نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

الجبل أيضا يبكى

الجبل أيضا يبكى

حاميد اليوسفي
قصة قصيرة

تعب عبد الله العجوز من التنقل ببن المنازل التي دمرها الزلزال في القرية.. كل شيء تحول إلى دمار.. الجبل وأشجار الجوز وحدهما بقيا شامخين.
جلس فوق هضبة مرتفعة بجانب الطريق يتأمل الخراب الذي سوى بيته مع الأرض.. لم يستيقظ بعد من الصدمة.. أغلب من سلِم من نسله، أنقذته فرق الإغاثة صباح اليوم الموالي. لقد فقد أنعامه، ونصف أفراد أسرته.. أبناء وزوجاتهم وأحفاد.. بغل وحمار وقطيع صغير من الماعز.
الموت حق، لكن الولف* صعب.. صور مضى عليها أكثر من أربعين سنة لا تفارق خياله هذه الأيام.. ابنه عبد السلام وهو طفل صغير يلعب أمام باب البيت الكبير، يدخل يأخذ قطعة خبز، ويُقطّر زيت الزيتون داخل لبابها.. يكاد يناديه بالاسم.. وفاطمة تأخذ مُدّا صغيرا من فاكهة التين.. يكاد يناديها بالاسم.. سقطت أحجار السقف على رأسيهما.. خنقهما التراب، ومنعهما من التنفس.. نزفا حتى الموت.
أحس بجرح ينزف داخل صدره، كأن يدا خفية تطعنه بموس الحلاقة.. انهمرت دمعة من عينيه.. كم هي غالية دموع سكان الجبل.. إذا بكى شيخ الجبل، فاعلم أن الأمر جلل، وفوق طاقة الجبل نفسه..

هنا وُلد وترعرع. دم وعظام أجداده امتزجا بتراب الجبل.. الحجر والشجر والأرانب والقنافذ والحجل والماء والثلج والشمس والبرد والسماء، كل شيء هنا يعرفه.. لا يحب مكانا آخر أكثر من الجبل. لا يعتقد بأن الجبل قسا عليه إلى هذا الحد، وأخذ منه كبده.
جاء الأجداد إلى الجل منذ زمن سحيق، يلوذون ويحتمون به.. لم يغدر، ولم يبخل عليهم. حذرهم منذ اليوم الأول بأن الحياة قاسية ببن شعابه، وقبلوا التحدي..
سمع البعض يقول بأن الجبال امتصت الصدمة، وتحملت قوتها، وخففت من آثارها.. لا يمكن أن يتحمل الجبل كل هذا الدمار الذي لحق بهم دون أن تسقط دمعة من عينيه..
الجبل أيضا يبكي أهله.. أحيانا يحن، وأحيانا يقسو.. الإنسان أيضا يفعل ذلك. هما وجهان لعملة واحدة..

قدم نحوه شبان من المدينة، يسألونه عن سكان القرية. نزل من بُرجه. بدا بقامته الفارهة، وتجاعيد وجهه التي تفترش لحية ناصعة البياض مثل شيخ يأبى أن يحني ظهره للزمان. الوقار والهيبة جعلتهم يقبلون يده ورأسه، كما يفعل أبناؤه، ويقدّمون له التعازي. تأمل وجوههم الحزينة، ابتسم بقلب مجروح، وهبط معهم المنحدر.
روى لهم ما جرى في تلك الليلة.. نفس القصة التي رواها لمن بقي من ناس القرية.. كان قادما من بيت ابن عمه الذي يبعد عن القرية بعشرات الأمتار. تناول وجبة العشاء، وبقي يتبادل الحديث مع أهله. كل شيء وقع في الطريق.. سمع عواء الذئاب، ونباح الكلاب.. توقف.. ثم سمع دويا مثل الرعد يتردد صداه بين الجبال.. لم يعرف مصدره.. أحس كأن طبلتي أذنيه تنفجران.. مادت به الأرض حتى كاد يسقط.. الظلام دامس.. لا قمر في السماء.. نور المصباح الصغير ضعيف.. عرف أنه الزلزال.. هرع مثل الأحمق يطوف بسور منزله.. لم يبق بيت لم يهوَ.. لم يبق جدار لم يسقط.. أحس بالعجز، وحده فوق الأنقاض، يحفر بيديه حتى دميت أصابعه، صوت داخله يبكي، ويصرخ، كأنه ليس صوته. لم يصدق ما حدث. من هول الصدمة أُغمي عليه حتى الصباح. اعتقد من أيقظه أنه ميت.. أخذوه إلى مكان آمن.. جسده يرتعد، عيناه جاحظتان.. لا يقوَ على الكلام.. كأن روحه اختُطفت إلى عالم لا عودة منه..
توقف عن السير.. توقف عن الحكي.. لم يتحمل تذكر هول الفاجعة. حبس دمعة في عينيه، جمدت مثل قطعة حجر.. هو أيضا حاول امتصاص الصدمة مثل الجبل.. لكنه بشر يبكي ضعفه أمام الله..

قدِم الأطفال، وبعض الرجال نحوهم.. بقيت النساء جالسات تحت ظل شجرة الجوز .. يفترشن الأرض.. عيونهن تائهة.. لم يستيقظن بعد من الصدمة.. فقدن قطعا من أكبادهن.. الآن يتسيّد عليهن الخراب.. لا بيت.. لا فراش.. لا غطاء.. لا طعام.. لا أواني.. لا ماعز يحلبنه.. يشعرن كأن الزلزال سلخ جلودهن.. لم يصدقن ما وقع..
انزل الشبان الحمل من ظهر البغال. قدموا للناس التعازي، ودعوا لهم بالصبر والسلوان. قبلوا رأس الشيخ عبد الله.
شكر العجوز الشباب على ما قدموه لسكان القرية من دعم ومساندة. استيقظت في دمه نخوة سكان الجبل، وقال بصوت يغلب عليه الحزن:
نحمد الله ان الزلزال ضربنا نحن، فلو ضربكم انتم في المدن البعيدة، لأحسسنا بالخجل، لأننا لن نجد ما نُقدّمه لكم كعون ومساعدة.. منذ سنوات ونحن نموت في صمت.. الحمد لله إطلالتكم زرعت الأمل والحياة في نفوسنا.. لم نكن نعلم بأن لنا أهل بكل هذا الحب، وبكل هذا العدد..

المعجم:
ـ الولف: الألفة.

مراكش 18 أيلول 2023
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى