1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف العملاق - في حضرة العقاد

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏13/11/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    لأول مرة: العقاد!

    أعرفه من مقالاته في مجلة «الرسالة» وأعرف أنني أظل منتظرا هذا المقال لكي أقرأ المقال على مهل. أحيانا لا أفهم ما يقول. ولا بد أنه كلام فلسفي صعب. ولكن لا بد أنه مقال رائع للذين يفهمون. ولكن المقالات التي أفهمها تعجبني. كيف يرتب أفكاره، ثم كيف يهتدي إلى نتيجة لا أعرف كيف اهتدى إليها. إنه ساحر يضع البيضة في جيبه وتخرج كتكوتا. كيف؟ وإنه وحده الذي يفعل ذلك. ومن الغريب أنني لا أقرأ إلا هذا المقال. ولم أحاول أن أقرأ لأحد غيره. ولم أحاول. ولا أعرف كيف نسمي هذا الذي يكتبه العقاد. ليس الذي يكتبه ولكن الذي يرتبه ثم ينتهي إلى نتيجة. وغلبني حب الاستطلاع فقرأت مقالا لغيره. إنه مختلف تماما. ولكن ما هذا الاختلاف وما اسمه. لا أظن أنني في هذه السن الصغيرة أستطيع أن أجد له اسما.
    وكنت أقرأ مقالات العقاد سرا. بمعنى أنني لا أقول لأحد ذلك. إنما حرصت على أن أنفرد وحدي بما يكتبه العقاد. إما خوفا من أن يقال لي إن هناك من هو أحسن. ولم أسأل أحدا إن كان قد قرأ العقاد. وعندي إحساس أنه اكتشاف. كنز اكتشفته. ولا أريد أن يعرفه أحد غيري ولاحظت أن أحدا من زملائي لا يقرأ مجلة «الرسالة». إنهم يقرأون الكتب. وأغلبهم يقرأون بلغاتهم المختلفة. وأنا صاحب فكرة أن كل واحد منا يلخص الكتاب الذي قرأه هذا الأسبوع. وكان الخواجات يقرأون أحسن وأسرع. وفي موضوعات مختلفة. زميلنا الألماني كان فارقا في الأدب الألماني والموسيقى. وعندما يلخص الكتب فإنها موضوعات أدبية. لم أجد فيها متعة. ولا أذكر اسما واحدا للمؤلفين. ولكن لا بد أن لهم قيمة لا أعرفها. وربما كان التلخيص ليس كافيا.
    فقط زميلنا اليوناني هو الذي يستعين بأبيه. وكان كثير الحديث عن سقراط وأفلاطون.. وما قاله أحسن كثيرا من الذي تعلمناه بعد ذلك في المدرسة. لقد عرفت اسم سقراط وأفلاطون وأرسطو قبل أن أدرس الفلسفة. وقرأتها في مقالات العقاد. أحيانا يذكرها ويستخدمها حجة مقنعة.
    وفي جلسة في بيت أحد أصدقاء والدي جاء اسم أفلاطون وكان المتحدث يطرب كثيرا ويقول إن الأستاذ العقاد متأثر بسقراط وأفلاطون. ولم أعرف كيف. خفت أن أسال. وكان أبي كثير الحديث عن المذاهب الصوفية. ولأول مرة أسمع اسم محيي الدين بن عربي والغزالي والشاذلي. والعقاد. وأمير الشعراء شوقي. كل هذه الأسماء في ليلة واحدة. ولم أنم حتى الصباح. إن هناك علوما كثيرة لا أعرفها. ولا أعرف ما الذي يقرأونه لكي يحصلوا على هذه المعلومات. هناك كثير جدا لا أعرفه. وليس في (المكتبة الفاروقية) كتب بهذه الأسماء. أنا قرأت كل ما في المكتبة إلا هذه الموضوعات.. وإلا كتابا واحدا للعقاد..


    [​IMG]
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    لثاني مرة: العقاد!

    لا أذكر الآن من الذي قال لي أن نزور معا العقاد. كانت الدعوة مفاجأة. العقاد وفى بيته. العقاد نراه ونحدثه ونسمعه. ووصف لي مجالس العقاد التي حضرها. أي واحد يستطيع أن يذهب للأستاذ العقاد. ويسعده ذلك. وقال لا تكاد تدخل حتى يجيء عصير الليمون وبعده القهوة. لأي واحد. والعقاد يتكلم ويضحك بصوت عال ويحتفي بضيوفه ويحدثهم ويسألهم ويسألونه أيضا ويجيب. ياه أرى الأستاذ العقاد العظيم. أراه وهو يفكر أراه وهو يرتب أفكاره. هو شخصيا..
    وارتديت ملابس جديدة. وذهبت مبكرا. قال لي أنا ذاهب إليه في الساعة العاشرة. فذهبت في الثامنة صباحا. ورأيت البيت. البيت رقم 13 والشقة رقم 13 كما كتب العقاد. وأنه لا ينزعج من هذا الرقم. وأنه يضع على مكتبه تمثالا للبومة التي يتشاءم منها الناس. إنها البومة رقم 13..
    وصف السلالم التي يصعدها العقاد كل يوم والتي كتب عنها يقول: صعدتها ثلاثا ثلاثا وصعدتها اثنين اثنين. واليوم أصعدها واحدة. كنت أصعدها وبياض شعري يتوارى في سواده واليوم أصعدها وسواد شعري يتواري في بياضه.
    وأنظر إلى سلالم البيت كأنها مشتركة في عظمة العقاد. ولكنها سلالم غير نظيفة وكئيبة، ولكن لأنها تؤدي إلى شقة الأستاذ لها دلالة ومعنى آخر. ووجدت باب الشقة مغلقا. هل أضرب الجرس وأوقظ الأستاذ. هل أظل واقفا أمام الشقة حتى أسمع صوتا داخلها فأدق الباب. هل أنتظر حتى يجيء أول زائر. هل أنزل وأقف في الشارع. لقد ذهبت مبكرا. ولكن لا تطاوعني نفسي أن أقف تحت أو فوق. ماذا لو انفتح الباب.. هل يغضب الأستاذ. أريد أن أراه غاضبا ماذا يفعل بواحد من معجبيه، واحد يضع العقاد فوق رأسه.. بل في رأسه في قلبه في حياته. العقاد إنه أعظم ما قرأت. العقاد شخصيا. كيف يكون هذا الرجل. قلبي يدق. أسندت ظهري للحائط حتى لا أقع. نزل رجل من الدور الأعلى قال: صباح الخير رددت عليه قال: دق الباب إنهم أيقاظ. دق الباب..
    ودققت الباب. وانفتح وكان السفرجي وأشار أن أدخل. ودخلت وجلست في صالون العقاد. ودارت بي الأرض. لم أر أي شيء لا في الصالون ولا في البيت..
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    لثالث مرة: العقاد!

    الآن مر ربع ساعة من الانتظار.. أستطيع أن أرى الأستاذ بوضوح. يوجد تمثال للأستاذ وتوجد لوحة غريبة. المقاعد دون المتوسط. الغرفة صغيرة جدا..
    وفجأة جاء الأستاذ مادا يده أهلا وسهلا. يا خبر الأستاذ العقاد شخصيا مادا يده مرحّبا. ويسألني من أين وماذا أفعل وماذا أدرس قلت: في قسم الفلسفة يا أستاذ. قال أعرف كل أساتذتك بعضهم يجيء هنا. الدكتور الأهواني والدكتور زكي نجيب محمود. أحسنهما زكي نجيب محمود.. وإن كان الأفضل أن أقول أحسنهم جميعا..
    وعرفت بعدُ أن العقاد كان على حق. وتمنيت أن يجيء أحد لينقذني من مواجهة العقاد وحدي. ولم تطل أمنيتي. جاء أحد تلامذة العقاد. نهض الأستاذ واقفا: أهلا يا مولانا.. أين أنت كيف حالك الآن! وبدأ الزميل يحكي. ورحت أنظر إلى العقاد. رأسه بديع وملامحه كأنه أحد آلهة الإغريق. والعقاد يُسمع باهتمام شديد. إذا تحدث.. الآن أراه بوضوح فهو يتكلم ويتراجع وصوته خفيض. صوت هادئ كأنه إذا تكلم تحس أن أفكاره هي التي لها صوت. وهو يحرك يديه. ويهز كتفيه. وإذا فرغ من الكلام أطبق شفتيه تماما كما يفعل المطربون الأوربيون. ويضحك الأستاذ. فإذا ضحك فتح فمه وتراجع في مقعده. وهو يضحك لما يقوله هو من نكت أو المفارقات اللغوية..
    الآن أراه أكثر. إنه يرتدي بيجاما قديمة وهناك بقعة على البنطلون. وإيه يعني. إنه بنطلون العقاد.. ثم إن الشمس نفسها فيها بقع.. وليس متزوجا فلا أحد يعتني به.. وهذا السفرجي النوبي أو الصعيدي العجوز لا يستطيع وحده أن يكنس ويمسح ويغسل ويكوي.. وللعقاد طاقية من نفس قماش البيجاما. تماما كما يظهرون في الأفلام الكوميدية.. ولاحظت أن العقاد يضع يده دائما على الجانب الأيسر من البطن.. إنه المصران الغليظ كما كتب في الرسالة. مسكين يا أستاذ..
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    لرابع مرة: العقاد!

    تخففت من الانبهار. ولكن بقي الإعجاب الشديد بالأستاذ. ولحسن حظي جاء الدكتور عبد العزيز الأهواني. وهو خبير في الأدب والفلسفة الإسبانية. ووقف العقاد كما هي العادة. وقال له: أهلا يا مولانا.. أين أنت الآن..
    وجاء ثالث ورابع والأستاذ يقف تحية لضيوفه وامتلأ الصالون. وغيرت رأيي. لقد كان الصالون كبيرا واسعا شاسعا. ونحن نملأ المكان والأستاذ يجلس على مقعد كبير. وكان لا بد أن يتحدث الأستاذ في الفلسفة. وتحدث وناقش الأهواني وأبدى العقاد اعتراضه على الذين قالوا إن الأدب الأوروبي لم يستفد من الفكر الأندلسي. وذكر العقاد أمثلة لهذا الأثر في الفلسفة وفي الأدب. ولم يعترف الدكتور الأهواني وإنما كان يقول: عظيم والله يا أستاذ.. الله يا أستاذ.
    أنظر إلى ملابس الأستاذ إنها نظيفة تماما.. وقد غير الأستاذ ملابسه.. والطاقية وضعها على رأسه. وأحيانا يخلعها. ويمضي الأستاذ كأنه يقرأ في كتاب. وليس حديثا بين الأستاذ وتلامذته. يقول كما يكتب كما يذيع في الراديو.
    ومن غير مناسبة ومن غير أية علاقة بما يقول الأستاذ تشجعت ولا أعرف إذا كنت الذي سألت أو هو انتظاري الطويل أو هو حرصي على أن يحدثني عن الذي أعرفه أكثر من كل الموجودين في الصالون. قلت: يا أستاذنا أنت ليه ضد الفلسفة الوجودية؟
    قال العقاد: يا مولانا هذه فلسفة منحلة.. هذه فلسفة القبور.. فلسفة عدمية. فالفلسفة التي تقول إنه لا يوجد غير الفرد وأن المجتمع لا قيمة له.. هذه الفلسفة لا قيمة لها لأن الأساس هو احترام الفرد. وهي تتحدى الحرية.. حرية الفرد. وكيف تكون حرية بلا مجتمع يا مولانا؟.. التحرر من من يا مولانا؟.. التحرر من ربقة المجتمع.. من أجل ماذا؟ من أجل لا شيء!
    وتضاءلت في مقعدي.. ولو هزني أحد لسقطت فورا.. إن فلسفتي ولا حاجة. الأستاذ يقول!
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    لخامس مرة: العقاد!

    أحزنني العقاد. هزمني بلا رحمة. كان قاسيا. هدم فوق دماغي كل ما بناه الوجوديون. ولكن لا أعتقد أن العقاد قد قرأ كل كتب الوجودية. لا يمكن أن يكون قد قرأ الفيلسوف الألماني هيدجر الذي ولد معه في سنة واحدة، ولا قرأ سارتر ولا كيركجور. إنه لم يذق طعم الوجودية التي لم تقل إن الفرد يفعل أي شيء بحريته. إن الحرية عبء. لأن الحرية مسؤولية. والمسؤول هو الإنسان الحر. ومن هموم الوجودية هموم الإنسان الحر.. كل شيء أمامه اختيارات وممكنات.. أمام سوبر ماركت له أن يختار منه ما يعجبه. فإذا اختار أصبح مسؤولا.. وأنت لا تختار إلا نفسك، أي الذي يريح نفسك، أو الذي يؤكد وجودك في مواجهة الآخرين..
    وكان اللقاء بعد ذلك عاصفا. أحسست تماما كأنني أقذف العقاد بالحجارة. هل هذا معقول؟ معقول.. لأنني أدافع عن رأيي في نظرية اعتنقتها وارتحت إليها.. رغم أن الوجودية كلها ليست مريحة، لأنها تجعل الإنسان مليونيرا فلسفيا يختار ما يعجبه ويلتزم به.. ولك أن تختار..
    وفي هذا اليوم تضايقت جدا. ولكن أردت أن أنتقم. لا.. «أنتقم» هذه كلمة فظيعة.. كيف قفزت إلى لساني؟ بلاش أنتقم.. ضايقني وأريد أن أضايقه لأنه نسف ما نعتقده. لا بد أن أضايقه..
    لا بد أن أسمع منه ما لا يعرف عن الوجودية. ويبدو أن الأستاذ قرأ الكثير فيها وعنها، وإلا كيف وصل إلى هذه النهاية الشنيعة. إن العقاد ينتسب إلى مدرسة فلسفية أخرى وهي مدرسة الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل. وهي مدرسة التحليل المنطقي. كل شيء بالعقل.. بالمنطق الذي يظهر في مقالاته..
    قلت له: أستاذ.. أنا متابع كل ما صدر عن الوجودية. فقد ظهر منذ أيام كتاب مترجم للفيلسوف الدنماركي كيركجور. وهو واحد من آباء هذه الفلسفة.
    وكأنني طعنت الأستاذ في كرامته.. في كبريائه. تغيرت ملامحه. هل غضب؟ نعم. والتفت إلى الباب ونادى الخادم. وجاء الخادم، قال له: هات الكتب التي على السرير. وكانت مفاجأة موجعة.. إنها كتب كيركجور التي ظهرت كلها.. وليس كتابا واحدا كالذي عندي.. ولم أكن قد رأيت كل هذه الكتب. وفي أعماقي قلت: «جول» يا أستاذ!
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    لسادس مرة: العقاد!

    لم أسترح ولا أعرف كيف أواجه الأستاذ في الفلسفة التي تخصصت فيها. ومن المؤكد أنه يعرف أكثر..
    وكنت أول المتكلمين: يا أستاذ أنت قرأت الفلسفة الوجودية الدنمركية والفرنسية، أما الفلسفة الألمانية للفيلسوف هيدجر، وهو أبو الفلسفة الوجودية، فيقول الفيلسوف سارتر إنه قام بتبسيط الفلسفة الوجودية الألمانية، فالذي يريد أن يفهم هيدجر عليه أن يقرأ سارتر. وفي كتب أستاذنا د. عبد الرحمن بدوي إشارات كثيرة إلى ذلك. وعبد الرحمن بدوي تلميذ لهيدجر، وقد ظهر ذلك في رسالة الماجستير التي عن «الموت والعبقرية» ورسالة الدكتوراه التي كان موضوعها «الزمان الوجودي». إنني أذكر كل ذلك أمام الأستاذ، مؤكدا أنني أعرف ما لا يعرف. فهو لا يعرف اللغة الألمانية ولا يدري شيئا بالمفردات الفلسفية ذات الأصول اليونانية.
    قلت ذلك بهدوء. أريد أن أستعرض ما أعرف. ولكن لا أشير إلى أن الأستاذ ربما لا يعرف. وسكت.
    وانطلقت مدفعية الأستاذ التي أوجعتني وأصابتني في عزيز لدي، قال: يا مولانا عبد الرحمن بدوي بتاعكم ده رجل جاهل..
    وبعد هذه العبارة لا أظن أنني سمعت أي شيء مما قاله الأستاذ، لدرجة أنني سألت الحاضرين ماذا قال. لقد هاجم الفلسفة الوجودية وهاجم أستاذنا الذي نراه نموذجا رفيعا للأستاذ وللفلسفة، فهو صاحب الفضل علينا في ترجمة المفردات الفلسفية عند هيدجر، ووجد لها أصولا عربية عند ابن سينا. مع أن المفردات الألمانية صعبة وتراكيبها أصعب. ولكن عبد الرحمن بدوي ببراعة ترجمها وقدمها ويسرها. هذا فضل عظيم نذكره لعبد الرحمن بدوي. وأن يقول عنه العقاد إنه جاهل فماذا يقول عنا؟ إنه لا يحترمنا ولا يحترم أساتذتنا. إنه شمشون الجبار الذي هدم المعبد فوق أدمغتنا، فوق دماغي أنا. فأنا الوحيد الذي يدرس الفلسفة من رواد صالون العقاد، وأختار الفلسفة الوجودية مذهبا فكريا.
    عبد الرحمن بدوي جاهل؟! من المؤكد أن العقاد لم يقرأ له كتابا واحدا، ولكن لماذا هذا الحكم القاسي على أستاذ عظيم.. الحكم القاسي علينا أيضا بلا شفقة ولا رحمة..
    ولما رآني الأستاذ غاضبا وقد امتقع وجهي. قال: يا مولانا أنا سأريحك.. إن أستاذك عبد الرحمن بدوي هذا حمار.. هاها.. هاها..
    ومن يضحك بعد ذلك؟!
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    لسابع مرة: العقاد!

    ساءلت نفسي هل أتوقف عن التردد على صالون العقاد لأنه شتم كل أساتذتنا ونسف كل ما نعتقده.. ثم أستاذنا الجليل الشاب الرائع عبد الرحمن بدوي يقول عليه: حمار!
    وهل هذا حكم؟ الرجل الذي وسع علمه الفلسفة الإغريقية والعصور الوسطى والحديثة والمنطق القديم والمنطق الرياضي والمنطق الوصفي والفلسفة الوضعية التي بشر بها د. زكي نجيب محمود..
    في يوم قال لي د. زكي نجيب محمود إن اثنين من أخلص تلامذة العقاد لم يكتب مقدمة لأي كتاب من كتبهم: أنا وأنت!
    فعلا الذي كتب مقدمة كتابي «حول العالم في 200 يوم» طه حسين وليس العقاد..
    وعبد الرحمن بدوي حمار، هذا العالم الجليل الذي يغار ويحقد عليه كل الأساتذة. ويوم ناقش طه حسين رسالة الدكتوراه لعبد الرحمن بدوي حمله الحاضرون على الأعناق. وهو ما لم يحدث من قبل. ثم إن مناقشة عبد الرحمن بدوي كانت من طه حسين والشيخ مصطفى عبد الرازق ود. علي عبد الواحد وافي والمستشرق الألماني باول كراوس. والموضوع ليس مفهوما إلا لبعض المتخصصين. وقد ضايقه في المناقشة د. علي عبد الواحد الذي لا يطيقه أصلا. وكاد الطلبة يفسدون كل شيء.. بأن يتحرشوا بالدكتور وافي.
    يا ترى هل سقراط حمار؟ وهل الفلاسفة، هيجل وكانت وماركس، وهم أعظم العقول التي خلقها الله، يا ترى حمير أيضا؟ والموسيقار عبد الوهاب حمار؟ وضرب لنا مثلا بأغنية «يا عزيز عيني وأنا بدي أروّح بلدي».. ببطء فهي أغنية حزينة وغناها الأستاذ، وبسرعة تم غناها فهي أغنية وطنية.. وقال هذا هو محمد عبد الوهاب.. يا خبر أسود حتى عبد الوهاب – يا أستاذ!
    وكان ولا يزال أملي أن تكون عبارتي سهلة سلسة مثل ألحان عبد الوهاب وهو ينتقل من طبقة إلى طبقة في براعة لا نظير لها. يوم توهمت أنني مطرب لم يكن إعجابي بالصوت فقط، ولكن بالأسلوب. وإعجابي ليس بأسلوب العقاد وإنما بفكره. فأسلوبه خشن وأسلوب طه حسين سهل. وإذا كان أسلوب العقاد من حديد فأسلوب طه حسين من حرير..
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    أسلوب العقاد

    على الرغم من أنني أتردد على صالون أستاذنا عباس العقاد منذ عشرين عاما، فإنني إذا رأيته في الشارع لا أستوقفه. ويبدو أنه لا يريد ذلك. فهو يمشي مندفعا يجر ساقيه. أما رأسه فقد استقر مشدودا على كتفيه. والطربوش فوقه.

    وأعرف أين سيذهب الأستاذ. إنه يمر على مكتبة للشيوعيين. وهو يكرهها ويكرههم. وكثيرا ما وجدني هناك. وكأنه لا يتوقع ذلك، فيسأل: وأنت ما الذي أتي بك إلى هنا يا مولانا؟

    فأقول: الكتب يا أستاذ!

    ثم يتجه إلى مكتبة أخرى. وبسرعة يأتون له بمقعد فيجلس. ويلتف حوله أصحاب المكتبة يسألونه إن كان يعرف أن كتابا لفلان قد ظهر. ولكن في ذلك اليوم أتوا له بكتاب بالفارسية عن أبى نواس. وكان العقاد مشغولا بتأليف كتاب عنه. وعندما استضفت طه حسين وعشرة من الأدباء في التليفزيون، فسخر طه حسين من أسلوب العقاد في رسم الشخصيات. وقال: إن العقاد قد تناول الشاعر أبا نواس، كأنه استخرج مجنونا من مستشفي الأمراض العقلية!

    ها ها..

    فالعقاد مشغول بالتفسير النفسي لأي أديب أو زعيم أو مفكر. وبعد ذلك يتجه إلى أعماله الأدبية أو الفلسفية. أما طه حسين فيعتمد في الدرجة الأولى على النصوص. على الكتب ومنها يفهم الشخصية. وهذان منهجان في الدراسة: التفسير النفسي للأديب والتفسير البلاغي للأديب.

    وبعد شهور ظهر كتاب العقاد عن أبي نواس، ولاحظت أن العقاد لم يشر في المقدمة إلى أنه استعان بمن يعرف اللغة الفارسية لينقل أحدث الدراسات عن أبي نواس. وسألته فضحك وقال: طبيعي أن أبحث وأن أدرس. والقارئ لا يهمه إن كنت اقترضت لكي أشتري كتابا بلغة أخرى وليس عندي مال! المهم أن يجد ما أقنعني وما يقنعه!

    .. ولم أقتنع!
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    واعتذر أستاذنا العقاد!

    في يوم نشرت الصحف أن جامعة القاهرة سوف تمنح الأستاذ عباس العقاد الدكتوراه الفخرية. وفي يوم الجمعة، وهو يوم الاجتماع بالأستاذ، هنأناه. ولكنه قال: «أنا يا مولانا رفضتها..».

    فقلت: لا بأس، إن برنارد شو رفض جائزة نوبل! ولكن لماذا يا أستاذ؟

    قال وكان كلامه مفاجأة ولم يجرؤ أحد على أن يصحح للأستاذ العظيم هذه المعلومة الصغيرة. قال الأستاذ: «الدكتوراه، ومن الذي يعطي للعقاد الدكتوراه؟!».

    فقد ظن الأستاذ أن الدكتوراه تمنح بعد مناقشة وامتحان للأستاذ، فاستنكر أن يمنحه أحد.. ومن هو الذي يمتحن العقاد ثم يعطيه الدكتوراه؟ ولم يجرؤ أحد منا أن يقول للأستاذ إنها فخرية.. لا امتحان ولا مناقشة.. وهو يعلم أن طه حسين قد قال: «أنا حصلت على ست دكتورات والعقاد حاصل على الابتدائية!!».

    وانتقل العقاد إلى الهجوم على أساتذة الجامعات الذين لم يخرج من بينهم مفكر كبير أو أديب كبير أو شاعر كبير، ثم إن أساتذة الجامعة لا يقرأون. فهم إذن لا يقرأون ولا يكتبون، فكيف لهؤلاء أن يمنحوا العقاد الدكتوراه؟ وقال إنه أرسل خطابا يعتذر فيه عن عدم قبول هذه الجائزة، ولم يشأ أن يطلعنا الأستاذ على ما جاء في خطابه، فهو في مثل هذه الحالة يكون غاضبا عنيفا.

    أذكر أن د. ثروت عكاشة قد طلب مني أن أجد تفسيرا لخطاب بعث به العقاد، فلم يفهم ماذا يريد. خطاب العقاد إلى ثروت عكاشة يقول: «إنما تقاس حضارة الأمم بمدى إحساسها بالزمن.. وليس لكم من هذا نصيب. عباس العقاد».

    والذي حدث، أن وزير الثقافة ثروت عكاشة قد اتصل بنا لنلقاه في ساعة محددة، وذهبنا ولم يذهب العقاد. فقد ظن العقاد أن الوزير هو الذي سوف يمر عليه في بيته في هذه الساعة. طبعا لم يجئ الوزير، فغضب العقاد ورأى أن الوزير ليس عنده إحساس بالزمن.. وهو لذلك ليس متحضرا!
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    إبراهيم غرايبة
    العقاد بمنظور أنيس منصور

    [​IMG]

    صدر لأنيس منصور عام 1983 كتاب بعنوان «في صالون العقاد كانت لنا أيام» ويروي فيه تجاربه ومشاهداته وحواراته وما استمع إليه في صالون العقاد الذي كان يتردد عليه بلا انقطاع منذ مجيئه من المنصورة إلى القاهرة لدراسة الفلسفة في الجامعة (في أوائل الأربعينيات) وحتى وفاة العقاد عام 1964.
    وكان أنيس منصور معجبا بالعقاد، وسجل إعجابه وافتتانه في كتابه الذي بلغ حوالي 700 صفحة على نحو مؤثر «أعجبني في العقاد هذا الصفاء العقلي، وهذا الرواء الفني، وهذا الشموخ الهندسي في مقالاته، كنت طالبا صغيرا لا أشتري مجلة الرسالة إلا إذا كان للعقاد مقالة فيها.. وفي مثل سني كنت أريد أبا عقليا ووجدته، وكانت لي أفكار صغيرة غامضة، وكان العقاد هو المصباح الذي هداني»
    ولكن العقاد كان كما يصفه منصور يصعب مناقشته والاختلاف معه، فهو عنيف عصبي المزاج، وقادر على الإقناع بكل شيء.
    كان منصور يعتبر من أقرب الناس إلى العقاد، وكان قادرا بحكم ثقافته الفلسفية وقدراته الصحافية على عرض وتقديم أفكار العقاد ببساطة ويسر يخفف من طبيعتها الصعبة وصياغتها التي تبدو للقراء عصية على الفهم والهضم، وكان هذا يزعج الشاب الصاعد في سماء الصحافة والثقافة (أنيس منصور) الذي خشي على نفسه كما يقول أن يتحول إلى قارئ في مأتم العقاد.
    وكان العقاد صدمة فكرية للشباب القادم إلى صالونه في آرائه وأفكاره التي تخالف السائد والمألوف، كان شكسبير عنده هو أعظم المواهب في التاريخ، وأما الشاعر الألماني «جيته» فرجل عظيم، ولكنه ليس إنسانا عظيما، وأما المفكرون المصريون فكان يحكم عليهم بتطرف وقسوة، عبدالرحمن بدوي جاهل، ولويس عوض أجهل منه، وطه حسين عمي الأدب وليس عميد الأدب، وكان يهاجم الشيوعية والنازية والوجودية ولا يرى خلافا بينها، فالشيوعية تجعل الإنسان حذاء للمجتمع، والنازية تجعل الشعب حذاء للحاكم، والوجودية تجعل الكون حذاء للإنسان.
    وكانت له تعليقات جارحة على الشخصيات الفنية والأدبية والسياسية، عن بخل توفيق الحكيم على سبيل المثال، فيقول إنه وطه حسين لا يحضران جلسات المجمع اللغوي لأنه يدفع مكافأة دورية ثابتة، ويذهبان إلى هيئات أخرى لأنها تدفع مقابل كل جلسة! ومحمد عبدالوهاب صوته جميل وأداؤه أيضا، ولكن جميع ألحانه متشابهة، والفرق بين الحزين منها والمرح هو سرعة الدوران، ويجعل يغني «يا عزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي» بسرعة وعلى مهل ليدلل على وجهة نظره.
    وكان جميع السياسيين عنده موضع انتقاد لاذع عدا سعد زغلول «الذي خلقه الله غابة وجعل الناس أعشابا»، وكان هتلر في أوج انتصاره عندما كان يرى حتمية هزيمته، وعندما كان وحده صاحب هذا الرأي، كان يعلق: ما أهمية رأي ألف أعمى بالشمس أمام رأي مبصر واحد؟ ويقول: الناس ينظرون إلى ما أنظر، ولكنهم لا يرون ما أرى.
    وعندما أخبره أن منصور فهمي يدرسه «علم الجمال» وأنه الطالب الوحيد في الصف، فقال: يعني انحصر ضرره فيك، أنت الآن موبوء يا مولانا!
    هؤلاء الفلاسفة الوجوديون ليسوا إلا جماعة نصابين أصيبوا بالأرق، وبدلا من أن يبتلعوا بعض الأقراص المهدئة فإنهم فرضوا الأرق فلسفة على الجميع. يقول منصور إنه كان ينقل للعقاد النقاشات التي تجري في الجامعة عن الفلسفة وعلم الجمال وغيرها من المحاضرات فيفيض العقاد في ذلك بموهبة الشاعر الرقيق الحكيم والذواقة للجمال، جمال المرأة والطبيعة والموسيقى والرسم والنحت والتمثيل والغناء.
    كان كما يبدو في كتاب منصور يتمتع بقدر كبير من الغرور الذي يراه ممتعا ومقبولا ومحقا أيضا، وقد جاءه أحد الناشرين من جنوب شرق آسيا ليترجم كتب «العبقريات» إلى المالاوية مقابل 20 ألف جنيه، ولكن جاء متأخرا عن الموعد المتفق عليه دقيقة واحدة، فغضب وألغى الاتفاق.
    ولأحمد أمين تعليق طريف على العقاد وطه حسين وهيكل وتوفيق الحكيم الذين كتبوا جميعا عن الرسول، فقال: هيكل وقف إلى جوار الرسول يترافع عنه، وطه حسين وقف وراءه يؤرخ له، والعقاد وقف أمامه يرسم له الطريق، والحكيم دار حوله يصفه من بعيد. وفي حيرة منصور وبحثه عن الصواب والحكمة وتقلبه في الفلسفات والجماعات قابل يهوديا اسمه جاك كوهين أرشده إلى الماسونية، وعندما حدث العقاد قال عنه: إنه نصاب يا مولانا، يتخذ من الفلسفة غطاء لأهداف سياسية وللتجسس، وقد جاءني مرة إلى البيت وتحدث معي ليقنعني بفلسفته، فقلت له أريدك تجيبني على سؤال: لماذا إذا خير رجل فقير بين أن يكون ملكا ويذبح ابنه أو يبقى على حاله يختار الثانية؟ فقال: أنا أختار أن يذبح ابني لأكون ملكا ثم أنجب ما شئت من الأولاد، فقال له العقاد: هذا ما توقعته منك، عندما تصير إنسانا تعال نتناقش.
    ولد عباس محمود مصطفى العقاد عام 1889 في أسوان، وقد هاجرت أسرته من السودان، وأصلها كردي من شمال العراق، يقول عن نفسه إنه قرأ 60 ألف كتاب! وألَّف 60 كتابا، وهو لم يتعلم في مدرسة أو جامعة لكنه علم نفسه بنفسه.
    لم يسافر العقاد خارج مصر إلا ثلاث مرات، مرة لأداء الحج، ومرة إلى فلسطين، ومرة ثالثة إلى السودان، ولكن الدنيا كلها جاءت إليه في الكتب والدراسة والعلم والتأمل والفلسفة، كتب محمد مندور في مجلة الرسالة: إن الإنسان يجب ألا يبحث عن الأشياء حيث يجب أن يجدها، ولكن يبحث عنها حيث يمكنه ذلك.
    وروى محمد مندور أنه رأى في مسرح في باريس رجلا مخمورا يبحث عن مفتاح بيته، فاقترب منه شرطي ليسأله عن أي شيء تبحث؟ فقال: عن المفتاح، وسأله الشرطي: وهل سقط منك هنا؟ فقال: بل في أول الشارع، فسأله الشرطي بدهشة: ولماذا تبحث عنه هنا؟ فقال الرجل المخمور: لأن المكان هنا مضاء.
    فرد عليه العقاد في الأسبوع التالي، ولكن هذه النكتة التي رآها مندور في باريس قد ألفها السيد جحا التركي دون أن يكون في حاجة لأن يذهب إلى باريس.
    ولا يعرف منصور ماذا كتب مندور ليرد عليه العقاد: إنها موجودة في التوراة يا مولانا، ويكفي أن تقرأ نشيد الإنشاد لتجد أن فتاة ترعى الغنم قد رفضت التاج والعرش لأنها تفضل راعيا اختارها فاختارته، أما سليمان فقد كرهته الفتاة لأنه اختارها، ولكنها لم تختره.
    وأخيرا فثمة قصة طريفة يرويها أنيس منصور عن نفسه في الكتاب، فيقول إنه كان من الإخوان المسلمين وهو طالب في الجامعة، وقد ألقى قصيدة بمناسبة المولد النبوي في شعبة الإخوان في إمبابة التي كان عضوا فيها، وقد حضر الحفل الإمام حسن البنا مرشد الإخوان المسلمين، فقام بعد القصيدة وصافح أنيس منصور بحرارة وقال له: الأخ مسيحي؟
     
    آخر تعديل: ‏18/3/14
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنيس منصور
    الطريق إلى العقاد..

    [​IMG]


    عندما كنت في فرنسا قالوا لنا: في هذا الطريق كان يمشي نابليون، وننظر إلى الطريق فلا نعرف ما هي العلاقة بين عبقرية نابليون العسكرية والسياسية والإدارية وبين هذه الأشجار وهذه الأعشاب.. وأشعة الشمس تجيء من وراء السحب تضيء جانبًا من كل شيء! لا علاقة ولكنه تاريخ نابليون قد جعل لكل حجرة وكل شجرة معنى، كأنها شاركت في قراراته التاريخية لعبور الألب وإحراق موسكو واحتراق الأسطول الفرنسي في الإسكندرية.

    وعندما كنت في مدينة أنسبروك بالنمسا كان يقال لنا: وهذا هو الطريق الذي يمشي فيه الشاعر العظيم جيته، وكان يرافقه أحيانًا الموسيقار العظيم بيتهوفن وفى هذا الطريق استوقفهما أحد الناس الطيبين ورفع القبعة لهما وسألهما: إن كان أحدهما العمدة!
    وفي مدينة تيبنجن بألمانيا قالوا لي: وفي هذا الطريق كان فيلسوف الوجودية مارتن هيدجر يمشي.. ويتوكأ على عصاه لا عن ضعف في صحته ولكن عن وجهة نظر وهي: أنه ليس صحيحًا أن الإنسان استطاع أن يعتمد على عينيه فقط، أو أذنيه فقط أو ساقيه فقط.. وإنما الإنسان محتاج إلى أطراف كثيرة تضاف إلى أطرافه وإحساساته الخمس لكي يرى أبعد، ولكي يجعل غيره يرى أبعد وأوسع وأعمق وأصدق.. فليست هذا العصا في يده إلا رمزا لضرورة أن تتوكأ العين على التلسكوب، والأذن على الرادار. والساق على الصواريخ، والعقل الإنساني على عشرات العقول الأخرى وعلى الله.

    ولا علاقة هناك بين هدوء هذا الفيلسوف وصوت العصافير حولي، ولا نعومة المنحنيات واتساعها واستقامتها. ولا أعرف لماذا اختار هذا الطريق.. كأنما الرجل قد جاء إلى هذا الطريق ليعرض نفسه على الأشجار وعلى السحب وعلى الضياء الكسيرة، ويمشي مشغولًا بالذي في رأسه.. لكنه سار من هنا، ولذلك فالطريق له معنى تاريخي، بالإضافة إلى معناه الجغرافي ـ هكذا قيل لي وهكذا تصورت!.

    ولكن لم أر طريقا أروع ولا أمتع من الطريق بين القاهرة ومصر الجديدة. شيء عجيب كان يحدث كل يوم جمعة فالشمس تشرق مبكرة جدًا. وبسرعة. ولكن هذه الشمس تظل بطيئة جدًا بين الخامسة حتى التاسعة والنصف من صباح هذا اليوم.. فلابد أن نضيع هذا الوقت بأي شكل قبل أن يحين الموعد المحدد لزيارة الأستاذ العقاد في بيته بمصر الجديدة. ولكن هذا الطريق ليس له معالم في عيني.. إنه صغير ضيق. والأشجار قريبة من النوافذ.. والبيوت تكاد تلتصق بالمترو، بل أكاد أسمع أحاديث الناس.

    وأجدها فرصة لكي أضحك من هؤلاء الذين يتحدثون كلامًا سخيفًا.. ولا يتركون طعامهم وشرابهم وأولادهم ويقفزون معنا في الطريق إلى العقاد. فكل الطريق هو العقاد نفسه.

    مستقيم مثل منطق العقاد.. والعمارات طبقات بعضها فوق بعض مثل المقدمات والنتائج في مقالات العقاد. والشمس لم تدع شجرة ولا حجرة إلا أبرزتها، تمامًا كالوضوح الذي يشرق في كتب العقاد. وهذه الأعلام المرفوعة على المصالح الحكومية، ليس سببها أن الناس في أجازة. وإنها احترام لكل من يستريح من عمله.. أو معناها إذا غاب الموظفون، فالدولة باقية.. ولكن معناها، وكان ذلك إحساسي، أنها مرفوعة تحية لكل من يذهب إلى بيت العقاد.
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة



    [​IMG]

    "هل كان العقاد ساحرا؟ رأيته كذلك، فهو يخرج بالمعاني من المعاني، ولا أعرف كيف، ثم هو قادر على أن يستدرجنا إلى ما لم يخطر على البال من نتائج، هل كان محاميا عظيما؟ هل كان مهندسا فكريا جبارا؟ كان كل ذلك " هكذا تحدث عنه أنيس منصور وهكذا نبدأ الحديث عنه قبل يوم من ذكرى رحيله التاسعة والأربعين. ولد عباس العقد بأسوان يوم 28 يونيو 1889، وكان يقول أنه ولد فيها بمشيئة القدر ولو أنه ملك الأمر كان سيولد بها بمشيئته، وكان جده يعمل بصناعة الحرير، لذا أطلق علي عائلته "العقاد" أي من يعقد الحرير ، أما والده فكان أمينا للمحفوظات، ولم يكن مكثرا من قراءة الكتب سوى الدينية
    بدأ العقاد حياته الأدبية في التاسعة من عمره ، وكانت أول قصيدة نظمها في مدح العلوم ، وتدرج في المدارس ، وكان يحب كتابة الإنشاء وحينما عرض أستاذه موضوعه على الإمام محمد عبده قال عن العقاد "ما أجدر هذا أن يكون كاتبا" ، وجاء إلى القاهرة في سن الخامسة عشر عام 1904 لإجراء الكشف الطبي ، ولكنه فيما بعد سئم وظائف الحكومة ، وكتب في الصحف يشكو الظلم الواقع على الموظفين ، ثم عمل بالصحافة حتى عين عضوا بمجلس الفنون والآداب كما عين بالمجمع اللغوي وكان يفضل قراءة كتب فلسفة الدين ، وكتب التاريخ العام والتاريخ الطبيعي وتراجم العظماء ، وداوين الشعر ، فكان التاريخ والأدب والفن والسياسة والنكتة كلها أصابع بيانو يلعب عليها معا في وقت واحد

    البومة ورقم 13
    من الطرائف التي ينقلها أنيس منصور عن العقاد أنه كان "على عكس خلق الله" يتفاءل برقم 13، فكان منزله بمصر الجديدة يحمل هذا الرقم وكان الرقمان الأولان لتليفونه يبدأن ب 13 ، وقسم كتبه 13 قسما ، وبدأ بناء منزله بأسوان يوم 13 مارس ، ودفن بأسوان يوم 13 مارس أيضا ، وكان يتفاءل بالبومة ، ولا يتشاءم من الكتابة عن الشاعر ابن الرومي الذي أهلك كل الذين كتبوا عنه .

    الحب .. قضاء وقدر
    " ما الحب ؟ .. ما الحب إلا أنه بدل من الخلود ، فما أغلاه من بدل "
    لقد أحب العقاد في حياته مرتين ، فكان له في شبابه قصة حب عنيف ، صدم فيها صدمة كبيرة ، فكتب سلسلة مقالات بعنوان "مواقف في الحب" وهى التي جمعها في كتاب اسمه "سارة" وهو اسم مستعار لتلك الفتاة ، وكان يحب فيها الأنوثة الدافقة ، فكانت لا يشغل بالها سوى الاهتمام بجمالها ولكنها كانت مثقفة ، والثانية هي مي زيادة التي أحبها لأنها كانت مثقفة قوية الحجة تناقش وتهتم بتحرير المرأة ، ولكنها أيضا فارقته حينما علمت بحبه لغيرها .
    وخلاصة فلسفته في الحب هي أنه قضاء وقدر ، فهو يرى أننا لا نحب حين نختار ، ولا نختار حين نحب ، وأننا مع القضاء والقدر في الحياة والموت والحب ، وكان يرى في الحب شئ من العادة وشئ من الخداع وشئ من الأنانية .

    العقاد الإنسان
    "أعلم علم اليقين أنني أجازف بحياتي ، ولا أصبر على منظر مؤلم أو شكاية ضعيف ، أعلم أن الرحمة المفرطة باب من أبواب العذاب في حياتي منذ النشأة الأولى "
    كان العقاد شديد الحساسية والتأثر ، فأثناء سجنه بتهمة العيب في الذات الملكية ، وقع نظره على الجلاد الذي يهوى بسوطه على ظهر سجين حتى انبثق الدم من ظهره ، فبكى ومكث مريضا أسبوع كامل ، ولم يستطع النوم لثلاث ليال .
    وكان يأسره الفن الجميل إلى الدرجة التي تجعله يبكى حينما يرى مشهد عاطفيا أو دراميا متقن فقد بكى حينما شاهد أول فيلم اجنبى ناطق بطولة الممثل آل جونسون ، حينما رأى مشهد الطفل الصغير الذي حرم من أمه ، وظل هدفا للإهمال حتى مات ، ولم يستطع النوم في تلك الليلة إلا بعد أن غسل رأسه بالماء الساخن ثلاث مرات ظنا منه أنه بذلك يطرد عنه الأفكار السوداء.
    وكان العقاد شديد التعلق بوالدته ، فحينما كان يزور أسوان ويدخل بيته يهرول إلى حجرتها ويلتصق بها ، وبعد وفاتها لم يعد يستطيع أن يدخل حجرتها مجددا حتى لا يتذكر فجيعته فيها.

    ثلاثة أقلام
    "احتفظت بأقلام ثلاثة ، كان لاحتفاظي بكل منها سبب وتاريخ "
    احتفظ العقاد بثلاثة أقلام في حياته ، الأول : قلم أهداه إليه شخص عزيز عليه ، كان قد كتب به قصيدة للعقاد في وصف ليله على النيل ثم أهداه إياه ، الثاني : هو الذي كتب به الفصول الأولى من كتابه عن ابن الرومي ، ثم سجن به بعد ذلك ، الثالث : هو القلم الذي أخرجه لأحد خصومه السياسيين وأقسم له أن الوزارة ستسقط قبل أن ينبري هذا القلم .

    منهج العقاد في الكتابة
    كان العقاد أثناء كتابة المقالات للمجلات الأدبية ، يرحب باقتراح المشرفين على التحرير للموضوع الذي يكتب عنه ، لأنه يرى أنه من حقهم أن يختاروا ما يناسب المجلة ، كما أن هذا يعفى الكاتب من مشقة البحث عن موضوع ، وكان لا يبدأ كتابة المقال إلا وجميع أصوله في ذهنه .
    كان العقاد يحب الكتابة في أي مكان يخلو من الضوضاء ، وكتب أكثر كتاباته النثرية وهو مضطجع على الفراش ، أما الشعرية كان يكتبها أثناء سيره في الخلاء ، أما منهجه في تأليف الكتب فيعتمد على التقسيم والتنظيم .

    سر انطواء العقاد
    كان العقاد يميل إلى العزلة والانفراد ، وربما ظن البعد أن هذا الانطواء يرجع إلى عقد نفسية ولكن حقيقة الأمر ،هي أنه ورث الانطواء عن والديه ، وكان يشغل وحدته بالقراءة والكتابة ولكنه رغم ذلك كان يميل إلى الصداقة ويكره العداوة ولا يعرف التوسط في كليهما .
    كما يرجع حبة للانطواء حادث مر به وهو دون السابعة وهو الوباء ، حيث مات الكثيرون بسببه وخلت الشوارع وأغلقت الحكومة أبوابها ، وكان الناس يسألون كم المحصول اليوم وهو تهكم لمعرفة عدد الموتى في ذلك اليوم ، وبسبب هذا أيضا ترجع سر وحشته .

    عشق الأطفال
    "الأطفال محبوبون لأنهم أزاهير الإنسانية وترجمان ربيعها ، محبوبون لأنهم بشائر الشباب والحياة "
    كان العقاد يحب الأطفال جدا ، فكل الأطفال في منزله أصدقائه يصعدون إليه ، ويتحدثون معه
    وكان يعدهم دائما معلمون من الطراز الأول ، لأن أخلاق الإنسانية مكتوبة في نفوسهم بالخط البارز ، فهم لا يكتمون شيئا ، وكان يحب تأملهم حينما يبكون من مصائبهم الصغرى التي تضحك الآخرين لتفاهتها .
    فهؤلاء الأطفال مصائب في وقت الحرج ، ولكنهم يقوموا بتسلية الإنسان حتى وهم يحرجوه
    ويعلمك أن دروسه التي يمليها عليك أفضل من دروسك التي تمليها عليه ، وكان يرى فيهم متعة غالية الثمن ، ودائما كان ينعت من يعتقد أن الحزن على الصغير أهون من الحزن على الكبير بالجاهل .

    كيف نظر العقاد للموت ؟
    " إنني لا أتمنى أن أصل إلى عمر المائة كما يتمناه غيري ، وإنما أتمنى أن تنتهي حياتي عندما تنتهي قدرتي على الكتابة و القراءة"
    كان العقاد يكره الموت ولا يخشاه ، توفيت والدته في سن الثمانين وتوفى والده دون ذلك ، وقد تنبأ بموته حينما قال " إن الابن يأخذ متوسط عمر والديه ، وقد تنتهي حياتي قبل الثمانين " وكان يتمنى أن يختم حياته بكتاب عن الإمام الغزالي وفلسفته ، وقد قضى آخر ثلاثين سنة من عمره في قراءة دقيقة عنه لأنه كان يراه قدوة للفلاسفة ، ومثال للتفكير الرفيع ، وكان يعده أول مفكر اسلامى ، وكان يقول أنه إن أكمل المائة عام حيا ، سوف يصدر كتابا اسمه (قرن يتكلم)
    ولكنه رحل قبل المائة كما تنبأ ، بعد أن تجاوزت كتبه مائةَ كتاب، بالإضافة إلى مقالاته العديدة التي تبلغ الآلاف في بطون الصحف والدوريات، ولقي الله في 12 مارس 1964 .

    عبقريات العقاد
    ألف العقاد سلسلة العبقريات حيث (عبقرية محمد) وهو ليس تقديم سرد للسيرة النبوية أو شرح للإسلام بل هو تقدير لعبقرية سيدنا محمد بالشكل الذي يراه المسلم وغير المسلم ، كما كتب العقاد (عبقرية عمر) الذي قال فيه عن عمر بن الخطاب "إن هذا الرجل العظيم أصعب من عرفت من عظماء الرجال نقداً و مؤاخذة "كما كتب العديد من العبقريات ، عن خالد بن الوليد وعثمان بن عفان وأبو بكر الصديق والمسيح عيسى بن مريم .




     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    بسام الهلسه
    العقـاد… صورتان

    [​IMG]


    من بين أوائل من شرعت بقراءتهم أيام المدرسة، كان ‘عباس محمود العقاد’. ومذَّاك ارتسمت له في مخيلتي صورتان: صورة الكاتب العربي المسلم المنفتح على الحياة والثقافة الحديثة، وصورة المثقف العصامي المستقل الصارم متعدد القراءات والاهتمامات. وهما الصورتان اللتان ما زالتا مقيمتين في ذاكرتي حتى الآن.
    حينها، قرأت له عدداً من تراجمه المعروفة بـ’العبقريات’، وكتبه النقدية: ‘شعراء مصر وبيئاتهم..’ و’ابن الرومي’ و’عمر بن أبي ربيعة’، ومطالعاته: ‘بين الكتب والناس′.
    أما شعره، فلم تُسِغه ذائقتي الفتية الآخذة بالتكون آنذاك، والمحتفية بالشعر الرومانسي وشعرائه: إبراهيم ناجي، علي محمود طه، إيليا أبي ماضي، عمر أبي ريشه، أبي القاسم الشابي، أبي سلمى، الكرمي، عرار وبشارة الخوري…
    وبالشعر الجديد وشعرائه: السياب، البياتي، حاوي، الماغوط، دوريش، دنقل، المناصرة، عبدالمعطي حجازي، وليد سيف وسعدي يوسف…
    وقد تكوَّن لديَّ إنطباع بأن وعيَ العقاد وتنظيره النقدي أكبر من شعره الذي بدا لي مفتقداً لحرارة ونبض الشعر وأقرب إلى النظم والبناء الذهني. وهو ما يمكن قوله أيضاً عن قصته ‘سارة’ التي أقصتها قراءاتي لروايات وقصص لـ: نجيب محفوظ، يوسف ادريس، زكريا تامر، همنغواي، غوغول، دستويفسكي، ديكنز وموباسان…
    * * *
    لكن هذا- وأضيفت إليه لاحقاً مراجعتي لمنهجه النقدي- لم يؤثر في نظرتي للعقاد التي تعززت بلقائي بأساتذة ومثقفين عرفوه عن قرب، فأطللت من خلالهم على جوانب من شخصيته ومواقفه تستحق التقدير، وبخاصة إحترامه العميق لنفسه، ووعيه الكبير بدوره كمثقف مستقل عن كل سلطة خارج مبادئه وأفكاره. مما نأى به عن التزلف بمعنييه: الشخصي، طلباً للمناصب والحظوة، والثقافي: مسايرة للمزاج الشائع.
    وهو ما قاده إلى السجن في العهد الملكي كما نعرف، وإلى المواجهة مع عدد من رموز الثقافة والسياسة، شأنه في ذلك شأن الكبار الذين يؤسسون مثالهم الخاص ويتبعونه بإخلاص.
    لكن هذا المثال بالذات، المستند إلى تكوين سياسي وفكري ومعرفي تأسس غالباً- في الثلث الأول من القرن العشرين أو أكثر قليلاً، هو ما أبعد العقاد، داعية التجدد القديم، عن قبول الجديد (السياسي والأدبي) الذي شهدته مصر منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين. ففي السياسة، ظل العقاد متمسكاً بحدود الرؤى الوطنية الليبرالية التي عبر عنها حزب الوفد بقيادة ‘سعد زغلول’ الذي كان العقاد من أشد مؤيديه، وفي الأدب، ظل أميناً لتقاليد ‘مدرسة الديوان’ التي كان أسسها مع صديقيه: إبراهيم المازني وعبدالرحمن شكري.
    لكن مصر ـ والعالم عامة – كان قد توالى عليها نهار وليل كثير، فتغيرت عما كانته أيام ثورة (1919م) التي شارك فيها العقاد وهو في الثلاثين من عمره (ولد في العام 1889م)، وتغيَّرت كذلك حساسيتها وأشكال تعبيرها الأدبية والفنية، فيما ظل العقاد وفياً لنموذجه الشعري، يزجر عنه الآتين الجُدد، شعراء ‘التفعيلة’، الذين لم يعترف بشعرية وشرعية مشروعهم الخارج على نظام بحور الشعر العربي وأوزانه التقليدية المتوارثة، مما حدا برائدهم في مصر، ‘صلاح عبدالصبور’، أن يكتب مدافعاً عن شعر التفعيلة، ومُقسِماً: ‘موزون والله العظيم موزون!’
    * * *
    رحل العقاد في العام 1964م. ورغم أن سنوات طويلة مضت على قراءتي له، إلا أنها لم تمحُ من ذاكرتي صورتين قديمتين انعكست فيهما ‘حياة قلم’ عربي قدِّر له أن يكون واحداً ممن وسموا بعلاماتهم دروب النهضة والحياة الجديدة التي صَبَت إليها مصر والعرب، وإشتبكوا في تياراتها المتلاطمة بعد الحرب العالمية الأولى.
    والذين يعرفون العقاد كمدافع عن الإسلام ومنجزات الأسلاف، يعرفون أيضاً إنفتاحه على ثقافات الأمم الأُخرى- وبخاصة الأمة الإنجليزية- التي تعلم لغتها من جملة ما علَّمه لنفسه بنفسه، وهو الاسواني الصعيدي الذي توقف تعليمه النظامي عند الشهادة الإبتدائية. فلم يخلط بين مقاومته للإستعمار الإنجليزي، وبين سعيه لمعرفة علوم ومعارف وخبرات الإنجليز وغيرهم من الأمم. وهذا درس ينبغي تذكره، عندما يجري الحديث عن العلاقات بالآخرين، الذي إبتذِل وإختزِل في عنوان بائس: ‘نحن والآخر’!
    وأياً كانت آراؤنا في مطالعات العقاد أو منهجه المستخدم أو إستنتاجاته وأحكامه، فإن ما يدعو للتنويه هو تعامله ووقوفه من جميع من وما تناوله من شخصيات وموضوعات- سواء إتصلت بـالماضين أو بالمعاصرين له- تعامل وموقف الذات الدارِسة والمحللِة والناقدة، وليس تعامل وموقف المبهور المأخوذ الذي يكتفي بالترداد.
    وما أحرانا بالتأكيد على هذه المسألة في مواجهة وضعية الإستلاب العقلي والثقافي التي تحصر دورنا في حدود ووظيفة الصدى: صدى الأسلاف الماضين، أو صدى الآخرين!
    لكن دورنا ـ بل ووجودنا ذاته- لا يستقيمان إن لم ننشىء صوتنا الحر المتميز، وإن لم نبْنِ ذاتنا الواعية الناقدة التي تدرس وتستوعب، فتأخذ أو تنبذ، وتعارض أو تستلهم..
    والأمر المهم في كل الأحوال، هو أن نضيف إبداعنا ومساهمتنا الخاصة الجديدة المنشغلة بأسئلة عصرنا وحساسياته وإقتراحاته وتحدياته، إذا ما أردنا لأنفسنا ولأمتنا القيامة والصعود..
    فبهذا فقط، يكون لضمير الإفصاح عن الذات: ‘أنا’ أو’نحن’، ولمصطلح ‘الأصالة’، وصفة ‘الاستقلال’,تجلياتها ومعانيها الحقيقية..
    فلا مكانة لمن هم عالة على غيرهم سواء أكانوا من الماضين أو الآخرين- سوى الجمود على ما هم عليه وفيه: التبعية بإذلال.



    القدس العربي
    April 2, 2014
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. حسين محمود
    العقّاد وطه حسين في إيطاليا
    في إيطاليا قليلون هم الذين يعرفون عباس محمود العقاد، وكثيرون الذين يعرفون طه حسين، وهذا العام مضى على وفاة الأول ؛ الأول أربعون عاماً وعلى وفاة الثاني خمسون عاماً، ولكن معظم المتخصِّصين في الآداب الشرقية والعربية يعرفون الاثنين جيداً كأبطال عصر التنوير.

    لنقرأ ما قالته الموسوعة الإيطالية، «تريكاني» التي تعادل في أهميتها وشهرتها وموثوقيتها الموسوعة البريطانية «بريتانيكا»، ما قالته عن الأدب العربي الذي أفردت له الكثير من الصفحات، ولم تهمل في استعراضها للأدب العربي ذكر المفكَريْن العربَّييْن الكبيرَيْن، فقالت عن العقاد: «صاحب الإنتاج الأدبي هذين العقدين (من 1930 حتى 1950) حياة روحية قوية للشعوب العربية، وخاصة تلك التي تقع في المركز الجغرافي والثقافي للعالم العربي، أي مصر وسورية ولبنان. كان الأدب المصري دائماً في موقع الريادة في الحياة الثقافية العربية. وقد ظهرت في تلك السنوات شخصيات أدبية لها باع مثل حافظ، وشوقي، ومي، وغيرهم، وتابع كثيرون غيرهم أعمالهم موسِّعين من شهرتهم في العالم العربي كلّه، وفي أوروبا أيضاً، مثل القصاص محمود تيمور، والعالم عباس محمود العقّاد، والناقد طه حسين، والمسرحي توفيق الحكيم. وكلها شخصيات عظيمة الشأن في الأدب العربي الجديد الحديث المعاصر».

    مثل هذا النص الوارد في الموسوعة الإيطالية الأشهر يمكنه أن يساهم في تشكيل وعي «المهتمين» بأهمية الشخصيات الأدبية المذكورة، فهي مرجع واسع الانتشار، وحقيق بالتصديق. والصفات التي يخلعها النص نفسه على الشخصيات الأدبية التي ذكرها ربما تحدّد بشكل كبير المدخل الذي يشكّل الصورة الذهنية التي تتشكّل في الوعي العام عن هذه الشخصيات. ومما يلفت النظر أن الموسوعة اعتبرت عباس محمود العقّاد «عالماً»، فيما اعتبرت طه حسين ناقداً. وربما كانت هذه الصفة التي سوف تلازم الحديث عن العقاد في جلّ ما يذكر عنه في الأدبيات الإيطالية. وربما كان السبب في هذا هو أن الأعمال المشهورة له كانت دراسات، سواء «العبقريات»، أو كتابه عن «الله»، وما اشتهر عن طه حسين في نقده بالشكّ التحليلي لتراث الشعر العربي القديم. وعندما تتحدث الموسوعة عن سيد قطب مثلاً، تذكر أنه تلقى التشجيع من كل من طه حسين والعقّاد، رغم أنه اتهمهما بعد ذلك، الأول بأنه «مستغرب» والثاني بأنه «ذهني».

    أما ما قالته الموسوعة عن العقاد وحده، فقد يكتسب أهمية خاصة، لأنه مكتوب بواسطة مستعرب شهير، ظل لأعوام طويلة مهيمناً على صورة المستعرب الإيطالي, وعميداً للمستعربين كلهم، وهو فرانشيسكو جابرييلي، ولأهمية الكاتب والمكتوب عنه، رأيت أن أورد ترجمة للنص الكامل له: «العقّاد، عباس محمود شاعر وناقد ودارس مصري، ولد في أسوان عام 1889. منذ عام 1940 أصبح عضواً في أكاديمية فؤاد الأول للغة العربية. بدأ يؤكِّّد مكانته بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة عندما نشر دواوينه الشعرية، التي اتسَّمت باستلهام الحداثة وروحها، رغم الصيغ العروضية التقليدية، مع إحساس قوي بالطبيعة ونزوع إلى التفلسف. كما حصل على شهرة أوسع في الوقت نفسه بدراساته النقدية الأدبية والاجتماعية (ساعة بين الكتب، قراءات في الكتب والحياة، عودة أبي العلاء... إلخ)، واشتهرت بأسلوبها المتين والتدفُّق الشديد للأفكار النقدية الغربية. كما كرّس العقّاد نفسه أيضاً للفكر السياسي، فقد أثار زوبعة كبيرة عام 1935 بكتابه «الحكم المطلق في القرن العشرين» الذي شَنَّ فيه هجوماً لاذعاً على النظم الشمولية».

    وربما كانت الدراسة الأعمق التي استطعت الحصول عليها، هي التي كتبها المستعرب فنشنزو ستريكا، الأستاذ بجامعة نابولي الشرقية، ونشرها عام 1972 بعنوان «الفلسفة والدين عند عباس محمود العقّاد»، وهي دراسة في الشخصية كما يتَّضح من العنوان، ولكنها أيضاً كاشفة عن كيفية تلقي العقّاد في إيطاليا.

    يبدأ فنشنزو ستريكا دراسته مؤكِّداً أن ما كتب عن العقّاد في الغرب قليل، رغم أنه في العالم العربي حظي بمكانة عالية، وتمّ تكريمه، خاصة بعد وفاته عام 1964، تكريماً لائقاً بواحد من أكبر الكتاب العرب المحدثين. ويعزو الباحث هذا الفارق، ما بين كتابة العرب المستفيضة عنه، وكتابة الغرب النادرة، إلى أن الاستشراق الرسمي الحديث اعتبره «محافظاً»، ولا يميل إلى أن يعتبر نفسه «متوسطياً»، على عكس طه حسين الذي دعمه الاستشراق على نحو صريح باعتباره قائداً للنخبة البورجوازية العربية. وهذا هو السبب الذي دفع الباحث إلى دراسة إنتاج العقاد الفلسفي والديني لكي يقف على حقيقة مثل هذا الزعم الرائج، وكذلك موقفه من المسيحية والتيارات الفلسفية المعاصرة له، وهي الموضوعات التي عالجها العقاد في الكثير من الأعمال.

    توقف الباحث الإيطالي عند إبداع العقّاد الشعري، فكون مدرسة الديوان، وجمع أشعاره في 10 دواوين، اعتبرت من عيون الشعر العربي المعاصر حتى اعتبره بروكلمان رائد التحديث في الشعر العربي، واضطر طه حسين، رغم الخلاف الظاهر بينهما، لأن يعتبره عام 1959 «أكبر شاعر مصري». ويلمِّح فنشنزو إلى أن العقّاد كان يميل إلى المدرسة الإنجليزية في الشعرية، وأنه ابتعد عن المدرسة الفرنسية. وربما فسَّر ما انتبه إليه فنشنزو ستريكا من بعده عن الفرنسيين واقترابه من الإنجليز في التأثر الشعري بعضاً من «العداوة» التي واجهها من جانب النخبة المثقفة المصرية التي تميل تقليدياً إلى التأثر بالأدب الفرنسي، ومن غير النخبة ممن كانوا يكنّون للمستعمر الإنجليزي الكراهية. وينقل فنشنزو آراء عبد الفتاح الديدي ومحمّد الدياب في شعر العقاد الذي التزم بالعروض التقليدي، وكان شعراً فكرياً وفلسفياً وإنسانياً، مشيراً إلى هجومه على أصحاب مدرسة الشعر الحر مثل نازك الملائكة وصلاح عبد الصبور، من دون أن يستوعب جوهر إبداعهم الشعري. ويرى فنشنزو أن عمل العقاد الدؤوب والديناميكي والراسخ هو الذي وضعه ضمن كبار الأدباء العرب.

    أما عن فلسفته، وموقفه الفكري والديني، فقد نقل فنشنزو عنه، في سيرته الذاتية التي كتبها بعنوان «أنا» ونُشرت بعد رحيله،أنه كان مسلماً مؤمناً مقتنعاً، وأن هذا الاقتناع كان له تأثير حاكم على كافة أعماله. ويرى الدارس الإيطالي أن العقّاد كان محباً لجمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده، ولهذا فإن حركة التجديد التي قادها كانت حذرة ومعتدلة، بل وكان معادياً لأي فكر أو مذهب يمكن أن يهدّد جوهر الإسلام. وهكذا هاجم الماركسية من دون أن يلمّ بكافة جوانبها الاجتماعية، وهاجم كلّ الفلسفات التي عبّرت عما يقال عنه «أزمة القرن»، مثل الوجودية الإلحادية والمادية وما في حكمهما.

    كان العقاد يفضِّل توينبي على برتراند راسل وسارتر، وكما يقول فنشنزو كان يعتقد باستحالة أن يصل الإنسان إلى المعرفة الكاملة، مقترباً بذلك من التيارات الأكثر تشاؤمية في الفكر الغربي. وهذا الأمر يؤكّده ما نشره العقّاد في مجلة «الرسالة»، وجاء بعد ذلك في ثنايا كتبه، من تقديم للشاعر الإيطالي الأشهر ليوباردي، وترجمته لإحدى قصائده.

    وينقل فنشنزو عن العقاد حديثه عن الدين، باعتبار أن رؤيته الفلسفية هذه تقود حتماً إلى الاعتقاد الديني، وهو مقتطف طويل امتدّ على صفحة كاملة، من كتابه «يوميات»، ويشرح العقاد في هذا المقتطف كيف يعجز العقل عن فهم فكرة أو مفهوم، ولكنه يستطيع أن يفهم -بلا شك- أهمية الإيمان بالدين، وأن الخالق الذي يستحق إيماننا به ليس له حدود، ومن ثم لا يمكن احتواؤه في فكرة، فمن له كل هذه السمات لا يستطيع أن يحيط به عقل، فما حكم العقل في هذه الحقيقة التي يستطيع أن يؤكدها ولا يستطيع أن يؤكد غيرها؟ فهل يكون سبب الإيمان امتناعه؟ هل يكون الخلود عديم الفائدة في وجود الخالق، وعديم الفائدة في الإيمان، أو للإيمان بوجوده، بينما الخلود هو شرطه وسببه وعلّته؟ إن العقل يفهم على الأقل أن الإيمان هو ضرورة عقلانية، لأن علته ليست سدى، وليست سبباً في زواله أو رفضه. ومن ثم فالعقل يحتاج إلى دعم من الوحي والهدي الديني في الأشياء التي تستعصي على الفهم، لأنها بطبيعتها تستعصي على العقل. وهذا معناه أن العقل ليس له أية علاقة بالدين. وهذا ليس معناه أن العقل ضد الدين، ولكن يمكن القول إن العقل يحتاج إلى الدين. إن الدين هو احتياج عقلاني، وليس مضاداً للعقل. وتمتد الاحتياجات العقلية عند العقاد إلى معرفة الوجود الأزلي والإيمان بهذا الوجود الأزلي. ويصل العقاد في ذلك المقتطف المهم إلى خلاصة تقول: «الله قريب إلى كل ما يخطر على العقل، والذي يخطر على العقل موجود، حتى وإن كان لا يوجد شيء مشابه له في الوجود». وبهذه الرؤية يقترب العقاد، في رأي ستريكا، من تيار الوجودية الذي يؤمن من كيرجارد إلى جاسبرز بالبحث عن الكينونة المعتمدة على الله.

    ويخلص الباحث في نهاية بحثه إلى أن العقاد لم يخرج كثيراً عن الاتجاه المحافظ، وأن الوسط الذي عاش فيه الكاتب قد خفّف كثيراً من سلبية هذا الاتجاه، وهو اتجاه يناسب مصر بطبيعتها المحافظة وبوجود الأزهر المحافظ المعتدل في قلبها، وإن كان لا يسمح بالتحديث إلا بقدر.

    هكذا كان تلقي العقاد في إيطاليا، مفكراً عربياً كبيراً، محافظاً فلسفياً، لم يقدِّم على المستوى العالمي جديداً، ولكنه قدّم الكثير من الجديد على المستوى العربي، متمثلاً في التحديث المحكوم، أو كما يقول المثل القديم: «في قرن يركض بهذه السرعة ينبغي التفكير ببطء». على عكس طه حسين الذي كان أسرع من إيقاع عصره في التجديد، فاصطدم به وتصادم معه. ليبقى السؤال: كيف كان عصر التنوير الذي لعب فيه الكبيرانالعقاد وطه حسين دور البطولة؟ أحدهما كان محافظاً حذراً، والثاني كان مغامراً أقرب إلى التهور، والاثنان صبّا كل تجديد لهما على النخب البورجوازية. فإذا وضعنا في المقابل تجديد القرن التاسع عشر الذي لعب فيه البطولة رفاعة رافع الطهطاوي لوجدنا أنه كان أقرب إلى تنوير الشعب، بمدرسة الألسن التي كانت «تشبع الاحتياجات العلمية للأمة عن طريق الترجمة»، وكانت الكتب المترجمة بواسطتها تصل إلى أصغر نجع وكفر في أعماق مصر، لأنها كانت مرتبطة بالمدرسة، وبنظام التعليم، وبأبناء الشعب، الباب الحقيقي للنهضة والتنمية.



    * مجلة الدوحة - العدد 79 مايو2014

     
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    موقفي من الناس

    علمتني الحياة خطتين في سياستي مع الناس.. خطة أتبعها فيما يصيبني من الناس, و خطة أتبعها فيما يصيب الناس مني, فاسترحت كثيراً من تبديد شعوري في غير طائل,

    و عرفت كيف يكون الاقتصاد في إنفاق ثروة الحياة.
    أما خطتي فيما يصيبني من الناس, فهي أن أتناول طباعهم و أخلاقهم جملة واحدة.. ولا أفرق بينهم علي حسب اختلاف الأشخاص و الأفراد.
    كان الخلق الواحد في مبدأ الأمر يسبب لي الألم و خيبة الرجاء عشرات المرات بل مئات المرات.. و كنت في كل مرة أشعر بصدمة المفاجأة كأنني أكتشف شيئاً جديداً لم أتوقعه من قبل.
    ثم تعودت مع الزمن أن أجعل للناس جميعاً حساباً واحداً في رصيد المكسب و الخسارة, فهبطت الخسارة كثيراً علي الأقل.. وهذا في ذاته مكسب معدود.


    تعودت أن أجمع الأخلاق في أنواعها, و أن أضع كل نوع منها تحت عنوانه.

    في الناس أنانية.. في الناس صغار.. في الناس سخافة.. في الناس نقائص و غرائب.. وهكذا, و هكذا.. إلى آخر هذه المألوفات التي توارثناها نحن أبناء أدم و حواء, فليس فيها من جديد.
    فإذا أصابني من الناس شيء مُكدر رجعت به إلي عنوانه, فوجدته مسجلاً هناك و لم يفاجئني بما لا أنتظر.


    في الناس أنانية.. في الناس صغار..نعم.. نعم.

    و ماذا في ذلك؟ ألم تعلم هذا من قبل؟

    بلى, علمتُه مرة بعد مرة.. فما وجه الاستغراب, و لماذا الألم و الشكوى؟

    وراقبت نفسي طويلا فوضعت نفسي في القائمة.. و تعودت أن أقول لها كلما أصابها ما يكدرها: ( و أنتِ أيضا كذلك )، فلا محل للحساب و العتاب.
    أما خطتي فيما يصيب الناس مني, فهي أن أسأل نفسي كلما شعرت بسخطهم و انتقادهم: ( هل الأمر يعنيني؟ ) و بعبارة أخرى: ( هل يضيرني أن أفقد رضاهم؟ و هل يعيبني أن أفقده؟ ).
    فإذا كان في الأمر ما يضير أو ما يعيب فالأمر يعنيني, و لابد من معالجته بما أستطيع و إلا فلا وجه للتعب و الاكتراث.
    و عولت دائماً علي المقياس العملي, لأن الجري وراء النظريات لا ينتهي إلي غاية.. فكنت أضع أمامي علي الدوام خمسة أو ستة من الذين أعرفهم, و أعرف أنهم من أصحاب الحظوة عند الناس, و أن الناس لا يسخطون عليهم و لا ينتقدونهم فأتساءل: ( هل يسرك أن تكون مثلهم, و أن تحصل على الرضى كما حصلوا عليه؟ )
    و كان جواب هذا التساؤل نافعاً لي علي الدوام, لأنه يحدد لي العمل اللازم, أو يعفيني من كل عمل, و يبين لي في معظم الأحوال أن ثروة الرضى و الثناء عملة زائفة أو عملة صحيحة علي أحسن الوجوه, و لكن الاستغناء عنها غير عسير.


    و من التجارب الكثيرة في الأشخاص الذين عرفتهم حق المعرفة, تبين لي أنهم يحتالون, ويتعبون عقولهم و ضمائرهم في الاحتيال طلباً للشهرة التي لا تهمهم لذاتها,

    ولكنها تهمهم لغاية يصلون إليها من ورائها.
    وحمدتُ الله لأن تلك الغاية لا تهمني أنا, و لا تستحق عندي أن أبذل فيها أقل تعب حتى لو استطعته كل لحظة.
    وكنت كمن يتمنى نصيباً من المال ليشتري به شيئاً, ثم علم أن الشيء لا يستحق الشراء, فاستغنى عن المال و استغنى عن تمنيه.
    خطتان سهلتان: خطة مع الناس و هي أن أجمعهم جملة واحدة.. وخطة مع نفسي و هي أن تقصر جهودها و همومها علي ما يعنيها.


    فمن استطاع أن يتعلمها فليتعلمها.. إن كانت تعنيه !
     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    هدى قزع
    أثر عباس محمود العقاد في سيد قطب ومنهجه


    شاءت الأقدار أن يلتقي سيد قطب بعباس محمود العقاد في مجالسه العلمية والثقافية ، وكان لهذا اللقاء أثر بارز على ثقافته وفكره وأدبه.
    ولم يكن اللقاء الشخصي بينهما هو الجامع الوحيد ، فهما تشابها في أشياء عدة صدفة ، من مثل نشأتهما في البيئة المصرية ، فالعقاد من أسوان ، وسيد من قرية موشة في أسيوط ، وهما أديبان وشاعران وناقدان ، وكلاهما كان عضوا في حزب الوفد ثم تركه ، وكل منهما لم يوفق في حياته الاجتماعية والعاطفية ، فهما أمضيا حياتيهما دون زواج ، رغم محاولة سيد الخِطبة إلا إن محاولته باءت بالفشل ومن يقرأ روايته "أشواك" يستبين هذا .
    أما صلة سيد قطب الشخصية بالعقاد فقد بدأت منذ مشارف حياته حينما قدم إلى القاهرة ، وزار مكتبته والتقى فيه ، وثمة أسباب مساعدة على هذا اللقاء منها إقامته أثناء دراسته الثانوية في بيت خاله " أحمد حسين عثمان" في القاهرة ، الذي كان على معرفة وصلة بالعقاد ، إضافة إلى قرب مكان سكنه منه ، وسحر شخصية العقاد ، ومكتبته الضخمة ومجالسه التي وجَد فيها سيد قطب بعض ضالته.
    ولايخفى على أحد أن العقاد كان علما بارزًا في الثقافة والأدب، , وأنه أسس مدرسة وشاركه فيها بعض الأدباء لفترة من الزمن مثل عبد القادر المازني ، وعبد الرحمن شكري، وتتلمذ عليه في هذه المدرسة عدد من التلاميذ أظهرهم سيد قطب.
    وقد جاهر سيد بتتلمذه على العقاد ، ومن دلائل وفائه لهذه التلمذة أنه قرأ جل ما كتب العقاد من كتب ومقالات وشعر وأبحاث ودراسات ، ثم حرص على عرض ما قرأ في الصحف والمجلات ، فهو تحدث عن العبقريات وعن الصديقة بنت الصديق وعن عرائس وشياطين وعن شاعر الغزل وعن هذه الشجرة في مقالات نقدية اتشحت بسمة التقدير لقيمة ما خط أستاذه.
    وكثيرًا ما سعى لإبانة معالم مدرسته فقال: " هي مدرسة في الأدب ، كما أنها مدرسة في الحياة ، يلتقي فيها تلاميذها على سنن واضح ، ونهج صريح ، ويجدون فيها تفسيرًا معينا للحياة والفنون ، يشتمل نوع الإحساس ، ولون التفكير ، وطريقة التعبير، بل يشتمل فوق ذلك قواعد المنطق والسلوك ، وتقويم الأشياء والأشخاص ، وتقدير الحوادث والأعمال . وهي مدرسة متبلورة ، واضحة السمات ، لا يجد الناقد مشقة ولا عسرا في اختيار عنوان لها ، يمثل ويلخص أكبر ما تستطيع العنوانات تمثيله وتلخيصه : هي مدرسة المنطق الحيوي . والنسبة هنا إلى الحياة وإلى الحيوية جميعًا..إلى الحياة : لأن مرد الحكم على كل قول وكل عمل ، هو ما تقوله الحياة ، وما تصنعه . وإلى الحيوية : لأن مرد الحكم على كل قول وكل عمل ، هو باعثه ، ومدى الحيوية في هذا الباعث.أستاذ هذه المدرسة الأعظم ، هو الحياة ذاتها "(1) .
    وجهِد سيد في استبانة جوانب من شخصية العقاد وحدثنا عن بعض هذا الجهد فقال:" ولقد رقيت إلى محاولة استيعاب العقاد _وأفلحت إلى مدى_ على درجٍ من دراسات شخصية جمة . ليست دراسة الأدب العربي ولا اللغة العربية إلا أولى خطواتها . دراسات تشمل كل ما نقل إلى اللغة العربية _ على وجه التقريب _ من الآداب الإفرنجية : قصة ورواية وشعرًا .ومن المباحث النفسية الحديثة : نظريات العقل الباطن ، والتحليل النفسي والمسلكية . ومن المباحث الاجتماعية والمذاهب القديمة والحديثة , ومن مباحث علم الأحياء _ بقدر ما استطعت _ وما نشر عن داروين ونظريته ، ومن مباحث الضوء في الطبيعة والتجارب الكيماوية ، وما استطعت أن أفهمه عن أينشتاين والنسبية ، وتحليل الذرة وعلاقته بالإشعاع " (2).
    و شدت شخصية العقاد نفس سيد قطب له، ودفعته في أحيان كثيرة إلى التعصب ، والغيرة العلمية عليه ، وقال مصرحا بهذا : " أنا لا أنكر أنني شديد الغيرة على هذا الرجل ، شديد التعصب له ؛ وذلك نتيجة فهم صحيح لأدبه ، واقتناع عميق بفطرته ، لا يؤثر فيه أن تجف العلاقات الشخصية بيني وبينه في بعض الأحيان " (3) .
    وفي هذا القول غلو وإفراط يخرج حكم سيد على العقاد من الموضوعية . فمثلًا بعد وفاة "أحمد شوقي" أراد طه حسين أن يطري على العقاد فأطلق عليه لقب "أمير الشعراء" . فاعترض عليه سيد قطب قائلًا : " ورأيي أن هذا اللقب غير لائق بالعقاد ! لأن المسافة بينه وبين شعراء العربية في هذا العصر أوسع من المسافة بين السوقة والأمراء... قد يكون هناك كُتَّاب يتقاربون مع العقاد .ولكن ليس هناك شعراء في لغة العرب ، يتقاربون مع العقاد.ولقد كنت هممت بإصدار بحث عن الشعراء المعاصرين ، ونظرت في أدب جميع الشعراء الأحياء _ وأنا بينهم _ ولكن عاقني عن إصدراه أنني لم أجد نقاط اتصال بين العقاد الذي سأكتب عنه أولًا ، وبين جميع الآخرين من الشعراء .الفرق هائل جدًا ، وأكبر مما يتصوره الأكثرون ، بين طاقة هذا الشاعر ، والطاقات الأخرى. وسيغضب لقولتي هذه كثير من أصدقائي الشعراء المعاصرين ، ولكنهم ليسوا أكرم عليّ من نفسي ، وأنا حسن الظن بشعري _ وليعذرني أنصار مبدأ التواضع _ولكنني حين أضعه أمام شعر العقاد يتلاشى ، وتحتبس نفسي عن التعبير ، حتى يسكن صدى شعر العقاد في نفسي " (4) .
    ودفعه غلوه إلى عد العقاد شاعر العالم أجمع ، إذ قال : "نحن لا ننصفه حين نتحدث عن اللغة العربية وحدها ، ولكننا نقول ذلك مؤقتا ، لأنها اللغة التي نستطيع الحكم على آدابها ، حكمًا نملك أدلته كلها ، ونجزم فيها بالصواب . وإلا فبين يدي معربات كثيرة ، لشعراء من الغرب مشهورين معروفين ، مثل بيرون وشيلي وألفريد دي موسيه وفكتور هوجو لا أرى فيها من تعدد الجوانب الصادقة الأصيلة ، ما أراه في غزل العقاد وشعره عامة" (5).
    ونتج عن غلوه في تقدير العقاد ، وجود خصوم له من الأدباء الذين هاجموه بشدة ، واتهموه بأنه مقلد له في كل ما ذهب إليه من فِكَر .ومن بين خصومه "صلاح ذهني" الذي دارت بينه وبين سيد قطب معركة أدبية . وقد قال سيد عن اتهام صلاح ذهني له ، وردّه عليه " وثالثة الشتائم في القائمة : أنني ظِل العقاد في الظهيرة ! فلأكرر هنا ما قلته من قبل للدكتور مندور : إنني أفهم المسائل على نحو غير الذي يفهمه بعض " شبان" الجيل . إنني لا أحاول إنكار تلمذتي للعقاد ، لأن لدي ما أقوله وما أبدعه وراء ذلك ، فلست أخشى على وجودي حين أعترف بهذه الأستاذية ، وهي حق ، فلا يسمح لي خلقي أن أنكرها أشد الإنكار ، وأن أبرأ منها كل البراءة ، كما كان الأستاذ صلاح يصنع ويتشنج حين يقال : إنه من تلاميذ تيمور" (6).
    وكانت أعنف المعارك الأدبية ، التي هاجمه فيها خصومه بشدة ، تلك التي دارت على صفحات مجلة الرسالة ، حول أدب العقاد والرافعي ، وقد بدأها سيد قطب بكلام له عن أدب الرافعي، فرد عليه تلاميذ الرافعي ، منهم : محمد سعيد العريان ، ومحمود شاكر، وعلي الطنطاوي، ومحمد أحمد الغمراوي .
    و دافع سيد قطب عن العقاد بكل كتبه وندواته ، و أفاد من هذا الدفاع عندما كان العقاد في توافق مع حزب الوفد ، الذي كان له وزنه في ذلك الوقت ، فاشتهر سيد وشاع ذكره بالنبوغ ، حيث قدمه العقاد إلى مجلات الوفد وصحفه ورجاله ، فشارك في ذلك بفاعلية . ولكن العقاد انفض عن حزب الوفد وهاجمه ، فحاربه رجال الحزب وتلاميذه ، وتحول الكتاب عن مدح العقاد ، والكتابة عنه في الصحف والمجلات . أما سيد قطب فقد ظل وفيًا لأستاذه ولم يتوانى في الدفاع عنه ومهاجمة خصومه ، وكان من الطبيعي أن يتحمل أعباء هذا الدفاع " أما الدفاع عن العقاد فيكلفني التعرض لغضب الكثيرين من ذوي النفوذ في هذه الوزارة _ وفي كل وزارة _ ومن بينهم كثير من رؤسائي، في وزارة المعارف نفسها ، لأن العقاد رجل لم تبق له قولة الحق صديقًا من السياسيين ، وكثير ممن يظهرون صداقته يكنون له غير ذلك ، لأنهم ينْفُسون عليه شموخه واعتداده بنفسه ، وتعاليه على الضرورات .ويكلفني خصومة الأدباء من المدرسة القديمة والحديثة على السواء .فأما أولئك ، فسبب سخطهم معروف ، وأما هؤلاء ، فلأنهم ينفسون على العقاد أن يعطيَه ناقد بعض ما يستحق من تقدير . ومن لا يعرف هذه الحقيقة ، فأنا _ وقد أتاحت لي الظروف الاطلاع على داخلية كثير من الصحف والأدباء _ أعرف ذلك، وأعرف أن الكلمات التي يقدَّر فيها العقاد لا تجد طريقها سهلًا للظهور في الصحف ، على اختلاف أهوائها ونزعاتها السياسية ، واختلاف المشرفين عليها من الأدباء وغير الأدباء.ويكلفُني خصومة كثير من ناقصي الرجولة __وهم أعداء العقاد الطبيعيون __ وكثير من ناقصي الثقافة ، الذين لا يفهمون العقاد ، فيحمِّلونه تبعة عدم فهمه ، ولا يكلِّفون أنفسهم عناء الدرس والثقافة !وكثير من مغلقي الطِّباع ، الذين يستغلقون أمام كل أدب حي .وكثير وكثير ممن يؤلِّفون أكثرية القراء في هذا البلد المنكوب ..وقد يفهم هؤلاء النفعيون ، أن للعقاد الآن نفوذًا ننتفع به ، فلهؤلاء أقول: إن للعقاد نفوذًا نعم ، ولكنه لا يستخدمه في قضاء المصالح ، وتنفيذ الأغراض...وذلك بغض النظر عن طبيعتي الخاصة ، في الانتفاع بنفوذ الأصدقاء ، ذلك الانتفاع الذي يبدو غير مفهوم ، حينما كنت أناصر العقاد وهو خصم الوزارات القائمة ، وأوقِّع على ما أكتبه بإمضائي الصريح ، في أحرج الأوقات ..." (7) .
    ولكن لا بد من إنصاف سيد قطب لأن غلوه هذا لم يستمر ، ، إذ تحول لتقويم فكر العقاد وأدبه . فانتقد ديوان " هدية الكروان" مع ديوانين آخرين ، هما ديوان صالح جودت والينبوع لأحمد زكي أبو شادي ، وكان ذلك في مقاله النقدي في " الأهرام " الأدبية عام 1933م .
    قال سيد قطب عن ذلك المقال ، وعن المأخذ الذي أخذه على العقاد في ديوانه وغيره ، وعن أثر ذلك النقد على العقاد ، وعن رده عليه: " فأما هدية الكروان فقلن عنها : إنها منتهى النضوج الفني للعقاد، وإنها سلمت من بعض أشياء ، كانت تغض من الجمال الفني الكامل ، لبعض شعر العقاد ، وهي ما أسميته قسوة القالب ، وعنيت به أن يَحْتَجنَ الشعورُ الطليق في ثوبٍ أضيقَ وأقسى مما يلائم هذا الشعور الطليق "(8) .
    ...فأما العقاد ، فهوساخط حانق، ساخط لأني جمعت بينه وبين أبي شادي في مقال . وحانق لأن أقول شيئا عن قسوة القالب في بعض شعر العقاد ، وأقابلُه فيعلن هذا السخط ، وهذا التبرم .إنه لا يسلم بقسوة القالب في بعض شعره ، ولا يبيح لي أن أوجه هذا النقد له.لأن منشأه هو قصوري عن فهم شعره ، وإن على الناقد أن يرتفع لمستوى الشاعر ، وليس على الشاعر أن يهبط لمستواه . وكان العقاد مهتاجًا ، ولكنني كنت هادئ الأعصاب...وذكرت له أن الناقد الذي يكتب محاضرته عن ديوان وحي الأربعين للعقاد ، فيفهم دقائقه فهمًا يرضى عنه العقاد ، لا يقصر عن فهم هدية الكروان وهي أسهل من وحي الأربعين . وافترقنا ، وفي نفس العقاد شيء أحسه ، ولكنني آسف له ، وإن كنت لا أنوي التأثر به " (9) .
    وقد حدث سيد قطب أحمد فؤاد الأهواني عن طبيعة صلته بالعقاد ، ، وعن مخالفته لبعض آرائه في الشعر والأدب فقال: " وحتى العقاد ، وصلتي بشخصه معروفة ، وصلتي بأدبه أوثق مرات من صلتي بشخصه _ ولو فهم الكثيرون غير هذا_ كتبت عنه في كل مرة بالعقيدة الفنية التي أعتقدها . وقد يبدو فيما كتبته أخيرًا عن العقاد الشاعر في كتب وشخصيات أنني أختلف معه في بعض الأحيان ، على تعريف الشعر وتذوقه ، وعلى النظرة إلى العاطفة وأطوارها .ولكنه اختلاف الرأي والإحساس ، الذي لا بدّ أن يقع بين شخصية وشخصية، متى تبلورت الشخصيتان ، وظهرت معالمهما واضحة ، ولو كانتا شخصيتي التلميذ والأستاذ "(10) .
    وانتقد سيد قطب فهم العقاد للشعر والأدب في ثلاث مقالات موجزة ، جعلها بعد ذلك في كتابه "كتب وشخصيات" .و خصص مقالة أخرى مطولة خاصة لنقد شعر العقاد ، جعلها فصلًا من الكتاب ، هي " العقاد الشاعر وأعاصير مغرب" (11) .
    قال فيها " في وضح النهار يعيش العقاد قمته حين تبلغ الحيوية تدفقها ، فتجرف المنطق الواعي ، وتغطي عليه ...فأما حين يضعف هذا التدفق ، فيتجرد الشعر من اللحم والدم ، ويخيّل إليك أن مكانه ليس هنا في الديوان ، ولكنه هناك في كتبه بين التأملات الفكرية والقضايا المنطقية "(12).
    وبدأ سيد قطب ينفك تدريجيًا عن مدرسة العقاد ،إلى أن أعلن تخليه عنها ، وكان ذلك في عام 1948 ، حيث نشر مقالًا في مجلة الكتاب ، في نقد ديوان لزوميات مخيمر للشاعر أحمد مخيمر أحد تلاميذ العقاد ، قال فيه :" لقد آن لنا أن نفهم الشعر ، لا على طريقة مدرسة شوقي وحافظ والمنفلوطي ، ولا على طريقة مدرسة العقاد وشكري والمازني...فكلتاهما مرحلتان من مراحل التطور ، قامتا بدوريهما في النهضة ، وآن أن يخلفهما فهم للشعر جديد .لقد قامت أولاهما ، على أساس أن الشعر جزالة تعبير ، وجلجلة إيقاع ، وابتداع أخيلة ، وبراعة تناول، ومقدرة وأداء...وعلى الإجمال مهارة صناعة تعبيرية وتخييلية ، ولا شيء وراء ذلك ، مما له علاقة بصميم النفوس ، وحقائق الشعور ..وقامت أخراهما على أساس أن الشعر صور حياة ، وخلجات نفوس ، وسمات شخصيات ، وحقائق شعور ...وهذا كله صحيح . ولكن هذه المدرسة عند التطبيق العملي لفهمها للشعر ، كانت طاقتها الشعرية أقل من تصورها للشعر ، فجاء نتاجها الشعري_في عمومه_ ناقص الحرارة ، غير مكتمل الشاعرية . وظلت _إلا قليلاً _تمتح من تصورها الواعي للشعر ، قبل أن تفيض من شعورها الكامن في الضمير..لم تفرق هذه المدرسة في نتاجها بين الفكرة الشعرية والإحساس الشعري..." (13) .
    أما إعلانه الخروج على المدرسة العقادية ، ففي قوله: " ولست أنكر فتنتي فترة طويلة من العمر بهذه المدرسة كفكرة ، وفتنتي بنتاجها الأدبي كشعر ، وتأثري بها ، إلى الحد الذي أنفقت فيه شطرًا من عمري ، وأنا أقول الشعر ، لا أفرق فيه بين الفكرة الجميلة الشعرية ، أعتنقها مذهبا ، والإحساس الجميل الشعري ، ينبض به شعوري ، ويعيش انفعالًا غامضًا في ضميري..ولم أجد نفسي إلا منذ عامين اثنين ، أنتبه إلى الفارق الأصيل بين الفكرة الجميلة ، والشعور الجميل .وأجد للشعر مذاقًا آخر ـ غيرر ما سبق لي أن أحسسته ، في نحو خمسة عشر عامًا أو تزيد "(14).
    وأبرز الأسباب التي دعت سيد قطب إلى مجاوزة مدرسة العقاد ضعف الناحية الروحية في منهج العقاد ، وهذا ما صرح به لأبي الحسن الندوي عندما التقى به في القاهرة سنة 1951 :" إن نفسي لم تزل متطلعة إلى الروح وما يتصل بها ، وكنت في صغري مشغوفًا بقراءة أخبار الصالحين وكراماتهم ، ولم تزل هذه العاطفة تنمو في نفسي مع الأيام.والأستاذ العقاد رجل فكري محض ، لا ينظر إلى مسألة ، ولا يبحث فيها إلا عن طريق الفكر والعقل . فذهبت أروي نفسي من مناهل أخرى، هي أقرب إلى الروح . ومن ثم عنيت بدراسة أشعار الشرقيين ، كطاغور وغيره "(15) .
    ومن الأسباب الأخرى استجابة العقاد لبعض الضغوطات السياسية بعدما امتد به العمر ، قال سيد قطب للندوي :" إني كنت أعتقد أن مثل العقاد في عقله الكبير ، وشخصيته العظيمة ، لا يخضع للضرورات والملابسات ، كالحكومة والسلطة ، ولكنه سالَمَها"(16) .
    وبادل العقاد تلميذه الجفاء بسبب اتجاهه الجديد ، وميله إلى العمل الحركي الإسلامي المتمثل في حركة الإخوان المسلمين ، وقد كتب عام 1946م مقالًا في مجلة الرسالة بعنوان "إرادة الغفلة" ، كان يعني فيه سيد قطب ، ويعده صاحب الغفلة الذي اختار طريق السذاجة وجانب إعمال عقله وفكره وذهنه " (17) .
    وكتب سيد قطب في مقالة بعض العبارات الكاشفة عن صلته القديمة بالعقاد ، وعن موقفه منه بعد ذلك: " ودعوني الآن أصارحكم بتجربتي الخاصة ، التي تركت في نفسي ذات يوم مرارة . ومن أجل هذه المرارة لم أكتب عنها من قبل ، حتى صفت روحي منها ، وذهبت عني مرارتها ، وأصبحت مجرد ذكرى ، قد تنفع وتعظ ...لقد كنت مريدًا بكل معنى كلمة المريد ، لرجل من جيلكم ، تعرفونه عن يقين . ولقد كنت صديقًا أو ودودًا مع الآخرين من جيلكم كذلك .لقد كتبت عنكم جميعًا بلا استثناء .شرحت آراءكم ، وعرضت كتبكم ، وحللت أعمالكم ، بقدر ما كنت أستطيع .ثم جاء دوري...جاء دوري في أن أنشر كتبًا ...لقد جاء دوري...متأخرًا كثيرًا ؛لأنني آثرت ألا أطلع المئذنة من غير سلَّم ، وأن أتريث في نشر كتب مسجلة ، حتى أحس شيئًا من النضج الحقيقي ، يسمح لي أن أظهر في أسواق الناشرين ...وأنا اليوم أحمد الله ، على أنني خططت طريقي بنفسي مستقلًا ، وبجهدي خالصًا ...لم يأخذ بيدي عظيم ، ولم يقدمني إلى الناس أستاذ"(18) .
    وبقي سيد يبتعد عن العقاد ، ويزداد ابتعاده عنه ، كلما زاد اقترابه من القرآن والعمل مع الإخوان المسلمين ،وصار يتميز بفهم خاص للقرآن ، وكان في تفسيره "الظلال" يصوب بعض أفكار العقاد الخاطئة ، من مثل مناقشته له وهو يفسر سورة هود ويعقب على قصة نوح .إذ اتخذ هذه الفرصة ليصحح بعض ما أورده العقاد في كتابه " الله" (19).
    والحديث عن تصويباته يطول ، لذلك أكتفي بالإشارة إلى نية سيد قطب تأليف كتاب "تصويبات في الفكر الإسلامي المعاصر" يخصصه للأخطاء الفكرية المعاصرة التي يقع فيها المفكرون في كتابتهم عن الإسلام ، وعلى رأسهم العقاد.
    إذا يمكن تلخيص لقاء سيد قطب بالعقاد وما ترتب عليه من آثار وتطورات في منهجه الفكري والأدبي والسياسي بالآتي : لقد بدأ سيد قطب تلميذَا للعقاد ثم أعجب بأستاذه وأحبه حبًا جما، ثم ترجم حبه بطريقة صوفية فأصبح مريدًا، وآل به الحال لاعتناق مذهب أستاذه فتبنى منهجه و جميع أفكاره ودافع عنها، وهذا التعمق في المذهب أضاء في نفسه شرارة الخشية من الفناء الكامل في أستاذه ، فحاول الانفكاك ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ، وأصبح له فهمه الخاص في كثير من المسائل الأدبية والفكرية والسياسية ، فخالف مذهب العقاد وصوّب أخطاءه وأبان عن وجه الحق الذي يرتضيه في بعض المسائل الدينية والعقائدية ، وكانت هذه المخالفة سببا في جفوة العقاد له ، وعدم اعترافه بقَدْرِه في أغلب ما خاض من مجالات ، ولم يحمل سيد قطب في نفسه سوى المرارة والإصرار على استكمال مشواره مؤمنًا بأن الحق يعلو على كل شيء وأن الحقيقة والمعرفة لا تنحصر في مذاهب ولا أشخاص.كان يقول رحمه الله :"إن كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان ، أما الكلمات التي ولدت في الأفواه ، وقذفت بها الألسنة ، ولم تتصل بذلك النبع الإلهي ، فقد ولدت ميتة ، ولم تدفع بالبشرية شبراً واحداً إلى الأمام. إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئاً كثيراً ، ولكن بشرط واحد : أن يموتوا لتعيش أفكارهم ، وأن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم ، وأن يقولوا ما يعتقدون أنه حق،ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق . إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثاً هامدة ، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء ..".






    هوامش المقالة :
    (1) مجلة الرسالة ، السنة الثانية عشرة ، مج2، ع551، 1944، ص91 .
    (2) المصدر نفسه ، السنة السادسة ، مج1 ، ع257 ، 1938، ص937.
    (3) نفسه ، السنة السادسة ، مج1 ،ع251، 1938، ص692.
    (4) نفسه، ص694.
    (5) نفسه ، السنة السادسة، مج2 ، ع268، 1938، ص1380_1381.
    (6) نفسه ، السنة الثانية ، مج2 ، ع594 ، 1944، ص1035.
    (7) نفسه، السنة السادسة ، مج2 ، ع280، 1938، ص1866.
    (8) مجلة الأسبوع ، مج3، ع35، 25/7/1934م ، ص22.
    (9) نفسه ، ص22_23.
    (10) مجلة الرسالة ، السنة الرابعة عشرة ، مج2 ، ع683، 1946، ص874.
    (11) كتب وشخصيات ، سيد قطب ، دار الشروق ، بيروت ، ط3، 1983، ص84، 102.
    (12) نفسه، ص84.
    (13) مجلة الكتاب، مج5، ج2، 1948، ص248.
    (14) نفسه ، ص249.
    (15) مذكرات سائح في الشرق العربي ، أبو الحسن علي الحسني الندوي ، مؤسسة الرسالة ، بيروت، ط2، 1975 ص96.
    (16) نفسه ، ص96.
    (17)انظر: مجلة الرسالة ، السنة الرابعة عشرة ، مج1، ع663، 1946، ص289_291.
    (18) مجلة الثقافة ، السنة الثالثة عشرة ، ع663، 1951، ص8.
    (19) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ، دار الشروق ، بيروت، ط17 ، مج4، ص1882_1885.

     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عباس محمود العقاد
    لماذا أهوى القراءة

    أول ما يخطر على البال - حين يوجه هذا السؤال إلي أحد مشتغل بالكتابة - أنه سيقول أنني أهوى القراءة لأنني أهوى الكتابة ! ولكن الواقع أن الذي يقرأ ليكتب وكفى هو " موصل رسائل " ليس إلا أو هو كاتب " بالتبعية " وليس كاتبا بالأصالة فلو لم يسبقه كتاب آخرون لما كان كاتبا على الإطلاق ولو لم يكن أحد قبله قد قال شيئا لما كان عنده شيء يقوله للقراء وأنا أعلم فيما أعهده من تجاربي أنني قد أقرأ كتبا كثيرة لا أقصد الكتابة في موضوعاتها على الإطلاق وأذكر من ذلك أن أديبا زارني فوجد على مكتبي بعض المجلدات في غرائز الحشرات فقال مستغربا ومالك أنت والحشرات ؟ إنك تكتب في الأدب وما إليه فأية علاقة للحشرات بالشعر والنقد والاجتماع ؟
    ولو شئت لأطلت في جوابه ولكنني أردت أن أقتضب الكلام بفكاهة تبدو كأنها جواب وليس فيها جواب .
    فقلت : نسيت أنني أكتب أيضا في السياسة !
    قال نعم نسيت والحق معك ! فما يستغني عن العلم بطبائع الحشرات رجل يكتب عن السياسة والسياسيين في هذه الأيام .
    والحقيقة كما قلت مرارا أن الأحياء الدنيا هي مسودات الخلق التي تتراءى فيها نيات الخالق كما تتراءى في النسخة المنقحة وقد تظهر من المسودة أكثر ما تظهر بعد التنقيح فإذا اطلع القارئ على كتاب في الحشرات فليس من اللازم أن يطلع عليه ليكتب في موضوعه ولكنه يطلع عليه لينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى ويعرف من ثم كيف نشأ هذا الإحساس أو ذاك الإحساس فيقترب بذلك من صدق الحس وصدق التعبير ولو في غير هذا الموضوع .
    كذلك لا أحب أن أجيب عن السؤال كما أجاب قارئ التاريخ في البيت المشهور : ومن وعى التاريخ في صدره أضاف أعمارا إلى عمره فليست إضافة أعمار إلى العمر بالشيء المهم إلا على اعتبار واحد وهو أن يكون العمر المضاف مقدارا من الحياة لا مقدارا من السنين أو مقدارا من مادة الحس والفكر والخيال لا مقدارا من أخبار الوقائع وعدد السنين التي وقعت فيها فإن ساعة من الحس والفكر والخيال تساوي مائة سنة أو مئات من السنين ليس فيها إلا أنها شريط تسجيل لطائفة من الأخبار وطائفة من الأرقام
    كلا لست أهوى القراءة لأكتب ولا أهوى القراءة لأزداد عمرا في تقدير الحساب .
    وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا وحياة واحدة لا تكفيني و لا تحرك كل مافي ضميري من بواعث الحركة والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب .
    فكرتك أنت فكرة واحدة
    شعورك أنت شعور واحد
    خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك
    ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى أو لاقيت بشعورك شعور آخر أو لاقيت بخيالك خيال غيرك فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين أو أن الشعور يصبح شعورين أو أن الخيال يصبح خيالين ... كلا . و إنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات من الأفكار في القوة والعمق والامتداد.
    والمثل الأعلى على ذلك محسوس في عالم الحس والمشاهدة ومحسوس في عالم العطف والشعور.
    ففى عالم المشاهدة يجلس المرء بين مرآتين فلا يرى إنسانا واحدا أو إنسانين اثنين ولكنه يرى عشرات متلاحقات في نظره إلى غايه ما يبلغه النظر في كل اتجاه.
    وفى عالم العطف والشعور نبحث عن أقوى عاطفه تحتويها نفس الإنسان فإذا هي عاطفه الحب المتبادل بين قلبين.
    لماذا؟
    لأنهما لا يحسان بالشيء الواحد كما يحس به سائر الناس
    لا يحسان به شيئا ولا شيئين وإنما يحسان به أضعافا مضاعفه لاتزال تتجاوب وتنمو مع التجاوب إلى غايه ما تتسع له نفوس الأحياء.
    هكذا يصنع التقاء مرآتين وهكذا يصنع التقاء قلبين.فكيف بالتقاء العشرات من المرآئى النفسية في نطاق واحد ؟وكيف بالتقاء العشرات من الضمائر و الأفكار؟إن الفكرة الواحدة جدول منفصل.
    أما الأفكار المتلاقيه فهي المحيط الذي تتجمع فيه الجداول جميعا والفرق بينها وبين الفكرة المنفصلة كالفرق بين الأفق الواسع والتيار الجارف وبين الشط الضيق والموج المحصور.
    وقد تختلف الموضوعات ظاهرا أو على حسب العناوين المصطلح عليها ولكنك إذا رددتها إلى هذا الأصل كان أبعد الموضوعات كأقرب الموضوعات من وراء العناوين.
    اين غرائز الحشرات مثلا من فلسفه الأديان ؟
    وأين فلسفه الأديان من قصيدة غزل از قصيدة هجاء؟
    وأين هذه القصيدة أو تلك من تاريخ نهضه أو تاريخ ثورة؟
    وأين ترجمه فرد من تاريخ أمه!
    ظاهر الأمر أنها موضوعات تفترق فيما بينهما افتراق الشرق من الغرب و الشمال من الجنوب.
    وحقيقه الأمر أنها كلها مادة حياة وكلها جداول تنبثق من ينبوع واحد وتعود إليه.
    غرائز الحشرات بحث في أوائل الحياة وفلسفه الأديان بحث في الحياة الخالدة الأبدية وقصيدة الغزل أو قصيدة الهجاء قبسان من حياة إنسان في حالي الحب والنقمة ونهضه الأمم أو ثورتها هما جيشان الحياة في نفوس الملايين وسيرة الفرد العظيم معرض لحياة إنسان مميز بين سائر الناس وكلها أمواج تتلاقى في بحر واحد وتخرج بنا من الجداول إلى المحيط الكبير ولم اكن اعرف حين هويت القراءة أنني ابحث عن هذا كله أو أن هذه الهواية تصدر من هذه الرغبة ولكنني هويتها ونظرت في موضوعات ما أقرأ فلم أجد بينها من صلة غير هذه الصلة الجامعة و هى التي تتقارب بها عن فراشه والقراءة عن المعرى وشكسبير
    لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة ولكنى أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني.
    ومهما يأكل الإنسان فانه لن يأكل بأكثر من معدة واحدة ومهما يلبس لن يلبس على غير جسد واحد ومهما يتنقل في البلاد فانه لن يستطيع أن يحل في مكانين.
    ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات في عمر واحد ، ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل وتتضاعف الصورة بين مرآتين

    * لماذا أهوى القراءة - عباس محمود العقاد ( مجلة الهلال عدد يناير 1948 )


     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    صلاح حسن رشيد
    الأعياد في مرآة عباس محمود العقاد


    < كان من عادة عباس العقّاد أن ينتهز مناسبات الأعياد الإسلامية، ليُسَجِّل بعض خواطره من النواحي الفكرية والدينية والاجتماعية واللغوية، ويستدعي إلى الذاكرة والشعور ما يرتبط بالعيد وأجوائه المُمَيَّزة من ذكريات ومُلاطفات تضرب بجذورها إلى أيام طفولته الباكرة، ويُحلِّل ويُفلسف رؤيته للعيد من منطلقٍ جامعٍ لمذهبه الفكري والحياتي، وفق قراءاته واستنباطاته. وجاءت مقالاته حول هذه المناسبات في شكلٍ مباشرٍ، أو غيرِ مباشرٍ، لطرافتها ووقعها الحَسَن والخفيف على أذهان القُرّاء، الذين ينتمون إلى ثقافاتٍ متباينة، وأعمارٍ مختلفة. وقد لاقت هذه الكتابات العقّادية عن العيد متابعةً وصدى طيِّباً من القُرّاء والمتابعين من المحيط إلى الخليج - كما يقول الدكتور محمد فتحي فرج الأستاذ بجامعة المنوفية بمصر، في بحثه عن العيد عند العقاد.
    ومع ذلك، فلم يكن يخلو كلام العقاد عن العيد من أفكارٍ عميقة، ومعان فلسفية تجمع بين العام والخاص، بين القديم والجديد، بين الذاتي والمجتمعي، وهو ما يدخل في باب"أدب الاعتراف"، أو"الترجمة الذاتية"! فقد كتب العقاد سلسلة من المقالات في أخريات حياته نشرها في مجلة"الأزهر"بين عامَي 1961 و1963، ومنها مقاله"العيد في الدين وفي اللغة"، الذي قال فيه:"وفي سياق هذه المقالات، التي نُتابِع فيها النظر في مزايا اللغة العربية، يتفق لنا أن نذكر مزيةً لهذه اللغة في كلمة العيد، بلفظها ومعناها"فإنَّ تسميةَ العيد بهذا الاسم تدل بأخصِّ معانيه، وهي الإعادة والتَّعييد، وليس لهذه الخاصية مدلولٌ مُفيدٌ في أسماء العيد بأكثر اللغات"!
    ويذكر العقاد بيت المتنبي الشهير:
    عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ = بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ!
    ويؤكد العقّاد تفرُّدَ العربية بمعنى العيد، فيقول:"فبعض أسمائه باللغات الأوروبية تدل على معنى الوليمة، ووفرة الطعام، وبعض أسمائه تدل على اليوم الديني، أو يوم البِطالة العُطلة، وليست هذه من خواصِّ العيد، التي ينفرد بها بين سائر الأيام. وبعض أسمائه الحديثة تُقابل كلمة السنوية، أو المئوية، وتصدق على احتفالٍ بعينه، يجوز أن يكون يوماً واحداً لا يُعادُ إليه، ويجوز أن يكون من غير الأعياد، لأنه من ذِكرى الكوارث، أو ذكرى الحِداد. أمّا كلمة العيد بصيغتها هذه في اللغة العربية، فهي أدلُّ من تلك الأسماء جميعاً على خاصته ومعناه".
    وفي مقالٍ آخرَ نشره العقاد في يوميات جريدة"الأخبار"القاهرية عام 1961 تحت عنوان"الأطفال هم الذين يخلقون العيد"عن سبب تسمية اليوم السابق للعيد باسم"الوقفة":"إنَّ الذين يتهمون اللغة العربية بضيق الحظيرة، ويظنون أنها تضيق عن اختراع المصطلحات المُتَّفق عليها في لغات العلوم الحديثة، خليقون أن يقفوا قليلاً يوم وقفة العيد الصغير، ليذكروا أنَّ كل مناسبة كافية لخلق الكلمة، التي تؤدي معناها الأصيل أو المستعار، فليس من العسير خَلْق كلمة تؤدي معنى المُخْتَرَع الحديث بمُلابسةٍ من المُلابسات، فإنها ستساوي على الأقل مُلابسة الوقفة في شهر رمضان. إنَّ الوقفة قبل العيد الكبير مفهومة"لأن الوقوف على عرفات ومناسك الحج فريضة من فرائض هذا العيد، ولكنْ ما هي الوقفة قبل عيد الفِطر؟ ولماذا نُسَمِّي آخر رمضان يوم وقفة، ولا وقوف فيه على منسكٍ من مناسك الصيام أو الإفطار؟".
    "إنَّ وقفة رمضان هنا مُستعارة من وقفة ذي الحجة، وفيها لنا درسٌ مفيد من دروس اللغة، نتعلم منه الشيء الكثير عن أسرار وضع الكلمات، أو نتعلم منه كفاية القليل من المناسبات لإطلاق الكلمة على المعنى المُصطَلح عليه، ثم يتكفَّل الاصطلاح بالبقية، فتُصبح الكلمة مفهومة متداوَلة على معناها المُستعار، بغير سؤال".
    ويلحظ العقاد تأثُّر المسيحيين بالمسلمين في ما يتعلق بالأعياد والمصطلحات المتعلقة بها، فيقول:"إننا سمعنا من بعض إخواننا المسيحيين من يُطلق اسم الوقفة على اليوم السابق لعيد القيامة"لأنها اكتسبتْ معنى اليوم الذي يسبق العيد، حيث كان، وانفصلتْ عن معناها الأصلي كل الانفصال".
    العيد هو الطفولة
    في مقال للعقاد في جريدة"الأخبار"القاهرية، قال:"الأطفال هم أكثر السائلين عن خبر هذا اليوم، فمراسمهم القديمة تُوْجِب عليهم تقليداً مُحترماً عندهم، لا يُحبون أن يغفلوا عنه إذا غفل الكبار عن تقاليدهم المُرْهِقة، وما يرتبط بها من التكاليف والنفقات"لأن الأطفال الصغار هم الذين تكفَّلوا قديماً بالنداء، أو بالصياح، حول البيوت: الليلة الوقفة وبعده العيد، ولا بدَّ من احترام الكبار هذه التقاليد إنْ كانوا مُنصِفين"لأن الأطفال الصغار هم في الحقيقة، وليس غير الطفل الصغير أحد يستطيع أن يخلق السرور حسب الميعاد، وكلما أراد ليكن عيد فهو عيد. وليكن سرور فلا مناص من السرور، ولا يحتاج الكبار إلى سببٍ للسرور أقرب من هذا السبب، الذي يستغني عن كل سببٍ آخر: أطفالهم مُستبشرون، فلا مناص لهم من السرور، طائعين أو مُكرَهين ... ومن شاء فليُجَرِّب عيداً في مكانٍ لا أطفال فيه، وليقل لنا كيف يستطيع أن يتصوَّره مجرد تصور، ولا تسأله أن يحققه لنفسه باليقين".
    ويورد الدكتور فتحي فرج كلاماً للعقاد من مقالٍ له بعنوان"ذكريات الطفولة ودروس العيد"، وفيه رجع العقاد بذاكرته إلى مرحلة طفولته، فتحدَّث عن تجربته في أسوان، وتجربة كل طفلٍ آخر، فقال:"من الأطفال تعلَّمنا أن الطفل شيء مهم في البيت، أو أننا نحن بذواتنا أشياء مهمة لأننا أطفال... وتبتدئ تهنئات العيد في الريف بعد مغرب الشمس من يوم الوقفة، وتكون مقصورةً في ذلك اليوم على الجارات القريبات من المنزل، لأن الغالب عليهنَّ أن يذهبنَ صباحَ العيد مُبكِّراتٍ إلى القرافة لتفريق الصدقة على أرواح الأموات. وتدخل الجارات واحدة بعد الأخرى، يُرَدِّدن صيغةً لا تتغير، تنتهي بهذا الدعاء يعود عليكِ كل سنة بخير. أنتِ وصغيريِنِكْ، وصاحب بيتك، والحاضرين والغائبين في حفظ الله، وقبيل المغرب تكون عملية التغيير، وتوزيع الملابس الجديدة على صغار البيت، قد ابتدأت على يد الوالدة، في نشاطٍ وسرعة، ولكنْ... وهذا هو العجب... في غضبٍ وشدة، وأحياناً في سخطٍ وصياح: تعال يا ولد... اذهبْ يا مسخوط... اِلحقْ اُدخلْ الحمّام"!
    ذكريات العيد
    ويضيف العقاد قائلاً:"ولقد تعوَّدنا هذا المُوَشَّح كل عيد على قدر ما تعيه الذاكرة في سن الطفولة، وأكثر ما يكون ذلك حين تزدحم الجارات، وحين تكون أقربهنَّ إلى الدار على استعداد للشفاعة، وترديد الجواب المألوف في هذه الأحوال: بعيد الشر. بعيد عن السامعين وقد خطر لي يوماً أنَّ هذا كثيرٌ على عملية التغيير، فرفضتُ الكسوة الجديدة، وذهبتُ صباحَ العيد إلى منزل جَدتي بثوبي القديم، فلما دخلتُ منزل جدتي أُم أُمي وهي ضريرة، سمعت الأطفال يعجبون، لأني لم ألبس جديداً في العيد"فقرَّبتني الجَدَّة العطوف إليها، وسألتْ في شيءٍ من اللهفة: ما الخبر يا ولدي؟ لماذا لم تلبس ثوبك الجديد؟ ألم يُحضِروا لكَ ثياباً جديدة؟ قلتُ: بلى، إنهم قد أحضروها، ولكنني أبيتُ أن آخذها من يد بنتك... لأنها تشتمنا وتزعق فينا. وجعلت تربتْ على كتفي، وتقول: وأنتَ العاقل يا عبّاس تقول هذا؟ إن أمك لا تُبغِضكَ، ولا تدعو عليك، ولكنها تَصْرِف النَّظرة. وفهمتُ معنى تصرف النظرة وخلاصتها أن رؤية الأُم في مساء العيد بين أطفالها الفرحين المُتهلِّلين بالعيد، تفتح أعينَ الحاسدات اللاتي حُرِمنَ الأطفال، ولا يحتفلنَ بـ تغييرات العيد هذا الاحتفال، فإذا شهدنَ أمارات السخط بدلاً من الفرح والرضا بطل الحسد، وسلِم الصغار وأمهاتهم من عيون الحاسدات". ويشير العقاد إلى معانٍ أخرى متعلقة بالعيد والسرور بقدومه، فيقول:"في تحية العيد وجوابها، قد جمعتْ بديهة الجماهير كل ما تُحَقِّق به السعادة العامة بين الجماهير. فمَنْ كان في خيرٍ، وفي صحةٍ، وفي سلامةٍ، فهو في عيدٍ سعيد".

     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    جابر عصفور
    عباس محمود العقاد بعد أربعين سنة


    احتفلنا، في القاهرة، مع نهاية العام المنصرم بمرور أربعين سنة على وفاة عباس محمود العقاد الذي ولد في الثامن والعشرين من حزيران يونيو بمدينة أسوان في أقصى الجنوب، مع غروب القرن التاسع عشر سنة 1889، وتوفي قبل أن تنتصف الستينات سنة 1964، سابقاً زميله طه حسين الذي ولد معه في العام نفسه، وتوفي بعده بتسع سنوات 1973 وظلاّ معاً علمين أساسيين في ثقافتنا الحديثة التي شهدت مشايعين وأتباعاً متحمسين لكل منهما في ما عرف بالتيار العقادي مقابل التيار الطهحسيني. وانحاز الى التيار الثاني الأكاديميون الذين تتلمذوا مباشرة على طه حسين في الجامعة، أو تعلموا على أيدي تلامذته، بينما تتلمذت على العقاد مجموعات ظلت مرتبطة بالتثقيف العام والصحافة، من أبرزها أنيس منصور الذي نشر كتاب ذكريات وملاحظات ضخماً بعنوان"في صالون العقاد". وقد جاوزت الثنائية التي لم تخل من تعارض بين الفريقين المعركة التي دارت في الثلاثينات بين العقاد وطه حسين تحت عنوان"اللاتين والسكسون". وقد تشيع طه حسين للاتين الذين وصلهم بالثقافة الفرنسية التي تتلمذ عليها، بينما انحاز العقاد الى"السكسون"الذين تعلم الكثير من ثقافتهم الإنكليزية التي ظهرت آثارها في كتاباته التي لم تخل من تأثير أمثال كارلايل ونورداو وتين وغيرهم، الى جانب شعراء الرومانسية الإنكليزية الذين كان مدخله إليهم المختارات المعروفة باسم"الكنز الذهبي".

    ويبدو أن توقف العقاد عند مرحلة التعليم الأولى"الابتدائية"ألهب في داخله رغبة التعويض عن التعليم المنظم، والتكوين الأكاديمي، فتميز بنهمه المعرفي الاستثنائي الذي دفعه الى اقتحام عشرات المجالات المعرفية التي أنتجت عدداً ضخماً من الكتب التي جاوزت المئة كتاب في فنون الثقافة العامة، والفكر الفلسفي والسياسي، مروراً بالعبقريات والنقد الأدبي والدراسات الإسلامية واللغوية، فضلاً عن ألوان الثقافة الغربية وأعلامها من أمثال غوته، وفرنسيس بيكون، وفرانكلين، وبرنارد شو، ومعهم غاندي وخيمينيز، وانتهاء بدواوين عشرة من الشعر ورواية يتيمة هي"سارة"التي لم يعد بعدها الى فن القص إلا مهوّناً من شأنه بالقياس الى فن الشعر الذي رأى فيه التعبير الأمثل عن الشعرية العربية، أو اللغة الشاعرة، مقابل فن القص الذي رأى أعماله بمثابة"قنطار خرنوب ودرهم حلاوة". وهو التهوين الذي تصدى له نجيب محفوظ الشاب في بواكير حياته الإبداعية، وواجهه بمقالات حجاجية معارضة في مجلة"الرسالة"، كانت بمثابة نبوءة عن صعود زمن الرواية التي وصفها محفوظ بأنها"شعر الدنيا الحديثة".

    وقد شغل العقاد الدنيا والناس بمعاركه العنيفة وهجومه الضاري على خصومه، ابتداء من حملته العاصفة على المدرسة الإحيائية التي كان أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، أبرز شعرائها، وصاغ آراءه الهادمة للقديم والمؤسِّسة للجديد في كتابه"الديوان"الذي اشترك فيه مع قرينه إبراهيم عبدالقادر المازني الذي اختص المنفلوطي - أبرز ناثري المدرسة القديمة - بالهجوم، بينما تفرغ العقاد لشوقي الذي وجَّه إليه أقسى أنواع النقد، تحطيماً للقداسة التي انطوى عليها شعر المدرسة القديمة في النفوس، وتبشيراً بالمذهب الشعري الجديد الذي دعا إليه مع صديقيه المازني، وعبدالرحمن شكري، فيما عرف باسم"جماعة الديوان". ويبدو أن زميلي حمدي السكوت على حق في تأكيد تأثير كتاب"الاضمحلال"أو"الانحطاط"Degeneration لماكس نورداو Max Nordau في كتاب"الديوان"الذي خرج شبيهاً بكتاب نورداو من حيث هو - كما وصفه العقاد -"حملة شعواء شنها نورداو على النابهين من أدباء عصره وغيرهم ممن وقع في طريقه، فقضى عليهم جميعاً بالمسخ والخداع وانتكاس الأذواق والعقول، وأضرم ناراً من النقد... في كتبهم ودواوينهم". وهو الأمر الذي جعل من نورداو - عند العقاد -"سيد من قرأنا له من الباحثين على منهاجه، ولا سيما الباحثون الذين شغلوا بالهدم عن البناء".

    ومن الصعب أن نصف العقاد بأنه ممن انشغلوا بالهدم من دون البناء، فالحق أنه عَنَفَ في نقد المدرسة الإحيائية وهدمها، وذلك بسبب ما ترسخ في أذهان القراء من الإيمان بقيمها وتقاليدها التي ما كان يمكن زعزعتها إلا بعنف يشبه عنف نورداو بخصومه، وذلك هدماً للقديم الذي لا بد من بناء الجديد على أنقاضه، وقد أنجز العقاد في ذلك إنجازه التاريخي مع زميليه في مدرسة"الديوان"التي تآلفت أفكارها التجديدية مع شعراء المهجر المتمردين على الثقافة القديمة نفسها التي تمرد العقاد وزميلاه على إبداعاتها. وقد ظهر أثر هذا التآلف في ما كتبه ميخائيل نعيمة في"الغربال"عن"الديوان"وما كتبه العقاد وأقرانه عن مبدعي المهجر الذين وصف طه حسين تجديدهم للشعر بأنه تشريف له وتوسيع لآفاقه.

    وكان من الطبيعي - والأمر كذلك - أن يكتب العقاد عن الشعر كما يتصوره، متابعاً في ذلك النموذج الرومانسي الذي انطوى عليه. وهو نموذج لم يخل من التمرد على المسلَّمات الاجتماعية والفكرية، ولم يفارقه القلق الوجودي الذي دفع العقاد الى صياغة قصيدته المطولة التي لا نظير لها في شعرنا العربي الحديث كله، وهي قصيدة"ترجمة شيطان"التي كانت خير تعبير عن تمرد العقاد الرومانسي على معتقدات زمنه، ومحاولته اللاهبة فتح أفق جديد للقصيدة العربية، بعيداً من اللياقة التقليدية التي لم تخل من القبول بما هو موجود، أو مقسوم، وعدم الثورة عليه، وقبول المصير الإنساني من دون مساءلة جذرية أو تمرد إبداعي. ولا عجب في ألاّ تخلو ملامح"شيطان"العقاد من شبه يذكِّر بملامح"فاوست"لغوته، خصوصاً حين يتبين أن الخير في هذا الوجود تافه لا قيمة له، أو يشــبه شيطاناً"ملتوناً"في هذا الملمح أو ذاك، على نحو ما أوضح حمدي السكوت في دراسته المقارنة لكلا الشيطانين، الأمر الذي يكشف عن بعض المؤثرات الثــــقافية والتكوينات النفسية التي تحولت"ترجمة شيطان"الى تجسيد لها، وذلك في سياق جمع أنواعاً إبداعية من التمرد الميتافيزيقي الذي وصل سرديات أمثال عبدالرحمن شكري بنظم غيره من الشعراء المتمردين الذين ناوشوا بتمردهم كل شيء.

    ولم يكن من قبيل المصادفة أن حِدّة العقاد في هجومه على خصوم الأدب والفكر كانت توازي هجومه على خصوم السياسة. وأتصور أن نزوعه الليبرالي الذي اقترن بنزعة فردية حادة كان الأصل في انجذابه الى النموذج الفردي في الإبداع وإلى النموذج الفكري الذي يرى في الفرد صانعاً للتاريخ، ويرد حركة التاريخ بأسرها الى الإنجازات الاستثنائية للأفراد، أو"الأبطال"- إذا آثرنا تسمية كارلايل التي جعلها عنوان كتابه الذي ترجمه محمد السباعي، والذي كان تعبيراً عن الروح الفردي الناهض للطليعة المثقفة التي اقترنت بثورة 1919، وأخذت عنها لهيبها الذي تحول الى حماسة متمردة في مجالات الإبداع والسياسة، ولذلك كان العقاد كاتب"ترجمة شيطان"هو العقاد الذي هاجم الحكم المطلق في ضراوة تحسب له، وهاجم مع الحكم المطلق الأشكال السياسية المعادية للحرية على نحو ما فهمها من منظوره الليبرالي. هكذا، كتب عن"الحكم المطلق في القرن العشرين"كتابه الذي صدر سنة 1928، وكان نائباً برلمانياً مدافعاً عن حرية الأمة الى درجة الجسارة التي تبلغ قمة التمرد السياسي العنيف على الحكم الاستبدادي. ولذلك ما إن عادت الحياة النيابية الى مصر، وعاد معها الوفد الى الحكم لأشهر معدودة، حتى عاد صوت العقاد الهادر في مجلس النواب، وقال جملته الشهيرة:"إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه". وكان ذلك احتجاجاً على محاولات حكومة إسماعيل صدقي تعطيل الدستور بمباركة الملك فؤاد. وكانت نتيجة صرخة العقاد المتمردة تقديمه الى المحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية، وتبع المحاكمة السجن الذي دخله العقاد الثائر، ولم يخرج من سجن"قرة ميدان"إلا بعد تسعة أشهر، حاول فيها أن يتعلم الفرنسية، وقرأ كتاب هـ. ج. ولز"مختصر تاريخ العالم"والترجمة الإنكليزية لسيرة بيرون التي كتبها أندريه موروا بالفرنسية. وكان ذلك في زمن يسمح فيه للمسجون السياسي بقراءة الكتب التي يريدها، ويجد من الوقت ما يتيح له تعلم لغة جديدة، بعيداً من التعذيب الوحشي الذي عرفناه في الأزمنة اللاحقة وأنظمتها الوطنية أو القومية؟!.

    ومشهورة حكاية خروج العقاد من سجنه في الثامن من تموز يوليو 1931 وتوجهه الى ضريح سعد زغلول الذي كتب سيرته التي لا تزال نموذجاً فريداً في كتاب سيرة هي"درس في العظمة". وكان أصدقاء العقاد والمحتفلون بحضوره في انتظاره، فأنشدهم قصيدته"على ضريح سعد"التي منها بيته الشهير:

    "عداتي وصحبي لا اختلاف عليهما. سيعهدني كل كما كان يعهد".

    ولم يتوقف العقاد بعد السجن عن هجومه على الحكم المطلق وعلى كل الأنظمة التي تؤدي إليه. وكانت نتيجة السجن كتابه"عالم السدود والقيود"الذي نشره سنة 1937 بعد أن نشر فصوله، أسبوعياً، في"كل شيء"، الى أن أصدره كاملاً. وكان الكتاب الباكورة الأولى لما أصبح بعد ذلك"أدب السجون والمعتقلات"التي تتابعت نتيجة الأنظمة التي خنقت الحرية باسم الحرية، وصادرت الأفكار بدعوى حماية الشعب والوطن، وقتلت مئات - إن لم يكن آلاف الأبرياء - في سجونها ومعتقلاتها التي لم تقل ضراوة ووحشية عن المعتقلات النازية بمعتقداتها التي هاجمها العقاد الذي كتب عن"النازية والأديان السماوية"كما كتب"هتلر في الميزان"سنة 1940، وذلك بالحدة نفسها التي دفعته الى ترك القاهرة الى موطنه أسوان، خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد أن أصبح رومل قريباً من القاهرة، وأصبح الخطر النازي حر الحركة في الصحراء الغربية، قبل أن تحدث معركة العلمين الشهيرة.

    وظل العقاد مدافعاً عن الحرية في تفسيراتها الفردية، يذود عنها، ويهاجم من يهددها، ويصل بين مفهومها ومفهوم الجمال في تأصيل نظراته الجمالية. ولذلك اقترن مفهومه عن الجمال بالحرية، وأصبحت الحرية هي الجمال، والجمال هو الحرية في أرقى صورها. ولم يكن العقاد متأثراً في ذلك بمذهب الفيلسوف الشاعر شيللر الذي أقام اتحاداً بين الحرية والجمال فحسب، وإنما كان متوافقاً مع فكره الليبرالي، إبداعاً وموقفاً نقدياً وسياسياً في آن، ولذلك اتسع بمفهوم الحرية، ولم يقتصر في فهمها على معناها البشري الإرادي بل شمل بها الكائنات الماثلة في الطبيعة، وذلك ليؤكد أن الحرية هي الانطلاق من القيود التي تعطل مجرى الحياة وتعرقل الحركة.

    ولذلك يؤكد العقاد أن الماء الجاري أجمل من الماء الآسن، والوردة الطبيعية أجمل من الوردة الصناعية لأن الماء الجاري كالوردة الطبيعية ينطوي على المبدأ الحر الذي يتجسد في حركة الحياة أو الحركة الحيوية للحياة التي لا تتوقف ولا تعوقها القيود، ولذلك كلما كانت وظائف الحياة ظاهرة غير مُعاقة في حركتها - في ما يقول العقاد - كانت الأعضاء صحيحة حسنة الأداء، وكان عمل الحياة بها سهلاً، وحريتها فيها أكمل. وكلما كان العضو سهلاً لعمل الحياة، وميسراً لها، كان مؤدياً غرضه، موضوعاً في موضعه، مبرأ من النقص والعيب، ما ظل عضواً يجاوب مطالب الحياة، ويتوثب بالحيوية التي تحقق للحياة حريتها، ودليل ذلك أن الصوت الجميل هو الصوت"السالك"الذي يصدر عن حنجرة صافية ليس هناك ما يعوقها عن الحركة والانطلاق، والرشاقة نفسها ليست سوى تعبير عن تلاؤم أعضاء الجسم مع وظائفها وتأديتها لهذه الوظائف في سهولة وخفة، وانطلاقها في حركتها من دون بطء أو تثاقل، وذلك بما يجسد معنى آخر من معاني الحرية التي تغدو قانوناً كلي الوجود والحضور، تغتني به حركة الفرد والكائنات والمجتمع والسياسة والإبداع على السواء. وإذا كان أصل الوجود المندفع الى الأمام، حيث التقدم الذي لا نهاية له أو حد، هو الفرد الذي يصنع العالم على عينه، فإن جوهر وجود هذا الفرد ومبدأ حركته الخلاقة في كل شيء هو الحرية التي لا تحتمل القيد أو المصادرة من أية سلطة مطلقة في الوجود وما بعد الوجود.

     
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    حسين أحمد أمين
    ذكريات عن عباس محمود العقاد الكاتب المعادي للشمولية

    يواصل الكاتب هنا كتابة ذكرياته عن شخصيات مصرية لعبت دوراً في الأدب والفكر العربيين، وهذه المرة عن عباس محمود العقاد:
    لا أذكر أنه جاء يزور والدي في منزلنا مرة واحدة، أو أن والدي زاره في منزله، على رغم أن كلاً منهما كان يكن احتراماً عميقاً لشخصية الآخر ولإنتاجه الفكري، وعلى رغم تجاور داريهما في مصر الجديدة، وتعاطف الاثنين مع الحزب السعدي أو على الأقل - كما في حالة والدي - مع قيادات الحزب، كالنقراشي وابراهيم عبد الهادي والدكتور السنهوري، غير أن العلاقة بينهما كانت دائماً ودية. ولا أحسب ان العقاد كان على اتصال اوثق بكبار ادباء عصره، كطه حسين او توفيق الحكيم او حسين هيكل، فكأنما كانت صداقته لإبراهيم عبد القادر المازني، وهي التي بدأت وهما في نحو العشرين، كافية تماماً لسد حاجة العقاد الى الصداقة والصديق.
    دأب على إهداء أبي كل كتاب جديد يصدر له، مسطراً على صفحته الاولى عبارة "إلى العالم البحّاثة أحمد أمين"، فلما اصدر والدي سيرته الذاتية حياتي العام 1950، صار العقاد يضيف الى اهدائه كلمة "الأديب". وما زلت اذكر، في شيء من العجب والاشفاق، فرحة والدي بهذه الاضافة، وباعتراف العقاد به أديباً، بعد أن كان لا يرى فيه غير عالم باحث. ولا بأس من أن أضيف هنا أن والدي كان شديد الحساسية لنقد كتاباته، مدحاً كان او ذماً، يطرب اشد الطرب لأية اشادة بها، وقد لا يعرف النوم إن قرأ مقالاً ينال منها.
    غير أن العقاد كان كثيراً ما يتصل هاتفياً به، إما لسؤال عما دار في جلسة لم يحضرها من جلسات المجمع اللغوي، او للاطمئنان على صحته، أو لمباحثاته بشأن أصل احدى الكلمات او واقعة في التاريخ الاسلامي. وكان يصادف احياناً ان أرد على مكالمته الهاتفية فأحاول الدخول معه في دردشة حول كتاب له أقرأ فيه، أو أتممت قراءته:
    - كم سنّك يا جحش؟
    - عشرة.
    - تقرأ "عبقرية عمر" وأنت في العاشرة؟ لا أظنك فهمته.
    - بل فهمته. فاسألني فيه إن احببت.
    - ليس لدي وقت لسؤالك فيه. نادِ لي أباك!
    كنتُ مع اثنين من اخوتي نحرر في صبانا مجلة سمّيناها "رجال الغد"، نكتبها بأكملها بخط اليد، ثم نصدر منها عدة نسخ كربونية نتداولها في محيط الاسرة والاصدقاء. ما أعجب له هو جرأتي وأنا بعد في العاشرة أو الحادية عشرة على الاتصال هاتفياً بكبار الادباء من اصدقاء والدي ليوافوا مجلتنا الصبيانية بكتاباتهم، ولا أزال أذكر اتصالي بالعقاد ومحمود تيمور كي يكتبا لنا تحت عنوان "أجمل أيام حياتي". فأما تيمور فكتب مقالاً بالغ الطول ارسله الينا بالبريد، ثم عاد بعد سنوات فنشره في احد كتبه. كذلك استجاب العقاد لمطالبنا، غير انه اصر على حضورنا اليه لاستلامه، وكان هذا هو لقائي الاول به. وأجدني الآن اسائل نفسي عن مدى احتمال أن يستجيب كبار الكتاب اليوم لمثل هذا المطلب من صبية في نحو العاشرة يصدرون مجلة مكتوبة بخط اليد!.
    لم يمتلك في حياته سيارة قط، ولا اقتنى والدي واحدة حتى بلغ الستين، وإنما كانا يستخدمان في تنقلاتهما الترام حين كانت وسائل المواصلات العامة في مصر صالحة لاستخدام الآدميين. وكنت كثيراً ما أراه في الترام في روحاته وغدواته، وكذا في مكتبة "الانجلو المصرية" التي كانت تتولى نشر كتبه. فإن دخل المكتبة بقامته العملاقة المهيبة وطربوشه وكوفيته الطويلة الشهيرة، سارع موظفوها الى استقباله بحفاوة بالغة، فيبادر بسؤال أحدهم بصوته الضخم: فين سيدك الحمار؟! فيهرع صاحب المكتبة اليه منحنياً على يده ليقبلها، ثم يأتيه بكرسي يجلس عليه، وبكوب من القرفة يحتسيه، وبالكتب الحديثة مما ورد الى المكتبة حتى يتصفحها وينتقي منها ما يحب. وقد يهم شبابنا اليوم أن يعرف أنه ما من إعلان كان ينشر في الصحف عن أن كتاباً جديداً للعقاد سيصدر في اليوم التالي، حتى كان طابور قرائه يصطف أمام مكتبة الانجلو المصرية قبل ان تفتح ابوابها بنصف ساعة او ساعة يوم عرض نسخ الكتاب للبيع.
    كانت سلسلة "العبقريات" للأسف، هي أكثر كتبه اجتذاباً للقراء ولي في صباي: عبقرية محمد - عبقرية عمر - عبقرية الإمام - عبقرية الصديق - عبقرية خالد... إلى آخره. وكذا روايته "سارة" وكتابه "هتلر في الميزان" الذي أصدره العام 1940 يهاجم النازية وصاحبها أعنف هجوم، وهو ما اضطره الى الفرار الى السودان حين اصبح جيش رومل قاب قوسين من الاسكندرية. كذلك قرأت له كتاب "الله" وأنا في الخامسة عشرة. أما انتاجه الجيد حقاً فقد تأخر اطلاعي عليه على رغم سبق تاريخ صدوره لكل تلك الكتب: "سعد زغلول"، "ابن الرومي"، ثم فوق كل شيء، دواوين شعره. ففي رأيي اليوم أن شعره اعظم بكثير من نثره، وأنه يمثل افضل انتاجه، على رغم ما واجهه من نقد عنيف اثناء حياته، بخاصة من مصطفى صادق الرافعي، واسماعيل مظهر وغيره من شعراء "أبولو"، ومحمد مندور صاحب المقولة المشهورة إن شعر العقاد "لا شأن له بالشعر". ومع ذلك فإني أجدني اتعاطف بعض الشيء مع صلاح عبد الصبور اذ يذكر أن العقاد اساء الى موهبته الشعرية الحقيقية بإقحام الفلسفة في قصائده.
    بعد وفاة احمد شوقي بعامين، أي في عام 1934، ذهب الكثيرون الى تلقيب العقاد بأمير الشعراء، كما اصبح بعد ثورة 1952 رئيساً للجنة الشعر في المجلس الاعلى للفنون والآداب. كان بكل تأكيد، وعلى رغم التزامه في قصائده بقيدي الوزن والقافية، مجدداً في شعره، مؤمناً بضرورة هذا التجديد في المعاني وأسلوب السرد بحيث تنساب المعاني في تسلسل منطقي من اول القصيدة الى آخرها، فلا يصبح كل بيت فيها قائماً بذاته كما هو الحال في معظم الشعر العربي من عصر الجاهلية الى شوقي وحافظ. وقد ادى ذلك به وبالمازني الى التهجم على أحمد شوقي والسخرية به، قائلين إن التغيير العشوائي لترتيب الابيات في قصائده لا يُحدث في فهمنا لها تغييراً ذا شأن. وقد آلم شوقي كثيراً هذا النقد الذي سمم ايامه الاخيرة، غير ان القدر انتقم له، فأصبح شعر العقاد نفسه هدفاً لانتقادات اكثر حدة من جانب انصار الشعر الحديث، خصوصاً من الشيوعيين، وبات مثالاً عندهم لرجعية النظم بعد ان كان في يوم ما مثالاً للجرأة والثورية والتحرر. بيد أن الحساسية المفرطة للنقد لدى شوقي لم تكن قائمة عند العقاد الذي رد على اليساريين بهجوم أعنف وأقسى، وسخر سخرية مريرة بشعرهم المنثور، وبمحاولاتهم إدخال المزيد من التجديد بعدما ادخله هو بعد شوقي وحافظ.
    لم يكن اليساريون وحدهم من نصبوا انفسهم لعداء العقاد، فقد اشترك في الهجوم عليه الوفديون الذين كان العقاد احد اقطاب حزبهم، وذلك بعد ان اختلف العام 1936 مع قيادة الحزب ثم انضم العام 1937 الى حزب السعديين الذي أسسه المارقون من الوفد بزعامة أحمد ماهر والنقراشي، وبعد ذلك فإني لا أذكر - ولا أحسب - أن هذه الخلافات السياسية مع العقاد أثرت في شعبيته لدى جمهور القراء، أو في حجم توزيع كتبه، او الاقبال على حضور صالونه الاسبوعي في مسكنه، كذلك لم يؤثر في احترام الناس له اضطراره احياناً الى مدح الملك فاروق في شعره بعد تحوله الى الحزب السعدي، وهو حزب لم يكن شعبياً في اي وقت من الاوقات، وكان يعتمد دائماً في الوصول الى الحكم على مساندة القصر والتآلف مع حزب الاحرار الدستوريين وغيره من الاحزاب الصغيرة. ومع هذا المديح لفاروق، بلسمٌ في يمين فاروقَ يُشفي كل جرح به عصيّ الشفاء!، فإن الملك لم يغفر له أبداً تجرّؤه على أبيه حين وقف في البرلمان عقب تعطيل وزارة اسماعيل صدقي للدستور بإيعاز من فؤاد يصيح: ان الشعب على استعداد لتحطيم أكبر رأس في البلد إن هو حاول العبث بالدستور. وقد كان هذا هو السبب في أن فاروقاً لم ينعم على العقاد حتى بعد "توبته" بأي لقب.
    ومع ذلك فقد مُنح عام 1948 جائزة فؤاد الاول للأدب، وهي جائزة قدرها ألف جنيه تبرع بها فاروق، وتُمنح لمن ترى اللجنة الدائمة لجوائز الدولة أهليتهم لها. وقررت اللجنة وقتها منح الجائزة لأربعة: طه حسين، والعقاد، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل. غير أن الملك، عندما رفعت اليه القائمة لإقرارها شطب بيده اسم طه حسين منها باعتباره وفدياً معادياً، ثم تردد في إقرار بقية الاسماء بالنظر الى أن هيكل من الاحرار الدستوريين، بينما العقاد وأحمد أمين في رأيه، من السعديين، وأشار الى اختيار رجل واحد من كل من الحزبين. لكن اللجنة أبت أن تستبعد العقاد او أحمد أمين، وأرسلت الى الملك من أفهمه ان الثاني ليس سعدياً، وأن الأمر يتصل بالأدب لا السياسة، فقبل الملك في النهاية. والظاهر أن الملك كان وقتها يهدف الى أن تستبعد اللجنة اسم العقاد بعد ان وافقت على استبعاد طه حسين، غير أن الظاهر أيضاً أن رئيس الديوان الملكي وقتها وهو إبراهيم عبدالهادي ثاني اقطاب الحزب السعدي هو الذي شفع للعقاد وأفلح في إقناع فاروق باستبقائه. فكان أن رفع فاروق قيمة الجائزة إلى ثلاثة آلاف جنيه حتى يُمنح كل فائز ألفاً.
    كانت زيارتي الثانية للعقاد في داره بعد اكثر من عامين من قيام ثورة يوليو تموز 1952، وهي الثورة التي رحب العقاد بها، وكتب في تأييدها، ربما لأنه لم يلق من فاروق إقبالاً عليه بعد أن مدحه وأبدى استعداده لتعديل موقفه من النظام الملكي، غير أنني ذاكر أولاً قصة طريفة سمعتها عنه، وهي عن كيف أن عبدالناصر كلف من يتصل بالعقاد هاتفياً ليخبره أن السيد الرئيس يرغب في لقائه، فحدد العقاد الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي موعداً للقاء. وفي العاشرة والنصف من ذلك الصباح عاد الرجل الى الاتصال هاتفياً به ليسأله عن السبب في عدم حضوره لمقابلة الرئيس فكان جواب العقاد:
    - الحضور إلى أين؟ لقد انتظرته في بيتي أكثر من نصف ساعة فلم يحضر!
    كنت قد التحقت مذيعاً بالإذاعة المصرية في شباط فبراير 1954، وفي صباح يوم 14 تشرين الاول اكتوبر من ذلك العام، حضر العقاد الى دار الإذاعة لتسجيل حديث، وظل مدة تقرب من الساعة ينتظر المهندس المسؤول عن التسجيلات فلم يحضر، عندئذ ثار العقاد ثورة عنيفة، متهماً ذلك الموظف بأنه لا بد شيوعي، تغيب عن عمد لمجرد إغاظته لما يعرفه عنه من عداء للشيوعية. وأعلن العقاد صائحاً وهو يهبط السلّم ليترك دار الاذاعة انه سيقاطع الاذاعة الى الابد، ولن يعاود تسجيل الأحاديث لها. وإذ سمع مدير الاذاعة ظهراً تفاصيل القصة، استدعاني الى مكتبه، وكلفني التوجه الى منزل العقاد مساء لتقديم الاعتذار نيابة عنه، وتولي التسجيل له بنفسي، مقدراً أن صداقة العقاد لأبي ستجعله يقبل ما أنقله اليه من اعتذار. واستقبلني العقاد ذلك المساء أجمل استقبال، وإن كان اسمعني بعد اجراء التسجيل مزيداً من آرائه في موضوع الشيوعيين. والواقع انني فوجئت يومها إذ ألمس كيف كان في وسع هذا الرجل المشهور عند جمهور الناس بالجهامة والعبوس والعنف والقسوة، أن يتبسط ويتلطف، وأن يظهر في داره من كرم الضيافة وحب الفكاهة والمزاح ما لا يعرفه الكثيرون عنه.
    يكاد العقاد في واقع الأمر أن يكون المفكر والكاتب الوحيد في تلك الحقبة الذي استطاع أن يصمد في قوة في وجه التيار اليساري في مصر، كان الأدباء والنقاد اليساريون أفلحوا خلال سنوات قلائل لا تتجاوز العشر في خلق جو من الإرهاب في الحياة الفكرية المصرية لم تعرفه من قبل او من بعد، على رغم ان الحكومات المتعاقبة كانت تتشدد في مكافحتهم وتصادر جرائدهم وكتبهم، وتزج بهم في السجون، وتتخذ الاجراءات المتاحة كافة وقتها للحيلولة دون انتشار نفوذهم وتأثيرهم. وكان لثقتهم التي لا تعرف حداً في بيانهم الأسس الماركسية للنقد والأدب والفن، وأسلوبهم الصلف في الكتابة، وعدم ترفعهم عن السباب والطعن، أثرها الغريب لا في إرهاب الكُتاب والفنانين وحدهم، بل القراء ايضاً، بحيث اصبح الاديب في حاجة الى شجاعة نادرة - كشجاعة العقاد - حتى يكتب قصيدة او قصة قصيرة غير اشتراكية، والرسام حتى يرسم لوحة لغير "الكادحين"، وأصبح النقاد - شيوعيين كانوا او غير شيوعيين - يتخذون مذهب الواقعية الاشتراكية معياراً للحكم على مدى جودة العمل الفني، وترددت على ألسنة القراء عبارات مثل: "أديب بورجوازي - رواية تقدمية - أدب انحلالي - رجعي عاجز عن التطور - أدب يعبر عن مصالح الطبقة النامية"، وقد آثر بعض الكتاب ازاء هذه الموجة الصمت وإنهاء حياته الادبية، في حين سارع البعض الآخر يؤكد للناس أن أدبه في واقع الحال لو تأملوا وأنصفوا، أدب شعبي تقدمي، وأن تغزله في شعره في امرأة يرمز الى تعطشه الى الاشتراكية، ثم يتملق الادباء والشعراء الجدد من اليساريين، ويكتب المقدمات لمؤلفاتهم ويبارك نشاطهم، ويقدم على تأليف كتب جديدة تتفق في ظنه مع الماركسية، كمسرحية "الصفقة" لتوفيق الحكيم. وربما كان العقاد أحد القليلين، او هو وحده الذي شهر سلاحه للنزال، ومبادلة الطعن بالطعن والعنف بالعنف، والسب البذيء بالسب البذيء.
    كان الرجل إلى حد بعيد - وعلى رغم مدحه لفاروق بعد انضمامه الى السعديين - مخلصاً في معتقداته، قد يقال ان الانكليز هم الذين اوحوا اليه بكتابة "هتلر في الميزان"، غير انه سبق ان هاجم الشمولية هجوماً عنيفاً في كتابه "الحكم المطلق في القرن العشرين" الذي الفه العام 1928، قبل وصول هتلر الى الحكم بخمس سنوات، وقد يكون تهجم اليساريين على شعره من بين الحوافز له على مهاجمة الماركسية. غير انه لا سبيل الى الشك في انه كان يمقت أو يكره أو يستفظع النظم الشمولية جميعاً، يمينيها ويساريها على سواء، وانه كان يمقت الملك فؤاد ورؤساء حكوماته الاستبدادية كإسماعيل صدقي.
    ما يحيرني منه هو موقفه من الإسلام، فهو في مجالسه الخاصة وندواته الاسبوعية التي حرصتُ على حضور بعضها، كان يبدو صريح الإلحاد، صريح الاستخفاف بالعقائد، وقد تبدر منه فيها من التعابير ما يصدم مشاعر بعض جُلاسه، ومع ذلك فما اكثر ما كتبه من كتب ومقالات في نصرة الإسلام، كما في المقالات التي كتبها لصحيفة "الدستور" عامي 1908 و1909 وهو لا يزال دون العشرين، ثم "العبقريات" المشهورة التي بدأت بعبقرية محمد عام 1942 - أثر الحرب في الحضارة الاوروبية - الفلسفة القرآنية - الديموقراطية في الاسلام - فاطمة الزهراء - بلال - أبو الانبياء الخليل ابراهيم - الاسلام في القرن العشرين: حاضره ومستقبله - مطلع النور وطوالع البعثة المحمدية - حقائق الاسلام وأباطيل خصومه - التفكير فريضة اسلامية - المرأة في القرآن الكريم - الثقافة العربية اسبق من ثقافة اليونان والعبريين - الإنسان في القرآن الكريم - ما يقال عن الإسلام - الإسلام دعوة عالمية... مثل هذا الكم الضخم دليل على عمق انشغال فكر الرجل بالإسلام، وربما على إخلاصه في الإيمان به، وامتعاضه من أي مساس به يأتي من الغرب ومستشرقيه، وهو كمٌّ لا يمكن الاقتصار في تفسيره على القول إن الثلاثينات - عقب الازمة الاقتصادية العالمية التي مسّت آثارها مصر، وعقب اشتداد ساعد جماعة الإخوان المسلمين وانتشار تأثيرها - شهدت تحولاً ملحوظاً من جانب عدد كبير من الكتاب في مصر الى الكتابة عن الاسلام، تطلعاً الى مزيد من الشعبية والرواج لكتبهم.

    كان رفيع اللغة، موسوعي الثقافة، يغترف من الآداب الاجنبية والعربية من دون تمييز ومن دون تحيز، فيمتزج في كيانه مختلف الثقافات من دون ان يشعر بما يشعر به أناس يومنا هذا من تمزق وحيرة بين التراث والمعاصرة، أو ضرورة للاختيار بين الحديث والقديم، أو بين ثمرات الفكر العربي والاجنبي.
    ومع ذلك فقد كان ثمة كلَفٌ على الشمس، فكثيراً ما كان - على حد تعبير العامة - "يستعرض عضلاته"، ويوحي الى القارئ بالتباهي بسعة اطلاعه، ويتنقل عامداً من هذا الموضوع الى ذاك لمجرد الرغبة في أن يكشف عن غزير علمه، وحتى يتطرق العجب الى عقل هذا القارئ كيف حصّل كل هذه المعرفة مَنْ لم يحصل من الشهادات على غير الابتدائية؟
    وفي هذه الحقيقة بالضبط تكمن الاجابة ويكمن السر. هو عالم لا شك في ذلك، وقرّاءة من دون ريب، غير أن ما يبدو للكثيرين انه كعالم هو رد فعل محض لقصور تعليمه المدرسي، وما يبدو لهم أنه غرور من الرجل لا يكاد يطاق، قد يكون مجرد قناع يخفي وراءه ضعف ثقة ناجم عن خلو جعبته من الشهادات التي يرى فيها الحمقى من بني قومه دليلاً على تحصيل المعارف. وقد حصّل العقاد من المعارف ما لم يحصله غير من لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليد الواحدة، وخرج على الناس بكتب يزيد عددها على أضعاف أضعاف عدد أصابع اليدين، وهي كتب - حتى إن كان اكثرها سيصير بمرور الايام الى طي النسيان - جزلة قيّمة، وكان لها تأثيرها العميق في نفوس قرائها وقت صدورها، كتب لا يتمكن اتهام مؤلفها بالاستخفاف بعقلية قارئه، أو بالتعجل غير المغتفر في انجازها، أو بقلة الصبر على دراسة المراجع في صددها، وتقليب الذهن في موضوعها، وإنما يشينها أنه بإقباله على قراءة كل ما وقعت عليه يده من دون تمييز، وفي كل فروع المعرفة من دون تخصص او تعمق، فشل في أن ينتج فكراً متسقاً متلاحم الجوانب، يدعم بعضه بعضاً. فإذا بذلك الصرح العملاق الذي قضى أكثر من نصف قرن في تشييده يبدو - شأنه في ذلك شأن سلامة موسى - مفتعلاً، مهلهل النسج، مفتقراً الى الاحكام والى اللمسة الشخصية المتفردة.

    * كاتب مصري
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة