1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

الانتهازية الفلسفية عند العالم في نظر اينشتاين

الموضوع في 'أخبار و مقالات' بواسطة حسن الولهازي, بتاريخ ‏5/4/18.

  1. الانتهازية الفلسفية عند العالم في نظر اينشتاين
    إن العلاقة التبادلية بين الإبتستيمولوجيا والعلم هي علاقة من نوع فريد. كلاهما يتوقّف على الآخر. فالإبستيمولوجيا بدون الاحتكاك بالعلم ليست إلا مخطّط فارغ. والعلم بدون الإبتستيمولوجيا -رغم أنّه يمكن أن يُفهم- بدائي وغامض لكن بمجرد أن ينجح الإبستيمولوجي في وضع نظريّته في سياق بحثه عن منظومة واضحة حتّى يكون مجبرا على تأويل محتوى التفكير العلمي في ما يخدم منظومته وإبعاد كلّ ما لا يتلاءم معها. ألعالم من جهته، ليست له وسيلة ليدفع إلى الأمام محاولاته في التنظيم في ما يتعلّق بنظرية ألمعرفة إنّه يتقبّل بامتنان التحليل المفهومي لنظرية ألمعرفة ولكن الشروط الخارجية التي تفرضها عليه أحداث التجربة لا تسمح له بأن يتقيّد كثيرا، أثناء بناء عالمه ألمفهومي بنظرية منظّمة للمعرفة. إذا يجب أن يبدو في عين المنظّر التنظيمي للمعرفة كانتهازي عديم الذمّة. فهو يبدو كواقعي عندما يبحث عن تمثّل عالم مستقلّ عن حركات ألإدراك وكمثالي عندما يعتبر المفاهيم والنظريات كابتكارات حرّة للذهن البشري (ليست مشتقّة منطقيّا من معطيات التجربة)، وكوضعي عندما يعتبر مفاهيمه ونظرياته وكأنّها وضعت فـقـط كي تمنح تصوّرا منطقيّا بين التجارب الحسّية. وقد يبدو حتّى أفلاطونيا أو فيثاغوريا عندما يعتبر وجهة النظر المدافعة عن البساطة المنطقية كأداة ضرورية وفعّالة لبحثه.
    نصّ لأينشتاين وارد في كتاب "اينشتاين العالم
    الفيلسوف". تأليف لنزن و نورثورب
    الانتهازية الفلسفية عند العالم في نظر اينشتاين
    الـتـمـهـيـــــــــــــــد

    في القديم كانت الفلسفة تسمّى أم العلوم فهي المعرفة الشاملة بل إن الفلسفة لا وجود لها بالمعنى ألمعاصر أي كشعبة معرفية وإنّما هي مجرّد إطار يحوي داخله عدّة معارف. يقسّم أرسطو الفلسفة إلى حكمة نظرية تضمّ الميتافيزيقا والرّياضيات وعلم الطبيعة وحكمة عملية تضمّ السياسة والأخلاق وتدبير المنزل. في هذا التقسيم لا تظهر الفلسفة كمبحث من بين المباحث الأخرى لأنّها الإطار الذي يحويها جميعا. وقد ظلّ هذا التداخل بين الفلسفة ومختلف المعارف قائما إلى حدود القرن XVII إذ كانت أقسام المعرفة تسمّى بالرّجوع للفلسفة كمحور. فنقول الفلسفة الأخلاقية كدلالة على البحوث في الأخلاق والفلسفة الطبيعية للدلالة على الفيزياء حتّى أن نيوتن (1643-1727)عنوان إحدى كتبه "المبادئ الرّياضية للفلسفة ألطبيعية" تدريجيا استقلّت العلوم عن الفلسفة وتقهقرت قيمة الفلسفة حتّى أن البعض (المذهب العلماني مثلا) أصبح ينادي بانتهاء دورها.
    الإشكالـيــــــــــــــــــــة
    فهل انتهى دور الفلسفة تماما أم أن دورها تغيّر وإن كان مازال لها دور ففي ماذا يتمثّـل. ما هو وجه علاقة الفلسفة بالعلم أليوم؟ هل يمكن أن يستفيد العلم من الفلسفة وهل يمكن أن تستفيد الفلسفة من العلم؟
    التحليـــــــــــــــــــــــل
    Iـ العلاقة التبادلية بين العلم والإبستسمولوجيا
    1ـ الإبستيمولوجيا بدون علم ليست إلاّ مخطّط فارغ

    صحيح أن الفلسفة منذ القديم وإلى اليوم تعطي للفرد الحق والحرية في النقد والشكّ وإبداء الرأي، ولكن ليس معنى ذلك أن الفلسفة تسمح للفرد بأن يبدي رأيه كما اتفق ويقدّم آراءً خالية من كلّ منطق. فالفلسفة ليست أضغاث أحلام. فما الذي ينقذ الفلسفة ويجعلها مبحثا جدّيا؟ إنّها العلوم. تخدم العلوم الفلسفة من ناحيتين من ناحية المنهج ومن ناحية المضمون.
    أ-من ناحية المضمون: اطلاع الفيلسوف على العلوم ينقذه من الأخطاء
    أغلب المواضيع العلمية سواء كانت فيزيائية أو بيولوجية أو إنسانية تعرّض لها الفلاسفة قديما باعتماد العقل والمنطق فكانت بحوثهم عبارة عن مغامرة ذهنية مبنية على حبّ المعرفة ولكن تفتقر للمناهج العلمية. فإذا واصل الفيلسوف المعاصر بحوثه الفلسفية دون الإطلاع على ما جدّ ويجدّ في العلوم كانت بحوثه الفلسفية فارغة من محتوى جدّي. يتحدّث فرويد عن ثلاث ثورات علمية كان لها تأثير على الحضارة الإنسانية وعلى الفيلسوف أن يطّلع عليه ويأخذ بعين الاعتبار مضمونها في تفلسفه. الثورة الكوبرنيكية في علم الفلك والثورة البيولوجية التي أحدثها داروين والثورة السيكولوجية التي أحدثها التحليل النفسي. فمن غير المعقول أن يتحدّث الفيلسوف عن نظام الطبيعة دون أن يعرف أسباب تعاقب الليل والنهار والفصول وأسباب الكسوف والخسوف. ومن غير المعقول أن يتحدّث عن الإنسان ككائن حيّ دون ارجاعه إلى تطوّر الكائنات الحيّة أو يتحدّث عن الجهاز النفسي للإنسان دون ذكر اللاشعور. إن إطّلاع الفيلسوف على ما وصلت إليه العلوم لا يعدّل مواضيع بحثه فقط، بل يعدّل طريقة تفكيره أيضا.
    ب- من ناحية المنهج: إطّلاع الفيلسوف على العلوم يغيّر تفكيره
    يقول قاليلاي عن الطبيعة إنّها كتاب مفتوح مكتوب بلغة رياضية. وهذا يعنى أنّها تحتوي بالقوّة على معرفة منظّمة. والمقصود بـ "منظّمة" هو أن أغلب القوانين العلمية تجسّد العلاقة الحتمية بين الأسباب والنتائج. وكلّ مطّلع على القوانين العلمية يجد نفسه يراعي من حيث لا يشعر نظام الطبيعة ويصبح المعقول هو المستمدّ من نظام الطبيعة واللامعقول هو ما يخالف نظامها. فلأن الجاذبية بين جسمين تخضع لمقدار كتلتيْهما، فإن جاذبية القمر على جسم ما، هي سدس جاذبية الأرض عليه ومن يقول عكس ذلك فكلامه غير معقول. صحيح أن المعقول واللامعقول نسبي ويرتبط بتطوّر العلوم، ولكن الفيلسوف مضطرّ أن يكون مطّلعا على العلوم حتّى يواكب معقولية عصره ولا يفكّر بطريقة بدائية. ومعلوم أن من النظريات العلمية التي غيّرت معقولية الإنسان في العمق هي نظرية اينشتاين في نسبية الزمن. ومازال البعض لا يستوعبها لأن المعقولية التي يفكّر بها تعود إلى الفيزياء الكلاسيكية. فتطوّر العلوم ليس تطوّرا في المضمون فقط، بل هو تطوّر في المضمون والمعقولية. يتبيّن لنا من هنا أن الفيلسوف –من حيث هو شخص محبّ للحكمة- مطالب بالإطلاع على العلوم حتّي يكون مواكبا للتطوّر. فهل أن العالم في حاجة للفلسفة مثل حاجة الفيلسوف للعلم؟
    2)العلم بدون ابستيمولوجيا بدائي وغامض
    أن يخدم العلم المعاصر الفلسفة من ناحية مضمونها وطريقة التفكير فيها، لا يعفيه من احتياجه إليها. يقول اينشتاين "العلم بدون الإبستيمولوجيا ـرغم أنّه يمكن أن يفهم-بدائي وغامض"فما هو المقصود ببدائي وغامض هنا؟
    أـ العلم بدون ابستيمولوجيا بدائي
    إن لفظة بدائي لا تفهم في بعدها القيمي ولكن في بعدها الزمني. للعلم تاريخ وليس ذلك التاريخ إلا ماضي الفلسفة. فقاليلاي في كتابه "حوار الأنساق ألكبرى يناقش أرسطو وبطليموس. وهذا يعني أنّه يعتبر أن أرسطو فيزيائيا وبطليموس عالما فلكيا. يصعب أن نجد عالما جديرا بهذا الاسم يجهل تاريخ علمه الذي هو في نهاية المطاف فلسفة. فالفلاسفة هم الذين مهّدوا الطريق للعلماء. فالحركة قبل أن تصبح مصطلحا علميا هامّا عند قاليلاي ونيوتن تحدّث عنها ارسطو والزمن قبل أن يصبح مفهوما أساسيا في السينيماتيقا تحّدثت عنه فلسفات القرون الوسطى ومنها فلسفة ابن سينا. إذا عندما لا يعتبر العلم الفلسفة القديمة جزءا من تاريخه فهو ينكر تاريخه. العلم المعاصر ليس بدائيا أي ليس في بدايته. والسبب هو أن الفلسفة هي التي جسّدت بدايته. لو لا الفلسفة لظل العلم في بدائيته قرونا حتّى يصل إلى ما هو عليه اليوم. إن فضل الفلسفة على العلم لا يقف عند حدّ تجسيد بدايته، بل تتعدّي إلى تخليصه من غموضه.
    ب-العلم بدون ابستيمولوجيا غامض
    معروف أن العالم يعبّر عن القوانين العلمية بلغة رياضية، ولا تعني دراسة الفيلسوف للعلم معناه التدخّل في العمل العلمي للعلماء. إن مناقشة الفيلسوف للعالم تختلف عن مناقشة العالم للعالم. لا يهتمّ العالم إلا بمدى تطابق علمه مع الطبيعة وهو معنى الموضوعية، بينما لا يهتمّ الفيلسوف إلا بعلاقة العلم بالإنسان من الناحية الإبستيمولوجية والأخلاقية وغير ذلك. يبحث الفيلسوف في مدى تدخّل الإنسان في بناء العلم، أو بتعبير آخر يبحث في أنسنة العلم. وبذلك ينزع عنه الغموض ويقرّبه من الإنسان. بتدخّل الفيلسوف تُلغى تلك النزعة التسلّطية للعلم. تعتبر نظرية المعرفة عند كانط نموذجا لأنسة العلم. هدف الفيلسوف هو البحث في كيفية جعل الإنسان مشاركا في وضع الحقيقة. تكشف المثالية والإسمية عن الدور الفعّال الذي يقوم به الفكر في بناء المعرفة. بأنسنة العلوم تنتفي تلك الغربة أو القطيعة بينه وبينها أو ما سمّاه اينشتاين الغموض. نزع الغموض عن العلوم بأنسنتها يكشف عن طبيعة تناول الفيلسوف للعلوم والذي يمكن حصره في لفظتيْ: التأويــل والتوظيف.
    II-الإبستيمولوجي يوظّف العلم في خدمة نسقه الفلسفي
    1ـ منطلق الفلسفة هو المعاناة النفسية

    قلنا سابقا إن الابستيمولوجي يجب أن يكون مطّلعا على علوم عصره. وهذه العلوم إن كانت بالنسبة للبعض وخاصّة العلماء منهم قوانين وحقائق، فإنّها بالنسبة للإبستيمولوجى تطرح ظلالا وإشكاليات وتولّد الشك والدهشة والنقد. فمنطلق الفلسفة عند أرسطو هو الدهشة وعند ديكارت هو الشك و عند هيدجر هو القلق. يتبيّن من هنا أن منطلق الفلسفة هو المعاناة النفسية. بالنظر لهذه المنطلقات يمكن القول إن الفيلسوف ينطلق من مشكل نفسي هو البحث عن معنى وجوده. ومعنى وجوده، هو ما يفهمه من المعرفة العلمية بالتساؤل عن أبعادها. إن قال كوبرنيك إن الأرض ليست مركز الكون، فإن الفيلسوف يسأل ماذا يعني ذلك؟ هل الإنسان حشرة في هذا الكون؟ ويجسّد حديث باسكال عن وضع الإنسان بين اللامتناهيين هذه الحيرة. وعندما يقول داروين إن الإنسان أصله قرد يتساءل الفيلسوف ماذا يعني ذلك؟ هل انتفت الهوّة التي بينه وبين الحيوان؟ إن الفكر الفلسفي ليس فكرا يستوعب بل فكرا يؤوّل ويناقش وينقد فهو يرفض التأطير والهيمنة الإيديولوجية والاستيعاب الأعمى. تعميق الفكر الفلسفي لوعيه بذاته وبحثه عن معنى ما يعرف لا يكون إلاّ بالسؤال. فالسؤال في حدّ ذاته له قيمة كبيرة في الفلسفة فهو تساؤل حول قيمة المعرفة التي تدّعي أنّها حقيقة وكذلك مساءلة الفكر لنفسه عمّا يفهم منها. إن جوهر الفكر الفلسفي هو أنّه فكر نقدي، فكر يتحدّى. هو فكر لا ينساق بسهولة أو كما يقول ألان هو فكر يقول لا. (Alain 1868-1951).
    2- الإبستيمولوجي يستغلّ العلم ليبرّر به قناعاته
    . إن المعنى الذي يبحث عنه الفيلسوف من خلال ما يعرف ليس بحثا موضوعيا مجرّدا ومن الصعب أن نناقش نظرية علمية وننتهي إلى نفس التقييم ونستخلص نفس المعاني والسبب هو أن التأويل لا يستمدّ من النظرية ولكن من الفرد الذي يؤول بوصفه شخصية لها مواقف وتاريخ وميول. ولهذا السبب لا نجد للملحد وللمتديّن نفس الموقف من نظرية داروين. فالإلحاد والتديّن حصل بمعزل عن نظرية داروين. فما حاجة الإبستيمولوجي والفيلسوف للعلوم إذا؟ إنّه يحتاجها ليبرّر بها مواقفه وليس ليبني منها مواقفه. نادرا ما تغيّر العلوم المواقف المبدئية للمفكّرين. إن الفيلسوف يستغلّ العلوم لتبرير قناعاته الشخصية. إن مواقفه بمعزل عن العلوم لا قيمة لها لذلك يبحث لها عن سند علمي. يعتبر اينشتاين أن نجاح الفيلسوف في بناء نظريّته يتوقّف على "تأويل محتوى التفكير العلمي في ما يخدم منظومته وإبعاد كلّ ما لا يتلاءم معها". إن المنظومة الفلسفية تتشكّل ملامحها بمعزل عن العلوم ثمّ تتوجّه للعلوم ولا تأخذ من العلوم إلا ما يخدم مصلحتها. إن كان العالم ينطلق خاليا من الأحكام المسبّقة، فيستقرأ الطبيعة لكي يكشف أسرارها، فإن الفيلسوف ينطبق من معاناة ذاتية وقناعات شخصيّة ومبادئ ذاتية ليحاول بعد ذلك توظيف العلم في خدمة ذلك البرنامج الذي يستبطنه. يتعامل الفيلسوف مع العلم تعاملا مصلحيا ذاتيا. فإذا كان هذا هو تعامل الفيلسوف مع العلم، فما هو تعامل العالم مع الفلسفة؟ هل يظلّ العالم هنا موضوعيا كما هو تجاه الطبيعة؟
    III-العالم في نظر الفيلسوف انتهازي
    1-العالم مقيّد بمعطيات التجربة ويقدّم علمه على فلسفته

    رغم أن منهج الاستقراء الذي يتّبعه العالم يبقه في حدود الموضوعية فإن هذا لا يمنعه من حدس المشاكل الفلسفية التي يطرحها العلم وهو يحدسها لا بوصفه عالما ولكن بوصفه إنسانا، يبحث هو أيضا -مثل الفيلسوف- على المصالحة مع الوجود. ولكن تجاه هذه الإشكاليات يفتقر العالم للتفكير الفلسفي والجهاز اللغوي اللازم لذلك "يتقبّل بإمتنان التحليل المفهومي لنظرية المعرفة". وبذلك تفتح الفلسفة أمام العالم آفاقا جديدة وتلبّي رغبته في المعرفة الشاملة. ولكن القوانين والمعارف التي يكتسبها من دراسة الظواهر الطبيعية لا تسمح له بالانسياق وراء بناء نظرية معرفية فلسفية. بهذا الشكل يصبح عدم المام الفيلسوف الماما دقيقا بالعلوم نعمة لأنّه يستفيد من هذا الجهل فيبني منظومته بكلّ حرية. إذا العالم يستفيد من الفلسفة في الحدود التي يسمح له بها تكوينه العلمي لذلك كان العالم منتجا في حقل العلم انتهازيا في حقل الفلسفة. وهذه الإنتهازية لا تظهر فقط في استغلال الجهاز المفهومي الذي شكّله الفلاسفة بل في انتهاجه أو انضمامه بشكل قسري أو طوعي لمذاهب فلسفية قائمة رغم ما يحفّ بهذا الإنضمام من تناقض أحيانا. فالعالم واقعي مع الواقعيين، ومثالي مع المثاليين، وضعي مع الوضعيين وأفلاطوني مع الأفلاطونيين وتلك هي الإنتهازية.
    2-مظاهر الإنتهازية الفلسفية عند العالم
    أ-الواقعيـــة
    إن تفكير العالم هو تفكير واقعي. ولكن احتكاكه بالفلسفة يجعله يدرك واقعيّة تفكيره. وتعني الواقعية الإقرار بأن الظواهر التي ندركها هي ظواهر قائمة الذات خارج أذهاننا وبمعزل عن تفكيرنا. ولا يمكن للعالم أن يضع قوانين لظواهر يعتبرها مجرّد خيالات. ولذلك يزعم أنّه واقعي.
    ب-المثالية
    ولكن عندما يحلّل الفيلسوف المعرفة كما فعل كانط ويبيّن دور المقولات القبلية في المعرفة ويدرك العالم قيمة ما يقوله الفيلسوف يعلن أنّه مثالي وأن علمه ليس استخلاصا سلبيا أو حرفيا لمعطيات التجربة. تظهر الانتهازية الفلسفية عند العالم في افتقاره لمنظومة فلسفية منسجمة عكس الفيلسوف الذي يشيّد منظومة فلسفية منسجمة فيكون إمّا مثاليا أو مادّيا، متديّنا أو ملحدا، من أنصار الديمقراطية أو الدكتاتورية...
    ج-الوضعية
    وعندما يكتشف العالم أن في حكم الإسمية (nominalisme) على المفاهيم العلمية والنظريات العلمية جانبا من الصحّة، يعلن أنّه برغماتي. ترى الإسمية أن المفاهيم العلمية والنظريات العلمية هي مجرّد أدوات إجرائية (des outils opérationnels) مستنبطة بشكل اتفاقي وحرّ للتعبير عن التجارب الحسّية فالعبير عن الكتلة بـ (m) وعن السرعة بـ (v) ليس أمرا مقدّسا ويمكن استبداله. المفاهيم العلمية هي وضعية وليست مكتشفة. والعالم لا يستطيع أن ينكر ذلك، لذلك يعلن أنّه وضعي.
    د-الأفلاطونية
    وعندما يدرك العالم أن موقف أفلاطون من الرياضيات من حيث هي أداة ضرورية في البحث عن الحقيقة هو موقف سليم ويدرك قيمته بالممارسة، يعلن أنّه أفلاطوني. ومعروف أن أفلاطون كان يجلّ الرّياضيات. فقد اقحمها في منهجه الجدلي كما كتب على باب الأكاديمية "من لم يكن مهندسا لا يدخل علينا".
    النــــقــــــــــــــــــــد
    نستنتج ممّا سبق أن العالم يتعامل مع المذاهب الفلسفية بانتهازية. فهو مع الواقعيين واقعي، ومع المثاليين مثالي، ومع الوضعيين وضعي ومع الأفلاطونيين أفلاطوني...
    هل هذه الانتهازية مشروعة أو مبرّرة؟ نعم إن العالم مجبر على ذلك. يتجلّى ذلك عندما نقارنه بالفيلسوف. فالفيلسوف عند وضع منظومته يراعي قناعاته ولذلك مذهبه فيه انسجام، لأنّ مذهبه ملتصق بذاته. على نقيض ذلك فإن العالم يراعي كما يقول اينشتاين "الشروط الخارجية ". وتفهم الشروط الخارجية هنا في معناها الشامل. فإن كان العالم ينتمي إلى مذاهب فلسفية متعدّدة من واقعية مثالية وغير ذلك، فذلك ما يقتضيه البحث العلمي رغم التناقض الظاهر بينها. إن العالم لا يهمّه أن يقال عنه انتهازيا طالما هذه الانتهازية مفروضة من قبل شروط خارجية تتجاوزه.
    إن انتهازية العالم التي يتحدّث عنها اينشتاين تُفهم في معنى استغلال العالم لما هو متاح له من قبل الفلسفة وما هو عاجز عن توفيره.
    خاتمـــــــــــــــــــــة
    نستخلص ممّا سبق أن العالم يغيرّ تفكير الفيلسوف ويمّده بمضمون علمي ذي قيمة من خلال بحوثه التجريبية، والفيلسوف بتحليله البحث العلمي ودراسته للمعرفة العلمية يقوم بتوعية العالم بممارسته وهذا هو معنى العلاقة التبادلية التي تحدّث عنها اينشتاين. فإذا اقتصر العالم على علمه كان عبارة عن آلة حاسبة، وإذا اقتصر الفيلسوف على فلسفته كانت آراؤه عبارة عن أضغاث أحلام.
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي

مشاركة هذه الصفحة