1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف العملاق - في حضرة العقاد

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏13/11/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أبو همّام عبد اللطيف عبد الحليم
    مدرسة للعقّاد في الأدب المقارن

    [​IMG]



    تتوزّع مدرستان معروفتان دراسة الأدب المقارن، إذا أردنا الإجمال، هما: المدرسة الفرنسية أو التاريخية، والمدرسة الأميركية أو النقدية. إلا أن ظاهرة المقارنة سابقة على هاتين المدرستين، فالكلام –مثلاً– سابق لقواعد اللغة، وربما كانت الموازنات التي تمَّت قديماً في الأدب العربي بين شاعرين، وفي الأدب الأجنبي -أيضاً- بين كاتبين، هي البدايات الحقيقية الساذجة لهذا العلم، لكن هذه المسائل ما لبثت أن أنتجت علماً يقف عليه الباحثون جهودهم.

    ولُبّ الدراسة المقارنة عند الفرنسين - في أغلبها - يتّجه إلى التأثير والتأثّر، والوسائط، وأنواع العلائق، وربما كان تعريف جويار لهذا العلم بأنه «دراسة تاريخ العلائق الأدبية الدولية» يوجز حدود هذه المدرسة، وقد صادف ذيوعاً شديداً حتى بين الدارسين العرب الذين تلقّوا دراساتهم في فرنسا.

    لكن المدرسة الأميركية ورائدها «رينيه ويلك» ترى أن اقتصار الدراسة المقارنة على مسائل تأثّر أدب ما بأدب غيره، أو تأثيره، تضييق لا مسوِّغ له، وأن الاهتمام بالوسائط والتاريخ يكون على حساب جماليات النص ونقده، وفيه أيضاً شبهة اهتمام بالأدب القومي، وشبهة استعلاء؛ ولذا رأوا أن الظروف المشابهة في بلدين، وتشابه القرائح حين تتّجه إلى معالجة موضوع واحد يمكن أن تقوم بها دراسة مقارنة، بصرف النظر عن الالتقاء التاريخي، وتأثير أدب في أدب آخر، بل وسَّعوا الحظيرة بعض الشيء لدراسة تشابه بين أديبين من لغة واحدة، ولعل دافعهم في ذلك هو اللغة الإنجليزية الموحّدة بينهم وبين الجزر البريطانية.

    وقد هَلَّل كثير من الدارسين، حتى بعض الفرنسين أنفسهم، لهذا الاتجاه الجديد الذي بَشَّر به «ويلك» في دراسته: «أزمة الأدب المقارن» سنة 1949، ورأوا فيه فتحاً جديداً، وقد جمعه في كتاب صدر سنة 1963.

    واتَّسمت النظرة الأميركية بالشمول والاتِّساع لتحوي الأدب ومقارنته بمجالات التعبير الإنساني الأخرى، كالفنون، والفلسفة، والتاريخ، والعلوم، متفادية بذلك أوجه القصور لدى الفرنسيين.

    لكن التاريخ لهذا العلم بخع دور العقّاد، وكأنه لم يترك أثراً يُذكَر، والحق مجانف لهذا التاريخ من ألفه إلى يائه، لأن رجلاً طلعة مثل العقاد لابد أن يضرب بسهم هذا الحقل البكر، وطارقوه يمضون في وعثاء.

    وفي سنة 1908، وفي جريدة الدستور، نشر العقّاد طائفة من المقالات عن بلاد فارس: شعرها، وشعرائها، قارن في إحداها بين الخيّام والمعرّي، والعقّاد كان في التاسعة عشرة من عمره. ويرى أنهما اتَّفقا في كثير من العادات والطباع «ولا يبعد أن يكون الرجل قد استقى فلسفته من أبي العلاء، فإن الشواهد تؤيِّد ذلك، وقد كان الخيّام يحسن العربية، فلا يعقل أنه لم يطّلع على مصنَّفات المعرّي... كما أنه لا يعقل أن يبلغ بينهما توارد الخواطر إلى حَدّ أنهما يَتَّفقان في التعابير والمعاني والمذاهب ذلك الاتِّفاق الغريب».

    ثم يستطرد العقّاد بإيراد أمثلة تؤكِّد نظرته هذه من أقوال الشاعرين الحكيمين، وهو كلام يتَّسق ورأي المدرسة الفرنسية التي تبحث عن الوسائط والتأثر، والعلاقات التاريخية.

    بيد أن الذي نريد أن نؤكِّده قبل إيراد نماذج من الدرس المقارن، حسب وجهة النظر الفرنسية، وهي حاشدة عنده، أننا نودّ التلبّث أمام حقيقة غفل عنها الباحثون جميعاً، وهي من الوضوح بحيث لا تعوز نظراً يرى؛ هذه الحقيقة هي سبق العقاد للمدرسة الأميركية بأكثر من ثلاثة عقود:

    في سنة 1916 نشر العقّاد مقالين في مجلة «المقتطف» -سبتمبر، ونوفمبر- عن أبي العلاء المعرّي، مقارناً بينه وبين داروين، وشوبنهور، بَيَّنَ فيهما أن شيخ المعرّة تحدَّث عن مذهب النشوء وتنازع البقاء، حديثاً غير عابر. كما تحدَّث عنه داروين، مدلِّلاً على ذلك بنماذج من شعر أبي العلاء، وأقوال داروين، ثم عرض العقّاد لتشاؤم الشاعر العربي - وكان العقّاد في أوج تشاؤمه وعشقه للمعرّي آنذاك- والفيلسوف الألماني شوبنهور، مستشهداً بنماذج من كليهما، وانتهى العقّاد قائلاً: «فإذا قيل إن داروين واضع المذهب في عالم العلم، ساغ لنا أن نقول: والمعري واضعه في عالم الأدب والشعر.» وارتأى أن المزاج وراء تشاؤمهما، وأنهما يتلاقيان في حبّهما للحيوان ورأفتهما به، وفي وفائهما لوالديهما، مع أنهما سبب وجودهما في الحياة التي يفركانها.

    وعاود الحديث عن المعرّي وشوبنهور مرة أخرى في كتابه «رجعة أبي العلاء»، مما يشي بإلحاح الفكرة عليه.

    وفي مقال له بجريدة «البلاغ» 7 يناير 1924 يقارن بين المتنبي والفيلسوف الألماني نيتشه في فلسفة القوّة. ويعجب العقّاد لهذا التشابه فيقول: «إن آراء شاعرنا وآراء المفكِّر الألماني تَتَّفق في مسائل كثيرة اتّفاقاً توءمياً، لا نعلم أعجب منه اتّفاقاً بين نابغين مفكِّرين، ينتمي كل منهما إلى قوم وعصر وحضارة ولغة غير التي ينتمي إليها الآخر. تتَّفق في مقاييس الحياة، وقيم الأخلاق، وصرامة العبارة، وتفاصيل جزئيات شتى مما يتفرَّع عن هذه الأصول، ووجهة النظر -على الأقل- متّحدة في كل ما نظم الشاعر، وخَطّ المفكّر في المعاني الخاصة والعامة. فمن قرأ المتنبي، ثم قرأ نيتشه لا بد أن تكرّ الذاكرة به إلى كثير من أبيات المتنبي ووقائع حياته، كلّما قَلَّبَ الطرف في صفحات نيتشه من رأي إلى رأي ومن خطرة إلى خطرة، ولا بدّ أن يشعر وهو يتنقَّل من أحدهما إلى الآخر أنه ينتقَّل في جوّ واحد وبيئة واحدة».

    وقد ردَّد هذا الرأي المستشرق الإسباني «غارثيه غوميث» في دراسته عن المتنبي التي ترجمها إلى العربية د. الطاهر مكي، من دون أن يشير الإسباني إلى رأي العقّاد، وما نظنّه إلا آخذه عنه، إبان إقامته في القاهرة منذ سنة 1923، وهو طالب بعثة.

    ما قاله العقّاد منذ سنة 1916 هو ما بشَّرت به المدرسة الأميركية، وشايعها بعض الفرنسيين منذ سنة 1949، وكان «ويلك»، حين نشر العقّاد آراءه، في الثالثة عشرة من عمره، ولو كان كاتبنا المصري يكتب بغير العربية لكان لكتابته أثر آخر، ولَغَدا صاحب مدرسة تُنسب إليه في الأدب المقارن، تقف بجانب المدرسة الفرنسية ولا تُلغيها، لكنها تحدّ من غلوائها في حصارها الشديد، وتفتح المقارنة بين المعارف الإنسانية، كما حدث لدى العقّاد حين قارن بين شعراء، وفلاسفة، وعلماء.

    أما صورة الأمّة في أدب أمّة أخرى، فله فيها صفحة باقية في تراثه، وأمامنا أربع دراسات - لم تنشر من قبل - عن صورة مصر في أربعة كتب، وهي رحلات واقعية أو خيالية: الكتاب الأول هو «صوت من مصر» وهو من وحي الخيال، ويذكِّرنا بـ«واشنطن أرفينج» في كتابه عن الحمراء، وتناول العقّاد الكتاب ومؤلِّفه بالنقد والتحليل، ومواطن الإصابة في وصفه الخيالي، والذي أثبتت الأيام واقعيته، ويختم كلامه بقوله: «وفي كتاب «صوت من مصر» أو هاتف من مصر ذخر موفور للدارسين والملاحظين، وذخر موفور للمتخيِّلين والمـتأمِّلين، ولا سيما إذا كانوا من أبناء البلاد التي تدور عليها أحاديث الكتاب».

    والكتاب الثاني: «وباء مصر الأخير» ويتحدّث عن المخدِّرات.وهو كتاب حقيقة لا خيال، إلا أن فيه توشيات مثل نوادر شرلوك هولمز، كما فيه استعراض جيد لحقيقة المجرمين والمهرِّبين، ومطارداتهم.

    والكتاب الثالث قصة للكاتب السويسري «جون نيتل» واسمها «الدكتور إبراهيم» وقد تُرجِم إلى الإسبانية. ويحكي قصة طبيب من الجيل الناشئ في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ويتابع المؤلف رحلته في أقاليم مصر، ورأيه في العادات والتقاليد، ومحاولة تفسيرها وتعقيب العقّاد عليها.

    أما الكتاب الأخير فهو رحلة إلى مصر قبل نحو سبعين سنة - أو منذ كتب العقّاد دراسته في الثلاثينيات - وهو للكاتب المصوِّر الفرنسي «إيجيين فرومتان»، ويوازن العقّاد بين ملكاته مصوِّراً وكاتباً، ورأيه في مشاهداته في مصر. وتذكِّرنا هذه القصة أو الرحلة برحلة «دومنجوباديا» الإسباني أو «علي بك العباسي» كما سمّى نفسه في عصر محمد علي.

    والرحلات عموماً مصدر من مصادر دراسة الأدب المقارن، وإن كان بعض كُتّابها من الكتّاب الهواة أو من الدرجة الثانية، إلا أن القارئ لا يعدم بعض اللمحات التي تقع عليها الأعين المغتربة قبل الأعين الأهلية.

    كما حدَّد العقّاد قضية التأثير والتأثّر، ومدى أصالة الكاتب، حين تحدَّث في شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي عن مدرسته. يقول: «والواقع أن هذه المدرسة المصرية ليست مقلِّدة للأدب الإنجليزي، ولكنها مستفيدة منه. ولها بعد ذلك رأيها في كل أديب من الإنجليز كما تقدِّره هي، لا كما يقدِّره أبناء بلده، وهذا هو المطلوب من الفائدة الأدبية التي تستحقّ اسم الفائدة. إذ لا جدوى هناك فيما يلغي الإرادة، ويشلّ التمييز، ويبطل حقك في الخطأ والصواب، وإنما الفائدة الحقّة هي التي تهديك إلى نفسك، ثم تتركك لنفسك، تهتدي بها وحدها كما تريد، ولأن تخطئ على هذا النمط خير من أن تصيب على نمط سواه.».

    ونعتقد أن هذا من خير ما قرأناه فيما يتعلَّق بالتأثير والتأثّر، وأصالة الأديب الحق، ولـ«جيتي» كلام مشابه... لكن ليس فيه مثل هذا الحسم.

    ولعل خير ختام لهذه السطور العجلى ما قاله العقّاد ينفي الظنّة الببغاوية، ويؤكِّد أصالته الواضحة بنفسها، وتثبت سبقه، وهو قوله: «ولقد يرى بعض الناقدين أنني أتأثر بما أقرأ فيما أكتب، وأنني أنحو هذا النحو أو ذاك مما أعجب به من آراء المفكِّرين وأنماط التفكير، فليس لي أن أقول في هذا الرأي إلا أنني أعلم غير ذلك من شأني، وإنني لا أحسب تفكير الإنسان إلا جزءاً من الحياة، ونوعاً من الأبوة، فليس يسرّني أن تنمى إليّ أفكار كل من أَقَلَّتْهم هذه الأرض من الأدباء والحكماء والعلماء إذا كانت غريبة عني. بعيدة النسب من نفسي، كما ليس يسرّني أن ينزل لي كل من في الأرض عن أبنائهم وبناتهم، ولو كانوا أبناء سادة وذرّيّة ملوك، أقول ذلك ولا أجد فيه ادِّعاءً ولا عجباً، ولكني أقرِّر به حقيقة، وأبيِّن مذهباً، فمن شاء أن يعدّه من الادّعاء والعجب، فله مشيئته، وليس عليَّ أنا أن أنازعه فهمه وتفسيره..

    ولو أن للخواطر يوم بعث تُرَدّ فيه إلى مناشئها، لَخلْتُ أن ستبعث معي في جسد واحد يوم يُنفَخ في الصور الموعود، أو لعادت معي إلى حيث كنا في الحياة، ولو كان لها ألف شبه بآراء المرتئين وكتابات الكاتبين».

    وشهادة المرء لنفسه تبيح الأخذ بها حين ننظر بعيون آدمية لا بعيون الزجاج الممسوخ، حين نجد دلائلها شاخصة فيما خطّته يراعة العقاد رائد اتجاه في الأدب المقارن، قبل المدرسة الأميركية، وهو في غنى، بسبقه وأصالته، عن أي نافلة من الإعجاب أو الثناء.
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    لميعة عباس عمارة
    في ندوة العقاد… من دون العقاد!


    شقة صغيرة في مصر الجديدة كانت بيت عباس محمود العقاد الكاتب المشهور.
    وبعد وفاته ظلت هذه الشقة باسمه .
    دعاني الصديق الأديب وديع فلسطين إلى ندوة العقاد. كان ذلك سنة 1984.
    القائم على الندوة أبن أخيه، أبو عباس، وأسمه عامر العقاد.
    في مكتب العقاد ومكتبته، تمثال للعقاد من نحت فنانة سعودية أسمها ضياء السقّاف، التمثال رائع، ناجح جداً يحمل معالم العقاد في كل أطوار عمره، عيناه كأنهما تريان. لم تره الفنانة غير ثلاث مرات ثم طلبت عدة صور له، هي معجبة بالعقاد معجبة بروح العقاد التي سبغتها على التمثال فصار حياً. سألت عن هذه الفنانة فقيل لي أنها الآن تعمل أستاذة منتدبة في كلية الفنون بالإسكندرية.
    كان الحاضرون في ندوة العقاد كلهم يسمون أنفسهم تلاميذ العقاد. حتى وإن لم يكن لهم أي أنتاج أدبي أو موهبة. مثل ذلك المهندس المختص بالنسيج والذي يذكر نادرة عليه وليست له مع العقاد. كان يحضر مجلسه دائماً ومرة كان يحمل بيده صحيفة يومية فيها موضوع عن العقاد، أخذها منه فطلب من العقاد ثمن الصحيفة. يروي المهندس هذه (النادرة) مستبشراً وباسماً ثم يسترسل: فقال لي رحمة الله عليه، والشربات الذي أراك تشربه كلما مرّت الصينية عليك ألا تدفع ثمنه؟
    المهندس معجب وواثق حينما يروي هذه النادرة.
    بدأت ندوة العقاد في حياته سنة 1927 وحضورها أفراد: أحمد علاّم، عبد الرحمن صدقي، علي أدهم، د. أبو طايلة، طاهر الجبلاوي، أحمد صبري (هذا ما أخبرني به الصديق وديع فلسطين الذي صحبني للندوة). كانت الجلسة أولاً تعقد في حديقة الحيوان، ثم أضطر لعقدها في البيت تجنباً للرقابة.
    وأنضم إلى الندوة أو الجلسة بعد سنة 1935 الفنان صلاح طاهر، محمد خليفة التونسي، أنيس منصور،و الشاعر العوضي الوكيل.
    كان العقاد أرستقراطياً، فرضت عليه الظروف السياسية هذه الإرستقراطية ثم صار شعبياً في فترة الخمسينيات، حتى أتسعت الجلسات لطلاب الجامعات وكانت تدار عليهم القهوة وشراب الليمون. وحين يغادر الأكثرية، يظل الأقلية من المقربين لتناول الغداء المجهّز خصيصاً للمناسبة. وفي هذه الفترة (الخمسينيات) أصدر العقاد أكثر مؤلفاته.
    بعد وفاة العقاد سنة 1964 أستمرت الندوة بشكل جمعية رسمية باسم جمعية العقاد الأدبية لمشروعية الاجتماع وكان يديرها أبن أخيه عامر العقاد (أبو عباس) تدعمها مالياً الحكومة. تجري الأحاديث فيها عن ذكريات الحاضرين من تلاميذه معه، ويتناولون القهوة والليمون ويتخلف أكثرهم للغداء.
    لم يكن للعقاد من الثراء ما يلائم أرستقراطيته ويسعفها وربما كان ذلك سبب تعثر علاقاته العاطفية يستشف القارئ ذلك من قصته (ساره ) ,
    ومن لوحة معلقة في غرفة نومه رسمها له صديق بتوجيه منه , وفيها قالب من الكيك وعليه ذباب , وكأنه يشير إلى بيت الشعر:
    إذا سقط الذباب على طعام
    رفعت يدي ونفسي تشتهيه
    لأن المحبوبة المشهورة لم تقدر أن تحبس شهرتها الواسعة في هذه الشقة الصغيرة .
    كتب العقاد في كل أبواب الأدب :المقالة ,القصة , البحث (ابراهيم أبو الأنبياء) وله أربعة دواوين من المنظوم المقفى , وكان من مشاهير عصره . لم يتزوج , وكانت له عاداته الخاصة ,فهو لا يرد على التلفون بعد الساعة العاشرة ليلا, ويفضل مشاهدة الأماكن السياحية بالتلفزيون إذ هي أوضح ولا تكلفه مشقة .واشتهر بخلافه مع اراء طه حسين .






    ٭ كاليفورنيا/ سان دييغو
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. محمد عبد المطلب
    من فكاهات العقاد


    كل من اقترب من العقاد أدرك طبيعته الجادّة التي تصل حَدّ الجهامة والخشونة، لكن يبدو أن هذا المظهر الخشن كان مداراة لطبيعته ولروح الفكاهة التي سكنته، وقد ظهرت بعض هذه الفكاهة في كتاباته، ومنها مقاله الذي كان عنوانه: (مغنّي المجلس) ضمن كتابه (الفصول) الصادر عام 1922، يقول فيه:

    دُعِينا ليلة إلى مجلس سماع، فوجدنا المغني الذي سنسمعه قد سبقنا إليه، وقد تولى عن صاحب الدار الترحيبَ بالمدعوّين، ومصاحبة المدعوّين إلى أماكنهم من المجلس، ولا عجب فهو صاحب الليلية، فحيّانا عند قدومنا، وبشَّ لنا، وأجلسنا بالقرب من مكانه احتفاء بنا، ورأيناه يتكلَّم وهو يبتسم، ويسكت وهو يبتسم، ويقعد ويقوم ويأسف ويعبس وهو يبتسم... ولا بأس بالابتسام، يزيل الكلفة، ويبسط النفوس للمعرفة، وكأي رجل يمهِّد سبيله في الحياة بابتسامة تلازم شفتيه، فيملك بها القلوب، ويفتح أصفاد الصدور، ولا نغمط مغنّينا اقتداره في هذه الصناعة الشفوية، فلقد أثّرَت في أكثرنا ابتسامته أثر السحر أو أعظم، فسقطوا في يديه أسرى دماثته ورهائن بشاشته، وقال أحدنا: ما أظرف المغني، إنه – والله – لَلظّرف المجسَّد، وقال آخر: ما أحسبنا إلا سنسمع الليلة ما لا أذن سمعت، ونرى من مغنّينا هذا مالا عين رأت، ولا شكّ عندي أنه مكين في فنّه، بعيد العهد بممارسته... ومضت بعد ذلك برهة في التشوُّف والانتظار، ثم مضت برهة ثانية في النقر وإصلاح الآلات، ومضت البرهة الثالثة، ولا ندري كيف مضت لأننا فوجئنا بزعقة هائلة، لم نعلم أَمِنَ السماء هبطت، أم من الأرض صعدت، وصوت صارخة وهي تعدّد، أم صوت قتيل يستنجد، أستغفر الله، بل لم نعلم أهي صوت إنسان، أم عزيف طائفة من الجان، ولما أفقنا من غشيتنا وجدنا بعضنا ينظر إلى بعض، وإذا بالمغنّي يصيح: (ياليل.. ياليل)، فما شككنا أنه ينادي ليلة الحشر، أو أبعد ليلة فيما وراء التاريخ، وأيْقَنّا أنه صاحب الزعقة الأولى.

    يا ضيعة الأمل، أهذا هو المغني الظريف اللطيف..؟ وانطلق الرجل يعوي وينهق ويصهل ويموء ويثغو وينعق ويصيح بصوت كل حيوان مزعج في الأرض. أهي بدعة جديدة في الغناء المصري ؟ وهذا الرجل صاحب مذهب في الموسيقى قد أراد به أن يقلِّد صياح هذه الحيوانات محاكاة لأصوات الطبيعة.

    وبعد. ألا يكون الرجل مازحاً ؟ إنها إحدى اثنتين: فإما أن يكون مازحاً أو مجنوناً، وإلا فإن رجلاً معافى سليم العقل في شناعة صوته، وقبيح تلحينه ورداءة طريقته ، لا يعقل أن يدع نفسه في الغناء، وفي الغناء لا غير، فقد كان أسهل أن يدَّعي الإمارة من أن يدَّعي الغناء.

    وطفق الرجل يلحم دوراً بدور، ويضرب لحناً بعد لحن، وكلما قلنا قد انتهى، إذا هو يبدأ، ونحن بحال لا يعلمها إلا من ابتُلِي بليَّتنا في ليلة كان يظن أنها ستكون من أسعد لياليه، فإذا هي أنحس ما مر به من الليالي، فلا نحن نسمع شيئاً يحسن السكوت عليه، ولا يخلى بيننا وبين أنفسنا فنتسلّى عن السماع بالسمر، ولمّا يئسنا من سكوته من لدن نفسه أوعزنا إلى أحد إخواننا أن يمازحه لعله ينصرف عن الغناء إلى المزاح، فما زاده ذلك إلا أن ردَّ مزحته بابتسامة، ومضى في صريخه، فقلنا: يا سوء ما دبَّرنا إن كان ينوي أن يقابل كل حيلة لنا بابتسامة منه، فإنه ليس أكثر لديه من الابتسام.

    فأوعزنا إلى صاحب الدار أن يخفِّف عنا بعض ما قيَّضه لنا من غير قصد، فيميل عليه بالراح لعلها تلجمه، وتفلّ من عُرَب صوته، فما زادته – قاتله الله – إلا احتداداً واشتداداً، كأنه الآلة البخارية يزيدها الماء ضوضاء وصريخاً، فلم يبق لنا من حيلة إلا أن نفاتحه مازحين أو جادّين بطلب السكوت، فبعثنا له مَنْ يطلب ذلك، فكأنه لا يسمعه، وكأنما حال زعيقه بينه وبين أذنه التي في رأسه، ولما لم يجد تذكيرنا إياه بواجب الرأفة بنفسه، ولا واجب الرأفة بنا، قال أحدنا: أيها الشيخ... إن كنت لا تعلم ما صنعت بنا، فاعلم أنك قد أفسدت علينا الهواء، وضيَّقت بنا رحب الفضاء، وقال الثاني: نعم قد أضجرتنا، وقال الثالث: وقد أبرمتنا، وقال الرابع: وقد أزهقت أرواحنا.

    أما هو، فإنه نظر إلينا هازئاً وقال وهو كأهدأ ما يكون: «يا للأسف! ما كنت أحسب أن يبلغ بكم الجهل بإحكام الصناعة ما أرى.».
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سعيد موفقي
    عباس محمود العقاد … يحقّ له ان يشترط قرّاءه



    من أمتع كتب الأديب العصامي عباس محمود العقاد، يذكرنا بكتب الجاحظ وابن المقفع والتوحيدي، تظهر فيه عبقريته القرائية والإدراكية وكل ما يلفت انتباهه من محيطه الطبيعي والغرائبي، إذ يستحضر في كل ورقة يدونها فكرة أعجبته أو حكمة بحاجة إلى تفعيل أو شخصية مثيرة من عالمه أو من ماضيه. يكتب في هذه الورقة كلّ ما يفتح لديه شهية التأويل أو ما يعتبره مستفزا يستحق الوقوف، تأييدا أو معارضة، يتناوله بموضوعية الكاتب النبه والباحث الذي ينقب عن الحقيقة في تفاصيل الحياة وما تخلفه من آثار في الواقع وفي النفوس. يترصد الحقيقة من كلّ الوجوه ويقف عندها ساعات بشغف ولا يمل في سبيل الوصول إلى هذه الحقيقة أو تلك. يقف عند الكتب، يفكك محتوياتها بنهم كبير ولا يغادرها إلا بعد ان يشبع فضوله منها ويعطيها حقّها من القراءة والتحليل والتمحيص ويدرك انه لم يقصّر في أجزاء ما يقرأ محاولا إفشاء كلّ أسراره للقارئ الذي يعتقد انه ينتظر منه ما يقرأ أو يفهم، ثم ينتقل إلى كتاب آخر مختلف أو إلى تمثال شاهده أو صورة لفتت انتباهه في معرض أو مجلة أو في أيّ مكان يحتاج إلى فضول. يقف عندها بتمعّن ويعطيها حقّها من المشاهدة ما يجعله يطيل الحديث عنها حدّ الفلسفة، يقلّب جوانبها ويحلل ألوانها ويقرّب شخوصها بمهارة الرّسام المحترف، يكتب أحيانا قصة مطولة عنها وكانه يكشف حقائق تحتاج الإظهار للقارئ بلغة راقية متانقة لا يفهمها كل القراء، حينما يحدثنا عن اللوحة يجعلنا نشاهد ونقرأ في وقت واحد ولكن ونحن مزودون بمفاتيح القراءة الأدبية الواسعة المتفتحة على عوالم الفن واللغة والفكر، لذا يحق له ان يشترط قراءه .




    كاتب جزائري
    القدس العربي
    October 10, 2014

    .
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. محمد وقيع الله
    العقَّاديون السودانيون العشرة



    لمصر المباركة تأثير ثقافي كبير على بلادنا لا ينكره الا من لا يبصر ولا يرى كما قال العباس في حال من ‏ينكر فضل مصر على الورى، وإلى عهد قريب كان مثقفو الطلاب في المدارس الثانوية السودانية ينقسمون ‏الى فريقين عقاديين وطاهويين «نسبة الى طه حسين» ويهمنا ان نتحدث الآن عن فضل امام الفكر العقاد ‏على بعض كبار افراد النخبة الثقافية والادبية السودانية. ‏

    فمنذ ان كان العقاد في العقد الرابع من عمره كانت اشعاعاته القوية تصل الى السودان وتستقر في عقول ‏النخبة الرائدة. وعندما حل بالخرطوم في عام 1940 وجد الخريجون ورواد دار الثقافة يعرفونه جيدا ‏ويحاورونه ما استطاعوا، واحتفلوا به وعاونوه على جميع المراجع لتأليف «عبقرية عمر» كما ذكر في ‏صدر ذلك الكتاب. وانعقدت اواصر الصداقة بينه وبين عدد من كبار الادباء والناقدين وتتلمذ الكثيرون عليه ‏في كتبه ومقالاته وندواته.‏

    وكم نود اليوم ان ينهض طالب دراسات عليا نابه ليكتب لنا بحثا عميقا ناضجا في تاريخ الفكر والادب يلاحق ‏فيه تأثيرات العقاد في عقول عدد من كبار علماء وأدباء السودان وشعرائه. ونرشح له هؤلاء العشرة الكبار. ‏وبالطبع فيمكن للطالب ان يزيد او ينقص منها من عينة البحث كما يشاء ولكنا على سبيل الاعانة نذكر ‏هؤلاء.‏

    محمد أحمد محجوب

    في تقديرنا ان محمد احمد محجوب هو اشد السودانيين تأثرا بالعقاد، وامتزاجا بفكره وادبه، وقد بدا ذلك ‏واضحا في اسلوبه المحكم وافكاره العميقة الواضحة الخالية من الالتباس. ومنذ ان ظهر المحجوب على ‏ساحة النقد الادبي فقد ظهر ناقدا مستويا على القمة ولم يلاحظ القراء ادنى نواحي ضعف في فكره او في ‏لغته، وكان لصحبته الطويلة لكتب العقاد الفضل في تمكنه الفكري والنقدي، وما كان المحجوب ليأنف من ‏ابداء اعجابه بإمام الفكر العقاد بل كان يطرب عند ابدائه لذلك الرأي وتكاد تتقمصه حماسة سيد قطب، لاستاذه ‏العقاد. وعندما التقى المحجوب وهو رئيس وزراء السودان بزعيم مصر عبد الناصر سأله ماذا فعلتم للاحتفال ‏بذكرى العقاد؟ قال عبد الناصر: لا شيء. فرد المحجوب قائلا: لو كان العقاد سودانيا لفاخرنا به العالمين.‏

    وكم كنا نتمنى ان لو اقتفى المحجوب خطى العقاد في الانسحاب من عالم السياسة الى دير الفكر، فقد طلق ‏العقاد الوظيفة الحكومية غير آبه وخرج على عالم السياسة الحزبية غير آسف وتفرغ لانتاج غرر الفكر ‏والادب التي ستبقى ما بقى الزمان.‏

    ان آثار العقاد على المحجوب ـ فيما يبدو ـ اقوى بكثير في مجال النقد الادبي منها في الشعر. فمطالع مقالات ‏المحجوب المجموعة في كتاب «نحو الغد» وهو ما نشره المحجوب في مجلتي «النهضة» و«الفجر» ‏يستطيع بسهولة ان يلاحظ اثر العقاد البين عليه. اما شعر المحجوب فانا لم نر فيه تأثيرا يذكر اما شعر ‏العقاد، فقد كان الشعر المحجوبي تراثيا قويا يعتني بنسج الديباجة المشرقة وتقل فيه الالفاظ النثرية المباشرة ‏التي افسدت بعض شعر العقاد، ولا نستطيع ان نقول ان شعر المحجوب في الجملة افضل من شعر العقاد، ‏ولكنا نقول انه مختلف عنه وغير متقيد بفلسفة العقاد الشعرية واقرب منه الى شعر جرير وذي الرمة ‏والجاهليين.‏

    محمد محمد علي

    ومن عقاديي السودان الكبار الدكتور محمد محمد علي الذي تتلمذ مباشرة على العقاد حيث دأب على حضور ‏ندوته يوم الجمعة بداره. وكان محمد محمد علي حينها يدرس لأخذ شهادة الماجستير بإحدى جامعات القاهرة. ‏ومن يطالع مجموعة المقالات النقدية لمحمد محمد علي تلك المقالات التي اعطاها عنوانا متواضعا «محاولات ‏في النقد» يدرك انحياز هذا الكاتب الشديد ناحية العقاد واقرأ مثلا هذه القطعة النقدية المحترمة لمحمد محمد ‏علي وهو يلاحي الدكتور محمد النويهي: «اني من اشد الناس مقتا للتقليد والمقلدين، ولذلك تراني دائما ‏اعيب على الدكتور النويهي ايمانه العميق بشوقي وتلقيبه اياه بأمير الشعراء كما يفعل عوام الادباء. ولو ‏تمعن الدكتور لما وجد للشعر اميرا. فالشعراء الاصلاء دعك من المقلدين، لا يغني فيهم شاعر عن شاعر، لأن ‏كل واحد منهم يكشف عن النفس وعن الحياة. بوجه عام جانبا، لا ينوب عنه في وصفه امير او مأمور» ‏فمحمد محمد علي يجاري العقاد في ابرز اخطائه حيث انبرى لنفسيه شوقي والحط من مكانته وان امكن ‏تحطيمه، ذلك مع ان شوقي لم يكن اميرا للشعراء وحسب وانما امبراطورا لهم توجوه عن رضاء وما اظن ان ‏الضاد ابرزت شاعرا ملهما مثله من قبل ولا من بعد.‏

    ولا يعني هذا المقتطف من آثار د. محمد محمد علي انه كان متطرفا في آرائه النقدية بل كان بصيرا وحصيفا ‏ودقيقا غاية الدقة فكره وتعبيره ولكنها لوثة احتقبها من عداوة العقاد لشوقي ولعله يرى منها عن بعد لأن ‏هذا المقال يرجع عهده الى خمسينيات القرن الماضي.‏

    ولمحمد محمد علي قصيدة جليلة بارعة من عيون الشعر رثى بها استاذه العظيم العقاد يلزمنا ان نقف على ‏ابيات منها يقول فيها:‏

    لهفي على منزل شعث جوانبه = بالعلم والفن لا بالتبر والماس
    لهفي على منزل كنا نحف به = كأنه حرم او قدم اقداس
    لهفي على نبرة الجبار طائفة = تقسم النور صرفا بين جلاس
    كأنما طوع الله النجوم له = فقادها زمرا من غير امراس
    كذلك القلم النوري تمسكه = انامل جبلت من سطوة الباس
    تفض محبس الينبوع لمسته = فيورق العود من عار ومن كاس
    اقام بالدير يبني صرح خالدة = ما رام وفرا ولم يأبه بافلاس
    وراهب الفكر في محرابه كلف = بالدرس يجمع اجناسا لاجناس
    حتى يؤلف منها ضوء شارقة = لم يضنه قبس من بعد اقباس
    زفت له النفس من اسرارها صورا = ظلت محجبة عن سائر الناس
    والشعر اهدى اليه وهو فارسه = عذراء ما برزت يوما لفراس

    معاوية محمد نور

    وقد كان معاوية محمد نور اقوى تلاميذ العقاد في السودان. وقد درس معاوية آثار العقاد دراسة فاحصة كما ‏اغترف من ذات المنابع التي اغترف منها العقاد من دراسات النقد الادبي الانجليزي. ولم يكن معاوية مجرد ‏تلميذ للعقاد بل كان صديقا مقربا اليه يحاوره حوار صفوة من المفكرين الانداد وقد كتب معاوية عن بعض ‏ادق نواحي العقاد مقالة عن «القالب في شعر العقاد» وغير ذلك، ولعل العقاد كان يرشح معاوية لخلافته لو ‏طال به العمر، وهو القائل عن معاوية: «لو عاش معاوية لكان نجما مفردا في سماء الفكر العربي». بمعنى ‏انه كان سيتفوق على استاذه الكبير العقاد. والاعمال الكاملة لمعاوية تنبيء عن عظيم الشبه ما بين عقائده ‏وتوجهاته الادبية ونظائرها عند العقاد. ويمكن للبحث المقارن في هذا الشأن ان يدلنا على ما تأثر به معاوية ‏من العقاد وما اخذه رأسا من المنابع التي استقى منها العقاد.‏

    لقد كتب العقاد قصيدة مؤثرة في رثاء معاوية محمد نور، لعلها في ديوانه «اعاصير مغرب» وعندما زار ‏العقاد السودان حرص على ان يمضي رأسا من محطة القطار الى المقابر التي تحوي جسد معاوية فوقف ‏عنده وترحم عليه ووضع باقة من الزهر تعبر عن شديد حبه لتلميذه اللامع الاثير.‏

    أحمد عبد الله سامي

    والدكتور الشاعر الناقد احمد عبد الله سامي عقادي كبير آخر اسهم في التدريس بجامعة ام درمان الاسلامية ‏وترك آثارا عقلية طيبة في طلابه النجب وخلف مقالات ادبية كثيرة وكتابا نقديا عن التجاني يوسف بشير ‏طبق فيه مقاييس مدرسة العقاد في النقد الادبي، وهي المدرسة التي كانت تسمى «الديوان» وتتألف من ‏المازني وشكري بجانب العقاد، الا ان العقاد غدا اكبر من المدرسة كلها. وقد ترك الدكتور سامي ديوانه ‏‏«الرمال الظامئة» كأثر شعري كبير استنار بنظرة العقاد لاصول الشعر ومهمة الشاعر في الحياة. ولم ينصف ‏الناقد الكبير الدكتور عبد المجيد عابدين في تقديمه لديوان سامي عندما ذكر انه شاعر مجدد وقصر ملامح ‏تجديده في تنويع القافية وفي بعض قصائده وفي العناية البالغة بالشعر الوجداني وفي سلاسة التركيب ‏وترسله. فهذا قصور في تقصي ملامح التجديد في شعر سامي وهو القصور الذي دفع بعابدين الى ان يدرجه ‏في الاتجاه الذي اسماه بالكلاسيكية المجددة. وهو حكم قد لا يقره دارس يتعمق في فهم شعر سامي ويدرك ‏اثر العقاد العميم عليه. وهو ما يمكن ان ينجزه طالب هذه الدكتوراة ان صبر وكد في البحث.‏

    يوسف مصطفى التني

    والاستاذ يوسف مصطفى التني أثر آخر من آثار العقاد، وقد نافح التني متسلحا بافكار العقاد عن نزعة الادب ‏القومي اي المعبر عن خلاصة الثقافة العامة للامة بعيدا عن التقليد الاعمى للثقافات الاعجمية وما هو دونها. ‏ونظم التني شعرا كثيرا بعضه عاطفي وبعضه وطني والبعض الآخر صوفي وضمنه «ديوان التني». وقد ‏اخطأ عميد الادب العربي الدكتور عبد الله الطيب حين قام بتحليل احدى قصائد التني العاطفية وذلك في كتابه ‏‏«التأسيسي» المرشد ونصب القصيدة الى تأثيرات رافعية ومن يقرأ القصيدة بتدقيق لا يمكن ان يرد تلك ‏الاخيلة الا الى اثر العقاد فهي ابعد ما تكون عن الرافعي واقرب ما تكون الى العقاد.‏

    ودعوة العقاد الى الصدق في التعبير عن الذات طبعت شعر التني العاطفي والوطني والصوفي، فكله تعبير عن ‏الذات وانسجام بالغ مع ثقافة الوطن. وقد كان التني بحق من اصدق افراد النخبة السودانية واكثرهم تفانيا في ‏حراسة القيم واصطبارا على اعباء الريادة الوطنية.‏

    حمزة الملك طمبل

    وصلة حمزة الملك طمبل بالعقاد من اغرب الصلات، فقد تتلمذ عليه عندما كان معلما في اسوان وانطبع بأثره ‏وهو صغير ثم انطبع بأثره وهو كبير عندما اطلع على افكار مدرسة «الديوان» «وثابر على حضور ندوة ‏العقاد بالقاهرة،» وسار على اثر دعوة العقاد على جملة التراث العربي داعيا لاقتلاعه من الجذور كما اقتلع ‏الانجليز جل الرم والطم حين ابتنوا خزان سنار، ونشر طمبل مجموعة من المقالات في مجلة «الحضارة» ‏اسمها «الادب السوداني وما ينبغي ان يكون عليه» وكان عمادها تلك الدعوة الثورية، وجعلها مقدمة لديوانه ‏الذي اسماه «ديوان الطبيعة»، وزعم طمبل انه اقل راديكالية من استاذه العقاد، ولم يبرهن على ذلك، ومثال ‏خزان سنار السالفة الاشارة اليه لا يسند دعوته في الاعتدال.‏

    ومهما يكن فقد كان لطمبل دور مفصلي في توجيه الادب السوداني بتنظيره الذي يمثله قوله «ان الشعر كما ‏يفهمه عامة الناس هو كلام موزون مقفى، لا فرق في ذلك بين الفية ابن مالك والقصيدة الرائعة للاستاذ ‏العقاد. وذلك لأن الكثيرين من قراء الشعر ومحبيه لا سيما في هذا البلد، لا يكادوا يعرفون الفرق بين النظم ‏والشعر مع ان الفرق بينهما يكاد يكون كالفرق بين الشخص الذي يتمتع بالحياة وبين تمثاله المنحوت من ‏الرخام! هذا جسم له روح يغمرها الاحساس بالحياة وهذا جسم لا روح فيه، اما الشعر الحقيقي فهو صورة ‏حقيقية لنفس الشاعر كاملة في كل شعره لا في قصيدة واحدة من قصائده، اذ ان القصيدة الواحدة انما تعبر ‏عن خلجة من خوالج النفس او اثر من آثار الاعراض الظاهرة في باطنها، فهذا رأي حصيف ناضج، وهو ولا ‏مراء من انتاج حمزة الملك طمبل، ولكن لا مراء كذلك في اثر العقاد في هداية حمزة اليه.‏

    محمد عشري صديق

    وممن استفادوا من نظريات العقاد الادبية وصدروا عنها الاستاذ الكبير محمد عشري صديق صاحب كتاب ‏‏«آراء وخواطر» الذي كتب مقالاته لمجلة «النهضة» وأثار بها قضايا التجديد الشعري وهاجم من دعاهم ‏بدجاجلة الشعر المدعاة والالهام الغائم ودعا الى مقارعة هؤلاء الشعراء «الرجعيين» وتقويض دولتهم ‏القائمة على سلطان العواطف والافكار التي تحدها تصورات اقوام واساليب امم ذهبت الى مهد القبور.‏

    ومحمد عشري صديق كان ضليعا في اللغة الانجليزية كمعاوية محمد نور وان لم تكن له سعة اطلاعه. ولكنه ‏اطلع على كل حال على مدارس الشعر الانجليزي، وتعرف على مذاهبه مليا، فكان تأثره بالآراء النقدية للعقاد ‏تاليا لتأثره بمدارس النقد للعقاد تاليا لتأثره بمدارس النقد الادبي الانجليزي. وقد نظر الاستاذ عشري نظرة ‏تأمل فاحص في شعر العقاد وتوقف كثيرا في تحليل قصيدة العقاد «ترجمة شيطان» وعد العقاد شاعرا عالميا ‏كأبي تمام وبشار وشيلي وكوبر وانتهى الى انها قصيدة مفردة لا ثانية لها في شعر الضاد وأن معانيها لا ترد ‏الا في العقول الجبارة الثائرة حيث تلاقت فيها شهوات السياسة وتجريدات العقل المحض وتهويمات الفن ‏السامي.‏

    ورأى الاستاذ عشري في قصيدة «ترجم شيطان» شبيه برأيه في العقاد لكل، فهو القائل ان العقاد صنع ما لم ‏يصنع غيره وجاء بدليل على ان دعوة التجديد لم تقم منذ بدايتها الا على اساس متين وأمل كبير. ولو كان ‏معاصروه او من سبقوه من شعراء الشرق العربي قد احلوا هذا النوع من الشعر مكانه الجدير به، او لو ‏فهموه لكان من المحتمل ان يحاولوا النظم فيه، ولن يتأتى لهم ذلك الا بفهم العقاد.‏

    محمود الفضلي

    ومحمود الفضلي احد ابكار الخريجين ممن اجادوا الانجليزية واتخذوها وسيطا للتعرف على الآداب الاوروبية ‏ورحابة نظرتها الى الحياة، وراق له ان يجد صدى تلك الآداب في مدرسة «الديوان» وعند العقاد بخاصة. ‏وكان الفضلي مغرما بقراءة العقاد اديبا وسياسيا، اذ كان الفضلي سياسيا مناضلا في مؤتمر الخريجين وحزب ‏الاشقاء والحركة الاتحادية المتأثرة بحزب الوفد الذي انتمى اليه العقاد فترة في صدر شبابه ثم نبذه ونبذ ‏الاحزاب جميعا نبذ النواة.‏

    وللفضلي غرام شديد بشعر العقاد وكان يحسن الترنم به. وقد روى حسن نجيلة قصة القائه للبائية من شعر ‏العقاد التي ابكته، وروى باشري ان العقاد استزاده فانشد من الميمية التي تتحدث عن الفستان الازرق، وذكر ‏ان الفضلي اشترك في مهرجان العقاد بكلمة وقصيدة وان العقاد اثنى على شعره ونثره ووصفه بالاستاذ!‏

    وقد تاح لكاتب هذه السطور ان يلقى الاستاذ الفضلي بالقاهرة في اواسط ثمانينات القرن الماضي وان يستفيد ‏منه علما. وجاء ذكر العقاد والمسلسل التلفازي الذي صدر عنه وصور الفضلي في صورة لا تليق فثار لذلك ‏عن حق وابرق الى حاكم مصر يطلب منه ايقاف ذلك المسلسل المستخف بقدره العظيم.‏

    محمد ابراهيم ابو سليم

    والدكتور محمد ابراهيم ابو سليم ليس اديبا بالمعنى المتعارف عليه لهذه الكلمة، وليس مفكرا بالمعنى النظري ‏الذي يتبادر الى الذهن، وانما هو باحث في التاريخ. ولكنه ما كان سيكون باحثا عظيما يصل الى ذروة الاجادة ‏ويقف في صف واحد مع كبار المؤرخين العالميين، لولا انه كان مزيجا من الاديب والمفكر وانه سخر اقتداره ‏الادبي والفكري لمصلحة البحث التاريخي فتيسر له الابداع الرفيع في اكثر ما سطره من مباحث قيمة ملؤها ‏الفكر الوقاد الثاقب والتعبير الجزل المتين.‏

    وربما كان ابو سليم هو السوداني الوحيد الذي تهيأ له ان يقرأ كل كتب العقاد. ولا نعرف شخصا آخر ادعى ‏هذه الدعوى ولا حتى صديقنا الاستاذ الكبير محمد عثمان ابوزيد. ولا شك ان من يتوفر على قراءة مجمل ‏تراث العقاد قراءة التقدير والتبجيل والرغبة في الاستفادة سيخرج بمحصول وفير من درر الفكر الكبار.‏

    ونظن ان هذا الفصل في دراسة الدكتوراة سيكون اصعب الفصول وسيتعين على الطالب ان يبدي براعته في ‏استشفاف ملامح تأثر هذا العالم المؤرخ بالعقاد، اذ لم يكتب ابو سليم في النقد ولا في الشعر وانما في فن ‏آخر كتب فيه العقاد كثيرا ولكن ليس بطريقة التفصيل التاريخي، وانما بطريقة التحليل النفسي لابطال التاريخ ‏وعباقرته.‏

    أحمد محمد البدوي

    ومن علماء السودان وأدبائه الاحياء يعد الدكتور احمد محمد البدوي استاذ الادب العربي بالجامعات البريطانية ‏احد ابرز تلاميذ العقاد. وقد اختار البدوي لاطروحته التي نال بها جائزة الدكتوراة من جامعة الخرطوم تلميذا ‏بارزا للعقاد ليكتب في نقد آثاره الادبية وهو سيد قطب. ولعل اثر العقاد على سيد قطب شبيه بأثره على ‏البدوي اذ قاد كلاهما بعيدا عن شطط الاشتراكيين والراديكاليين الى نظرة متوازنة الى الوجود.‏

    تخرج احمد محمد البدوي في كلية الآداب بجامعة ام درمان الاسلامية، وكان يقود اتجاها فكريا يساريا ثم ما ‏عتم ان مال الى الوسط بتأثير فكر العقاد وصرامته المنهجية، وقد كتب البدوي عدة دراسات نقدية بعضها ‏موسوعي الطابع ككتابه عن الطيب صالح وهو افضل مرجع في اللغات جميعا عن الطيب صالح، ومنها ‏دراستين عن سيد قطب الناقد، ومؤلفات اخرى كثيرة في النقد الادبي.‏

    وفي طبع البدوي حدة من حدة العقاد وعرام من خصامه، ولو مزج البدوي حدته بشيء من الطرافة لكان ‏شبيها بزكي مبارك. هذا ولم يكن البدوي بعيدا من التأثر بأديب كبير لم يكن مستلطفا من قبل العقاد ولا سيد ‏قطب وهو العلامة الشيخ محمود محمد شاكر والبدوي شديد الاعتزاز بتأثره به وهذا مما يدل على انه ابعد ما ‏يكون عن التعصب الأعمى للعقاد.‏

    عبد الله حمدنا الله

    ونرشح للاشراف على هذه الدراسة عن تأثير العقاد في أفكار النخبة السودانية العقادي المقتدر البروفسور ‏عبد الله حمدنا الله استاذ الدراسات العليا بجامعة افريقيا العالمية، والذي يدعونا لترشيحه انه عقادي ‏مستوعب لفكر العقاد وأدبه، وفوق ذلك فهو متزن ومستقل الذوق والفكر وغير مماليء للعقاد ولا متعصب له ‏ضد خصومه كما هو الشأن في بعض العقاديين.‏

    ويتعهد هذا العبد الضعيف بعون الله بعون طالب العلم الجاد الذي يأنس في نفسه الكفاءة لانجاز هذه الدراسة، ‏وذلك بمده بالمراجع من كتب، ومقالات وبتوجيهه ومنهجة افكاره اثناء الكتابة. ذلك أن مجالنا الأكاديمي لا ‏يسمح بأكثر من ذلك لأنه يقع أبعد ما يكون عن هذا المجال الشائق من مجالات النقد الأدبي.‏


    .
     
    آخر تعديل: ‏31/3/15
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    حمزة شباب
    عبقرية العقاد



    لا يخفى على دارسي اللغة و الأدب ما للنقد من دور رئيس في رقي الأدب و الكشف عن التجارب الشعورية للأديب ، فذاك النقد الذي كان عفوياً فطرياً في الجاهلية فارتقى ليأخذ المفاهيم الدينية الجديدة ، ثم ظهرت طائفة من النقاد الذين حملوا على عاتقهم جمع الشعر القديم و الموازنة فيه و إظهار خصائصه كعمرو بن العلاء و الأصمعي ، و طائفة أخرى زادوا على ما فعله الذين من قبلهم بالتوثيق و عقد المقارنات الممنهجة و التمييز بين المعاني الجيدة و الرديئة ، و الألفاظ الجزلة و الضعيفة ، ليسود عصر التدوين النقدي على يد جماعة من النقاد ذوي البصيرة كابن سلام الجمحي و ابن قتيبة و الجاحظ و غيرهم ، و سرعان ما نضج فن النقد من خلال تلك القضايا المولدة كقضية السرقات الشعرية و أثر البديع في الشعر و النثر و دراسات عمود الشعر ، بل بانت الخصومات النقدية بين أعلام الأدب العربي كالموازنة بين أبي تمام و البحتري ، و بين المتنبي و خصومه كما في كتاب ( الوساطة بين المتنبي و خصومه ) للقاضي الجرجاني ، و واصل النقاد دورهم في إحياء الأدب العربي محاولين البناء على ما جاء به السابقون و قد تميزت بحوثهم بالدقة و وضع المقاييس النقدية و الأدوات الإثرائية الناجعة فظهرت لنا بعض الأقلام الذهبية التي ثارت على النصوص و وضعت لها المحددات الواجب توفرها ليكون العمل الأدبي مقبولا ، فقدمت لنا هذه العصور نماذج من النقد لعلها من أنبل الكتب النقدية كدلائل الإعجاز و العمدة .
    اعترى النقد – كغيره من العلوم و الفنون – بعض الجمود و الانحسار في الفترات التالية لما قدمنا ، و أخذ يتقلص تدريجياً تبعاً لعوامل قلة الإبداع الأدبي و انفصال البلاغة عن النقد ، ثم تتابعت حركات الإحياء النقدية على يد عدد من النقاد كحسين المرصفي الذي يدعو إلى تطبيق الأفكار النقدية في القرنين الرابع و الخامس الهجريين ، فكانت هذه المحاولات مجدية في ظهور منهج نقدي أدبي يجمع بين الثقافة العربية الإسلامية و الثقافة الغربية ، و بدأت مرحلة التغيير بتظافر جهود عباس العقاد و صديقه المازني ليولد أحد أهم الكتب النقدية الحديثة ألا و هو ( الديوان ) ، لنجد أنفسنا أمام علم مستقل بذاته ، يعمد إلى النظرة الثاقبة في الكشف عن مواطن القوة و الضعف في الأجناس الأدبية ، ليظهر النقد بثوب مستقل له أدواته و وسائله و مقاييسه .
    إن نظرة في نشأة العقاد تضعنا في مهب ريح قوية نهلت من ذكائه لتسعر شعلة متوقدة تنير سبيل السائرين نحو الآداب ، لم يكن إلا فتى تخرج في مرحلة الابتدائية ، و اعتمد على ذكائه في تشكيل عبقريته الفريدة حتى أصبح ذا ثقافة موسوعية و رؤية بصيرية نافذة ، فمن عمله بالسكك الحديدية و الوظائف الحكومية أنفق جل ماله على القراءة ، و لم يقف عند حدود الثقافة العربية بل اتجه لدراسة الآداب الإنجليزية ، و كان قد تحصل على تلك اللغة من جراء تواصله مع السياح المتوافدين على مسقط رأسه أسوان ، ثم اعتزل عدة وظائف حكومية لأنه يؤمن أن الموظف رقيق القرن العشرين ، فاتجه للعمل الصحفي ليكون حراً في نقل مبادئه الدعوية للحرية و الاستقلال ، و قد ساعدته ثقافته و سعة إطلاعه على سد فراغ حاصل بالفكر العربي و النقد الادبي .
    بدأ العقاد حياته شاعراً ، و أجهد نفسه بالقراءة استجابة لمعاركه الأدبية الطاحنة التي جعلته منهوماً لا يشبع من القراءة و الكتابة ، و سرعان ما أصبح يحمل رؤية كونية في عالم الفكر العالمي ، لينتج المؤلفات التي تتجاوز المئة في النقد الأدبي والتاريخ والشعر والسياسة ، والإسلاميات والأديان ، و سير أعلام الفكر و الدراسات الأدبية وعلوم اللغة ، والفلسفة و الكتابات العلمية ، أما مقالاته فكثيرة في عددها مختلفة في موضوعها حتى وصفت بأنها ” دراسة قائمة بذاتها في الموضوع الذي يكتب فيه ” ، و من النماذج التي خرج بها علينا كتبه في العبقريات حيث التراث الإسلامي بتاريخه و قيمه الفلسفية و الجمالية ، فكان لا يلبث أن يخرج من معركة حتى يدخل في أخرى كمعاركه مع الرافعي و طه حسين و الزهاوي و شوقي و غيرهم ، و وصلت خصوماته إلى تيارات إسلامية متصاعدة ، و أخص بالذكر جماعة الإخوان المسلمين و التي تحلق حولها الكثير من أفراد الشعب العربي و لا سيما الشباب منهم ، و قد حملت هذه الحركة المفاهيم السياسية بصبغتها الإسلامية ، فأدرك العقاد كغيره من أصحاب الفكر النهضوي الليبرالي أن الناس ما زالوا يحتفظون بالأفكار الإسلامية حتى بعد سقوط الخلافة الإسلامية ، و تشتت جغرافية الدولة العثمانية ، فراح يعيد النظر في مسارب الثقافة الإسلامية و يسبر أغوارها ليعيد بناءها في ضوء فكر جديد ليستعيد الإسلام من المتطرفين المستغلين له ، و لإعادة إحياء الشخصية العربية المسلمة بعد أن تفشى فيها الجهل بفعل سياسات الاستعمار ، فقدم دراساته و مؤلفاته لفئة الشباب لتصويب أوضاعهم و زيادة وعيهم السياسي و الثقافي تجاه الإبداع و من منظور حضاري .
    أظهر العقاد عدة مؤلفات في فترة وجيزة تتمحور حول التراث الأسلامي و بناء الحضارة بأسلوب قصصي وصفي عالمي ، و مضمون نفسي فلسفي ، و من هذه الكتب العبقريات و هي : ( عبقرية محمد ) و ( عبقرية الصديق ) و ( عبقرية عمر ) و ( عبقرية عثمان ) و ( عبقرية علي ) ، و قد حاول العقاد تقديم كتبه بالرؤية التي يراها هو لا كما يراها القارئ ، و قد جمعت عبقرية العقاد في مؤلفاته بين أمرين رئيسيين هما : محاولة ضرب الدعوات الإخوانية التي أخذت تنمو يوماً بعد يوم ، و تصعيد الحملة على التيارات المناهضة للإسلام ، و قدم كتبه آنفة الذكر بفلسفة فكرية بحتة ليلفت الأنظار إليه ، و يستنهض قراء عصره ، و مثال ذلك أنه قدم في ( عبقرية محمد ) نموذجاً في الدفاع عن الرسول الكريم بتقديم البراهين كما هو الحال في مناقشة أسباب تعدد الزوجات في حياته الشخصية و مهارته السياسية في صلح الحديبية ، حتى عد من أهم الكتب المدافعة عن الإسلام لأن صاحبه لم يجعله في دائرة كتب السيرة النبوية التقليدية و إنما ” تقديراً لعبقرية محمد ” كما قال ، و قد رسم صورة نفسية لأبي بكر الصديق و إحداثيات مسألة خلافته للدولة الإسلامية ، و تصوير فكرة السلطة و سيادة القانون كما في ( عبقرية عمر ) و التي تحدث عنها بقوله : ( اذا فهمنا عظيماً واحداً كعمر بن الخطاب ، فقد هدمنا دين القوة الطاغية من أساسه ، لأننا سنفهم رجلاً كان غاية في البأس وغاية في العدل وغاية في الرحمة …) و قد جاء قوله هذا في الرد على أقوال بعض المستشرقين ، و لم يخرج العقاد عن هذا النسق في تصوير شخصية عثمان و ما وصلت إليه الدولة من الديمقراطية في حكمه ، إلا انه أسهب في حادثة اغتياله أكثر من حادثة اغتيال عمر لأنه جاء بأيد مسلمة ملوحاً ببداية الثورات العربية في المجتمع ، و نهج طريقاً آخر في تصوير شخصية علي لأنه وجد نفسه أمام صراع ديني على مستقبل الدولة الإسلامية و التخوف من تشتتها ، فيقول : ( … أما إذا أدركوا نفسية الإمام التي يتطابق عندها المثال والواقع ، وأن همه كان رضا الله لا يبالي بعده بشيء ، لعلم هؤلاء أنهم يقولون عن غير علم و يحكمون على الظواهر من دون إدراك حقائق الأمور ) ، و نجد أن العقاد نجح في نقل التصور العقلاني لجزء هو الأهم في التاريخ الإسلامي ، ليعكس مبادئ الدين وفق نظرة عالمية تكون في جوهرها اتخاذ القدوة الحسنة في هذه النماذج المضيئة .
    حاول العقاد بعبقريته الفذة أن يطبق الخصائص الفنية لجماعة الديوان على كثير من كتاباته ، فكتب العبقريات بأسلوبه الفلسفي ليعبر عن أفكاره في تلك الحقبة التاريخية بأسلوب سردي شائق ، و ضمنها شيئاً من التجديد و خاصة في الجمع بين أساليب الكتابة العربية و الإنجليزية ، و قد خص الشخصيات بدراسة نفسية إكراماً للجانب الفكري الذي ارتقى به ليبعد العاطفة عن قلمه خصوصاً و أن المواضيع التي كتب فيها في العبقريات مواضيع دينية يغلب عليها العاطفة ، مستخدماً اللغة العصرية المتعمقة في المعنى ، و لم يعتمد على سعة إطلاعه فقط بل تعدى ذلك إلى تطبيق المقاييس و الأدوات النقدية عند جماعته ، و مع انفراط عقد الجماعة أحس العقاد بالعزلة الأدبية ليقيم هذه السلسلة من العبقريات لكسب ود القارئ العربي و مخاصمة للجماعات الإسلامية التي لاقت رواقاً عظيماً في فئة الشباب ، فجاء بأسلوب غاية في الفلسفة تسوده الرومانسية في جوانب سرده ، لاغياً دور العاطفة في النص الديني ، ليحدث نسقاً فريداً في الكتابة كتلك الحداثية التي نجدها عند أبي تمام ، و يتعمق في النظرة إلى المجال الذي يكتب فيه ، فجاءت كتاباته كثورات حداثية على الموروثات القديمة عنوانها عبقريته رافضاً جوائز الدولة التقديرية لأن العبقرية لا تقدر بثمن .



    ——————-
    * شاعر و أديب فلسطيني .
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    ابن عبد القدوس


    جريدة الأخبار
    ١١ يوليو ١٩٦٢


    … قرأت في كتابٍ قديمٍ قصيدةً بليغةً أعجبني أسلوبها وما حَوَتْهُ من الحكمة، وسميت بالقصيدة الزينبية؛ لما جاء في مطلعها وهو:

    صرمت حبالك بعد وصلك زينب = والدهر فيه تصرُّم وتقلُّب

    ولكن الكتاب لم يذكر اسم ناظم القصيدة؛ فمن هو؟ وما هي منزلته بين الشعراء؟

    فكرية عبد الوهاب حراز، مُدرِّسة، دمياط


    ***

    صاحب هذه القصيدة هو حكيم الشعراء في عصره صالح بن عبد القدوس. ومن الطريف حقًّا أن تُعجب الأستاذة بالقصيدة التي يقول فيها ناظمها بعد مطلعها:

    وكذاك وصْل الغانيات فإنه = آل ببلقعة وبرق خلب

    ثم يقول منها:

    فدع الصبا فلقد عداك زمانه = واجْهدْ فعُمرك مرَّ منه الأطيب
    ذهب الشباب فما له من عودة = وأتى المشيب فأين منه المهرب؟

    ولعلها تعجب فوق هذا العجب إذا علمتْ أن هذا الحكيم قد حوسب بقوله وقتل؛ لأنه درج منذ صباه على رأي في الدين لم يعدل عنه بعد بلوغ الشيخوخة كما قال مُتَّهِمُوهُ، فألزموه الحجة من كلامه؛ حيث قال في قصيدة أخرى من قصائد الحكمة:

    لا يبلغ الأعداء من جاهل = ما يبلغ الجاهل من نفسه
    والشيخ لا يترك أخلاقه = حتى يُوارَى في ثَرى رَمْسه
    إذا ارْعَوَى عاد إلى جهله = كذي الضنى عاد إلى نكسه

    وكان متهمًا بالزندقة، فنقل الوُشاة أحاديثَ زندقته إلى الخليفة المهدي، فقال له بعد أن مَثَلَ بين يديه: ألست أنت القائل:

    والشيخ لا يترك أخلاقه = حتى يُوارَى في ثرى رَمْسه؟

    فقال: بلى يا أمير المؤمنين! … فعاد الخليفة يقول: وهكذا أنت، لا تترك أخلاقك حتى تموت! وأمَر به فصُلِبَ ومات …

    ومن أخبار الزندقة، التي قيل إنها نقلت عنه، أنه شُوهد يصلي صلاةً حسنةَ الركوع والسجود، فَسُئِلَ: ما هذا ومذهبك معروف؟! فلم ينكر ذلك المذهب، ولكنه قال: سُنَّةُ البلد، وعادة الجسد، وسلامة الأهل والولد …!

    ومن الخسارة حقًّا أن يُذكرَ هذا عن الحكيم الذي كان يفيض بالحكمة فيضًا في كل ما نظم من الشعر، حتى كاد أن يخلو شعره من غير الحكمة، ومنها قوله:

    وَزِنِ الكلام إذا نطقت فإنما = يبدي عقول ذوي العقول المنطق
    ومن الرجال إذا استوت أحلامهم = مَن يستشار، إذا استشير، فيُطرق
    حتى يحل بكل وادٍ قلبه = فيرى، فيعرف ما يقول، فيَنطق

    وهو القائل:

    إذا لم تستطع شيئًا فدعه = وجاوزه إلى ما تستطيع

    وهو القائل:

    أنست بوحدتي ولزمت بيتي = فتم الصفو لي ونما السرور
    وأدَّبني الزمان فليت أني = هُجِرْتُ، فلا أُزار ولا أزور
    ولست بسائل ما عشتُ يومًا = أقام الجند أم نزل الأمير؟

    بل هو القائل كل كلام يحتاج إليه الفتى المنصوح من الشيخ الحكيم؛ ليعرف طريق الخلاص من المصير الذي صار إليه، بمنطق لسانه، بعد أن عرف كل ما عرف، وقال كل ما قال!

    ولكنَّه القدر، كما قيل، يعمي البصر، وقد عمي ابن عبد القدوس وفقد بصره قبل أن يفقد حياته (سنة ١٦٧ للهجرة) … ولعله — غفر الله له — قد عاش ومات مفترًى عليه؛ إذ ليس الافتراء على أمثاله بالعجيب ولا بالقليل!



    .
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    السيمية
    (٢)



    جريدة الأخبار
    ٢ مايو ١٩٦٢


    السيمية Samantics فرع كبير من فروع علم اللغة الحديث، موضوعه مراجعة «التعبيرات» لتصحيح دلالتها والملاءمة بين ألفاظها ومعانيها، على حسب أطوارها المتتابعة في أزمنتها ومواطنها.

    ذكرت السيمية كثيرًا في مطالعاتي الصحفية في هذا الأسبوع، وكان مما ذكرني بها عبارات شتى كالعبارة الآتية:

    قالت الصحيفة، راوية الخبر، بعد شرح القضية: «وأمرت المحكمة بحبس المتهم حبسًا مطلقًا مع تأجيل الدعوى.»

    والمقصود من عبارة الصحيفة مفهوم، وهو أن الحبس غير معلق على موعد محدود، ولكن وصف الحبس بالإطلاق يجمع بين النقيضين، ولا تناقض — مثل هذا — في العبارة التي ألفناها من قديم: وهي الحبس إلى أجل غير مسمى.

    والقصة التالية أيضًا مما يوحي بالتعليق على كلمة عظيم مشهور، لم تزل موضع أخذٍ وردٍّ في دلالتها وصدق تعبيرها منذ قالها ذلك العظيم المشهور، وهو المستشار البروسي بسمارك مؤسس الرايخ الألماني على أثر حرب السبعين.

    كان بسمارك يرد على الذين يحذرونه من عاقبة التسليح، وهي الحرب لا محالة، فيقول: إنني لا أنتحر خوفًا من الموت!

    وتعاد هذه العبارة اليوم لمناسبات شتى يدعو إليها طول الأخذ والرد في مسائل التسليح، ولكن الوقائع لا تقيم الحجة التي تؤيد لنا منطق بسمارك ومنطق القائلين بقوله كما كان يعينه، فإن الانتحار خوفًا من الموت أمر غير بعيد فيما نعلمه من وقائع الحياة، وآخرها في أخبار الصحف حادث الرجل الذي قتل نفسه في السيارة العامة؛ لأنه مطارد بالثأر المبيَّت له منذ سنوات، وقد وازن بين مواجهة الخوف من الموت مرة واحدة، ومواجهة هذا الخوف مرة بعد مرة ويومًا بعد يوم، وسنةً بعد سنة، فهان عنده الخوف المختصر ولم يهن عنده الخوف الذي يطول به الأجل ويزداد كلما عاد.

    و«بيدي لا بيد عمرو» مثل قديم يصحح في مذهب التعبير خطأ المستشار العظيم.


    .
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    العقاد يروي قصتى حب في حياته

    [​IMG]


    هل اعجبتك سلسلة اهل الفن على كرسي الاعتراف التي قدمناها لك حتى العدد الماضي؟ وهل اثارت اهتمامك تلك الحقائق العيجبة التي سجلها الفنانون انفسهم على انفسهم؟ لقد رأينا ان نكتفي بهذا القدر من اهل الفن، لنضع على الكرسي امامك طائفة جديدة من الاعلام.. طائفة اهل الفكر.. وهذه هي.. نستهلها بالاستاذ عباس محمود العقاد.. الكاتب العملاق الجرئ.. الصريح.

    هل يعرف احد من اين لي باسم "العقاد"؟
    لا احد طبعاً.. وهناك غير هذا اشياء كثيرة لا يعرفها الناس عني، اشياء قد تبدوا غريبة. لكنني اقولها في هذا المقام لاول مرة اما اسم "العقاد" فاذكر ان جد جدى لابي كان من ابناء دمياط، وكان يشتغل بصناعة الحرير، ثم اقتضت مطالب العمل ان ينتقل الى المحلة الكبرى حتى يتخذها مركزا لنشاطه، ومن هنا اطلق عليه الناس اسم "العقاد" اي الذي "يعقد" الحرير.. والتصقت الصفة بنا، واصبحت علما علينا.
    وقد تعجب اذ تعلم ان جدنا الاكبر من دمياط، مع ان الجميع يعرفون انني من اسوان، وان عددا من ابناء اسرتنا لا يزال يعيش في اسوان حتى اليوم.. ولقد تضاربت الاقوال في شأن مسقط رأس اسرتنا، حتى ان احد الصحفيين كتب ذات مرة يقول: "ان عباس العقاد امه سودانية اسمها "بخيته" وانه – اي انا – قد اخلت حرارتي وحماستي من امي.. والحقيقة طبعا على العكس من هذا، فامي، رحمها اللله كانت شقراء جميلة، اصلها كردي، وكان ابوها لا يتكلم العربية، اما جدي فكان من قبائل ديار بكر.
    ويقول الناس عني فيما يقولون انني قاس عنيف، ولقبني "سعد زغلول" بالجبار، ولكن هناك فرقا كبيرا بين القسوة وعدم الرحمة، وانا اقول انني شديد الحساسية، ولا تطريني او تعجبني مظاهر عدم الرحمة بالناس، حدث مثلا انني عندما سجنت، وقع بصري ذات يوم اثناء رياضتي اليومية على جلاد يهوي بسوطه على ظهر السجين... كان هذا المنظر كافيا لان اقع مريضا مدة اسبوع كامل، كما لم استطع اليوم بعدئذ ثلاث ليال باكملها، وظلت صورة الدم على ظهر السجين تشاغل عيني، كما استمرت اثاث الرجل تدوي في اذني، ولم يرحم خيال ان ذلك الرجل قد اتى دنيا يستحق معه ذلك العذا، بل ان ما ارقني هو صورة امتهان البشرية الى ذلك الحد..
    ومع ذلك انا لست ناعما – فالنعومة للنساء وليست للرجال، وقد تعجبون من انني سريع البكاء، وقد اثبتت المراجع العلمية، والنفسية والطبية ان اقوى الرجال اسرعهم الى البكاء!.
    انا عاطفي الى اقصى الحدود، وهذا على خلاف ما يتصور الناس، ولقد احببت في حياتي مرتين.. سارة.. ومي.. كانت الاولى مثالا للانوثة الدافقة، ناعمة رقيقة، لا يشغل رأسها الا الاهتمام بجمالها وانوثتها ولكنها كانت مثقفة ايضا، والثانية وهي مي.. كانت قوية الحجة، تناقش وتهتم بتحرير المرأة واعطائها حقوقها السياسية، كما كان بها بعض صفات الرجال من حيث انها جليسة علم وادب وفن، وزميلة في حياة الفكر، اي ان اهتمامها كان موزعا بين العلم والانوثة.
    انا احب الاطفال جدا، وفي منزلنا جماعة من الاطفال اكبرهم في السادسة من عمره، وهم جميعا اصدقائي، وكثيرا ما يصعدون الى مسكني يسألونني ويتحدثون معي ما شاء لهم الحديث.
    انا يأسرني الفن الجميل، حتى انني ابكي في مشهد عاطفي او درامي متقن الاداء. واذكر انني بكيت في اول فيلم اجنبي ناطق، كان يمثله الممثل القديم "آل جونسون" وكان مع آل جونسون طفل صغير يمثل دور الطفل الذي حرم من امه وظل هدفا للاهمال حتى مات.. وتأثرت من الفيلم وبكيت، ولم استطع النوب في تلك الليلة، الا بعد ان غسلت رأسي بالماء الساخن ثلاث مرات متتالية، وانا استعين بغسيل الرأس بالماء الساخن على ابعاد الافكار السوداء عني عندما تتملكني.
    من صفاتي التي لا يعرفها الناس، انني اذا عوملت بالتسامح لا ابدأ بالعدوان ابدا، واذا هاجمني احد فلا ارحمه وقد قالت سارة عني ذات مرة: "ان من يظهر طرف السلاح للعقاد يا قاتل يا مقتول!".
    ولدي صفة عجيبة اعتز بها ايما اعتزاز، وهي ان لدى حاسة سادسة لا تخطيء، ففي احد الايام – وكنت باسوان – سالت اخي فجأة عن صديق لي لم اكن قد رأيته منذ مدة، وفي المساء جاءتني برقية تنعى ذلك الصديق، وقد تبينت بعد ذلك انه قد توفي في اللحظة نفسها التي تذكرته فيها، وقد تكررت مثل تلك الحوادث كثيرا، حتى عرف عني اصدقائي هذه الصفة.
    انا اتحدى التشاؤم، ولا اومن به، فانا اسكن منزلا يحمل رقم 13، والرقمان الاولان من تليفوني هما 13، وقد بدأت بناء منزلي باسوان يوم 13 مارس، كما اقسم ملازم كتبي 13 قسما، وفضلا عن هذا فانا احتفظ بتمثال للبومة، اضعه امامي دائما.
    انا وفي جدا لاصدقائي من الاحياء والاموات كما انني وفي لذكرياتي، واعتز بها كل الاعتزاز، وقد كنت شديد التعلق بوالدتي، وعندما كنت ازور اسوان كان اول ما افعله هو ان انزل من القطاء واهرع الى غرفة والدتي، والتصق بها فلما توفيت الى رحمة الله لم ادخل غرفتها حتى الان، كيلا اراها فارغة منها، حتى الشوارع التي كنت اغشاها مع صديقي المارني – رحمه الله – لم استطع ان اغشاها بعد مماته، وصرت اتجنب ما يذكرني بفجيعتي فيهما حتى لا احزن من جديد.
    هذه هي بعض صفاتي التي لا يعرفها الناس عني، وكثيرون لا يعرفون قصة حياتي والمراحل التي مررت بها، حتى اصبحت عباس العقاد.
    واليك.. انا.. كما اعرف نفسي
    ولدت في اسوان يوم 28 يونيو سنة 1886 اي ان عمري الان 69 سنة بالتمام والكمال، ولي اخوة اشقاء وغير اشقاء، فقد كان والدي متزوجا قبل والدتي، ثم ماتت زوجته وبعدها تزوج امي، وكبير اشقائي احمد، وكان يعمل سكرتيرا لمحكمة اسوان، وهو الان على المعاش، وعبد اللطيف وهو تاجر.. ولي شقيقة واحدة.. نحبها جميعا وهي متزوجة تعيش في القاهرة الى جواري، اما اخوتي غير الاشقاء، فهم جميعاً اكبر من سنا، وبعضهم يعيش في القاهرة، والبعض الاخر باسوان.
    بدأت حياتي الادبية وانا في التاسعة من عمري، وكانت اول قصيدة نظمتها في حياتي هي قصيدة مدح العلوم وقلت فيها:
    علم الحساب له مزايا جمة
    وبه يزيد المرء في العرفان
    والنحو قنطرة العلوم جميعها
    ومبين غامضها وخير لسان
    وكذلك الجغرافية تهدي الفتى
    لمسالك البلدان والوديان
    واذا عرفت لسان قوم يا فتى
    قلت الامان به واي بيان

    وتدرجت في المدارس لو جئت الى القاهرة للكشف الطبي عندما التحقت باحدى وظائف الحكومة عام 1904، وكان عمري اذ ذاك 15 سنة وكانت وظيفتي في مديرية قنا، ولم تكن اللوائح تسمح بتثبيتي، لانني لم اكن قد بلغت بعد سن الرشد ثم نقلت الى الزقازيق، ثم كنت اول من كتب في الصحف يشكو الظلم الواقع على الموظفين، ثم سئمت وظائف الحكومة، وجئت الى القاهرة، وعملت بالصحافة، واخيرا عينت عضوا بمجلس الفنون والاداب، كما عينت عضوا بالمجمع اللغوي.
    وقد تسألونني عما دفع بي الى حياة الادب، واقول ان والدي كان يكتب في جرائد عبد الله النديم، وقد فتحت عيني لارى اسرتي كلها تؤمن بالدين، وتناقش الاراء الدينية، وكان من بين زائرينا في البيت رجل اسمه الشيخ الجداوي، كان حجة في المطارحة. ومنه تعلمتها، كما نمت عندي موهبة الكناية في كثرة ما جلست في المجالس العلمية التي كان ابي يصحبني اليها، ومنذ ذلك الحين، لا يشغل وقتي الا القراءة والكتابة.
    ولدي برنامج يومي اتبعه ولا اجيد عنه مهما كانت الظروف، فانا استيقظ في الساعة الخامسة والنصف صباحا، ثم احلق لحيتي وافطر، واجلس ساعة كاملة في هدوء قبل ان ابدأ القراءة او الكتابة، ثم اكتب ساعتين في الصباح، وبعدها اتناول غدائيل وانام، ثم اصحو واشرب قهوتي، واكتب ساعتين في المساء، ثم ابدأ القراءة، وقد كنت قديما اقرأ منذ السادسة مساء الى السادسة صباحا، اما الان فقد "كبرت العظمة" وانا اقرأ في كل العلوم والفنون مثل الكيمياء وعلم النفس – الزراعة – الطب – الفلسفة – وعندي محتويات دولابين من الكتب التي تبحث في علم الحشرات.
    وقد علمتني كتب الحشرات الشيء الكثير من "الحشرات الادمية" كما عرف منها الحقائق السكولوجية والدوافع الطبيعية مجردة، وساعدني علم الحشرات كثيرا في كتاباتي التحليلية.
    ومن الكتاب الذين يعجبونني الشاعر الالماني غايني وتوماس هاردي وكارثيل ومازلت، واناتول فرانس والكسيس، كاريل.. اما جوركي فهو اديب موهوب، ولكن كتاباته في موضو واحد جعلته محدوداً، وكذلك سارتر اقرأ له ولكنني لا احترمه.
    ومن الادباء والشعراء القدامى احب، ابن الرومي والمتنبي والمعري والشريف الرضى، ومن المحدثين اقرأ لتوفيق الحكيم، كما اقرأ النقد الادبي للدكتور طه حسين، كما اقرأ للاستاذ محمود تيمور.
    ولي رأي خاص في كل اديب من الادباء الجدد...
    نجيب محفوظ: - مثلا – بعد سنتين سيصبح كاتبا عالميا، وقد اعجبت بافكاره واسلوبه ومعانيه.
    عبد الحليم عبد الله: من احسن كتابنا في الاسلوب العربي.
    احسان عبد القدوس: اسمى ادبه ادب الفراش.
    يوسف ادريس: سمت عنه ولم اقرأ له بعد
    بنت الشاطئ: تصلح مدرسة لا اديبة.
    سهير القلماوي: مزيج من اديب وعالم.
    صوفي عبدالله: كاتبة مجيدة وكذلك جاذبية صدقي.
    ومن الشعراء الجدد اقرأ لنزار قباني ويعجبني شعره كثيرا.
    وقد يسألني الكثيرون لماذا لم اتزوج؟ واقول انني في شبابي شغلت بالمسائل السياسية كثيرا، حتى جاوزت سن الشباب، وانا اعتقد انه لا يجب ان يتزوج الرجل بعد سن الاربعين، ولكني مستعد ان اغير رأيي عندما تنزل على العروس الجميلة التي ترضى بي!!.
    ولي ايمان تام بشيء سيظل راسخا في قلبي الى الابد، وهو انني اكره الشيوعية كراهية التحريم، وذلك لانني اعتقد ان الشيوعية مذهب بهيمي حيواني يخضع الروحانيات، للماديات كما انها انكار لكل القيم العليا، ومنها العظمة الانسانية.
    ولي رأي مخالف للشيوعيين من حيث انهم يعتقدون ان الجماهير هي التي تغير التاريخ، اما انا فأومن بان الفرد هو الذي يغير التاريخ.
    وباختصار انا اومن بكل ما يمجد الفردية حتى اذا كان جان بول سارتر!!.
    اما امنيتي في الحياة فهي ان اضع كتابين، اكمل بهما سلسلة بدأتها بكتاب "الله" و"ابليس" وهما كتابان عن الكون وعن الانسان، كما اتمنى ان اظل اقرأ واكتب ما دمت حيا.


    .
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عــــلاء_عبـدالوهـــاب
    عبقرية العقاد صاحب العبقريات



    أول الكلام

    هل يمكن لغير عبقرى أن يتصدى للكشف عن ملامح العبقرية لشخصيات صنعت التاريخ؟
    أظن أن الاجابة بـ «لا» تقترب من حدود المستحيل.
    لابديل – إذن – عن الرد بـ «نعم».

    فإذا كان الأمر يتعلق بالاستاذ عباس العقاد، فإنه يكون قد أصاب أهله تماماً، إذ أنفق من جهده وفكره وعمره الكثير ليكتب عبقرياته الخالدة.

    واعترف أن المسألة شغلتنى منذ زمن بعيد، حتى ساقت لى الظروف الطيبة باحثا يمكن الرهان عليه إذا ما تصدى للمهمة.

    جمعنى لقاء بالدكتور محمد فتحى فرج، وكان يحمل كتاباً مقارناً بين العقاد وطه حسين، ودار حوار، ودردشة ممتعة، فإذا بى أمام باحث مجتهد، وهنا ولدت الفكرة، وتحمس د. فرج لها، وانكب عليها، وغاب، ثم عاد حاملاً بين يديه هذا السفر الرائع: «عبقرية العقاد صاحب العبقريات».

    الفكرة التى كانت مجرد ومضة، كساها لحماً، وصارت كتاباً مكتملاً.

    ودون مبالغة، فإننى حين قرأت عن العقاد بقلم د. فرج، كأننى أقرأ عنه للمرة الأولى، فالزاوية التى تعاطى معها الباحث غير مسبوقة، فبمنهج العقاد امتطى د. فرج صهوة العبقرية، وراح يصول ويجول باحثاً عن سمات وقسمات عبقرية عباس العقاد، إذ سبقه العديد من الباحثين منقبين ومفتشين فى شخصيته الثرية، من جوانب عدة، فقتلوها بحثاً، فهو المفكر، الأديب، الشاعر، السياسى و.. و….

    لكن بين كل ذلك لم يتطرق أحد لعبقريته!

    كان العقاد حين يتصدى لتراجمه يبحث عن مفتاح شخصية من يترجم له، لتكون مدخله إلى تناول مختلف، وتقديما لجوانب ربما تكون معروفة للجميع، لكن عندما يتصدى لها العقاد بقلمه، ومنهجه، فكأنما يعيد بناءها!

    هنا محاولة جادة، أعتقد أنها أثمرت مؤلفاً رائعاً، عبر فصول أعادت الكشف، بل اكتشاف العقاد ذاته!

    سمات عبقرية العقاد، صاحب العبقريات، هى محور هذا البحث الذى جمع بين الرصانة، والعمق، والتشويق.

    صحيح أن الدكتور محمد فتحى فرج قدم للمكتبة العربية كتاباً عنوانه: «العقاد الذى لايعرفه كثيرون»، لكنه تحدى نفسه كباحث، واجتهد فى تقديم سمات العقاد عبقرياً، ووضع يده على ما ثمنه مفتاحاً لشخصية العقاد، وكان على وجه الحصر ذاك الحب للمعرفة والثقافة والعلم.

    دون أدنى مبالغة، بين يدى القارىء العزيز كتاب فريد فى مادته ومنهجه، يقدم للعقاد ما لم يقرأه من قبل.

    إقترب العقاد من العباقرة لأنه عبقرى، يقدر عبقريتهم، وربما خلال مشواره فى بحار العبقرية أثر وتأثر، بفطرته فى البداية، ثم استقاء من تراكم بحثه الدءوب وراء سير العباقرة وحيواتهم، فكان انتاجه للعبقريات إرثا راقيا، وآن للعقاد رد جميله بالبحث فى/ عن عبقريته.

    محاولة جادة، وبحث غير مسبوق، وتحدٍ يبقى للقارىء الحكم عليه، وأظنه سيكون لصالح من تصدى واجتهد، وأقدم على إنجاز كتاب يعد إضافة حقيقية وأصيلة للمكتبة العربية.
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    علاقة مركبة
    شعبان يوسف





    كثيرون لديهم انطباع يصل إلى حَدّ اليقين أن العلاقة بين الكاتب عباس محمود العقّاد والأديب الناشئ سيِّد قطب، بدأت بالتجاذب، وهذا ليس صحيحاً تماماً. والمقال الأول الذي نشره سيِّد قطب في جريدة «البلاغ» الأسبوعية كان منتقداً للعقّاد، رغم العبارات العاطفية والتقديرية التي أحيطت بالمقال، وكان ذلك في 1928، وكانت جريدة البلاغ، التي كان يرأس تحريرها الصحافي عبد القادر حمزة، منحازة بشكل مفرط إلى حزب الوفد، وكان العقّاد في ذلك الوقت هو كاتب الوفد الأول، وكانت ميول قطب في بداية حياته وفدية، وله قصيدة في رثاء سعد زغلول تعبِّر عن ذلك جداً، وكان الخلاف بين العقّاد وقطب قد نشأ حول مقال كتبه العقّاد يتحدَّث فيه عن عاطفة الشيوخ، ورَدّ عليه قطب في العدد التالي، ولكن العقّاد رَدَّ على قطب في العدد الذي تلاه، وكان رفيقاً به، ولم يكن حاداً وقاسياً على عهد القرّاء به، وربما يكون ذلك الحنوّ عنصراً جاذباً لسيِّد قطب، الذي انجرف تماماً إلى أن يقتفي آثار العقّاد، ويجعل من نفسه تلميذه الأول والناطق بلسانه، والمدافع عنه كما لم يدافع عنه أحد، وكانت المعارك التي خاضها قطب بسبب العقّاد تجلب عليه الكثير من الهجوم العنيف، فمن المعروف أن سيِّد قطب يدافع بضراوة عن العقّاد، ويهاجم كل من يقترب من أستاذه، فكانت معركته مع جماعة أبوللو في الثلاثينيات أول شاهد على ذلك، وهاجمه الشاعر أحمد زكي أبوشادي بعد أن نشروا له شعراً ونقداً في المجلة، وكان قطب يخوض المعارك بدلاً من العقّاد، وربما كان ذلك يرضي أستاذه. وكانت المعركة الشهيرة التي دارت بين قطب والمحقق محمود محمد شاكر على صفحات الرسالة، والتي تطرَّق إليها كُتّاب آخرون، فعندما كان محمد سعيد العريان يكتب سلسلة مقالات عن مصطفى صادق الرافعي على صفحات الرسالة، والتي انتهت بكتاب ضخم عنه، انبرى قطب ليهاجم العريان بقوة، عندما تعرَّض لعلاقة الرافعي بالعقّاد، ورغم أن العقّاد نفسه لم يردّ، إلا أن سيِّد قطب هو الذي اندفع، وراح يكيل أشكالاً من الهجوم على سعيد العريان، وكذلك مصطفى صادق الرافعي نفسه، وهنا رَدّ عليه محمود شاكر على مدى خمسة أعداد موضِّحاً التجنّي الذي كشفت عنه مقالات قطب، وهذه المعركة- على وجه الخصوص- أظهرت الولاء الفكري والشخصي والإنساني الذي يكنّه سيِّد قطب لعباس العقّاد. والذين بحثوا في حياة سيِّد قطب توقَّفوا أمام «انقلابه» مذهولين، وفسَّروه تفسيرات عديدة، فذهب علي شلش إلى أنه لم يحظَ بتقدير كبير من الجماعة الثقافية، فآثر الابتعاد إلى مجال آخر، وهناك مايثبت ذلك في رأي شلش، وهناك عادل حمودة الذي اعتبر أن كتابات سيِّد قطب الأدبية لم تكن ذات رفعة أدبية، ومن ثَمَّ لم تكن أصيلة، لذلك فهو هجرها إلى التفكير السياسي، وكذلك حلمي النمنم الذي اعتبر أن سيِّد قطب لم يكن مثقفاً مثل أساتذته، ولذلك كانت الرؤية سطحية عنده، وعزا النمنم ذلك إلى أن قطباً لم يكن يقرأباللغة الإنجليزية، واعتبر أن ذلك قصوراً لدى قطب، وهذا رأي مثير للدهشة، فهل كل الذين لا يقرأون بلغات أجنبية، نحسبهم غير مثقَّفين؟، فإذا كان كذلك، سوف نخرج كثيراً من الكتّاب والمبدعين من زمرة المثقَّفين. من يقرأ كتابه وسيرته «طفل من القرية»، سيدرك أن هذه الحياة التي عاشها في طفولته، من الممكن أن تنتج هذا النوع من الحياة، والحماس البارز الذي كان ينتاب قطباً في الثقافة والأدب في عقدَي الثلاثينيات والأربعينيات، تحوَّل إلى حــمــاس سـيــاسي وديني في الخمسينيات والستينيات، ولمّا لم يلقَ مايريده من أساتذته، وخاصة العقّاد، تأثر، وترك ذلك في نفسه مرارات كثيرة، ففي مقال مؤثِّر كتبه قطب في مجلة (الرسالة) في 10 سبتمبر/أيلول 1951، أي بعد عودته من أميركا، وتحت عنوان «إلى أستاذنا الدكتور أحمد أمين» يقول قطب بأسى شديد: «دعوني الآن أصارحكم بتجربتي الخاصة، التي تركت في نفسي ذات يوم مرارة، ومن أجل هذه المرارة لم أكتب عنها من قبل، حتى صَفَت روحي منها، وذهبت عني مرارتها، وأصبحت مجرَّد ذكرى قد تنفع وتَعِظ، لقد كنت مريداً بكل معنى كلمة المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين، ولقد كنت صديقاً أو ودوداً مع الآخرين من جيلكم كذلك، لقد كتبت عنكم جميعاً بلا استثناء، شرحت اراءكم، وعرضت كتبكم، وحلَّلت أعمالكم بقدر ماكنت أستطيع، ثم جاء دوري .. جاء دوري في أن أنشر كتباً بعد أن كنت أنشر بحوثاً ومقالات وقصائد، لقد جاء دوري في نشر الكتب متأخِّراً كثيراً، لأنني آثرت ألا أطلع المئذنة من غير سُلّم، وأن أتريث في نشر كتب مسجّلة حتى أحسّ شيئاً من النضج الحقيقي يسمح لي أن أظهر في أسواق الناشرين، وكان أول كتاب نشرته هو ذلك الكتاب الذي نال إعجاب صـديقـكـم الراحـــــــل المغفور له عبد العزيز باشا فهمي ...فماذا كان موقف أستاذي؟وماذا كان موقف جيلكم كله؟ ماذا كان موقف جيل الشيوخ، لا من هذا الكتاب وحده، ولكن من الكتب العشرة التي نشرتها حتى الآن؟، أراجع كل ماخطته أقلام هذا الجيل كله عن عشرة كتب، فلا أعثر إلا على حديث في الإذاعة لفقيد الأدب المرحوم الأستاذ المازني، وعلى إشارة كريمة للأستاذ توفيق الحكيم في أخبار اليوم»، ويستطرد في اعترافاته التي تنمّ عن مرارة شديدة، وهو الذي كتب عن طه حسين وتوفيق الحكيم وعبدالقادر حمزة ونجيب محفوظ الذي كتب عنه مقالاً مجيداً، ولكن محفوظاً لم يكن من الأعلام الذين ينتظرهم قطب، وأهدى قطب كتابه «طفل من القرية» إلى د.طه حسين، موضّحاً إجلاله وتقديره له، وهذا الكتاب الذي كتبه على غرار «الأيام»، وكان قد كتب عام 1947 روايته السيرية «أشواك» على غرار «سارة» للعقّاد، وكان ولاء سيِّد قطب إلى الجيل الذي سبق منقطع النظير، وكان الولاء الأكبر لأستاذه الجليل العقّاد خاصاً جداً. والذي يقرأ العبارات التي كان كتبها قطب عن العقّاد، سيلاحظ مدى التعظيم لا الولاء، فقط، لهذا الأستاذ.



    .
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الكاتب الجبار يتعقب أمير الشعراء
    شعبان يوسف



    لم تكن المعركة التي قادها الشاعر والناقد الشاب عباس محمود العقاد ضد الشاعر أحمد شوقي في مطلع القرن العشرين نوعاً من استعراض العضلات، أو ترصد الشاعر الكبير، أو محاولة للشهرة بأي شكل من الأشكال، ولكنها كانت تأسيساً لمدرسة جديدة في النظر إلى الشعر والثقافة بطريقة مختلفة عن مدرسة الإحياء التي قادها محمود سامي البارودي في أواخر القرن التاسع عشر، وكذلك المدرسة التقليدية التي كان من أعمدتها في الشعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وفي النثر مصطفى لطفي المنفلوطي، وهذه المدرسة الجديدة عرفها تاريخ الأدب باسم «مدرسة الديوان»، وأسس لها إبراهيم عبد القادر المازني وعباس محمود العقاد، وفي عام 1922 أصدر المازني والعقاد كتاباً أسمياه «الديوان»، ونال هذا الكتاب اهتماماً كبيراً من الكتاب والنقاد والشعراء، واستطاع أن يستقطب شباباً يدافعون عنه باستبسال، وكان على رأس هؤلاء الشاعر سيد قطب، والذي كتب كتاباً تحت عنوان «مهمة الشاعر في الحياة» صدر بمقدمة للدكتور مهدي علام عام 1933، وجاء الكتاب شارحاً ومادحاً لنظرية العقاد في الشعر، كما استطاع كتاب «الديوان» أيضاً أن يستنبت خصوماً كثيرين، والجدير بالذكر أن العقاد كان قد كتب نقداً في شوقي قبل ذلك بعدة سنوات، وبالتحديد عام 1912، ونشره في كتابه «خلاصة اليومية»، وهوعبارة عن كراسة صغيرة كان العقاد يدون فيها آراءه وأفكاره وخواطره التي ينوي كتابتها في دراسات طويلة فيما بعد، وضمن ما كتبه في تلك الكراسة موضوع يتعلق بتعريف الشاعر، وفي هذا التعريف آثر العقاد أن يفسر معنى الشاعر بالشعور، وهكذا كان يقيس شاعرية شوقي على هذه الفرضية، وعاب عليه «رسمياته» التي كانت تأتي تقليدية جدا، ولا تهز الروح، فكتب معقباً على إحدى قصائد شوقي، والتي رثى فيها بطرس غالي باشا رئيس الوزراء المغتال، ويقول شوقي:



    (القوم حولك يا ابن غالي خشع يقضون حقاً واجباً وذمـامـا

    يبكون موئلهم وكهــف رجائـــهم والأريحي المفضـل المقدامــا

    متسابــقـين إلى ثـــــراك كأنـــه ناديك في عز الحياة زحاما)



    وكتب العقاد معقباً: «أكان يريد أن يقول إن زائري قبر الرجل، وفيهم ساداته الأمراء والوزراء والعظماء والعلماء... كلهم ممن كانوا يقصدون رجاء يستعطون من أريحية ساكنة الجواد ويستدرون من أفضاله؟ أم تراه يحسب أنهم ملكوا عليه حتى دموع عينيه، وأنه نائحة المعية، أي ليرثى كل من يموت من خدامها بغير قليل؟».

    كان هذا التعقيب مقدمة لما كتبه العقاد عام1922 في كتابه المشترك «الديوان» إذ كتب معقباً على قصيدته في رثاء الزعيم مصطفى كامل: «فأما التفكك فهو أن تكون القصيدة مجموعاً مبدداً من أبيات متفرقة بينها وحدة غير الوزن والقافية وليست هذه بالوحدة المعنوية الصحيحة إذ كانت القصائد ذات الأوزان والقوافي المتشابهة أكبر من أن تحصى».

    ثم «هذه كومة الرمل التي يسميها شوقي قصيدة في رثاء مصطفى كامل، نسأل من يشاء أن يضعها على أي وضع فهل يراها تعود إلا كومة رمل كما كانت؟ وهل فيها من البناء إلا أحقاف خلت من هندسة تختل ومن مزايا تنتسخ ومن بناء ينقض ومن روح سارية ينقطع أطرادها أو يختلف مجراها، وتقريراً لذلك نأتي هنا على القصيدة كما رتبها قائلها ثم نعيدها على ترتيب آخر يبتعد جد الابتعاد عن الترتيب الأول ليقرأها القارئ المرتاب ويلمس الفرق بين ما يصح أن يسمى قصيدة من الشعر وبين أبيات مشتتة لا روح لها ولا سياق ولا شعور ينتظمها ويؤلف بينها، ونحن نأسف على فضاء نضيعه من صفحاتنا فلا يعزينا عن ضياعها إلا أنها كما نرجو لا تضيع عبثاً». ويستطرد العقاد في تشتيت أبيات القصيدة حتى يثبت أن القصيدة بلا بناء، بل أنها مكتوبة بشكل عشوائي، وتخلو من فكرة البناء العضوي للقصيدة، وأظن أن فكرة البناء العضوي للقصيدة والنصوص عموماً هي جوهر ما جاء ونادى به العقاد في منهجه، بالإضافة إلى الترابط النفسي الذي يشمل النص الشعري بأكمله، هكذا قرأ - فيما بعد - ابن الرومي وأبا العلاء وغيرهما من الشعراء، وهكذا حاول في تطبيقه هذا المنهج على شعره هو نفسه، وكان شوقي محل نظر طوال رحلة العقاد الفكرية.

    ولم يقتصر العقاد على تناول شوقي شاعراً فقط، بل أنه أصدر كتيباً صغيراً بعد ذلك عن مسرحيته «قمبيز» تحت عنوان «رواية قمبيز في الميزان»، ويبدو أن مؤرخي حياة شوقي والعقاد لم يتناولوا هذا الكتاب بالتفصيل، رغم أنه استكمال لنظرية العقاد في الفن، واستكمال لوجهة نظر العقاد في شوقي، وهنا لم يتوقف العقاد عند السمات الفنية والأسلوبية واللغوية فقط، بل تعداها إلى وطنية شوقي وعدم الولاء الكامل لمصر، وهذا - كما يفسره العقاد - أن لشوقي جذوراً أخرى يونانية، فليست حكاية قمبيز في التاريخ المصري محل فخر، كما يرى العقاد، لأن الشاعر لا يلجأ إلى هذه الحكايات إلا بعد أن يستنفد صفحات المجد في ذلك التاريخ، والمسوغ الوحيد لتناول الشاعر مثل هذا الحدث، أن يستخرج منه عبرة وفخراً وأحال ما فيه من هزيمة إلى معنى أشبه بالنصر وأستر للعار، وذاك ما لم يصنعه شوقي في روايته «قمبيز». والمدهش حقاً أن العقاد هنا لم يكتف بتشتيت أشعار المسرحية هنا وهناك، لكنه كان يغير في النص، ويقول لو لم يكتب شوقي هذا وكتب ذلك لكان أفضل، وكان يقترح عدداً من الإجراءات الفنية على النص، وقسم العقاد كتابه إلى عدة فصول تناول فيها «النظم» وهو منطقة شوقي التي من المفترض أن يبرع فيها لطول ممارسته هذا الفن «هذا إذا ما بلغ شوقي غاية الاتقان، فكيف ترى يكون لومه وخذلانه إذا هبط عن غاية الاتقان، ثم هبط عن الاتقان المطلوب؟ ثم هبط إلى السخف والغثاثة، فإذا هو يقنع من الإعجاز بالعجز ويرضى من السبق بالتخلف؟».

    ويلي هذا الفصل فصل آخر يتناول فيه التاريخ، ثم ينهي كتابه بفصل ثالث تحت عنوان «الخيال»، ويهمنا هنا أن نقتبس فقرة من حديث العقاد عن فكرة «التاريخ» في قمبيز فيقول:

    «للشاعر أن يسد نقص التاريخ حيث سكت، وله أن يفتن في تصوير حقائق التاريخ لبعثها جديدة ويلبسها ثوب الحياة المشهودة، ولهذا تسمى الرواية تاريخية ويراد النظم في الموضوعات المهجورة، أما أن يتناول الشاعر الحقائق ليمسخها ويناقضها فذلك ما لا يجوز ولا يغني فيه حذر، إلا أن تكون رواية التاريخ معناها أن نشوهه ونكذب عليه، وذلك من الرواية التاريخية لا يخطر لأحد على بال، نعم لا يخطر لأحد على بال إلا شوقي وأمثاله، فإن قارئ «قمبيز» ليرى كأنما هذا الشاعر لم ينظمها إلا ليمسخ تلك الفترة من تاريخ مصر، فيمحو كل ما هو حقيق بالذكر ويذكر فيها كل خطأ ولغو وفضول، وهذا بيان وجيز لبعض الأخطاء»، ويعدد العقاد الأخطاء التاريخية لتناول شوقي في المسرحية، بداية من تسميتها «قمبيز»، وهي ليست تسمية مصرية، بل يونانية، ثم حكاية قتل العجل «هابي» بطعنة في فخذه، ويستطرد العقاد : «ولوكان لشوقي بصيرة مؤرخ وخيال شاعر لعرف أن حكاية قتل العجل بتلك الطعنة خرافة لا تثبت على التمحيص، وإن وردت في بعض الروايات، لأن طعنة في الفخذ لا تقتل عجلاً قوياً ولا غير قوي».

    والذي يتابع العقاد على مدى حياته بعد شوقي الذي توفي في 13 ديسمبر/كانون الأول 1932، ورحل العقاد في 13 إبريل/نيسان 1964، سيلاحظ أن العقاد لم يتراجع عن أقواله في شوقي إلا قليلاً، حتى بعد أن ترأس لجنة الشعر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب في خمسينيات القرن الماضي، واحتفل المجلس بشوقي، كانت كلمة العقاد أشبه بتقديم الواجب، والآن والعالم العربي يحتفي بمرور ثمانين عاماً على رحيل شوقي، هل كان العقاد محقاً فيما قاله عن شوقي، أم أنه كان ظالماً له ومتجنياً عليه؟!



    .
     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    علاقة مركبة
    شعبان يوسف


    كثيرون لديهم انطباع يصل إلى حَدّ اليقين أن العلاقة بين الكاتب عباس محمود العقّاد والأديب الناشئ سيِّد قطب، بدأت بالتجاذب، وهذا ليس صحيحاً تماماً. والمقال الأول الذي نشره سيِّد قطب في جريدة «البلاغ» الأسبوعية كان منتقداً للعقّاد، رغم العبارات العاطفية والتقديرية التي أحيطت بالمقال، وكان ذلك في 1928، وكانت جريدة البلاغ، التي كان يرأس تحريرها الصحافي عبد القادر حمزة، منحازة بشكل مفرط إلى حزب الوفد، وكان العقّاد في ذلك الوقت هو كاتب الوفد الأول، وكانت ميول قطب في بداية حياته وفدية، وله قصيدة في رثاء سعد زغلول تعبِّر عن ذلك جداً، وكان الخلاف بين العقّاد وقطب قد نشأ حول مقال كتبه العقّاد يتحدَّث فيه عن عاطفة الشيوخ، ورَدّ عليه قطب في العدد التالي، ولكن العقّاد رَدَّ على قطب في العدد الذي تلاه، وكان رفيقاً به، ولم يكن حاداً وقاسياً على عهد القرّاء به، وربما يكون ذلك الحنوّ عنصراً جاذباً لسيِّد قطب، الذي انجرف تماماً إلى أن يقتفي آثار العقّاد، ويجعل من نفسه تلميذه الأول والناطق بلسانه، والمدافع عنه كما لم يدافع عنه أحد، وكانت المعارك التي خاضها قطب بسبب العقّاد تجلب عليه الكثير من الهجوم العنيف، فمن المعروف أن سيِّد قطب يدافع بضراوة عن العقّاد، ويهاجم كل من يقترب من أستاذه، فكانت معركته مع جماعة أبوللو في الثلاثينيات أول شاهد على ذلك، وهاجمه الشاعر أحمد زكي أبوشادي بعد أن نشروا له شعراً ونقداً في المجلة، وكان قطب يخوض المعارك بدلاً من العقّاد، وربما كان ذلك يرضي أستاذه. وكانت المعركة الشهيرة التي دارت بين قطب والمحقق محمود محمد شاكر على صفحات الرسالة، والتي تطرَّق إليها كُتّاب آخرون، فعندما كان محمد سعيد العريان يكتب سلسلة مقالات عن مصطفى صادق الرافعي على صفحات الرسالة، والتي انتهت بكتاب ضخم عنه، انبرى قطب ليهاجم العريان بقوة، عندما تعرَّض لعلاقة الرافعي بالعقّاد، ورغم أن العقّاد نفسه لم يردّ، إلا أن سيِّد قطب هو الذي اندفع، وراح يكيل أشكالاً من الهجوم على سعيد العريان، وكذلك مصطفى صادق الرافعي نفسه، وهنا رَدّ عليه محمود شاكر على مدى خمسة أعداد موضِّحاً التجنّي الذي كشفت عنه مقالات قطب، وهذه المعركة- على وجه الخصوص- أظهرت الولاء الفكري والشخصي والإنساني الذي يكنّه سيِّد قطب لعباس العقّاد. والذين بحثوا في حياة سيِّد قطب توقَّفوا أمام «انقلابه» مذهولين، وفسَّروه تفسيرات عديدة، فذهب علي شلش إلى أنه لم يحظَ بتقدير كبير من الجماعة الثقافية، فآثر الابتعاد إلى مجال آخر، وهناك مايثبت ذلك في رأي شلش، وهناك عادل حمودة الذي اعتبر أن كتابات سيِّد قطب الأدبية لم تكن ذات رفعة أدبية، ومن ثَمَّ لم تكن أصيلة، لذلك فهو هجرها إلى التفكير السياسي، وكذلك حلمي النمنم الذي اعتبر أن سيِّد قطب لم يكن مثقفاً مثل أساتذته، ولذلك كانت الرؤية سطحية عنده، وعزا النمنم ذلك إلى أن قطباً لم يكن يقرأباللغة الإنجليزية، واعتبر أن ذلك قصوراً لدى قطب، وهذا رأي مثير للدهشة، فهل كل الذين لا يقرأون بلغات أجنبية، نحسبهم غير مثقَّفين؟، فإذا كان كذلك، سوف نخرج كثيراً من الكتّاب والمبدعين من زمرة المثقَّفين. من يقرأ كتابه وسيرته «طفل من القرية»، سيدرك أن هذه الحياة التي عاشها في طفولته، من الممكن أن تنتج هذا النوع من الحياة، والحماس البارز الذي كان ينتاب قطباً في الثقافة والأدب في عقدَي الثلاثينيات والأربعينيات، تحوَّل إلى حــمــاس سـيــاسي وديني في الخمسينيات والستينيات، ولمّا لم يلقَ مايريده من أساتذته، وخاصة العقّاد، تأثر، وترك ذلك في نفسه مرارات كثيرة، ففي مقال مؤثِّر كتبه قطب في مجلة (الرسالة) في 10 سبتمبر/أيلول 1951، أي بعد عودته من أميركا، وتحت عنوان «إلى أستاذنا الدكتور أحمد أمين» يقول قطب بأسى شديد: «دعوني الآن أصارحكم بتجربتي الخاصة، التي تركت في نفسي ذات يوم مرارة، ومن أجل هذه المرارة لم أكتب عنها من قبل، حتى صَفَت روحي منها، وذهبت عني مرارتها، وأصبحت مجرَّد ذكرى قد تنفع وتَعِظ، لقد كنت مريداً بكل معنى كلمة المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين، ولقد كنت صديقاً أو ودوداً مع الآخرين من جيلكم كذلك، لقد كتبت عنكم جميعاً بلا استثناء، شرحت اراءكم، وعرضت كتبكم، وحلَّلت أعمالكم بقدر ماكنت أستطيع، ثم جاء دوري ..جاء دوري في أن أنشر كتباً بعد أن كنت أنشر بحوثاً ومقالات وقصائد، لقد جاء دوري في نشر الكتب متأخِّراً كثيراً، لأنني آثرت ألا أطلع المئذنة من غير سُلّم، وأن أتريث في نشر كتب مسجّلة حتى أحسّ شيئاً من النضج الحقيقي يسمح لي أن أظهر في أسواق الناشرين، وكان أول كتاب نشرته هو ذلك الكتاب الذي نال إعجاب صـديقـكـم الراحـــــــل المغفور له عبد العزيز باشا فهمي ...فماذا كان موقف أستاذي؟وماذا كان موقف جيلكم كله؟ ماذا كان موقف جيل الشيوخ، لا من هذا الكتاب وحده، ولكن من الكتب العشرة التي نشرتها حتى الآن؟، أراجع كل ماخطته أقلام هذا الجيل كله عن عشرة كتب، فلا أعثر إلا على حديث في الإذاعة لفقيد الأدب المرحوم الأستاذ المازني، وعلى إشارة كريمة للأستاذ توفيق الحكيم في أخبار اليوم»، ويستطرد في اعترافاته التي تنمّ عن مرارة شديدة، وهو الذي كتب عن طه حسين وتوفيق الحكيم وعبدالقادر حمزة ونجيب محفوظ الذي كتب عنه مقالاً مجيداً، ولكن محفوظاً لم يكن من الأعلام الذين ينتظرهم قطب، وأهدى قطب كتابه «طفل من القرية» إلى د.طه حسين، موضّحاً إجلاله وتقديره له، وهذا الكتاب الذي كتبه على غرار «الأيام»، وكان قد كتب عام 1947 روايته السيرية «أشواك» على غرار «سارة» للعقّاد، وكان ولاء سيِّد قطب إلى الجيل الذي سبق منقطع النظير، وكان الولاء الأكبر لأستاذه الجليل العقّاد خاصاً جداً. والذي يقرأ العبارات التي كان كتبها قطب عن العقّاد، سيلاحظ مدى التعظيم لا الولاء، فقط، لهذا الأستاذ.


    .
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    فرانسواز ساجان في النقد الأدبي



    يقول السيد «حسنين خليل» — من أرباب المعاشات — في رسالته:

    «قرأتُ كتابًا حديثًا لأديب شاعر معروف بشَرَف النفس وكرم الأخلاق، ألَّفَه عن رحلة له إلى دمشق في مهرجان الشعر، والكتاب بقسميه: النثري والشعري، يستهدف تمجيدَ القومية العربية وتوثيقَ الروابط بين شطري الجمهورية، ووفاءً صادقًا لإخواننا بالشمال ولمدينتهم الخالدة. ولكن شَدَّ ما أدهشني أن قرأت كلامًا لبعضهم تناول المؤلفَ بنقد جارح عنيف حتى بلغ من غيظه — كما قال — أنه مزَّق الكتاب … والآن أسأل سيادتكم: أين أمانة النقد وشرف القلم؟ وكيف تختلف الآراء في فروع الأشياء بل في أصولها إلى هذا الحد؟ … فأرجو التكرُّم بالتعقيب على ذلك في يومياتكم القيمة، ولسيادتكم شكري العميق.»

    ***

    نعم … تختلف الآراء أوسعَ اختلاف كما قال السيد «حسنين خليل»، ولكن الرأي الذي لا يجوز لصاحبه أن يُبْدِيَه هو استنكار كتاب من الكتب باسم العرف والتقاليد والآداب مع الصياح الذي يخترق أطباق الجو إعجابًا «بالواقعية» المكشوفة، بل الواقعية العارية في كل ما يقذفه إلينا الغرب من اعترافات المتيَّمِين والمتيمات، الواقعين والواقعات، والمتقدمين والمتقدمات، الذين يخلفون البنين والبنات في كلِّ سطر من الأسطر، وكلِّ صفحة من الصفحات.

    تُرَى لو كان الكتاب من قلم «ساجان» أو ماجان، أو ذات قرين من الجان حيث كان — وتبسَّطت فيه على هواها شرحًا لما اعتراها في دنياها، وجهرًا بخفايا الرحلات والمآزق، في أعطاف الطريق وأعماق الزوارق — أكان القارئ يسمع من هؤلاء الغيورين على العرف المسكين، صيحةً غيرَ صيحة التهليل مع التلحين … لذلك الفن المتين …! وتلك الحرية الواقعية المستقبلية الأبدية، وهذه الحياة الارتعاشية الانتعاشية التي يتغنَّى بها «هوه وهيه» من أبناء تلك المدرسة الخفية أو العلنية؟

    فتش عن «المذهب إياه» يا سيد حسنين ولا تزد عليه … فإنك إن عرفت المذهب وعرفت ما يذهبون إليه؛ فلا عليك بعدها ممن يقول ومما يقال، ولا يَعنيك من ينتحلون الغيرةَ على العرف هذا الانتحالَ، وكلهم من أولاد الحلال …
    الفارسية والتركية

    «… وأيهما تفضِّل للمتخصِّصين في اللغة العربية وآدابها؛ أن يدرسوا اللغة الفارسية أو التركية؟ ولماذا؟ أرجو الإجابة في يومياتك، وشكرًا.»

    ماهر محمود البقري، طالب بآداب الإسكندرية

    إن دراسة الفارسية ودراسة التركية مطلبان مختلفان لا يطلبهما المتخصص في اللغة العربية أو في غيرها من اللغات لغرض واحد، فلا يُغْنِي مطلب منهما عن مطلب، ولا يتيسَّر ترجيح لغة منهما على الأخرى إلا إذا عرفت الغاية من دراستها غير الاطلاع على آدابها والتوسع في ثقافتها.

    فاللغة الفارسية إحدى اللغات الهندية الجرمانية، وأقربها إلى أصول هذه الشعبة الكبيرة من لغات العالم، ولا غنى عنها لمن يريد الاستقصاء في تحقيق جذورها وقواعدها، والإحاطة بالفوارق بينها وبين اللغات السامية في تركيب الجمل وتصريف الكلمات. وفائدتها للمتخصِّص في اللغة العربية أنها أقدم اللغات الهندية الجرمانية التي كُتبت بالحروف العربية — الآرامية — قبل الإسلام وبعده، وأنها مصدر مئاتٍ من المفردات التي دخلت في لغة العرب منذ أيام الجاهلية الأولى. وللعربية فيها آثار هامة ظهرت في شعرها ونثرها، كما ظهرت آثارها هي في أساليب العربية التي نقلتها من البساطة إلى التفخيم والتنميق، على عهد العباسيين ومَنْ تلاهم من دول المشرق إلى أواخر القرن العاشر للهجرة.

    أما التركية فهي فرع من شعبة أخرى بينها وبين الشعبة الهندية الجرمانية وبين الشعبة السامية خلاف أصيل.

    فهي من فروع الشعبة الطورانية التي تحسب من لغات النحت كثيرًا، كما تحسب قليلًا من لغات الاشتقاق، وعلاقتها بالعربية حديثة — ولكنها علاقة طويلة — بدأت قبل عهد الترك العثمانيين، ولا تزال بقاياها شائعة في الكلمات والعبارات التي تداولناها قرونًا متوالية، ولا سيما في لغة الدواوين. وأنفع مزاياها للمتخصص في اللغة العربية أنها كُتبت قديمًا بحروفها، وكُتبت حديثًا بالحروف اللاتينية، فلا يجد الباحث في موضوع الكتابة مثالًا أصلحَ منها للتيقُّن من الصواب والخطأ في الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية؛ لأنها تدل دلالة واضحة على مواضع النقص في استخدام هذه الحروف لكتابة لغة تقوم على الاشتقاق كلُغتنا؛ ويتغيَّر معنى الكلمة فيها بحركة على الحروف لا تمثلها الأبجدية اللاتينية إلا بحروف المد الطويل.

    وأعتقد أن العارف بالفارسية لا يصعب عليه أن يتعلَّم التركية، ولا تكلِّفه من الجهد ما يتكلَّفه في لغة غيرها، فمن أجاد الفارسية ففي وسعه أن يُضِيف إليها التركية كأنه يتوسع في دراسة واحدة، فلا يفوته الغرض من اللغتين.
    ثروة لغوية

    «عندما كنتُ أتصفَّح أحد الدواوين العصرية، عَنَّتْ لي بعض كلمات ليس عندي لها مدلول؛ الأولى: كلمة «يوتوبيا» في قصيدة «أسطورة عينين»:

    عينان أم عوالم شاسعةْ؟ = وبؤبؤ أم دعوة للرحيلْ؟
    باب إلى يوتوبيا الضائعةْ = ومعبد ينهى إلى المستحيلْ.

    والكلمة الثانية: «مدوزا» في مقطع آخر من القصيدة نفسها:

    وأنها كما روى آخرون: = بقية من أعين آفلةْ
    عينا «مدوزا» أفرغ الساحرونْ = ما فيها من قوة قاتلةْ.

    فهل هما اسمان لمكان، أو لشخص، أم ماذا؟ وهل يجوز استعمال هذه الكلمات في الشعر العربي؟»

    محمد محمود مصطفى

    كلمة «يوتوبيا» يونانية معناها: «حيث لا حيث»، وضعها الحكيم الإنجليزي توماس مور ليُسمِّيَ بها المجتمع المثالي، الذي يتخيَّله ويتمنَّى أن تصير المجتمعات الإنسانية إلى مثله، وتُقَابِلُها في العربية كلمة المدينة الفاضلة التي اختارها فيلسوفنا الفارابي ترجمةً لجمهورية أفلاطون. وأوفق من ذلك أن ندلَّ عليها بكلمة «طوبى» من الآية الكريمة: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)؛ لأنها تدل على أطيب حال يَئُوب إليه الإنسان.

    أما «المدوزا» فهي مخلوق أسطوريٌّ عند اليونان يمثِّلونه في صورة أنثى ذاتِ جناحين وجِلْدٍ كجلد الحية، لا يثبت على نظرتها أحد من الأحياء، فمن قابلته بنظرها هلك وضاعت عليه سبيل النجاة.

    ولا حرج من استخدام هذه الكلمات في الشعر العربي؛ لأن كلمات كثيرة من قبيلها وردت في الكلام العربي الفصيح؛ كالفردوس بمعنى الجنة، و«الفقنس» من الطيور الأسطورية، والنوروز بمعنى اليوم الجديد.

    إلا أن الشاعر العربي يستطيع أن يُعَرِّبَها بكلمة تؤدِّي معناها في صيغة عربية، ويستطيع — إن لم يتيسَّر له التعريب — أن يفسِّرها ويذكر مناسبتها في مصدرها الأول؛ لأنها ليست من كلمات اللغة التي يعرفها المتكلِّمون بها من أبنائها بغير اطِّلاع على قصتها في الأساطير الموروثة والملاحم القديمة، وقد يَجهَلُها اليوناني الحديث — بل يجهلها اليوناني القديم — إن لم يكن له اطلاع على أساطير قومه وقصائد الشعراء المقتبسين منها. ويشبه ذلك في لغتنا كلامَ المتقدِّمين عن العنقاء وعن جوف الفَرَا، وغيرهما من مضارب الأمثال السائرة، فإنها لا تُعْرَف بغير الوقوف على تلك الأمثال في مناسباتها.

    وعندنا أن اتساع اللغة العربية لهذه التعبيرات ومواضع الاستشهاد بها ثروةٌ حسنة تضاف إليها، ولا تمسُّها في مادتها ولا في قواعدها.



    * جريدة الأخبار
    ١٢ أكتوبر ١٩٥٩

    .
     
    آخر تعديل: ‏8/4/15
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    ابن عبد القدوس


    … قرأت في كتابٍ قديمٍ قصيدةً بليغةً أعجبني أسلوبها وما حَوَتْهُ من الحكمة، وسميت بالقصيدة الزينبية؛ لما جاء في مطلعها وهو:
    صرمت حبالك بعد وصلك زينب = والدهر فيه تصرُّم وتقلُّب
    ولكن الكتاب لم يذكر اسم ناظم القصيدة؛ فمن هو؟ وما هي منزلته بين الشعراء؟

    فكرية عبد الوهاب حراز، مُدرِّسة، دمياط



    صاحب هذه القصيدة هو حكيم الشعراء في عصره صالح بن عبد القدوس. ومن الطريف حقًّا أن تُعجب الأستاذة بالقصيدة التي يقول فيها ناظمها بعد مطلعها:

    وكذاك وصْل الغانيات فإنه = آل ببلقعة وبرق خلب

    ثم يقول منها:

    فدع الصبا فلقد عداك زمانه = واجْهدْ فعُمرك مرَّ منه الأطيب
    ذهب الشباب فما له من عودة = وأتى المشيب فأين منه المهرب؟

    ولعلها تعجب فوق هذا العجب إذا علمتْ أن هذا الحكيم قد حوسب بقوله وقتل؛ لأنه درج منذ صباه على رأي في الدين لم يعدل عنه بعد بلوغ الشيخوخة كما قال مُتَّهِمُوهُ، فألزموه الحجة من كلامه؛ حيث قال في قصيدة أخرى من قصائد الحكمة:

    لا يبلغ الأعداء من جاهل = ما يبلغ الجاهل من نفسه
    والشيخ لا يترك أخلاقه = حتى يُوارَى في ثَرى رَمْسه
    إذا ارْعَوَى عاد إلى جهله = كذي الضنى عاد إلى نكسه

    وكان متهمًا بالزندقة، فنقل الوُشاة أحاديثَ زندقته إلى الخليفة المهدي، فقال له بعد أن مَثَلَ بين يديه: ألست أنت القائل:

    والشيخ لا يترك أخلاقه = حتى يُوارَى في ثرى رَمْسه؟

    فقال: بلى يا أمير المؤمنين! … فعاد الخليفة يقول: وهكذا أنت، لا تترك أخلاقك حتى تموت! وأمَر به فصُلِبَ ومات …

    ومن أخبار الزندقة، التي قيل إنها نقلت عنه، أنه شُوهد يصلي صلاةً حسنةَ الركوع والسجود، فَسُئِلَ: ما هذا ومذهبك معروف؟! فلم ينكر ذلك المذهب، ولكنه قال: سُنَّةُ البلد، وعادة الجسد، وسلامة الأهل والولد …!

    ومن الخسارة حقًّا أن يُذكرَ هذا عن الحكيم الذي كان يفيض بالحكمة فيضًا في كل ما نظم من الشعر، حتى كاد أن يخلو شعره من غير الحكمة، ومنها قوله:

    وَزِنِ الكلام إذا نطقت فإنما = يبدي عقول ذوي العقول المنطق
    ومن الرجال إذا استوت أحلامهم = مَن يستشار، إذا استشير، فيُطرق
    حتى يحل بكل وادٍ قلبه = فيرى، فيعرف ما يقول، فيَنطق

    وهو القائل:

    إذا لم تستطع شيئًا فدعه = وجاوزه إلى ما تستطيع

    وهو القائل:

    أنست بوحدتي ولزمت بيتي = فتم الصفو لي ونما السرور
    وأدَّبني الزمان فليت أني = هُجِرْتُ، فلا أُزار ولا أزور
    ولست بسائل ما عشتُ يومًا = أقام الجند أم نزل الأمير؟

    بل هو القائل كل كلام يحتاج إليه الفتى المنصوح من الشيخ الحكيم؛ ليعرف طريق الخلاص من المصير الذي صار إليه، بمنطق لسانه، بعد أن عرف كل ما عرف، وقال كل ما قال!

    ولكنَّه القدر، كما قيل، يعمي البصر، وقد عمي ابن عبد القدوس وفقد بصره قبل أن يفقد حياته (سنة ١٦٧ للهجرة) … ولعله — غفر الله له — قد عاش ومات مفترًى عليه؛ إذ ليس الافتراء على أمثاله بالعجيب ولا بالقليل!



    *جريدة الأخبار
    ١١ يوليو ١٩٦٢

    .
     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    علي خالد الغامدي
    شتائم أدبية للكبار فقـط



    قرأت مؤخراً بعض الكتب الخفيفة الحجم، والسريعة المعلومة لعدد من رموز الأدب العربي (العقاد، وطه حسين، وإبراهيم ناجي، وغيرهم)..

    أثناء القراءة استوقفتني، بعض الشتائم من العيار الثقيل جداً جرى تبادلها بين هذه الرموز المعروفة لا أعتقد أن العامة من الناس يقبلون بها وهم الذين ليس لهم هذا الغذاء الضخم من الثقافة، وهذا الفهم، والادراك من احترام الآخر بصرف النظر عن الخلاف، والاختلاف، ولا يعني ذلك طعناً، أو تقليلاً من قيم، ومبادئ العامة من الناس، إنما يعني أنه لو حدث خلاف، واختلاف بينهم، وأدى إلى (التلاسن، والتشاتم) فيما بينهم فقد يكون لهم ما يبرر سقوطهم في (مستنقع الشتائم).. ولا يوجد مبرر مقبول إذا صدرت هذه الشتائم الجارحة من رموز ثقافية كبيرة (وهي التي تقوم بالتنوير، وهي التي تتولى التوجيه، وهي التي تكون قدوة للعامة، والخاصة بما تطرحه من أفكار، وما تنشره من كتب، وما تعرضه من أدب، وثقافة، وعلم، وهي التي يناط بها نشر الوعي داخل المجتمع، وبين أفراده..)

    يروي (وديع فلسطين) في مقدمته لكتاب طه حسين ان زكي مبارك كان يضيق بطه حسين لاعتقاده بأنه وقف في طريق عمله أستاذاً في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول برغم درجات الدكتوراه التي يحملها من القاهرة، وباريس، وعمل مفتشاً للغة العربية فقال زكي مبارك عن عميد الأدب العربي: انه أمي لا يقرأ، ولا يكتب، واضاف: انه لو جاع أطفالي لشويت لهم طه حسين، وأطعمتهم من لحمه إن جاز أن أقدم لأطفالي لحوم الكلاب..؟

    واذا كان طه حسين قد ظلم فعلا زكي مبارك ظلما كبيرا برميه مفتشاً وهو صاحب العديد من شهادات الدكتوراه فما كان يجدر به وبهذه الشهادات العليا أن يقول ما قال فمن ناحية هو ظلم العميد حين قال عنه انه "أمي لا يقرأ، ولا يكتب" فهذا الاتهام مردود عليه لأن طه حسين نال الدكتوراه بجدارة وهو أعمى، وكثير من المفتحين لم ينالوها، وطبعا هو يقصد من أن طه حسين أمي لا يقرأ، ولا يكتب أن هناك من يقرأ له، ومن يقوم بالكتابة عنه، ونقد زكي مبارك هذا فيه سقوط أخلاقي مهما كان نوع الظلم الذي أصابه من العميد.. وقد كنت "أتشكك" في أن يقول الدكتور زكي مبارك ما قال لولا أن وديع فلسطين اشار الى أن زكي مبارك كتب في ديوانه (ألحان الخلود) هذه الشتيمة القاسية مما لا يليق بأي إنسان فما بالك أن يكون "الشاتم" موهوبا، ومثقفا، ومفكرا، وحاصلاً على عدد من شهادات الدكتوراة، ورافق طه حسين عشر سنوات..؟

    وهذا عباس محمود العقاد عملاق الأدب العربي صاحب أشهر المعارك الأدبية، يروى عنه انه هاجم رائد التنوير في زمنه سلامة موسى فقال عنه (إنه قبطي، وانه يهتم بتربية الخنازير).. وهي شتيمة تخرج عن الموضوعية، ولياقة النقد مهما اختلفت الآراء، والمواقف.. والأفكار، والاتجاهات، وهذه الشتيمة الجارحة جاءت في سلسلة (اعلام، ومشاهير) التي يشرف عليها الدكتور رؤوف سلامة موسى، ولم يحاول استغلال الإصدار لتشويه صورة العقاد بل قدمه في صورة يعرفها الكثير عن العقاد (المشاغب، والمتعصب لأفكاره والعملاق في شؤون الأدب، والفكر والثقافة).

    وكنا في فترة الصبا نسمع حكايات عن العقاد بأنه كان عصبي المزاج، وغليظ الرد لكل من يتعرض له، وقد قيل إن صحفية شابة تم دسها له، وتم وضع سؤال خبيث لها عن اسباب عداوته للمرأة، وان عدم زواجه فيه إشارة لضعف رجولته فقال للصحفية مجيباً عن الشق الثاني من السؤال "اما رجولتي فليسأل عنها أمه".. وكان يقصد رائدة صحفية، وفنية، ويقصد رئيس التحرير الذي اعتقد انه كان وراء هذا السؤال الخبيث، وهي رواية من الروايات الكثيرة التي تروى عن العقاد، ومزاجه العصبي، وعنفوانه في الرد، والتجريح لكن ما أعجبني في منتصف الكتاب عدة أبيات شعرية تدل على الرقة الشديدة، والغضب الأشد من المرأة التي أحبها، وتجسس على (غدوها ورواحها) وهي سارة فبعد ان اكتشف التزامها بحبه لها، وتأكد من ذلك كتب هذه الأبيات:

    يوم الشكوك فقدت فيك تجلدي = وحملت فيك الضيم مغلول اليد
    وبكيت كالطفل الذليل أنا الذي = مالان في صعب الحوادث معءودي.

    وقد هاجم العقاد المنفلوطي وأدبه الدامع فقال: إن من يريد ان يقرأ كتب المنفلوطيعليه أن يقوم بتقطيع كمية من البصل ليجد نفسه غير محتاج لكتبه، ويقال انه في أواخر عمره تصالح مع المنفلوطي، واشاد بأدبه، وجزالة ألفاظه، واعتذر عن الدعوة لتقطيع البصل، وسكب الدموع؟.


    .
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عابد خزندار
    عباس محمود العقاد




    لا أدري هل يذكر الجيل الحاضر العقاد، ناهيك عن قراءة كتبه، لا أدري؛ ولكن العقاد كان في يوم ما وفي نظر العديد، كاتب مصر الأول، وقد اكتسب هذه الصفة لأنه كان كاتب الوفد وبالتالي كاتب الشعب، وكان هذا الحزب يناصب القصر العداء، وفي أحد الأيام ألقى العقاد كلمة في مجلس النواب الذي كان عضوا فيه، قال فيها: سنكسر أكبر رأس في البلد، فاعتبر الملك فؤاد أنّ هذا القول عيب في الذات الملكية، فحوكم العقاد وسجن، على أنه بعد ذلك اختصم مع الوفد وأصبح شاعر القصر، وفي عام 1946 حلّ الملك عبدالعزيز ضيفا على مصر، واستقلّ في الذهاب إليها اليخت الملكي المحروسة، وكان معه في هذه الرحلة وفد كبير من الوجهاء المصريين ومنهم العقاد الذي ألقي قصيدة يهنئ فيها الملك عبدالعزيز بعيد جلوسه الذي صادف اليوم الأول من الرحلة ويقول فيها:

    أسد العرين يخوض غيل الماء = يابحر راضك قاهر الصحراء
    حياه باديها وحاضرها معا = فاغنم تحية يومه الوضاء

    وقد أسس العقاد مع عبدالرحمن شكري وإبراهيم المازني مدرسة شعرية باسم «الديوان» وكانت تتبنى مذهب أن الشعر وجدان، وتهاجم شوقي وتزعم أنّ قصائده ليس فيها أيّ وحدة، وأنك إذا نزعت بيتا أو أكثر من أبياتها فإنّ بنيان القصيدة لا ينهار، كما كانت تهاجم مدرسة أبوللو التي أسسها أحمد زكي أبو شادي، وتصف شعرهم وخاصة إبراهيم ناجي بأنه ضعيف، وأبرز شيء في حياة العقاد علاقته بهنومة خليل التي عرفت فيما بعد باسم مديحة يسري، ويقال إنها خانته، كما يقال إنه قال فيها هذه القصيدة:

    تريدين أن أرضى بك اليوم للهوى = وارتاد فيك اللهو بعد التعبد
    وألقاك جسما مستباحا وطالما = لقيتك جمّ الخوف جمّ التردد
    رويدك إنّي لا أراك مليئة = بلذة جثمان ولا طيب مشهد

    (الخ....)

    وأصبح بعد ذلك عدوا للمرأة ولم يتزوج، وبيته هذا يلخص موقفه من المرأة:

    خلّ الملام فليس يثنيها = حبّ الخداع طبيعة فيها



    .
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جهاد فاضل
    العقاد كما رآه زكي نجيب محمود


    إذا كان الكاتب المصري الكبير عباس محمود العقاد قد بدأ حياته الأدبية شاعراً يدعو إلى شعر جديد ونقد مختلف نظر لهما في كتابه «الديوان»، الذي نشر عام 1920، فقد أنهى حياته الأدبية نهاية رجعية لا صلة لها البتة بما كان قد بدأه، بل إنه سجل في حربه على جماعة الشعر الحديث من المواقف السلبية بإزائهم ما لم يسجله أحد من جماعة الشعر التقليدي، ولعل أبرز هذه المواقف انه - وقد كان مقرراً للجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة - كان يحيل دواوين صلاح عبدالصبور ورفاقه إلى «لجنة النثر» للعائدية أي: إنه لم يعترف بأن ما يكتبه هؤلاء الشعراء هو شعر، فقد صنفه في باب النثر لأنه لم يكن كالشعر التقليدي الذي يعتمد أسلوب الخليل، بل أسلوب التفعيلة الذي شاع يومها؛ ولأنه كذلك فقد رفض الاعتراف به رفضاً لم ينفع حوله جدل اثاره يومها كثيرون ممن حاولوا التوفيق بينه وبين هؤاء الشعراء الجدد، وأعادوا الى ذكراته موقف الشعراء المصريين التقليديين من شعره هو بالذات، عندما كان لا يزال شاعراً شاباً فقد رفض هؤلاء الاعتراف بشعره واعتبروا ان المبادئ التي أسس عليها نظريته في الشعر لم تكن بالمتانة التي ادعاها ولا ائتلفت قصيدته مع الجودة التي كانت من اسماء القصيدة عند أمراء الشعر العربي يومها وفي طليعتهم شوقي.

    كثيرون استغربوا في تلك المرحلة موقف العقاد من الشعراء التفعيليين وليس هناك من شك بأنه وقف مثل هذا الموقف أصلاً، ولكن الحقيقة التي عرفت بتفاصيلها لاحقاً كشفت عن أن العقاد كان صلباً لا في موقفه من هذا الشعر الجديد، بل في موقف آخر مماثل من قضية الفن التشكيلي الجديد، كما مارسه فنانون طليعيون معروفون.

    وقد روى حكاية هذين الموقفين بتفاصيلهيما الباحث المصري الكبير الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه «مع الشعراء» لا رواية من سمع بهما، بل رواية من عاين وشارك واعترض، كان زكي نجيب محمود صديقاً للعقاد كما كان عضواً في «لجنة الشعر» التي كانت تحال إليها دواوين الشعراء.

    فشهادته إذن لها وزنها الخاص فضلاً عن ان صاحبها معروف برصانته ونزاهته وقد ظل على صلة بالعقاد إلى ان توفي العقاد.

    يروي الباحث الكبير أن «لجنة الشعر» أرادت ان تراجع يوماً ما نشر من الشعر في الصحف وأذيع في الإذاعة في مناسبة العدوان على بورسعيد لكي تكافئ وتنوه بالمجيدين من الشعراء. عند اجتماع اللجنة والعقاد هو أمين سرها ثار السؤال التالي: هل يقبل الشعر إذا تخلى الشاعر عن تقاليد هذا الفن الأدبي الموروثة على مر السنين من وزن وقافية؟ امتد النقاش ساعات وموقف العقاد من رفض هذا الشعر السائب كما سماه صلب لا يلين. وحجته انه إذا كان لكل لعبة قواعدها التي لا تجوز بغيرها افلا يكون للفن قواعده؟ ثم ما عيب النثر الفني إذا ما ألحق هؤلاء الناثرون أنفسهم به؟ وآخر ما وصلت إليه المناقشات من نتائج فيها التحوط والتسامح هو ان معيار القبول والفرض إنما يكون الجودة وعدم الجودة الفنية من دون اشتراط شيء أكثر من ذلك قبل العقاد بذلك لكنه ظل قراراً لا يجد الحالة الواحدة التي يطبق عليها، فكلما وردت إلى اللجنة قصيدة من الشعر الحديث قررت اللجنة ان تحال إلى لجنة النثر لعدم اختصاصها هي بالنظر فهيا.

    اشتدت الحملات الصحفية على العقاد في موقفه هذا ومن ورائه لجنة الشعر لكنه لم يكن هو الرجل الذي يعبأ بمثل تلك الحملات العلمية؛ لانه تعودها حتى أصبحت جزءاً من حياته التي لم يكن يعيش بغيرها. وقد بلغ من موقفه هذا في صد موجة «الشعر السائب» ذروة التطرف حين عرضت على لجنة تحكيم شكلت ذات عام للنظر في من يستحق نيل جائزة الدولة في الشعر. كان هو مقررها وكان زكي نجيب محمود أحد أعضائها، فنشأت مشكلة هي ان ديواناً تقدم بين غيره من دواوين، والديوان من الشعر الموزون المقفى لكن صاحبه قدم للديوان بمقدمة قال فيها إنه لم يعد ينظم على نهج التقليد، وانه أول من لا يرضى من قصائد هذا الديوان، ولو قال الشعر الآن لما قاله الا في الصورة المستحدثة الحرة، وقد كان مستوى الشعر في ذلك الديوان مما قد يرشحه للجائزة، لكن العقاد وقف كالسد المنيع يقول إن النظر يكون إلى مقدمة الديوان وإلى شعره، معارضاً لمن قال ان المسابقة هنا منصبة على الشعر وحده. وعبثا حاول القائل ان يحمل اللجنة على الفصل بين نثر المقدمة وشعر القصائد، لأن العقاد لم يقبل ان تجزأ الشخصية الواحدة هذه التجزئة المصطنعة فالرجل شيء واحد يقبل كله ويترك كله ولا مساومة!

    وأشد صلابة من موقفه تجاه الشعر الحديث، موقفه من الفن الحديث. يقول زكي نجيب محمود انه شرف بزمالته في لجنة أخرى أقيمت من أجل تفرغ من رأته جديراً بالتفرغ من أدباء وفنانين، حتى يخلى بين هؤلاء المتفرغين وممارسة أدبهم أو فنهم، وإن الدولة لتجزل العطاء لهم - بناء على توصية لجنة التفرغ هذه - حتى لا يشغلهم من شواغل الحياة المادية شاغل. شاءت إرادة الله أن يكون كل رجال الفن الذين طلبوا منحة التفرغ من الآخذين باتجاهات الفن الحديث. وشاءت إرادة الله أيضاً أن تكون الأغلبية الغالبة من أعضاء اللجنة المناصرين لتلك الاتجاهات، هنا كذلك وقف العقاد وقفات من جديد، لكنها لم تجد في هذا الميدان جدواها في ميدان الشعر، لأن الأعضاء في لجنة الشعر ممن يصرّون على الشعر التقليدي، وأما الأعضاء في لجنة التفرغ فمن أنصار الفن الحديث.

    ويتابع زكي نجيب محمود الحكاية قائلاً: من طريف ما حدث ونحن مجتمعون لتجديد منحة التفرغ لمثّال - وقد أخذنا نستعرض ما أنتجه ذلك المثّال خلال عام المنحة الماضية، وهو في الحق مثّال موهوب، فكانت القطع المنحوتة كلها قد نحتت وفق مدارس الفن الحديثة، التي تعنى بالكتلة لا بالتفاصيل. ومن بين القطع المعروضة تمثال لقط، جاء على صورة أسطوانة طويلة هي البدن، وكرة عند أحد طرفيها هي الرأس، والأرجل وذيل على صورة الاسطوانة كذلك. لكن هذا النحت الكتلي قد أخرج قطعة فنية ممتازة. شّن العقاد حملة أقوى ما تكون الحملة المسلحة بالحجج. وكان مما قاله ساخراً: هاتوا فأراً أمام هذا التمثال، فإن جرى هارباً عن ظن منه أنه أمام قط، وافقت على تفرّغ الفنان.. وأما عن المصورين الذين أرادوا تجديداً لمنحة التفرغ وكلهم ذوو فن حديث، فقد راح يعارض ويمانع بألذع ما يستطيعه من تهكم فيقول: إن في مستطاعي أن أرسماً مثل هذه اللوحات ففيم يكون هؤلاء الناس من رجال الفن؟ وراح يعيد القصة المعروفة من أن عدوا للفن الحديث قد ملأ ذيل حمار بالألوان وأطلق الحمار ليخطو كما اتفق فيحرك ذيله على اللوحة، فيلونها بخليط من اللون كما يفعل رجال الفن التجريدي ثم بلغت بالرجل روح الفكاهة أن يعرض تلك الصورة في معرض للفن الحديث. لم يأل العقاد جهداً في مقاومة هذه الموجات، وكان مما يحتج به دائماً أنه في هذه اللجان يشعر أنه يمثل الدولة، فلو كان الفنان ينفق على نفسه لتركناه. حراً، لكن هل يجوز أن تنفق الدولة على فن لم يقل فيه التاريخ كلمته بعد؟ ألا يجوز أن يختفي بعد حين - وسيختفي حتماً كما كان يقول - وإذاً تكون الدولة قد أنفقت مالها وتشجيعها على نزوات؟.

    الواقع أن موقف العقاد من الشعر الحديث ومن الفن التشكيلي الحديث كما يرويه «الشاهد» العياني الدكتور زكي نجيب محمود لم يفاجئ الكثيرين، ذلك أن العقاد الذي بدأ تقدمياً في شبابه الأدبي، منفتحاً على تيارات الحداثة في الأدب والنقد والثقافة في أوروبا، تحول مع الوقت إلى كاتب محافظ، كما يصفه بعضهم، وإلى كاتب رجعي كما يصفه بعضهم الآخر، عندما كان في ريعان شبابه كان يحمل على شوقي أمير الشعراء بداعي محافظته، وقدم معانيه، وأساليبه في الشعر. واستمر زمناً طويلاً رمزاً من رموز النقد والشعر الجديدين. فما أن بدأ مرحلة الكهولة ووصل إلى الشيخوخة حتى أخذت مفاهيمه الأدبية والثقافية تصاب بالتخلف والتصلب، وكأنه لم يكن ذلك الكاتب المجدد، والطليعي، ذات يوم. ووصل به الجمود إلى الحد الذي رأى أن الشعر الحديث الذي نظم به شعراء مصر الجدد في الخمسينيات ليس شعراً؛ لأنه لم يكتب على أسلوب الشطرين الخليلي، وطلب إحالته بصفته مقرراً للجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة بمصر إلى «لجنة النثر» للاختصاص.

    ويبدو أن العقاد كان يخضع في تحولاته الأدبية والثقافية هذه إلى سنّة كثيراً ما خضع لها، مع الوقت، أدباء كثيرون مثله، بدأوا تقدميين وانتهوا في المنقلب الثاني من حياتهم إلى غير ذلك. فكأن «التقدمية» شبابية بطبيعتها وكأن المحافظة أو الرجعية، ملتصقة بالتقدم في العمر. وقد أتيح لي مراراً - على سبيل المثال - أن استمع عن قرب إلى الشاعر اللبناني سعيد عقل في نصف القرن الماضي (وقد تجاوز المئة عام الآن) يردد، حول الشعراء والفنانين التشكيليين الشبان، آراء لا تختلف في قليل أو كثير عن آراء العقاد. فالموقف ذاته، مع الإشارة إلى أن سعيد عقل بدأ حياته الأدبية آخذاً ما لا يحصى من المآخذ على كبار شعراء ذلك الزمن ومنهم الأخطل الصغير وجيله، فالتراجع، أو التحول، فيما يبدو يؤلف سنّة أو قاعدة تصيب الأديب عادة في سنواته الأخيرة، فيبدأ ينقلب على ذاته ويتبنى من الأحكام والمواقف ما كان يرفضه سابقاً رفضاً تاماً. هذا في حين يستمر آخرون على نفس النهج الذي كانوا يسلكونه زمن شبابهم عن صدق حيناً، وعن غير صدق حيناً آخر، وذلك حرصاً منهم على سمعة «التقدمية» لا أكثر ولا أقل.

    ولعل «الرجعي» الذي مثله العقاد يفضل بنظرنا الكاتب الآخر الذي يحرص على التظاهر بالتقدمية لا لشيء إلا ليقال عنه إنه تقدمي، ولم يجنح إلى الرجعية التي جنح إليها سواه.

    ويبدو أن التحول الذي طرأ على العقاد طرأ على ما لا يحصى من الأدباء العرب في القرن العشرين، لا على عدد قليل محدود، فكأنه كما قلنا سنة أو قاعدة تصيب الفكر والروح، تماماً كتلك السنن والقواعد التي تصيب الأبدان وسائر ظواهر الحياة الأخرى.


    .
     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    نجوان درويش
    شيخ الطيور


    دخل عباس محمود العقاد (1989-1964) تاريخنا الثقافي على هيئة "عُقاب هرم"، هي صورة أملتها أكثر صوره شيوعاً بقبّعته المميزة والنظرة المريرة التي تعذّب وجهه، إلى جانب مواقفه المتشددة في بداياته، وفي نهاياته أيضاً؛ منها "تَصَدُّدُه" لمهاجمة أحمد شوقي، إلى درجة يمكن القول إن "الديوان" (1921) لمؤلفيه العقاد والمازني، في هجاء شوقي، يكاد ينتمي إلى الصحافة الصفراء أكثر من انتمائه إلى النقد الأدبي.

    ومن "تسامح" الحياة الثقافية المصرية أن سمّت ترديات كهذه "معارك أدبية" وهي لا تزيد عن كونها مشاحنات وعقد نفسية وصراعات مكانة وسلطة في الوسط الثقافي. أما في آخر سني العقاد، فمعروفة "معاركه" في وجه قصيدة التفعيلة. ما جعل شاباً كأحمد حجازي -وقتها- يخاطبه بهجائية موزونة:
    "تعيش في عصرنا ضيفاً وتشتمنا = أنّا بإيقاعنا نشدو ونُطرِبُهُ".

    ولعل تطرّف العقاد بالذات هو ما صنع منه نجماً وصنع له طائفة من المريدين في مجتمعات ثقافية يجذبها التطرّف بشكل يصعب تفسيره.

    للعقّاد قصيدة عنوانها "العُقاب الهرم" كأنما هي صورة ذاتية تكشف قصته مع الشعر:
    "يَهمُّ، ويُعييه النهوضُ، فيَجثِمُ = وَيَعْزِمُ، إلا ريشَهُ لا يَعزِمُ"
    إلى أن ينهيها مواسياً نفسه:
    "لِعَينيك يا شيخَ الطيور مهابَةٌ = يَفِرُّ بُغاثُ الطيرِ عنها ويُهْزَمُ،
    وما عجزت عنك الغداةُ وإنما = لكلِّ شبابٍ هَيْبَةٌ حين يَهْرَمُ".

    .
     
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    نجم الدين خلف الله
    ما الذي بقي من العقّاد؟




    في فترة ما بين الحربين والعقود التي تلتها، شهدت الأنساق الإيديولوجية العالمية هيمنةً دوغمائية، فانحساراً مُتسارعاً (مثل الماركسية والشيوعية والقومية والديموقراطية والليبيرالية...)، وبلغت العلوم الإنسانية والفلسفات الوجودية والأخلاقية والتحليلية أوج نضجها. تمثّل عقل عباس محمود العقاد (1889-1964)كلّ تلك التيارات والمذاهب، وعرض إلى بنى كلّ نسقٍ لتحليله والإبانة عن أسسه، فنقد مبادئه الأولى، وغالباً ما كان يُتبِع ذلك بذكر موقف الإسلام منه.

    كان متمكّناً من منهجَي التحليل النفسي والسوسيولوجي وعلاقة الوعي بالأطر البيئيّة وتأثيرها في بِناء الشخصية، وكان من آثار هذا التمكّن توظيفه المعرفي للسيكولوجيا في سلسلة "العبقريات" التي كتبها في الأربعينيات، وهي صرح أدبي أقامه على التحليل النفسي للشخصيات المفاتيح في التاريخ الإسلامي.

    عمّم العقّاد هذا المنهج السيكولوجي - الثقافي، فطاف عبره عَلى أقطاب الفكر الإنساني؛ حيث درس شخصيّات متباعدة في الانتماء التاريخي والجغرافي، مثل غاندي وبنجامين فرانكلين ومحمد عبده وفرنسيس بيكون وجمال الدين الأفغاني وبرنارد شو وعبد الرحمن الكواكبي، يحلّل دوافع السلوك عندهم، كاشفاً عن طبائع العلاقات بين ما خبِروه وما خلّفوه من النتائج الفكرية والممارسات السياسية والأفعال الاجتماعية والآثار الفنية.

    ومن ثمّ اطّلع على جلّ التيارات والمذاهب والنظريات الفلسفية من بدء الخليقة، مروراً بنضجها أثناء الحقبة اليونانية، وصولاً إلى تراكمها في أيامه، خائضاً في كبريات القضايا المجرّدة. أيضاً، احتلت معضلة الشر في العالم حيِّزاً كبيراً في تحاليله، إضافة إلى مسائل الإدراك والمادة والروح واللغة والأخلاق.

    خصّص الكاتب المصري قسماً ضخماً من آثاره للأدب إبداعاً ونقداً ومراجعةً، فدرس آثارَ الأقدمين شعراً ونثراً، وحلّل نِتاج الأدباء المصريين والأجانب، كما صاغ بنفسه عشرة دواوين شعرٍ وآلاف المقالات النقدية، فكان بذلك أحد أركان مدرسة التجديد التي حرّرت الأدب واللغة العربية من أثقال الماضي. بثّ مع جماعة "الديوان"، التي تزعّمها، روح الذاتية والغنائية.

    وكان أسلوبه في ما أنشأه رصين العبارة مَتينَها، عَقليّ المادة عميقها، يُقنع القارئ بصرامة المنطق، ويشدُّ منه العقل والوجدان بثراء الأسلوب وتماسك الحجة، إضافة إلى غنى التراكيب والمُفردات التي ابتعث المئات منها بفضل مجهوداته في الاشتقاق، والترجمة عن الإنجليزية.

    تعبّر كتبه عن مرحلة كاملة من مراحل تطوّر العربية المعاصرة في إنجازٍ كلاميّ متفرّد، نقل سجلات القول من البلاغة المهترئة إلى آفاق الانسياب التحليلي لقضايا الأخلاق والسياسة والمجتمع. وله في اختيار المواضيع طرافة وفضل غرابة، فهو يخلخل آفاق الانتظار بما يجريه من الأبحاث عن ثيمات لا تَخطر على بال، فيكتب متسائلاً عن تاريخ إبليس وجُحا وسن ياتسن وقدماء السريان والعبريين.

    هذه بعض محاور تراث العقّاد المترامي. والسؤال الآن عما بقي من فكره، وأيّة حصيلة تقييمية نكتبها عنه؟ وهل بقيت منه عناصر حداثية يمكن الاستفادة منها لإثراء الفكر العربي الجديد؟

    كان اطّلاع العقاد موسوعيّاً. ولئن كان هذا التوجّه ميسوراً في عصره، فإنه يستحيل في عصرنا، حيث تراكمت المعارف واتسعت دائرة المكتشفات، ممّا جعل تناوله لأغلب القضايا -حسب منظور الإنجازات المعاصرة- مُجتزَءاً وأحياناً سطحيّاً.

    وبما أنه كان يكتب لجمهور عريض، من قرّاء الصحف والكتب المبسَّطة ذات الانتشار الواسع، فقد وقع ضحيّة توقّعات الجمهور، تُمْلى عليه وتُضعف روح البحث النقدي لديه؛ إذ خاطب ملايين العرب والمسلمين المتعطّشين لتقوية هويّاتهم المتشظية، بعد أن عصفت بها تحوّلات النصف الأول من القرن العشرين (مثل انهيار الخلافة الإسلامية وتفكّك الإمبراطورية العثمانية واندلاع حربَين كونيتين وظهور الفلسفات العدمية، بعد موت الإطلاق واكتشاف النسبية..) فأراد أن يطوّق هذا الفكر ويعرضه عبر مقولاتٍ ادّعى شموليتها، ولكنه انقاد إلى سلطة الموروث وخضع إلى إملاءاته أكثر من خضوعه إلى صرامة التحليل، فلجأ إلى الانتقاء من أجل التبرير، وضحّى بالحقيقة في ثنايا الجدل ومتاهات البرهنة الكلامية.

    "
    مع تواتر إصداراته، وجد نفسه ضحيّة توقّعات الجمهور
    "
    كان العقاد تبريريّاً عندما نافح عن تاريخ الظواهر الإسلامية والعقائد والمعارف والأفكار التي نشأت في سياقاته المتعاقبة، يوشك أن يقع في قدريّة دوغمائية، ردّ على المستشرقين ونسف مقولاتهم و"أباطيلهم" ولم تخلُ ردوده من وهم امتلاك الحقيقة وما يفضي إليه من مجازفات ومغالطات وإسقاطات، في بعضها سطحية وتعميم، أملتهما توقّعات جماهير القراء العريضة، وسياق الحربين، بما أثارته من شكوك وجودية ومخاوف ماورائية، بعد إعلان موت الإله والعقل والأخلاق، وانتصاب العبثية الفلسفية التي غذّتها مشاهد ملايين القتلى تملأ شوارع موسكو.

    حتى إن نسينا اليوم معاركه الجانبية ومقالاته في السجالات الحزبية، وإن تركنا جانباً أسلوبه الإنشائي وما تبعه من آليات التبرير والتضخيم والتمجيد لرموز العالم العربي - الإسلامي، لبقي اليوم من العقاد منهج وممارسة فكرية وروح.

    فأما المنهج، فهو المقاربة التدقيقية التحليلية لكل ما صاغه العقل الإنساني من معارف ونظريات وربطها جميعاً بالنفس البشرية التي غاص في أغوارها، باعتبارها مضمار الحداثة، حجرُ الزاوية فيها فهمها واستكشاف خباياها ودرس ما يصدر عنها من فكر وحسّ وجمال، ولعلّ اعتبار الروح الخلاّقة، التي سمّاها "الوعي الكوني"، مركزَ الاهتمام في الفكر العربي الحديث تغيير لمداره وتطوير لمساره.

    وأما الممارسة، فهي الاطلاع الواسع على جلّ ما أنتجه العقل الإنساني من خلال ما كتبه الفلاسفة ومنظّرو العلوم الإنسانية، يعرضه وينقده ويربطه بالعالم العربي الإسلامي في تجديده لذاته وبحثه عن توازن حضاري جديد، بعد اهتزازه زمن "النهضة". وأما الروح التي بثّها، فهي الاندهاش والتعطش لدرك حقائق الأمور مع قياسها وربطها بمنظومة القيم الانسانية المطلقة (العقلانية، العدالة، الجمال، السمو الروحي...)، كائناً ما كانت متغيّرات التاريخ، وأنّى كان مجال الدراسة والتأليف.

    منهج العقاد وممارسته وروحه يمكن لها أن ترفد الفكر العربي الجديد، وتمدّه بطاقة خلاّقة إن أعيد إحياؤه. لا أقول "لكلّ عصر عقّاده" أو "ليت لنا عقّادنا"، فهذه من صيغ البلاغة الباردة التي حاربها العقاد، بل الأمل أن تستلهم الحركات الفكرية الحالية قدرته على البحث المنطقي والفهم التاريخي للظواهر، ما به تستعين على فهم الحاضر والتأثير فيه، وتلك هي سمة العبقرية التي نافح عنها العقاد وجعلها ميسم كتبه.


    * أستاذ جامعي تونسي/ فرنسا

    .
    [​IMG]
     

مشاركة هذه الصفحة