1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

الحداثة الروائية في الجزائر

الموضوع في 'مختارات' بواسطة محمد فري, بتاريخ ‏12/1/18.

  1. محمد فري

    محمد فري المدير العام طاقم الإدارة

    الحداثة الروائية في الجزائر
    منقول عن: http://www.startimes.com/


    مقدمة‏

    إذا كانت ريادة الرواية العربية - من نهاية القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين - قد ابتدأت مقلدة هذه اللحظة أو تلك من التراث الأدبي العربي أو من الرواية الغربية، فقد كان ذلك التقليد أيضاً تجريباً لشكل مختلف من الكتابة، بمستويات مختلفة، وإلى أمداء متفاوتة في تواضعها، أي إنه كان حداثة أيضاً، وبما هو عليه من تقليد. ولئن تمفصل تاريخ الرواية العربية من بعد، وطوال قرن مضى، على اللحظة التقليدية واللحظة الحداثية، فقد وسم التجريب اللحظتين معاً، وهذا من بين ما يفسر عدم استقرار اللحظة التقليدية على الرغم من استمرارها. أما اللحظة الحداثية فقد قامت وتأزمت، بالتجريب. وبالتجريب يبدو أن الحداثة الروائية العربية تمضي في منعطف جديد يتجاوز تينك اللحظتين بقدر ما يستثمرهما(1). وهنا، كما في اللحظة الحداثية، ما فتئ النقاد والكتاب يصدحون بحداء التجريب الذي يستعصي على حد جامع مانع- كما ترى هناء عبد الفتاح، فمثل هذا التحديد للتجريب يعني نهايته(2)- وإذا كان ناقد مثل جابر عصفور يُلْمع للتو بالسمات الفذة والآفاق غير المحدودة للتجريب(3)، فإن ناقداً وروائياً مثل أحمد المديني كان قد قرر قبل عقدين أنَّ "التجريب المستمر هو ما يهب الكتابة شرعيتها وتبريرها"(4). وقد بكر عز الدين المدني قبل ذلك بعقد آخر إلى قدر من التفصيل، فرهن التجريب للبحث، ولم يقصره على الشكل(5).‏

    آنئذ، وفيما كان الحداثي الروائي يغذ الخطى على يد وليد إخلاصي وصنع الله إبراهيم وإدوار الخراط وإميل حبيبي... كانت الرواية في الجزائر تدشّن انطلاقتها على يد شيخيها: عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطّار. وسرعان ما سيغذ تجريبها الروائي الخطى أيضاً، وهو ما سيكون مدار القول، بعد أن ننوه إلى ما عناه ويعنيه الحداثي بعامة، وبصدد الرواية في الجزائر بخاصة، من موقف نقدي من راهن الكتابة ومن الكتابة، ينطوي على ما ينطوي عليه من تصور وفهم يتصلان بالمستقبل أيضاً. ولعل من المفيد هنا أن نستعيد قول الطاهر وطار: "وإذا سألنا ما هي الصلة بين اللامعقول والواقع، فإن الجواب مفجع. أنا أقول: إنهما على صلة حميمة، حيث إن واقعنا في العالم الثالث واقع لا معقول. وإلا ما معنى أن نسمع مثلاً أن رابطة من الضباط في بلد عربي تحرق ملايين الكتب، لتضع كتيباً صغيراً لا معنى لـه بديلاً لكل المعاني؟ هذا الواقع كنا نقرؤه في الميثولوجيات الرومانية والإغريقية. كنا نعرفه عن كاليغولا أو قاراقوش أو غيرهم. وها نحن نعيش ذلك اليوم في القرن العشرين، فبأي شيء أعبر عن اللامعقول إذا لم أوظف اللامعقول نفسه؟"(6). فهل تكون مرجعية الحداثي الروائي إذن فيما عصف بالجزائر منذ الثورة التي جاءت بالاستقلال، إلى الثورة الزراعية والتسيير الاشتراكي في سبعينيات القرن الماضي، إلى هبات 1988 وما أفضت إليه من بحر الدم في العقد التالي؟ أم إن التجريب كان فقط صدى أو تفاعلاً مع المشهد الروائي والنقدي العربي والعالمي، وسعياً - بالتالي- من الكاتب إلى تطوير كتابته؟‏

    1-عبد الحميد بن هدوقة:‏

    فلنبدأ من حيث لا يُتوقع أن يبدأ الحديث عن الحداثة في الرواية في الجزائر، من عبد الحميد بن هدوقة الذي أسرع يجرب تطعيم أو تلوين الإهاب التقليدي لروايته (ريح الجنوب)(7) وروايته (نهاية الأمس)(8)، متابعاً إخلاصه لذلك الإهاب، مما تعبر عنه روايته الثالثة (باب الصبح)(9)، حيث جرب الكاتب استثمار الحوار بخاصة، وجعله حاملها الأكبر في تعبيرها العام عن المسافة بين الجيل الشاب وجيل الشيوخ من رجال الدين، وكذلك في التعبير عن الطارئ في أمر المرأة. وإذا كان بن هدوقة قد دفع أبعد في هذه الرواية بعناصر المخيال الإسلامي التي تلامحت في روايته الأولى (النار- الجنة- النشر- البرزخ - القبر..)، وأطلق سخرية الشباب الناقدة من خطاب المشائخ عن تلك العناصر، فإن التعبير الطارئ عن أمر المرأة قد دفع برواية (بان الصبح) أبعد عن سابقتيها، وإن يكن الكاتب قد ظل يبدأ جملته بأدوات التوكيد (إنّ..)، كما ظلت الجملة تفتقر إلى ألفاظ الاحتمال، لتتواصل يقينية السارد في الرواية التقليدية. إلا أن الطالبة دليلة وسواها من الجيل الجديد الشاب، ستخلخل الإهاب التقليدي للرواية على نحوٍ أو آخر، ابتداءً من اغتصاب دليلة، أو من حمام النسوان والسحاقية، وصولاً إلى خروج دليلة في نهاية الرواية من قمقم البيت إلى الفضاء الأرحب الأعقد.‏

    أما خطوة بن هدوقة التالية، فلعلها الأهم، إذ جرب في رواية (الجازية والدرويش)(10) استثمار الأسطرة والمخيلة الشعبية في بناء يسعى إلى مغادرة خطية البناء الروائي التقليدي. هكذا استحضر من التراث السردي الشعبي صدى الجازية في تغريبة بني هلال، وعجن الجازية الروائية من الفتنة نفسها ومن الذكاء والحزم والغموض والزئبقية، وأطلقها في فضاء قرية (السبعة) بين عشاقها: ابن الشامبيك الذي يدرس في أمريكا، عايد العائد من هجرته، الطيب بن الجبايلي، الطالب صاحب الحلم الأحمر والقادم من المدينة مع الطلبة المتطوعين... ونحن إذن في لجة ما طرأ في الجزائر المستقلة، عبر قصتين وزمنين يهندسهما التناوب المنتظم في ثمانية فصول: أربعة منها للجبايلي السجين الذي قتل الطالب المتطوع، وأربعة للحياة اليومية في قرية السبعة، وكل ذلك تمحوره الجازية.‏

    بهذه الشخصية، وبهذا البناء، وبخصوصية لغة الدراويش- التحاور الرمزي- وبالمشهدية المترجحة مع الأسطرة - حفل الزردة ورقصة الجازية مع الطالب المتطوع - عبرت الرواية عن تجريب بن هدوقة لتطعيم وتلوين الإهاب الروائي التقليدي، فيما ظل السارد التقليدي ينتأ، كأن يرصد أصداء حفل الزردة بقولـه: "هذه هي التعاليق التي أخذت تنطلق من الأفواه" وسوى ذلك كثير. ولئن كانت تجريبية بن هدوقة عبر ذلك قد ظلت متواضعة وخجولة، فلعلها قد ساعدت على أن تأتي رواية (الجازية والدرويش) امتيازاً كبيراً لكاتبها.‏

    وتتواتر في الرواية الجزائرية محاولات مماثلة شتى، كما في روايتي محمد العالي عرعار (البحث عن الوجه الآخر)(11) و(زمن القلب)(12) حيث جرب من مفردات الحداثة الروائية استثمار الحلم، مما لوّن اللغة وخلخل المنطق التقليدي الصارم في لحظات محدودة من الروايتين. وقد ساعد على ذلك في الرواية الأولى الوشاح الصوفي بين الراوي - بضمير المتكلم - وصاحبة اليد البيضاء، كما ساعد عليه التخييل في الرواية الثانية (الطبيب الذي يخترق البحر إلى عالم العرائس، حيث الكاهنة).‏

    بمثل هذا التواضع في تلوين وتطعيم الإهاب الروائي التقليدي جرب أيضاً عبد الملك مرتاض استثمار ضمير المخاطب في رواية (صوت الكهف)(13) وجرب مرزاق بقطاش في روايته (عزوز الكابران)(14) استثمار تقنية التجريد أو اللاتعيين، حيث يبقى المكان والبطل- معلم القرية- بلا اسم ولا تاريخ.‏

    على نحو مختلف يضاهي ما بلغه بن هدوقة في (الجازية والدرويش)، تأتي رواية الحبيب السائح (زمن النمرود)(15)، إذْ جربت استثمار التذكير والتداعي والحلم، وتطعيم الفصحى بالدارجة، والتناص مع الأغنية والمثل الشعبي، والانتقال بين الفضاءات، مما انزاح بالرواية عن النسب التقليدي إلى مدى أو آخر، على الرغم من تنضيد البناء بعامة من اللحظة التي سبقت الانتخابات البلدية- الماضي- إلى لحظة الانتخابات - الحاضر- إلى اللحظة التي تلت، كذلك على الرغم من هيمنة ضمير الغائب. وبذا تقطع السرد وتلاعبت أزمنة الثورة على الاستعمار وما طرأ في سبعينيات القرن الماضي بعد الاستقلال، حيث تطلق الرواية نقديتها في العالم الجديد: عالم الحلاليف وبني كلبون، مقابل من خيبهم الاستقلال من ذرية النمرود أو شياطين ابن باديس. ولئن كانت خلاصة ذلك تفضي إلى تبرئة الشيوعي زمن الثورة: "الشيوعي ما خان ما باع، استشهد كإخوانه المجاهدين" فإنها تطلق الصرخة النذيرة الملتاعة: "كولون نصارى خرجوا، كولون عرب دخلوا" و"الدنيا طلع لها الزبل للرأس، إما يقع التغيير وإما تخلط" (ص 22).‏

    2-الطاهر وطار:‏

    مع شيخ الرواية الجزائرية: الطاهر وطار، يستدعي الحداثي قولاً آخر. بالأحرى، مع الطاهر وطار، يغدو القول في الحداثي جدياً بما لا يقاس مع ما تقدم. فلنعد إلى ما تقدم من الطاهر وطار في استدعاء لا معقولية الواقع للامعقولية الكتابة، ولنثنّ بما صدر به روايته (تجربة في العشق)(16) حيث قال: "ومحاولة وضع قواعد لرواية جديدة، أو تقنين الكتابة بعناوين مختلفة، دعوة رجعية تقودنا، طال الزمن أو قصر، إلى المحافظة وإلى تقديس الشكل" (ص 7). وقال أيضاً معقباً على قول الياس خوري عن رواية (الحوات والقصر) بأن لهذا الكاتب طريقته الخاصة: "فأقول إنني كذلك في كل ما فعلت وما سوف أفعل، لكن ليس بمعنى التجريب المخبري، وإنما بمعنى إفساح المجال للمضمون ليتشكل، وللشكل ليتقولب مع المضمون، وليتحرر في نفس الوقت، من قالبيته" (ص 8).‏

    قبل ذلك، ومنذ روايته الأولى (اللاز)(17) كان الطاهر وطار قد جرب تكسير استقامة الزمن، معتمداً فعل التذكر والاسترجاع كعتلة روائية. فالرواية تبدأ باسترجاع الشيخ الربيع للماضي، ثم تشرع وهي تمضي من نقد تاريخ جبهة التحرير الجزائرية إلى المغيّب من هذا التاريخ، عبر ذبح الشيوعي زيدان، فتفسح لكل شخصية فصلاً أو أكثر، كي تروي حدثاً أو جزءاً من حدث، مكملة ما سبقت إليه شخصية أخرى، أو تاركة لشخصية أخرى أن تكمل، مما يعدد زوايا ووجهات النظر. ولئن تلامحت في (اللاز) كما ستتلامح في أغلب روايات الطاهر وطار، شيات تقليدية، فقد بدأ منذ (اللاز) يجرب تقنيات الحداثة الروائية المختلفة، وهو يبدع من الشخصيات الروائية التي لا تنسى: زيدان واللاز. ومن تلك التقنيات استثمار اللقطة الوامضة والمركزة ليغدو الوصف في الرواية التقليدية صورة روائية، أو استثمار سجلات الكلام لتغدو اللغة الروائية التقليدية الواحدة لغات تتفاعل فيها العامية والسياسي والتراثي والكابوسي. وسيتابع الكاتب ذلك في الجزء الثاني من روايته الأولى (العشق والموت في الزمن الحراشي)(18)، وهو يرسم مآل الثورة بعد الاستقلال، عبر الاصطفاف بين الحركة الطلابية (الشيوعية جميلة واليسارية المتطرفة ثريا..) وبين من يتوسلون الدين ليجهضوا الثورة الزراعية ويجهزوا على التحول الاشتراكي.‏

    لقد تابع اللاز حضوره في الجزء الثاني، ولكن الكاتب مضى في هذا الحضور يجرب استثمار الأسطوري في الروائي، فإذا باللقيط يصبح ولياً. وفي هذا الجزء أيضاً جاء الكاتب بالشخصية التي ستوالي ظهورها في روايات غالب هلسا والغيطاني والقعيد وسواهما، أعني حضور الكاتب نفسه كشخصية روائية. وكان الطاهر وطار قد جرب هذه التقنية من قبل، في روايته (عرس بغل)(19)، وحيث جرب أيضاً استثمار التراث السردي عبر شخصية الحاج كيان، وما يمور فيها من حمدان قرمط وزكرويه بن مهرويه وعبدان والمتنبي وسيف الدولة وأخته خولة... كما جرب الكاتب استثمار الفانتازيا الصوفية عبر زيارات الحاج كيان للمقبرة، وجرب ملاعبة الضمائر عبر تقلب الحاج كيان، ليس فقط في ماخور العنابية والهزيين والوهرانية وزمردة وحياة النفوس.. بل في ماخور الحياة خارج ذلك الماخور.‏

    أما رواية وطار الثانية (الزلزال)(20) فلعلها المجلى الأكبر للحداثة في تجربة هذا الكاتب. فإذا كنّا - من جديد - سنقع على التقليدي في البطل الروائي (عبد الحميد بو الأرواح) وفي النسق الهرمي، فإن لمعمارية الرواية شأناً آخر، إذ جرب الكاتب بناء الرواية على هيئة المدينة: قسنطينة، فالفضاء يشكل الرواية في سبعة فصول تتعنون بأسماء جسور المدينة السبعة (باب القنطرة - سيدي مسيد - سيدي راشد- مجاز الغنم- جسر المصعد- جسر الشياطين- جسر الهواء)، فضلاً عن الصخرة وعن الوادي الذي يقسم المدينة.‏

    تشتغل رواية (الزلزال) على ما استأثر بروايات الكاتب وبالرواية في الجزائر بعامة - بعد الثورة التي جاءت بالاستقلال- حتى يأتي العقد الماضي ببحر الدم، فيكون للرواية شاغل أكبر جديد. ونحن في (الزلزال) إذن أمام البطل العاقر الذي يقارف الثورة الزراعية ويتوسل الدين، وأمام المتدين الذي يصير شيوعياً بعدما رأى ما حل بالعمال في عهد الاستقلال (عيسى بو الأرواح). ولذلك وسواه يجرب الكاتب الحوار المسرحي، والتناص مع النص القرآني والخلدوني... لتجأر النقدية، ليس في الفضاء الجزائري وحده، بل في الفضاء العربي أيضاً، ونقرأ مثل هذه الأهجيات لزماننا: "لست أدري ما الفرق بين إسرائيل وبين كثير من الدول العربية. إسرائيل رأسمالية، معظم الدول العربية رأسمالية. إسرائيل عميلة للأمريكيين، معظم الحكام العرب عملاء للأمريكان. إسرائيل تقتل الفلسطينيين، معظم الحكومات العربية ضد الفلسطينيين." (ص 164). كذلك: "نحن هنا عرب لا ننتمي إلى عرب... بايعنا أبا بكر في السقيفة، ثم رحنا نهمس في آذان علي وأنصاره. بايعنا عمر وقتلنا عمر. نصّبنا عثمان وقتلنا عثمان. بايعنا علياً مليون مرة وقتلناه مليون مرة. نمدح معاوية ونذمه. نقيم المذاهب ونحطّمها. ننطلق من السنة وننتهي إلى البدعة".‏

    مما تقدم ستستأثر عناصر بعينها في روايات الكاتب التالية، وبالطبع سينضاف إليها ما ينضاف، وسيتفاوت فعلها. هكذا تمضي رواية (الحوات والقصر)(21) في تجريد الفضاء، ليغدو سلطنة وغابة للوعول ووادياً للأبكار وسبع قرى بمسميات تليق بالغرائبي والعجائبي (التحفظ- الحظة- التصوف...). وهذا الغرائبي والعجائبي هو العنصر الذي سيجرب وطار استثماره من عناصر التراث السردي الشعبي والأدب الديني الشعبي، فتتوالد الحكايات وتتفجر المخيلة لتصنع من علي الحوات "ولياً من أولياء الله، بل رسولاً من رسله، بل إلهاً من الآلهة" (ص 66). وفي هذه الرواية يجرب الكاتب أيضاً استثمار الخيال العلمي في معمارية قرية الأعداء- مدينة الأباة، وفي إنجاز الحاسة السابعة عشرة (حاسة التزود الذاتي التي تغني الإنسان عن كل شيء) وفي العقار الذي يخترعه حكيم قرية الحظة، ليصير به الذكر خصياً دون ألم، ولتشربه الأنثى فتهتاج.‏

    مع بحر الدم الجزائري في العقد الماضي، تتراخى تجريبية الطاهر وطار، وتتمحور الحداثة الروائية بخاصة على العنصر التراثي، ومنه بخاصة الصوفي. وهنا تبدو رواية (تجربة في العشق) علامة أخيرة يفتقد بعدها (جنون) الكتابة التي فرضها مجنون الرواية، كما يقول الكاتب في تقديمه لها، وكما سيجسد بناء الرواية في لوحات لا تأبه بنظام، ولا توفر نقديتها الجزائر ولا العروبة ولا فلسطين ولا الإسلاميين، ضاربة السخرية بالكوبسة بالجملة اللاهثة القصيرة بدفقات التداعي السردية بالأغنية... ويذهب بعضهم إلى أن ذلك التراخي يتأسس في تراخي النقدية الذي وسم روايتي (الشمعة والدهاليز)(22) و(الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي)(23). ففي الرواية الأولى، وحيث تتلون اللغة كما يليق بكاتب متمرس، بين الشاعر المثقف، ومهندس النفط: القيادي الإسلامي، يبدأ ما سينعته فاروق عبد القادر بالمراوغة الفكرية التي وسمت الرواية التالية، لأن الكاتب لا يقطع شعرة معاوية مع التيار المتلفع بالإسلام، فيما هو يخص بعضه بنقدات، ويسلق النظام بنقدات، كما فعل بشير مفتي في رواية (المراسيم والجنائز). وقد يكون في بحر الدم الجزائري ما يفسر استعادة الطاهر وطار للعنصر الصوفي من رواية (الحوات والقصر)، وما في هذا العنصر من الغرائبي والعجائبي، وما يتصل منه بالتراث السردي الشعبي وبالأدب الديني الشعبي، وذلك في رواية (الولي الطاهر...)، التي وصفها فاروق عبد القادر بالشطحة، ورأى شكلها مراوغاً أنتجته المراوغة الفكرية(24).‏

    لقد ابتدأ الطاهر وطار من حروب الردة فيما صدّر به الرواية، ومضى ببطله الولي- وما يستدعيه رغم التخييل من السيرية - من صحبة خالد بن الوليد إلى الحرب في الأصقاع المعاصرة: أفغانستان والقاهرة والأقصر... وصولاً إلى حي الرايس في الجزائر، وكان التقمص والتوحد عتلة الرواية، يصنع شخصياتها وأحداثها، وليس فقط الولي الذي تتوجه أخيراً رشاشته ونقداته إلى القتلة، فهل يكفي ذلك كيما تُنقض دعوى المراوغة، مقابل مقام عباد الرحمن- مثلاً- ومن أقامه من الهاربين بدين الله إلى إنشاء الأمة المحصنة؟‏

    3-رشيد بوجدرة:‏

    منذ رواية رشيد بوجدرة الأولى بالعربية (التفكك)(25) يدفع الحداثي بالوثيقة وهي تشتغل على التاريخ - الثورة التي جاءت بالاستقلال. فمن المرجعية التاريخية للطاهر الغمري تطلع الشخصية الروائية محتفظة باسمها، ولكن لتكتب التاريخ المضاد للتاريخ الرسمي، كما فعل الطاهر وطار وكما سيفعل واسيني الأعرج. فبحسب روايات أولاء- ولا ننسَ الحبيب السائح أيضاً- فقد تجنى التاريخ الرسمي على الشيوعيين الجزائريين زمن الثورة. والتاريخ هو- كما نقرأ في (التفكك): "هذه الجزئيات البسيطة التافهة، ففيها يكمن الصدق التاريخي، ومنها يمكن أن تصنع مادته". ولقد غدا التاريخ بالنسبة للطاهر الغمري فاسداً بفعل ما طرأ بعد الاستقلال. وستقدح سالمة ذاكرة الطاهر الغمري ليتولى فعل الذاكرة تشغيل الزمن الأول - الماضي في الرواية عبر شخصيات الشهداء: بوعلي طالب والدكتور كينون وبودربالة الملقب بالألماني وأحمد أنيال. ومثل هذا الأمر نقع عليه في رواية (العشق والموت في الزمن الحراشي) للطاهر وطار، عبر قدح جميلة لذاكرة الشباح الملكي. وقد يلفت فعل الجنس فيما بين رواية وطار (اللاز) ورواية بوجدرة (التفكك). لكن هذا الأمر ليس وقفاً على تينك الروايتين، إذ يندر حضور الفعل الجنسي خارج الاغتصاب أو الشذوذ أو البغاء في أغلب الروايات الجزائرية. والمهم هنا هو ما يؤهب به ذلك إلى تفجير المنظومات المقدسة: منظومة الأعراف والأخلاق، كذلك المنظومة الروائية التقليدية، وهذا ما يبدو صارخاً في روايات رشيد بوجدرة، موفراً لها مستوى لغوياً خاصاً يمكن نعته بمستوى الحرام الجنسي، والذي ليس غير واحد من مستويات الحرام الأخرى التي يمعن الكاتب في تفجيرها اللغوي والقيمي، ابتداءً بالسياسة، وليس انتهاءً بالحاجات الجسدية الغذائية.‏

    على أن الحداثي في رواية (التفكك)، كما في رواية (ليليات امرأة آرق)(26) أو في رواية (معركة الزقاق)(27) أو في رواية (فوضى الأشياء)(28) يمضي في انتهاك المقدس الفني، فيلاعب حد التفاصح المعجمية اللغوية، ويشعّب السرد حد التتويه، كما عبر الحبيب السائح بصدد رواية (معركة الزقاق) إذ عدّها "معركة التتويه ضد المتاهة"(29)، ولعل هذا التعبير يصدق في روايات بوجدرة جميعاً. ففي (التفكك) يتوزع البناء على أحد عشر فصلاً بلا ترقيم وبلا عنونة، ويمكن إعادة ترتيبها على غير النحو الذي جاءت به، كما هو الأمر في فصول رواية الطاهر وطار (تجربة في العشق) الثمانية عشرة، على الرغم من عنونتها. وفي رواية (التفكك) يجرب الكاتب استثمار الفن التشكيلي (الصورة التي تضج بالألوان وتعنى بالهندسة) ويمعن في تجريب استثمار لعبة الضمائر وتقنية التداعي وتوليد القصص، ويكثر من الأقواس والتكرار. أما في (معركة الزقاق) فيتركز الحداثي على استثمار تقنية التداعي (ذاكرة طارق) وتقنية الوصف، حيث تقابل المنمنمة هنا الصورة في (التفكك)، وتشتبك اللقطات القريبة والبعيدة والمتعددة بتعدد الزوايا، بتداعيات طارق التي تقلبه على نار الحرام. فمن صفعة الأم إلى صفعة الأب إلى دم النجاسة على خرقة الأم (دم الدورة الشهرية) يتشكل السؤال اللائب الذي سيُحل أستاذ التاريخ بن عاشور محل الأب. وليس ببعيد عن هذا الحفر في الحرام ما للطبيبة في الأمراض التناسلية التي تمحور رواية (ليليات امرأة آرق) سواء فيما يتصل بجسدها أم فيما يتصل بالدين، وهي التي يزعجها المؤذن كما يزعج المجنون في فصل (الكابوس) من رواية الطاهر وطار (تجربة في العشق).‏

    4-جيلالي خلاص:‏

    قريباً من هذا التجريب حد التتويه، تبدو روايتا جيلالي خلاص (رائحة الكلب)(30) و(حمائم الشفق)(31). ففي الرواية الأولى تتعنون فصول الرواية بالكلمة الأولى من كل منها، ويتشعب السرد وتتوالد القصص ويشتبك الزمن كأنما يروم أن يكون من تلك الزئبقية التي تشكل بها في رواية (التفكك). ومثل التيه في الرائحة (رائحة الكلب راكس أم الكلب طيو أم رائحة الكلس أم رائحة التراب أم رائحة الزيتون أم رائحة فاطمة الزهراء...) هو التيه فيما بين الطفولة القروية والحاضر المديني لذلك الكاتب العمومي الذي يروي ويتوسل أفعال التذكر والكوبسة والحلم والرسالة والحكاية الشعبية. وتنفتح الأقواس لتنقض السرد أو تسيل به إلى ذكرى، فيطول الاعتراض بين القوسين أو يقصر، ويندر الحوار، ويضارع وصف الفعل الجنسي أفلام البورنو.‏

    وفي نهاية الرواية تجتمع الأشتات التي بثها الروائي حول ما سبق لـه أن كتب، فإذا بشبهة السيرية تكبر إذ نقرأ: "الليلة شرعت في تحبير تلك الرواية التي طالما حدثتكم عنها، وقرأت لكم بعض فصولها الوهمية، أو رأيتموني أعيشها بكل شغف" (ص 119) أو نقرأ: "والواقع أن كل ما عشته وفكرت فيه كان روافد ظلت تسيل وتسيل" (ص 119). وإذا كان هذا التساؤل "وهل تلك الرواية إلا حياتي" (ص 120) يجلو شبهة السيرية، فالأمر كله يظل يترجح بين تقنية حضور الكاتب في الرواية وبين السيري.‏

    في الرواية التالية (حمائم الشفق) يجرب الكاتب استثمار تقنية التجريد، فلا يعين المدينة التي يكتب تاريخها خلال خمسة قرون. وفي تشييد المدينة يجرب الكاتب استثمار تقنية الأسطرة، فتأتي المدينة شبه أسطورية بمعماريتها الغرائبية وعشق الراوي لها حد الصوفية. ويتابع الكاتب في هذه الرواية تجريب الاستغناء عن الحوار، مضيفاً الاستغناء عن التداعيات، تاركاً للسرد أن يروي تاريخ المدينة بتعقيد اقل مما سبق في (رائحة الكلب). ولعل غاية ما حقق التجريب في (حمائم الشفق) قد جاء في اللغة أولاً، وحيث مستويات الدارجة والحكاية ولغة الأغنية العربية الفصحى والأغنية الشعبية والأغنية الأجنبية... وثانياً عبر شخصية الفنان التشكيلي الساهي الذي تغضب لوحاته سلطة المشيخة، فتأمر السلطة بخطفه وبتجنين رفيقته جميلة ابنة (أبو جبل) المناضل زمن الثورة.‏

    5-واسيني الأعرج:‏

    بعيداً عن حد التتويه، ولكن بمضارعة في المغامرة، يأتي الحداثي في رواية الزاوي أمين (صهيل الجسد)(32) إذ تنقض الحرام الديني، والحرام اللغوي بخاصة من بين مفردات الحرام الفني. وعلى هذا النحو يأتي أيضاً الحداثي في روايات واسيني الأعرج كسمة أولى لمغامرته الحداثية.‏

    ها هنا نبدأ بالتذكير بما تقدم في التاريخ- الثورة التي جاءت بالاستقلال، في روايات الطاهر وطار ورشيد بوجدرة. ففي رواية الأعرج (ما تبقى من سيرة لخضر حمروش)(33) يشخب دم الشيوعي (لخضر) الذي نفذ الحكم بذبحه ذلك المجاهد البسيط زمن الثورة (عيسى). وعيسى يذكر زيدان والطاهر بطلي روايتي وطار وبوجدرة، فالجذر هو هو: النظر النقدي للتاريخ الرسمي، واجتراح نقيضه، عبر تحول عيسى إلى فلاح صغير يروي في الحاضر الروائي أغلب الرواية.‏

    يبدو الحداثي حيياً في هذه الرواية، سواء في ثنائية المعلم والتلميذ أو التلقائي والعقل، كما مثلها لخضر وعيسى، أو في صراع العدوين: الحاج المختار والشيخ عبد الوهاب ومدير التعاونية ورئيس البلدية وسواهم ممن يغتصبون الاستقلال، وبالمقابل: المتطوعون. لكن شخصية البغي (مريم الروخا) والفعل الجنسي الشاذ (اغتصاب المختار لزوجة عيسى أو مضاجعة الكلب الألماني- برغبة المختار- لزميلة مريم..) يطلق التجريب في بناء الشخصية وفي اللغة. وعلى أية حال يظل الأمر في هذه الرواية أدنى منه في سابقتها (نوار اللوز أو تغريبة صالح بن عامر الزوفري)(34) حيث يستثمر التناص مع تغريبة بني هلال مع كتاب المقريزي: (إغاثة الأمة بكشف الغمة) وذلك بالمفارقة عبر المعارضة التي تقول فيها سيزا القاسم: "المفارقة عبر المعارضة وسيلة من وسائل كسر تقديسه (التراث السردي- نبيل) ورفض وطأة التقاليد، ولذلك نجد في هذه المعارضة نوعاً من التحرر من وطأة هذا التراث دون إنكار ما لـه من قيمة"(35).‏

    بين مدينة أمسيردا من جزائر الاستقلال والثورة الزراعية والتحويل الاشتراكي، وبين فضاء التغريبة، تبدأ لعبة المفارقة عبر المعارضة، لتتواصل بين بني هلال وبني كلبون الذين يعنون السلطة الاستقلالية (لنتذكرْ اسمهم هذا في رواية زمن النمرود)، وهكذا يقابل صالح بن عامر السبايبي مرة أبا زيد الهلالي ومرة الحسن بن سرحان، وتقابل لونجا (حبيبة صالح الزوفري) الجازية الهلالية التي سبق أن رأينا مقابلتها للجازية الروائية عند بن هدوقة. وكل ذلك وسواه يأتي فيما بين نمط التغريبة المتعلق بجماعة، ونمط الرحلة المتعلق بفرد هو صالح الزوفري الذي تحول من مجاهد في الثورة إلى مهرب على الحدود الجزائرية المغربية يجأر: "بيار راح وموح جاء" (لنتذكرْ زمن النمرود ثانية).‏

    عبر هذا التجريب في استثمار التراث السردي يأتي التناص مع أشتات من تغريبة بني هلال، ومع اللغة الهلالية، كما يأتي تعدد الرواة في تداخل وانفصال الراوي مع صالح الزوفري، مقابل تداخل وانفصال القوال مع أبي زيد في التغريبة. ويدفع ذلك باللغة - مع المثل والأغاني واليومي- إلى تعدد المستويات.‏

    بعد قرابة العقدين سيعاود واسيني الأعرج هذا التجريب بامتياز في روايته (حارسة الظلال أو دونكيشوت في الجزائر)(36). وانشغال الكاتب بدونكيشوت قديم يعود إلى رواية (مصرع أحلام مريم الوديعة)(37). لكنه ثمة انشغال عابر، بينما هو أساسي في (حارسة الظلال...).‏

    فقد شيدت هذه الرواية من قصتين، أولاهما هي قصة الصحافي الإسباني فاسكيس سيرفانتس دالميريا الذي يفضل أن ينادى: دونكيشوت، لانتسابه إلى الكاتب الشهير ميغيل سيرفانتس الذي أبدع رواية (دونكيشوت بلامانتشا).‏

    كان رياس البحر قد أسروا ذلك الجد البعيد، فقضى في الجزائر خمس سنوات. وها هو الحفيد يتعقب آثار جده زمن إعلان الجماعات الإسلامية عزمها على قتل الأجانب. هكذا تبدأ رحلة البحث في حي شعبي وفي المتحف ومزبلة السمار العمومية. وباختطاف هذا العالم السري الذي يتضافر فيه اللصوص والقتلة والمتنفذون... للصحفي الإسباني، تبدأ قصة - حسيسن- حسان الموظف في وزارة الثقافة، والذي رافق الإسباني، فقادته الرفقة إلى عالم سري آخر في دهاليز المحققين.‏

    من نمط الرحلة إلى المذكرات إلى السرد العاري إلى الوشاح البوليسي، تعددت تقنيات الكتابة، على إيقاع بحر الدم الجزائري الذي جرّ على حسيسن قطع لسانه وعضوه، ولا ننسَ هنا أن علي الحوات في رواية الطاهر وطار (الحوات والقصر) كان قد جأر: "هكذا قطعوا لساني ثم أمروني بالكلام". لكن علي الحوات استعاد في النهاية أعضاءه المقطوعة - إذ تبدد القصر وتحقق حلم المتصوفين، والقطع لم يكتف باللسان - بينما ظل حسيسن محروماً من الكلام والإخصاب.‏

    بالعودة إلى رواية (مصرع أحلام مريم الوديعة) سنرى فيضاً من اللغة المتشعرنة قد نجا من الهدر اللغوي الذي مارسه الآخذون بهذه اللغة من الروائيين، وبخاصة من ينسب منهم إلى التجريب والحداثة. ولعل نجاة لغة رواية (مصرع أحلام...) - شأن رواية الزاوي أمين (صهيل الجسد) - قد كانت بفعل اشتغالها على التفاصيل من جهة وعلى الجسد من جهة وعلى الراوي المتلبس بالكاتب تلبّس الرواية بالسيرية، كذلك على أسطرة شخصية مريم صاحبة الوجه النبوي التي خرجت من موجة تكسرت على صخور الشط، وسقط أخوتها السبعة على مشارف البلدة في الحرب الضروس التي أكلت أحلامهم، كما نقرأ في الرواية.‏

    يظل الراوي في هذه الرواية بلا اسم، فيضيف بتجريده إلى صوت السيري في الرواية صوت السارد وصوت الجماعة، كما يأتي إلى الرواية صوت التراث السردي، وإن يكن خافتاً، إذ يُستدعى الملك خازوق من (ألف ليلة وليلة) إلى الحاضر الروائي الذي يزج بشرطي (سفيان الجزويتي) في عقل الراوي، ليراقب ما يكتب، فيمزق - الراوي- أشعاره وتشتبك فيه الأزمنة، من زمن الجد المفقود، زمن الدونكيشوت، إلى الحاضر المأزوم والفائر.‏

    لقد تركز الحداثي في هذه الرواية على اللغة بخاصة، ولذلك نقرأ: "كنت أبحث عن شيء غامض ينام بين الأبجدية العربية للكتابة". وسيغدو ذلك علامة فارقة في أغلب كتابة واسيني الأعرج وجيلالي خلاص والزاوي أمين ورشيد بوجدرة، مثلما هو الاشتغال على الجسد وعلى المثقف في الحاضر المأزوم والفائر. وسيقترن الحداثي في أغلب هذه الروايات بالنقدية والمغامرة المفتوحة. هكذا تأتي روايتا الأعرج: (ضمير الغائب أو الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر- 1998) و(رمل الماية أو فاجعة الليلة السابعة بعد الألف- 1990)، بل هكذا تبدو سيرة واسيني الأعرج منذ فاتحة أعماله حتى (سيدة المقام: مرثيات اليوم الحزين(38). ولئن كانت الفاتحة تسم بميسم البداية العناصر الأساسية في تجربة الكاتب، فرواية (سيدة المقام..) تجلو ما وصلت إليه تجربة الكاتب من الامتياز والاستواء، بعد تدرج وتفاوت من رواية إلى رواية، كما يبدو أن (سيدة المقام..) قد دفعت بمغامرة الكاتب في أفق آخر، وهو ما ستؤكده الرواية التالية (حارسة الظلال..).‏

    تتقدم رواية (سيدة المقام..) إلى الحداثي في استثمار الفنون، من لوحات محمد بن خدة إلى رقصة شهرزاد إلى باليه البربرية... ومن غناء الشيخ عبد الغفور وعبد المجيد مسعود إلى موسيقى سترافنسكي وتشايكوفسكي وكورساكوف وموزارت وبرليوز وفاغنر، إلى أجساد راقصات الباليه: إيكاترينا ماكسيموفا ومريم التي يصمها حراس النوايا (حراس الإيمان- فقهاء الظلام) بالشيوعية، ويرمون رأسها برصاصتهم في يوم الجمعة الحزينة، لتدع الراوي العاشق- الأستاذ الجامعي غارقاً في بحر الدم الجزائري ومشبوحاً بين القتلة وبين سلطة بني كلبون.‏

    في ذلك البحر يلاعب الحداثي العنصر الأثير للكاتب: التراث السردي، كما ترمز لـه ندهة شهرزاد في الرواية: اعتقني للكلام. كذلك تقوم في الرواية ملاعبة السيرية، والشعر (شخصية الشاعرة صفية كتّو) واللغة الفرنسية واللغة المثقفة في الحوارات حول الفن والموسيقى- الحضارة. ومن ذلك أيضاً ملاعبة الوثيقة والشهادة على الحاضر المأزوم الفائر الذي يعصف: من مجلة الجهاد الأفغاني إلى حلف حراس النوايا مع بني كلبون إلى من تسميهم الرواية بديمقراطيي هذا الزمن الذين يغازلون حراس النوايا ويقومون كوجه آخر لعماء السلطة.‏

    6-أحلام مستغانمي:‏

    مع التوكيد- الذي تأخر- على أن في هذا النظر في الرواية الجزائرية من القصور ما فيه، يلح على المرء، أن يمضي إلى الثنائية الروائية (ذاكرة الجسد)(39) و(فوضى الحواس)(40) لأحلام مستغانمي، لعل المآل الحداثي- بعجره وبجره- يزداد وضوحاً.‏

    لقد دفعت الكاتبة بتقنية حضور المؤلف إلى مدى أبعد، في التجريبية التي يتواتر تداول الرواية العربية لها: من غالب هلسا وعبد الحكيم قاسم إلى الطاهر وطار وحليم بركات وخليل نعيمي وكاتب هذه السطور وسواهم، وهي التي تفتح القول في الروائي السيري على أفق أرحب وأعقد.‏

    في تلك التقنية يقوم الرهان الحداثي لروايتي مستغانمي، كما لدى مواطنها بشير المفتي في روايته (المراسيم والجنائز)(41) وليس في شعرنة اللغة - بصدى نزار قباني بالنسبة لمستغانمي وبخاصة في الجزء الأول- ولا في التناص الغزير حد الإبهاظ، أو غيره من مفردات التجريب الأخرى التي اشتغلت عليها الرواية في الجزائر، وإن تكن تقنية حضور المؤلف، كما لعبتها روايتا مستغانمي، قد استدعت بعض مفردات التجريب تلك.‏

    فراوي (ذاكرة الجسد) الرسام خالد الذي بُترتْ ذراعه زمن الثورة التي جاءت بالاستقلال، يبدأ اللعب الروائي من الالتباس السيري بين اسم (حياة) كما سمى بنت صديقه وقائده في الثورة: سي الطاهر، وبين اسم (أحلام) كما سمى الأب ابنته، وهو الاسم الأول للكاتبة.‏

    بعد انقطاع تشب فيه حياة - أحلام سيلتقيها خالد ليلتبس بين الأب والعاشق. وسيتفاقم هذا الالتباس ملاعباً أفق الانتظار والغموض في (فوضى الحواس) التي سترويها حياة - أحلام بعد الزواج من ضابط فاسد. وها هنا تلاعب الكتابة التلقي وتشتبك الشخصيات والأحداث في تخييلية ماكرة بقدر ما تبدو منفلتة، فالراوية هي كاتبة أيضاً. ومن قصتها القصيرة سيخرج عبد الحق، فتخون حياة - أحلام زوجها معه، لكنها ستكتشف أن من أحبت ليس هذا الخارج من القصة، بل صديقه وصنوه الذي أخذ العسكر يده اليسرى في أحداث 1988 والذي سيودي به بحر الدم الجزائري.‏

    إنه تجريب يذكّر بالتتويه الذي ذكرنا بصدد جيلالي خلاص ورشيد بوجدرة، بالإضافة إلى مساءلة الرواية لنفسها. ففي (فوضى الحواس) نقرأ: "كيف لي بعد الآن أن أكون الراوية والروائية لقصة هي قصتي، والروائي لا يروي فقط. لا يستطيع أن يروي فقط. إنه يزوّر أيضاً، بل إنه يزور فقط، ويلبس الحقيقة ثوباً لائقاً من الكلام" (ص 95). ومنذ مطلع (فوضى الحواس) نقرأ: "لم أكن أتوقع أن تكون الرواية اغتصاباً لغوياً، يرغم فيه المؤلف أبطاله على قول ما يشاء هو" (ص 28)، كما نقرأ: "وهل الرواية سوى المسافة بين الزر الأول المفتوح وآخر زر يبقى كذلك؟" (ص 36).‏

    خاتمة:‏

    في الغلبة لما بين مناوشة الحرام الجنسي والديني والسياسي والفني، وبين تفكيك ونقض ذلك الحرام المشتبك والكثير، قادت الحداثة الروائية في الجزائر- في الغلبة أيضاً - إلى الخروج من أسر اللغة الواحدة إلى أفق التهجين والتعدد، مما ساعد على تنويع الأساليب وتحقيق درجة أعلى من الحوارية، وكل ذلك أثر في العناصر الروائية الأخرى كما أثرت هي فيه، فتعقد السرد وتصدع وتوالد، وتبدل الوصف، وتكسر الزمن، وتخلخل الميثاق السردي، وساءلت الكتابة نفسها، واشتبكت الخطابات، وسربلت العتامة إلى مدى أو آخر البنية، كما كان مع اللغة أو مع الشخصية... وليس ذلك وسواه - التداعي، تجريد المكان أو الشخصية، استثمار التراث السردي...- سوى علامات اللحظة الروائية الحداثية، كما عرفتها الرواية العربية بعامة خلال العقود الماضية. فحديث التجريب الروائي العربي يقترن بالحداثة الروائية، وإن يكن لا يوقفه عليها، لأن اللحظة التقليدية لم تفتأ تحاول بقدر متواضع أو آخر من التجريب أن تجدد نسغها، وبخاصة بفعل اللحظة الحداثية طوال العقود الأربعة المنصرمة.‏

    ولئن كان على المرء هنا أن يشدد على قِصَر اللحظة التقليدية في الرواية في الجزائر، فإن هذه الرواية قد عرفت ما عرفته الحداثة الروائية العربية بعامة من تأزم، جراء وهم اللغة الشعرية- من الشعر- أو الغموض أو التتقين بعامة. غير أن منعطفاً جديداً ابتدأ في الرواية العربية - ومنها الجزائرية - منذ حين، يروم أن يتجاوز ما أزم اللحظتين السابقتين: التقليدية والحداثية، وأن يستثمر منجزاتهما في آن، والتجريب في أس هذا المنعطف، كما هو في أس أية انعطافة في تاريخ الأدب والفن، والتي قد تكون سالبة أيضاً.‏

    الهوامش:‏

    (1)-انظر: نبيل سليمان: بمثابة البيان الروائي، فصل: لأجل منعطف روائي عربي جديد، مذكور.‏

    (2)-مجلة فصول، المجلد 14، العدد 1، القاهرة ربيع 1995.‏

    (3)-المصدر السابق.‏

    (4)-مجلة الطريق، العدد 3-4، بيروت 1981.‏

    (5)-عز الدين المدني: الأدب التجريبي، الشركة التونسية للتوزيع، ط1، تونس 1972، وبخاصة ص 130 منه.‏

    (6)-مجلة الحياة الثقافية، مذكور.‏

    (7)-الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الجزائر 1971.‏

    (8)-الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الجزائر 1975.‏

    (9)-الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الجزائر 1980.‏

    (10)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1983.‏

    (11)-الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الجزائر 1981.‏

    (12)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1986.‏

    (13)-دار الحداثة، الطبعة الأولى، بيروت 1986.‏

    (14)-لافوميك، الجزائر 1989.‏

    (15)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1985.‏

    (16)-مؤسسة عيبال، الطبعة الأولى، نيقوسيا (قبرص) 1989.‏

    (17)-الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الجزائر 1972.‏

    (18)-دار ابن رشد، الطبعة الأولى، بيروت 1980.‏

    (19)-دار ابن رشد، الطبعة الأولى، بيروت 1978.‏

    (20)-بيروت، ط1، 1974.‏

    (21)-مذكور.‏

    (22)-دار الهلال، ط2، القاهرة 1995.‏

    (23)-الجاحظية للتبيين، ط1، الجزائر 1999.‏

    (24)-وجهات نظر، أغسطس، القاهرة 2000.‏

    (25)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1982.‏

    (26)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1985.‏

    (27)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1986.‏

    (28)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1990.‏

    (29)-مجلة المساءلة، العدد الأول، الجزائر ربيع 1991.‏

    (30)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1985.‏

    (31)-المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الأولى، الجزائر 1986.‏

    (32)-دار الوثبة، الطبعة الأولى، دمشق 1983.‏

    (33)-دار الجرمق، الطبعة الأولى، دمشق 1983.‏

    (34)-دار الحداثة، الطبعة الأولى، بيروت 1983.‏

    (35)-مجلة فصول، المجلد 2، العدد 2، القاهرة 1982.‏

    (36)-دار الجمل، كولونيا (ألمانيا)، الطبعة الأولى، 2000.‏

    (37)-دار الحداثة، الطبعة الأولى، بيروت 1984.‏

    (38)-دار الجمل، الطبعة الأولى، كولونيا (ألمانيا) 1995، وانظر دراستنا لها في: الرواية والحرب، مذكور.‏

    (39)-دار الآداب، الطبعة الأولى، بيروت 1993.‏

    (40)-دار الآداب، الطبعة الأولى، بيروت 1998.‏

    (41)-منشورات رابطة الاختلاف، الجزائر 1998
    LLLLLLLLLLLLLLLLLLLLLLLL
    منقول عن: http://www.startimes.com/?t=31121977
     
    آخر تعديل: ‏13/1/18
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  2. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    في الغلبة لما بين مناوشة الحرام الجنسي والديني والسياسي والفني، وبين تفكيك ونقض ذلك الحرام المشتبك والكثير، قادت الحداثة الروائية في الجزائر- في الغلبة أيضاً - إلى الخروج من أسر اللغة الواحدة إلى أفق التهجين والتعدد، مما ساعد على تنويع الأساليب وتحقيق درجة أعلى من الحوارية، وكل ذلك أثر في العناصر الروائية الأخرى كما أثرت هي فيه، فتعقد السرد وتصدع وتوالد، وتبدل الوصف، وتكسر الزمن، وتخلخل الميثاق السردي، وساءلت الكتابة نفسها، واشتبكت الخطابات، وسربلت العتامة إلى مدى أو آخر البنية، كما كان مع اللغة أو مع الشخصية... وليس ذلك وسواه - التداعي، تجريد المكان أو الشخصية، استثمار التراث السردي...- سوى علامات اللحظة الروائية الحداثية، كما عرفتها الرواية العربية بعامة خلال العقود الماضية. فحديث التجريب الروائي العربي يقترن بالحداثة الروائية، وإن يكن لا يوقفه عليها، لأن اللحظة التقليدية لم تفتأ تحاول بقدر متواضع أو آخر من التجريب أن تجدد نسغها، وبخاصة بفعل اللحظة الحداثية طوال العقود الأربعة المنصرمة.‏
    هذه خاتمة مقالك، أستاذ محمد فري، وهي تصف بدقة خلفية ما يدعى بالحداثة وبالتجربة (وهما مفهومان يحتاجان إلى تعريف، حسب رأيي). السؤال الذي أريد طرحه هو: أليست هذه "الحداثة" وهذا "التجريب" مجرد إسقاطات أيديولوجية وهذا ما يفسر التصاقها المزمن مع السياسي ورمزيتها السطحية (سطحية لأنه من السهل فك ألغازها). كثير من الكتاب العرب لم يتجاوزوا بعد إشكالية الفن الملتزم التي ورثوها عن الواقعية الاشتراكية. والبعض يلهث وراء الموضات الأدبية معتقدا أن الشكل سيعطي العمق.
    هذا مجرد تعبير عن انطباعاتي، وربما أكون خاطئا أو مجحفا. لكن ما زاد هذا الانطباع رسوخا هو قراءتي لرواية: فرانكنشتاين في بغداد. مع العلم أن هذه الرواية أعجبتني.
    وشكرا لك على مقالك القيم هذا.
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد فري

مشاركة هذه الصفحة