1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف العملاق - في حضرة العقاد

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏13/11/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    ابراهيم العريس
    "ابولو" : 25 عدداً اقامت دنيا الشعر ولم تقعدها

    ونظراً للمنزلة الخاصة التي يحتلها الشعر بين فنون الأدب، واعتباراً لما اصابه وأصاب رجاله من سوء حال، بينما الشعر من اجلّ مظاهر الفن وفي تدهوره اساءة للروح القومية، لم نتردد في ان نخصه بهذه المجلة التي هي الأولى من نوعها في العالم العربي، كما لم نتوان في تأسيس هيئة مستقلة لخدمته هي"جمعية ابولو"وذلك حباً في إحلاله مكانته السابقة الرفيعة وتحقيقاً للتآخي والتعاون المنشود بين الشعراء, وقد خلصت هذه المجلة من الحزبية وتفتحت ابوابها لكل نصير لمبادئها التعاونية الإصلاحية. وقد راعينا ان ننزه المجلة عن طنطنة الألقاب والرتب حتى ما جرى العرف بالتسامح فيه، حتى تظهر على مثال ارقى المجلات الأوروبية التي من طرازها، وحصنّاها ضد عوامل التحزب والغرور، فلا غرض لها بعد هذا إلا خدمة الشعر خدمة خالصة من كل شائبة، تسندها خبرتنا الصحافية على مدى سبعة وعشرين عاماً، وهي خبرة لا نباهي بها ولكن نذكرها لطمأنة القراء، ضمانة لثباتنا الدائم...".

    بهذه العبارات افتتح الشاعر والأديب المصري احمد زكي ابو شادي في ايلول سبتمبر من العام 1932، العدد الأول من اول مجلة خصصت للشعر وأصله ومواضيعه وتاريخه، في الثقافة العربية، مجلة"ابولو"التي وإن لم تعش سوى حياة قصيرة - حيث ان عددها الأخير صدر بعد ذلك بعامين وربع العام فقط -، عرفت كيف تؤثر في الحياة الثقافية العربية في شكل عام، وفي الشعر العربي بصورة خاصة. ولقد كان هذا التأثير من الضخامة الى درجة ان الأعداد القليلة التي صدرت من"ابولو"وسمت، وعلى حد تعبير الكاتب ماهر شفيق فريد واحدة"من اربع لحظات كبرى في تاريخ الشعر العربي في مصر، منذ اواخر القرن التاسع عشر". ولقد حدد الباحث هذه اللحظات، اضافة الى لحظة"ابولو"بـ"مدرسة البعث والأحياء"التي ردت الى الشعر العربي نضارته مع البارودي وشوقي وحافظ وعلي الجارم، ثم"مدرسة الديوان"التي اكدت ان الشعر وجدان وفكر معاً"وكان من اعلامها المازني وشكري وخصوصاً عباس محمود العقاد الذي عاش صراعاً هائلاً مع"ابولو"، إذ ان صفحات عدة في اعدادها القليلة كرست لمساجلته والهجوم عليه او الدفاع ضد هجوماته, وأخيراً - ودائماً بحسب ماهر شفيق فريد -"مدرسة الشعر الحر او التفصيلي"مع صلاح عبدالصبور وحجازي وعبدالرحمن الشرقاوي وغيرهم.

    غير ان مدرسة"ابولو"ومجلتها، كانتا في الحقيقة، الأكثر انفتاحاً وثقافة وعمقاً بين كل تلك المدارس، حتى وإن كانت سمعة المجلة ستطغى كثيراً على سمعة اقطابها، إذ بالكاد يصبح لأي منهم مكانته الخاصة في الانفصال عن"ابولو"على عكس الباقين، من الذين عاشوا بعدما ذوت تياراتهم ومدارسهم. وفي هذا، بالأحرى، دليل على قوة"ابولو"، وصدق تفرغها للقضية الشعرية. لكن"ابولو"لم تخدم فقط شعراءها او ابناء تيارها، ولم تقتصر على ان تكون مجلة مصرية خالصة، بل على العكس، اذ انها فتحت صفحاتها مشرعة لكي ينشر فيها - ومن دون اية شروط مسبقة - كل شاعر انتاجه، حتى وإن كان على تنافر مع رومانسية او كلاسيكية اصحاب"ابولو". كما ان المجلة، عرفت القراء العرب عموماً، ببعض الذين ستصبح اسماؤهم الألمع من بين الشعراء العرب غير المصريين. نقول هذا ونفكر بأبي القاسم الشابي، وإيليا ابو ماضي والكثير من شعراء المهجر اللبنانيين، ناهيك بأن صفحاتها شهدت دراسات عن البلدان العربية وحياة الشعر فيها، اضافة الى مساجلات حول الشعر وقضاياه... وفي هذا الإطار لا بد من ان نذكر مع ماهر شفيق فريد، ان"ابولو"كادت في زمنها ان تكون متفردة ورائدة في مجال افساح المجال واسعاً امام نشر النتاج الشعري - والنثري حتى في بعض الأحيان - الذي كان يكتب من جانب شاعرات ونثريات عربية، ومن دون ان تجد في هذا اية غرابة او ابهة يتم التفاخر بها. كان الأمر بالنسبة إليها امراً عادياً وضرورياً.

    > وفي مجال آخر، تعرّف عدد كبير من القراء العرب المهتمين، من طريق صفحات الأعداد الخمسة والعشرين التي صدرت من"ابولو"على بعض اكبر شعراء العالم، وكان بعضهم غير معروف على الإطلاق في العالم العربي، ولم يترجم له أي قصيد من قبل. ومن هؤلاء ألفريد دي موسيه وجون كيتس ووالتر سكوت، كما كان منهم فيكتور هوغو، الذي اذ كان معروفاً للقارئ العربي، من قبل، كروائي، عرف هذه المرة كشاعر، مثله في هذا مثل شكسبير الذي قُدم بعض سوناتاته، كما قدم الكثير من مسرحياته"على اعتبار انها مسرحيات شعرية".

    > ثم بعد ذلك، وربما قبل ذلك، واستطراداً فيما يقوله ماهر شفيق فريد، اهتمت المجلة بالحديث عن الأساطير الإغريقية والرومانية، مبررة في شكل خلاق اسمها المستقى من الإله أبولون... ثم راحت تحدث قراءها، وربما لمرة اولى في الثقافة العربية عن خلفيات الشعر الرومانسي، وكذلك عن انواع مستجدة من الشعر مفصلة اياه، عبر امثال مستفيضة، الى شعر فكاهي وآخر وجداني وثالث تمثيلي، ورابع وطني واجتماعي وشعر اطفال، من دون ان يفوتها ان تقدم عودات دقيقة وتفصيلية الى التراث الشعري العربي القديم، عبر مختارات محققة ومدروسة، من شعر ابن زيدون والمتنبي والمعري وغيرهم.

    ومع هذا كله، فإن اهم ما نشرته"ابولو"واهتمت به، كان الشعر المعاصر، فهي الى نشرها عدداً مهماً وضخماً عن حافظ ابراهيم وآخر عن احمد شوقي لمناسبة رحيلهما المتزامن تقريباً، وإلى جانب عدد ثالث خاص عن علي الجارم, نشرت الكثير من المقالات السجالية، والحادة احياناً، لا سيما حين خاض عباس محمود العقاد ضدها معركة، وصلت الضربات فيها الى"ما تحت الحزام"كما يقال في عالم الملاكمة. ولقد نشرت"ابولو"لبعض شعرائها وكتابها الأقطاب، وعلى رأسهم احمد زكي ابو شادي، مقالات عنيفة تندد بالعقاد وتفضحه، لكنها في الوقت نفسه نشرت مقالات، كتبت لها خصيصاً، او نقلتها عن مطبوعات اخرى، تدافع عن العقاد وتهاجم"ابولو"، واحياناً لكونها"تعبر عن فكر مستورد"، ومن كتّاب هذه المقالات اللافتين للنظر في ذلك الحين سيد قطب الذي كان عرف في الثلاثينات والأربعينات كشاعر وناقد ادبي، قبل ان تحوله اقامته في الولايات المتحدة لاحقاً الى المفكر الإسلامي المتزمت الذي نعرف...

    لقد جعل هذا كله من"ابولو"في ذلك الحين, حدثاً استثنائياً في الحياة الثقافية العربية، بل جعل منها ايضاً، موسوعة ادبية تحديثية شاملة، لن تكشف اسرارها وتفاصيلها، اليوم، إلا لذاك الذي يقيض له ان يقتني مجموع اعدادها ليقرأها بعيداً من التشنجات الآنية القديمة. وهو امر بات متاحاً منذ سنوات، أي منذ اصدرت الهيئة العامة للكتاب في مصر، مجلدات تضم اعداد"ابولو"كلها، فبدت مفاجئة، وأحياناً حديثة كأنها كتبت ونشرت اليوم، لخدمة الشعر وأهله, او كما قال احمد شوقي في تحيتها:
    "ابولو... مرحباً بك ابولو = فإنك من عكاظ الشعر ظلُّ
    عكاظ وأنت للبلغاء سوق = على جنباتها رحلوا وحلّوا
    وينبوع من الإنشاد صاف = صدى المتأدبين به يبلُّ
    ومضمار يسوق الى القوافي = سوابقها اذا الشعراء قلّوا
    يقول الشعر قائلهم رصينا = ويحسن حين يكثر او يقلُّ
    ولولا المحسنون بكل ارض = لما ساد الشعوب ولا استقلّوا"..
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    حسين أحمد أمين
    ذكريات عن توفيق الحكيم وتأثير الغرب في رعيل النهضة الثقافية


    هذه صورة حية لتوفيق الحكيم من خلال ذكريات، وكلام له لم ينشر حول تأثر ثقافتنا الحديثة بالغرب كضرورة لا كاتهام.
    كان أشهر الكتاب المصريين في فترة صباي هم طه حسين، وعباس العقاد، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، وتوفيق الحكيم، غير أن كتابات الأخير كانت أحب كتابات هؤلاء الخمسة الى قلوب الصبية في مثل سني، فما من شيء كان يعادل عندنا روايتيه "عودة الروح" و"يوميات نائب في الارياف". وقد حاولت في السنوات الأخيرة إعادة قراءة "عودة الروح" فإذا بي انحيها جانباً في ملل وإحباط وأنا اسائل نفسي متعجباً عما عساه يكون قد أثاره اعجابي بها وقت صباي، وهو تماماً كإحساسي حين حاولت أخيراً ان أعيد قراءة ثلاثية نجيب محفوظ، و"قنديل أم هاشم" ليحيى حقي، و"مليم الأكبر" لعادل كامل، و"سلوى في مهب الريح" لمحمود تيمور، أما كتاب الحكيم الذي كانت قراءاتي الاولى له وأنا في السابعة من العمر، فتمثيليته "محمد"، لا أبالغ حين اقول إني اعدتُ قراءتها بعد ذلك أكثر من ثلاثين مرة، حتى بت احفظها عن ظهر قلب، وحتى باتت جزءاً لا يتجزأ من تكويني الديني والعقلي واللغوي، ولا يزال أحب المجلدات اليّ من مجلدات مكتبتي هو هذا الكتاب في طبعته الاولى الفاخرة التي صدرت العام 1936، بورقها اللبني المصقول اللامع وغلافها الكرتوني البديع، وصفحته الاولى التي كتب عليها الحكيم إهداءه الى أبي، كما أذكر أني اثناء مقابلة لي معه في مطلع العام 1957 بعد عودتي من اقامة طويلة في انكلترا وخلال جلسة لنا في الشمس في حديقة المجلس الاعلى للثقافة، اخبرته أن من قابلتهم كافة من المستعربين الانكليز يعتبرون تمثيليته "محمد" أروع كتبه على الاطلاق، غير أن الحكيم لم يسرّه كثيراً هذا القول وهذا التفضيل، وهتف معترضاً "غير أن معظم الحوار في "محمد" هو من كتب التراث، ولم يكن لي فيه دخل كبير، ولا كنت حُراً في أن أضيف الكثير من عندي".
    كان أبي يأذن لي - ولمن شاء من اخوتي ونحن بعد صبية - بحضور اجتماعات يوم الخميس من كل أسبوع لأعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر وكان الحكيم مواظباً على حضور تلك الاجتماعات، ويكاد يكون المسؤول الأول عن إشاعة روح الفكاهة والمرح فيها، أذكر مرة طولب الحاضرون فيها بذكر ما يتخيلون انها ستكون آخر اقوالهم وهم على فراش الموت، فجاء رد الحكيم: "سأصرخ في ورثتي: آه يا ولاد الكلب يا للي حاتورثوا فلوسي اللي تعبت وشقيت في جمعها! تورثوها كده بالساهل يا ولاد الكلب؟!"، وقد كانت مثل هذه الأقوال منه عن نفسه هي المسؤولة ايضاً الى حد كبير عن شيوع حديث الناس عن بخله، غير أنه كان بخيلاً فعلاً، وإن أفلح ظرفه وفكاهته في إخفاء المعالم القبيحة لهذا البخل، وقد حدث مرة ان اقبلتُ عليه في مجلسه مع أصحابه في مقهى "الشانزليزيه" على البحر في الأسكندرية، فما جلست حتى طلب لي من النادل فنجان قهوة "على حسابه" وهو ما جعل الحاضرين يحملقون فيّ وقد فغروا أفواههم مصطنعين الدهشة، ويقولون: "فنجان قهوة لك على حساب الحكيم! إنه الفتح المبين يا استاذ حسين!"، وظل هو يقهقه لقهقهاتهم وتعليقاتهم، حتى لمح في طريق الكورنيش حافلة ركاب تتوقف بحذاء نافذة المقهى التي يجلس عندها، واذا بالسائق والكمساري ينزلان منها يمدان يديهما إليه لمصافحة الكاتب الكبير وتحيته.
    لم يكن يمتلك سيارة فكان غالباً ما يعتمد على ابي في توصيله بسيارته الى منزله بعد اجتماعات اللجنة، اجلس الى جانب السائق، ويجلس هو في الخلف الى يسار أبي. واذا طلب ابي من السائق يوماً اثناء رحلة العودة ان يتوقف عند بقالة "العُجيل" بوسط البلد، ونزل من السيارة لشراء بعض الحاجات، التفت الى الحكيم وقد بقينا وحدنا بالسيارة اقول له:
    - عندي سؤال يلح عليّ منذ مدة.
    - تفضل.
    - هل يسرك ان يتملقك المعجبون بك وأن يفرطوا أمامك في الثناء عليك ليل نهار؟
    قال: لا.
    قلت: لماذا يطالب الله عباده بأن يكثروا من حمده وشكره والثناء عليه، ضحك الحكيم ثم قال: مطالبته لعباده بالإكثار من حمده ليس المقصود بها إرضاؤه، بل المقصود صالح العباد أنفسهم اذ يذكرون خالقهم وصفاته وأفضاله عليهم فتتطهر بهذا الذكر قلوبهم، أكثيراً ما يخطر بذهنك مثل هذه الاسئلة؟ كم سنك؟
    - تسعة.
    - ما شاء الله، ما شاء الله، فما عساها ان تكون تساؤلاتك حين تصل الى سني أنا؟
    وتمر الأيام والأعوام، فاذا بي وقد عُينت العام 1959 ملحقاً في السفارة المصرية في كندا تحت رئاسة ابن خالة توفيق الحكيم، السفير عبد الحميد سعود، وهو رجل تافه طيب القلب، لطيف المعشر، عظيم الجهل، اصطحبني في شباط فبراير 1960 في رحلة طويلة الى مدينة ساكفيل بولاية نيو برونزويك ومدينتي وولففيل وهاليفاكس بولاية نوفاسكوشيا، ألقى خلالها أربع محاضرات عن القضية الفلسطينية في أربع جامعات كندية، وفي عربة القطار المتجه الى وولفيفل، اخرج السفير من جيب سترته رواية جنسية من تلك الروايات التي تباع في الصيدليات ومحلات السجائر بعشرين سنتاً، والتي تزين غلافها الورقي عادة صورة امرأة جالسة على السرير في ملابسها الداخلية تلبس - أو تخلع - جوربها، بينما يقف عشيقها متثائباً في خلفية الصورة، وإذ حذوت حذو السفير وأخرجتُ من حافظة أوراقي كتاباً، إلتفت اليّ وسألني عما اقرأ:
    - "الفتاة الزنجية في بحثها عن الله" لبرنارد شو.
    - يا ولد انت موش حاتبطل الفلسفة بتاعتك دي؟ أنا قريت شو، قريت شو من قبل ما أنت تتولد، راجل كويس وروحه خفيفة فيلسوف، انما بعدما اكون بذلت مجهود ذهني زي مجهود محاضرة امبارح، افضل إن أنا أقرأ رواية خفيفة ما تحتاجش لتفكير، توفيق الحكيم اتأثر كتير ببرنارد شو.
    فهو كما أراد أن يتنازل ويحدثني في الأدب، او الفلسفة، او الفن - وكلها في ذهنه شيء واحد - حدثني عن ابن خالته توفيق الحكيم، وذكرياته عنه، وعن الشخصيات الحقيقية من افراد عائلتهما مما استخدمه الحكيم في تصوير ابطال روايته "عودة الروح".
    - اذكر مرة انه عندما ماتت جدتنا كان توفيق الحكيم متغيباً في الاسكندرية، ولم تشأ والدته - خالتي - ان تزعجه، فلم تبرق إليه بالخبر، غير أن توفيق قرأ نعيها في الجرائد، فأسرع من فوره الى القاهرة، ودخل علينا المنزل غاضباً اشد الغضب إذ لم نستدعه ليكون بجانب جدته خلال الساعات الأخيرة وعندما ذكرت له والدته أنها لم تشأ إزعاجه، صاح بها: "ليس في الأمر إزعاج على الاطلاق وانما أردت أن أكون بجانبها كي استخدم وصف النزع الأخير ونحيب النساء والجنازة في إحدى رواياتي! إن اسـتدعى الأمر". وهنا ثارت ثائرة اختي لما اعتبرته بروداً عاطفياً عند توفيق، ولعنت له أباه في وجهه، وطردته من البيت.
    أما لقاءاتي المثمرة حقاً مع توفيق الحكيم فكانت حين يصطحبني والدي معه للجلوس اليه في قهوة "رويال" على البحر في سيدي بشر في الاسكندرية اثناء أشهر الصيف، وكم كنت اتحسر اذ استمع الى أحاديثه الطلية عن ذاته وخبراته وقراءاته وذكرياته عمن قابلهم من المشاهير ان لم يكن في تلك المجالس من يلازمه ملازمة بوزويل لدكتور صامويل جونسون، مسجلاً في يومياته ما علق بذهنه من الأحاديث، ثم ينشرها في كتاب، وسأذكر الآن جزءاً من حديث له معي يوم 8 آب أغسطس 1953 في مقهى "رويال" وكان والدي يومها مريضاً فلم يتمكن من الخروج.
    بدأتُ بالاعتراف له بأن قراءاتي منذ رسخت قدماي في اللغات الاجنبية باتت مقتصرة على الآداب الأوروبية والاميركية، وسألته عما اذا كان تحولي عن النظر في كتب التراث العربي قد تترتب عليه خسارة كبيرة لي، اجاب الحكيم ضاحكاً:
    - سأجيبك على ألا تذكر شيئاً من اجابتي لوالدك حتى لا يغضب مني، فلتمض قُدماً في ما أنت بصدده، فإن كان في نيتك احتراف الأدب، فلا بأس من أن تلقي بين الحين والحين بنظرة في كتاب "الأغاني" أو "العقد الفريد" حتى تشد من أزر لغتك، ومع ذلك، فما أعتقد ان مكانة اللغة لا تزال لها تلك الدرجة من الأهمية التي كان الناس في الماضي يخلعونها عليها بعد أن صار الأدب تقريرياً لا إنشائياً. ثم استطرد يقول:
    - تأمل حال أدبنا قبل اطلاع مثقفينا على ثمار الآداب الغربية، كان مثاله هو ان يرسل الشيخ فلان الى حفني ناصف قفصاً من العنب ومعه رسالة، فيرد عليه ناصف شاكراً برسالة يصف فيها العنب بالدرّ والدرّ بالعنب، ويقول: "وصلني أدام الله فضلك، وأطال عمرك، قفص من العنب ..." الى آخره. نعم، كانوا يقولون إن هذا هو الأدب. وقد ثاروا عندما طلع المويلحي بروايته "حديث عيسى بن هشام" وقالوا إنه عابث ماجن، بل إنهم حتى اليوم يهتفون "توفيق الحكيم؟ محمود تيمور؟ أين هؤلاء من الأدب الحقيقي، ادب المنفلوطي وصادق الرافعي؟ وقد جاء تجديد المويلحي بفضل السنوات التي قضاها بفرنسا فمع ان لغته واسلوبه كانا كلغة مقامات الحريري واسلوبها، ومع ان النقلة التي حققها كانت نقلة متواضعة، فقد كانت له رجل في الداخل ورجل في الخارج، وكان اول من كتب عن الأوساط الشعبـية المصرية وعن العُمد والفلاحين.
    كان حملة لواء النهضة الادبية الحديثة في مصر أناس عززوا ثقافتهم العربية التي نشأوا عليها بثقافة غربية - قويت ام ضعفت - تلقاها بعضهم في بلادها، كلطفي السيد وهيكل وطه حسين وانا، واعترف بعضهم منها في بلادهم بعد ان جدّوا ونصبوا في تعليم أنفسهم لغة أوروبية، كالعقاد ووالدك، مؤمنين بأنه لن تكون لهم قيمة حقيقية في عالم الأدب ما لم يتبنوا أساليب الغرب في التعبير، ومناهجه في التفكير، بل إن أبدعهم عن الروح الغربية كالمنفلوطي، رأى داعياً الى الاستعانة بمن يترجم له مؤلفات غربية مثل "سيرانو دو برجراك"، وبول وفيريجينا" و"مغدولين" ثم يعيد هو صياغة الترجمة الحرفية أو شبه الحرفية في اسلوب عربي رصين، ولا غضاضة في تطعيمها هنا وهناك بأبيات شعر جاهلية أو إسلامية، وتعابير وأمثال عربية محضة، ثم ينسب العمل الناتج الى نفسه أو إلى مؤلفه الغربي بحسب الأحوال! أو انظر مثلاً الى شاعرين من فحول شعراء العربية، هما مطران وحافظ ابراهيم، تجدهما لا يستصغران من نفسيهما ان يتحالفا ويتعاونا من أجل ترجمة كتاب صغير ضحل في "الاقتصاد السياسي" لكاتب أوروبـي، كل هذا والأعور - كما يقولون - هو بين العميان مبصر: إن قـرأ الفتى كتابين فهو مثقف، وان تثقف فهو أديب، وان كتب أدباً فهو عبقري من انصاف الآلهة، إن نظم ابياتاً فهو شاعر، وإن صاغ "مغدولين" صياغة عربية جزلة فهو فنان خلاق، وإن ترجم كتابين او ثلاثة لأرسطو - ولو عن الفرنسية !ـ فهو فيلسوف الجيل!.
    ومع ذلك فقد أدى هؤلاء خدمة جليلة لشعبهم لا ينبغي التحقير من شأنها، فقد فتحوا الباب أمام المتعلمين منا للرجوع الى الاصول، وما زال بيننا الكثيرون ممن يدينون "لترجمة" حافظ ابراهيم العرجاء الشوهاء او "ترجمة" المنفلوطي المثيرة للضحك، باطلاعهم الاول على "بؤساء" هيغو و"سيرانو" روستان، وحثهم على قراءة الاصلين وغيرهما سواء في الفرنسية أو الانكليزية.
    اما المنشئون من أدباء هذه الفترة فذوو المكانة الأخطر، والأثر الأكبر، كانوا أول من رفع قيمة المضمون فوق قيمة الشكل، وشأن الجوهر فوق شأن الإطار، مستخدمين سلاحهم الغربي الجديد المكتسب في الدراسة التحليلية المتمعنة الفاحصة لمشكلات مجتمعهم، فإذا الجمل الرشيقة الخاوية التي كاد أدبنا يصبح قاصراً عليها، قد امتلأ خواؤها، بل ازدادت رشاقة، على يد طه حسين واذا العقاد يعلنها ثورة في ميدان الشعر، واذا هيكل يغدو مجرد في كتابة التراجم، والمازني في النقد، وتيمور في القصة، واحمد أمين في تأريخ العقلية الاســلامية. فإن سألتني عن أهم واضعي أسس الأدب المصري بعد المويلحي، قلت: هم أحمد أمين صاحب أول محاولة شـاملة لإدخال منهج النقد في التأريخ الاسلامي العربي الحديث، وطه حسين صاحب أجمل أسلوب في الأدب العربي منذ أبي حيان التوحيدي، ومؤلف أهم كتاب ادبي مصري على الاطلاق، وهو "الأيام" وعباس العقاد المجدد في ميدان الشعر العربي، أما عني فبوسـعي أن اقول إنني وضعت الأسس لأنماط متعددة من الأدب، فقد كتبت الروايات الاجتماعية، والمسرحيات الاجتماعية والفلسفية، والقصص القصـيرة والمقالات، والرسائل، وجاء بعدي من تخصص في كل فرع من هذه الفروع، أما الفرع الذي لا أظن أحداً بعدي سيجاريني فيه هو التمثيليات على النمط الاغريقي التـي لا تلائـم روح العـصر، والـتي كتبتها لأتقرب بها الى القارئ الغربي، حتى يقارن بينها وبين مثيلاتها في الآداب الأوروبية.
    ومع أن افراد هذا الرعيل كافة جهدوا وجدّوا - بل وناضلوا - في سبيل نصرة المضمون على الشكل، وانتزاع لواء الأدب من مدرسة المنفلوطي، فقد كانت كتاباتهم بحكم نشأتهم وثقافتهم العربية عميقة الجذور، والتعليم الازهري الذي تلقاه بعضهم، سلسة اللغة في غير معاناة، قويتها في غيرت كلف، حتى كان نثرهم من اجمل ما كتب في النثر العربي، ومع ذلك فقد كان لهجومهم على العناية المفرطة بالأسلوب وجزالة اللفظ، وإصرارهم المستمر على تفوق شأن المضمون، اثر في الأدب الآن - بخاصة في مصر - لولا ما تضمنه من كارثة لاعتبرناه طريفاً. وأعني بهذا الأثر إهمال أدباء اليوم من الشباب لا لجودة الأسلوب فحسب، وإنما ايضاً لأبسط قواعد النحو، بحيث اصبحنا لا نكاد نرى فارقاً بين لغتهم ولغة الصحف والعامة، غدا الاديب منهم لا يرى غضاضة في ان يدفع بمسوداته الى مصحح، معمم في المطبعة، يرفع له ما نصب خطأ، وينصب ما رفع، وكأن مراعاة النحو اضحت مهمة لا ترقى عن مهمة جمع الحروف، لا تؤثر في قيمة الأديب احاطته بالنحو أو جهله إياه، ناسين او متناسين أن الأسلوب للمضمون هو بمثابة الإناء للماء، لا غنى عنه إذا أريد حفظه ونقله.
    فإن كنت قد ذكرت أن كتابات افراد ذلك الرعيل كانت بمثابة العصر الذهبي في الأدب المصري، فإنما عنيت بذلك أنهم وضعوا الأسس السليمة والدعائم القوية للأدب بفروعه المختلفة، كان خليقاً بخلفائهم ان يبنوا عليها ويسيروا على هديها، ولم أعن أنهم قدموا آيات أدبية رائعة يمكن وضعها في مصاف المؤلفات العالمية ذات المكانة الرفيعة، فلو أننا ألقينا نظرة الى الأمام، بعد خمسين سنة أو مئة، لنرى أي مؤلفات لهؤلاء ستظل ثابتة في وجه ريح الزمن، يقبل الناس على قراءتها لذاتها لا باعتبارها مجرد وثائق تاريخية، لما أمكننا ان نُحصي غير حفنة جدّ ضئيلة، فاذا بالمنفلوطي والمويلحي وشوقي وحافظ والجارم ولطفي السيد والمازني وصادق الرفاعي ومحمود تيمور والعشرات غيرهم قد طواهم النسيان، أو اقتصر ذكرهم على كتب تاريخ الأدب، واذا بمصفاتنا وقد اتسعت خروقها لم تحتفظ إلا بأيام طه حسين، وفجر الإسلام وضحاه وظهره لأحمد أمين، وتراجم هيكل الإسلامية، وبعض قصائد العقاد، وبعض مؤلفاتي ومؤلفات نجيب محفوظ وعبد الحليم عبد الله.
    كان جل هؤلاء في رأي علماء باحثين أكثر منهم فنانين موهوبين، قد نتج أدبهم من الدراسة المتعمقة والجد، لا من عبقرية وإلهام حتى شعر العقاد، هو في أغلب حالاته عقلي الإدراك والمضمون، لا أثر فيه لوجدان الشاعر كما فهمه الغربيون ونفهمه اليوم، ودليلي على ذلك قلة ما أنتجه هؤلاء في ميادين القصة والرواية والمسرحية والشعر، وضآلة شأن ما انتجوه بالفعل فيها، وهي ميادين اكثر تطلباً للنظرة الفنية والوجدان المرهف من ميادين التراجم والدراسات الإسلامية والاجتماعية والنقد.
    أما عن اتهام أمثال عبد الرحمن الشرقاوي وعبد الرحمن الخميسي لكتاباتنا بأنها لا تتفق مع روح العصر ومشكلاته وحاجاته، أو بضآلة مضمونها السياسي والاجتماعي، فاتهام ظالم، لقد كان بودنا، وبمقدرونا، ان نعبر عن مشكلات مصر في صراحة وقوة ترضيان الشباب، غير أن السلطات المدنية والدينية قيدت أقلامنا بألف يد، وشلت حريتنا، فإذا بأقصى ما يمكننا التنفيس فيه عن آرائنا الحرة إشارات ضمنية ملتوية، ومع ذلك فقد كتب طه حسين "المعذبون في الأرض" وكتبتُ "اللص والجياع" غير أننا كنا نراه ضرورياً - مع هيمنة الرقابة الفظيعة - ان نكتب شيئاً من هذا القبيل مرة، ثم نسكت ثلاث مرات، حتى لا نلفت الينا أنظار السلطة، أوردت مرة في مسرحيتي عن شهرزاد وشهريار تلميحاً الى فجور الملك فاروق وانهاكه في الملذات بعيداً عن شعبه، فاذا بكريم ثابت، المستشار الصحافي للملك يتصل بي موبخاً ومحذراً، ويسألني ساخراً عما اذا كنت تقاضيتُ مالاً من موسكو.
    اذا نطقتُ فقاعُ السجن مُتكأ = وإن سكتُّ فإن النفسَ لَم تطب!
    هو حال شبيه بحال الأدبـاء في الدنيا كافة في عهود الاستبداد.
    وقد عّبر أبوك نفسه عن هذه الفكرة صراحة في "ضحى الاسلام" اذ يقول في تحليله لكتاب "كليلة ودمنة" ما معناه "ان الحاجة الشديدة تبينت الى هذا النوع من الأدب في عصور الاستبداد، يوم كان الملوك والحكام يضيقون على الناس أنفاسهم، فلا يستطيع ناقد أن ينقد أعمالهم، ولا واعظ أن يومئ بالموعظة الحسنة إليهم، فغشا هذا الضرب من القول والقصص، يقصدون فيه الى نصح الحكام بالعدل... واذا كان في التصريح تعريضُ الحياة للخطر، ففي التلميح فجأة من الضرر".

    * كاتب مصري
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    سمير عطا الله
    بخل العقاد

    كان كثيرون يسخرون من «حرص» عباس محمود العقاد، أحد كبار رواد النهضة الفكرية والاجتماعية في مصر. وبين الذين سخروا فاطمة اليوسف، إحدى سيدات المسرح والصحافة والنهضة والحركة الوطنية. وكتبت روز اليوسف في مذكراتها عن تجربتها في الصحافة ومع عمالقتها، أنها حين طلبت من العقاد الانضمام إليها قيل لها إنه لن يقبل بالعمل في مطبوعة جديدة، فقالت للمشككين، انتظروا حتى يعرف أن الراتب 80 جنيهاً.

    عاش العقاد ومات فقيراً. ولم ينفعه، في العالم العربي، أنه قرأ ستين ألف كتاب. وأنه كان عالماً في التاريخ الإسلامي. وأنه كان عالماً في مقارنة الأديان. وأنه كان عالماً في علم العلوم وفي الآداب وفي التاريخ وفي الاجتماع. وقد استكثر الناس عليه 200 جنيه و60 جنيهاً و80 جنيهاً. وكان مجموع «الأساتذة» العقاد يساوي أضعاف ثروات روز اليوسف مسرحاً وصحافة. ويوم قرر الكتابة في المجلة اتسعت سمعتها وارتفع مستواها وأقبل عليها مريدو العقاد وتلامذته وخافتها الحكومة وتهيبتها الدولة. وكان ما يقدمه يساوي ألف مرة ثمانين جنيهاً. ولكن صاحبة المجلة رأت أنها تتفضل عليه بالراتب.

    الفكر في العالم العربي يولد محتقراً ويعيش محتقراً ويموت محتقراً. والناس لم تجد ما تتسلى به سوى بخل توفيق الحكيم وبخل أم كلثوم وبخل محمد عبد الوهاب. والذين لم يكونوا «بخلاء» وخافوا الألسنة ماتوا جائعين لا أحد يتطلع إليهم أو يتصدق عليهم. وكنت أخجل من نفسي عندما أفاتح الرئيس اللبناني السابق إميل لحود والرئيس الحريري بحالة فنانة أو فنان لا يملك ثمن الأدوية وربما ثمن الأكل. والذين لم يلتفتوا إلى ألسنة السوء وألسنة الحسد وألسنة السخف والألسنة التي ليست سوى ألسنة، استطاعوا أن يحفظوا كرامة السنوات الأخيرة وأن يضمنوا الستر، الذي هو أهم ما في هذه الحياة.

    وبين كل مآسي الفكر العربي أرى أن قصة العقاد كانت الأكثر مأساوية لأنه كان الأكثر استحقاقاً. وكم يغبط المرء أولئك الذين عاشوا في عصر العقاد وطه حسين وكواكب الفكر العربي في مصر وسورية والعراق ولبنان في تلك المرحلة التي كانت فيها الشمس تشرق من خلف النيل لا من وراء المتوسط.

    صدر قبل سنوات كتاب لباحث أردني يأخذ على العقاد أنه ترجم الكتب لحساب دار فرانكلين التي تدعمها الحكومة الأميركية. وذلك في مرحلة قبل ظهور أميركا السياسية في العالم العربي. كل ما ذكره عن العقاد أنه ترجم لفرانكلين. كأن تقول إن كل ما فعله شكسبير هو أنه لم يدفع الإيجار في سدني ستريت وإن كل ما فعله فاغنر أنه استدان من أصدقائه ولم يسدد وأن البحتري كان قصير القامة وابن الرومي كان متطيراً. لو ولد العقاد خارج العالم العربي لكان شيئاً شبيهاً ببرتراند راسل!


     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    سمير عطا الله
    كان الفتى متأبها


    عندما أذهب إلى القرية نهاية الأسبوع يكون في انتظاري أسياد السكينة، أعيد قراءتهم في هدوء لا يقطعه إلا الصمت. مؤلفات العقاد ومؤلفات طه حسين ومجلدات التراث والتاريخ. أقرأ كيفما اتفق واثقا أنني سوف أستعيد قديم العباقرة وكأنه جديد ذلك الصباح.

    إذ قرأت العقاد عن عمر ابن أبي ربيعة وعصره وغزله، تراءى لي الشبه بينه وبين نزار قباني. كلاهما يدافع عن المرأة عند سواه ويستعبدها شعرا عنده. إلا أنهن في حضرة عمر دائما، زرافات لا فرادى ودائما شقيقات وليس فقط في شهيرته، «قالت الكبرى». وأخبار عمر عن غزواته الغزلية هو من يرويها، شعرا جميلا كذوبا أو شعرا مكررا لا يخرج من دائرة الهائمات به. أو لعله داء الشعراء. فقد سئل سعيد عقل في برنامج تلفزيوني كم امرأة أحب، فأجاب: «هامت بي ثماني نساء». وسئل: «وأنت، ألم تحب؟»، فكرر: «لقد هامت بي ثماني نساء». يا للتواضع الذكوري!

    المرة الوحيدة التي وقع جفاء بين نزار وبيني كانت، عندما كتبت في عيده الخامس والسبعين، أتمنى عليه التوقف عن التغني بالغزوات النسائية. قاطعني بضعة أسابيع، ثم عندما التقينا صدفة في «نايتسبردج»، حاولت الاعتذار، فقال ضاحكا: لا تهتم. أنا أعرف أن هناك من دس تلك الجملة على المقال.

    كثير من الشعراء تغزلوا بأنفسهم، إلا من العذريين المساكين أمثال جميل بثينة وكثيّر عزة وتوبة ليلى. وتقول طرفة غريبة إن روميو وجولييت انتحرا هياما لكنهما لو تزوجا لكانا طلقا بعد أشهر في خلاف حول مصروف البيت!

    وكان ابن أبي ربيعة متأبها ومدعيا، لا يكتفي بوصف الهائمات به بل يصف علامات الثراء والغنى من حوله ومن حولهن. وكان هو ابن تاجر ميسور وسبية من حضرموت. وكان يقال يومها «الغزل اليماني والذل الحجازي». وقال عمر إن جميع جميلات مكة قد تيمن به مثلما تيم سعيد عقل السيدات الثماني، أو مثلما استعلى نزار على اللاتي خطر بهن تجاهل القامة الممشوقة والوسامة المعشوقة كقامة عمر ووسامته.

    الخلاصة؟ عباس محمود العقاد عالم من علماء العرب وعلم من أعلام آدابهم. بهر به أنيس منصور كاتبا ومحدثا. وكان يحضر مجلسه كل أسبوع وكأنه ذاهب إلى كنز المعرفة. كانت مصر كلها تنهل من عبقرياته. ومعها العرب. ولا تزال، ولا يزالون.
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    أريج جمال
    وجوه أخرى للعقاد

    [​IMG]
    (1

    عندي ولع بالنوابغ الذين لعبوا في حيواتهم الشخصية أدوارا اعتيادية للغاية، فكانت لهم خصوماتهم وصداقاتهم، تحيزاتهم و زلاتهم ... هؤلاء الذين كانت لهم أخطاء، عظيمة ربما، لم يداروها، ولم يحاولوا، فقدموا ، من غير قصد، نماذج لبشر ... وبشر فقط ،برغم كل شئ، وأي شئ ... أحبهم لأنهم يعبرون عن النقص الإنساني في أكمل صوره .. بالضبط كما أتوق للمثاليين الذين يبدون من غير خطايا ..ولا شك أننا بين هؤلاء وهؤلاء في مساحة الوسط نتحرك ..

    في عدد يونيو من المجلة الثقافية العزيزة الهلال، يتقدم ملف خاص عن الكاتب والمفكر والأديب الكبير عباس العقاد .. أعترف في البدء أنه ملف ليس كأي ملف ،فليس ثمة رغبة في تأليه الرجل أو تقديمه بصورة الصنم فوق الانتقاد و الزلل، إنما يغلف أفكار الملف وروحه انتماءاً صادقاً للإنسان العقاد، وهمة عالية تُبذل من أجل فهمه وتفهيمه والإحساس به، لذا أتصور أن ملف "العقاد ..وثيقة ثقافية" ... ملف من أجمل الملفات التي قدمتها مطبوعة صحفية في الآونة الأخيرة ..

    التقطتُ المجلة بين كفي، وغرقت معها وفيها أياما، أقرأها بنهم،أقصد أقرأه هو بنهم .. وعلي أن أعترف _ للمرة الثانية_ أن موقفا حقيقا لم يكن قد تكون فيّ عن العقاد حتى قراءة الملف ، ثم أن الأمور تغيرت تماما ،بعدا ..

    بالطبع ستقرأ في المجلة كتابات رائعة عن نشأة الرجل ،وأفكاره ،ومؤلفاته .. لكن ما يعنيني أكثر هنا ،و الذي أثر فيّ بعمق تأثيرا أدري أن لن يغادرني أبدا ،مواقفه الذاتية من الآخرين ،ومنهجه في التفكير تجاههم ،وطبعا شعوره بهم ، وقصة حبه الوحيدة ،والعظيمة ..

    هذه ليست محاولة لتشويه الرجل ،ولن تكون ،بالعكس هنا ،إعادة أنسنة العقاد ،وتقديمه في ثوبه الطبيعي ،ولو اختلفنا مع هذا الثوب ورفضناه في مناطق معينة .. فكيف كانت دنيا العقاد التي تحركه ...؟

    العقاد ناقدا وناقضا

    في مقال معنون ب "العقاد ناقدا محافظا ،قراءة أخرى في نقده لشعر شوقي " كتب د.السيد فضل ،عن علاقة العقاد الفكرية مع الشاعر الكبير أحمد شوقي ،وذلك بصفة الأول ناقدا ،ويقول فضل :"للعقاد الناقد فيما أرى وجه بدا فيه المجدد المبتدع حين استقى غير محاك ولا مقلد كما يحب أن يقرر لتراث النقد الرومانتيكي الإنجليزي عند رواده الكبار الأوائل .و له وجه آخر شديد المحافظة مسرف في نقد و نقض ما لا يحب ويهوى استقاه كما أعرضه الآن من أشد ألوان النقد العربي القديم محافظة ."

    يعني أن موقف العقاد الفكري تجاه شوقي كان مبنيا أساسا على رفض الرجل أو عدم استهواء شعره ..وبما أن الحديث لايزال بدون أدلة ،فلنلج الآن مباشرة إلى ما قاله العقاد عن شعر شوقي ،والذي ينقله د.فضل في مقاله إذ يقول :"يقول العقاد نعود بك أيها القارئ إلى القصيدة فلا ترى فيها مما لا تسمعه من أفواه المكدين والشحاذين إلا كل ما هو أخس من بضاعتهم ،وأنجس من فلسفتهم ،كلها حكم يؤثر مثلها عن حملة الكيزان والعكاكيز ،إذ ينادون في الأزقة والسبل دنيا غرور ،كله فان ،الذي عند الله باق ،ياما داست جبابرة تحت التراب ،تلك أقوال الشحاذين ..أما أقوال أمير الشعراء التي يقول عنها كذا العقاد فهي:
    كل حي على المنية غاد = تتوالى الركاب والموت حاد
    ذهب الأولون قرنا فقرنا = لم يدم حاضر ولم يبق باد
    هل ترى منهم أوتسمع عنهم = غير باقي مآثر وأيادي ..إلخ "

    صدمتك الكلمات "أنجس وأخس "!.. طيب هل كنت تتصور أن تقال هذه الكلمات على أبيات مثل التي قرأتها .. يستمر د.فضل فيقول :"حين نظر العقاد في شعر شوقي كان يريد أن يهدمه بأن يشير إلى المعنى المطروح على الطريق ،ولا تكاد تسلم له الآن بما أراد لأن الشاعر حين يقول مثلا :
    كل حي على المنية غاد = تتوالى الركاب والموت حاد

    لا يريد أن يؤدي معنى دنيا غرور وكله فان ..اللهم إلا إذا كنا من هؤلاء الذين يرون أن أسدا تساوي شجاعا كما رضي لنا بعض اسلافنا إلا إذا كنا نرى في قول النابغة .
    خطاطيف حجن في حبال متينة = تمد بها أيد إليك نوازع

    ما رآه ابن قتيبة :أنت في قدرتك على كخطاطيف عقف يمد بها ،وأنا كدلو تمد بتلك الخطاطيف."

    أتتصور أن خصومة العقاد الفكرية قد توصله هذه المنازل ..؟ للأسف هذا ما جرى فعلا، والأهم أن العقاد كان يرفض الاعتراف أن موقفه من شوقي موقف فيه تصلب ،ورفض للجديد.

    وفي خاتمة مقاله يقول د.فضل :" ولسنا نذهب بعيدا في تعليل هذه الظاهرة عند العقاد فنقول إنه أراد أن يضللنا عن مصادره، ويمكن أن نلتمس التعليل في موقف العقاد منذ فترة مبكرة من حياته من الإحياء والإحيائيين ،هذا الموقف الذي زوده بحساسية مفرطة تجاه القديم .وهل كان يصح أن يهاجم العقاد شوقي وأصحابه ثم يعلن عن مشاركته إياهم في المنابع والأصول القديمة ؟"

    الرافعي الأصم .. وطه حسين الأعمى

    سأقول أن هذا عنوان صادم ومرفوض ،لكن الواقع أن هذا ما كان يقوله بالضبط العقاد في غضبته منهما ... والعهدة بالطبع على الرواي .. ولنعد الآن أكثر من خطوة للوراء كي نروي الحكاية من أولها ..

    "الخصومة بين العقاد والرافعي، أسبابها وتطوراتها ونتائجها" عنوان ما كتبه د.الطاهر أحمد مكي، متناولا الخصومة الفكرية والمعركة الأدبية التي دارت بين العقاد والرافعي واستمرت أعوام كالنار تحت الثرى ... ويشرح د.مكي أن هذه العادة الذميمة _ويقصد بها المعارك الأدبية _ واستلفتت اهتمامات النقاد والقراء موروثة من كاتب صهيوني هو ماكس نورداو(1849 – 1923 ) ،واضح أن أفكاره وصلت لأهل الفكر العرب عبر قراءاتهم المباشرة له، أو من خلال الترجمات التي عرّبت كتاباته، والرجل كان يسير متبعا في منهجه فكرة واحدة هي الهدم ..الهدم .

    ومن أفكار نورداو هذا ما ينقله د.مكي " كان من نصائحه لتلميذ له كي يحقق النجاح :"إن سواد الناس بلداء الإحساس ،ثقال السمع ،فليكن ظهورك بينهم بجلبة يسمعها الأصم ويبصرها الأعمى ،وهم لا يفههمون التورية والمزاح ولا يتأولون الألفاظ و الحروف ،فكن واضحا معهم في مخاطبتك ،سهلا في عبارتك "..

    لا أدري لم كان الرجل مزدريا للبشر بهذا الشكل ،ولا أردي كيف كان فكره مؤثرا في أهل الرأي عندنا بهذه الطريقة ،إذا كان هذا حديث الرجل في أزمان كان الناس يفكرون ،فماذا سيقول لو بُعث في أيامنا هذه ..! يقول د.مكي : "أحسب أن الصهيوني ماكس نورداو كان بأفكاره وراء الكثير من خصومات تلك الفترة ،فهو الذي هدى ذلك الجيل إلى أن الأديب المغمور بوسعه أن يفتعل معركة ،وأن يتعلق بأثواب أديب كبير يهجوه وينقده ،ويثير حوله الزوابع " ..

    أما الذي جرى بين الرافعي والعقاد ،فيقول_ وسأقوم بنقل حديثه بالقليل من التصرف اختصارا فقط _أن العلاقة بين العقاد والرافعي كانت عادية جدا قبل أن يقوم الرافعي بإصدار طبعة ملكية "أي تكلف بإصدارها القصر" من كتاب "إعجاز القرآن"عام 1917، ويبدو أن العقاد رأى أن ثمة تعريضا به في الكتاب فغضب ،غير أنه سكت ،حتى التقيا صدفة في دار مجلة المقتطف ،ودار بينهما نقاش ،أخذت حرارته ترتفع كلما مضى وقت، وبدأ الرافعي يتعامل مع حديث العقاد وكأنه تجريح وطعن في القرآن ذاته !!

    ونحسب بالطبع أن العقاد لم يكن ليصل إلى هذه النقطة، كما علينا الانتباه إلى أن هذه الرواية يحكيها الرافعي ،وهو أحد طرفي النزاع. المهم أن الأمور احتدمت بينهما ،ويبدو أيضا أن الرافعي أراد أن يضرب العقاد ضربة قاصمة فواجهه بتقديم سعد زغلول للكتاب ،والعقاد معروف بوفديته وعلاقته القوية بسعد ،فما كان من العقاد إلى أن شكك في التقديم برمته ،وكأن الرافعي اختلقه ،فزاد انفعال الأخير ،وهم كل منهما يضرب الآخر إلى أن تدخل يعقوب صروف ،وانسحب العقاد ،وهو ما فهمه الرافعي أنه تم بناء على طلب من صروف ..

    ويقول د.مكي أن صروف الصحفي الشامى أراد أن يلتزم الحياد في القضية فلم يذكر بخصوص هذه الرواية أكثر من أنه لم يطلب من العقاد المغادرة لأن هذا لا يليق منه ،ثم أضاف أنه لم يفهم ما الذي كان يدور بينهما ،فالأساس أن الحديث كان يتم كتابة بين الاثنين نظرا لصمم الرافعي ..

    لكن هل توقف الصراع بين العقاد والرافعى عند هذا الحد ؟؟ ..

    (2)

    نستكمل اليوم عرض ما جاء في عدد يونيو من المجلة الثقافية العزيزة الهلال، الذى جاء كملف خاص عن الكاتب والمفكر والأديب الكبير عباس العقاد

    أنهينا المقال السابق بذكر الصراع بين عباس العقاد وعبد الرحمن الرافعى ... والذى بدأ عندما صدر للأخير كتاب "إعجاز القرآن" والذى جاء به ما ظنه العقاد تعريضا به فإحتد على الرافعى وكانت النتيجة خصاماً بين الأديبين لم يهدأ من وطاه سوى تدخل الصحفى الشامى يعقوب صروف ... (راجع المقال السابق)

    لكن هل توقف الصراع بين العقاد والرافعى عند هذا الحد ؟؟ ..

    لا إذ أنه عاد للاشتعال من جديد عندما جمع الرافعي مقالاته في النقد، في كتاب بعنوان "على السفود" ... وجه فيه سهامه إلى العقاد وشعره مباشرة، ومرة أخرى صمت العقاد تماما و لم يرد.

    غير أن الذي في القلب بقى في القلب يتحين الخروج، وجاءت وفاة شوقي عام 1932 لتفجر الخصومة بينهما ثالثة. إذ كتب الرافعي في مجلة المقتطف مقالا عن شوقي وشعره أثنى عليه،غير أنه أخذ عليه رفع جواب الشرط في قوله : إن رأتني تميل عني كأن لم يك بيني وبينها أشياء.

    لكن العقاد، الذي تذكر معي كيف كان يهاجم شوقي وينقض شعره، هو ذاته الذي دافع عنه واعتذر عنه !! ويقول د. الطاهر احمد مكي، كاتب مقال "الخصومة بين العقاد والرافعى" فى عدد مجلة الهلال المشار اليه اعلاه :"وفي هذه المرة كان الحق ذوقيا في جانب العقاد، وإن يكن نحويا في جانب الرافعي ... لأن الشعر، فيما أرى من شعر العباقرة، فوق قواعد النحو ومن أجلهم كان باب ضرورات النحو في الشعر.

    ولكن تملك الرافعي عناده وكبرياؤه، فرد على العقاد وأصر على تخطئة شوقي في رفع جواب الشرط من هذا البيت " ..

    يبدو أنها كانت عادة ان يكون الهجوم كاسحا إلى هذا الحد، وأن تضيع فيه الحقائق وتبقى فقط الشتائم والإهانات الشخصية. ويقول د.مكي :" العقاد لم يكن يصف الرافعي بغير المهذار الأصم، ولا يدعو طه حسين في منتداه بغير الأعمى، ويصف مكرم عبيد في مقالاته بأنه وغد ودساس ودجال غلى مثل هذه الشتائم .."

    صعب إذن أن ننزع الحديث عن سياقه التاريخي، والأصعب أن ننزعه عن سياقه الشخصي، ولعلك تساءلت مثلي عما كان يفكر فيه العقاد وهو يقول ما يقول، ويسب من يسب .. الرد سيمنحك إياه العقاد نفسه حالا، وسينقله لنا د.أحمد السيد عوضين في مقالة "العقاد ..الإنسان" ,,

    والنقل تم من كتاب العقاد "أنا" الذي يحوي مجموعة مقالات للعقاد عن سيرته الشخصية، اسم الكتاب ليس من اختيار العقاد حتى لا تظن به الظنون ... فالكتاب نُشر عقب وفاته أصلا، وفي الكتاب يتحدث الرجل عن نفسه بكل صراحة ومن دون غرور ولا استعلاء، إذ قال من ضمن ما قال :"... إنني لا أزعم أنني مفرط في التواضع، ولكنني أعلم علم اليقين انني لم أعامل إنسانا قط معاملة صغير او حقير إلا أن يكون ذلك جزاء له على سوء أدب " ..

    ويقول أيضا :"... ومع هذا الناس معذورون في شبهة الكبرياء هذه. فقد أراد الله، وله الحمد، أن يخلقني على الرغم مني متحديا لكل التقاليد السخيفة التي كانت ولاتزال شائعة. أنا أطلب الكرامة من طريق الأدب والثقافة، وأعتبر الأدب والثقافة رسالة مقدسة يحق لصاحبها أن يصان شرفه بين أعلى الطبقات .... فهو إنسان يعرف حقه في الكرامة ولا يعرف حقا لتلك الأصنام الاجتماعية التي تعرض عليه :صنم المال وصنم العناوين العلمية ،والشارات الرسمية، وصنم المناصب ،وصنم الألقاب .."

    إذن العقاد كان يفعل ما يعتقد أنه صواب في تعامله مع الآخرين، وإن رأيناه نحن خطأ .. وربما تكون ثمة أشياء لا ندري عنها، وجهته لكل هذا العنف في الخصومة .. الذي لم يداريه ،ولم يحاول، ولم يحرص فيه على مركز اجتماعي أوذكر تاريخي ..

    العقاد عاشقا

    الآن نحن في حضرة العقاد العاشق،الذي تمسك بأهداب حب لم يفلته حتى مات .. بالنسبة لي كان لايزال للرجل هيبة،لا تمكنني من تصور كيف كان يحب لأنني أدري أن الحب ضعفا،مع هذا كان عندي فضول لمعرفة كيف .. ؟

    في مقاله "من هي سارة العقاد الحقيقية ؟" يحكي صاحبه محمد رضوان قصة حب العقاد، الذي كتب عنها الرجل روايته "سارة"، فيذكر من البداية أن المرجح أن سارة العقاد، وهو اسم نادر الاستخدام في ذلك العصر كما يقول رضوان، هي أليس داغر التي اشتغلت بالكتابة عن المرأة، وترجمت عدداُ من القصص والروايات الأجنبية.

    وإليسا كانت قد طلقت من زوجها الأول عندما تعرف عليها العقاد لأول مرة في حديقة بيتهم، ويبدو أن ثمة استلطافاً نمى بينهما وأخذ ينضج حتى استحال حبا كاملا. ويقول رضوان أن الذين كانوا يقرأون مقالات العقاد السياسية لاحظوا اختلافا بها في فترة اشتعال عشقه لأليس، وكأن العشق لوّن العقاد وأيامه و كتاباته.

    كانت قصة عظيمة تلك التي ولدت بينهما ... ويشير رضوان إلى كتاب صدر أخيرا عن دار جزيرة الورد بعنوان "سارة العقاد او أليس داغر"، ويحوي الكثير من كتابات أليس وقصتها مع العقاد ..

    لكن، و آه من لكن هذه، جرى ما فض عذرية العلاقة، إذ يقال أن خيانة ارتكبت من قبل أليس نسفت عقل العقاد نسفا، وجعلته ينزف نزفا. وأيا كانت حقيقة الأمر فاليقين أن العقاد تألم وآثر الابتعاد، وهو الذي كان يعشق حبيبته عشقا حارقا، و شقي بعشقه لها ما تبقى من عمره .. فكتب يقول عنها :
    سلوتك عاصيا قلبي = ولم أك طائعا أهوى
    فما اخترت على حال = ولكن هكذا الدنيا

    ويبدو أن العقاد حسم قراره بكل إرادته ،مع وجود احتمالية الاستمرار التي رفضها بشدة وكتب فيها يقول :
    تريدين أن أرضى بك اليوم للهوى = وأرتاء فيك اللهو بعد التعبد
    وألقاك جسما مستباحا وطالما = لقيتك جم الخوف جم التردد
    إذا لك يكن بد من الكأس والطلى = ففي غير بيت كان بالأمس مسجدي

    غير أن العقاد في الواقع لم يسلا ،إذ بقى كما يقول رضوان محتفظا بصورة معشوقته إلى أن فارق الدنيا ..

    و هذي الصورة هي التي رُسمت غلافا لرواية سارة التي صدرت طبعة الهلال لها عام 1958 .. ويعلق رضوان على هذه العلاقة قائلا :"هي علاقة لم تستمر أكثر من عامين لكنها ظلت تدغدغ مشاعر العقاد الكاتب الجبار، وظلت آخر نسمة في حياته يستعيد ذكراها ويناجي طيفها ويتأمل صورتهما معا في أيام السعادة بحنين العاشق المحروم ... ".

    هذه مقتطفات من ملف رائع، يستحق أن تقرأه باعتناء أكثر من مرة، على مهل، فأدعوك لتفعل.
    وأدري تماما أن تلك السطور ستحفظ مكانا عليا في ذاكرتك ..على طول العمر ..
    وأخيرا أسألك ألم تحب العقاد، كما أحببته أنا ؟؟
    ألم تشعر بأنه بشر كان من لحم ودم .. له أكثر من وجه .. كما نحن بالضبط ..
    أو ليس أن لكل منا وجوه ؟؟
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سمير عطا الله

    لم يكن التالي

    كانوا ثلاثة عمالقة في عصر تزاحم فيه الكبار: طه حسين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم. بعكس نجيب محفوظ، مثلا، الذي لم يكتب إلا في الرواية والسيناريو، تاركا التأملات إلى أواخر العمر، كتبوا هم في كل شيء: الأدب، والفكر، والفلسفة، والتاريخ، والسيرة، والمذكرات، وفي ما قد نسيت. اثنان منهما ذهبا إلى الدراسة في باريس، طه والحكيم. العقاد بقي في القاهرة ينحت من صفائح الكتب ويحفر في غبار التاريخ. سبقاه في العلم، وجاورهما في التعلم.
    ثلاثة عباقرة من مصر، طه وعباس بالطربوش الوطني.. الحكيم بالبيرية الفرنسية الشائعة يومها في أرجاء فرنسا.
    لا مناسبة للكتابة عنهم، فلا يحتاجون إلى مناسبة. وأنا أعيد قراءة الثلاثة، دائما، وكيفما اتفق. أحيانا في حب مجرد وإعجاب شديد العمق. أحيانا بحثا عن سطر في موضوع، عن تذكير بموضوع. أحيانا بحثا عن صورة مصر، مصر البهية، كما رسمها عباقرة ذلك الزمان، بمحبة ورفق ورعاية.
    توصلت بعد هذا العمر إلى قناعة بأن الحكيم غاب مظلوما بين الآخرين. أخذتنا الجدية والاجتهاد عند طه والعقاد، فلم ننتبه إلى عبقرية السخرية عند الحكيم ومرتبتها الأدبية. أخذنا بالفصحى الكبرى عند اثنين، فلم ننتبه كفاية إلى ذلك الخلط الساحر بينها وبين العامية الغنائية الأثيرية عند الثالث. ذهب الأولان إلى التاريخ الكبير وذهب الحكيم إلى الأرياف والترع والمأمور والوكيل وأهل البحر. والبحر كما تعرف، هو لقب النيل عند رعاياه وأهله ومراكبيته.
    كان للحكيم أسلوبه، تعرفه به من هنا إلى دمياط. أسلوب ولد معه، وكانت له رؤية ساخرة صامتة لماحة إلى تخلف المجتمع. لكنه لم يقس عليه كما فعل طه، ولم ينصب نفسه معلما عليه كما فعل العقاد، بل أخذ يمازحه بعذوبة وخفة ظل مصرية وتركه يختار ويحتار. لم يبق لنا الكثير نتأمله ونسحر به، لأن الحكيم أكثر من المسرح، والمسرح لا يقرأ بعيدا عن الخشبة حتى لو كان المؤلف شكسبير. المسرح خطاب ووقع وإيقاع وعلاقة مباشرة بين النص وناقله وسامعيه.
    أما ما تركه العقاد من فكر وأدب ورواية فلم يأخذ حقه رغم كل ما أخذ. نظرنا إليه دائما على أنه التالي: طه حسين وتوفيق الحكيم. العقاد والحكيم. نجيب محفوظ والحكيم. وهو لم يكن تاليا. هو لم يكن حافظ إبراهيم بعد شوقي. هو كان توفيق الحكيم


     
    آخر تعديل: ‏1/7/14
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    شعبان يوسف
    علاقة مركبة

    كثيرون لديهم انطباع يصل إلى حَدّ اليقين أن العلاقة بين الكاتب عباس محمود العقّاد والأديب الناشئ سيِّد قطب، بدأت بالتجاذب، وهذا ليس صحيحاً تماماً. والمقال الأول الذي نشره سيِّد قطب في جريدة «البلاغ» الأسبوعية كان منتقداً للعقّاد، رغم العبارات العاطفية والتقديرية التي أحيطت بالمقال، وكان ذلك في 1928، وكانت جريدة البلاغ، التي كان يرأس تحريرها الصحافي عبد القادر حمزة، منحازة بشكل مفرط إلى حزب الوفد، وكان العقّاد في ذلك الوقت هو كاتب الوفد الأول، وكانت ميول قطب في بداية حياته وفدية، وله قصيدة في رثاء سعد زغلول تعبِّر عن ذلك جداً، وكان الخلاف بين العقّاد وقطب قد نشأ حول مقال كتبه العقّاد يتحدَّث فيه عن عاطفة الشيوخ، ورَدّ عليه قطب في العدد التالي، ولكن العقّاد رَدَّ على قطب في العدد الذي تلاه، وكان رفيقاً به، ولم يكن حاداً وقاسياً على عهد القرّاء به، وربما يكون ذلك الحنوّ عنصراً جاذباً لسيِّد قطب، الذي انجرف تماماً إلى أن يقتفي آثار العقّاد، ويجعل من نفسه تلميذه الأول والناطق بلسانه، والمدافع عنه كما لم يدافع عنه أحد، وكانت المعارك التي خاضها قطب بسبب العقّاد تجلب عليه الكثير من الهجوم العنيف، فمن المعروف أن سيِّد قطب يدافع بضراوة عن العقّاد، ويهاجم كل من يقترب من أستاذه، فكانت معركته مع جماعة أبوللو في الثلاثينيات أول شاهد على ذلك، وهاجمه الشاعر أحمد زكي أبوشادي بعد أن نشروا له شعراً ونقداً في المجلة، وكان قطب يخوض المعارك بدلاً من العقّاد، وربما كان ذلك يرضي أستاذه. وكانت المعركة الشهيرة التي دارت بين قطب والمحقق محمود محمد شاكر على صفحات الرسالة، والتي تطرَّق إليها كُتّاب آخرون، فعندما كان محمد سعيد العريان يكتب سلسلة مقالات عن مصطفى صادق الرافعي على صفحات الرسالة، والتي انتهت بكتاب ضخم عنه، انبرى قطب ليهاجم العريان بقوة، عندما تعرَّض لعلاقة الرافعي بالعقّاد، ورغم أن العقّاد نفسه لم يردّ، إلا أن سيِّد قطب هو الذي اندفع، وراح يكيل أشكالاً من الهجوم على سعيد العريان، وكذلك مصطفى صادق الرافعي نفسه، وهنا رَدّ عليه محمود شاكر على مدى خمسة أعداد موضِّحاً التجنّي الذي كشفت عنه مقالات قطب، وهذه المعركة- على وجه الخصوص- أظهرت الولاء الفكري والشخصي والإنساني الذي يكنّه سيِّد قطب لعباس العقّاد. والذين بحثوا في حياة سيِّد قطب توقَّفوا أمام «انقلابه» مذهولين، وفسَّروه تفسيرات عديدة، فذهب علي شلش إلى أنه لم يحظَ بتقدير كبير من الجماعة الثقافية، فآثر الابتعاد إلى مجال آخر، وهناك مايثبت ذلك في رأي شلش، وهناك عادل حمودة الذي اعتبر أن كتابات سيِّد قطب الأدبية لم تكن ذات رفعة أدبية، ومن ثَمَّ لم تكن أصيلة، لذلك فهو هجرها إلى التفكير السياسي، وكذلك حلمي النمنم الذي اعتبر أن سيِّد قطب لم يكن مثقفاً مثل أساتذته، ولذلك كانت الرؤية سطحية عنده، وعزا النمنم ذلك إلى أن قطباً لم يكن يقرأباللغة الإنجليزية، واعتبر أن ذلك قصوراً لدى قطب، وهذا رأي مثير للدهشة، فهل كل الذين لا يقرأون بلغات أجنبية، نحسبهم غير مثقَّفين؟، فإذا كان كذلك، سوف نخرج كثيراً من الكتّاب والمبدعين من زمرة المثقَّفين. من يقرأ كتابه وسيرته «طفل من القرية»، سيدرك أن هذه الحياة التي عاشها في طفولته، من الممكن أن تنتج هذا النوع من الحياة، والحماس البارز الذي كان ينتاب قطباً في الثقافة والأدب في عقدَي الثلاثينيات والأربعينيات، تحوَّل إلى حــمــاس سـيــاسي وديني في الخمسينيات والستينيات، ولمّا لم يلقَ مايريده من أساتذته، وخاصة العقّاد، تأثر، وترك ذلك في نفسه مرارات كثيرة، ففي مقال مؤثِّر كتبه قطب في مجلة (الرسالة) في 10 سبتمبر/أيلول 1951، أي بعد عودته من أميركا، وتحت عنوان «إلى أستاذنا الدكتور أحمد أمين» يقول قطب بأسى شديد: «دعوني الآن أصارحكم بتجربتي الخاصة، التي تركت في نفسي ذات يوم مرارة، ومن أجل هذه المرارة لم أكتب عنها من قبل، حتى صَفَت روحي منها، وذهبت عني مرارتها، وأصبحت مجرَّد ذكرى قد تنفع وتَعِظ، لقد كنت مريداً بكل معنى كلمة المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين، ولقد كنت صديقاً أو ودوداً مع الآخرين من جيلكم كذلك، لقد كتبت عنكم جميعاً بلا استثناء، شرحت اراءكم، وعرضت كتبكم، وحلَّلت أعمالكم بقدر ماكنت أستطيع، ثم جاء دوري ..جاء دوري في أن أنشر كتباً بعد أن كنت أنشر بحوثاً ومقالات وقصائد، لقد جاء دوري في نشر الكتب متأخِّراً كثيراً، لأنني آثرت ألا أطلع المئذنة من غير سُلّم، وأن أتريث في نشر كتب مسجّلة حتى أحسّ شيئاً من النضج الحقيقي يسمح لي أن أظهر في أسواق الناشرين، وكان أول كتاب نشرته هو ذلك الكتاب الذي نال إعجاب صـديقـكـم الراحـــــــل المغفور له عبد العزيز باشا فهمي ...فماذا كان موقف أستاذي؟وماذا كان موقف جيلكم كله؟ ماذا كان موقف جيل الشيوخ، لا من هذا الكتاب وحده، ولكن من الكتب العشرة التي نشرتها حتى الآن؟، أراجع كل ماخطته أقلام هذا الجيل كله عن عشرة كتب، فلا أعثر إلا على حديث في الإذاعة لفقيد الأدب المرحوم الأستاذ المازني، وعلى إشارة كريمة للأستاذ توفيق الحكيم في أخبار اليوم»، ويستطرد في اعترافاته التي تنمّ عن مرارة شديدة، وهو الذي كتب عن طه حسين وتوفيق الحكيم وعبدالقادر حمزة ونجيب محفوظ الذي كتب عنه مقالاً مجيداً، ولكن محفوظاً لم يكن من الأعلام الذين ينتظرهم قطب، وأهدى قطب كتابه «طفل من القرية» إلى د.طه حسين، موضّحاً إجلاله وتقديره له، وهذا الكتاب الذي كتبه على غرار «الأيام»، وكان قد كتب عام 1947 روايته السيرية «أشواك» على غرار «سارة» للعقّاد، وكان ولاء سيِّد قطب إلى الجيل الذي سبق منقطع النظير، وكان الولاء الأكبر لأستاذه الجليل العقّاد خاصاً جداً. والذي يقرأ العبارات التي كان كتبها قطب عن العقّاد، سيلاحظ مدى التعظيم لا الولاء، فقط، لهذا الأستاذ.
     
    آخر تعديل: ‏1/7/14
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. حسين محمود
    العقّاد وطه حسين في إيطاليا

    [​IMG]




    في إيطاليا قليلون هم الذين يعرفون عباس محمود العقاد، وكثيرون الذين يعرفون طه حسين، وهذا العام مضى على وفاة الأول ؛ الأول أربعون عاماً وعلى وفاة الثاني خمسون عاماً، ولكن معظم المتخصِّصين في الآداب الشرقية والعربية يعرفون الاثنين جيداً كأبطال عصر التنوير.

    لنقرأ ما قالته الموسوعة الإيطالية، «تريكاني» التي تعادل في أهميتها وشهرتها وموثوقيتها الموسوعة البريطانية «بريتانيكا»، ما قالته عن الأدب العربي الذي أفردت له الكثير من الصفحات، ولم تهمل في استعراضها للأدب العربي ذكر المفكَريْن العربَّييْن الكبيرَيْن، فقالت عن العقاد: «صاحب الإنتاج الأدبي هذين العقدين (من 1930 حتى 1950) حياة روحية قوية للشعوب العربية، وخاصة تلك التي تقع في المركز الجغرافي والثقافي للعالم العربي، أي مصر وسورية ولبنان. كان الأدب المصري دائماً في موقع الريادة في الحياة الثقافية العربية. وقد ظهرت في تلك السنوات شخصيات أدبية لها باع مثل حافظ، وشوقي، ومي، وغيرهم، وتابع كثيرون غيرهم أعمالهم موسِّعين من شهرتهم في العالم العربي كلّه، وفي أوروبا أيضاً، مثل القصاص محمود تيمور، والعالم عباس محمود العقّاد، والناقد طه حسين، والمسرحي توفيق الحكيم. وكلها شخصيات عظيمة الشأن في الأدب العربي الجديد الحديث المعاصر».

    مثل هذا النص الوارد في الموسوعة الإيطالية الأشهر يمكنه أن يساهم في تشكيل وعي «المهتمين» بأهمية الشخصيات الأدبية المذكورة، فهي مرجع واسع الانتشار، وحقيق بالتصديق. والصفات التي يخلعها النص نفسه على الشخصيات الأدبية التي ذكرها ربما تحدّد بشكل كبير المدخل الذي يشكّل الصورة الذهنية التي تتشكّل في الوعي العام عن هذه الشخصيات. ومما يلفت النظر أن الموسوعة اعتبرت عباس محمود العقّاد «عالماً»، فيما اعتبرت طه حسين ناقداً. وربما كانت هذه الصفة التي سوف تلازم الحديث عن العقاد في جلّ ما يذكر عنه في الأدبيات الإيطالية. وربما كان السبب في هذا هو أن الأعمال المشهورة له كانت دراسات، سواء «العبقريات»، أو كتابه عن «الله»، وما اشتهر عن طه حسين في نقده بالشكّ التحليلي لتراث الشعر العربي القديم. وعندما تتحدث الموسوعة عن سيد قطب مثلاً، تذكر أنه تلقى التشجيع من كل من طه حسين والعقّاد، رغم أنه اتهمهما بعد ذلك، الأول بأنه «مستغرب» والثاني بأنه «ذهني».

    أما ما قالته الموسوعة عن العقاد وحده، فقد يكتسب أهمية خاصة، لأنه مكتوب بواسطة مستعرب شهير، ظل لأعوام طويلة مهيمناً على صورة المستعرب الإيطالي, وعميداً للمستعربين كلهم، وهو فرانشيسكو جابرييلي، ولأهمية الكاتب والمكتوب عنه، رأيت أن أورد ترجمة للنص الكامل له: «العقّاد، عباس محمود شاعر وناقد ودارس مصري، ولد في أسوان عام 1889. منذ عام 1940 أصبح عضواً في أكاديمية فؤاد الأول للغة العربية. بدأ يؤكِّّد مكانته بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة عندما نشر دواوينه الشعرية، التي اتسَّمت باستلهام الحداثة وروحها، رغم الصيغ العروضية التقليدية، مع إحساس قوي بالطبيعة ونزوع إلى التفلسف. كما حصل على شهرة أوسع في الوقت نفسه بدراساته النقدية الأدبية والاجتماعية (ساعة بين الكتب، قراءات في الكتب والحياة، عودة أبي العلاء... إلخ)، واشتهرت بأسلوبها المتين والتدفُّق الشديد للأفكار النقدية الغربية. كما كرّس العقّاد نفسه أيضاً للفكر السياسي، فقد أثار زوبعة كبيرة عام 1935 بكتابه «الحكم المطلق في القرن العشرين» الذي شَنَّ فيه هجوماً لاذعاً على النظم الشمولية».

    وربما كانت الدراسة الأعمق التي استطعت الحصول عليها، هي التي كتبها المستعرب فنشنزو ستريكا، الأستاذ بجامعة نابولي الشرقية، ونشرها عام 1972 بعنوان «الفلسفة والدين عند عباس محمود العقّاد»، وهي دراسة في الشخصية كما يتَّضح من العنوان، ولكنها أيضاً كاشفة عن كيفية تلقي العقّاد في إيطاليا.

    يبدأ فنشنزو ستريكا دراسته مؤكِّداً أن ما كتب عن العقّاد في الغرب قليل، رغم أنه في العالم العربي حظي بمكانة عالية، وتمّ تكريمه، خاصة بعد وفاته عام 1964، تكريماً لائقاً بواحد من أكبر الكتاب العرب المحدثين. ويعزو الباحث هذا الفارق، ما بين كتابة العرب المستفيضة عنه، وكتابة الغرب النادرة، إلى أن الاستشراق الرسمي الحديث اعتبره «محافظاً»، ولا يميل إلى أن يعتبر نفسه «متوسطياً»، على عكس طه حسين الذي دعمه الاستشراق على نحو صريح باعتباره قائداً للنخبة البورجوازية العربية. وهذا هو السبب الذي دفع الباحث إلى دراسة إنتاج العقاد الفلسفي والديني لكي يقف على حقيقة مثل هذا الزعم الرائج، وكذلك موقفه من المسيحية والتيارات الفلسفية المعاصرة له، وهي الموضوعات التي عالجها العقاد في الكثير من الأعمال.

    توقف الباحث الإيطالي عند إبداع العقّاد الشعري، فكون مدرسة الديوان، وجمع أشعاره في 10 دواوين، اعتبرت من عيون الشعر العربي المعاصر حتى اعتبره بروكلمان رائد التحديث في الشعر العربي، واضطر طه حسين، رغم الخلاف الظاهر بينهما، لأن يعتبره عام 1959 «أكبر شاعر مصري». ويلمِّح فنشنزو إلى أن العقّاد كان يميل إلى المدرسة الإنجليزية في الشعرية، وأنه ابتعد عن المدرسة الفرنسية. وربما فسَّر ما انتبه إليه فنشنزو ستريكا من بعده عن الفرنسيين واقترابه من الإنجليز في التأثر الشعري بعضاً من «العداوة» التي واجهها من جانب النخبة المثقفة المصرية التي تميل تقليدياً إلى التأثر بالأدب الفرنسي، ومن غير النخبة ممن كانوا يكنّون للمستعمر الإنجليزي الكراهية. وينقل فنشنزو آراء عبد الفتاح الديدي ومحمّد الدياب في شعر العقاد الذي التزم بالعروض التقليدي، وكان شعراً فكرياً وفلسفياً وإنسانياً، مشيراً إلى هجومه على أصحاب مدرسة الشعر الحر مثل نازك الملائكة وصلاح عبد الصبور، من دون أن يستوعب جوهر إبداعهم الشعري. ويرى فنشنزو أن عمل العقاد الدؤوب والديناميكي والراسخ هو الذي وضعه ضمن كبار الأدباء العرب.

    أما عن فلسفته، وموقفه الفكري والديني، فقد نقل فنشنزو عنه، في سيرته الذاتية التي كتبها بعنوان «أنا» ونُشرت بعد رحيله،أنه كان مسلماً مؤمناً مقتنعاً، وأن هذا الاقتناع كان له تأثير حاكم على كافة أعماله. ويرى الدارس الإيطالي أن العقّاد كان محباً لجمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده، ولهذا فإن حركة التجديد التي قادها كانت حذرة ومعتدلة، بل وكان معادياً لأي فكر أو مذهب يمكن أن يهدّد جوهر الإسلام. وهكذا هاجم الماركسية من دون أن يلمّ بكافة جوانبها الاجتماعية، وهاجم كلّ الفلسفات التي عبّرت عما يقال عنه «أزمة القرن»، مثل الوجودية الإلحادية والمادية وما في حكمهما.

    كان العقاد يفضِّل توينبي على برتراند راسل وسارتر، وكما يقول فنشنزو كان يعتقد باستحالة أن يصل الإنسان إلى المعرفة الكاملة، مقترباً بذلك من التيارات الأكثر تشاؤمية في الفكر الغربي. وهذا الأمر يؤكّده ما نشره العقّاد في مجلة «الرسالة»، وجاء بعد ذلك في ثنايا كتبه، من تقديم للشاعر الإيطالي الأشهر ليوباردي، وترجمته لإحدى قصائده.

    وينقل فنشنزو عن العقاد حديثه عن الدين، باعتبار أن رؤيته الفلسفية هذه تقود حتماً إلى الاعتقاد الديني، وهو مقتطف طويل امتدّ على صفحة كاملة، من كتابه «يوميات»، ويشرح العقاد في هذا المقتطف كيف يعجز العقل عن فهم فكرة أو مفهوم، ولكنه يستطيع أن يفهم -بلا شك- أهمية الإيمان بالدين، وأن الخالق الذي يستحق إيماننا به ليس له حدود، ومن ثم لا يمكن احتواؤه في فكرة، فمن له كل هذه السمات لا يستطيع أن يحيط به عقل، فما حكم العقل في هذه الحقيقة التي يستطيع أن يؤكدها ولا يستطيع أن يؤكد غيرها؟ فهل يكون سبب الإيمان امتناعه؟ هل يكون الخلود عديم الفائدة في وجود الخالق، وعديم الفائدة في الإيمان، أو للإيمان بوجوده، بينما الخلود هو شرطه وسببه وعلّته؟ إن العقل يفهم على الأقل أن الإيمان هو ضرورة عقلانية، لأن علته ليست سدى، وليست سبباً في زواله أو رفضه. ومن ثم فالعقل يحتاج إلى دعم من الوحي والهدي الديني في الأشياء التي تستعصي على الفهم، لأنها بطبيعتها تستعصي على العقل. وهذا معناه أن العقل ليس له أية علاقة بالدين. وهذا ليس معناه أن العقل ضد الدين، ولكن يمكن القول إن العقل يحتاج إلى الدين. إن الدين هو احتياج عقلاني، وليس مضاداً للعقل. وتمتد الاحتياجات العقلية عند العقاد إلى معرفة الوجود الأزلي والإيمان بهذا الوجود الأزلي. ويصل العقاد في ذلك المقتطف المهم إلى خلاصة تقول: «الله قريب إلى كل ما يخطر على العقل، والذي يخطر على العقل موجود، حتى وإن كان لا يوجد شيء مشابه له في الوجود». وبهذه الرؤية يقترب العقاد، في رأي ستريكا، من تيار الوجودية الذي يؤمن من كيرجارد إلى جاسبرز بالبحث عن الكينونة المعتمدة على الله.

    ويخلص الباحث في نهاية بحثه إلى أن العقاد لم يخرج كثيراً عن الاتجاه المحافظ، وأن الوسط الذي عاش فيه الكاتب قد خفّف كثيراً من سلبية هذا الاتجاه، وهو اتجاه يناسب مصر بطبيعتها المحافظة وبوجود الأزهر المحافظ المعتدل في قلبها، وإن كان لا يسمح بالتحديث إلا بقدر.

    هكذا كان تلقي العقاد في إيطاليا، مفكراً عربياً كبيراً، محافظاً فلسفياً، لم يقدِّم على المستوى العالمي جديداً، ولكنه قدّم الكثير من الجديد على المستوى العربي، متمثلاً في التحديث المحكوم، أو كما يقول المثل القديم: «في قرن يركض بهذه السرعة ينبغي التفكير ببطء». على عكس طه حسين الذي كان أسرع من إيقاع عصره في التجديد، فاصطدم به وتصادم معه. ليبقى السؤال: كيف كان عصر التنوير الذي لعب فيه الكبيرانالعقاد وطه حسين دور البطولة؟ أحدهما كان محافظاً حذراً، والثاني كان مغامراً أقرب إلى التهور، والاثنان صبّا كل تجديد لهما على النخب البورجوازية. فإذا وضعنا في المقابل تجديد القرن التاسع عشر الذي لعب فيه البطولة رفاعة رافع الطهطاوي لوجدنا أنه كان أقرب إلى تنوير الشعب، بمدرسة الألسن التي كانت «تشبع الاحتياجات العلمية للأمة عن طريق الترجمة»، وكانت الكتب المترجمة بواسطتها تصل إلى أصغر نجع وكفر في أعماق مصر، لأنها كانت مرتبطة بالمدرسة، وبنظام التعليم، وبأبناء الشعب، الباب الحقيقي للنهضة والتنمية


     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صلاح حسن رشيد
    الأعياد في مرآة عباس محمود العقاد


    كان من عادة عباس العقّاد أن ينتهز مناسبات الأعياد الإسلامية، ليُسَجِّل بعض خواطره من النواحي الفكرية والدينية والاجتماعية واللغوية، ويستدعي إلى الذاكرة والشعور ما يرتبط بالعيد وأجوائه المُمَيَّزة من ذكريات ومُلاطفات تضرب بجذورها إلى أيام طفولته الباكرة، ويُحلِّل ويُفلسف رؤيته للعيد من منطلقٍ جامعٍ لمذهبه الفكري والحياتي، وفق قراءاته واستنباطاته. وجاءت مقالاته حول هذه المناسبات في شكلٍ مباشرٍ، أو غيرِ مباشرٍ، لطرافتها ووقعها الحَسَن والخفيف على أذهان القُرّاء، الذين ينتمون إلى ثقافاتٍ متباينة، وأعمارٍ مختلفة. وقد لاقت هذه الكتابات العقّادية عن العيد متابعةً وصدى طيِّباً من القُرّاء والمتابعين من المحيط إلى الخليج - كما يقول الدكتور محمد فتحي فرج الأستاذ بجامعة المنوفية بمصر، في بحثه عن العيد عند العقاد.

    ومع ذلك، فلم يكن يخلو كلام العقاد عن العيد من أفكارٍ عميقة، ومعان فلسفية تجمع بين العام والخاص، بين القديم والجديد، بين الذاتي والمجتمعي، وهو ما يدخل في باب"أدب الاعتراف"، أو"الترجمة الذاتية"! فقد كتب العقاد سلسلة من المقالات في أخريات حياته نشرها في مجلة"الأزهر"بين عامَي 1961 و1963، ومنها مقاله"العيد في الدين وفي اللغة"، الذي قال فيه:"وفي سياق هذه المقالات، التي نُتابِع فيها النظر في مزايا اللغة العربية، يتفق لنا أن نذكر مزيةً لهذه اللغة في كلمة العيد، بلفظها ومعناها"فإنَّ تسميةَ العيد بهذا الاسم تدل بأخصِّ معانيه، وهي الإعادة والتَّعييد، وليس لهذه الخاصية مدلولٌ مُفيدٌ في أسماء العيد بأكثر اللغات"!

    ويذكر العقاد بيت المتنبي الشهير:

    عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ!

    ويؤكد العقّاد تفرُّدَ العربية بمعنى العيد، فيقول:"فبعض أسمائه باللغات الأوروبية تدل على معنى الوليمة، ووفرة الطعام، وبعض أسمائه تدل على اليوم الديني، أو يوم البِطالة العُطلة، وليست هذه من خواصِّ العيد، التي ينفرد بها بين سائر الأيام. وبعض أسمائه الحديثة تُقابل كلمة السنوية، أو المئوية، وتصدق على احتفالٍ بعينه، يجوز أن يكون يوماً واحداً لا يُعادُ إليه، ويجوز أن يكون من غير الأعياد، لأنه من ذِكرى الكوارث، أو ذكرى الحِداد. أمّا كلمة العيد بصيغتها هذه في اللغة العربية، فهي أدلُّ من تلك الأسماء جميعاً على خاصته ومعناه".

    وفي مقالٍ آخرَ نشره العقاد في يوميات جريدة"الأخبار"القاهرية عام 1961 تحت عنوان"الأطفال هم الذين يخلقون العيد"عن سبب تسمية اليوم السابق للعيد باسم"الوقفة":"إنَّ الذين يتهمون اللغة العربية بضيق الحظيرة، ويظنون أنها تضيق عن اختراع المصطلحات المُتَّفق عليها في لغات العلوم الحديثة، خليقون أن يقفوا قليلاً يوم وقفة العيد الصغير، ليذكروا أنَّ كل مناسبة كافية لخلق الكلمة، التي تؤدي معناها الأصيل أو المستعار، فليس من العسير خَلْق كلمة تؤدي معنى المُخْتَرَع الحديث بمُلابسةٍ من المُلابسات، فإنها ستساوي على الأقل مُلابسة الوقفة في شهر رمضان. إنَّ الوقفة قبل العيد الكبير مفهومة"لأن الوقوف على عرفات ومناسك الحج فريضة من فرائض هذا العيد، ولكنْ ما هي الوقفة قبل عيد الفِطر؟ ولماذا نُسَمِّي آخر رمضان يوم وقفة، ولا وقوف فيه على منسكٍ من مناسك الصيام أو الإفطار؟".

    "إنَّ وقفة رمضان هنا مُستعارة من وقفة ذي الحجة، وفيها لنا درسٌ مفيد من دروس اللغة، نتعلم منه الشيء الكثير عن أسرار وضع الكلمات، أو نتعلم منه كفاية القليل من المناسبات لإطلاق الكلمة على المعنى المُصطَلح عليه، ثم يتكفَّل الاصطلاح بالبقية، فتُصبح الكلمة مفهومة متداوَلة على معناها المُستعار، بغير سؤال".

    ويلحظ العقاد تأثُّر المسيحيين بالمسلمين في ما يتعلق بالأعياد والمصطلحات المتعلقة بها، فيقول:"إننا سمعنا من بعض إخواننا المسيحيين من يُطلق اسم الوقفة على اليوم السابق لعيد القيامة"لأنها اكتسبتْ معنى اليوم الذي يسبق العيد، حيث كان، وانفصلتْ عن معناها الأصلي كل الانفصال".

    العيد هو الطفولة

    في مقال للعقاد في جريدة"الأخبار"القاهرية، قال:"الأطفال هم أكثر السائلين عن خبر هذا اليوم، فمراسمهم القديمة تُوْجِب عليهم تقليداً مُحترماً عندهم، لا يُحبون أن يغفلوا عنه إذا غفل الكبار عن تقاليدهم المُرْهِقة، وما يرتبط بها من التكاليف والنفقات"لأن الأطفال الصغار هم الذين تكفَّلوا قديماً بالنداء، أو بالصياح، حول البيوت: الليلة الوقفة وبعده العيد، ولا بدَّ من احترام الكبار هذه التقاليد إنْ كانوا مُنصِفين"لأن الأطفال الصغار هم في الحقيقة، وليس غير الطفل الصغير أحد يستطيع أن يخلق السرور حسب الميعاد، وكلما أراد ليكن عيد فهو عيد. وليكن سرور فلا مناص من السرور، ولا يحتاج الكبار إلى سببٍ للسرور أقرب من هذا السبب، الذي يستغني عن كل سببٍ آخر: أطفالهم مُستبشرون، فلا مناص لهم من السرور، طائعين أو مُكرَهين ... ومن شاء فليُجَرِّب عيداً في مكانٍ لا أطفال فيه، وليقل لنا كيف يستطيع أن يتصوَّره مجرد تصور، ولا تسأله أن يحققه لنفسه باليقين".

    ويورد الدكتور فتحي فرج كلاماً للعقاد من مقالٍ له بعنوان"ذكريات الطفولة ودروس العيد"، وفيه رجع العقاد بذاكرته إلى مرحلة طفولته، فتحدَّث عن تجربته في أسوان، وتجربة كل طفلٍ آخر، فقال:"من الأطفال تعلَّمنا أن الطفل شيء مهم في البيت، أو أننا نحن بذواتنا أشياء مهمة لأننا أطفال... وتبتدئ تهنئات العيد في الريف بعد مغرب الشمس من يوم الوقفة، وتكون مقصورةً في ذلك اليوم على الجارات القريبات من المنزل، لأن الغالب عليهنَّ أن يذهبنَ صباحَ العيد مُبكِّراتٍ إلى القرافة لتفريق الصدقة على أرواح الأموات. وتدخل الجارات واحدة بعد الأخرى، يُرَدِّدن صيغةً لا تتغير، تنتهي بهذا الدعاء يعود عليكِ كل سنة بخير. أنتِ وصغيريِنِكْ، وصاحب بيتك، والحاضرين والغائبين في حفظ الله، وقبيل المغرب تكون عملية التغيير، وتوزيع الملابس الجديدة على صغار البيت، قد ابتدأت على يد الوالدة، في نشاطٍ وسرعة، ولكنْ... وهذا هو العجب... في غضبٍ وشدة، وأحياناً في سخطٍ وصياح: تعال يا ولد... اذهبْ يا مسخوط... اِلحقْ اُدخلْ الحمّام"!

    ذكريات العيد

    ويضيف العقاد قائلاً:"ولقد تعوَّدنا هذا المُوَشَّح كل عيد على قدر ما تعيه الذاكرة في سن الطفولة، وأكثر ما يكون ذلك حين تزدحم الجارات، وحين تكون أقربهنَّ إلى الدار على استعداد للشفاعة، وترديد الجواب المألوف في هذه الأحوال: بعيد الشر. بعيد عن السامعين وقد خطر لي يوماً أنَّ هذا كثيرٌ على عملية التغيير، فرفضتُ الكسوة الجديدة، وذهبتُ صباحَ العيد إلى منزل جَدتي بثوبي القديم، فلما دخلتُ منزل جدتي أُم أُمي وهي ضريرة، سمعت الأطفال يعجبون، لأني لم ألبس جديداً في العيد"فقرَّبتني الجَدَّة العطوف إليها، وسألتْ في شيءٍ من اللهفة: ما الخبر يا ولدي؟ لماذا لم تلبس ثوبك الجديد؟ ألم يُحضِروا لكَ ثياباً جديدة؟ قلتُ: بلى، إنهم قد أحضروها، ولكنني أبيتُ أن آخذها من يد بنتك... لأنها تشتمنا وتزعق فينا. وجعلت تربتْ على كتفي، وتقول: وأنتَ العاقل يا عبّاس تقول هذا؟ إن أمك لا تُبغِضكَ، ولا تدعو عليك، ولكنها تَصْرِف النَّظرة. وفهمتُ معنى تصرف النظرة وخلاصتها أن رؤية الأُم في مساء العيد بين أطفالها الفرحين المُتهلِّلين بالعيد، تفتح أعينَ الحاسدات اللاتي حُرِمنَ الأطفال، ولا يحتفلنَ بـ تغييرات العيد هذا الاحتفال، فإذا شهدنَ أمارات السخط بدلاً من الفرح والرضا بطل الحسد، وسلِم الصغار وأمهاتهم من عيون الحاسدات". ويشير العقاد إلى معانٍ أخرى متعلقة بالعيد والسرور بقدومه، فيقول:"في تحية العيد وجوابها، قد جمعتْ بديهة الجماهير كل ما تُحَقِّق به السعادة العامة بين الجماهير. فمَنْ كان في خيرٍ، وفي صحةٍ، وفي سلامةٍ، فهو في عيدٍ سعيد".


     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    حسين أحمد أمين
    ذكريات عن عباس محمود العقاد الكاتب المعادي للشمولية



    يواصل الكاتب هنا كتابة ذكرياته عن شخصيات مصرية لعبت دوراً في الأدب والفكر العربيين، وهذه المرة عن عباس محمود العقاد:

    لا أذكر أنه جاء يزور والدي في منزلنا مرة واحدة، أو أن والدي زاره في منزله، على رغم أن كلاً منهما كان يكن احتراماً عميقاً لشخصية الآخر ولإنتاجه الفكري، وعلى رغم تجاور داريهما في مصر الجديدة، وتعاطف الاثنين مع الحزب السعدي أو على الأقل - كما في حالة والدي - مع قيادات الحزب، كالنقراشي وابراهيم عبد الهادي والدكتور السنهوري، غير أن العلاقة بينهما كانت دائماً ودية. ولا أحسب ان العقاد كان على اتصال اوثق بكبار ادباء عصره، كطه حسين او توفيق الحكيم او حسين هيكل، فكأنما كانت صداقته لإبراهيم عبد القادر المازني، وهي التي بدأت وهما في نحو العشرين، كافية تماماً لسد حاجة العقاد الى الصداقة والصديق.

    دأب على إهداء أبي كل كتاب جديد يصدر له، مسطراً على صفحته الاولى عبارة "إلى العالم البحّاثة أحمد أمين"، فلما اصدر والدي سيرته الذاتية حياتي العام 1950، صار العقاد يضيف الى اهدائه كلمة "الأديب". وما زلت اذكر، في شيء من العجب والاشفاق، فرحة والدي بهذه الاضافة، وباعتراف العقاد به أديباً، بعد أن كان لا يرى فيه غير عالم باحث. ولا بأس من أن أضيف هنا أن والدي كان شديد الحساسية لنقد كتاباته، مدحاً كان او ذماً، يطرب اشد الطرب لأية اشادة بها، وقد لا يعرف النوم إن قرأ مقالاً ينال منها.

    غير أن العقاد كان كثيراً ما يتصل هاتفياً به، إما لسؤال عما دار في جلسة لم يحضرها من جلسات المجمع اللغوي، او للاطمئنان على صحته، أو لمباحثاته بشأن أصل احدى الكلمات او واقعة في التاريخ الاسلامي. وكان يصادف احياناً ان أرد على مكالمته الهاتفية فأحاول الدخول معه في دردشة حول كتاب له أقرأ فيه، أو أتممت قراءته:

    - كم سنّك يا جحش؟

    - عشرة.

    - تقرأ "عبقرية عمر" وأنت في العاشرة؟ لا أظنك فهمته.

    - بل فهمته. فاسألني فيه إن احببت.

    - ليس لدي وقت لسؤالك فيه. نادِ لي أباك!

    كنتُ مع اثنين من اخوتي نحرر في صبانا مجلة سمّيناها "رجال الغد"، نكتبها بأكملها بخط اليد، ثم نصدر منها عدة نسخ كربونية نتداولها في محيط الاسرة والاصدقاء. ما أعجب له هو جرأتي وأنا بعد في العاشرة أو الحادية عشرة على الاتصال هاتفياً بكبار الادباء من اصدقاء والدي ليوافوا مجلتنا الصبيانية بكتاباتهم، ولا أزال أذكر اتصالي بالعقاد ومحمود تيمور كي يكتبا لنا تحت عنوان "أجمل أيام حياتي". فأما تيمور فكتب مقالاً بالغ الطول ارسله الينا بالبريد، ثم عاد بعد سنوات فنشره في احد كتبه. كذلك استجاب العقاد لمطالبنا، غير انه اصر على حضورنا اليه لاستلامه، وكان هذا هو لقائي الاول به. وأجدني الآن اسائل نفسي عن مدى احتمال أن يستجيب كبار الكتاب اليوم لمثل هذا المطلب من صبية في نحو العاشرة يصدرون مجلة مكتوبة بخط اليد!.

    لم يمتلك في حياته سيارة قط، ولا اقتنى والدي واحدة حتى بلغ الستين، وإنما كانا يستخدمان في تنقلاتهما الترام حين كانت وسائل المواصلات العامة في مصر صالحة لاستخدام الآدميين. وكنت كثيراً ما أراه في الترام في روحاته وغدواته، وكذا في مكتبة "الانجلو المصرية" التي كانت تتولى نشر كتبه. فإن دخل المكتبة بقامته العملاقة المهيبة وطربوشه وكوفيته الطويلة الشهيرة، سارع موظفوها الى استقباله بحفاوة بالغة، فيبادر بسؤال أحدهم بصوته الضخم: فين سيدك الحمار؟! فيهرع صاحب المكتبة اليه منحنياً على يده ليقبلها، ثم يأتيه بكرسي يجلس عليه، وبكوب من القرفة يحتسيه، وبالكتب الحديثة مما ورد الى المكتبة حتى يتصفحها وينتقي منها ما يحب. وقد يهم شبابنا اليوم أن يعرف أنه ما من إعلان كان ينشر في الصحف عن أن كتاباً جديداً للعقاد سيصدر في اليوم التالي، حتى كان طابور قرائه يصطف أمام مكتبة الانجلو المصرية قبل ان تفتح ابوابها بنصف ساعة او ساعة يوم عرض نسخ الكتاب للبيع.

    كانت سلسلة "العبقريات" للأسف، هي أكثر كتبه اجتذاباً للقراء ولي في صباي: عبقرية محمد - عبقرية عمر - عبقرية الإمام - عبقرية الصديق - عبقرية خالد... إلى آخره. وكذا روايته "سارة" وكتابه "هتلر في الميزان" الذي أصدره العام 1940 يهاجم النازية وصاحبها أعنف هجوم، وهو ما اضطره الى الفرار الى السودان حين اصبح جيش رومل قاب قوسين من الاسكندرية. كذلك قرأت له كتاب "الله" وأنا في الخامسة عشرة. أما انتاجه الجيد حقاً فقد تأخر اطلاعي عليه على رغم سبق تاريخ صدوره لكل تلك الكتب: "سعد زغلول"، "ابن الرومي"، ثم فوق كل شيء، دواوين شعره. ففي رأيي اليوم أن شعره اعظم بكثير من نثره، وأنه يمثل افضل انتاجه، على رغم ما واجهه من نقد عنيف اثناء حياته، بخاصة من مصطفى صادق الرافعي، واسماعيل مظهر وغيره من شعراء "أبولو"، ومحمد مندور صاحب المقولة المشهورة إن شعر العقاد "لا شأن له بالشعر". ومع ذلك فإني أجدني اتعاطف بعض الشيء مع صلاح عبد الصبور اذ يذكر أن العقاد اساء الى موهبته الشعرية الحقيقية بإقحام الفلسفة في قصائده.

    بعد وفاة احمد شوقي بعامين، أي في عام 1934، ذهب الكثيرون الى تلقيب العقاد بأمير الشعراء، كما اصبح بعد ثورة 1952 رئيساً للجنة الشعر في المجلس الاعلى للفنون والآداب. كان بكل تأكيد، وعلى رغم التزامه في قصائده بقيدي الوزن والقافية، مجدداً في شعره، مؤمناً بضرورة هذا التجديد في المعاني وأسلوب السرد بحيث تنساب المعاني في تسلسل منطقي من اول القصيدة الى آخرها، فلا يصبح كل بيت فيها قائماً بذاته كما هو الحال في معظم الشعر العربي من عصر الجاهلية الى شوقي وحافظ. وقد ادى ذلك به وبالمازني الى التهجم على أحمد شوقي والسخرية به، قائلين إن التغيير العشوائي لترتيب الابيات في قصائده لا يُحدث في فهمنا لها تغييراً ذا شأن. وقد آلم شوقي كثيراً هذا النقد الذي سمم ايامه الاخيرة، غير ان القدر انتقم له، فأصبح شعر العقاد نفسه هدفاً لانتقادات اكثر حدة من جانب انصار الشعر الحديث، خصوصاً من الشيوعيين، وبات مثالاً عندهم لرجعية النظم بعد ان كان في يوم ما مثالاً للجرأة والثورية والتحرر. بيد أن الحساسية المفرطة للنقد لدى شوقي لم تكن قائمة عند العقاد الذي رد على اليساريين بهجوم أعنف وأقسى، وسخر سخرية مريرة بشعرهم المنثور، وبمحاولاتهم إدخال المزيد من التجديد بعدما ادخله هو بعد شوقي وحافظ.

    لم يكن اليساريون وحدهم من نصبوا انفسهم لعداء العقاد، فقد اشترك في الهجوم عليه الوفديون الذين كان العقاد احد اقطاب حزبهم، وذلك بعد ان اختلف العام 1936 مع قيادة الحزب ثم انضم العام 1937 الى حزب السعديين الذي أسسه المارقون من الوفد بزعامة أحمد ماهر والنقراشي، وبعد ذلك فإني لا أذكر - ولا أحسب - أن هذه الخلافات السياسية مع العقاد أثرت في شعبيته لدى جمهور القراء، أو في حجم توزيع كتبه، او الاقبال على حضور صالونه الاسبوعي في مسكنه، كذلك لم يؤثر في احترام الناس له اضطراره احياناً الى مدح الملك فاروق في شعره بعد تحوله الى الحزب السعدي، وهو حزب لم يكن شعبياً في اي وقت من الاوقات، وكان يعتمد دائماً في الوصول الى الحكم على مساندة القصر والتآلف مع حزب الاحرار الدستوريين وغيره من الاحزاب الصغيرة. ومع هذا المديح لفاروق، بلسمٌ في يمين فاروقَ يُشفي كل جرح به عصيّ الشفاء!، فإن الملك لم يغفر له أبداً تجرّؤه على أبيه حين وقف في البرلمان عقب تعطيل وزارة اسماعيل صدقي للدستور بإيعاز من فؤاد يصيح: ان الشعب على استعداد لتحطيم أكبر رأس في البلد إن هو حاول العبث بالدستور. وقد كان هذا هو السبب في أن فاروقاً لم ينعم على العقاد حتى بعد "توبته" بأي لقب.

    ومع ذلك فقد مُنح عام 1948 جائزة فؤاد الاول للأدب، وهي جائزة قدرها ألف جنيه تبرع بها فاروق، وتُمنح لمن ترى اللجنة الدائمة لجوائز الدولة أهليتهم لها. وقررت اللجنة وقتها منح الجائزة لأربعة: طه حسين، والعقاد، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل. غير أن الملك، عندما رفعت اليه القائمة لإقرارها شطب بيده اسم طه حسين منها باعتباره وفدياً معادياً، ثم تردد في إقرار بقية الاسماء بالنظر الى أن هيكل من الاحرار الدستوريين، بينما العقاد وأحمد أمين في رأيه، من السعديين، وأشار الى اختيار رجل واحد من كل من الحزبين. لكن اللجنة أبت أن تستبعد العقاد او أحمد أمين، وأرسلت الى الملك من أفهمه ان الثاني ليس سعدياً، وأن الأمر يتصل بالأدب لا السياسة، فقبل الملك في النهاية. والظاهر أن الملك كان وقتها يهدف الى أن تستبعد اللجنة اسم العقاد بعد ان وافقت على استبعاد طه حسين، غير أن الظاهر أيضاً أن رئيس الديوان الملكي وقتها وهو إبراهيم عبدالهادي ثاني اقطاب الحزب السعدي هو الذي شفع للعقاد وأفلح في إقناع فاروق باستبقائه. فكان أن رفع فاروق قيمة الجائزة إلى ثلاثة آلاف جنيه حتى يُمنح كل فائز ألفاً.

    كانت زيارتي الثانية للعقاد في داره بعد اكثر من عامين من قيام ثورة يوليو تموز 1952، وهي الثورة التي رحب العقاد بها، وكتب في تأييدها، ربما لأنه لم يلق من فاروق إقبالاً عليه بعد أن مدحه وأبدى استعداده لتعديل موقفه من النظام الملكي، غير أنني ذاكر أولاً قصة طريفة سمعتها عنه، وهي عن كيف أن عبدالناصر كلف من يتصل بالعقاد هاتفياً ليخبره أن السيد الرئيس يرغب في لقائه، فحدد العقاد الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي موعداً للقاء. وفي العاشرة والنصف من ذلك الصباح عاد الرجل الى الاتصال هاتفياً به ليسأله عن السبب في عدم حضوره لمقابلة الرئيس فكان جواب العقاد:

    - الحضور إلى أين؟ لقد انتظرته في بيتي أكثر من نصف ساعة فلم يحضر!

    كنت قد التحقت مذيعاً بالإذاعة المصرية في شباط فبراير 1954، وفي صباح يوم 14 تشرين الاول اكتوبر من ذلك العام، حضر العقاد الى دار الإذاعة لتسجيل حديث، وظل مدة تقرب من الساعة ينتظر المهندس المسؤول عن التسجيلات فلم يحضر، عندئذ ثار العقاد ثورة عنيفة، متهماً ذلك الموظف بأنه لا بد شيوعي، تغيب عن عمد لمجرد إغاظته لما يعرفه عنه من عداء للشيوعية. وأعلن العقاد صائحاً وهو يهبط السلّم ليترك دار الاذاعة انه سيقاطع الاذاعة الى الابد، ولن يعاود تسجيل الأحاديث لها. وإذ سمع مدير الاذاعة ظهراً تفاصيل القصة، استدعاني الى مكتبه، وكلفني التوجه الى منزل العقاد مساء لتقديم الاعتذار نيابة عنه، وتولي التسجيل له بنفسي، مقدراً أن صداقة العقاد لأبي ستجعله يقبل ما أنقله اليه من اعتذار. واستقبلني العقاد ذلك المساء أجمل استقبال، وإن كان اسمعني بعد اجراء التسجيل مزيداً من آرائه في موضوع الشيوعيين. والواقع انني فوجئت يومها إذ ألمس كيف كان في وسع هذا الرجل المشهور عند جمهور الناس بالجهامة والعبوس والعنف والقسوة، أن يتبسط ويتلطف، وأن يظهر في داره من كرم الضيافة وحب الفكاهة والمزاح ما لا يعرفه الكثيرون عنه.

    يكاد العقاد في واقع الأمر أن يكون المفكر والكاتب الوحيد في تلك الحقبة الذي استطاع أن يصمد في قوة في وجه التيار اليساري في مصر، كان الأدباء والنقاد اليساريون أفلحوا خلال سنوات قلائل لا تتجاوز العشر في خلق جو من الإرهاب في الحياة الفكرية المصرية لم تعرفه من قبل او من بعد، على رغم ان الحكومات المتعاقبة كانت تتشدد في مكافحتهم وتصادر جرائدهم وكتبهم، وتزج بهم في السجون، وتتخذ الاجراءات المتاحة كافة وقتها للحيلولة دون انتشار نفوذهم وتأثيرهم. وكان لثقتهم التي لا تعرف حداً في بيانهم الأسس الماركسية للنقد والأدب والفن، وأسلوبهم الصلف في الكتابة، وعدم ترفعهم عن السباب والطعن، أثرها الغريب لا في إرهاب الكُتاب والفنانين وحدهم، بل القراء ايضاً، بحيث اصبح الاديب في حاجة الى شجاعة نادرة - كشجاعة العقاد - حتى يكتب قصيدة او قصة قصيرة غير اشتراكية، والرسام حتى يرسم لوحة لغير "الكادحين"، وأصبح النقاد - شيوعيين كانوا او غير شيوعيين - يتخذون مذهب الواقعية الاشتراكية معياراً للحكم على مدى جودة العمل الفني، وترددت على ألسنة القراء عبارات مثل: "أديب بورجوازي - رواية تقدمية - أدب انحلالي - رجعي عاجز عن التطور - أدب يعبر عن مصالح الطبقة النامية"، وقد آثر بعض الكتاب ازاء هذه الموجة الصمت وإنهاء حياته الادبية، في حين سارع البعض الآخر يؤكد للناس أن أدبه في واقع الحال لو تأملوا وأنصفوا، أدب شعبي تقدمي، وأن تغزله في شعره في امرأة يرمز الى تعطشه الى الاشتراكية، ثم يتملق الادباء والشعراء الجدد من اليساريين، ويكتب المقدمات لمؤلفاتهم ويبارك نشاطهم، ويقدم على تأليف كتب جديدة تتفق في ظنه مع الماركسية، كمسرحية "الصفقة" لتوفيق الحكيم. وربما كان العقاد أحد القليلين، او هو وحده الذي شهر سلاحه للنزال، ومبادلة الطعن بالطعن والعنف بالعنف، والسب البذيء بالسب البذيء.

    كان الرجل إلى حد بعيد - وعلى رغم مدحه لفاروق بعد انضمامه الى السعديين - مخلصاً في معتقداته، قد يقال ان الانكليز هم الذين اوحوا اليه بكتابة "هتلر في الميزان"، غير انه سبق ان هاجم الشمولية هجوماً عنيفاً في كتابه "الحكم المطلق في القرن العشرين" الذي الفه العام 1928، قبل وصول هتلر الى الحكم بخمس سنوات، وقد يكون تهجم اليساريين على شعره من بين الحوافز له على مهاجمة الماركسية. غير انه لا سبيل الى الشك في انه كان يمقت أو يكره أو يستفظع النظم الشمولية جميعاً، يمينيها ويساريها على سواء، وانه كان يمقت الملك فؤاد ورؤساء حكوماته الاستبدادية كإسماعيل صدقي.

    ما يحيرني منه هو موقفه من الإسلام، فهو في مجالسه الخاصة وندواته الاسبوعية التي حرصتُ على حضور بعضها، كان يبدو صريح الإلحاد، صريح الاستخفاف بالعقائد، وقد تبدر منه فيها من التعابير ما يصدم مشاعر بعض جُلاسه، ومع ذلك فما اكثر ما كتبه من كتب ومقالات في نصرة الإسلام، كما في المقالات التي كتبها لصحيفة "الدستور" عامي 1908 و1909 وهو لا يزال دون العشرين، ثم "العبقريات" المشهورة التي بدأت بعبقرية محمد عام 1942 - أثر الحرب في الحضارة الاوروبية - الفلسفة القرآنية - الديموقراطية في الاسلام - فاطمة الزهراء - بلال - أبو الانبياء الخليل ابراهيم - الاسلام في القرن العشرين: حاضره ومستقبله - مطلع النور وطوالع البعثة المحمدية - حقائق الاسلام وأباطيل خصومه - التفكير فريضة اسلامية - المرأة في القرآن الكريم - الثقافة العربية اسبق من ثقافة اليونان والعبريين - الإنسان في القرآن الكريم - ما يقال عن الإسلام - الإسلام دعوة عالمية... مثل هذا الكم الضخم دليل على عمق انشغال فكر الرجل بالإسلام، وربما على إخلاصه في الإيمان به، وامتعاضه من أي مساس به يأتي من الغرب ومستشرقيه، وهو كمٌّ لا يمكن الاقتصار في تفسيره على القول إن الثلاثينات - عقب الازمة الاقتصادية العالمية التي مسّت آثارها مصر، وعقب اشتداد ساعد جماعة الإخوان المسلمين وانتشار تأثيرها - شهدت تحولاً ملحوظاً من جانب عدد كبير من الكتاب في مصر الى الكتابة عن الاسلام، تطلعاً الى مزيد من الشعبية والرواج لكتبهم.

    كان رفيع اللغة، موسوعي الثقافة، يغترف من الآداب الاجنبية والعربية من دون تمييز ومن دون تحيز، فيمتزج في كيانه مختلف الثقافات من دون ان يشعر بما يشعر به أناس يومنا هذا من تمزق وحيرة بين التراث والمعاصرة، أو ضرورة للاختيار بين الحديث والقديم، أو بين ثمرات الفكر العربي والاجنبي.

    ومع ذلك فقد كان ثمة كلَفٌ على الشمس، فكثيراً ما كان - على حد تعبير العامة - "يستعرض عضلاته"، ويوحي الى القارئ بالتباهي بسعة اطلاعه، ويتنقل عامداً من هذا الموضوع الى ذاك لمجرد الرغبة في أن يكشف عن غزير علمه، وحتى يتطرق العجب الى عقل هذا القارئ كيف حصّل كل هذه المعرفة مَنْ لم يحصل من الشهادات على غير الابتدائية؟

    وفي هذه الحقيقة بالضبط تكمن الاجابة ويكمن السر. هو عالم لا شك في ذلك، وقرّاءة من دون ريب، غير أن ما يبدو للكثيرين انه كعالم هو رد فعل محض لقصور تعليمه المدرسي، وما يبدو لهم أنه غرور من الرجل لا يكاد يطاق، قد يكون مجرد قناع يخفي وراءه ضعف ثقة ناجم عن خلو جعبته من الشهادات التي يرى فيها الحمقى من بني قومه دليلاً على تحصيل المعارف. وقد حصّل العقاد من المعارف ما لم يحصله غير من لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليد الواحدة، وخرج على الناس بكتب يزيد عددها على أضعاف أضعاف عدد أصابع اليدين، وهي كتب - حتى إن كان اكثرها سيصير بمرور الايام الى طي النسيان - جزلة قيّمة، وكان لها تأثيرها العميق في نفوس قرائها وقت صدورها، كتب لا يتمكن اتهام مؤلفها بالاستخفاف بعقلية قارئه، أو بالتعجل غير المغتفر في انجازها، أو بقلة الصبر على دراسة المراجع في صددها، وتقليب الذهن في موضوعها، وإنما يشينها أنه بإقباله على قراءة كل ما وقعت عليه يده من دون تمييز، وفي كل فروع المعرفة من دون تخصص او تعمق، فشل في أن ينتج فكراً متسقاً متلاحم الجوانب، يدعم بعضه بعضاً. فإذا بذلك الصرح العملاق الذي قضى أكثر من نصف قرن في تشييده يبدو - شأنه في ذلك شأن سلامة موسى - مفتعلاً، مهلهل النسج، مفتقراً الى الاحكام والى اللمسة الشخصية المتفردة.

     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد الحميد البرنس
    صفحات منسية يرويها آخر تلاميذه الأحياء . عباس محمود العقاد بين "جهامة" و"مهابة"


    عباس محمود العقاد كاتب شغل الحياة الفكرية والادبية والسياسية في مصر والعالم العربي طوال النصف الاول من القرن العشرين بمقالاته وتحليلاته ومعاركه التي بلغت به ذات يوم حدّ عبارته الشهيرة في المجلس النيابي اواخر العشرينات: "انني مستعد لأن أسحق أكبر رأس اذا حاول ان يعبث بالدستور"! في ذكرى ميلاده العاشرة بعد المئة، حاورت "الوسط" الاستاذ عبد المعز الشريف المحامي في محكمة النقض والمحكمة الدستورية والادارية العليا في مصر، بوصفه من آخر تلاميذ العقاد الأحياء. لم يكمل العقاد السير في طريق الكتابة، وفي شهادته وأقواله، محاولة، لتصحيح الصورة الرائجة عن العقاد.

    < ما مدخلك الى حياة العقاد؟

    - مدينة أسوان، كانت مدخلي الى عالم العقاد الرحب، فقد كنت أحضر مجالسه هناك.فنحن، اهل هذه المدينة، والعقاد من أهلنا وأهل بلادنا، كان لا يبلغ منا الرجل العاشرة إلا ويقرأ للعقاد. وأذكر، بعد أن تم قبولي في جامعة فؤاد، انني كنت احضر، ونفر من ابناء اسوان، في مجلسين للعقاد، مجلس للعامة يتناوله انيس منصور، "في صالون العقاد كانت لنا أيام"، دار الشروق، القاهرة، 1988، ومجلس للخاصة. وكان يعقب المجلس الاول عادة، حيث كانت شقة العقاد الخاصة به تواجهها شقة اخرى، خصصها لاستضافة من يحب من أهله وذويه. وفي مجالسه هذه، بين اهله ومحبيه، كان الامر بغير حدود، بمعنى ان من يريد ان يسأل العقاد في أمر خاص به، أو بأسرته، او زيادة في معرفة ما، لم يكن يخيب له رجاء.

    < انت عرفت صراحته عن كثب ...

    - إن صراحة العقاد اللامتناهية جلبت اليه الكثير من المتاعب، إذ أدت الى تكوين انطباعات خاطئة عن شخصيته. فمثلاً، يرى كثير من الناس ان في شخصيته "جهامة"، والحقيقة ان فيها "مهابة". فهو رجل واسع المعرفة، ثاقب التفكير وأنيس الى جلسائه في آن. ففي مجال الفكاهة، كان يكفيه ان يسمع مفارقة بسيطة حتى ينفجر ضاحكاً من أعماقه، وكنت أعجب لهذا، لكني، مع مرور الوقت، أدركتُ أن الامر، اذا تعلق بمثل العقاد، فهو إراحة للعقل، وهدوء للذهن.

    < يرى بعضهم أنه كان محدود العاطفة؟

    - عاطفة العقاد لا حدود لها. لكنه، في هذا الجانب، كان يجد امراً يجب التوقف عنده. فقد كنا عنده بُعيْد وفاة والدته التي أحبها كثيراً، كان ذلك في منزله في ضاحية مصر الجديدة، وكنا مجموعة من اصدقائه والمقربين لديه. ونظرنا الى وجه العقاد، فوجدنا انه غير قابل للحديث. لا لأنه زاهد فيه، بل لأنه متأثر بوفاة والدته، وغير قابل لسماع أمر في هذا الخصوص. فجلسنا، وقد جئنا لتعزيته، والى انفضاض المجلس، لا يكلمنا ولا نكلمه. بهذه الصورة، كانت عاطفة العقاد الشديدة المتوقدة الحساسة تصل حد الإنغلاق. فهو تجميد للعاطفة، وتكثيف لها، بحيث تصل الى كتلة من الاحاسيس غير قابلة للتعبير، ويكفي فيها الموقف. هكذا رأيت العقاد. اما العنف، الذي يقول خصومه السياسيون ان العقاد مشهور به، فهو عنف في سبيل الحق. فنحن لا نطلب من رجل مناضل في الفكر والسياسة ان يستأنس خصومه في الفكر والرأي. وهذا ما جعل خصومه من الكثرة بمكان.

    < كيف كانت علاقته بأهله؟

    - علاقة متميزة، تكشف عن ثراء إنساني حميم في شخصيته، من ذلك، رأيت، في منزله، في شارع عباس فريد في أسوان، أبناء أخيه، وهم أطفال صغار، يعتلون كتفه، وظهره ويأنسون به أُنساً شديداً. وأنس الاطفال ليس فيه افتعال. فهم أقدر الناس على معرفة النفس اللينة الطيبة. كان العقاد يحب اهله كثيراً، فعلى ما أعرفه، على ما قرأتُه من اوراق مكتوبة بخطه، كان يبعث من ماله الذي يكسبه من الصحافة والادب، وبصورة شهرية، الى بيته في اسوان. كان يذكر، في رسائله، اسماء رجال ونساء واولاد، يعطي لكل منهم قيمة من هذ المبلغ. وكان، وهذا ما لم يعلمه احد، يخصص جزءاً منه لقراءة القرآن في داره. فالعقاد كان شديد التعلق بما نسميه التراث الفكري والادبي. والقول بأنه كان جهماً، او محدود العاطفة، قول غير صحيح. لقد كان سهلاً، باراً بأهله، ليناً ومتسامحاً، وشديد الحياء، لا سيما حين يحادث سيدة.

    < ماذا عن علاقة العقاد بـ "المرأة"؟

    - الدخول الى خصوصيات العقاد، او معرفة علاقته بالجنس الآخر، لم يكن بالأمر السهل. فالعقاد لا يتحدث في هذ الامر، ولا يجرؤ أحد على محادثته فيه. فاذا قلنا إننا لم نستطع أن نعزيه في امه بكلام مباشر، فما بالك اذا كان الامر متعلقاً بمشاغل العقاد القلبية؟! حياة العقاد الخاصة، الخاصة جداً، امر لو تحدثت فيه، انما اتحدث عن طريق السماع، لا التأكد والصحة، ولذلك، أتجنب الخوض في هذا الامر، احتراماً لرجل آثر ان تكون خصوصيته ملكاً له.

    < في أسوان، كيف كان يعيش؟

    - كان يفتح داره لبسطاء الناس ومحبيه، اذ كانت تضم صالة كبيرة تُملأ بالمقاعد. وكان الحديث يدور، في الغالب، حول اسوان، وشخصيات أسوان القديمة، وفكاهة الاقدمين، وبعض المسائل الراهنة آنذاك. وكان العقاد يسعد بهذه المدة التي يقضيها في مسقط رأسه، ويحرص عليها، فهي انسب الاوقات اليه من ناحية الاستعداد والصحة، اذ كان يشكو من سهولة اصابته بالبرد والزكام. واذكر، من الصور الأسوانية، أن العقاد كان يسير كل صباح، بين السابعة والتاسعة، بصحبة بعض اقربائه، بمحاذاة النهر حتى يصل الى الصخور التي يطلق عليها "منتزه فريال"، حيث كان يسعد برؤية هذه الصخور والماء يمخر فيها متجهاً الى الشمال. وهي المنطقة التي تشكل بداية للشلالات المتراصة من أسوان حتى المديرية الشمالية في السودان.

    وعلى ذكر السودان، كان العقاد - لا سيما اثناء المفاوضات بين سعد باشا والانكليز - يرى ان السودان هو المنطلق الوحدوي الصحيح للامة العربية. وهو حكى لنا، بعد عودته من لجوئه الشهير الى السودان تجنباً لخطر النازية، انه رأى في الخرطوم عدداً من ابناء مديرية أسوان الذين جاءوا للاحتفاء به من بعض المدن السودانية، وكان من بينهم شخص يُدعى عبده حكوم، وآخر اسمه أمين طاهر. وذكر ان الحديث بينهم كان يدور حول: "هل أنا أكبر منهم، أم هم أكبر مني سناً؟". ويقول العقاد: "كنت آنس لمثل هذا الحديث، استرجع به طفولتي. كانوا يذكرونني بأيام بعدت عن ذهني نتيجة الانغمار في الحياة السياسية والفكرية والادبية. كانت مثل هذه الأمور سبباً في أني أصبحت أكثر أُنساً في السودان، فلم أشعر بأنني مهاجـر من مصـر اليها" >

     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    رانيا سعد الدين
    على عكس الجميع كان يتفاءل بالبوم والرقم 13پ: محمود عباس العقاد ... منزله يرسم خطوات حياته


    مع حلول الذكرى التاسعة والأربعين لرحيل الأديب عباس محمود العقاد، لا تزال أسرته تفتح أبواب منزلة لعشاق أدبه حتى يتحسسوا بأنفسهم كيف عاش هذا الأديب.

    في 13 آذار مارس عام 1964 رحل عنا عملاق الفكر العربي عباس محمود العقاد تاركاً منزله الكائن في العقار الرقم 13 في شارع شفيق غربال في مصر الجديدة. وهو منزل كان شاهداً على فعاليات الثقافة العربية، بما تضمنه من صالون جمع المثقفين الذين كانوا يحرصون على الحضور لتأكيد علاقتهم برجل كان وما زال من علامات الثقافة العربية.

    عند مدخل المنزل، تقبع شجرة عتيقة كانت أول ما يرحب بالعقاد عند وصوله إلى البيت وقبل أن يدلف إلى الداخل ليعد تلك السلالم التي ذكرها في كثير من كتاباته، وكتب عنها في أخريات حياته.

    قبل سنوات قليلة كان صالون العقاد لا يزال حياً، فقد حرص تلاميذه على اجتماعهم الأسبوعي يوم الجمعة وكأن العقاد لم يزل بينهم، واستمر هذا التقليد أكثر من ثلاثين سنة بعد رحيل العقاد لكنه توقف الآن تماماً.

    كان لنا موعد مع العقاد متمثلاً في أبناء أخيه الذين رحبوا بمرافقتنا في زيارة خاصة لمنزل يبدو من الخارج مهيباً بطرازه الفرنسي الأنيق وشجرة الكافور العملاقة التي تستأنس بها البوابة العتيقة والتي بجوارها كاد العقاد يفقد حياته، عندما أطلق المتظاهرون عليه الرصاص بعد مقال صاخب انتقد فيه مصطفى النحاس باشا رئيس حزب الوفد المصري وزعيم الأكثرية والشعبية الساحقة في الوقت ذاته.

    البوم والرقم 13

    كان العقاد بعقله الناضج لا يترك نفسه أسيراً للتقاليد والموروثات التي تحولت إلى ثوابت في حياة كل البشر، فكان أكثر ميلاً إلى التمرد على كل ما لا يقبله عقله، فنراه لا ينفر من الرقم 13 الذي يحمله منزله والذي يتشاءم منه الناس، وكان يقول:"أفضل الرقم 13 فهو يوم أعيشه في كل شهر أصيب فيه أكثر مما يصيب غيري، وهو رقم بيتي. ولا أنفر من البومة فليس من شأنها أن خلقها الله قبيحة في عيون البشر"، بل إنه كان يضع نموذجاً للبوم فوق مكتبة، وتشاء الأقدار أن يكون الرقم 13 هو أيضاً يوم رحيله عن الدنيا.

    نعبر الواجهة الخارجية للبيت إلى حديقة صغيرة لم تمتد إليها يد العناية منذ وقت بعيد، وتعد خطواتنا درجات السلم العجوز، وفي الذهن كلمات العقاد التي سطرها في أحد كتبه عندما كان يتحدث عن هذه الدرجات نفسها فيقول:"صعدت سلالم هذا المسكن ثلاثاً ثلاثاً، ثم صعدتها اثنتين اثنتين، ثم ها أنا أصـعدها درجـة درجة على غير عجلة ولا اكتراث".

    نصل إلى الشقة في الطبقة الثانية. إلى يمين الـسلم على الـباب لـوحة نحـاسـية صـغيـرة عـليها اسم عـباس مـحـمود العقاد، وتـقـودنا الخطـوات التالية إلى صالة واسعة تنتمي إلى عصـر الـعقاد، على جدرانها لوحات وصـور متـعددة تـمـثل مراحل مـخـتلفة من حياة الأديب الكـبـير، وصـورة لإمـام عـصـر التنوير الشيخ محمد عبده وأخرى لأستاذه جمال الدين الأفغاني، وبجوار الشرفة تمثال نصفي صغير للعقاد على يساره ثلاجة صغيرة من طراز عتيق اشتراها قبل موته بسنوات قليلة وكانت آخر مظاهر التكنولوجيا الحديثة التي أضيفت إلى البيت.

    ننتقل خطوات فوق مربعات الأبيض والأسود التي تكسو بلاط الشقة العاري القديم. هكذا، كان العقاد ينظر إلى الدنيا بمنظار من لونين أبيض وأسود، كان واضحاً كالشمس صارماً كالسيف يكره ضبابية اللون الرمادي ولا يعرف أنصاف الحلول ولا أرباع المواقف، وإنما ينطق برأيه في المواقف والرجال بجرأة لا تقبل التأويل. ومن أجل هذه الصراحة الجريئة دخل العقاد السجن بجريمة العيب في الذات الملكية، عندما أبدى رأيه بصراحة في الملك فؤاد وموقفه من الدستور.

    ما زالت أعيننا تتجول بلهفة في منزل العقاد فوق الجدران المزينة بالكثير من الصور واللوحات. وبجوار الباب تسرق كل الانتباه لوحة صلاح طاهر الشهيرة"طبق العسل"التي رسمها بناء على طلب العقاد بنفـسـه بعـد قـصة حبه الفاشلة مع السيدة التي كتب حكايته معها في روايته الوحيدة"سارة"، وتمثل اللوحة:"فطيرة حلوة يشتهيها الجائع والشبعان".

    وتكسر السيدة صفية العقاد ابنة أخيه جدار الصمت، لتروي كيف جاء أحد الأثرياء العرب من هواة جمع التحف بعد وفاة العقاد بسنوات قليلة ليضع بين يدي العائلة شيكاً على بياض، في مقابل هذه اللوحة بالذات،"لكن، لم يوافق أحد بالطبع على هذه الصفقة لأننا نعتبر كل مقتنيات أستاذنا الراحل كنوزاً لا تقدر بثمن ولا يمكن التفريط بها في أي حال من الأحوال. ولكن ذلك لم يمنعنا من أن نستجيب لأحد المخرجين التلفزيونيين، عندما طلب استعارة اللوحة حتى يستخدمها في تصوير مسلسل خاص عن حياة العقاد تحت عنوان"العملاق".

     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صلاح حسن رشيد
    محاولة اغتيال العقاد والعلاقة بين الدين والسياسة


    عندما أسس الشيخ حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 كان يهدف من إنشائها إلى العودة بالأمة إلى صحيح تعاليم الإسلام، وتربية المسلمين تربية إيمانية وسلوكية، عبر الفرد والبيت والمجتمع، بتقديم نموذج القدوة الحسنة، ولذلك كان من أعلامها كبار علماء الأزهر الشريف، من أمثال: البهي الخولي، ومتولي الشعراوي، ومحمد حسن الباقوري، ومحمد الغزالي، وعبد الودود شلبي، وسيد سابق، وحسن الشافعي، وغيرهم من الأعلام، الذين استحسنوا مبادئها القويمة، ورسالتها الأخلاقية النبيلة أيام حسن البنا. لكنَّ حال الجماعة انقلب رأساً على عقب بعد وفاة البنا، فقد اختلف المنهج، وتغيَّرت الطريقة والأهداف، فاستقال هؤلاء العلماء واحداً بعد الآخر! فقد سيطر التنظيمُ الخاص في أُخريات حياة البنا على مفاصل الجماعة، حتى أصبح البنا لا يملك سلطة اتخاذ القرار، وبات مجرد واجهةٍ فقط.

    في كتابه"من معالم الحق"، يقول محمد الغزالي:"إن الذين يحسبون أنفسهم جماعةَ المسلمين يرون مخالفة الأستاذ حسن الهضيبي ضرباً من مخالفة الله ورسوله، وطريقاً مُمَهِّدة إلى النار، وبئس القرار! وقد كنتُ أسيرُ مع زميلي الأستاذ سيد سابق قريباً من شُعبة المَنيَل، فمرَّ بنا اثنان من أولئك الشُّبّان المفتونين، وأَبَيا إلاَّ إسماعَنا رأيهم فينا، وهو أننا من أهل جهنم". وينتقد الغزالي الفهم الخاطئ للإسلام من قِبَل البعض، فيقول عن الإخوان:"إنني تذكرتُ بعد أيام هذا العداء المُر، والأوامر التي أوحتْ به، فعزَّ عليَّ أن يُلعَب بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة، وأن تتجدَّد سياسة الخوارج مرة أخرى، فيُلعَن أهلُ الإيمان ويُتْرَك أهلُ الطغيان! فمِن المُضحك أو المُبكي أن يخطب الجمعةَ عقب فَصْلِنا من المركز العام للإخوان مَن يؤكد أن الولاء للقيادة يُكَفِّر السيئات، وأن الخروج عن الجماعة يمحق الفضائل، وأن الذين نابذوا القيادة عادوا إلى الجاهلية الأُولى، لأنهم خلعوا البَيعة... ورُئِيَ الدكتور محمد يوسف موسى -أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة- يخلُص بالخطيب جانباً، ليقول له: أيُّ إسلامٍ هذا؟ ومَن مِن علماء الأولين والآخرين أفتى بهذا اللغو؟ وكيف تُلبِسون الدين هذا الزيَّ المُنكَر". ويتهكم الشيخ الغزالي من قول واحدٍ من أقرب رجال المرشد الهضيبي له:"إن الإيمان بالقائد جزءٌ من الإيمان بالدعوة"، ويُعلِّق بمرارة:"وبمثل هذا الأسلوب رُسِمَ مجرى المعاملة بين مرشد الإخوان والجماعة، فلمَّا استغربناه وتأبَّينا عليه تعامله، مُخطئاً أو مُصيباً، غيرَ مُقرِّين هذه الهالة التي أضفاها الأغرارُ عليه، مَقَتَنا الرجلُ أشدَّ المقت، مَقَتَنا كما يمقتُ الكُفّارَ والفُّسّاق".

    وفي سيرته الذاتية التي سماها"ابن القرية والكُتّاب"، يقول الدكتور يوسف القرضاوي:"من الحوادث التي وقعت في تلك الفترة، وكان لها أثرٌ سيء على الإخوان: قتلُ القاضي أحمد الخازندار، قتله اثنان من شباب الإخوان المُنتمين إلى النظام الخاص، هما: محمود سعيد زينهم، وآخر نسيتُ اسمه، وقد قُبِض عليهما وسِيقا إلى المحاكمة، وحُكِم عليهما بالسجن المؤبَّد مع الأشغال الشاقّة. لم يكن للأستاذ حسن البنا المرشد العام عِلمٌ بهذه الحادثة، ولا أَذِن فيها، ولا أُخِذَ رأيه فيها، إنما الذي تولَّى كِبْرها وحمل تبعتها هو النظام الخاص ورئيسه عبد الرحمن السندي، الذي دبَّر العملية وخطَّط لها وأمر بتنفيذها".

    يقول القرضاوي:"لقد سمعتُ الأخ الكبير الأستاذ محمد فريد عبد الخالق -وكان رئيساً لقسم الطُّلاّب في ذلك الوقت، وكان من القريبين من الأستاذ البنا- يقول:"دخل على الأستاذ البنا، بعد نشر وقوع الحادثة، فوجده أشدَّ ما يكون غضباً وحنقاً، حتى إنه كان يشد شَعْره من شدة الغضب، وقال له: أرأيتَ ما فعل إخوانك يا فريد؟ أرأيتَ هذه الجريمة الحمقاء؟ إنِّي أبني وهم يهدمون، وأُصْلِح وهم يُفسِدون؟ ماذا وراء هذه الفعلة النكراء؟ أيُّ مصلحةٍ للدعوة في قتل قاضٍ؟ متى كان القضاةُ خصومنا؟ وكيف يفعلون هذا من دون أمرٍ مني؟ ومن المسؤول عن الجماعة: المرشد العام أمْ رئيس النظام الخاص؟ هؤلاء سيدمرون الدعوة"! إلى آخر ما قال الأستاذ البنا وفق رواية الأستاذ فريد، وقد سمعتُ منه هذه القصة أكثرَ من مرة".

    ويعترف القرضاوي بفداحة هذه الجريمة، وسلوك البعض من الإخوان المسلك الخاطئ، فيقول:"لقد كان هذا خطاً، بل خطيئة ارتكبها النظام الخاص، وهو الذي يتحمَّل وِزرها، وقد شعر الأستاذ البنا في الآونة الأخيرة بأن النظام الخاص بدأ يستقل بنفسه، ويتمرَّد على سلطانه، ويجعل من نفسه جماعةً داخل الجماعة، أو دولة داخل الدولة، بل يرى أن كلمته هي العليا، وهو مشكلة عويصة يبدو أن الأستاذ البنا بدأ يفكر في حلها، ويُسِر إلى بعض المقربين منه بخصوصها، وإن لمْ يهتدِ سبيلاً إلى حلها، أو لم يُمهله القَدَر حتى يجد طريقاً لعلاجها".

    وفي كتابه"الشيخ الغزالي كما عرفته"يقول القرضاوي:"بعد أن اختلف ?الغزالي- مع مرشد الإخوان الثاني حسن الهضيبي"قال: إن ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون، وأسمَى من أن يشتبك فيه مُتشاكسون، وقد كنتُ حريصاً على الصمت الجميل يوم عرفتُ أنِّي سأعملُ للإسلام وحدي، بيدَ أن أحداً من خَلْق الله اعترضني ليقول لي: إنْ تكلَّمتَ قُتِلْتَ، فكان هذا هو الحافز الفذ على أن أتكلَّم وأُطنب".

    ويعقِّب -القرضاوي- قائلاً: لقد كان للشيخ الغزالي رأيٌ في سياسة حسن الهضيبي، فنقدَ بعنفٍ هذه السياسة، وازداد عنفه حينما أعلن الهضيبي فَصْله من دعوة الإخوان، التي قضى فيها شبابه، ونَذَر لها عمره، ولم يكن يتصور أن يأتي يومٌ يُبْعَد فيه عن دارٍ كان أحدَ بُناتها، وحَمَلَة حِجارتها. وكان مما أهاج غضبَه واستثار غريزة الدفاع فيه، أنَّ بعض أُولي الهَوَس من الإخوان هدَّده وتحدّاه، كما حكى ذلك الشيخ في بعض كُتُبه".

    حكاية العقاد مع الإخوان!

    ومن قبل هذا وذاك، حين كانت أهداف جماعة الإخوان المسلمين دينية لم يختلف معها عباس محمود العقّاد، ولم يتعرَّض لها بسوءٍ، كما يقول سامح كريم في كتابه"عباس محمود العقاد الحاضر الغائب":"إنَّ الذي أثار العقاد وجعله يتخذ منها موقفاً، هو استخدامها القتل والاغتيال، كوسيلة للوصول إلى أهدافٍ سياسية مُعيَّنة، والذي كانت نتيجته اغتيال الوطني الكبير محمود فهمي النقراشي عام 1948، رئيس وزراء مصر، ورئيس حزب السعديين بعد اغتيال رئيسه السابق أحمد ماهر، والاثنان من الوطنيين المشهود لهم بالمواقف الوطنية الجليلة. هذا إلى جانب أن العقاد كان يُكِنُّ مودةً خاصة للنقراشي"نظراً لمواقفه في ثورة 1919 من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى أن العقاد كصاحب رأيٍّ حر، كان يُبغِض أسلوب الإرهاب الفكري... ومن هنا كان موقفه من الإخوان".

    يقول العقاد في جريدة"الأساس"في 17 كانون الثاني يناير 1949:"أجمع المصريون على استنكار تلك الجرائم الوحشية التي يُقْدِم على ارتكابها أفراد جمعية الإخوان المسلمين، ولكن فريقاً من الذين بحثوا في أسرار تلك الجرائم يتوهَّمون أن جُناتها الأشرار يُساقون إليها بدافعٍ من الإيمان المُضلَّل، ويحسبون أن إدخال هذا الإيمان إلى عقولهم الملتوية يحتاج إلى قدرة نفسية، أو قوة من قبيل القوة المغناطيسية، وهذا هو الوهم الذي يفرض للمُجرمين شرفاً لا يرتفعون إليه، وهو شرف الإيمان، ولو كان إيماناً مُضللاً منحرفاً كل الانحراف عن مقاصد الأديان، وبخاصةٍ مقاصد الدين الإسلامي".

    ويرفض العقاد اغتيال النقراشي كوطني، ويربط بين جماعتهم وعِصابة الخُط بالصعيد، في تحريك طبيعة الشر والطَّمع والغرور، فيقول:"إن فقيد الوطن -النقراشي- رحمه الله قد أراح هذه البلاد من عصابات كثيرة، قبل هذه العصابة الإجرامية، ومنها عصابة الخُط المشهورة، التي كانت تعبث بالفتك والسلب والنهب في أوساط الصعيد، والخُط لم يدَّعِ لنفسه أنه إمام من أئمة الدين، ولم يدَّعِ له أحدٌ شيئاً من العلم، أو القدرة على التدجيل باسم العلم والدين، ومع هذا فقد استطاع ذلك المخلوق أن يجمع حوله أربعين أو خمسين رجلاً، يُجازفون بالحياة في سبيل طاعته... فهل كانوا مُحتاجين إلى إيمانٍ مُضلَّلٍ يسوقهم إلى المجازفة بالحياة، وعصيان الدولة، وإعلان الحرب على المجتمع كله، بغير نظرٍ إلى عواقب الأمور؟ كلا، لم تكن بهم حاجة إلى إيمانٍ قويمٍ، ولا إيمانٍ منحرفٍ، ولم تكن بهم حاجة إلى إيمانٍ قويّ، ولا إيمانٍ ضعيف، وكل ما احتاجوا إليه هو تحريك طبيعة الشر والطمع والغرور".

    محاولة اغتيال العقاد

    يستطرد سامح كريم قائلاً:"طبيعيٌّ أن يكون لهذا الموقف من العقاد ضد الإخوان ومرشدهم الشيخ حسن البنا رد فعل من الإخوان، حتى إنهم أنذروه، وهدَّدوه أكثر من مرة، ولكنه لم يأبه بتهديدهم، ولم يهتم لإنذاراتهم، حتى إنهم كانوا يُرسلون إليه خطاباتٍ متتالية يقولون فيها"قذفت القاذفة"يريدون قول: أزِفَتِ الآزفة مُهدِّدين إياه بالقتل إنْ لم يكفّ عن مهاجمة أساليبهم، ولكن العقاد لم يكف، ولم يصمت، لأنه رأى أن ما يقوله ويدافع عنه هو الحق. ووضعوا المتفجرات عند بيته، حتى يرتدع، ولكنه لم يرتدع، وأخيراً حكموا عليه بالموت، وكانت خطتهم في ذلك أن يتصلوا به في الليل، وكان التليفون بجوار النافذة، وعندما ردَّ العقاد أطلقوا عليه الرصاص، لإصابته في مقتل، ولكنْ نجاه الله من هذه المكيدة، وظلَّ اسمه في قائمتهم السوداء انتظاراً لإعدامه وقتله، بين لحظةٍ وأخرى، لا لشيءٍ إلاَّ لأنه اختلف معهم في الرأي".

    ويحكي الأديب محمد طاهر الجبلاوي هذه القصة بتفاصيلها في كتابه"مع العقاد في ظل العقيدة الوطنية"فيقول:"وقد وضع الإخوان المتفجرات عند بيت العقاد، وطلبه أحدهم في الليل في التليفون، وتليفون العقاد يقع إلى جوار نافذة زجاجية مواجهة للخَلاء، فلمَّا انتقل العقاد إلى حجرة التليفون، وأمسك بالسماعة، أُطْلِقتْ عليه رصاصة اخترقت زجاج النافذة، ولكنها لم تُصِبْه! ولم يُبلِّغ العقاد عن هذه الأحداث، ورأى من الخير كِتمانها، وعدم الاكتراث بها، ولكنَّ وزارة الداخلية نمتْ إليها الأخبارُ عن طريق غير مباشر، وضَبطتْ قوائم فيها أسماء بعض رجالات مصر، ومنها اسم العقاد، للقضاء على حياتهم، فأرسلتْ إلى العقاد حَرَساً لازمه أشهر عدة، بعد أن تبيَّن حقيقة ما يُدَبَّر له".


     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صلاح حسن رشيد
    مقال نادر للعقاد عن "المفكر الإسلامي" جلال الدين الرومي


    < أثناء مطالعتي في دار الكتب والوثائق المصرية عثرت على مقال نادر لعباس محمود العقاد 1889-1964م"فكان إيذاناً لي بالبحث والتنقيب في صحف ومجلات القرن الماضي، لا سيما التي كتب فيها العقاد. ووفقني الله تعالى في جمع مجموعة من مقالات وبحوث العقاد -غير المعروفة- والتي كتبها في مجلة مجمع اللغة العربية القاهري، منذ أن أصبح عضواً فيه عام 1940م حتى وفاته. والمقالات كنز ثمين لغوياً وأدبياً وفكرياً، وتُقَدِّم صورة أخرى عن العقاد اللغوي، ولم تصدر قبل ذلك، وقد سمَّيتها"المقالات المجهولة". كذلك حقَّقتُ للعقاد أُمنيةً فرَّغ لها نفسه أواخر حياته، وظل يجتهد من أجل الانتهاء منها، لكن القدر عاجله بالرحيل، حيث كان يتمنَّى أن يختم مشواره الفكري بكتاب عن حُجَّة الإسلام أبي حامد الغزالي، الذي يراه أعظم شخصية إسلامية بعد نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم"فجمعتُ محاضراته عنه، والتي ألقاها في رحاب الأزهر الشريف عام 1962م، وضممتُ إليها كل حديث للعقاد عن الغزالي، ورد في جميع مؤلفاته، فكان كتاب"فلسفة الغزالي"بقلم العقاد. أمَّا عن المقال النادر، فهو عن جلال الدين الرومي، ونشره العقاد في مجلة"أفغانستان"في تشرين الثاني نوفمبر عام 1957م، وهي مجلة كانت تُصدرها سفارة المملكة الأفغانية في القاهرة وقتها. يقول العقاد تحت عنوان"جلال الدين البلخي المفكر الإسلامي العظيم صاحب المثنوي":

    "اشتهر عند قُرّاء العربية المحدثين، اسمان لامعان من أسماء شعراء اللغة الفارسية، وهما: عمر الخيام، وحافظ الشيرازي، وكلاهما عرفه الكثيرون، من قراء العربية في العصر الحديث، بعد شيوع المترجمات، من كُتُب المستشرقين. لكن هذين الاسمين، كوكبان يلمعان في غير النهار، ونعني بالنهار شُهرةً أخرى تحجب كل شهرة غيرها في سمائها، وهي شهرة المولى جلال الدين البلخي، الذي نظم المثنوي. وقيل فيه إنه قرآن اللغة الفارسية، وقال الجامي عنه، إنه لم يكن نبياً، ولكنه كان صاحب كتاب". ويشير العقاد إلى آراء المستشرقين الكبار عن الرومي"فيقول:"والمستشرقون، من الراسخين في العلم بالآداب الشرقية- من أمثال وليام جونس، ونيكلسون- يعرفون له هذا القدر، ولا يتردَّدون في تمييزه من الوجهة الأدبية والفكرية، على أشهر الشعراء الفارسيين، غيرَ مُستثنَى منهم حافظ الشيرازي ولا الخيام".

    يؤكد العقاد أنه لهذا السبب:"يتنافس على نِسبة جلال الدين أربعة أوطان، وهي خراسان، وفارس، وبلاد العرب، وبلاد الترك، التي اشتهرت ببلاد الروم. فهو قد وُلِد في بَلْخ من بلاد الأفغان، في بيتٍ عريقٍ من بيوت العلم والإمارة، ونظم بالفارسية والتركية والعربية، ونماه بعض المؤرخين إلى الخليفة أبي بكر الصديق، وضريحه في قونية، حيث عاش من أيام صِباه إلى أيام وفاته"فلا جرم أن تتفتح الأبواب للتنافس عليه"بحجة من الحجج، لكل منافس يحرص على هذه الذخيرة النفيسة، وإنها في الحق لذخيرة إنسانية، يأخذ منها مَنْ شاء من بني الإنسان بنصيب موفور".

    ويرى العقاد أن الرومي يستحق هذا التنافس، لأنه جمع خلاصة الصفات التي يندر أن يجمعها غيره:"وعلى هذا التنافس بين الأمم الإسلامية، على نسبة الشاعر الإمام، لا نرى أن المتنافسين بلغوا به منزلةً تعلو على منزلته، التي هو حقيقٌ بها في ميزان الأدب، أو في ميزان الحكمة، أو في ميزان الخلائق الإنسانية، أو ما نسميه اليوم الصفات الشخصية لأنه كان بين المتصوفة مثلاً قليل النظير، يتحلَّى بأجمل ما يُؤْثَر عنهم من فضيلة وفطنة، ويسلم من تلك المآخذ، التي تُعاب على أناسٍ غير قليلين من أبناء الطريق".

    ويُعَرِّج العقاد على زهد الرومي، الذي بلغ به القمة بين الشعراء والصوفية"فيقول:"الزهد زهدان: زهد من لا يملك الدنيا، وزهد من لا تملكه الدنيا، وهذا هو أكرم الزُّهْدَين، وأعلاهما في مراتب الفكر والخلق، وهو زهد جلال الدين. تمَّتْ له صفات رجل الدنيا، من سلامة العقل، وسلامة العاطفة الإنسانية، ووسائل النجاح بالعلم والكياسة، وسمو الهمَّة"فهو مع الدنيا يتركها حيث شاء، ولا تتركه حيث تشاء، ويزهد باختياره، ولا تزهد فيه على كُرْهٍ منه واضطرار. فمن سلامة العقل أن كلامه الذي ثبتت نسبته إليه، يتَّسم بالجِد والرصانة، ولا يتخلله شيء من ذلك الشطط، الذي يوغل فيه دراويش الصوفية، ولا من تلك الحذلقة التي تطيب لفريقٍ منهم"فيما يصطنعونه من التشبيهات المُلَفَّقة، يقول سير وليام جونس: إن في كتاباته عمقاً ورصانة، لا مثيل لهما في شعر شاعرٍ من طبقته، وإنه حتى حافظ-الشيرازي- لابد أن يُحْسَب دونه، ولا يرتقي إلى مرتقاه".

    شِعْر الرومي

    وينتقل العقاد للحديث عن شعر جلال الدين، المكسو بالحكمة ومجاهدة النفس"فيقول:"يكاد المتتبِّع لشعره أن يلمح فيه أثر المعرفة التي اكتسبها الناسك الحكيم بالرياضة والخبرة، ولم يتورَّط فيها بخفة الرأي، والتهجم على المجهول، ويروي كتاب حديقة الورد الفارسية أن ناقداً سُئِل: كيف يتفق أن الشاعرين اللذين ارتفعا إلى القمة، في أدب اللغة الفارسية يتناقضان في وصف الحُب لأول نظرة؟ كيف يقول حافظ مثلاً: إن الحب لأول نظرة سهلٌ في بدايته، ولكنه في عواقبه قاسٍ شديد المصاعب. وكيف يقول جلال الدين على نقيض ذلك: إن الحب لأول نظرة يلوح عند رؤيته كأنه القاتل السَّفّاح، يُهلك كل من يعترضه في طريقه. قال الناقد مُعلِّقاً: إن حافظاً المسكين، فهم بعد جهد ما فهمه المولى جلال الدين عفو الخاطر". لكن العقاد يرى عكس ذلك فلسفياً وشعرياً:"فعندنا أن العكس أحرى بالمعهود من أُسْلوبَي الشاعرَين"فإن جلال الدين يجتهد ليعرف، ويقول ما عَرَف، وقد يقول حافظ أولاً، ثم يجتهد في استقصاء ما قال". ويشير العقاد إلى سلامة العاطفة الإنسانية لدى الرومي، التي من آياتها الواضحة:"أن الشيخ الجليل يتصل بجميع صلاتها، ويشعر في عزلته شعور الآباء والأزواج، ولا يرى كما يرى الأكثرون من النُّسّاك، أن العزوف عن غواية الدنيا، يدعو الإنسان إلى قطع الصلة بينه وبين الأواصر الإنسانية، التي تقوم بها الأُسَر والبيوت. وقد عاد جلال الدين إلى نظم الجزء الثاني من كتابه المثنوي، بعد فترةٍ من نظم الجزء الأول"لأنه أراد مُواساة صديقه وزميله الشيخ حسام الدين، في مُصابه بفقد زوجته"فكانت هذه المواساة سبيلاً إلى التعمق في سبر خفايا النفس، ودخائل الحزن والألم، وسبيلاً إلى الاتعاظ بعبرة الحياة الدنيا...".

    ويعزو العقاد طُمأنينة قلب الرومي وثباته إلى حُسْن السَّمْت:"الذي أجمع كُتّاب السِّيَر على وصف جلال الدين به، إنما كان سمتاً حَسَناً في طوية النفس. ولم يكن قُصاراه أنه سمت حسن على شمائله وسيماه"فلولا طمأنينة في قرارة ضميره، لما دامتْ له في عصر القلاقل والشبهات، تلك الثقة العظمى بالحياة، وبالوجود، وبالخالق الأعظم...".

    ويلحظ العقاد أن عبقرية الرومي الشاعرة تخطَّتْ اللغات"فاحتفظت بروعتها وقاموسها العذب، وجوهرها النفيس:"ومن هنا كانت بلاغة الشاعر الصادق جلال الدين من ذلك النمط الذي يتخطى اللغات، ويحتفظ بجوهره من لغةٍ إلى لغة، مع صحة الترجمة في معناها، وقد يطَّلع القارئ على حكمة المثنوي في غير الفارسية-كما نصنع نحن حين نطَّلِع عليها في ترجمتها الإنكليزية- فلا يفوته الجوهر النفيس، من تلك الحكمة وراء الألفاظ والتراكيب"لأنه حكمة الإنسان الخالد، التي يُعبِّر عنها كل لسان". وبعين الناقد الحصيف، وبصيرة الشاعر الكبير، يؤكد العقاد أن الثابت لديه من حِكَم الرومي، عالية الجَرْس، في المثنوي، لم يزد عن الألفَين، أمَّا الكثرة الكاثرة منها"فهي لأساتذته ومُريديه، والمُعجبين بفنه:"إنما تأتي الصعوبة في تمحيص الكَلِم المنسوب إلى الشاعر الحكيم"فإن المنسوب إليه في الكتاب المشهور-المثنوي- يُقارب ستة وعشرين ألف بيتٍ، لم تثبت نسبتها جميعاً إليه، ولم يزد عدد الثابت المُحَقَّق من كلامه على ألفَين، وهي آفةٌ تعرض لكل قولٍ مشهورٍ، يُحب الناس أن يتحدثوا عنه، ويسندوا الرواية إليه. ولكنَّ مزية المثنوي أن تمييز الصحيح والمنحول فيه غير عسير"فليس من نَسَقه الصحيح كل كلام يُجافي السداد والأصالة، وينحرف إلى الإغراق والتلبيس. وقد يغمض المثنوي الصحيح لعمقه، ودقة مسراه في شعوره وتفكيره، ولكنه لا يغمض لمجرد الولع بالتعمية، واللعب بالتشبيهات والمجازات، ولا لبس في النهاية بمذهب الشيخ، وسيرة حياته"فهو مذهبٌ قديمٌ معتدل، معمور بالثقة، قليل الاضطراب، وإن تعدَّدت فيه وجوه النظر. وقد يُعْزَى بعض الفضل فيه المثنوي لأساتذته المعروفين، وأولهم أبوه بهاء الدين، وأكبرهم بعده شمس الدين التبريزي، الذي يقول الشاعر إنه: كقميص يوسفَ في الدلالة على يوسف. ولكن الفضل الذي لا نِزاع فيه هو فضل العبقرية المُلْهَمة، أوتيها طبع مستقيم، فحسنت عندها فائدة التربية والتعليم".

     
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د فائز كريم
    عباس محمود العقاد ومدرسة الديوان


    سُئل العقاد عن الفرق بينه وبين المفكر والكاتب الإنكليزي برنارد شو. فقال: برنارد شو يقف على أكتاف ستة أجيال من الثقافة الأوربية. أما أنا فأقف على قدمي...). هكذا كان العقاد يرى رسالته, وسواء كان مخطئًا أم محقًا, فقد ترك في الثقافة العربية أثرًا لا يمحى.

    كانت هذه رسالة العقاد ودوره في الانتقال من عصر إلى عصر شأنه في ذلك شأن قادة الفكر ممن كانت رسالتهم وأدوارهم ليست في أن يزيدوا المعرفة بمعرفة من جنسها, وإنما كانت في أن يغيّروا من نوع المعرفة, وينقلوها إلى أسلوب جديد ومفيد.
    ويمكن أن يلمس القارئ تلك الرسالة وذلك الدور بمقارنة حال الثقافة في بدايات القرن العشرين حيث بدأ العقاد يتلمّس طريقه. وحالها في ستينياته.
    عندئذ يندهش المرء في كيفية قيام العقاد بهذه الرسالة وذلك الدور وهو الذي لا يحمل لقبًا علميًا يسنده ولا سلطانا يعزه, ولا جاها عريضا يدعمه, ولا مالا وفيرا يحميه. وتزيد الدهشة إذا أدركنا أن العقاد لم يكن ممن يجيدون لعبة ركوب الموجة, فلا ينافق ولا يتملّق ولا يزايد....إنما العقاد كان مقاتلاً على الدوام. فهو يحارب الصهيونية محاربته للنازية, ويحارب الشيوعية محاربته للرأسمالية, ويحارب الاستعمار محاربته للمتاجرين بالوطنية, ويحارب الإلحاد محاربته لأدعياء الدين, ويحارب ممثلي الأقلية محاربته لممثلي الأغلبية.

    ويحارب القصر محاربته للباشوات, ويتخذ من هذه جميعا مواقف, تجسّد رأيه الخاص الذي يعبّر عنه قائلاً: (....أريد أن أكون أنا نفسي لا أكثر ولا أقل...).
    وطبيعي أن يكون صاحب هذه الرسالة وذاك الدور موضع اهتمام الدارسين داخل الجامعة, اهتمامًا يتخذ أحد ثلاثة أشكال: إما بتخصيص الرسائل العلمية لتقييمه أو بإعداد الاهتمامات الجامعية أو الدراسات النقدية المنشورة بالصحف والمجلات التي تدور حول فكره وفي عملية الرصد لهذه الرسائل والمحاضرات والدراسات قد يلمح القارئ اشتمالها على نقد لا يعطى العقاد حقه أو مدح يعطيه أكثر من حقه, إلا أن هذا وذاك لا يطغى على المعنى النبيل الذي من أجله أجرى الباحث قلمه في تناول فكر هذا الرائد العظيم.

    الرسالة الجامعية
    وأولى هذه الرسائل منشورة في كتاب (العقاد ناقدا) التي قدمها الدكتور عبدالحي دياب إلى كلية دار العلوم, وناقشها الدكاترة محمد غنيمي هلال ومحمد مندور وشوقي ضيف. كان موضوعها (النقد عند العقاد) وفيها عنى الباحث في الباب الأول بالميراث النقدي قبل العقاد, وذلك في المحاولات النقدية السابقة عليه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, ثم المحاولات النقدية المعاصرة, وكان من طلائع أعلامها ويخصص بابها الثاني لاتجاهات التجديد في النقد عند العقاد كتطبيق لنظريته النقدية. والباب الثالث خصصه للحديث عن المعارك النقدية, وكيف كان لها أثر في تعميق نظرياته النقدية أو إضافة جديد إليها, وختمها بتسجيل دور العقاد في الثقافة المعاصرة نقدًا وأدبًا.
    والرسالة الثانية مخطوطة وقدمها الأديب الحساني حسن عبدالله بمعهد الدراسات العربية وموضوعها (فلسفة الجمال عند العقاد وعلاقتها بآرائه في النقد) وناقشها الدكاترة شكري عياد وخلف الله أحمد ويحيى هويدي. واستهلها الباحث بدراسة لمنهج البحث في أصالة العقاد النقدية, منتهيا في ذلك إلى أن الأصالة بوجه عام ضوء متوهج لا تملك عين نكرانه وأنها لا تعرف عن طريق البحث المعملي. وأن نصيب العقاد من ذلك الضوء كنصيب غيره من أصحاب الأصالات المعتمدة. ثم عرض بعد ذلك لبعض الدعاوى عن تأثر العقاد بالأجانب وتوقف طويلا عند مصطلح التأثر مستحسنا العدول عنه إلى أحد مصطلحات ثلاثة هي (الإفادة) أو (التقلد) أو (السرقة), وأنه من اللازم عند درس الأصالة تحديد المقصود بالتأثر أهو مجرد إفادة أم تقليد أم سرقة? وانتهى في رسالته إلى فحص اتهام العقاد بأنه تأثر بالشاعر الألماني شيلر. وأجرى مقارنة دقيقة بين الاثنين أكّدت اختلاف معين كل منهما.
    والرسالة الثالثة مخطوطة أيضا قدمها الأستاذ محمد عبدالهادي محمود لآداب القاهرة, وموضوعها (نظرية الصورة الشعرية عند مدرسة الديوان) وأشرف عليها الدكاترة شكري عياد وعز الدين إسماعيل وسهير القلماوي. وبالطبع كان العقاد يستأثر بالجانب الأكبر من الرسالة, حيث نجد الباحث يعرض نظرية الخيال الشعري عند العقاد, وكيف كان أثره في كل من (بليك) و(كولريدج) و(وردزوورث) و(شيللي) و(كيتس).
    ثم نظرية الجمال عند العقاد, وهو في هذا الجزء يرد ضمنيا على الذين كتبوا عن أصالة العقاد في نظرته للجمال. ثم يحدّثنا عن مشكلة الشكل والمضمون وفيها يغلو الباحث في نقد النقاد, ثم يبحث عن علاقة الشعر باللغة عند العقاد, فيبدو متأثرا بمنهج الدكتور محمد مندور. ويتطرق إلى دراسة مشكلة الإبداع عند العقاد , فيرى أن هناك هوّة كبيرة بين مفهوم الإبداع الفني المعاصر وإبداع العقاد خصوصا في ممارساته الشعرية.
    والرسالة الرابعة مخطوطة كان قد قدمها للجامعة الإسبانية الدكتور عبداللطيف عبدالحليم, وناقشتها لجنة مكونة من خمسة من أساتذة الجامعات هناك يتقدمهم عاشقان للثقافة العربية هما (بدرو مارتينث مونتابث) و(خوسيه باثكث) وموضوعها (دراسة بين العقاد وأونامونو) باللغة الإسبانية.
    ولكونها بهذه اللغة كنت عاجزًا أمامها إلا أن الذي يطمئن المرء عن أهمية هذه الرسالة أن صاحبها من أخلص تلاميذ العقاد وأكثرهم جدية, ولعلي تذكرت بهذه المناسبة أستاذنا الدكتور عبدالرحمن بدوي بالخير, وكيف كان يتشدد معنا كتلاميذ في قراءة النصوص الفلسفية بلغاتها الأصلية في الإنجليزية والفرنسية والألمانية واليونانية واللاتينية.
    وكيف لاحظ تبرمنا من اللغات الخمس يومها قال بحدة: (وددت لو جعلتها عشرا حتى لا تكونوا معصوبي العيون أمام أي معرفة من المعارف) فها أنذا الآن معصوب العينين أمام هذه الرسالة?! وسأكتفي بالرجوع إلى ما كتبه عنها صاحبها بالعربية في المجلات المتخصصة راجيًا أن تتدارك ذلك الجامعة التي هو عضو في هيئة تدريسها فتكلفه بترجمتها معترفة بأن ما يقوم به إعمال للفكر عليه يثاب, أو حتى وزارة الثقافة فتعمل على تكليفه بترجمتها.. ونعود إلى ما كتبه الباحث عن رسالته, وقد أصبح قدره ألا نقرأه إلا موجزا فنراه يحدّثنا عن الظروف السياسية والاجتماعية والأدبية في كل من مصر وإسبانيا في الفترة ما بين 1850-1950 موضحًا كيف كانت هذه الظروف متشابهة. وكيف نشأ كل من العقاد في مصر و(أونامونو) مستهدفا مكونات تفكير كل منهما المتشابهة حتى يصل إلى تشابه بين الاثنين في مفهوم الأدب عامة والشعر خاصة, وينتهي في رسالته إلى إثبات هذا التشابه الكامل حتى في موضوعاتهما الشعرية مع أن العقاد لم يطّلع كثيرًا على (أونامونو) في لغته.
    والرسالة الخامسة منشورة في كتابي (عباس العقاد رجل الصحافة رجل السياسة) و(العقاد زعيما) للدكتور راسم الجمال وناقشتها بكلية الإعلام الدكاترة عبدالملك عودة وخليل صابات ومختار التهامي وكان موضوعها العقاد في تاريخ الصحافة المصرية من 1907 إلى 1964, وفيها تتبع الباحث مسار فكر العقاد وكتاباته في الصحف مبرزا كفاحه الصحفي والسياسي حتى عام 1930, حيث تمت محاكمته بتهمة العيب في الذات الملكية. ثم تتبع الباحث مسار فكر العقاد من عام 1930 إلى 1964. وفي ذلك تحول من كاتب سياسي إلى زعيم سياسي, حيث دفع زعماء الوفد إلى إعلان موقفهم عام 1932, وعبأ الرأي العام ضد السياسة الإنكليزية, ومهّد لانشقاق السعديين عن زعامة الوفد, وأكّد الباحث على أمرين, أولهما مكانة العقاد السياسية والصحفية, وإثبات مدى صدق بصيرته الوطنية.
    وكما ذكرنا أنه إذا كان العقاد لم يظفر بلقب علمي يعزه, ولا مؤهل جامعي يحميه, ولو حتى شهادة متوسطة يتستّر وراءها, فقد استطاع بمواقفه العظيمة, وأعماله الخالدة - أن يجتاز الباب الضيق, إلى دائرة الاهتمام العلمي بالجامعة, فكان محور اهتمام عدد كبير من الرسائل كما رأينا, وعدد أكبر من المحاضرات والدراسات كما سنرى. ولا عجب إن حظي العقاد بكل هذا التقدير في جامعات مصر وحدها, إذا كان هو العقاد الذي نعرفه صاحب الرسالة والهدف, وأحد روّاد التنوير ممن كانوا لا يعيشون الحاضر بعقل الماضي, ولا يترجمون الواقع بلغة الوهم, ولا ينقلون الحقيقة بصورة الخرافة, ولا يكتبون بأيديهم ما ترفضه عقولهم.

    وجهات نظر مختلفة
    وطبيعي أن يكون حول العقاد وهو بهذه المكانة اختلافات في وجهات النظر عند التقييم يمكن أن نجملها في فريقين, أولهما مترفق في تنظيره, وثانيهما صارم في تطبيقه, ولكنهما ينتهيان إلى توكيد ريادة هذا المفكر.
    من الفريق الأول الدكتور شوقي ضيف, لقد كتب عن العقاد فصولا في كتبه (مذاهب الأدب) و(الأدب العربي المعاصر) و(فصول في الشعر ونقده), وأفرد له كتابا يعتبر المرجع الأساسي للدارسين هو (مع العقاد) وهو تصوير مجمل لسيرة العقاد, وما امتازت به شخصيته من مقومات مادية ونفسية وعقلية وروحية. وكيف دفع مع جيله أدبنا الحديث إلى تطوره الحي المثمر, وكيف استحدث موازين جديدة للنقد, وكيف جال بفكره في تاريخنا الإسلامي مقدما عظماء هذا التاريخ, راسمًا لأمتنا عبقرياتها وشخصياتها, وتطرق إلى إبداعه القصصي, وتوقف طويلا عند إنتاجه الشعري الضخم.
    والاهتمام الثاني لرائد الفلسفة الجوانية الدكتور عثمان أمين في صورة كتاب (نظرات في فكر العقاد), وفيه ينبهنا إلى أن ما يقدمه ليس نظرًا وافيًا في فكر العقاد بقدر ما يكون مقدما لهذا الفكر. وهو مع هذا يقدم على صفحات الكتاب نظرات واعية لأدب العقاد وفلسفته وإسلامياته, ويؤصل ذلك وكأنه يعطي للباحث عشرات المفاتيح إلى هذه الموضوعات كذلك يرى سمات الفلسفة الجوانية في أدب العقاد على وجه الخصوص وروايته (سارة) التي يراها جوانية لا تشغل الأحداث الخارجية منها إلا ما يلزم حبكتها الفنية. ويقرر أن حياتنا الأدبية بلغت بجهده ويقظته تقدما ملحوظا.
    والاهتمام الثالث لرائد الوضعية المنطقية الدكتور زكي نجيب محمود ويترجمه هذا الجانب الكبير في كتابه (مع الشعراء) وفيه يقدم لنا العقاد مفكرا وأديبا. ويستخلص فلسفته من شعره, بطريقة تحليلية مذهلة, ويتوقف عند شعره فيراه أقرب شيء إلى فن العمارة والنحت, فالقصيدة عنده أقرب إلى هرم ضخم أو معبد كبير منها إلى زهرة أو عصفورة. والقلم في يده هو إزميل النحات, فلا الفكرة عنده قريبة المنال, ولا المادة سهلة التشكيل, حتى ينتهي إلى القول بأن شعر العقاد أدخل في باب (الجليل) منه في باب (الجميل) ففيه شموخ الجبال وصلابة الصوان وعمق المحيط, وفيه من الشعور صحوه لا نعاسه.
    والاهتمام الرابع للدكتورة سهير القلماوي في صورة محاضرة نشرت فيما بعد بمجلة الهلال بعنوان (سارة.. أو عبقرية الشك) فيها تفلسف حال الشك الإنساني عند العقاد من خلال أحداث رواية سارة, فترى أن عبقرية الشك العقادي صنف من عبقرياته شاذ فريد, لكنه يخضع لمنهج العقاد في تصوير العبقرية, والشك هنا عملاق يتقبل آثار الأحداث والتاريخ, ولكنه يتصدى لها.
    والاهتمام الخامس للدكتورة نعمات أحمد فؤاد في صورة كتاب (الجمال والحرية والشخصية الإنسانية في أدب العقاد) وفيه نلمح محاور ثلاثة يتضمنها حديثها الرقيق المتميّز عن الحرية والجمال والشخصية الإنسانية عند العقاد. وقد شغل المحور الأخير معظم صفحات الكتاب, وفيه حدّثتنا عن عبقريات العقاد وموقفه من المرأة, والإنسانية في شعره وأدبه, ثم قدمت لنا العقاد حين يترجم لنفسه.
    والاهتمام السادس يأخذ شكل ثلاثة كتب هي (عبقرية العقاد) و(النقد والجمال عند العقاد) و(الفلسفة الاجتماعية عند العقاد) وفيها يؤرخ الدكتور عبدالفتاح الديدي لأستاذه من جوانب كثيرة, أهمها شخصيته المتفرّدة, ونظرية النقد وعلاقتها بالجمال ومؤثراتها الخارجية, ثم الجانب الفلسفي عند العقاد.
    والاهتمام السابع كتاب ضخم هو رسالة جامعية للدكتور محمد أبو الأنوار عنوانه (الحوار الأدبي حول الشعر) ويشغل العقاد منه جانبًا كبيرًا وفيه يسجل لمعارك مدرسة الديوان, وظهور كتاب الديوان كفاصل بين عهدين, والخصومة التي نشأت بين رواد الديوان, ثم استمرار جهود هذه المدرسة ممثلة في العقاد إلى آخر هذه الموضوعات التي كان العقاد فارسها.
    وفي المقابل هناك الفريق الثاني الذي يتقدمه شيخ النقاد الدكتور محمد مندور, حيث يخصص فصولاً من كتبه (الشعر المصري بعد شوقي) و(النقد والنقاد المعاصرون) و(في الميزان الجديد) و(مسرحيات شوقي) للحديث عن العقاد الناقد والأديب والكاتب. فيراه يقحم النظريات الفلسفية في ميدان الأدب, حيث يتحدث عن (رسالة الغفران) للمعري, ويرى أن دراسات العقاد الأدبية تنصبّ على التعليل والتفسير أكثر من انصبابها على التقويم والنظر في القيم الجمالية, ويراه يختار الشعراء الذين تنطبق عليهم فلسفته العامة في الحياة, ويعيب على العقاد استخدامه للمنهج النفسي فحسب في الدراسات الأدبية, ويختلف معه في النظرة إلى الشعر الحديث عامة والمهموس خاصة.

    اتجاهات مضادة

    والاهتمام الثاني من هذا الاتجاه المضاد يمثله كتابان للدكتور عبدالقادر القط, فيهما يحتل العقاد حيزًا ملحوظًا الأول (مواقف وقضايا) والذي يفرد فيه فصلا عن اللغة الشاعرة عند العقاد فيشير إلى غلبة الشعور القومي عند العقاد على الحقيقة العلمية, كما يشير إلى النقص المنهجي عند العقاد الناتج عن هذه الأنانية القومية التي تجعله ينساق إلى الدفاع عن لغتنا من حروفها وتعبيراتها ذاهبا إلى أنها أعظم اللغات من حيث شاعريتها. والكتاب الثاني (الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر)وفيه يرى العقاد متأثرًا بالشعر القديم, وبملاحظته للعناصر التقليدية القديمة, من الصورة إلى اللغة إلى المعنى وجد الكثير من الشعر القديم يتسرب إلى شعر العقاد.
    والاهتمام الثالث تترجمه هذه الفصول الممتعة من كتاب (بين القديم والجديد) للدكتور إبراهيم عبدالرحمن وفيها سجل ملاحظات على أدب ونقد العقاد ومنها أن آراء العقاد النقدية نبعت من غاية هي تحطيم مكانة شوقي وغيره من الشعراء لإزاحتهم حتى يفسح له ولزميليه مكانا مرموقا, وإن المرحلة التي كان يعيشها العقاد كانت ذات طابع إحيائي تتجه إلى التراث الإسلامي والأدبي القديم يأخذون منه وينسجون على منواله وقد تأثر شعر العقاد بهذا الجانب التوفيقي واحتذى في نزعته المنطقية التقريرية آراء ابن قتيبة وابن جعفر وابن رشيق وحازم القرطاجني ونقل مفهومه لوحدة بناء القصيدة من الحاتمي وابن طباطبا, وأن عيوب التفكك والإحالة والسرقة التي أخذها العقاد على شوقي وقع هو فيها.
    والاهتمام الرابع يترجمه تحليل رواية (سارة) للعقاد في كتاب (تطور الرواية العربية الحديثة) للدكتور عبدالمحسن طه بدر حيث يشير إلى ظاهرتين تميزان العقاد - الأولى تتصل بشخصيته عندما تعرض كغيره للقلق والألم والشك وكانت وسيلته للخروج من هذه الأزمة تتمثل في اعتزازه الشديد بذاته واستعلائه على الآخرين. والثانية تتصل بتفكيره فتظهر في نزعته المنطقية الحادة فهو حين يريد إخضاع ظروف الحياة لإرادته يحاول إخضاعها لتفكيره. وفي (سارة) نجد أنفسنا أمام نزعة العقاد العقلية, وقدرته على التحليل والتعليل التي ينجم عنها التنظيم حتى للحظات التوتر التي تتشابك فيها العواطف في العمل الروائي ولذلك تاهت سارة!

    والاهتمام الخامس تترجمه فصول من كتب الدكتور أنس داود أولها كتاب (الأسطورة في الشعر العربي الحديث) وفيه يقارن بين رأي العقاد في أن حياة الشاعر تعرف من شعره ورأى (إليوت) الذي لا يرى صلة بين حياة الشاعر وشعره. ثم ينعي على العقاد توقفه عند حدود المدرسة الرومانتيكية الأوربية, وكتاب (رواد التجديد في الشعر الحديث) وفيه يجرد العقاد من زعامته لمدرسة الديوان, وكتاب (الرؤية الداخلية للنص الشعري) وفيه يرى العقاد يخالف القاعدة في الشعر حيث يبدأ حكيما وينتهي عاطفيا.
    والاهتمام السادس رسالة لدار العلوم عن مصطفى صادق الرافعي قدمها الشقيق العراقي الدكتور مصطفى البدري وفيها ذكر العقاد بما لا يليق, والباحث معذور لطبيعة موضوعه عن الرافعي, ولأن موجهه هو الدكتور عمر الدسوقي الذي أقسم بأيمان مغلظة ليسخرن علمه للهجوم على العقاد?

    تأملات لويس عوض
    وتبقى من هذه الاهتمامات المنشورة بالصحف والمجلات تأملات الدكتور لويس عوض في فكر العقاد.
    فالعقاد الذي شغل حياتنا لأكثر من ثلاثة أرباع قرن, في حياته أو بعد مماته, تقدمه لنا تأملات الدكتور لويس عوض في مجلة المصور فلا نعرفه! وكيف نعرفه وقد انتهى في عام 1937 وليس كما هو معروف في عام 1964, وقد بدا مناقضا لفكرنا الديني التقليدي, وأصبح متتلمذا على فلاسفة أوربا ومفكريها! باختصار العقاد في هذه التأملات, شخص آخر غير الذي نعرفه, هو نتاج للثقافة الغربية بخيرها وشرها, وليس من نتاج الثقافة العربية.
    ونتأمل معا تأملات د.لويس في أدب العقاد مبتدئين باختبار ذلك المنهج الذي سلكه في التعامل مع سطور للعقاد عدد كلماتها 35 كلمة, في مقدمة لا تزيد على الصفحة ونصف الصفحة لكتابه (الفصول) الذي بدأ كتابة فصوله عام 1913 ليصبح ترتيبه الخامس بين 105 كتب هذه الكلمات تقول: (في سبيل الحق والجمال والقوة أحيا. وفي سبيل الحق والجمال والقوة أكتب, وعلى مذبح الحق والجمال والقوة أضع هذه الأفكار المخضلة بدم فكر ومهجة قلب قربانا إلى تلك الأقانيم العلوية وهدية في السحاب إلى العباب) فنجده أقرب إلى استخدام المنهج الاستدلالي.. حيث انتقل من قضايا منظور إليها في ذاتها, إلى قضايا ناتجة عنها, وفقا لقواعد منطقية. وهذا أمر طيب. ولكن أن يختار هذه الكلمات من مقدمة لكتاب بدأ مؤلفه كتابة فصوله عام 1913 فهذا هو وجه الغرابة.
    إن أكثر من خمسين عاما بين البدء في تأليف الكتاب ووفاة صاحبه كافية لإضافة جديدة إلى فكر المؤلف. ومن هنا لا يكون الحكم مطمئنًا بالنسبة للمادة موضع الدراسة. يتصل بهذا المنهج الذي اتبعه الدكتور لويس, حرصه الواضح على حشد خطوات إثبات ما يريد بموكب من النظريات والمصطلحات والمفاهيم التي من المؤكد أنها تغزو عقل قارئ الصحيفة السيارة, فيستسلم, والأكثر يصبح عاجزًا عن تبين مواطن القوة والضعف. والصواب والخطأ.

    ماذا كان العقاد؟
    في تناول الدكتور لويس لأدب العقاد وفكره بهذا المنهج, المرء يدهش لجرأته في تقديم رؤية مبنية على استخلاص الكل من الجزء! بعد ذلك تطل من بين صفحات التأملات ملاحظات هامشية ومنها مثلا ملاحظة حول هذا العنوان: (تأملات في أدب العقاد) وكيف أن القارئ لما تتضمنه الحلقات يدخل أدب العقاد من باب فكره لما يطالعه في هذه التأملات من جوانب فلسفية واجتماعية وسياسية ثم أدبية في أحوال قليلة.
    ونطوف مع التأملات ونتوقف عند قول الدكتور لويس: (وفي الأربعينيات تابعت بعض أدب العقاد الديني. ولكن العقاد الذي أعرفه وتأثرت به انتهى نحو عام 1937).
    بمراجعة إنتاج العقاد في هذا التاريخ نجده يصدر الكتاب السابع عشر في سلسلة مؤلفاته التي تجاوزت مئة كتاب إلى جانب أحاديثه الصحفية والإذاعية وندواته فكيف انتهى?
    ويتساءل الدكتور لويس: ماذا كان العقاد? ويجيب إنه لم يكن فيلسوفًا بل متفلسفا, وأنه كان متشربا بفلسفة (الترانسندانتال) فقال مسجلا أن هذه الفلسفة بلغت قمتها عند كارلايل, مع أن الثابت أن هذه الفلسفة بلغت قمتها عند كانط وهيجل وهما من الفلاسفة الكبار, وليس عند كارلايل المؤرخ والأديب).
    ثم يقول (أعود إلى الاسم الأجنبي للفلسفة الترانسدية وهي حرفيا تعني التجاوزية ولكن عثمان أمين رحمه الله ابتكر لها كلمة البرانية في مقابلة الجوانية) والسؤال الآن: لماذا كثرة الترجمات لمصطلح اتفق الغالبية على أن ترجمته هي كلمة (مفارق) كما يقول مؤرخ الفلسفة الدكتور يوسف كرم في كتابه (تاريخ الفلسفة الحديثة) كذلك يعلن الدكتور لويس استنادًا إلى الدكتور عثمان أمين أن العقاد كان (برانيا) وبالرجوع إلى كتاب (الجوانية أصول عقيدة وفلسفة ثورة) نجد الدكتور عثمان أمين يعتبره جوانيا، بل (خير معبر عن النظر الجواني في أدبه وفلسفته).
    ويقول الدكتور لويس عن العقاد بأنه (مفكر تلفيقي لعديد من الفلاسفة الألمان) وهذا التوصيف مهين لفكر العقاد, فالتلفيقية في المعجم الفلسفي نزعة بعيدة عن الروح النقدية, وترمي إلى جمع مصطنع بين أشتات غير متلائمة, فهل كان العقاد في فكره بهذه الصورة?
    وحين يؤصل الدكتور لويس لدلالة هذه الكلمات (الحق والجمال والقوة) عند العقاد يجعل لها بديلا يبعدها عن التفكير الإسلامي ويقربها من الفكر الحديث وثالوث المسيحية، مع أنها كلمات متداولة في التفكير الإسلامي فالحق صفة من صفات الله حيث نردد: يقول الحق سبحانه وتعالى, وكذلك الجمال (الله جميل يحب الجمال), والقوة مشتقة من اسم من أسماء الله الحسنى (القوي).
    والدكتور لويس يعتبر العقاد ضمن المدرسة المثالية ثم يقول: (إذا أردت أن تعرف الفرق بين الله في الفلسفة المثالية والله في الفكر الديني لم تجد اختلافا حقيقيا بينهما, إلا أن الله عند الفلاسفة المثاليين غير مشخص) ومعنى هذا أن الله مشخص في الفكر الديني. يقول هذا عن العقاد الذي نجده يردد في كتابه (الله) قوله تعالى (ليس كمثله شيء) عندما يورد صفات الله.
    إضافة إلى كل ذلك, فهناك الكثير من الاهتمامات التي ترجمتها الرسائل الجامعية والدراسات والمحاضرات وكلها - سلبا وإيجابا - أعمال مشكورة تؤكد خلود فكر العقاد.





     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جابر عصفور
    مفارقة العقاد


    [​IMG]

    صورة نادرة للعقاد في القدس 1940

    مفارقة دالة تنطوي عليها مسيرة العقاد الشاعر وناقد الشعر على السواء، وهي مفارقة تتعلق بنظرته إلى التجديد الشعري والثورة على التقاليد والقوالب الجامدة، في مسيرته الإبداعية الأولى، ثم انقلابه على الحرية الإبداعية التي ظل يحارب من أجلها في هذه المسيرة، ويتحول إلى مواقف مناقضة لتراتب الأنواع الأدبية الموروثة من ناحية، وحرية التجديد الشعري التي دعا إليها، ودافع عنها، في حماسة الشباب وتلهفه الى التغيير من ناحية موازية. وكانت النتيجة تحوّل العقاد إلى مهاجم لفن الرواية الذي رآه أدنى منزلة بما لا يقاس بمنزلة الشعر التي ظلت سامقة، وخصم عنيف لواحدة من أهم حركات التجديد الجذرية في الشعر، إن لم تكن أهمها في العصر الحديث، وهي حركة الشعر الحر التي اعتمدت قصيدة التفعيلة في تيارها الغالب الذي بدأ صعوده في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقصيدة النثر في تيارها الذي لم تتسع دوائره العربية وتتنوع أجياله الشعرية إلا مع نهاية الستينات وعلى امتداد السبعينات، وذلك قبل أن يصبح تياراً غالباً على كتابة الأجيال الشابة المتمردة ابتداء من الثمانينات.

    لقد بدأ العقاد الشاب شاعراً ثائراً على القديم، ساعياً إلى هدم التقاليد الجامدة، محاولاً افتتاح زمن جديد من الشعر، في موازاة جهد زميليه عبدالرحمن شكري 1886- 1958 وإبراهيم عبدالقادر المازني 1889 - 1949 وحركة التجديد الجذري التي نهضت بها جماعات شعراء المهجر الشمالي والجنوبي التي برز فيها جبران خليل جبران 1883 - 1931 وصديقه ميخائيل نعيمة 1889 - 1988 وعدد غير قليل من الشعراء الذين سعوا إلى تغيير شكل القصيدة العربية وآفاقها المضمونية. وكانت جسارتهم في ذلك إيذاناً بتغيرات حاسمة في مسار القصيدة العربية التي أفلحوا في تحويل مجراها، والانتقال بها من التقليد الذي تميزت به مدرسة الإحياء، خصوصاً في تمسكها بالنماذج الشعرية القديمة بوصفها مثلاً أعلى ونموذجاً يحتذى. وكان النموذج الرومانسي بتنويعاته المختلفة، وتجلياته المتباينة، ولوازمه المتمردة التي تصل الفيزيقي بالميتافيزيقي، وترى المطلق في النسبي، ولا تخلو من تقديس خاص للمرأة التي أصبحت تجسداً مطلقاً للحضور، سواء في الخير أو الشر، البراءة أو الشهوة، البكارة أو الغواية، كما لم تخل هذه اللوازم من تقديس مواز للطبيعة التي أصبحت حضن المأزومين وواحة المحرومين المغتربين المتوحدين الفارين إليها من جحيم الحياة والبشر، باحثين فيها عن خلاص، أو عن سر الوجود، أو عن تجليات المطلق بالمعنى الروحي الذي تتكشف به الحقائق في لحظات الحدس أو الإلهام التي قاربت ما بين الشعراء والأنبياء إلى الدرجة التي كانت تدني بطرفي الثنائية إلى حال من الاتحاد في حالات عدة.

    وكان طبيعياً أن يمضي العقاد، ناقد الشعر، في الاتجاه نفسه، فيسعى إلى هدم المفاهيم الشعرية القديمة بالعنف الذي عرف به، والجسارة التي ظلت سمة لذاتيته الطاغية. وفي الوقت الذي كان صديقه المازني يكتب عن"الشعر: غاياته ووسائطه"ويهاجم شعر حافظ إبراهيم سنة 1915، كان العقاد يكتب عن المفاهيم الجديدة للشعر الذي يدعو إليه، ويؤسس لثورة في المفاهيم والأفكار التي تستبدل الجديد الواعد المغوي بالقديم الآفل الذي فقد بريقه وبهاءه. وكانت كتابات العقاد النقدية في مجرى الهجوم على الشعر القديم الإحيائي موازية لتأصيله المفاهيم الجديدة التي تأثرت إلى حد غير قليل بشعراء الحركة الرومانسية الإنكليزية ووردزورث، كولردج، كيتس، بايرون، بليك ونقادها ومفكريها على السواء. هكذا، كتب عن مفهوم جديد للخيال الذي أصبح آية الموهبة الإبداعية، وقرن انطلاقه بالحرية الإبداعية التي صارت مرادفة للجمال من ناحية، وتجسيداً للحرية التي لا بد من أن ينطوي عليها الفرد المتميز من ناحية موازية. وكانت أفكار نيتشه وكارلايل غير بعيدة من مفهوم"الفرد"في ملامحه الاستثنائية التي تجعله قريباً من مفهوم"السوبرمان"الذي انطوت عليه دلالة الفرد الإبداعية عند العقاد، وجودياً وأنطولوجياً وسياسياً وإبداعياً، خصوصاً في الشعر الذي وصفه العقاد بقوله:

    "والشعر من نفس الرحمن مقتبس/ والشاعر الفرد بين الناس رحمان".

    وانطلق العقاد الشاعر صوب أفق مغاير للشعر في دواوينه التي تتابع ظهورها إلى نهاية حياته. وكانت البداية"يقظة الصباح"1916 وپ"وهج الظهيرة"1917 وپ"أشباح الأصيل"1921 وپ"أشجان الليل"الذي صدر مع الدواوين السابقة، ضمن"ديوان العقاد"سنة 1928. وكان العقاد الشاعر يتحرك على مستويات ثلاثة، يصل أولها الشعر بالفكر ليفتح القصيدة على التأملات الميتافيزيقية والوجودية، ساعياً إلى تأسيس رؤية كونية عميقة ومغايرة، ويقترن ثانيها بالبحث عن المطلق في النسبي الذي تحول إلى سعي لتحطيم هالة الشعر الكلاسي، وتأسيس معجم حياتي جديد، بسيط عميق، قريب من الحياة العادية في تفاصيلها اليومية الصغيرة التي وصل التركيز عليها إلى ذروته في ديوان"عابر سبيل"الذي كان محاولة لإيجاد الشعر في ما لا يوجد فيه عادة، ابتداء من محال البقالة يوم العطلة وليس انتهاء بالكوائين وغيرهم من قاطني شارع الحياة اليومية الشعبية. ولا يخلو ثالثها من نزوع وطني، يسعى إلى إعادة النظر في الطبيعة المحلية، والتحديق فيها بما يكشف عن رموزها المائزة وطيورها التي لا تشبه غيرها، وكما كتب الرومانسيون الإنكليز عن"القبرة"Lark وپ"البلبل"nightangle كتب العقاد عن"الكروان". وهو طائر مصري أصيل، يترجع صوته في سماوات القرى بما يفسره الفلاحون بأنه ترداد لجملة"الملك لك لك الملك لك لك". وكان ديوان العقاد"هدية الكروان"1933 مواكباً النزعة المصرية التي أشعلتها ثورة 1919، وهي النزعة التي وجدت ما يوازيها إبداعياً في"منحوتات"محمود مختار 1891 - 1934 عن الفلاحة المصرية، وذلك في موازاة قصائد محمود حسن إسماعيل 1910 - 1977 اللاحقة عن"أغاني الكوخ".

    ولم تكن جسارة التجديد النقدي في مفاهيم الشعر أقل من جسارة الإبداع الشعري، أو أدنى من عنف الهجوم النقدي على رموز المدرسة القديمة، وهو العنف الذي جَسّده كتاب"الديوان"الذي أصدره العقاد مع المازني سنة 1921، بعد عامين فحسب من ثورة 1919، وفي سياق الاندفاعة العاصفة لتمردها على الأوضاع القائمة. وظلت هذه الاندفاعة متواصلة في كتابات العقاد النقدية عن الشعر وقصائده المتمردة التي كان أكثرها جسارة"ترجمة شيطان". وظلت آثار هذه العاصفة باقية في الكتب التي أصدرها بعد"الديوان"وقبله على السواء. أقصد إلى"الفصول"1922 وپ"مطالعات في الكتب والحياة"1924 وپ"مراجعات في الآداب والفنوان"1926 وپ"ساعات بين الكتب"الذي صدر الجزء الأول منه سنة 1929. واستمرت جذوة هذه العاصفة التي تركت آثارها في كتاب"ابن الرومي"1931 الذي كان إعادة اكتشاف لهذا الشاعر الذي ظل مهمشاً من قبل ومحاولة جذرية لرد الاعتبار إليه: مبدعاً استثنائياً.

    ولكن يبدو أن الجذوة المتلهبة أخذت في الانطفاء تدريجاً، وظلت تفقد مع الوقت وقدة اللهب التي استبدلت بها الأيام هدأة ما بعد الأربعين التي بدأت علاماتها الأولى في ديوان"وحي الأربعين"1933 شعراً، وظلت تتصاعد في الكتابات النقدية والفكرية التي بدت كما لو كان مجراها ابتدأ في التحول منذ سنة 1936، وهي السنة التي وقّعت فيها مصر وانكلترا المعاهدة التي أطلق عليها أنصارها"معاهدة الشرف والاستقلال"وأطلق عليها خصومها معاهدة التراجع عن مبادئ ثورة 1919 التي ظلت مرتبطة بشعارات من قبيل"الاستقلال التام أو الموت الزؤام"وليس الاستقلال الصوري الذي انطوت عليه المعاهدة التي كانت علامة دالة، حاسمة، في تاريخ الحركة الوطنية المصرية، بدا ما بعدها مختلفاً عما قبلها بمعنى أو أكثر. وهو الأمر الذي تحرك في موازاته نتاج العقاد الفكري والنقدي، وسار في اتجاه لم يكن تحولاً من النقيض إلى النقيض تماماً، وإنما في اتجاه مغاير، أكثر هدوءاً، وأقل جذرية، وأقرب إلى الإصلاح وليس التمرد الجذري الحاسم.

    وأية مقارنة بسيطة بين لغة العقاد في"الديوان"المنشور سنة 1921 وكتاب"شعراء مصر وبيئاتهم في القرن الماضي"المنشور سنة 1937 تؤكد التغير الذي حدث في أسلوب الكتابة ومنظور الرؤية ومفردات اللغة، حيث حل الوصف شبه المحايد محل النظرة المنحازة والمتحيزة، واستبدلت تحليلات المنظور التاريخي بقوارص هجاء المنظور الذاتي. وتحولت المفردات من المدار المغلق للغة الانفعالية إلى المدار شبه المحايد للغة الواصفة. وكان هذا التحول مقترناً بتحول العقاد عن الأفق الغربي الذي تمثل في كتاب"تذكار جيتي"1932 إلى الأفق الإسلامي التراثي الذي شمل العبقريات الإسلامية، ابتداء من"عبقرية محمد"وپ"عبقرية عمر"سنة 1942، مروراً بعبقريات: الصديق والإمام علي والصديقة بنت الصديق، وانتهاء بالحسين وبلال وخالد بن الوليد سنة 1945. وهي السنة نفسها التي أصدر فيها العقاد كتابه"في بيتي"الذي تضمن هجوماً عنيفاً على فن الرواية التي ازدراها العقاد وجعلها أدنى بما لا يقاس بالشعر.

    ولا يلفت انتباهي دفاع نجيب محفوظ الشاب عن فن الرواية التي جعلها"شعر الدنيا الحديثة"في هذا السياق، فالأكثر لفتاً للانتباه والأعمق دلالة أن العقاد الثائر القديم، نصير الحرية بمعناها السياسي الاجتماعي ومعناها الإبداعي، قد تحول إلى معاد للتيارات الإبداعية الجديدة التي تجسّدت في الحضور الصاعد لفن الرواية التي مضت إلى الأمام بفضل الجيل الجديد، جيل نجيب محفوظ وعبدالحميد جودة السحار وعلي أحمد باكثير وقبلهم يحيى حقي وأعضاء المدرسة الحديثة، مندفعة إلى اكتشاف آفاق غير مسبوقة، ومخلخلة المكانة التقليدية للشعر: فن العربية الأول، مفتتحة زمن الرواية الذي مضى بعيداً من زمن العقاد الشاعر الذي فرح بتنصيبه أميراً للشعراء، ومبايعة طه حسين له ليأخذ الصفة التي اقترن بها أحمد شوقي الذي ظل"أمير الشعراء"ابتداء من سنة 1926 إلى وفاته سنة 1932. وبدت المفارقة فاقعة في أن أصدقاء العقاد خلعوا عليه لقباً من الزمن القديم، وأن العقاد الذي هاجم الأمراء وأشعار الأمراء، وانحاز إلى الشعب الذي مثّله"الوفد"الذي وضعه في الطليعة من صفوفه، قد تحول عن مواقفه الجذرية القديمة، وأصبح على استعداد لقبول لقب لم يعد له معنى ولا دلالة. وتحول الاحترام الوطني القديم لصوت"الشعب"إلى احتقار"الدهماء"الذين اقترن بهم فن الرواية التي صارت كالخرنوب"قنطار خشب ودرهم حلاوة"، فلا تعادل الرواية الواحدة مهما عظمت بيتاً واحداً من الشعر.

    ولا أريد أن أمضي في تفصيل تراجعات العقاد في كتاباته اللاحقة، فالمهم أن ناقد الشعر والشاعر المنحاز إلى كل جديد فقد ثوريته التجديدية الجذرية، وأصبح أميل إلى الإبقاء على تراتب الأنواع الأدبية على نحو ما هو موروث، وليس محاولة نقض التراتب بتراتب مغاير. حتى الشعر الذي اعتبره العقاد إنجازه الأثير مع نقده، أخذ المنظور إليه يضيق شيئاً فشيئاً، ويبدأ من رفض محاولة بعض شعراء المهجر"قصف رقبة البلاغة"والخروج على القياس اللغوي، ويصعد إلى رفض أي تجديد أكثر جرأة في شكل القصيدة العربية والثورة على عمودها وبحورها الخليلية. وكان من الممكن للعقاد أن يقبل بعض التنويعات الإيقاعية في الوزن والتقفية، ومن ثم اللجوء إلى المخمسات، أو المسمطات، أو حتى شيئاً مما أطلق عليه اسم"مجمع البحور"أو - على الأقل - تنويع الوزن ما بين الفقرات، لكن الخروج الجذري على العمودية والوزن الخليلي ظل مرفوضاً، معدوداً في دائرة المحرمات من الكبائر الإبداعية.

    وقد ازدادت المفارقة حِدّة مع النصف الثاني من الأربعينات التي شهدت ولادة الشعر الحر أو الشعر التفعيلي في اتجاه وولادة قصيدة النثر في اتجاه مواز. ولم تكن قصيدة النثر سوى هذيان حمقى لا يعرفون العربية في رأي العقاد الشاعر وناقد الشعر. أما الشعر الحر فظل العقاد معادياً له، محارباً صعوده الدال في الخمسينات مع صعود المشروع القومي ونزعات التحرر من الاستعمار. وعندما أنشأ يوسف السباعي - وكان أحد الضباط الأحرار - المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب في قاهرة عبدالناصر، المجلس الأعلى للثقافة في ما بعد، وأصبح العقاد مقرر لجنة الشعر فيه، واصل عداءه للشعر الحر الذي كان يحيله إلى لجنة النثر للاختصاص، سخرية وازدراء، وواصل هجومه على الأجيال الجديدة التي أخذ يمثلها، في مصر، صلاح عبدالصبور وأحمد حجازي وكمال نشأت وفوزي العنتيل وغيرهم. وهي الأسماء التي لم يكف العقاد أو حواريوه عن الهجوم على إبداعها الجديد، والتحقير من شأنه، بل نفى صفة الجدة عنه، وذلك على نحو ما فعل زكي نجيب محمود، المعروف بميله إلى العقاد، عندما كتب مقاله الساخر"ما الجديد في الشعر الجديد؟!".

    ومن الطرائف الدالة على حِدّة نفور العقاد من الشعر الجديد أنه رفض تمثيل شعراء الشعر الحر المصري في مؤتمر الأدباء العرب الذي عقدت دورته الأولى في دمشق، بعد الوحدة، ولم يوافق إلا بعد أن طمأنه يوسف السباعي، وأكد له أن صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي لن ينشدا إلا شعراً عمودياً، منظوماً في أعاريض الخليل. وكان من نتيجة ذلك قصيدة صلاح عبدالصبور عن أبي تمام وقصيدة حجازي"تموز". وكلتاهما قصيدتان عموديتان، ومحاولتان لإثبات قدرتهما على النظم بالأعاريض الخليلية، وأن إيثارهما الشعر الحر ليس عجزاً عن القول الموزون المقفى أو التفوق بمقياس العمود القديم. ولكن عندما حاول الشاعران في الدورة الثانية لمؤتمر الأدباء العرب، في دمشق كذلك، أن يدفعا بقصيدتين لهما من الشعر الحر الذي أصبح مقبولاً لدى مجموعات وطوائف عدة مناصرة لجديد الشعر الجديد، مع مطلع الستينات، رفض العقاد، وهدد بالانسحاب، والاستقالة من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، فتوسط يوسف السباعي، وطلب من الشاعرين الاعتذار عن الإلقاء بحجة مرض طارئ، لئلا يستقيل العقاد العملاق الذي لم يكن أحد يجسر على إغضابه. وأفلح توسط يوسف السباعي، وعاد الشاعران من دون أن يلقيا شعراً، ولكن طبيعة أحمد حجازي النارية لم تقبل ما حدث، فنظم بعد عودته إلى القاهرة قصيدة حادة في هجاء العقاد. وأحدثت القصيدة ضجة كبيرة بعد نشرها، ولم يتركها حواريو العقاد وأنصاره تمر من دون ثأر أو انتقام، فانصبت حملات الهجوم الأعنف على الشعر الحر، وقاد الشاعر العمودي صالح جودت الذي كان يترأس تحرير مجلة"المصور"القاهرية في ذلك الزمان أحد فيالق الهجوم على شعراء قصيدة"الشعر الحر"الذين سماهم"القرامزة"، جاعلاً منهم عملاء للشيوعية والاستعمار، ومعادين للدين. وهي التهم نفسها التي لم يتوقف توجيه بعضها في أوساط التجمعات التي ظلت على محافظتها ونفورها من الجديد الذي أصبح قديماً، بعد مرور أكثر من نصف قرن على بدايته. ولكنها مفارقة العقاد الذي بدأ ثائراً مدافعاً عن الحرية الإبداعية، إلى جانب دفاعه عن الحرية الاجتماعية والسياسية، وانقلب مع الزمن إلى معادٍ للحرية التي طالب بها في شبابه، وحَرَّمها على الأجيال الشابة التي جاءت بعده. شأنه في ذلك شأن الثائرين الذين انتهوا إلى نقيض ما بدأوا منه، وذلك في دلالة ثقافية تستحق لفت الانتباه إلى تكرارها.



     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    طريد الحياة


    تحدَّث إليَّ الصديق الفاضل محرر «صوت الشرق» عن عودة «توماس مان» إلى أوروبا وتعويله على الهجرة من أمريكا وعلاقة ذلك بروايته الأخيرة التي تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان «الآثم المقدس» The holy sinner ومدارها على أسطورة من أساطير القرون الوسطى: خلاصتها أن رجلًا من سلالة الآثمين ترقَّى بتوبته وندمه إلى عرش البابوية، وكانت أمه وعمته وزوجته امرأة واحدة.

    وقد كنت هممت بالكتابة عن توماس مان وقصته، وعن آثار القرون الوسطى في أدب هذا الكاتب الذي يعيش بخياله في تلك القرون، ثم قرأت خلاصة قصته لزميلنا العلامة الدكتور طه حسين، فوجدت في تلخيصه مجالًا للكتابة في هذا الموضوع؛ لأن الدكتور يقول وهو يختتم ذلك التلخيص:

    وقد لاحظ القارئ في هذه الخلاصة الموجزة أن الكاتب لم يبتكر قصته كما قدَّمتُ، وإنما اشتقَّها من أحاديث القرون الوسطى ومن قصة أوديبوس ملكًا؛ فالخطيئة التي ولدته وولدت له ابنتيه هي خطيئة أوديبوس ملكًا، والعاقبة التي انتهى إليها هي نفس العاقبة التي انتهى إليها أوديبوس في القصة التي صوَّر فيها سوفوكل براءة هذا الملك الذي كان ابن الخطأ والخطيئة، وهي قصة أوديبوس في كولونا. فقد انتهى أوديبوس إلى أن رضيت عنه الآلهة وجعلته شيخًا مباركًا يُستَجَاب دعاؤه وتلمُّ البركة بالأرض التي يدفن فيها.
    والظاهر أن هذا الخاطر قد سبق إلى اعتقاد الدكتور لامتلاء نفسه بروائع الأدب اليوناني القديم أو روائع سوفوكل منه على الخصوص، فاعتقد أن توماس مان نظر في قصة «الآثم المقدس» إلى الشاعر اليوناني الخالد، واقتبس من مأساة أوديب طرفًا من موضوعه، وليس هذا الظن في الواقع إلا ثمرة من ثمرات الإعجاب بالمأساة اليونانية؛ لأن توماس مان أقل كتَّاب العصر تأثُّرًا بأدب اليونان، وأكثرهم وأشدهم تأثرًا بالأساطير التي تخلَّفت عن القرون الوسطى.

    ***

    ومصدر هذه القصة التي لم يزد عليها توماس مان شيئًا من عنده أو من المراجع اليونانية إنما هو منظومة الشاعر الألماني هارتمان فون أوي Hartman Von Aue الذي عاش في القرن الثاني عشر (١١٦٥–١٢١٠)، وشغل نفسه بهذه الأساطير، وأراد أن يبيِّن بها سعة الغفران الإلهي لقبول التوبة من الخاطئين.

    ولا عجب في اختيار توماس مان لهذه الأسطورة؛ لأن موضوع الخطيئة والموت والسحر والمطاردة الإلهية والتوبة هو الشغل الشاغل لذهنه وخياله، وهو محور رواياته جميعًا؛ ما كان منها عصريًّا في وقائعه وما كان منها متعقبًا لأساطير القرون الوسطى كالدكتور «فاوست»، أو القصص السابقة للميلاد كقصة يوسف الصديق وما حدث فيها من جريمة إخوته أو جريمة زوج العزيز، ثم ما كان بعد ذلك كله من التوبة والسماح.

    ويوشك أن يكون تصوير توماس مان لحياته وتصرفات الزمن معه أنه طريد الحياة أو طريد الآلهة؛ لأنه نشأ في بيت من بيوت التجارة المشهورة، وكانت أرباح بيته تكفيه وتُدِرُّ عليه أرزاقًا وافرة لولا بلاء الفن والأدب، وهما في رأيه مستنفدان لقوة السعي وقوة الحركة، فمن ابتُلِيَ بمحنة الفن والأدب فلا نصيب له من دنيا العمل والكفاح، وكأنما هي اللعنة القديمة لا لعنة «برومثيوس» الذي اجترأ على اقتباس النار الإلهية وتعليم البشر كيف يوقدونها ويسخرونها، فلاحقته لعنة الآلهة بالنفي والعذاب.

    وكأنما أرادت المقادير أن تداعب الرجل في هذه العقيدة فجعلته هو وأخاه أديبين، ورزقته ولدًا وبنتًا كلاهما أديب … وهما ابنه كلوس وبنته إريكا Erika وقد اشتهرا كما اشتهر أبوهما قبل أن يُتِمَّا الخامسة والعشرين.

    وقد ذاعت شهرة «توماس مان» بروايته الكبيرة الأولى «بدينبروك» التي تعتَبر ترجمة فنية للمؤلف وأسرته، وكانت هذه الرواية من الكتب التي أحرقها هتلر لمؤلفين ينتمون إلى السلالة اليهودية أو إلى أنصار الجمهورية الألمانية الأولى، وأحسب هذه المصادرة من أسباب شهرة الرواية ومن أسباب ترشيحه لجائزة نوبل بعد ذلك بفترة قصيرة؛ لأن لجنة نوبل جعلت ديدنها تشجيع كل أديب يتحدَّى النازية أو الشيوعية، وأخلصت في ديدنها هذا لرسالتها أو لأمانتها؛ لأنها تخصِّص جوائزها لخدمة السلام ومحبة الإنسانية، وترى أن الحكومة المطلقة حرب على السلم وشريعة المحبة، ومن أجل هذا حرَّم هتلر على الأدباء الألمان أن يرشحوا أنفسهم لجوائزها أو يقبلوها.

    ***

    أقول إن المصادرة كانت من أسباب شهرة الرواية، ومن أسباب الترشيح لجائزة نوبل؛ لأنني في الحق لا أستسيغ أسلوب المؤلف كثيرًا ولا أخاله جديرًا بالسمعة الفياضة التي استطارت له في عالم الأدب الحديث؛ فهو متوسِّط في أدبه وفي قريحته، لم يرتفع قط إلى القمة بقصصه ولا ببحوثه النقدية ولا بأعماله السياسية، ومن رواياته ما يُمل القارئَ إملالًا شديدًا، ولا سيما الروايات الكبرى، وأذكر أنني كنت أجرُّ خطواتي جرًّا وأنا أقرأ له رواية «بدينبروك» ورواية «الجبل السحري»، ولم أقرأ له شيئًا يساغ ويعوِّض القارئ بعض العِوَض عن صبره وعنايته غير حكاياته القصار جيتي وابسن وتولستوي وهيني وويتمان؛ فهي نمط من نقد «الشخصيات» ينمُّ على فطنة نفسية ثم يقف عند هذه الدلالة؛ إذ كان قسطاسه في النقد أن الفوارق الفنية لا تعنيه كثيرًا ولا قليلًا إلى جانب الطبيعة الشخصية، وسيان بعد تمثيل هذه الطبيعة الشخصية أن يكون الأديب شاعرًا أو حكيمًا وناظمًا غزلًا في باكورة الشباب، أو باحثًا متفلسفًا بعد السبعين والثمانين.

    ولقد أفادت الرجل عداوتُه للنازيين وعداوة النازيين له من عهد الجمهورية الأولى، ولم تزل تنفعه إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تجرَّد فيها للحملة على دولتي المحور بالمقالات في الصحف والأحاديث في الإذاعة والمحاضرات في المجتمعات، وانتقل إلى الولايات المتحدة قبيل الحرب، ثم بقي فيها إلى ما بعد انتهائها، ولم تكن له حظوة أدبية على ما يظهر بين الأمريكيين، ولكنه كوفئ بلقب الدكتوراه الفخرية من جامعة أكسفورد قبل ثلاث سنوات، وظل يتردَّد زمنًا في البقاء بالولايات المتحدة قبل تأليفه الرواية الأخيرة، ثم عقد النية على الهجرة منها منذ شهور.

    وعلى اتساع الدعاية التي أحيط بها عند وصوله إلى الولايات المتحدة وبعد وصوله إليها، لم يُقبِل القراء الأمريكيون على أدب توماس مان؛ لأنهم أخذوا ما يوافقهم من سياسته وأعرضوا عن أسلوبه، وهم على حق في إعراضهم عنه ولو من الوجهة الاقتصادية إذا صحَّ هذا التعبير؛ إذ كان أسلوبه مما يكلف القارئ تعب الساعات لمتعة اللحظات المعدودات، ثم هو بعد ذلك لا يأتي بثمرة خاصة أو مقصورة عليه؛ فإن ثمراته مما يستفاد هنا وهناك بأقل من ذلك العناء.

    ***

    تقلَّبَت آراء توماس مان كما تقلبت مواطنه بين ألمانيا وسويسرا وبوهيمية وفرنسا والولايات المتحدة، فكان من آرائه في أوائل حياته الأدبية أن الاشتغال بالسياسة أمر لا يجمل بالأديب، وكان ينشر مذكراته بعنوان «تأملات رجل ليس من أهل السياسة»، ثم اشتغل بالسياسة ودخل في زمرة الأدباء المجنَّدين لخدمة عُصبة الأمم، ثم جهر أخيرًا بوجوب العمل السياسي أو التفكير السياسي، على كل كاتب وكل شاعر وكل فنان وكل فيلسوف، وبدا له أن مصيبة الألمان العظمى هي عزل السياسة والفلسفة، فانقادت الأمة بمعزل عن المفكرين لعصبة من الجهلاء.

    ثم ثاب إلى عزاء يواسي به عقله وقلبه في محنة الفن والأدب، فلما سئل عما يعتقده من شئون الدين قال إن كلمة الديانة اللاتينية تفيد معنى الانتباه والمبالاة، وإن الفن إذن هو عقيدة الروح التي تنجو بها من الكسل والملل وقلة الاكتراث وضعف التعويل على آمال الحياة؛ فإن الفنان مطالَبٌ بالانتباه الدائم والملاحظة المتجددة، فإن لم ينتبه ولم يشغل قريحته بملاحظة كل شيء فما هو بفنَّان.

    وفحوى هذا أنه قد صار إلى اعتقاد في الأدب والفن يناقض اعتقاده فيهما، متشائمًا متبرمًا حين توهَّم أن الأديب طريد الحياة، وأن إخفاق بيته التجاري إنما هو ضريبة الفن على أهل العمل والكفاح، فما يعتقده اليوم هو أن «الفن» أمل المستقبل الوحيد أمام الإنسان الحائر في هذا الزمان، وأن العقيدة الفنية الملهمة هي القوة الوحيدة التي تعترف بشطري الإنسان ولا تفصل بينهما فصل المناقضة والملاحاة، وقد خُلِق الإنسان وله شطر في الطبيعة وشطر في عالم الروح والمثل الأعلى، فإذا قنع بشطر الطبيعة وحده فهو حيوان، وإذا قنع بشطر الروح وحده طردته الحياة، وإنما قوام الشطرين أن يجتمعا ولا ينقطع أحدهما عن صاحبه، وخير الوسائل لتقويم هذا القوام وإسباغ الجمال عليه هو الفن الجميل.

    واليوم يعود الرجل وهو في السابعة والسبعين إلى أوروبا ويعول على هجرة الولايات المتحدة بعد أن تردد زمنًا بين هذين الشطرين من الكرة الأرضية، وها هو ذا يحاط في هجرته بدعاية كالدعاية التي أُحِيطَ بها في رحلته، فقيل في ذلك كلام كثير عن حرية الرأي وحرية الفن وما شابه هذه التعلَّات، ولكن الحقيقة كما يدل عليها تاريخه كله هي أن طبيعة الرجل مسلطة عليه من داخل طويته قبل كل سلطان يُملي عليه مشيئته من عالم الخارج؛ فهو ممتلئ الطوية بشعور المطاردة، دائم الرغبة في النقلة من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال، وشعوره هذا هو الذي علَّقه بكل موضوع فيه لعنةٌ طاردةٌ وفريسة مطرودة، أو فيه خطيئة وتوبة، ومَطَافٌ واستقرار.

    وخير ما في هذا الشعور أنه يحبب إليه السماحة والغفران، وأنه يوحي إليه أن عفو الله أوسع من أن يَضِيق بذنب أو جريرة، وعن هذا الشعور يعبِّر حين يذكر من مناقب «البابا» المزعوم بطل الرواية الأخيرة أنه كان يُعِدُ المذنبين بالغفران حتى المسلمين … وهم في تلك القرون أعدى أعداء الله في عرف الصليبيين.

    قال: «لقد بلغت الثورة أشدَّها حول قضية المسلمين الذي صبئوا عن دينهم، وأقبل كل منهم في أرض كنعان بزوجاته الأربع وبنيه إلى ينبوع العمادة … أيمكن باسم الله أن يصبح هؤلاء وأبناؤهم مسيحيين مقبولين؟ إن هذه القضية أقلقت منام البابا كما قال حاجبه عدة ليالٍ، ولكنه عاد ففكر في إبراهيم وغيره من الآباء الذين عاشوا تحت عين يهوا عيشة لا فرق بينها وبين عيشة الترك المسلمين، فهبَّ من فراشه وأملى الجواب على كاتبه وقال إن الإنجيل — ولا نقول شيئًا عن كتب العهد القديم — لم يصرح بكلمة واحدة تمنع تعدد الزوجات …»

    وسماحة الغفران أيضًا هي التي ختم بها قصة يوسف الصديق؛ فجعل الصديق يبكي ويحزن لأن إخوته طلبوا منه المغفرة باسم أبيهم؛ إذ كيف يخطر لهم أنه معاقبهم بذنوبهم حتى يذكروا له اسم أبيهم ليطمعوا في غفرانه؟

    ثم كان الختام الذي ينبغي أن يتوقَّف عنده كل قارئ مصري، حيث يقول صاحبنا في الأسطر الأخيرة من رواية يوسف: «والآن! هلموا بنا إلى الأرض الطريفة المضحكة: أرض النيل!»

    غفر الله له؛ فإن غفرانه تعالى ليسع الآثمين المقدسين وغير المقدسين.


    * مجلة صوت الشرق - ديسمبر ١٩٥٢
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبّاس محمود العقاد..
    مصر في كتـب أربـعـة​


    كان عبّاس محمود العقّاد (1889-1964) كاتباَ وأديباً وناقداً وشاعراً موسوعي الثقافة، وهو ما انعكس جليّاً في غزارة تأليفه، إذ إن مؤلفاته تربو على الألف، فضلاً عن المقالات المتناثرة في الدوريات، والتي يقال إنها تربو على الخمسة عشر ألف مقال. تتنوّع المواضيع والعلوم التي اهتمّ بها العقّاد، فمن الأدب إلى نقد الشعر إلى الدين إلى المرأة إلى الفلسفة.

    لم يترك العقّاد شيئاً إلا وسَبَره عبر القراءة والبحث، فقد كان قارئاً ومؤلِّفاً من طراز نادر.

    وها هنا تنفرد مجلة الدوحة بنشر مقالين للعقاد غير منشورين من قبل،وهما -في الأصل- محاضرتان أُلقيتا عام 1936 عن أربعة كتب تخصّ مصر، كانت قد صدرت حديثاً وقتها.
     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    مصر في كتب أربعة
    (1)
    محاضرة

    [​IMG]

    حضرات السادة والسيدات..

    من حقّ مصر أن تحضر في أذهان العالم ومسامعه، سواء أكان عالم الكتب أو عالم الأعمال. فإن الأمة التي لا تذكرها الأمم في أيامها هي أمّة ماضية وليست بحاضرة، وهي أمّة تُقاد في ركب الثقافة وليست تقود، وتلك منزلة لا يرضاها لبلادهم أبناء وطن من الأوطان.

    ومصر تُذكَر كثيراً في كتب التاريخ والسياسة والرحلات وما إليها، ولكن لا أعني أمثال هذه الكتب فيما أشرتُ إليه، لأن الأمّة قد تُذكَر في كتب التاريخ والسياسة والرحلات وليس لها اختيار ولا فضلٌ في ذكرها: كل أمّة لها تاريخ ماضٍ يكتب فيه بعض الكاتبين، ويقرأه بعض القارئين، ولو من غير أبنائها، وكلّ بلد قد تجعل السياسة الدولية حديث المشارق والمغارب، وهو لا يشترك بعمل مجيد في هذا الحديث، وكلّ إقليم قد يصلح للرحلة فيه والكتابة عن مشاهداته وآثاره أياً كان نصيب أبنائه في حياتهم الحاضرة، وليس هذا الذي نعنيه حين نتمنى أن تحضُر مصر في أذهان العالم ومسامعه على مدى الأيام. إنما نتمنّى أن تكون هي الدارسة لا موضوع الدراسة، وأن تكون هي المساهمة في ثروة الحضارة والثقافة لا أن تكون هي حصةً للمساهمين الباحثين، وأن تكون الكتب لها ومن صنعها، ولا يكفي أن تكون عنها ومن صنع غيرها، وأن ينقضي العام بعد العام وفي سجلات كل عام من هذه الأعوام أثر مذكور لمصر في فتوح العلم والأدب والصناعة، كالأثر المذكور لجميع أمم الحضارة والتقدُّم والإنشاء.

    هكذا نودّ أن يكون حضور مصر في الأذهان والآذان. وهكذا نودّ أن تكون مساهمتها في عالم الكتب والدرس والثقافة. ونحن نغتبط -ولا شك- كلما رأينا مصر مذكورة أي ذكر في عالم التأليف والتصنيف، ولكننا نغتبط أضعاف ذلك حين نراها تُذكر بما أضافت هي، وأنشأت هي، وأبدعت هي في ذلك العالم الرحيب. والكتب الأربعة التي جعلناها موضوع هذا الحديث هي كتب ندرسها كما درستنا، ونعالج الكلام فيها كما عالجت الكلام فينا، وذلك حقّ لها يساوي مؤنة استعراضها والإلمام بأغراضها، ونخرج منها مستعرِضين ومستعرَضين، فنحن على حدود المساواة حتى يُتاح لنا أن نرتفع بالميزان إلى ما فوق المساواة: إلى الفضل والرجحان!



    ***

    حضرات السادة والسيدات...

    وصلتْ إلينا -أخيراً- هذه الكتب الأربعة عن مصر أو عن الشؤون المصريّة، فأحببنا أن نُدير عليها الحديث في هذه الليلة، لأنها تعنينا، وتستحقّ عنايتنا، ولو لم يكن في التحدُّث بها إلا أن نتابع ما يذكره الناس عنا لكان ذلك سبباً للإلمام بها والإشارة إليها، فإن الرجل الذي لايعرف أنه مذكورٌ هو منسيّ بعض النسيان، وإن لم ينسَه الناس.

    كل هذه الكتب ممّا يتّصل بالحاضر أو بالدراسات الحاضرة وان كان ظاهره التاريخ ووصف الآثار: أحدها اسمه «صوت في مصر»، والثاني اسمه «وباء مصر الأخير».. والثالث اسمه «الدكتور إبراهيم».. والرابع اسمه «سياحة في مصر» تُستَأنَف أو تُعاد طبعتها في هذه الأيام.

    وليس من الميسور أن نستعرضها كلها هذه الليلة، فنحن نجتزئ الآن بالكلام على اثنين منها، ونرجئ الكلام على الاثنين الآخرين إلى ليلة أخرى.



    ***

    فأمّا كتاب «صوت في مصر» فهو أحرى أن يُحسَب من وحي الخيال، وإن كان موضوعه التاريخ ودراسة الآثار.

    نعم هو أحرى أن يحسب من «وحي الخيال» لأن صاحبه يخاطبنا من ناحية الخيال أو هو يتطلَّب منا خيالاً واسعاً لكي نؤمن بصدق ما يقول، وليس يتطلب من القارئ علماً وتمحيصاً بمقدار ما يتطلَّب منه، حسن الإصغاء إلى حديث التخيُّل والإلهام.

    مؤلِّف «صوت من مصر» أو «هاتف من مصر» هو طيّار إنجليزي اسمه «راندال ستيفن» من الذين اشتركوا في الحرب العظمى، ولم يُعرف عنهم الاشتغال بالمصريات ولا رؤية مصر نفسها قبل صدور تواليفه العجيبة في التاريخ المصري والآثار المصرية. وهو واحد من أولئك الذين تعتريهم الهواتف، ويستمعون إلى أصوات من الغيب تتحدث إليهم بأنباء الماضي السحيق والمستقبل البعيد.. وقد استشهد بأناسٍ من الناشرين والأطباء على كتابة ما كتب، قبل ظهور المحفورات التي تؤيِّد بعض ما يقول.. ومن المحقَّق أن بعضاً من كتبه قد صدر، وتناولته أيدي القراء قبل ظهور المحظورات التي أشار إليها، ولكن من المحقَّق -أيضاً- أن التطابق بين أنبائه السابقة وبين ما لحق بها من المكتشفات الأثرية ليس بالدليل القاطع على صحّة الهواتف والغيبيات التي يتلقّى عنها أنباءه. لأن الاهتداء إلى أمثال تلك الأنباء بغير الهواتف لا يدخل في حيِّز المستحيل.

    يقول لنا الضابط صاحب الهواتف إن موسى عليه السلام قد تحدَّث إليه باسم «أوزيراس»، لأنه هو الاسم الذي كان معروفاً به بين المصريين، وقال له إنه كان أميراً من سلالة البيت المالك ينتمي من ناحية أمِّه إلى قبيلة آسيوية، وأنه غضب لما أصاب أبناءَ خؤلته من الظلم والضنك، فتشفّع لهم، فلم تُغنِ عنه الشفاعة، وعَرَّضته لغضب الملك ودسائس الكهّان، فجلا بالقبائل الآسيوية إلى أرض سيناء، وتبعه هنالك فريق من حرّاس الحدود، وأغلق البقية على أنفسهم أبواب حصونهم، لأنهم أشفقوا أن يكافحوه، أو يعوِّقوه.

    يقول «جارفس بك» محافظ سيناء، المشهور ببحوثه القيّمة في آثار الصحراء الشرقية: «لقد لُفِت نظري إلى كتاب عن مصر يقال إنه من وحي الأصوات والهواتف، كتبه ضابط سابق في سلاح الطيران الملكي، لم يشاهد مصر قط، ولم يعلم شيئاً من تاريخها القديم. والكتاب جدير بالنظر لأنه ينمّ على معرفة دقيقة بتاريخ هذا القطر يصعب تعليلها عندما يخطر لنا أنها من قلم رجل لا دراية له بموضوعه. وقد نقض طائفةً من الآراء كانت مقبولة عند علماء المصريات، وجاء فيه عن هجرة الإسرائيليين ما يأتي:

    «وهنا نقل جارفس بك رواية الضابط الطيار عن الخطة التي سار عليها موسى عليه السلامُ، وسيَّر بها أتباعه المهاجرين. ثم عقّب جارفس بك على تلك الرواية بتأييدها في جوهرها، ثم قال:

    «لم يخطر قطّ للذين كتبوا الفصول الكثيرة في تيه بني إسرائيل أن يسألوا: كيف كان مسلك الحاميات المصرية على الحدود؟ وهي الحاميات التي لا شك في وجودها يومئذ، كما تدل على ذلك أطلال المعاقل الباقية إلى شرقيّ القنطرة والإسماعيلية.. فقد كانت مصر يومئذ على خصومة دائمةٍ مع جيرانها الشرقيين، وكان لابُدَّ لها من حاميات قوية على تخومها لتصدّ الغارة الأولى من الجيوش الداهمة، وتحرس البلاد المطمئنة من سطو البدو عليها في سائر الأوقات الأخرى، وأن كلمة البدو لتقع في الأذهان موقع النغم الحديث، ولكننا لا نرى من سببٍ يسوّغ لنا أن نظن أن برّية كسيناء يسكنها من قديم الزمن أناس غير أهل البداوة. وادعُهُم بأي اسم دعوتَ، فأحوال المعيشة هنالك توجب أن لا يكون لسيناء سكّانٌ من طراز غير طراز سكّانها اليوم. والراجح جداً أن بدويَّ اليوم وسلفه «العانيّ» قبل خمسة آلاف سنة هما عنصر واحد. وفيما عدا «البندقية»، وهي سلاحه الحديث الذي استعاره في الأوروبيين لن ترى في معيشة البدوي اليوم أو في مسكنه وأدواته شيئاً تغيرّ على تعاقب الأدهار».

    قال جارفس بك: «فلما مُنيت حاميات الحدود بجمعٍ كبير من المستبسلين المستميتين يفوقونهم عدداً لم يكن لهم محيصٌ - أغلب الظن - إلا أن يسلكوا المسلك الذي أنبأ به صاحب كتاب «سجلات أوزيريس».. وهو أن يوصدوا على أنفسهم أبوابهم أو يلحقوا بقبائل المهاجرين.

    ذلك مثلٌ من أمثلة الأنباء أو الهتفات المسطورة في كتب الضابط الطيّار.. والمطابقة هنا بين النبأ وبين الواقع المفروض أمر لا يتعذَّر على التقدير والتخمين، ولكنْ، أقلُّ، ما في الأمر أن الكتاب صدر قبل أن يقرأه جارفس بك، وأنه إذا ثبت أن الضابط الطيار لم يدرس تاريخ مصر، كما ثبت أنه لم يشهدها رأي العين، فالغرابة الكبرى هي أن يؤلِّف كتاباً كذلك الكتاب.



    ***

    ومثل آخر من نبوءاته أنه أنبأ برسم السراديب الخفية تحت الأهرام، فجاء الرسم قريباً مما أظهرته المحفورات الأخيرة، قال: «ذات ليلة في شهر مايو سنة 1926 ذهبتُ في النوم، بعد رقادي، إلى أبي الهول.. ومازلت أحوم هناك حتى وجدتُني في ضريح قديم، وفهمت أن الضريح لرئيس كهنة الأسرار الذي اسمه هيلومور أو هليووير، ورأيت التابوت وأدوات شتّى من معدّات المدافن.. وعُنيت بتدوين ما رأيت في الصباح التالي بمحضرٍ من ناشريّ، وأناس ذوي أقدار، منهم الدكتور بيتر مايلز الذي وقع الوثيقة، وكتب المقدمتين لكتابين من مؤلّفاتي.. وفي فبراير سنة 1930 نشرت الديلي ميل صورة شمسية لأبي الهول وصورة لذلك الضريح الذي انجاب عنه التراب، وذكَرَتْ أن الحفر بجوار أبي الهول قد أظهر ضريح «رع وير».. ولم أنتبه إلى الاسم حتى نُبّهت إلى أن «رع وير» و«هليو وير» اسمان لمسمّى واحد، وأن «هليوويس» هي الكلمة اليونانية المراوغة لكلمة «رع وير»، لأن الشمس تسمى «رع» باللغة المصرية و«هليو» باللغة اليونانية.

    ومثلٌ غير ما تقدَّم من أمثلة نبوءاته أنه أنبأ بوجود هيكل لأخناتون في طيبة، فسخر منه بعض كتّاب المصريات، لما هو معلوم من أن أخناتون بمعبد طيبة والكهنة الطِّيْبيين فلم يمضِ عام حتى ظهرت تماثيلُ لأخناتون وظهر هيكل له في الكرنك أي في طيبة.. كما قال، وكذلك أنكر أن تكون الجثة التي عُرفت باسم اخناتون جثة ذلك الملك، قبل أن يوافقه على شكوكه بعض الأثريين المشهورين، ولا يزال ينكرها بعد فصل الثقاة في هذا الخلاف.

    والنبوءات من هذا القبيل تتكرَّر في صفحات الكتاب. لكنْ، لابد أن يلفت النظر ذكرُه اسمَ الخرطوم في نبوءات الهواتف الأقدمين، وزعم أنها كانت تُسمّى في العهد البائد «خاتوم» لا الخرطوم، فهل هو تصحيف في الهواتف أم هو جهلٌ منها بحقيقة الاسم الحديث؟؟ إن الخرطوم مدينة حديثة سُمِّيت بهذا الاسم لوقوعها في النيل في مكان يشبه خرطوم الفيل، فمن أين جاءت «خاتوم» هذه قبل أن تُوجد مصر القديمة والسودان القديم؟ كذلك يذكر «العمارنة» بلسان الهواتف القديمة، وهي -كما نعلم- منسوبة إلى قبيلة عربية حديثة، فهل كان الهواتف يجهلون اسمها الغابر، أم يفضِّلون عليه الاسم الجديد؟ ولذلك يذكر الضابط أسماء في القارة البائدة مسبوقة بأداة التعريف العربية.. فهل كان أبناء تلك القارّة يعرفون أداة التعريف العربية قبل عشرات الآلوف من السنين؟ وحديث القارة البائدة هذا الحديث عجيب طريف، لأن صاحب الهواتف يقول إنها قد انبأته بتاريخ تلك القارة التي كانت إلى الجانب الغربي من القارة الإفريقية، وكانت على حضارة تفوق الحضارة الأوروبية الحديثة، ثم طغت وفسدت فدمّرها الله، وأوصى بضعةً من حكمائها أن يرحل فريق منهم إلى الشرق، وفريق آخر إلى الغرب، فكانت حضارة مصر القديمة، وحضارة أميركا القديمة، وهما تتشابهان في الشعائر والآثار.

    والدنيا في رأي صاحب الكتاب عرضةّ للنكبات العظمى التي تشبه نكبة القارة البائدة - مرة في كل خمس وعشرين ألف سنة، وهي المدّة الكافية للتحوُّل التام في محور الكرة الأرضية، وهذه المدّة تنقسم إلى أجزاء كلٌ منها يقع في نحو ألفين وثلاث وثمانين من السنين، وكل منها شوط من أشواط الحضارة الإنسانية، له علاماته وخصائصه ومميزاته، ونحن الآن على مقربة من نهاية الدورة الكبرى التي يقضي بعدها الله ما يشاء في مصير هذه الدنيا ومصير هذه الحضارة.



    ***

    حضرات السادة والسيدات..

    لقد صبرتُ على قراءة هذا الكتاب لأنني عَوَّلت -من البداية- أن أحسبه من كتب الخيال، ولا خسارة عليّ في ذاك.

    فإذا نحن استعرضناه على هذا الاعتبار ففيه متعةٌ فكرية، وفيه دراسة نفسية، وليس من الإنصاف أن نمحوه محواً، أو نطويه طيّاً، لأننا لا نصدِّق كل ما فيه، فليس الشرط الأول في القراءة التصديق والموافقة، ولكنما الشرط الأول هو مادة الدراسة والملاحظة، وفي كتاب «الهاتف في مصر» ذخرٌ موفور للدارسين والملاحظين، وذخر موفور للمتخيِّلين والمتأمِّلين، ولاسيما إذا كانوا من أبناء البلاد التي تدور عليها أحاديث الكتاب.

    أما الكتاب الآخر الذي سنتكلم عنه الليلة فهو كتابُ حقيقة لا كتاب خيال.. وإن كان موضوعه المخدِّرات والمُصابين بسموم العقاقير.

    وربما كان أقرب ما في الكتاب إلى الحقيقة وأبعده في الخيال عنوانه الذي اختاره المؤلِّف وهو «وباء مصر الأخير».. مشيراً إلى الضربات العشر إلى أصابت المصريين في زمان موسى عليه السلام. فإن وباء المخدِّرات لم يكن ليقلّ في خطره وبلائه وسعة انتشاره ووخامة عقباه عن جميع تلك الأوبئة والضربات مجتمعات. وقد كان أشبه بالجائحة الوبائية منه بالآفة الاجتماعية، لأنه سرى سريان المرض الذي يصيب بالمساس والمجاورة. ولم يَسْرِ سريان الآفات الاجتماعية التي تشيع حسبما يشيع لها من أسباب.

    قال المؤلف بعد بيانه لقواعد الإحصاء التي عُرفت بها نسبة المصابين بالمخدِّرات إلى نسبة السكّان:

    «لقد تبين أنه من ثلاثة وثمانية من عشرة إلى أربعة في المئة كانوا مصابين بعدوى المخدِّرات، وهذا معناه أن خمسمئة ألف في أربعة عشر مليوناً كانوا يدمنون هذه السموم.

    «لكن هذه الملايين تشمل الرجال والنساء والأطفال، والمعلوم أن تعاطي السموم محصور -على الأغلب- في الذكور دون النساء، وأنه عادة يتعوَّدها الرجال فيما بين سِنّ العشرين وسِنّ الأربعين.

    «فعلينا -إذاً- أن نضرب النسبة المئوية في اثنين لنعرف عدد الرجال المصابين بالوباء. وإذا قدَّرنا أن العشرين سنة هي على الجملة ثلث العمر المقدور للإنسان فلنضرب النسبة المئوية مرة أخرى في ثلاثة، وتكون النتيجة أن نحو أربعة وعشرين في المائة من زهرة الرجولة المصرية، في إبان عمر العمل، كانوا عاكفين على تسميم أنفسهم بالمخدِّرات، أي واحداً من كل أربعة رجال، وهي حالة مروِّعة بلا مراء».

    وقد طرق المؤلِّف أبواباً مختلفة في موضوع هذه العقاقير. ففي الكتاب بيان نشأتها واشتغال العلماء بتحضيرها، واشتغال المصلحين بمنع أضرارها، وأساليب المهرِّبين في نقلها وترويجها، وأفانين الشرطة التي يلجأون إليها لاقتناص المهرِّبين وإيقاعهم في الشِّبَاك، والقوانين الدولية التي وُضعتْ لتقييد المعامل الكيمية بالمقادير الضرورية للأغراض النافعة، وإلزام كل دولة بحصر المقادير التي تستخرجها في بلادها والمقادير التي تصدِّرها إلى غيرها حسب حاجياتها، مما استغرق الجهود والأعوام حتى تسنّى للقائمين به النجاح في إقناع الدول بالإصغاء إليه والموافقة عليه.

    وقد عُني المؤلف عناية خاصّة بإبراز الفضل الذي يرجع إلى مكتب المخدِّرات - وعلى رأسه رسل باشا - في الوصول إلى هذه المأثرة الإنسانية الجُلّى، وهو في واقع الأمر فضل يٌصغر إلى جانبه كل ثناء، ويستحق من المحبّين لمصر كل تبجيل ووفاء.



    ***

    حضرات السادة والسيدات..

    قلت لحضراتكم إن كتاب «وباء مصر الأخير» كتابُ حقيقة وليس بكتاب خيال، لكني أقول- مع هذا- إن القارئ ليجد فيه من القصص ما يشبه روايات كونان وويل، ونوادر شرلوك هولمز بطله المشهور، لأن شرلوك هولمز الخيالي لم يصنع في مطاردة المجرمين أكثر ولا أغرب مما صنعه المطاردون الأحياء الحقيقيون لعصابات المهرِّبين وتجّار السموم. ومن عرف أن أعمال التهريب كانت تمتدّ من الصين إلى الأميركيتين، إلى ألمانيا، إلى البلاد التركية، إلى مصر وما جاورها في الأقطار، عرف كيف تكون الملاحقة والاستطلاع واختراع الحيل وإحباطها من الجانبين: جانب الشرطة وجانب العصابات، ومن عرف أن التجارة في المخدِّرات موردٌ يُدرّ على أصحابه مئات الألوف في مدى الشهور والأعوام، عرف كيف يحمي القتال والطراد بين طلّاب الغنيمة وحُماة القانون، وكلاهما لا تعوزه الفطنة، ولا تعوزه المغامرة، ولا تعوزه البواعث التي تغري بالدفاع والهجوم. وأيّ رواية من روايات شرلوك هولمز تقوم على عناصر أغرب من هذه العناصر، وتحتوي من وسائل التشويق أمتع من هذه الوسائل؟.. فالذين يلتمسون الحقيقة لا يفقدون متعة الخيال في أطواء هذا الكتاب، ولعلهم يرون على أسلوب مؤلِّفه من الطلاوة ما يقرّب المسافة بين كتابه وبين الروايات والأقاصيص، والمؤلِّف بعدُ غير مجهول بين المصريين في البيئات العلمية والفنية، لأنه هو البارودن «هاري دارلنجيه» صاحب البحوث المعروفة في الموسيقى والآثار والمشرقيات على العموم.

    ظهر كتابه هذا في وقت اتجهت فيه العناية إلى مسألة المخدرات من نواحيها الدولية، وتعاظم الاهتمام بالرقابة عليها في كل مكان يمتدّ إليه سلطان الحضارة والنظام. ففي الأيام التي صدر فيها كتاب «وباء مصر الأخير» صدر كتاب آخر باسم «الغارة على العقاقير السامّة» للاستاذ بيلي «BAILEY» مدرِّس العلاقات الدولية في مدرسة الاقتصاد بالعاصمة الإنجليزية، وغايته من كتابه هذا هي الدراسة القانونية والعلمية قبل الدراسة الاجتماعية، فهو يكثر فيه من نصوص المعاهدات والوثائق، ويكثر فيه من تفصيل أنواع السموم وتحضير الكيميين لأجزاء كل نوع من هذه الأنواع، ولكنه لا يحفل بالناحية الشخصية أو الناحية النفسية التي تجتذب إليها القرّاء من غير الأخصّائيين، وخير ما يُوصَف به درسه لمسألة المخدّرات أنه وصفة كيمي، أو مذكرة فقيه، أو تذكرة طبيب، وهو درس لا غنى عنه للباحثين والمصلحين، ولكنّ القرّاء، في جملتهم، قلَّما يأنسون به، أو يحتاجونه.



    ***

    حضرات السادة والسيدات..

    إن المهرِّبين وتجّار المخدِّرات طبقة من المجرمين لا تقلّ في ضراوتها وشرّها عن طبقة السفّاحين وقطّاع الطريق: جنايتها تتناول الآلوف، وتصيب فرائسها في العقول والأجسام، وتُنزل البلاء بالأمم والأفراد وبالحاضر والمصير، وجزاؤها في بعض الأمم الإعدام، وهو جزاء لا ظلم فيه، ولا غلوّ في تقديره. ومع هذا يُخَيَّل إلينا أن الفضائل الإنسانية لا تُعرَف على حقيقتها ما لم تُدرس في نفوس كهذه النفوس، كما أن الطب لا يُدرس على حقيقته ما لم يُدرس في الأجسام المريضة والأعضاء السقيمة، ولقد لقيتُ في السجن أناساً من كبار المهرِّبين في حالة أقرب إلى العظة والتوبة وأقرب -في الوقت نفسه- إلى السخط والنقمة، فكان يعنيني أن أستطلع منهم آراءهم في أنفسهم وأعذارهم أمام ضمائرهم: هل هم مُسَلّمون، في قرارة نفوسهم، بأنهم مجروم آثمون أعداء لبني الإنسان بغير عذر ولا تعليل؟ أم هم مغالطون لأنفسهم وللناس متعلِّلون في التماس الحجج والمعاذير؟ والذي تبيّن لي في جميع من رأيت أنه لا تُوجد في طبقات المجرمين نفسٌ تُسَلِّم هذا التسليم بالغةً ما بلغت من الصنعة والفساد والنزول: كلّهم مضطرّ، وكلّهم مجنيّ عليه، وكلّهم معذور في نظر نفسه، وكلّهم يتعلَّل بأنه لا يسيء إلى المدمنين، وإنما هم المسيئون المستحقّون لما هم فيه من فاقة وبلاء.. وقد أعجبني في كتاب «وباء مصر الآخر» أنه أحسن تصوير هذا الخلق من أخلاق النفس البشرية في الحديث الذي دار بين الصحافي والمهرِّب بمدينة جنيف. فهذا المهرِّب، إذا حكمت عليه من حديثه، رجل مسكين مسوق إلى التهريب، لأنه ضحية الحرب والأزمة وسوء التشريع، أتقول له إنك عدوّ القانون؟ نعم. ولكن ألم يكن شاربو الخمر في الولايات المتحدة أعداء القانون حتى ظهر للقانون خطؤه فأصبحوا أناساً كسائر الناس؟

    أتقول إن المهرّب يعيش من الإضرار بالأبرياء؟ نعم. ولكن، من قال إن القانون يحمي هؤلاء الضعفاء من الضرر الذي هم مستحقّوه وهم لابُدَّ مُلاقوه؟ كل ما في الأمر أن القانون يجعل التهريب مجازفة مسلّية للنفوس المطبوعة على الإقدام والاقتحام.

    وهكذا، وهكذا يغالط المجرم الأثيم نفسه، لأنه، حتى المجرم الأثيم، لا يطيق الاعتراف بالشرّ بين يدي ضميره، ولا غنى له عن التِماس الحق في تصويب جُرمه. فإن لم يجد الحق الصحيح، استبدل به صورة من الحق المزيَّف المكذوب. فهو كالفقير الذي يحبّ زينة الجواهر، ولا يقدر على ثمن الجواهر، فيرضى -آخر الأمر- من الجوهر بالزجاج والبريق.

    كذلك فقراء الروح وأغنياء الروح، كلّهم يحبوّن الحقّ في جلاله وجماله، وكلّهم يحبّون البراءة في نقائها وجلائها، ولكن الثروة الروحية لا تسعفهم جميعاً، فلا هم يستغنون عن الحق، ولا هم يقدرون على اقتنائه، فلا يستريحون من هذه الحيرة إلا أن يقنعوا بالحلية المزيفة والجوهر المكذوب.

    والعبرة من جميع ذلك أننا إذا استطعنا بالتربية والإصلاح وحسن الوقاية أن نوفّر ثروة النفوس كسدت سوق الحقّ المزيَّف، ولم يبق إلا الحقّ الصحيح، وقَلَّ المجرمون المفسدون، وكَثُر العاملون المصلحون.
     
    آخر تعديل: ‏15/8/14
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    مصر في كتب أربعة
    (2)
    محاضرة


    [​IMG]



    حضرات السيّدات والسادة..

    موضوع الحديث الليلة «مصر في كتب أربعة».. أو على الأصح مصر في كتابين اثنين لأننا تكلَّمنا عن كتابين في ليلة ماضية، وهما كتاب «الهاتف في مصر»، وكتاب «وباء مصر الأخير».

    أما الكتابان الباقيان فأحدهما قصّة للكاتب السويسري جون نيتل اسمه «الدكتور إبراهيم»، والكتاب الآخر «رحلة في مصر» قبل نحو سبعين سنة للكاتب المصوِّر الفرنسي الأستاذ «إيجين فرومنتان» نفدت طبعته منذ سنين، وأعيد طبعها، اليوم، في مجموعة النوادر والمخطوطات التي يعاد طبعها هذه الأيام في باريس.

    ***

    قصة «الدكتور إبراهيم» هي قصة طبيب مصري من الجيل الناشئ في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يصفه المؤلِّف في صباه، حيث نشأ في مدينة أسيوط في الصعيد، ويصفه وهو ينتقَّل من أسيوط إلى القاهرة في سفينة يقاطعها الحَجْر الصحي أيام انتشار الهواء الأصفر، فيُضطرّ الفتى إلى الإقامة ببعض القرى ريثما يُتاح له استئناف السفر إلى القاهرة، ويصفه وهو طالب في مدرسة الطبّ، ثم يصفه وهو طبيب في دمنهور، وطبيب بعد ذلك في أدفو، مغضوب عليه أنه أبلغ مصلحة الصحة عن إهمال رئيسه وخياناته وهو رئيس مقرّب من ذوي النفوذ، ثم يصفه وهو مستقيلٌ ومسافرٌ إلى لندن لإتمام تجاربه ودروسه، ويصفه وهو في باريس يلتقي بالفتاة الفلاحة التي أحبَّها في أثناء رحلته من أسيوط إلى القاهرة، ثم أغواها ابن سيّدها، ونبذها بعد ظهور أثر الغواية، فمازالت الأيام بها حتى احترفت الرقص، وانتقلت إلى باريس لتعرض هناك صناعتها الشرقية.

    فالمجال واسع في القصّة لوصف الحياة المصرية في جميع الأحوال والأطوار: في الريف والحضر، وفي الغنى والفاقة، وفي البيت والمزرعة، وفي المدرسة والمستشفى، وفي مصر والخارج، وفي كل ما بين ذلك من علاقات اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية تنتظم المصريين جميعاً في الحياة الخاصة أو في الحياة العامة.

    والحق أننا لم نكن ننتظر من كاتب أجنبي معرفة للشؤون المصرية كهذه المعرفة، ولا فهماً للمصريين كهذا الفهم، ولا صدقاً في التصوير كهذا الصدق، ولا عطفاً على وجهة النظر المصرية كهذا العطف، ولا استقصاءً للنواحي التي تعرّض لها المؤلّف كهذا الاستقصاء.

    لأن المؤلِّف قد يخطئ هنا وهناك، وقد يلتبس عليه الأمر في بعض التفضيلات، ولكنه الخطأ الذي قد يقع فيه الروائي المصري لو عالج هذا الموضوع، والالتباس الذي لا يأتي من سوء النية أو من قلّة العطف على الغرباء. وليس لنا أن نطلب من المؤلِّفين الأجانب أو المصريين أكثر من ذاك، فإن اجتناب الخطأ مستحيل.. ولكن اجتناب سوء النيّة هو المستطاع، وهو المطلوب.

    ولا أُحصي على المؤلِّف غلطة بارزة إلا غلطة واحدة في تفسير اسم من الأسماء، وهو من المصادفة اسم محدّثكم الليلة عن هذا الكتاب، أو هو اسم عباس.

    فالمؤلف يقول عَرَضاً إن «عباس» معناه أسودُ شديدُ السواد.. أو «إسود خالص» كما وضعها بين قوسين! ولا شكّ أنه سأل فيها بعض العامة فأجابه بما يفهم في هذا الاسم، وهو العبوس والاكفهرار، ولم يستطع أن يفسّر له المعنى بغير السواد والإظلام، وهي غلطة لغوية مغتفَرة هي في الواقع غلطة المفسِّر لا غلطة المؤلِّف، ويدلّ انفرادها على أن الصواب في هذا الصدد أكثر من المنتظر من كاتب أجنبي ومن كاتب مصري إذا أردنا الإنصاف.. وإلا فكم بيننا نحن من يعلن أن «العباس» اسم من أسماء الأسد، وأنه لهذا بدأت التسمية به بين العرب، ثم انتقلت إلى المصريين؟ وبطل الرواية كما علمنا طبيب زاول صناعته في مستشفيات القاهرة والأقاليم، فلا عجب أن تكون الناحيةُ الطبية - أو ناحيةُ العلاج - أَوْفَى نواحي الرواية، وأقربها إلى التمحيص والإتقان.

    فالمستشفيات في الجيل الماضي، كما وصفها الكاتب السويسري، هي المستشفيات التي يعهدها كل مصري عارفٍ بها في ذلك الحين: جهلٌ وإهمالٌ وقسوةٌ واستغلالٌ للمرض يتواطأ عليه أحياناً الخدم والرؤساء.. وهنا يبدو لنا، كما يبدو في كل معرض من معارض الإصلاح، أن الجبن والرياء هماالبلاء الذي يجب علينا أن نحاربه قبل كل بلاء، وأن الشجاعة والصراحة هما الإصلاح الذي يجب علينا أن نعتمده قبل كل إصلاح. فما من حال وصفها الكاتب في مستشفيات الجيل الماضي إلا كان الداء الأكبر فيها هو الجُبن، والعلاج الأكبر فيها هو القول الصريح أو الشجاعة في إبداء القول الصريح، مثالُ ذلك مريضٌ يضربه الخادم الممرِّض، ويهينه لأنه لا يؤدّي له الرشوة التي يفرضها عليه وعلى زملائه علانية بلا تورُّع ولا مداراة. فماذا تكون النتيجة؟ يَبْلغ الخبر إلى الطبيب فيشرع في التحقيق، فيكون المريض المضروب هو أول المنكِرين، وهذا أول الشاهدين للممرِّض بالإحسان، والصامتين عن مساوئه وخفاياه... فأي داءٍ هنا أولى بالعلاج من داء الجبن والخشية؟ وأي إصلاح هنا ترجوه قبل إصلاح الخلُق الضعيف؟ ومن منا لم يرَ مثالاً كهذا المثال، ولم يشاهد في حياته كيف تكون العقبة في طريق الخير هي هي المصاب المنتفع قبل غيره بالخير والفارق قبل غيره في الشرور؟. والراوية من بدايتها إلى نهايتها تفيض بالحوادث والوقائع التي تبسط لقارئها وجوه الإصلاح ومواضع الملاحظة والتدبُّر تبسطها لا كما يبسطها الواعظ ولا كما يَبسطها جماعة الإحصاء. ولكن كما يبسطها الناظر المتفرِّج الذي تأتيه الدراسة من طريق النظر والمشاهدة. فإن شاء اتَّخذها تسليةً وفرجةً، وإن شاء اتَّخذها معرفة وعلماً، وذلك أسلوبٌ حسنٌ يجمع بين أصحاب الفنّ الذين يقصرون الروايات على الوصف والاستعراض، وبين أصحاب الدعوة الاجتماعية الذين يفرضون على الكاتب غرضاً يرمي إليه، وينبّه القارئ إلى مغزاه.

    ***

    ولعلنا نقرّب الدلالة على أسلوب الكاتب في رواية «الدكتور إبراهيم» إذا نحن قسّمنا كتّاب الروايات إلى فئتين: فئة تصوّر الأشياء على طريقة الصورة الشمسية، وفئة تصوِّرها على طريقة الصورة الفنية، وأنت إذا جمعت عندك مئة صورة شمسية لبلدٍ من البلدان فقد عرفته على حقيقته، وعرفت ما فيه من المحاسن والنقائص ومواضع التقدُّم ومواضع الإصلاح.

    ولكنك تعرفه على نحوٍ آخر، إذا أنت جمعت من مناظره مئة صورة فنية، يمزجها المصوّر بخوالجه وأحلامه، ويُضفي عليها ما شاء من قريحته وخياله، ويمثّل لك ما تمثِّله الصور الشمسية على تمامه، ثم يزيد عليه ألوان نفسه وقوالب بديهته وفكره، وكلاهما، على طريقته، حَسَنُ الرؤية حَسَن الأداء.

    وأسلوب الكاتب في رواية «الدكتور إبراهيم» أقرب إلى الطريقة الشمسية منه إلى الطريقة الفنية، تعلمُ دائماً أنك تقرأه بموافقة وارتياح، ولا تعلم دائماً أنك تقرأه بشغف وحماسة، ولك منه حيثما أبصرتَ حظّ الناقل الأمين، ولكن ليس لك حيثما ابصرتَ حظّ التصرّف الذي يجمع إلى الأمانة صبغة القريحة الشخصية، وهو سجلّ حسن للوقائع والمشاهدات، ولكنه لا يحمل في أطوائه جزءاً من حياة الكاتب الذي سجَّلَ الوقائع والمشاهدات.

    على أن الرواية لا تخلو من روح الفكاهة التي هي -ولا شك- مزية شخصية في الكاتب، وليست بمزية النقل أو بمزية الموضوع.

    وأحسبه على أحسن ما يكون في فكاهته حين يصوّر لنا شحّ الأشحّاء الذين لا ينظرون إلى غير المال في جميع الأشياء، وهو يزجّ بواحد من هؤلاء في سياق الحديث، كلما عرضت له المناسبة، وسمح المقام. فقد رأينا واحداً منهم على باب دار الآثار يوم اقتحمها القرد المارد الذي اصطاده أمير من المولعين بالصيد والفخورين برعايتهم للتجارب العلمية في أجسام الحيوان. فالقرد المارد عزيزٌ نادر المثال، وقد جاء به عالِمٌ من كبار علماء الحيوان إلى بعض الأندية العلمية، وطفق يعرض على الكبراء والفضلاء والباحثين كيف ينجح التلقيح بالغدد الإنسانية في ترويض هذا المارد الفتّاك، وما هو إلا أن خرج المارد من قفصه في أثناء الطريق، واقتحم دار الآثار حتى اضطربت الدار، واضطربت المدينة، واضطرب رجال الأمن لا يدرون ماذا يصنعون ولا كيف يضمنون السلامة للآثار أو السلامة للأرواح. أيقتلونه؟ نعم ذلك أمر ليس بالعسير، ولكن الأمير والعالِم الكبير واقفان هناك، لا يرضيان بضياع هذا الكنز الثمين. أيتركونه؟ إذاً، يعيث القرد في التُّحَف والموميات، يحطِّمها حطماً، ويخرب الدار على ما فيها، وكل ما فيها كنزٌ ثمين.

    وإن القوم لفي هذه الحيرة لا يستطيعون عملاً، ولا يستطيعون سكوتاً، وإذا بصاحبنا الشحيح يعجب لحيرة الحائرين واضطراب المضطربين، ثم لا يخطر له إلا أنها حسبة مالية رابحة، وأن القرد محسوبٌ على أصحابه بثمنٍ جزيل، فيسأل، وهو لا يشك في صدق فراسته وحسن تقديره: هل أمّنوا على حياة هذا الحيوان بمبلغ كبير؟

    وواحد آخر من هؤلاء الأشحّاء يدخل على صاحبٍ له وهو مشدوه مفجوع لا يدري ماذا يقول، ولا كيف يقول:
    - ما لك يا فلان؟
    - خطبٌ جسيم أيها الصديق.
    - ماذا عراك؟؟ ألا أستطيع أن أعلم بعض العلم، أو أفيد بعض الفائدة فيما عراك؟
    - نعم. وإذا بفلان يقصّ على صاحبه أنه فاجأ زوجه وكاتبه في منظرٍ مريبٍ، وأنه كره الحياة، وسئم التجارب، وعَوَّل على فراق الألى والديار.

    وتمضي أيام وإذا بفلانٍ هادئ مستكينٌ لا يزال في المدينة وفي التجارة حيث كان..

    - ماذا صنعت يا فلان؟ وكيف جزيت المرأة والكاتب على ما اقترفاه؟
    قال فلان: أما الزوجة فغرّيرةٌ جاهلة، ولعلها تندم، وأما الكاتب فشابٌ نافع، ولعله لا يعود...
    إذاً، ماذا يافلان؟
    قال فلان: بعتُ الأريكة - الكنبة - التي رأيتهما عليها، وأنا الآن مستريح.

    ***

    ويتخلَّل الرواية، حيناً بعد حين، لذعات من هذا التهكُّم السائغ يستريح إليها القارئ من وقع الحوادث وسرد الحقائق، فهي متعة طريفة يشكرها القرّاء، ويشكرها المصريون خاصةً قبل غيرهم من القرّاء، لأنهم يشكرون فيها القلم الصادق، والنيّة الطيّبة، والقلب العطوف.

    ***

    وننتقل في هذه القصة إلى رحلة عصرية وقعت قبلها في الزمان بجيل آخر. لأنها وقعت في سنة 1869 عند الاحتفال بافتتاح قناة السويس.فليست هي -إذاً- بالتاريخ الغابر، وليست هي بالتاريخ الحاضر، ولكنها رجعة قريبة إلى مصر الحديثة كما رآها الشيوخ الكبار، أو كما رآها آباؤنا الأقربون.

    والشعور بقراءة التاريخ القديم غير الشعور بقراءة هذه الرحلات التي تحدِّثنا عن بلادنا في زمنٍ قريب من الزمن الذي نحن فيه. فهما شعوران مختلفان، وقلّما يتشابهان.

    عندما أقرأ كتاباً في تاريخ بلادي القديم أشعر كأنني رجعتُ إلى بيتٍ مهجورٍ كان يسكنه الأجداد والأسلاف، فأما حين أقرأ الرحلات عن مصر الحديثة فشعوري بما أقرأ كشعور الرجل الذي يعود إلى منزل الطفولة ليستعيد فيه ذكريات صباه، فهو هو المنزل كما كان أيام الطفولة الأولى. مع تجديد قليل في البناء أو تنويعٍ يسيرٍ في الطلاء.

    مصر التي وصفها «فرومنتان»-عند حضوره مع الإمبراطورة أوجيني لحفلة القناة - هي مصر التي نعيش فيها الآن، ونسمع أخبارها من الأحياء، لم تتبدَّل فيها أسماء مدائنها وقراها ومعالمها وهواها: إلا أن تكون مدينةٌ واسعة قد أصبحت قرية صغيرة، أو قريةٌ صغيرة قد أصبحت مدينة واسعة، والعنوان واحد قلَّما طرأ عليه تحريف أو تصحيف.

    كان «فرومنتان» صاحبُ هذه الرحلة مصوِّراً كاتباً، من المغرمين بالأقطار العربية في إفريقيا الشمالية، صوّرها، وكتب عنها، وشغل بها ريشته وقلمه فاختلف فيه النقّاد: أهو كاتب أكبر من مصوِّر؟ أم هو مصوِّر أكبر من كاتب؟ واتَّفقوا على أنه كاتب ومصوِّر على نحو من الأنحاء ودرجة من الدرجات.

    يقول سان بيف: «إنه فنان له عروسان من الوحي لا عروس واحدة. إنه مصوّر له لغتان، إنه لم يكن هاوياً، ولكنه كان فناناً حقّاً يجمع بين الجدّ واللطافة في كلا الفنَّين».

    والذين يقارنون بينه وبين «تيوفيل جوتليه» الكاتب اللبق المشهور، يقولون إن جوتييه كان رسّاماً فأصبح كاتباً، وهو مصيب، وإن فرومنتان كان كاتباً فأصبح رسّاماً وهو مخطئ، فهو وتيوفيل جوتييه من حيث الملكات ندّان متساويان، وإنك لتقرأ تدويناته الموجزة في هذه الرحلة فكأنك تفتح دفتراً من دفاتر المصوِّرين، يُحضّر فيه صاحب الخطوط والأشكال والألوان لاستكمال الصور بعد حين: هنا إشارة، وهناك لمحة، وهنا رمز وهناك كلمة مقتضبة، والمقصوِّد بذلك كله هو التذكير والاستحضار، ولكنهما تذكير واستحضار كانا أوفى وأهدى في بعض الأحيان من الإفاضة والإسهاب.

    جاء إلى مصر في حاشية الإمبراطور والإمبراطورة مع رهط من رجال الفن والعلم مشغولين برؤية الآثار أو بنقل الآثار أو بمشاهدة الآثار. وأوشكت مصر أن تفقد آثارها كلّها في تلك السنة المشهودة. فإن الإمبراطورة أوجيني نظرت إلى التراث الخالد في متحف بولاق، فتمنَّت على الخديوي إسماعيل لو يهدي إليها ذلك التراث لننقله إلى باريس. وماذا يصنع الخديوي إسماعيل في هذا الطلب العجيب؟ إنه لا يريد أن يفرّط في مجد بلاده، ولا يريد أن يجابه الضيفة العظيمة بالرفض الجارح. فعمد إلى السياسة في الجواب، وقال لها: عليك -أيتها المليكة- بالأستاذ مارييت... فإن في بولاق رجلاً أقوى مني وهو ذلك الأستاذ.. فإليه ارجعي بالطلب إن شاء».

    ولم يشأ مارييت الفرنسي إلا أمراً واحداً أمام رجاء المليكة الفاتنة المطاعة: لم يشأ إلا الإخلاص لآثار مصر والوفاء بأمانته الفنية، وكان عند ظنّ أمير النيل، فبقيت الآثار لمصر بفضل ذلك الإخلاص، وذلك الوفاء.

    في عام القناة حضر الكاتب المصوِّر مع من حضر من نوابغ الفرنسيين إلى هذه الديار، وكان اهتمامه بالمشاهدة أكثر من اهتمامه بالكتابة، واهتمامه بالكتابة أكثر من اهتمامه بالتصوير، ومع هذا جرت ريشته السخية بنخبة من أجمل صوره عن سواقي النيل وزوارق النيل ونساء النيل وقرى النيل، ولاسيما «اسنا» في الصعيد التي أعجبته يومئذ أيَّما اعجاب.

    وأمامي الآن - وأنا أدوّن هذه الكلمات - نسخ قليلة من صوره الجميلة التي نقلها من مناظر بلادنا إلى البلاد الفرنسية عوضاً من الآثار المصرية. أنظر إليها فأرى فيها محاسن المدرسة الشرقية من مدارس المصوِّرين الفرنسيين: نورٌ ساطع، وسذاجة مرموقة ورسمٌ متقن، وطلاقةٌ سهلة، وقبسٌ مبتكر من أستاذه الكبير في فن التصوير «ديلاكروا DELACROIX» المعروف بابتكار أسلوب المشرقيين، أسلوب الشغف بالشمس الساطعة في مراكش وغيرها من سواحل أفريقيا الشمالية، وهو مع خروجه على قيود اليونان والرومان الأقدمين وولعه بالصناعة الزخرفية لا ينسى أمانة الرسم، ولا يندفع وراء التعسُّف والشذوذ، وعجيبٌ أن يكون العهد الذي فُتِحت فيه قناة السويس للتقريب بين المغرب والمشرق، هو العهد الذي فتحت فيه طريقة ديلاكروا وفرومانتان، وأقبل فيه المصوِّرون على الإعجاب بالنور الساطع وسحر المناظر الشرقية واستقبال الشرق بالأنظار والأحلام، وإنشاء مدرسة جديدة تُعرف عندهم -كما أسلفنا- بمدرسة المشرقيين.

    نعم عجيبٌ أن يتَّفق اتِّصال الأرضين والبحار في الوقت الذي نجم فيه هذا الاتّصال بالأذواق والأرواح، ولكنّ الأوروبيين كانوا قد سئموا القيود الاجتماعية، وسئموا معها القيود الفنية، فتمرَّد المصوِّرون على موضوعات اليونان والرومان والقرون الوسطى في نقش الصور وسبك التماثيل، ونظروا إلى موضوعات جديدة يتَّسع لهم فيها التصرُّف حيناً والتمرُّد أحايين.. وأي مجالٍ أوسع في هذه الحالات من مجال الشرق الذي فُتِحت أبوابه للسائحين والحالمين وطلّاب الشمس والنور، وطلّاب الأرض والمال؟!

    ذلك مجال لا يضيق بالعاملين، ولا يضيق بالحالمين.

    وإني لأنظر إلى نماذج فرومنتان فأرى هذا، وأستعيد ذكراه، ثم أرى في النماذج مصداق رأي القائلين إن الإنسان لَيعبِّر عن حبّه بالصور كما يعبِّر عنها بالقصائد والأنغام.. وأيّ عين لا ترى الأنس بالشرق والارتياح إلى أهله حين تقلّب النظر في نماذج فرومنتان؟ هؤلاء الفتيات الفلّاحات كالحمائم المتشرِّقة على ضفاف النيل... وهذه الزوارق التي تسبح في لجّتين من الماء والضياء، وفي سكونين من صفحة النيل الهادئة وفضاء النيل القرير.. وهذه الأشجار، وهذه المروج، وهذه الأكواخ... من الذي يراها ولا يلمس فيها حنين المصوّر إليها قبل أن يراها، واستغراق المصوِّر فيها بعد أن رآها بعينيه، واحتواها بخياله وحسّه، واحتوته بما فيها من سهولة وبساطة ورخاء وجمال؟

    أما المذكِّرات التي دوّنها في رحلته، فلستُ أحاول أن أنقل إلى حضراتكم نماذج منها لأنها على أكثر ما تكون إشارات وتوجيهات وتعليقات، وبعضها عبارة عن زفرات وآهات حين يشكو الحَرّ وهو في إبان الخريف: كقوله حيناً بعد حين «حَرّ شديد خانق. لا فائدة من الحركة ولا فائدة حتى من كتابة مذكرات».. أو كقوله «نهار ضائع» حين يذهب إلى رحلة تفرضها عليه الرسميات.

    وخيرٌ من نقل العبارات بنصّها أن أنقل إلى حضراتكم شعوري بما قرأتُ، وما رأيت، وأنا أصاحب فرومنتان في مراحل هذا الكتاب.

    إنني لم أرَ المدائن المصرية جميعاً، ولكني رأيت منها الكثير: رأيت الإسكندرية وطنطا وبنها والزقازيق، كما رأيت أكثر مدن الصعيد وغيرها من المناظر التي عَبَرَ بها فرومنتان. فشعوري بما قرأتُ وما رأيتُ هو شعوري كأنني أنا صاحب تلك الملاحظات والتعليقات، وكأنني أنا أستعيد رؤيتها وذكراها الآن: مَغْنَمٌ حسن، وربح معدود، لأنه يعطيني من الحياة عشرين سنة قبل ظهوري في الحياة، وسيعطي كلّ قارئ ومتذكِّر مثل هذا العطاء حين يقلِّب صفحات الكتاب، ويقلّب في ذكرياته صفحات البلاد.

    وقد انتهيت من الرحلة كما أنتهي من محاضرتي الآن.

    انتهيت منها وأنا مغتبط بما غنمت قبل مولدي، مغتبط بما أرجوه في المستقبل لهذه البلاد، وأفضل ما أرجوه لها أن تتقدَّم -بعد سبع وستين سنة- أضعاف ما تقدّمته من يوم «فرومنتان» إلى الآن.
     
    آخر تعديل: ‏15/8/14
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة