1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

نقوس المهدي - الحكمة في المتن الزجلي.. من خلال أربع زجليات لمحمد مومني

الموضوع في 'قراءات في الشعر' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏4/4/18.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    يعد الزجل العمود الأساس لتراث غير المادي ، وأحد روافد المأثور الشعبي الذي يعتبر الخزان الموضوعي للذاكرة الإنسانية وقوام الثقافة الشعبية ، التي يعتمد عليها في دراسة حالة و حياة الشعوب والتجمعات السكانية ، والمعبر عن سماتهم الروحية والحضارية ، وطريقة عيشهم وطرق معيشهم.. و " الزَّجَلُ : نوعٌ من الشِّعْر تغْلب عليه العاميَّة" ، بحسب قاموس المعاني ، ويعني لغة: الصوت ، لأنه يعتمد في أداته على التصويت والتطريب وهو ضرب من الشعر المحكي الذي يمتح مادته ومعجمه من الحياة والمعيش اليومي ، وينماز موازاة مع صنوه المعرب على قوة الملاحظة وسعة الخيال ، وصدق الدلالة ، ورصانة القاموس الشعبي، ومهارة اختيار الكلمات والتوصيفات والصور الشعرية المنتقاة بعناية فائقة
    والزجل لون شعري أطلقه الأندلسيون أول الأمر على أشعارهم العامية التي شاعت واشتهرت خلال القرن الثاني عشر الميلادي، خاصة على يد ابن قزمان، وانتقل إلى المغرب ، تحت اسم الملحون حيث برز فيه كبار شعراء الملحونيين الذين كانوا في غالبيتهم "صنايعية" وحرفيين تقليديين
    كما عرف هذا النوع من الشعر العامي بكل أنحاء العالم العربي تحت مسميات مختلفة ، منها الشعر النبطي بالمشرق العربي ، والزجل في لبنان والمغرب، حيث حافظ على اسمه الأصلي ، ويطلق على قائله " قوال " ، وزجال بالمغرب ويقابله " أنظام" بالأمازيغية
    وقد عرف المغرب خلال العقد الأخير انبعاث حركة شعرية ، سجلت صدور العديد من الإصدارات الزجلية، في غياب تام للمواكبة النقدية والدراسات النظرية التي تقعد لهذا اللون من الإبداع .. مقتصرة على النزر القليل مما يصدر من رسائل جامعية ودراسات اكاديمية تعد على الأصابع
    وكنموذج لهذه الازجال ، بين أيدينا بعض زجليات الشاعر محمد مومني، وهو بالمناسبة فنان عصامي يمتشق عدسته ليوقع بها قصائد بصرية غاية في الفرادة ، ويزاوج بهذا بين الفن الفوتوغرافي الذي نذر له روحه ، وسما به ، و برع فيه حيث راكم من خلاله تجربة فريدة و كبيرة، والكلمة ذات اللقطة الشاعرية المعبرة ، وهاتان سمتان أساسيتان تساهمان في ثراء المضمون و المعجم الشعريين في إبداعاته الزجلية المغايرة تماما لما نصادفه عادة لدى بعض الزجالين الذيم يتطرقون لمواضيع مستهلكة ، بحيث تمتزج لديه الرؤية البصرية بحدة البصيرة ، فيصوغ نصا متكاملا يجمع بين الحسنيين ، يمنحنا فتنة مضاعفة ، ذلك أن الفنان شاعر بالتجربة، والشاعر فنان بالفطرة قادر على إنتاج وخلق صور شعرية زاهية، صانعا لنفسه لغة أنيقة
    و تشيلنا عين الفنان وملكة الشاعر في هذه الإبداعات الأربعة - و التي اخترناها كنماذج من عدة نصوص أخرى - على صهوة الكلمة المعبرة ليسبر بنا آفاق واسعة ومجهولة بلغة رمزية مفعمة بالحكمة والمواقف الانتقادية لديستوبيا يؤثثها واقع سياسي واجتماعي واقتصادي بائس وكئيب.. و يصوغها لنا بقريحته على شكل واقع أليم، يضج بالصور الغريبة والكائنات الغرائبية ، وبالحكايات والإحداث المؤلمة ، التي تضعنا إزاء قصص شعرية تنطلق من الواقعي لترسم وقائع مؤلمة وكائنات أكثر إيلاما
    هكذا نلمس في زجلية "نوضو قيدو" قوموا لتسجلوا .. التي تتكون من خمسة مقاطع ، يستهل كل مقطع بلازمة : قيدو.. قيدو .. وسربو قيدو أي ما يعني سجلوا ... سجلوا واسرعوا لتسجلوا
    قيْدو وٌسربو قيْدو
    قيدو
    سميتو؟ سمية من السميَّات
    وعلاش اتزاد ؟ امٌّو اللِّي بْغات
    واشكون ّباه ؟ عاش وٌمات
    واش عنْدو ؟ شلَّا فتيات
    ولا طمْعوه دوك الڭَلتاتْ
    ولا ڭَدْ شي حدْ يزَيْدو

    وهي مجموعة صور شعرية مليئة بالحكمة والكلمة النابعة من الواقع ، تنبع في مجملها من واقعنا المزري، و حياتنا اليومية المعاشة بكل اصناف مكابداتها ، حيث يصور منظر أطفال غير مبالين بالحياة ، وفقيه غير صالح، وانتهازيين يتحينون الفرص، بمقابل مواطنين جادين لا يرضون بالرذيلة، متمنطقين بالجد والحزم والفضيلة ، لا تهمهم أطماع الدنيا ، ثم يخلص الى وصف الحياة المليئة بالمقالب متمنيا حياة الهناء بعيدا عن المشاكل والمفسدين

    وتتمحور قصيدة "كية السكطات" ، وتعني حرفيا "حرقة السقطات" ، وهي لامية تتركب من 12 مقطع، متفاوتة الطول متباينة الدلالة، تجمع كلها حول السقوط العربي وانهيار الأخلاق واندحار القيم وانعدام الإنسانية والروح الآدمية لدى البشر ، واستغلال الانسان لآخيه الانسان بطرق سافرة ووحشية

    الكية كية السڭطات
    اللي غيست الفرات
    وجرجفت امّيهت النيل

    وهو ليس على أية حال سقوط مفرد ، بل سقوط بصيغة الجمع ، وعثرات متعددة، منها ما كدر صفو الفرات ، ومنها ما جفف وأنضب مياء النيل ، ومنها ما يحصل بواضحة النهار ، وما يرتكب في الخفاء وتحت جنح الظلام للكناية على ضراوة وهول السقوط..

    القصيدة الرابعة بعنوان " الدنيا" و تدور حول مشاكل ومكابدات الحياة وتحولاتها ، وتتطرق الى مشاكلها واكراهاتها ومقالبها
    والقصيدة بليغة في مراميها ، مؤلفة من جملة حكم بليغة وعبر وفوائد عميقة عن أسرار الحياة والعيش ، ويرسمها مجازيا على شكل دار خربة سقفها مليء بالثقوب ، وأرضيتها مائلة ، ومن فرط انحرافها ميلانها متعبة ومملة

    الدَّنْيا خََرْبَة
    وسْقَفْها كٌلٌّو ثْقابي
    وضَصْها مْسَعْڭَب
    وٌمَن كَثرَت تْسَعْڭِيبوا
    تزْرَب يْطيحوا ِليك الرْكابي

    فيما تتألف قصيدة "عكابي لوفا" من عشرين مقطعا على شكل رباعيات، ينتهي كل منها بحرف العين، على لسان المتكلم، تتصور الحياة على شاكلة سوق ، رواده أصناف متنوعة ، من أنصاف البشر ، و تتمحور انشغالاتهم حول متاعب الحياة، التي دفع اليها الشاعر قسرا منذ نعومة أظافره لمجابهة ويلاتها ومتاعبها

    انا واحد مَنْهٌم شَــلَّا
    ادْخلت بَكري لْسوقْ الجَّملَة
    النَّاس فِينا دايْرا خَبْلة
    على طول الزمان، تجري بلا نفع
    مَلِّي خْرَجْت مَن الظَّلْمَة
    لَحْتْ وٌرَايَى ضٌرْ الزَّحْمَة
    وَانا مازالْ باقي لحْمَة
    .ْ. رْڭتْ وفقت النهارْ طلَع
    بْديت نَدرٌج عْلى ارْكابي
    جاني لَوْطى كلٌّو اعڭابي
    شويا ،عَرِّيت عْلى نْيابي
    وَبْديتْ مَنْهٌم كَنَتْصنَّع

    هذه بإجمال نماذج حية من ازجال الشاعر محمد مومني ، وهي قصص شعرية تقتنص اليومي والمعاش وتحاول الزج بنا في فضائها المفعم بالألم والمكائد والدسائس والتي صاغها بحكمة ولباقة وكياسة ودراية بدلالة الكلمة المعبرة وعمقها وقدرتها على تبليغ المعنى ، ودورها في التغيير وصياغة الرؤى الجمالية الباذخة
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  2. كل الشكر والتقدير أخي وصديقى ،الاستاذ المهدي على دقة التحليل وجمال المقاربة ...كل الود
     

مشاركة هذه الصفحة