1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

أسـسا فلسفة كانط في المعرفة

الموضوع في 'أخبار و مقالات' بواسطة حسن الولهازي, بتاريخ ‏8/2/18.

  1. أسـسا فلسفة كانط في المعرفة
    1) الأساس الأوّل: تخلّف الميتافيزيقا عن العلميّة يدفعنا لفحص أداة البحث وهي العقل

    يقول فارنند ألكيي " انطلق كانط من حدث هو التالي: الرياضيات والفيزياء تشكّلتا، الميتافيزيقا لم تتوصّل لتتشكّل كعلم". « Kant part d’un fait: Les mathématiques et la physique existent, la métaphysique n’est pas parvenue à se constituer comme science » (Fernand Alquié : La critique kantienne de la métaphysique p8)يشبّه كانط الميتافيزيقا بساحة منافسة استغرقت زمنا ومع ذلك لم يفز أحد بقصب السباق. في مجال الميتافيزيقا تتكدّس النظريات وتغيب الحقيقة. على نقيض ذلك خطت الرّياضيات منذ اقليدس خطوات هامّة نحو العلمية، أمّا المنطق فقد توضّحت معالمه مع أرسطو. وفي العصر الحديث خطى علم الفلك مع كوبرنيك وكبلر وكذلك الفيزياء مع قاليلاي ونيوتن خطوات هامّة نحو العلمية. فلماذا ظلّت الميتافيزيقا في هذا الوضع المتردّي؟ هذه "المعرفة التي على العقل، من ثمّ، أن يكون تلميذ نفسه، فلم يحالفها الحظ، حتّى الآن، كي تتمكّن من انتهاج درب العلم الآمنة، مع أنّها أقدم من أي معرفة عقلية أخرى"(وهبة ص33). (2) « cette connaissance n’a pas encore été assez favorisée du sort pour pouvoir entrer dans le sûr chemin de la science et pourtant elle est plus veille que toutes les autres » (Barni p40).إن هذا الوضع المتردّي يدفع بأي فيلسوف يروم حلّ القضايا الميتافيزيقية إلى الشعور بالإحباط. فهل سيأتي وهو الأخير بما لم يستطعه الأوائل؟ هل سيكون هو أفضل ممن سبقوه؟ لماذا لم تحلّ القضايا الميتافيزيقية إلى حدّ الآن؟ لماذا لم يحصل اتفاق بين الفلاسفة كذلك الاتفاق الذي نجده بين العلماء؟ أين يكمن المشكل؟ ما جدوى مواصلة النظر في القضايا الميتافيزيقية؟ يحلم كانط بمنهج شبيه بمنهج العلوم.عوضا عن عدم الاستقرار اللامتناهي للآراء وللطوائف المدرسية، يرى كانط أنّه لا بدّ من وجود قاعدة ثابتة لنمط المعرفة تجمع المفكّرين. فبهذه الطريقة ألغى منهج نيوتن في علوم الطبيعة فوضى الافتراضات الفيزيائية في تمشّ سليم.
    يبدو أن الوضع يتطلّب ثورة كوبرنيكية في الفلسفة. فمثلما أن كوبرنيك عكس التصوّر العادي فمن الاعتقاد أن الشمس تدور حول الأرض إلى أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، فلماذا عوض النظر في القضايا الميتافيزيقية، لا ننظر في الأداة التي ننظر بها في القضايا الميتافيزيقية أي العقل؟ لماذا لا يكون المشكل في الأداة التي ننظر بها في هذه القضايا؟ هل العقل أداة صالحة للنظر في القضايا الميتافيزيقية؟ أليس الأولى بالبحث هو العقل البشري للوقوف على إمكانياته وطاقتَه من حيث المجال الذي يمكنه أن يخوض فيه والمجال الذي لا يستطيع أن يصل فيه إلى نتيجة هامّة ويقينية؟ فقد يكون التناول النقدي للعقل هو الوحيد الكفيل بتجنّب الفلسفة الخصومات الميتافيزيقية التي لا طائل منها. فوضع الميتافيزيقيا المتردّي إذا هو الأساس الأوّل الذي دفع كانط لنقد العقل بمعنى تحليله. أما الكيفية التي سينقد بها كانط العقل فيبيّنها كالتالي: يقول كانط في "مقدّمة الطبعة الأولى لنقد العقل الخالص ص31 "إلاّ أنّي أفهم بذلك نقدا، لا للكتب والسساتيم بل، لقدرة العقل بعامّة" (وهبة ص26) « Je n’entends point par là une critique des livres et des systèmes, mais celle du pouvoir de la raison en général ».(Barni p31)
    2) الأساس الثاني: البعد النظري في العلم أو التجريد، يدفعنا لتحليل المعرفة العلمية
    أـ النقدية أمام الريبية والدغمائية
    ترى الريبية (scepticisme) أنّه يستحيل علينا معرفة العالم الموضوعي. فبالنسبة إليها، العقل الذي يتبجّح بقدرته على معرفة المطلق هو في الواقع ينسج أوهاما. فدفيد هيوم (1711/1776) بنقده لمبدأ السببيّة أراد أن يظهر للعقل أنّه يقع في الخطإ عندما يتبنّى بدون حجج السببيّة كمبدإ.
    على نقيض الريبية تعتبر الدغمائية أو الوثوقية (dogmatisme) أنه في إمكان الإنسان معرفة ما يتجاوز التجربة بالعقل. فالعقل هو الذي ينقد ويعدّل ويغيّر وليس هناك ما يمكن أن ينقض أحكامه فهو السلطة العليا.
    يعتبر امانوال كانط (1724/1804) ريبية هيوم الخطوة الأولى في فلسفته النقدية. وأعجب بنقد هيوم للسببيّة أيّما اعجاب لدرجة أنّه قال "اعترف بصراحة أن تنبيه دافيد هيوم هو الذي قطع عنّي منذ سنوات سباتي الدغمائي وأعطى لبحوثي في الفلسفة النظرية وجهة أخرى" (مقدّمات لفلسفة مستقبلية). «Je l’avoue franchement ce fut l’avertissement de David Hume qui interrompit d’abord voilà bien des années, mon sommeil dogmatique et qui donna à mes recherches en philosophie spéculative une tout autre direction ». (Prolégomènes à toute métaphysique future) ما استفاده كانط من هيوم، هو أن العلم بالفعل يتجاوز التجربة، فيه بعد روحي غير مستمدّ من التجربة ويتجلّى في المبادئ والقوانين. ولكن هل هذا التجاوز هو علامة ايجابية أم هي سلبية كما نظر إليها هيوم؟ هل نلغي العلم المجردّ ونجعل معرفتنا مجرّد تسجيل لإحساسات. هل نلجم العقل عن إصدار الأحكام كما تدعو لذلك الريبية؟ رغم وجاهة النقد الذي وجّهته الريبية للعقل وللنزعة التجريدية في العلم فإنّها لم تثني العقل عمّا يعتبره حقّه وهو إصدار الأحكام. هل نترك العقل يحكم كما يحلو له ونقول مع الريبية بأن ما يصدره هو مجرّد أوهام؟ الريبية اكتفت بإظهار جهلنا، لكن لم تفسّره ولم تعالجه.
    هناك مشكل بالفعل. العلم ينطلق من المادّي لكن لا يقف عنده وينتهي إلى ما هو روحي (القوانين). هناك في العلم جانب تجريبي وجانب مجرّد. العلم يتجاوز التجربة إلى القانون. المشكل الذي يطرحه كانط: كيف أمكن أن يكون هناك تجريد؟ إلى أي شيء يعود ذلك؟ تعميم علاقة ما بين نوع من الظواهر لا يعود إلى التجربة. الواقع هو مجال المعطيات وليس مجال الأحكام. فهل في هذا الانتقال خطأ؟ وإن كان مشروعا، كيف نفسّره ونبرّره؟ كيف أمكن وجود العلم؟
    ب- كيف أمكن وجود العلم؟
    بهذا السؤال سعى كانط ليضع أسس المعرفة العلمية. ولا يعني هذا التأسيس إيجادها وإنّما تأسيسها نظريا أي فلسفيا بعد وجودها. لذلك يختلف السؤال الكانطي عن السؤال الديكارتي فلأنّ الديكارتية انطلقت من الشك فإنّ السؤال الذي تطرحه هو: هل العلم ممكن؟ من هنا كان مشروع ديكارت تأسيسي فعلي. وعندما تخلّص ديكارت من الشكّ أظهر دور العقل في بناء المعرفة بل هو نفسه كان عالما. أمّا السؤال الكانطي فهو كيف أمكن وجود العلم؟ فالصياغة الأولى تفترض أن لا وجود لعلم بينما تقرّ الثانية بأنّه واقعة قائمة بذاتها.
    انطلق ديكارت يائسا من علوم عصره، واعتبر مهمّته تتمثّل في إنشاء العلم الحديث. لهذا كانت الديكارتية عقلانية في توسّع، في حين انطلق كانط مؤمنا بعلوم عصره، ومن ثمّ كان الشكّ فيها على غرار ما فعل هيوم لا مبرّر له. من هنا سعى كانط لفهم شروط إمكان علم موجود.
     

مشاركة هذه الصفحة