بلال، لا يسعنا إلا أن نقر بعلو كعب هذا الرجل الذي لا تزال أجيال من المناضلين والمشتغلين بكافة حقول المعرفة المنشغلة بتحرر الإنسان من قهر الضرورات وبناء دولة الحريات والعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان، تستنير بفكره الثاقب وتحليلاته العميقة في تطارح البدائل التنموية على الأرضية التاريخية للتشكيلة الاجتماعية للمجتمع والدولة وبنياتها الطبقية وفي الانتصار لأطروحة إن السياسة تظل التعبير المكثف عن الاقتصاد.

    ففي استحضار درس عزيز بلال حول سؤال الاقتصاد كعلم والسياسة كفن والثقافة كهوية ونمط حياة، تثور راهنية فكره اليوم من زاوية مفتوحة على 180 درجة، حيث لا يمكن أن نتصور التنمية إلا إذا كان الناس معتزين بأنفسهم ككائنات بشرية تعيش بكرامة وليست اقل شأنا من أي كان، أو إلا إذا استرجع الناس اعتزازهم بأنفسهم وكرامتهم في حال فقدانها وتم الاعتراف لهم بحقهم غير القابل للتصرف في تقرير مصائرهم، وحيث نعاين اليوم، وفي مجرى الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية وإفلاس اقتصاديات العالم الثالث، السقوط المدوي للمنظومة المفاهيمية لفكرة التنمية التي تصدرت مخطط ترومان عام 1949، وتبخر ما تم التبشير به من إمكانية اللحاق بالركب الحضاري، عبر معونات غذائية ومساعدات مالية وضمانات قروض، وخارج كرامة الإنسان كشرط محوري لكل تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية.

    فطوال حالات الاستثناء التي شهدها المغرب وتعطيل الحياة السياسية وعسكرة الجامعات، ظل درس عزيز بلال حول سؤال الاقتصاد كعلم والسياسة كفن والثقافة كهوية ونمط حياة، يستقطب الطلبة الجامعيين والباحثين من مختلف المشارب الفكرية و الإيديولوجية، وعدا عزيز بلال وأستاذ القانون الدستوري القدير المرحوم عبد الرحمن القادري، لم يكن ليجرؤ أحد من الأساتذة الجامعيين على الانتصاب في وجه كل تطاول على الحرم الجامعي بل وكل مس بالجامعة كحصن لحرية الفكر ولسلطان العقل.

    فعديد من طلبة السبعينات يتذكرون ندوة كاتدرائية “القلب المقدس” بحديقة الجامعة العربية الملحقة يومها بكلية الحقوق بالدار البيضاء، والتي حاولت فيها بعض الأجهزة الأمنية استفزاز عزيز بلال حول دواعي وخلفيات مشاركته في نشاط منظم من قبل طلبة جبهويون، فكان جوابه: لا يهمني من يكون هؤلاء في تقاريركم، كل ما يهمني هو أنهم طلبتي ومن واجبي أن أكون هنا بينهم للتنادي وتطارح الأفكار على قاعدة الحق في الاختلاف، ووحدها شجرة الحياة خضراء أبدا.

    وكان أن ارتفعت حناجر ما يزيد عن 400 طالب وطالبة من داخل القاعة وخارجها: عزيز بلالنا… كله أستاذنا…

    لذا، فعيار الرجل وراهنية فكره اليوم، لن تفيه مناظرة حقه كمفكر متعدد الأبعاد، وكان من الأجدر بنا اليوم، ونحن في خضم تقييم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بإنجازاتها وإخفاقاتها، أن نستحضر تعاليم عزيز بلال- فكرا وممارسة- الداعية لكرامة الإنسان كشرط محوري لتفجير طاقات الإنسان الكامنة والمعلنة في الخلق والإبداع وقهر التحديات، وبالتالي ولوج التنمية المستدامة من بابها الواسع.
    ولعل هذا ما طبع حياة عزيز بلال أستاذ ومعلم جيل الأحلام الكبرى والمهام الجسام في بناء عزة الأوطان وكرامة الشعوب، حد أنه كان ينعت بالمثقف الذي لا تحمل ياقات قميصه ربطة عنق.
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة