1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف العملاق - في حضرة العقاد

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏13/11/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    مع أبي العلاء في سجنه



    قال صديقنا الدكتور طه حسين في تبيين مقصده من كتابه هذا: وستقول فانك إن مضيت على هذا النحو لم تقدم إلينا كتاباً في البحث العلمي ولا في النقد الأدبي؛ وإنما تتحدث إلينا عن صديق! وهذا حق؛ فأني لا أقدم إليك كتاباُ في البحث العلمي عن أبي العلاء، ولا في النقد الأدبي لأبي العلاء، ولعلي قدمت إليك من ذلك ما فيه مقنع؛ وإنما أتحدث إليك عن صديق لا يرجى نفعه ولا يتقى شره؛ ولا يصدر المتحدث عنه إلا عن الحب المبرأ من الرغب والرهب ومن الطمع والإشفاق، أفتراك تكره مثل هذا الحديث؟ ألم تسأم هذه الأحاديث الكثيرة التي تمتلئ بالبحث العلمي والنقد الأدبي والتي تكتب ابتغاء لرضى الأصدقاء واتقاء لسخطهم. .؟)

    وقد أحسن الدكتور القصد، وأحسن التعريف. فكتابه حديث المرء عمن يحب لمن يحب. واراه مذكري أحاديث الآباء عن أبنائهم الأعزاء: كيف يضحكون وكيف يبكون، وكيف يخطون وكيف يتعثرون؛ والسامع يرتاح إلى الإصغاء إن كان ممن يعنيهم أمر أولئك الأبناء، فأما إن لم يكن منهم فإلى غيره يساق الحديث، وليس من حقه أن يلوم المتحدث كما ليس من حق القارئ الذي يطلب الهندسة أن يلوم المؤلفين الذين لا يكتبون كتابة المهندسين

    وأنا ممن يحبون أبا العلاء وممن أطالوا قرأته في أول عهد الشباب، وما أحسب أحداَ من الشبان المشغولين بالأدب لم تمض به فترة معرية في باكورة كفاحه حين تصطدم أحلام الصبا بمتاعب الدنيا وتجارب الأيام، فهناك يروقنا التشاؤم ويعجبنا من يعيبون لنا الحياة. ثم نخرج من هذه الربقة فنعاودها معاودة الحنين إلى تلك الباكورة المشتهاة، ونقرنها بذكرى الشباب وذكرى الأحلام، ونعطف عليها كما يعطف الرجل الجلد على بكاء طفولته وهي لا تستوجب بعض ذلك البكاء. فما زلت أعتقد وأزداد مع الأيام اعتقاداً أن بغض الحياة اسهل من حب الحياة، وأن الأدوات النفسية التي نلمس بها آلام الحياة اعم وأشيع وأقرب غوراً من أدوات النفس التي نلمس بها أفراح الحياة العليا ومحاسنها الكبرى. فالفرح أعمق من الحزن في رأيي ولا مراء! وليس الحزن قدرة بل هو انهزام أمام قدرة. . . أما الفرح فهو القدرة والانتصار. والدكتور طه لفرط حبه أبا العلاء يتهم نفسه بمحاباته فيقول: (قل إ أوثر أبا العلاء وأحابيه وأرضى منه أشياء لا أرضاها من غيره فقد لا تخطى ولا تبعد، وأظنني نبهتك إلى ذلك في أول الحديث، وقلت غير مرة إني لا أملي كتاباً في البحث العلمي ولا في النقد الأدبي، وإنما أسجل خواطر أثارتها في نفسي عشرة أبي العلاء في سجنه وقتاً ما)

    فمن المصادفات العجيبة أنني حابيت أبا العلاء على نحو قريب من هذا النحو، ولكني لم أسمها محاباة بل قلت إنها هي الإنصاف المعقول في قياس الأقوال بالقائلين، وعبت من نصحونا بأن ننظر إلى ما قيل لا إلى من قال، فكتبت قبل ثلاثين سنة في مذكراتي التي جمعتها باسم (خلاصة اليومية) أنها قاعدة لا يصح إطلاقها على كل حال. فالكلمة تختلف معانيها باختلاف قائليها، وكلمة مثل قول المعري:

    تعب كلها الحياة فما أعج ... ب إلا من راغب في ازدياد

    يؤخذ منها مالا يؤخذ مما تسمعه في كل حين بين عامه الناس من التذمر من الحياة وتمنى الخلاص منها، لأننا نثق بأن المعري مارس الأمور الجوهرية في الحياة ودرس الشؤون التي تكون منها عذبة أو مرة، نكداً أو رغداً؛ ولم يسبر منها أولئك العامة إلا ما يقع لهم من الأمور التي لا تكفى للحكم على ماهية الحياة

    فكلانا إذن يسمع القول من شيخ المعرة فيعجبه، ويسمع القول نفسه من غير الشيخ فلا يحظى عنده بذلك الإعجاب لكن صديقنا الدكتور يسميها محاباة ومجاملة لصديق، وأنا أجرى فيها على سنتي الغالبة في كل شيء من التوفيق بين الحجة والعاطفة فلا أبرح بالعاطفة حتى أقنع بها عقلي وأثبت له أنها جديرة بإقراره وترخيصه، فيعيش العقل والعاطفة معا في وئام، وأخلص بهذا مما يقع بينهما من ملام وصدام

    وشيء آخر أخالف به الدكتور أو تخالف فيه طريقتي طريقته في صداقة أبي العلاء

    فأنا لا أذكر أنني كرهت أحداً أحبه أبو العلاء، أو أحببت أحداً كان هو من كارهيه

    أما الدكتور فيعلم ما كان في نفس صاحبه من الحب والإكبار لأبي الطيب ثم يقول: (أنا أقدر فن المتنبي وأعجب ببعض آثاره إعجاباً لا حد له، واعجب ببعضها الآخر إعجاباً متواضعاً أن صح أن يتواضع الإعجاب، وأمقت سائرها مقتاً شديداً، ولا تثير حياة المتنبي في نفسي إشفاقاً عليه ولا رثاء له، وإنما هو مغامر طلب ما لم يخلق له، وتعرض لما كان يحسن أن يعرض عنه فانتهى إلى ما ينتهي إليه أمثاله المغامرون)

    ترى ماذا كان المعري قائلاً للدكتور لو سمع منه هذا المقال؟ أخشى أن تكون وقيعة بين الصاحبين وأن كنت لا أخشى أن يعود الشيخ إلى استحسان قصيدة أبي الحسين التي مطلعها:

    لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل

    لأن الشيخ يعلم أن الدكتور لا يكره أبا الحسين كراهة الناقص للكامل ويستشفع له بشفيع من طيب النية وصدق الولاء والحق أنني أعجب لهذا النفور بين الدكتور وشاعرنا العربي الكبير، وما أنا ممن يستحسنون كل شعره ولا كل عمله ولكني أزن ما زاده في ثروة الآداب العربية وما زاده في شرور الحياة بسوء عمله وسوء خلفه فأعلم أن الحياة لم تفسد بفساد المتنبي وأن الأدب قد صل بصلاح شعره، وان لأصغر الهلافيت من خلق الله لسيئات أكبر من سيئات المتنبي بكثير واحتملتهم الدنيا مع ذاك. . . أفتحتمل الدنيا هذا من أصغر الهلافيت ولا تحتمله من الرجل الذي لو قبلنا حسناته بألف ضعف من سيئاته لكنا نحن الرابحين؟

    هنا أيضاً أعود العاطفة والحجة واحسبني أقرب من الدكتور إلى وفاق الصداقة ببني وبين شيخ المعرة، واقرب إلى الإنصاف

    أهذا كل ما أخالف به الدكتور من رأى أو هوى في حديثه عن صديقنا العظيم؟

    كلا! بل هناك خلاف وخلاف، وأكثر من خلاف وخلاف هناك قول الدكتور تعقيباً على كلام الأديب الفرنسي بول فاليرى في المصور ديجاس (العجيب الذي لم أكن أتوقعه ولا أفترضه أن كثيراً من صفات هذا لمصور الفرنسي الذي كنت أسمع اسمه وأجهل من أمره كل شي تشبه ما ألفت وأحببت من صفات أبي العلاء. فشدة الرجل على نفسه إلى أقصي غايات الشدة، وشك الرجل في مقدرته إلى أبعد آماد الشك، وارتياب الرجل بأحكام الناس في أمور النفس، وزهد الرجل في الشهرة وبعد الصيت، في الثراء وسعة ذات اليد، وانصرافه عن الحمد الكاذب والثناء الرخيص، وتأجيله لذة الظفر بالفوز، وخلقه المصاعب لنفسه وبغضه للطرق القصار والأبواب الواسعة، وإيثاره الطرق الطوال والأبواب الضيقة - كل هذه الخصال التي يحدثنا بها بول فاليري عن صديقه وأثيره ديجاس قد حدثتنا بها القرون والأجيال عن أبي العلاء، إلا أن الأول كان مصوراً رساماً والآخر كان شاعراً حكيماً. . .)

    أفصحيح أن المعري وديجاس شبيهان في خليقة واحدة لأنهما على نفسيها صارمان؟

    هنا قسوة، وهناك قسوة، وهنا تعذيب وهناك تعذيب، ولكن أين قلق الفنان في سبيل الخلق من قلق الناسك في سبيل الإحجام؟ أين تعذيب الجواد بالسوط لينبعث ويسبق من تعذيب الجواد باللجام ليسكن ويكف عن الوثوب؟ أين اللزوميات وهي قيود، من (الأمبرشنالزم) وهي انطلاق من القيود؟ أين رياضة الفقير الهندي المتقشف من رياضة الحسناء بالتقتير على جسدها في الشراب والطعام لتزداد جمالاً على جمال ونشاطاً على نشاط؟ أين الزهد في المال انصرافاً إلى الغني من الزهد في المال انصرافاً عن الدنيا؟ إن الفرق بين تعذيب وتعذيب ليبلغ أحياناً من السعة أبعد مما بين النعيم والعذاب، هكذا كان الفرق بين صرامة المعري وصرامة ديجاس

    وثمة خلاف غير هذا الخلاف بيني وبين الدكتور في حديثه عن صديقنا القديم

    فالدكتور ينقل شذرة من فصول المعري وغاياته يقول فيها: (يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدمه، يسمع الأصوات بيده، وتكون بنانه مجاري دمعه، ويجد الطعم بأذنه، ويشم الروائح بمنكبه، ويمشي إلى الغرض على هامته، وأن يقرن بين النيروسنير حتى يريا كفرسي رهان)

    ثم يعقب الدكتور على هذه الشذرة فيقول: (أما أنا فما أشك في أن أبا العلاء قد قصد بهذا الفصل خاصة إلى رأى من أشد الآراء الفلسفية الأبيقورية خطراً وهو إنكار العلة الغائبة وإثبات أن العالم كما هو لم يخلق لغاية من هذه الغايات التي نعرفها نحن ونزعم أن الأشياء قد خلقت لتحقيقها)

    وعندنا نحن أن سماع الإنسان بيده أو شمه الروائح بمنكبه لا ينفي العلة الغائبة، لأن الوسيلة والغاية هنا موجودتان، ولم تختلف إلا الوسيلة التي تتحقق بها الغاية

    وأصوب من هذا أن يقال إن رأى المعري شبيه برأي المعاصرين الذين يقولون: (إن الوظيفة تسبق العضو، وإن القوة تسبق الظاهرة)

    فإذا وجدت الرغبة في الحركة أو في هضم الطعام وجدت الأعضاء التي تتكفل بأداء هذه الوظيفة على اختلاف الأشكال والأوضاع في أجناس الحيوان

    وللشاعر الإنكليزي (كولردج) على ما أذكر كلمة في مصور عظيم يقول فيها: (إنه لمصور ولو خلق بغير ذراعين) مريداً بذلك أن التصوير وظيفة قبل أن يكون عضواً من الأعضاء، فلو خلق المصورون بغير أذرع لخلقت لهم وسائل أخرى لإبداع مالا بد أن يبدعوه

    وقال الدكتور يخاطب أبا العلاء:

    (. . . أنت لا نعرف ما باريس وما أظنها قادرة على أن تصرفك عن حزنك وتشاؤمك، بل أنا واثق بأنك لو عرفتها لأمعنت في حزنك وتشاؤمك كشأنك حين عرفت بغداد. أما أنا فإن باريس تصرفني عن الحزن والتشاؤم وتثير في نفسي لذات عقلية ليست أقل من هذه اللذات التي أجدها في الحديث إليك والحديث عنك، وهي على كل حال تزعجني عن سجنك الذي كنت أود لو أطيل المقام فيه. ومن يدري لعلي أسأم لذات باريس فأفزع منها إليك من حين إلى حين. فليكن وداعي لك الآن موقوتاً ولأقل لك في لهجة المحب المشفق الوامق: إلى اللقاء)

    فالدكتور واثق بان أبا العلاء لن يكون في باريس إلا كما كان في بغداد

    فما باله أراد مني أن أجعل أبا العلاء يرى في باريس ما يراه السائحون، ويقول فيها ما يقوله أولئك السائحون؟

    في هذه أنا أيضاً أقرب إلى وفاق الصداقة من الدكتور

    أنا ذهبت إلى باريس بالخيال فأخذت إليها صاحبي بالخيال، والدكتور طه ذهب إلى باريس حسا وخيالاَ فأبى على صاحبه المزاملة وهتف به:. . . إلى اللقاء؟

    وما أردت علم الله أن أوغر صدر الشيخ على صديقنا الدكتور أو أن أظفر بنصيب من الحظوة عنده فوق نصيبه، ولكنني أحببت الحديث عن الشيخ ولم أحبب أن يكون تكريراً وإعادة تبطل بها متعة الحديث. فليكن خلاف وكان خلاف!! وإنما هو اتفاق في حب التحدث عن صاحبنا المحبوب

    عباس محمود العقاد
    مجلة الرسالة - العدد 335
    بتاريخ: 04 - 12 - 1939

    .
     
    أعجب بهذه المشاركة عبد الرحمن ابو جلال
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    الخصومة الأدبية في الشرق


    كتب كثير من الأدباء في الخصومة التي حدثت بيني وبين الرافعي، أو بيني وبين شوقي رحمهما الله، فلم أجد فيما كتبوه مدعاة إلى التعقيب أو المناقشة، وآثرت السكوت عليه.

    وقرأت للأستاذ الصديق صاحب الرسالة مقالاً عن رأي الرافعي فيّ وفي الدكتور طه حسين، فرأيت فيما رواه عن الرافعي رحمه الله مذهباً من الخصومة الأدبية يتبعه كثيرون في الشرق خاصة، ويأباه كثيرون ولا سيما في البلاد الغربية. فكتبت هذا المقال لأبين به خطتي في خصومة الأدب أو خصومة الرأي على الإجمال، وألمع به إلى موضع الاستقامة وموضع الانحراف فيما قيل حول هذا الموضوع.

    وكنت أعلم أن الرافعي يقول عني أحياناً غير ما يكتب. روى ذلك الأديب الكبير محمد السباعي، ورواه صديقنا الكاتب المبين الأستاذ البرقوقي صاحب البيان، وكله في جملته يوافق ما رواه الأستاذ الزيات في مقال الرسالة؛ ومنه حرص الرافعي على كتمان هذه الشهادة!

    ولم هذا الاختلاف بين السر والجهر، أو بين القول الخاص والقول العام؟

    هذا هو أيضاً موضع الاختلاف بين خطتي في الخصومة الأدبية والخطة التي كان يؤثرها الرافعي وبعض الأدباء.

    فأنا أقول الرأي بلهجة وأقوله بلهجة أخرى، وهذا قصارى ما أستبيح من الفرق بين الرضى والغضب والصداقة والخصومة.

    أما الرأي في لبابه فلا يتغير ولا يتناقض، ولا يسعني أن أجهر بغير ما أكتم، وإن كنت لا أدين نفسي بنفخ الأبواق ودق الطبول تعظيماً لمن هجّيراه أن يتناولني بالتصفير.

    روى صديقنا الزيات عن الرافعي أنه قال: (أما العقاد فإني أكرهه وأحترمه؛ أكرهه لأنه شديد الاعتداد بنفسه قليل الإنصاف لغيره. ولعله أعلم الناس بمكاني من الأدب؛ ولكنه ينفسّ علي قوة البيان فيتجاهلني حتى لا أجري معه في عنان).

    وهذا كلام فيه صواب وفيه خطأ. ونستطيع أن نتفق على موقعه من الصواب وموقعه من الخطأ إذا توخينا الإنصاف.

    فماذا كان رأيي الذي كتبته في الرافعي وأدبه؟

    إنني كتبت عنه مرات أن له أسلوباً جزلاً، وأن له صفحات من بلاغة الإنشاء تسلكه في الطبقة الأولى من كتاب العربية للمنشئين.

    وقلت إلى جانب ذلك أنني أنكر عليه فلسفة البحث وصحة المنطق ودقة القياس.

    فهل كان في وسعي أن أرى في أدب الرافعي غير هذا الرأي أو أشهد له غير هذه الشهادة؟

    كان في وسعي نعم أن أقولها بلهجة غير التي كتب بها عني وكتبت بها عنه.

    ولكن هل كان في وسعي بعد قراءة أرسطو وأفلاطون وأبن سينا وكان وشوبنهور وهيوم أن أحسب الرافعي من كبار المناطقة مع حسباني إياه من كبار المنشئين؟

    هبنا توافينا على المودة ولم نفترق في الخصومة؛ فهل كنت أستطيع أن أسيغ القضايا المنطقية التي كان رحمه الله يستكثر منها ويمعن في الاتكاء عليها، وهي لا تحتمل الاتكاء؟

    فأنا قد شهدت له بالبلاغة الإنشائية وأنكرت عليه الفلسفة المنطقية، لأنني أستطيع أن أسلكه مع الجاحظ وعبد الحميد، ولا أستطيع أن أسلكه مع كانت وابن سينا وهيوم.

    ومن الذي يستطيع غير ذلك ولو كان من أصدق الأصدقاء؟ بل من الذي يستطيع أن يدحض الأمثلة التي ذكرتها ورددت إليها إنكاري عليه ملكة البحث الفلسفي والمنطق الصحيح؟

    فمثل من تلك الأمثلة قول الأستاذ في الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب إن الحيوان لا ينطق من اللغة الإنسانية إلا بما فيه معنى الطعام (وبذلك تأتي لبعض الألمانيين أن ينطق كلبه بألفاظ خالصة من اللغة الألمانية، ولكنها في الجملة من حاجات الكلب الطبيعية كالأكل والشرب فلا تخرج عن معنى الإحساس أيضاً).

    فقلت له إن كلمة الخبز بالألمانية تقابلها ألف كلمة في لغات الناس كافة تؤدي معنى الخبز وتختلف في لفظها أبعد اختلاف، وعلى هذا يجوز أن ينطق الكلب بكل كلمة تجري على لسان الآدمي لأن اختلاف الكلمات في لغة واحدة ليس بأصعب على الحيوان من اختلاف ألف كلمة بمعنى الخبز في جميع اللغات.

    فهل هذا قياس صحيح؟ وهل هذا بحث في أسرار اللغات؟

    وقلت له أن كلمة (سمك) تؤدي معنى الطعام، ولكن السين والميم والكاف تدخل في اصطلاح المهندسين والفلكيين. فلماذا لا ينطق الكلب بلغة الرياضة العليا كما ينطق بلغة الطعام؟

    ومثل آخر من تلك الأمثلة أنه تعرض لرأي ابن الراوندي في إعجاز القرآن إذ يقول: (إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن الذي تحدى به النبي، فلم تقدر العرب على معارضته، فيقال لهم أخبرونا لو ادعى مدع لمن تقدم من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن، فقال: الدليل على صدق بطليموس أو أقليدس أن أقليدس أدعى أن الخلق يعجزون أن يأتوا بمثل كتابه أكانت نبوته تثبت؟).

    تعرض الرافعي لكلام ابن الراوندي، فماذا قال في الرد عليه؟. . . إنه لم يكشف المغالطة الظاهرة فيه وهي أن أقليدس لم يخترع الحقائق التي أوردها في كتابه، وليس في طاقته هو نفسه أن يبتدع كتاباً آخر أو يزيد قضية واحدة على تلك القضايا، فالعجز يشمله كما يشمل الآخرين، والدعوى لا تظهر فضلاً له غير فضل الاهتداء إلى الحقائق الموجودة قبله والتي لا يد له هو في إيجادها بأي معنى من معاني الإيجاد.

    لم يكتشف الرافعي هذه المغالطة الظاهرة، بل راح يقول: (لعمري أن مثل هذه الأقيسة التي يحسبها ابن الراوندي سبيلاً من الحجة وباباً من البرهان لهي في حقيقة العلم كأشد هذيان عرفه الطب قط. وإلا فأين كتاب من كتاب، وأين وضع من وضع، وأين قوم من قوم، وأين رجل من رجل؟ ولو أن الإعجاز كان في ورق القرآن وفيما يخط عليه، لكان كل كتاب في الأرض ككل كتاب في الأرض، ولا طرد ذلك القياس كله على وصفه كما يطرد القياس عليه في قولنا: كل حمار يتنفس، وابن الراوندي يتنفس، فابن الراوندي يكون ماذا؟).

    كذلك خيل إلى الرافعي (رحمه الله) أنه رد على ابن الراوندي وما زاد على أنه وصفه بأنه حمار. فمن شاء أن يحسب هذا قياساً فليفعل وله حكمه على عقله. أما أن يحكم على العقول جميعاً بأن نقيس الآراء كما يقيسها، فذلك هو الشذوذ.

    وقد نذكر هنا المثل الثالث والرابع والخامس والأمثلة الكثيرة لو كنا نريد الإحصاء والاستقصاء، ولكننا نريد التدليل ولا نبغي غيره. وفيما تقدم الكفاية.

    فالذي قلته في أدب الرافعي هو الذي اعتقدته، بل هو الذي لا أقدر على اعتقاد رأي غيره إلا أن أنسى كل ما عرفت من كتب البحث والقياس.

    والذي قلته في قياس الرافعي لا يقدر الصديق على أن ينفيه أو يقول بنقيضه؛ إلا أن تكون الصداقة على غير الحق والإنصاف ولو قنع مني الرافعي بأن أشهد له بالبلاغة وأن أنقد قياسه وبحثه على النحو الذي تقدم لما كانت خصومة ولا كان جدال.

    ولكنه أعتد رأيي فيه تجاهلاً وقلة إنصاف، وزاد فاعتده من العداوة ورصد له ما يرصد للأعداء. وهذا هو أصل الخلاف.

    أما ما قيل ولا يزال يقال عن الخصومة الأدبية بيني وبين شوقي رحمه الله فبودي مرة أن أقرأ كاتباً واحداً يقول: (إنك نقدت الشاعر في (كذا) وإن (كذا) هذه خطأ أقيم عليه الدليل، وهذا هو الدليل).

    بودي أن أقرأ هذا لكاتب واحد من الذين يخالفونني في الرأي وينهجون في النقد غير النقد الذي أنتحيه.

    ولكنهم جميعاً لا يزيدون على الصياح والاستهوال ثم الصياح والاستهوال: يا خلق الله الحقونا. . . يا خلق الله أسمعوا وأعجبوا. . . يا خلق الله تعالوا فانظروا من يقول أن شوقيا ليس بشاعر عظيم.

    وهذا كل ما يقال، وهذا كل ما يعاد، ولا مناقشة لرأي ولا استشهاد بمثال.

    ومنهم من يقولَّني ما لم أقل ويخرج صارخاً على خلق الله ليزعم أنني عظمت الشعراء جميعاً إلا شوقَّيا وحده، فقد خصصته بقلة التعظيم أكذلك حصل؟. . . لا. كذلك لم يحصل!

    وكل ما هنالك أنني يحق لي أن آكل الجميز الجيد وأن أعيب التفاح الذي يعاب. والجميز بعد ذلك هو الجميز، والتفاح هو التفاح!

    وأعجب العجب أن يبلغ الادعاء بهؤلاء أن يغلقوا كل باب للرأي غير رأيهم فلا يخالفهم أحد إلا إذا كان تأويل المخالفة الوحيد تِرَة شخصية أو قلة إنصاف!

    ولو أنهم طلبوا الحقيقة لسهل عليهم أن يعرفوا أن طريقتنا تباين طريقة شوقي، وأن اختلاف المقاييس بيننا وبينه معقول وطبيعي ومردود إلى أسبابه التي لا نغضي عنها لو أردنا الإغضاء.

    وأن ترة شخصية بيننا وبين شوقي لم تكن على حال من الأحوال. وليس في مقدور أحد أن يذكر سبباً لها لو اتجهت ظنونه إليها.

    فكل ما قلناه في أدب شوقي فهو رأينا الذي أعتقدناه، ولا نحب أن يشير أحد إلى اللهجة التي قلنا بها، فإن بيان أسبابها وتسويغ موقعها لا يعسران علينا، ولا يخفيان على من يعلم أو يريد أن يعلم. . . فالإيجاز في هذه الإشارة أولى من الإفاضة فيها.

    وبعد فالخصومة الأدبية لها مذهبان: مذهب الإيمان بالفضل وإخفائه على عمد، ومذهب الرأي الذي يتفق عليه الأصدقاء والخصوم وإن اختلفا في لهجة الأداء وعبارة الثناء.

    وهذا هو مذهبنا الذي ندين به ونجري عليه في كل ما اختصمنا فيه. . . وعلى الذين يرموننا بقلة الإنصاف أن يرونا مبلغ إنصافهم لنا، إن كانوا. . . منصفين!

    عباس محمود العقاد
    مجلة الرسالة - العدد 361
    بتاريخ: 03 - 06 - 1940

    .
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جهاد فاضل
    تفسير أبي نواس بين العقاد وطه حسين وسلامة موسى

    عندما أصدر عباس محمود العقاد في بداية الخمسينيات من القرن الماضي كتابه عن أبي نواس، ثارت معركة أدبية قاسية بينه وبين الدكتور طه حسين.

    فقد رأى طه حسين أن العقاد غالى غلواً شديداً في حديثه عن النرجسية على مذهب المحللين النفسانيين، إذ ذكر من مذاهبهم وتجاربهم فنوناً توشك أن تلحق كتاب العقاد بمكتب العلماء لولا أنه ليس له معمل أو مستشفى يجري فيهما التجارب كما يجريها العلماء، وليس أمامه مرضى أحياء يُجري عليهم هذه التجارب كما يجريها العلماء.. وأضاف طه حسين أن أبا نواس لم يعتدّ بنفسه أكثر مما اعتدّ شعراء كثيرون في أمم كثيرة بأنفسهم.

    وهذا الاعتداد شرط أساسي للتجويد الفني، لأن أبا نواس لو لم يعتدّ بنفسه وفنه، لم يحفل بالشعر ولم يتأنق فيه، ولم يُحسن الحكم عليه.

    وقد ردّ العقاد على طه حسين في حدود المعقول والمقبول، ففنّد ما ورد في مقال طه حسين دون أن يتعرض لشخصه أو يسفّ في عباراته مراعياً باستمرار سياسة «حسن الجوار» التي حكمت في البداية علاقتهما، أو سياسة «التطبيع» التي لم يكن منها بدّ، إذ كان لكل منهما أسبابه في عدم الوصول بالعلاقة إلى حافة الخطر، أو الانهيار..

    ولكن العقاد لم يكن حريصاً على التزام مثل هذه السياسة مع الآخرين ممن كانوا يقتربون من كتبه، أو آرائه، مدققين ناقدين. فهو لم يكن يحتمل النقد أو التعريض، مع أنه ممارس فذ لهما.. ولذلك ما كان يقترب أحد من حياضه، حتى يثب «أسد» أسوان عليه ويمعن فيه نهشاً وعضاً فلا يتركه إلا والدم ينفر من جراحه. وقد دأب طيلة حياته على مثل هذه الخصلة حتى تحولت إلى عادة متأصلة فيه، مع أنه كان خليقاً به أن يمارس دوراً بطريركياً، أو نوعاً من مرجعية يتسع صدرها للجميع، وبخاصة لمن كان يتصدى له بالنقد والجدل.

    ويهون الأمر لو أن العقاد كان يكتفي في معاركه القلمية بالتزام الجانب الموضوعي في المناقشة. ولا بأس من بعض العنف في اللهجة أو في الأسلوب طالما أن الأمر لا يتعدى المناقشة والجدل في الموضوع المبحوث فيه. ولكن العقاد كان لا يتردد في الانتقال إلى القضايا الشخصية البحتة، بل إلى استخدام الألفاظ والعبارات النابية البذيئة التي يستخدمها العوام، ولو أراد أحدنا أن يدقق في الإرث الهجائي أو «الشتائمي» الذي تركه العقاد، لتمكن من جمع ما لا يقل عن مجلد كثير الصفحات لم يكن يليق بأحد عمالقة الأدب العربي المعاصر أن يستخدمه أو يقترب منه.

    كان العقاد يبدو أحياناً كثيرة معقولاً أو مقبولاً في ردوده، وأحياناً كثيرة مقنعاً كل الاقناع، وغير مبتذل إطلاقاً. فعندما نشبت معركة بينه وبين طه حسين حول أبي نواس، عقب صدور كتاب العقاد عنه، تدخل سلامة موسى في الجدل الدائر مدلياً بدلوه حول شذوذ الشاعر النواسي، فذكر أن هذا الشذوذ هو وليد بيئته ومجتمع لا يختلط فيه الرجال بالنساء، وأن أبا نواس من الشخصيات السيكوباتية وليس من الشخصيات المنحرفة بالفطرة. فهو لو عاش في مجتمع يختلط فيه الرجال بالنساء، ولو تعلم الرقص، لما استسلم لشهواته الشاذة. «ذلك أن الشاب الذي يراقص الفتيات، وينظر إلى وجوههن، ويشمّ شعورهن، ويضع ذراعه في خصورهن، لا يمكنه أن يفكر حين يحبّ إلا في الجنس الاخر.. وهذا هو العيب الأصيل في المجتمع الذي عاش فيه أبو نواس من شعراء العرب الذين تغزلوا بالصبيان»..

    وقد ردّ العقاد يومها عل سلامة موسى رداً موضوعياً ومُقنعاً معاً لم يسفّ أو يبتذل. قال إنه إذا كانت شخصية أبي نواس سيكوباتية شاذة، فمعنى ذلك أنه مخالف في تكوينه للمجتمع الذي عاش فيه، وأنه لا يشبه الملايين الذين عاشوا في ذلك المجتمع. وإذا كانت آفة المجتمع العربي قلة الرقص، فمن اللازم أن يتشابه أبو نواس وملايين الخلق في هذه الآفة العامة، فلا شذوذ في هذه الحالة ولا سيكوباتية..

    وأضاف العقاد إلى ذلك أن سلامة موسى يعلم أن مجتمعات الغرب العصرية لا تشكو قلة الرقص، بل لعلها تشكو افراطه وتهافت الشبان والشابات عليه في الأندية والبيوت، بل في الميادين والساحات. ولماذا أصيب أربعة بالمائة بالشذوذ الجنسي مدى الحياة، عدا المصابين به في أطوار دون أطوار؟ وهذه النسبة مثبتة في تقرير «كنسي» وزملائه عن العلاقات الجنسية، وقد كتبه علماء وخبراء عن مجتمع عصري؟

    وتهكم العقاد يومذاك على سلامة موسى حينما ذهب إلى أنه لا يجهل هذا التقرير. كما تساءل من ناحية أخرى عن خطب أوسكار وايلد إن كان ذلك خطب أبي نواس، أن أوسكار وايلد لم يلده مجتمع كمجتمع أبي نواس، بل ولد في عصر الرقص والاختلاط ونشأ في بيئة الترف وتزوج من بيئته وولد له أبناء. ومن ثم لماذا ينفرد مجتمع شعراء العرب بالآفة لأنه محروم من الرقص والاختلاط بين الجنسين..

    وفي تصور العقاد أن أبا نواس لم يعتزل قط معاشرة المرأة بل قضى حياته بين القيان والغواني اللاهيات ونظم الغزل في أكثر من عشر حسان معروفات بأسمائهن، فلا ذنب للمجتمع العربي، ولا عصمة للمجتمعات الأوروبية أو الأميركية التي تمتلئ بالمراقص، ويختلط فيها الجنسان. ولا معنى للسيكوباتية مع تعليل الشذوذ بقلة الرقص أو قلة الاختلاط. «وليست هناك قلة اختلاط في حالة أبي نواس على الخصوص».

    ولكن العقاد فقد أعصابه لا في هذه المعركة، بل في معركة أخرى لاحقة مع سلامة موسى. فقد كتب هذا الأخير على صفحات جريدة الأخبار، عام 1956م مقالاً رأى فيه أن العقاد أديب لا يمتّ إلى الشعب بصلة، ولكنه مع بعض زملائه من أمثال طه حسين وهيكل وشوقي والجارم بطانة إقطاعية ساعدت على الظلم والطغيان، وأنه هو، أي سلامة موسى، الأديب المصري الوحيد الذي يكتب للشعب..

    ويبدو أن الكيل قد طفح عند العقاد، فأراد أن يلقّن هذا الكاتب ذا النزعة الافرنجية، والآخذ على بلده مصر أنها لا تتجه نحو الغرب لتستفيد من حضارته، درساً لا ينساه.. فكتب مقالاً «رهيباً» ضد سلامة موسى نقتطف منه هذه الفقرة: «الكاتب الذي يكتب ليحقد ويحقد ليكتب، ويدين بالمذاهب ليربح منها، ولا يتكلف لها الكلفة في العمل أو في المال.. وهو، (أي سلامة موسى) يشتري الأرض ويتجر بتربية الخنازير ويسخر العمال، ويتكلم عن الاشتراكية التي تحرّم الملك وتحارب سلطان رأس المال.. وهو يعيش في التقتير عيشة القرون الوسطى في الأحياء العتيقة، ويتكلم عن التجديد والمعيشة العصرية، وهو ينعى الحضارة الآسيوية، وإنه لفي طواياه يذكرنا بخلائق المغول في البراري الآسيوية».

    ويقول أحد الأدباء الذين عاشوا في تلك الفترة وكانوا أصدقاء للعقاد وسلامة موسى، إن مقال العقاد ترك جروحاً في نفس سلامة موسى احتاج زمناً طويلاً حتى شفي منها..

    قد يقول كثيرون - وربما كنا من هؤلاء - إن سلامة موسى يستحق مثل هذه «العلقة» من العقاد.. ذلك أنه جعل من نفسه «واعظاً» أو «معلماً» يقول للناس ما يجوز أن يفعلوا وما لا يجوز.. وأخذ على المصريين تقاليدهم ومواصفاتهم وأنماط حياتهم، ودعا إلى تقلد الغربيين في كل شيء. بل إنه قال للمصريين إن سبب بلائهم هو معتقداتهم الروحية ذات المنشأ الآسيوي الغريب عن روح مصر، وأن أعظم حاكم في تاريخ مصر الحديث هو الخديوي اسماعيل لا لشيء إلا لأنه حاول أن يجعل من مصر أمة غربية حديثة يلبس أهلها لباس الغربيين، ويأكلون ويشربون ويسلكون في سائر شؤونهم مثل الغربيين..

    لقد كان كاتباً منبهراً بالأوروبيين، وعدواً بالغ العداء للعروبة والإسلام، وداعياً بلا خجل لأن تكون بلاده مجرد »فاكونة» في القطار الغربي.. فهو يستحق إذن هذه «اللطمة» من كاتب كبير ذي نزعة عربية وإسلامية هو عباس محمود العقاد..

    ولكن آخرين لهم مذهب آخر في معالجة مثل هذه الحالة، ومنهم الأديب والشاعر اللبناني الراحل أمين نخلة الذي قال مرة إن الأب انسطاس ماري الكرملي صاحب مجلة (لغة العرب) سخر منه، أو تطاول عليه، في بعض المجالس، فأنف من الردّ عليه..

    المرء يأنف أحياناً، فلا يردّ..

    ولكن هناك من يردّ، ولكن في حدود الموضوعية البحتة، ومن أجل منفعة الحقيقة، ويمسك عن أية إهانة يمكن أن تلحق الأذى بكرامة من يردّ عليه.

    ولكن العقاد كان يتحول أحياناً، ويا للأسف، إلى كاتب ضعيف الذات، يفقد أعصابه فيخوض في باب البذاءات والشتائم، كما يخوض في أي باب آخر من أبواب الأدب. وهذا ما أخذه الكثيرون عليه، وما يؤلف في الواقع نقطة ضعف ملفتة في سيرته!


    .
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    طه حسين يقول: عندي جائزة لمن يفهم الأستاذ العقاد؟!
    الشرق الاوسط

    وفجأة اتجه الحوار إلى أن أحد كتب الأستاذ العقاد قد قررته وزارة التربية والتعليم على الطلبة. والطلبة يصرخون لأنهم لا يفهمون ما قاله العقاد. وظهرت البهجة على وجه الأستاذ العميد، وانفتحت شهيته لكلام قد احتبس عنده.

    فقال: وأنا لا أفهم ما قاله العقاد.. هاها..

    وهاها من طه حسين وقد أحنى رأسه وكأنه يخفيها حرجا تماما مثل فولتير.. فقد كان يخفي رأسه وسلاحه القاتل وراء ظهره.. وقال طه حسين، إن أحفادي قرأوا كتاب العقاد عن «أبو الشهداء» ولم يفهموه، وأنا أعلن عن جائزة لمن يفهم هذا الكتاب هاها..

    وأحنى رأسه..

    وكأنه يقول لعبد الرحمن الشرقاوي.. قال الأستاذ: العقاد يضع رأيه في أفواه أبطاله.. فهم يتحركون ويفكرون بالضبط كما أرادهم العقاد.

    وطه حسين يشير إلى أسلوب العقاد في تحليل الشخصيات وأسلوب طه حسين في تحليل الشخصيات أيضا. وقال طه حسين: إن كتاب العقاد عن أبي نواس كأن الذي كتبه فرويد وليس العقاد. فقد طبق العقاد على أبي نواس كل نظريات علم النفس عند فرويد..

    هناك مقولة شهيرة ـ أنا الذي أقول ـ إن العقاد يمشى أمام النص وطه حسين يمشى إلى جواره وتوفيق الحكيم يمشى وراءه..

    وأردت أن أرد على الأستاذ، لولا أننا اتفقنا ألا نرد وأن نترك الأستاذ يقول. ونحن سعداء بما يقول لا بما نقول..

    ثم قال الأستاذ: إن أخانا الأستاذ أنيس قد لا يعجبه ما أقول. فهو يحب العقاد إلى حد كبير..

    وسكت كأنه ينتظر أن أرد! ولم انطق بكلمة!

    ولكن رددت عليه في عدة مقالات لم يسعد بها الأستاذ وأدهشه أن تكون لهجتي هي الدفاع عن المرحوم العقاد هكذا جارحة!

    يتبع
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    علم الحساب له مزايا جمـة = وبه يزيد المرء في العرفـان
    و النحو قنطرة العلوم جميعها = ومبين غامضها وخير لسان
    وكذلك الجغرافيا هادية الفتى = لمسالك البلدان والوديـان
    وإذا عرفت لسان قوم يا فتى = نلت الأمان به وأي بيـان

    العقاد
     
    أعجب بهذه المشاركة عبد الرحمن ابو جلال
  6. أبيات كلها حكمة , تبيان أهمية العلوم للإنسان
    تحياتي وتقديري
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    تحية عالية اخي عبدالرحمن ابو جلال
    هذه الابيات القاها عباس محمود العقاد بحضرة الشيخ محمد عبده وهو بعد في سن التاسعة وتنبأ له الشيخ وقتها بمستقبل زاهر ، وتحضرني هما مقولة معبرة في حق العملاق للدكتور طه حسين جاء فيها: " تسألونني لماذا أومن بالعقاد في الشعر الحديث وأومن به وحده، وجوابي يسير جدا، لماذا؟ لأنني أجد عند العقاد مالا أجده عند غيره من الشعراء... لأني حين أسمع شعر العقاد أو حين أخلوا إلى شعر العقاد فإنما أسمع نفسي وأخلو إلى نفسي. وحين اسمع شعر العقاد إنما اسمع الحياة المصرية الحديثة وأتبين المستقبل الرائع للأدب العربي الحديث "
    سيبقى العقاد خالدا بمدرسته بعبقرياته بعشقه باشعاره بروايته وبصرامته

    لك كل الود والتقدير صديقي
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    العالم المادي والحكمة الصوفية عند الدوس هكسلي
    عباس محمود العقاد


    وأصدق ما يُفهَم من نزعة هكسلي هذه ونزعات أمثاله الأدباء والعلماء، أن الحقائق المادية المزعومة ليست من الثبوت بحيث لا يختلف فيها قولان من أقوال العلماء، فضلًا عن أقوال الفلاسفة والمتصوفة وسائر المؤمنين، وإن أحق الناس بعرفان هذا لأولئك الذين نظروا إلى الكون بعين الباطن قبل أن ينظر إليه الأوروبيون بتلك العين، وقالوا في ذلك ما لم ينقضه علم ولن ينقضه ما دام للإنسان لباب وراء الحواس والعقول.



    عرضنا لناحية من نواحي الكاتبين الكبيرين شو وولز في بعض أعداد «الكتاب» السابقة، وهما نمطان مختلفان من أنماط الأدب، لا يجمع بينهما إلا الموضوع الذي يكتبان فيه ويهتمان به، وهو مستقبل الإنسان فردًا وجماعةً، ونظام الحياة الذي يصلح عليه الأفراد والجماعات.
    ونعرض في هذا العدد لناحية بارزة من نواحي أديب آخَر شريك لهما في هذا الموضوع على نمط مختلف جد الاختلاف عن كلا النمطين، وهو ألدوس هكسلي الروائي الشاعر الناقد الفنان الباحث الأديب، والمتصوف قبل كل شيء، وبعد كل شيء، في كل جانب من الجوانب المتوزعة في حياته الذهنية والنفسية، ولا شك عندنا ولا عند غيرنا — فيما نعتقد — أنه أوفر الثلاثة نصيبًا من الثقافة بأنواعها الفنية والعلمية والفلسفية، وإن كان أصغر الثلاثة سنًّا، لأنه الآن في الثانية والخمسين وقد جاوز شو وولز الثمانين.
    اطلاعه أوسع من كل اطلاعٍ عُرِف به كاتب من كُتَّاب أوروبا المشهورين في العصر الحاضر، وأُفُقه الذهني يتناول البيولوجية وهندسة العمارة وفن الموسيقى وأدب الأقدمين والمحدثين، ومعرفته بالعالم معرفة الرجل الذي اطلع ذلك الاطلاع وساح في أرجاء العالمين القديم والحديث، ومزج هذه المعرفة بفطنة نادرة، وحسٍّ مرهف، وقلب جيَّاش، وعقل وثَّاب.
    تكلمنا عن سخرية شو، وفي ألدوس هكسلي شيء كثير من سخرية شو وحبه للدعابة، ولكنه يشوب سخريته بمرارة وقسوة لا تُحسَبان من خلائق شو، ويزيد عليه بأنه يسخر سخرية المسئول حين يعفي شو نفسه من تبعات آرائه، وإن دعابته ضربات عقلية في ميدان الضمير … أما دعابة شو فهي تمرينات بهلوانية في ميدان الاجتماع أو معترك المعيشة.
    وتكلَّمنا عن آمال ولز في المستقبل، وهكسلي ممَّن ينظرون إلى المستقبل، ويقدِّرون مصير الإنسان فيه، ولكنه لا يؤمن بمستقبل الناس — مع العلم — كما يؤمن به ولز ويدعو إليه، ولا يأتمن العلم على مصير الإنسان فردًا كان أو جماعة، بل يرى أن العلم خليق أن يمسخ الناسَ آلاتٍ قاصرةً لا روح فيها، تتوزِّع بينها الأعمال على حسب الاختصاص وتقسيم الوظائف الاجتماعية، ولا يهديهم إلى شغل نافع أو بطالة صالحة يقضون بها أوقات الفراغ التي تتوافر لهم بفضل المخترعات وأدوات الصناعة الحديثة.
    وعنده أن الإنسان ضائع لا محالة إذا كان معوَّله كله في المستقبل على العلم الحديث، إنما سبيل الهداية أن يسعى الإنسان في سبيل السلام، وأن يتوجَّه إلى السلام في عالم الروح.
    ولا ينسى هكسلي علمه حين يتكلم عن الروح أو عن الشخصية الإنسانية، فهو يسلم للعلماء وللفلاسفة الماديين أن الإنسان حزمة من الإحساسات والأعضاء المحسة لما يخالجها ويحيط بها، ولكنه يسأل: وما الذي جعلها حزمة؟ ولماذا تجمَّعَتْ بعد تفرُّق؟ وما هذه الوحدة التي تربط بين هذه المتفرقات؟
    تلك الوحدة هي شيء من عالم الروح، وهي شيء على اتصال «بالروح الكلي» الذي تقوم به جميع الموجودات.
    وغاية الغايات في حياة المرء أن يعقد الصلة بين القبس الروحاني الذي فيه، وبين ذلك «الروح الكلي» الذي لا تخلو منه حياة.
    وقد يصل المرء إلى ذلك من أبواب ثلاثة لا من باب واحد: يصل إليه من الباب الأعلى كما يسميه، وهو باب التأمُّل والنظر، ومن الباب الأدنى، وهو باب الزهد والقناعة وإخضاع الشهوات، ومن الباب الأوسط الذي هو قوام بين هذا وذاك، وهو باب الرياضة الروحية والديانة الصوفية، وقد سلك متصوفة الإسلام في هذا الباب.
    وإن المرء ليهتدي إلى الحقيقة الإلهية — أو إلى الروح الكلي — وإن لم يكن من كبار الفلاسفة أو من كبار ذوي العقول؛ لأن طلب الحقيقة الإلهية استعداد غير استعداد العلم والفلسفة، وخلاصته الحب ونقاء القلب والوداعة. ويتساءل: لماذا كان هذا؟ ثم يقول إنه لا يدري على التحقيق، ولكنه في أطواء كتبه يعطي الجواب لمَن يستخلصه من شواهده ومراميه. وزبدة ما يتجمَّع من كلامه في هذا الموضوع أن المرء ينحصر في حدوده كلما اشتغل بشهواته وحاجاته، وطاوَعَ كبرياءه، وتعالى على غيره، ومتى انحصر في تلك الحدود قامت الأسداد والحجب بينه وبين الروح الكلي الذي يعم الأكوان ولا يخص الأفراد والجزيئات، وأنه لا يزال كذلك حتى يخرج من جزئياته، فيروِّض نفسه على الحب، وهو سبب الاتصال الذي يشفيه من داء الانفصال، ويروِّض نفسه على الدعة، وهي التي تحطِّم له سور الكبرياء فيلتقي بالعالَم الذي كان يحجبه عنه ذلك السورُ، ويروِّض نفسَه على نقاء القلب فلا يطويه على شيء ينعزل به عن نور البصائر والأبصار.
    وليس معنى هذا أن الإنسان يفني قوام شخصه كما يقع في روع المتسرع العجول، بل معناه أنه يحيي أفضل جانبيه «على حساب» الجانب المفضول، وأنه يتسلَّط بالجوهر الإنساني فيه على الصفات التي يشارك فيها الحيوان الجماد.
    وليس على الإنسان خسارة في التضحية بتلك الصفات المبتذلة في سبيل الكمال الذي تنشده خلص النفوس القادرة عليه، فإن الروح أقوى من الجسد، وأقدر على تطويعه وتسخيره، ومن ترك القوي في سبيل الأقوى فما هو بخاسر ولا مغبون. وكلام هكسلي في هذا المعنى يذكِّرنا بكلام ابن سينا الذي تناوَلَ الموضوع من الوجهة الفلسفية في غير كتاب من كُتُبه، فوفاه حقَّه من البيان، لأن هكسلي يقول: إننا لا نعرف كيف يؤثِّر العقل في بدنه، فكيف نمنع أن يؤثِّر العقل في غيره من الأبدان والأجسام؟ وكذلك يقول ابن سينا، كما قال في كتاب الإشارات عن القوة الروحية، إنه «لا يبعد إتيان العارف بما يخرق العادة في الأمور السفلية؛ وذلك لأن الأجرام السفلية قابلة لهذه الصفات، والنفس الناطقة ليست بجسم ولا حالة في الجسم، فإذا لم يبعد وقوعها بحيث تقدر على التأثير في هذا البدن، لا يبعد وقوعها بحيث تقوى على التصرف في مادة هذا العالم العنصري، لا سيما على قولنا أن النفوس الناطقة مختلفة بالماهية، فلا يبعد أن تكون الماهية المخصوصة التي لنفسه تقتضي تلك القدرة.» إلى آخِر ما قال واستشهد عليه بكثير من الأحوال.
    ومن الجائز أن يهتدي السالك إلى «الروح الكلي» بهَدْيِ المرشدين والنصحاء من العارفين، غير أنه لا يصل إليه إلا إذا وصل إليه بنفسه واعتمَدَ على بصيرته ووجدانه، فالعين لا ترى القمر بتعليم كما نُقِل عن بعض الأقطاب، فكيف ترجو الروح أن ترى الحقيقة الإلهية بتعليم؟ إن الهداية قد تجديك في رؤية ما يشار إليه ويقوم الدليل الحسي أو العقلي عليه، ولكن الحقيقة الإلهية هي التي تُرِيكَ ما لا يُرى، وتعرفك ما لا يُعرَف، وتصل بك إلى «الكل» الذي يوجد في كل شيء، وما هو بمنظور لأنه وراء كل منظور.
    وما لا شك فيه أن إيمان هكسلي بسلطان العقل والإرادة على الجسد إيمانٌ وثيقٌ مستقر من نفسه في قرار عميق، لأنه بهذا الإيمان صدق ما شاع عن بعض المتطبِّبين أنهم يشفون ضعف البصر بالعزيمة من غير حاجة إلى الاستعانة بالنظارات والعقاقير، فاستعاد بصره بعد أن كاد يعمى في مقتبل الشباب.
    على أنه لا يذهب في التجرُّد مذهب الدراويش أو نسَّاك الصوامع أو أبناء الطريق؛ لأنه يرى أن معرفة الحقيقة الإلهية من طريق العالم متمِّمة لمعرفتها من طريق البصيرة والروح، فهناك — كما قال — طريقة إلى الحقيقة الإلهية من داخل النفس، وطريقة إليها من داخل العالم وجواهره وأعراضه، ومشكوك فيه أن تغنينا واحدة من الطريقتين عن الأخرى كل الغنى، فأما إذا اتفقتا معًا فذلك هو المنهج السديد.
    ويفرق هكسلي بين طلب البقاء وطلب الحقيقة الإلهية؛ لأن الحقيقة الإلهية «حضور سرمدي» لا ينحصر في زمان أو مكان، أما البقاء فهو في قبضة الزمان انتقال من حال إلى حال.
    ولعله لم يعتمد في فهم هذا المعنى على أحد كما اعتمد على حكماء الشرق، وبخاصةٍ حكماء الإسلام، فنقل عن جلال الدين الرومي حين عرض لهذا المعنى قوله: «إنني متُّ معدنًا وعدتُ نباتًا، ثم متُّ نباتًا وعدتُ حيًّا، ثم متُّ حيًّا وعدتُ إنسانًا، فماذا عساني أن أخاف؟ إنني لا أصغر ولا أخسر بالموت، وسأموت مرة أخرى إنسانًا لأُبعَث في عالم الملائكة والأرواح، ولا مناص لي حتى في عالم الملائكة والأرواح مع اجتياز وارتفاع، ويومئذٍ أنزع روحي المليكية لأصبح ما لا يخطر على عقل ولا يلم بشعور. يا رب لا تشغلني بالوجود واشغلني باللاوجود؛ فإن ما أطلب هو الفناء، وبه يصدق السر المكنون، إنَّا إليه راجعون.»
    ونقل عن الهروي في هذا المعنى قوله: «يارب، أنا بين يديك ابن سبيل، ولكني أسألك ما لا يطلبه منك ألف سلطان، فكلهم يطلب منك شيئًا يأخذه إليه، أما أنا فأطلبك أنت يا الله …»
    وكثيرًا ما استشهد هكسلي على أمثال هذه المعاني بكلمات من أقوال المتصوفة المسلمين غير هذين الشاعرين، ومنهم رابعة العدوية والغزالي والبسطامي وغيرهم من الحكماء والشعراء، ويعجبه قول أبي يزيد البسطامي حين سُئِل: كم عمرك؟ فقال: أربع سنوات. لأنه لا يحسب من عمره ما تقدَّمَ من حياته قبل أن يهتدي إلى الطريق.
    هذه خلاصة موجزة من ناحية التصوف في أدب هذا الكاتب الذي يُعَدُّ الآن في طليعة الكتَّاب العالميين، وموضع العجب أن تستولي هذه الحكمة الصوفية في هذا العصر المادي الجحود على عقل رجل قد أخذ من حضارة أوروبية وثقافة العرب كله بأوفى نصيب، ويحدث هذا حين نرى بيننا في الشرق أناسًا لم يتذوقوا قطرةً من ذلك العباب العلمي، الذي يخوض فيه هكسلي ويعوم، قائمين قاعدين بإنكار كل قول عن الحياة الروحية، وتقرير كل رأي عمَّا يسمونه بحقائق المادة وقواعد العلم الحديث، وما هي إلا آفة العقل المحدود الذي يحد هذا الكون العظيم، فيحسبه مما يفرغ القول عن سره في عصر واحد أو فترة في عصر واحد، ركونًا إلى كشف ظاهر يغيِّر العوارض والأسماء ولا يغيِّر جواهر الأشياء.
    وأصدق ما يُفهَم من نزعة هكسلي هذه ونزعات أمثاله الأدباء والعلماء، أن الحقائق المادية المزعومة ليست من الثبوت بحيث لا يختلف فيها قولان من أقوال العلماء، فضلًا عن أقوال الفلاسفة والمتصوفة وسائر المؤمنين، وإن أحق الناس بعرفان هذا لأولئك الذين نظروا إلى الكون بعين الباطن قبل أن ينظر إليه الأوروبيون بتلك العين، وقالوا في ذلك ما لم ينقضه علم ولن ينقضه ما دام للإنسان لباب وراء الحواس والعقول.
    ولا نحب مع هذا أن نحيل الأمر في العقائد الصوفية إلى مجهول لا تلم به الأسباب، فإن الأسباب لتفسِّر لنا على الأقل لماذا يدين هكسلي بهذه العقائد ولا يدين بها كلُّ مَن تعلَّم كما تعلَّم، وكلُّ مَن نشأ كما نشأ في القرن العشرين وفي البلاد الإنجليزية؟ ومن هذه الأسباب التي يصح أن تفرده بهذه الخصلة بين أمثاله ونظرائه أنه ورث الجد في طلب الحقيقة من أبويه كما ورثه من جده لأبيه وجده لأمه، فجده لأبيه هو توماس هكسلي العظيم قائد الحملة الأكبر في مذهب النشوء والارتقاء، وجده لأمه الدكتور توماس أرنلد المشهور بالغيرة الدينية والحماسة الروحية، ولم يكن توماس هكسلي كالدكتور أرنلد من المتديِّنين المتنطسين، ولكنه كان أشجع الشجعان في الجهر بالحقيقة والوفاء بالواجب، ولو غضب عليه الثقلان.
    وهكسلي نفسه يقول في كلامه عن المتصوف الفرنسي بسكال: «إننا إذا نظرنا إلى حالة كرليل أو حالة بسكال نفسه وكثيرين غيره، رأينا أن هناك علاقة حميمة بين أحشاء المرء وفلسفته، فإقامة الحجة على يأس كرليل المتوهج العينين عبثٌ كإقامة الحجة على جهاز هضمه …»
    وهو قول لا نبطله، ولا نرى بنا ولا بأحد حاجة إلى إبطاله؛ لأن تهيُّؤَ الجسمِ لحالة من الحالات النفسية لا ينقض تلك الحالة ولا ينفيها، كما أن تهيُّؤَ الظلام لإبراز النجوم لا يقيم الحجة على تلك النجوم، ولعلنا نردُّ شيئًا من «النزعة الصوفية» في هكسلي إلى بنيته، كما نردها إلى ميراثه العقلي من جديه وأبويه، فإنه لقي في بصره وجسده ما يرهف حسه لاستطلاع عالم الأسرار، ولا جناح عليه في ذلك، ولا هو مما يثبت مذاهب الماديين، إن لهم تركيبًا من وظائف الجسد يخالف هذا التركيب، ولكن الاستعداد لمعرفة من المعارف شيء، ونصيب تلك المعرفة من الحقيقة شيء سواه.
    ونحسبنا في غنى — ونحن نختم هذا المقال — عن التنبيه إلى الفارق في شرح هذه المذاهب بين الإجمال والتفصيل، فما قدَّمناه هنا هو إجمال يلمُّ بالأطراف ولا يتكفَّل بالشمول والاستيعاب، ومَن شاء المزيدَ من الإحاطة بتصوُّف هكسلي فلا غنى له عن مراجعة كتبه، ولا سيما الأخير منها، وأنفعها في هذا الغرض هما كتاب Ends and Means أي الغايات والوسائل، وكتاب The Perennial Philosophy أي الحكمة الخالدة، ولم يصدر له بعده كتاب مخصَّص لهذا الموضوع.
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أدباء عصاميون في زمن "الدبلوم"!
    إخوة العقّاد
    الخير شوار


    كأنه الكاتب العصامي الوحيد، فلا يكاد يُذكر اسم سواه عند الحديث عن الظاهرة، وربما لعبت الدراما المصرية التي هيمنت طويلا على المشاهد العربي دورا في الأمر وقد خلّدته في مسلسل تلفزيوني عُرض في نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي بعنوان "العملاق" عندما مثّل دوره الفنان الراحل محمود مرسي.
    وربما لعبت الكتب المدرسية المقرّرة الدور الحاسم وهي التي احتوت على كثير من نصوصه في مراحل تعليمية مختلفة وفي كل مرّة كان المقرّر يركّز على العصامية التي ميّزت عباس محمود العقّاد، الفتى الفقير الذي توقّف عند التعليم الابتدائي، لكنه واصل رحلة التعلّم الذاتي واكتسب اللغة الإنجليزية من السيّاح الذين كانوا يزورون منطقة أسوان التي كان يقطنها.
    كان العقّاد عصاميّا "كبيرا" ترك تراثا أدبيا ضخما، لكن له "إخوة" في هذا المجال، عانوا كثيرا في حياتهم، وكوّنوا أنفسهم بأنفسهم، منهم –مثلا- محمد شكري الذي اشتهر في العالم كله برواية "الخبز الحافي" التي تُرجمت إلى مختلف اللغات، وقبل ذلك عاش حياة التشرد والجهل والجوع ولم يتعلم الكتابة والقراءة إلا في العشرينيات من عمره، وانتظر سنين أخرى إلى أن "باع" حكاية حياته إلى أحد الأمريكان بمائة دولار الذي كان يشتري قصصا من أناس عاش حيوات استثنائية لفائدة قارئ غربي يهوى ما هو غرائبي من "عالم الشرق". وانتظر سنين أخرى ليلتقي بالروائي الطاهر بن جلون الذي ترجم القصة إلى الفرنسية ونشرها في باريس لتنفجر القنبلة التي حوّلت الرجل البائس إلى ثري ومتفرغ للكتابة ترك تجارب أخرى كرّست اسمه ككاتب ومثقف استثنائي لكنها لم تتجاوز في شهرتها "الخبز الحافي".
    ومنهم حنا مينا الذي انتزع مكانته بين أكبر الروائيين العرب وكتب تراثا سرديا كبيرا وغزيرا، وقبل أن ينال تلك الشهرة كان قد عاش حياة البؤس وقد اضطرته الظروف عن الانقطاع عن التعليم وهو في الابتدائي، وعمل حلاقا وحمّالا في ميناء اللاذقية، ولم ينل المكانة التي يستحقها إلا بعد كفاح كبير ومن "مخزون" معناته أبدع عالما روائيا استثنائيا وتحوّلت بعض رواياته إلى مسلسلات تلفزيونية ناجحة.
    ومن "إخوة" العقّاد أيضا الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار الذي تلقى تعليما بسيطا في كتاتيب قريته ثم بمعهد ابن باديس في قسنطينة لينتقل بعدها إلى تونس قصد الالتحاق بجامع الزيتونة الذي كان يقدم تعليما تقليديا، لكنه انقطع عنه بشكل مفاجئ وكوّن نفسه بنفسه هناك وتحوّل إلى واحد من أشهر الروائيين. وللأسف فإن مذكراته لم تتناول تفاصيل رحلة كفاحه العصامية وتفاصيلها التي كان يسردها في مجالسه الخاصة، فقد كتب جزء يتيما بعنوان "أراه.. الحزب وحيد الخلية" وتوقف عند بلوغه السنة الخامسة من عمره مع بعض الإشارات إلى تجربته السياسية كمراقب في حزب جبهة التحرير الوطني وكيف أحيل على التقاعد في منتصف الأربعينيات من عمره بسبب قصة "الزنجية والضابط" مثلما أكد أكثر من مرة. وبين هذا وذاك غابت تفاصيل حكاية واحد من "إخوة" العقّاد الكثيرين، مثلما غابت كثير من الحكايات الأخرى لأناس نقرأ لهم ولا نعرف تفاصيل حياتهم، وربما كان لغياب "ثقافة" كتابة المذكرات الجانب الأهم من تغييب مثل هذه الحكايات، وإن حدث وأن "تجرأ" البعض على ذلك فإن المعادلة الشهيرة تحضر بالقول إن "العرب عندما يكتبون روايات فهم ينهلون من سيرهم الشخصية وإن أردوا كتابة سيرهم لجؤوا إلى تأليف روايات خيالية لا علاقة لها بحيواتهم". وربما نقرأ بعض تفاصيل العصامية في مثل روايات حنا مينا.
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة