1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

جمالية الكتابة في مجموعة "فقط" للمصطفى كليتي

الموضوع في 'قراءات في السرد' بواسطة عبدالرحيم التدلاوي, بتاريخ ‏5/1/18.

  1. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    جمالية الكتابة في "فقط" للمصطفى كليتي.

    استهلال لابد منه:
    سأقدم ف هذه الورقة قراءة في مجموعة "فقط" للمصطفى كليتي، مع احترازين اثنين:
    1_ أن ما كتبته قد قيل قبلا؛ مما يعني أن كلامي لن يكون سوى رجع صدى، مع ميل لرأي الدكتور يوسف حطيني.
    2_ أن معظم نصوص المجموعة قد تطرقت لموضوعات سبق تناولها من قبل؛ فمن خلال متابعاتي البسيطة، وجدت أن موضوع الحرية مثلا؛ قد أرهق؛ فالقفص والطائر حضرا بكثرة في نصوص سابقة. لذا، على النقاد أن يبذلوا جهدا مضاعفا للقيام بمسح دقيق للنصوص من أجل التعرف على المتميز منها سواء أكان سابقا أم لاحقا. وهذا يتطلب فريق بحث متكاملا.
    وعليه، ستكون قراءتي منصبة على التيمات، مع الإشارة إلى بعض الخصائص الفنية.
    لذا، وجب التنبيه.
    وتجدر الإشارة إلى أنني لست ناقدا، ولن أكونه.

    عن العنوان "فقط":
    تتكون الكلمة من ثلاثة حروف؛ وهي الفاء، والقاف، والطاء:
    فالفاء: صوت مهموس.
    والقاف: صوت مجهور، شديد مفخمم.
    والطَّاءُ: صوتٌ شديدٌ مطبق، ووصَفه القدماء بأَنه صوتٌ مَجهُور.
    ينطلق الصوت من الهمس إلى الجهر، من الضعف إلى القوة، كما لو كان قذيفة لا تسمع صوتها إلا بعد انطلاقها.
    البين أن الحرفين الأخيرين يتميزان بالقوة والشدة، وليس غريبا أن يحملا هاتين الصفتين، فكأن المبدع يصرخ بقوة للفت الانتباه إلى خاصية قصر النصوص، وتصفح سريع سيؤكد أنها، فعلا، قصيرة جدا، لا تتجاوز نصف الصفحة، وأخرى جاءت في سطر واحد، مبرهنة على أن القص الوجيز يعتمد تجويع اللفظ، وفسح المجال للمعنى.
    فقَّط الحسابَ: ختمه بكلمة (فقط) حتى لا يُزاد عليه.
    إنها بمعنى لا غير، فحسب، وتُقرَن بالعدد لئلاَّ يُزاد؛ وتقع نعتا أو حالا.
    وقد أتى العنوان بهذه الكلمة وحيدة وباللون الأحر، للدلالة على أمرين:
    كون النصوص قصيرة كالعنوان.
    ولفت الانتباه إليها، وحصر دلالتها، وإظهار صغر حجمها.
    والمثير للانتباه، أن المبدع وضع تجنيسا جديدا في غمرة المصطلحات التي ترمي إلى إبراز خصوصية جنس القصة القصيرة جدا؛ إضافة إلى رغبته في جعل المصطلح بكلمة واحدة كالعنوان، ليتماشيا وحجم النصوص؛ ذلك أن لفظة التجنيس جاءت كلمة مصغرة ل: قصة، وكل تصغير يعبر عن حجم المصغر، تحبيبا وتقريبا.
    وإذا كانت كلمة "فقط" تدل على حصر المعنى حتى لا يتم التجاوز، فإن إطار الصورة جاء ليعضد هذا البعد، واضعا بذلك سياجا يحمي من النط والقفز.
    عن اللوحة:
    قد يتعدد تأويل الصورة نظرا لخصوبتها، وفنيتها العالية، إضافة إلى أنها استلهمت عوالمها من نصوص "فقط"، واتسعت رؤيتها؛ فهناك حضور ثنائي للإنسان وعلى رأسهما طير ؛ الصورة تبرز هذا الإنسان في كامل حضوره، برأس جمع ثلاثة عناصر متداخلة ومنسجمة مع بعضها البعض: العنصران الأولان هما رأسان لرجل وامرأة، فوقهما طائر يرمز للانسجام الحاصل بينهما، ويعبر عن العلاقة الوطيدة التي تميزهما، وكأنهما لآدم وحواء، هذا الثنائي المكون للأصل، والمولد لذريته التي مازالت تحمل بصمتهما، ويتأكد عنصر الانسجام من خلال تلك الوردة الموشومة على العنق. أما العنصر الثالث، فهو للطائر المغرد بترنيمة العشق الأبدية، والجامعة بين الذكر والأنثى؛ إنهما محور المجموعة، ومدار حكيها. ؛ كما أن هناك تداخلا بين أشكال فنية مختلفة تجللها دائرة سوداء، والإطار الأبيض قد يكون من وضع الناشر، لكنه يصب في المقصد العام الذي تبناه العنوان والتجنيس، وأقصد به الاقتصاد اللغوي.
    ما يلفت الانتباه كون الصورة جاءت محاصرة بإطار، لربما حتى لا تخرج عن دائرة سلطة "فقط"، فتذهب التأويلات مذاهب شتى، لا ترضاها النصوص؛ وقد تثقل رشاقتها.
    لكن البين أن الصورة ترمي في تعدد دلالاتها المقبولة الإشارة إلى تعدد موضوعاتها.
    عن التعدد:
    جاءت المجموعة المتضمنة لأزيد من 124 قصة كشجرة مثمرة في فصول أربعة، كل فصل له ثماره الخاصة، ونكهته المميزة. لقد رام المبدع وضع المتلقي أمام تلك الفصول كما لو أنه يشير بطرف خفي إلى دورة الزمان، فالفصول الأربعة تدل على اكتمال السنة، والأقسام الأربعة تعبير عن القضايا الجوهرية التي تعالجها النصوص؛ وهي القضايا الأهم التي يعاني منها الإنسان المغربي بخاصة، والعربي بعامة.
    نهج القاص الكتابة النسقية في تبويبها، حيث خضعت كل باقة من النصوص لموضوعة محددة ذات عنوان خاص؛ هكذا جاء العمل مقسما على أربعة فصول على الشكل التالي:
    1_ مسامع القلب. 33ب قصيصة
    2_ سين شاهد عيان. ب25 قصيصة.
    3_ زوم على تلك الشجون. ب35 قصيصة.
    4_ أخبار عن الحاكم بأمره. ب31 قصيصة.
    ويمكن اعتبار القسم الرابع مولد الوجع الحاضر في باقي الباقات؛ فهو بؤرة الألم، ومدار الفجع، وبإزالته سيزول ثقل الهم، وستتخلص الشخصيات من انكسارتها، وستستعيد توازنها.
    تستحضر الباقة الأولى العلاقة بين الرجل والمرأة، مؤكدة ما جاء في اللوحة؛ في صيغ متنوعة ووضعيات مختلفة، واتخذت أشكالا متعددة.
    أما الباقة الثانية فوظفت شحصية "س"، وجعلتها الشخصية المحور والتي دارت حولها لعبة السرد تبعا لمقصدية خاصة تروم جعلها شاهدا على الواقع المعاصر، ومعرية ما يعتمل فيه وطنيا وعالميا.
    في حين، جاءت الباقة الثالثة عبارة عن مشاهد من الواقع بلغة مقطرة، وشديدة التكثيف، منح نصوصها الرشاقة المطلوبة.
    لتأتي الباقة الرابعة حديثا عن السلطة والتسلط، موضوعها الأساس؛ هو السياسة، مسثمرة شخصيات من الثرات العالمي والعربي، بشقيه العالم والشعبي، مع استثمار الحيوانات كما في كتاب "كليلة ودمنة" جاعلا تلك الحيوانات تتحدث لغة عصرنا، ومعبرة عن قضايانا الراهنة.
    الأبعاد الفنية للمجموعة:
    تستدعي المجموعة شخصيات عدة؛ تاريخية؛ عربية وغير عربية، من صفحات الكتب كما من الخرافة، تجعلها تغادر لحظتها الزمانية لتحط الرحال بالزمان الحاضر، تلبس رداءه؛ شخصيات تستمد قوتها من حمولتها الدلالية التي عرفت بها وغنى حضورها التاريخي، تحمل معها في سفرها الزماني أبعادها المتعددة الأصلية، وأبعادها الجديدة، لتعمق فهم اللحظة الراهنة.
    وقد جاءت النصوص رشيقة بفعل التكثيف وتقنية الحذف والبياض، متعمدة في بدايتها غالبا على الفعل كعنصر حركة، يسرع من وتيرة الأحداث.
    التناص:
    وهو خاصية شديدة الحضور نظرا لكون المجموعة استدعت شخصيات كثيرة من الماضي، واستثمرت كتبا وأحداثا موشومة في الذهنية الجماعية العربية والإسلامية، من مثل: الصراع بين الإخوة الأعداء في حرب البسوس، وقصة حي بن يقظان وابن بطوطة، وقصة ليلى والذئب، إلخ..
    وهذا التناص يحضر في جملة نصوص، وبخاصة، في نصوص الباقة الرابعة، كما في نص "نخاسة" ص 137 حيث استثمار شخصيات ألف لية وليلة؛ وفي نص "حرب البسوس" ص 135، حيث يتم استحضار صراع الإخوة بين بكر وثغلب، ويظل هذا التاريخ مستمرا إلى لحظتنا الراهنة، مما يفيد أن التناص لعبة فنية ذات مقصدية، وان القاص لا يقتنص إلا النصوص التراثية القادرة على حمل رؤيته للواقع.
    كما نجد حضورا لقصة الطوفان، وقصة سيف بن ذي يزن، وقصة الفارابي الذي امتلك سحرا مكنه من التحكم في الحضور بتفكيك آلته العجيبة وإعادة تركيبها، بتنويم المشاهدين، وإيقاظهم، كما في نص "لجام" ص139
    ولا يخفى على القارئ أن استحضار الشخصيات التاريخية، العربية والغربية، إضافة إلى الشخصيات الخرافية من مثل "الغولة" و"ليليت"، هو من باب التناص.
    الغرائبية:
    يستثمر القاص هذه التقنية لتحقيق مقصديته، ونجد هذا العنصر حاضرا في نص "سلطانة" ص21، وتتجلى هذه المقصدية في قدرة الحب على الانتصار؛ إذ لا يمكن لأي سلطة قاهرة الوقوف في وجهه، يقول النص:
    ...أسدلت السالف الثاني. تمسك به بقوة، سبحت طائرة في المدى، خاتلتها نسور حوامة، فتجسدت تنينا ينفث نارا. ص21.
    عنصر التحول، لعب دورا في تحقيق الاتصال بالحبيب، رغم قوة المعارضة.
    خاصية المبالغة:
    وتلعب هذه الخاصية دور التضخيم، والتهويل بغاية السخرية من الفعل المرتكب، إذ أن الحدث لا يستدعي كل هذا الاستعداد، لكن الرغبة وراءه تمكن في الفتك بالجمال، كما في نص "غارة" ص126
    يقول النص: نصبوا بوارجهم البحرية، وأطلقوا طائراتهم الحربية، ودبت دباباتهم الضارية، من أجل سرب حمام.
    وكما في نص "غدر"56 ذي التيمة المشابهة.
    تسريع السرد:
    فبعض النصوص تعتمد تسلسل الأفعال، مما يمنح النص سرعة في تتابع الأحداث، تتابع يفضي إلى نهاية تنسجم ومسعى النصوص الرامية إلى استنبات الجمال، والمحبة، والتعاون، بدل التناحر، والقبح، والصراع، كما في نص "مسامع القلب" ص13
    التقيا، تواعدا، اختلفا، ابتسما، تعانقا وفي قلبيهما نبتت زهرة.
    المفارقة:
    وهي من أهم عناصر القص الوجيز؛ وقد وظفها القاص في العديد من نصوصه، وتعد المفارقة الحاضرة في نص "تلفان" ص52، إذ يقتنص السارد التقابل الصادم في حياة المهرج بين الإضحاك، والبكاء؛ والمتفرج لا تهمه حياة المهرج وما يكتنفها من معاناة، لكونه لا يطلب سوى الضحك. وفي هذا النص، أرى أن حذف الجواب كان يمكن أن يكون أقوى حتى يترك للقارئ فرصة التأويل.
    باالإضافة إلى خاصية التكثيف، والتضاد، والسخرية كما في نص "فوبيا" ص60، إذ يسخر السارد من هذا الخوف المعمم وغير المبرر.
    لكن النصوص كلها ليست على قلب واحد، بل سارت على نهج ضرباته علوا وانخفاضا، إذ نعثر على العديد من النصوص التي لا تدخل ضمن القص الوجيز، أو لأنها اعتمدت سخرية النكتة، أو لأن الحكاية فيها جاءت ضعيفة.
    فالحكاية ،كما في نظر الناقد يوسف حطيني، تفقد توجيهها، حيث يصعد الحدث ويصعد، دون وصول إلى مفترقة، كما في قصص، "آن"، و"رجفة"، و"تهمة ضد مجهول"، و"ترياق". كما ان المفارقة في نص "رهافة" لم يكن الهدف منها سوى الإضحاك، وهو ما لايقبله القص الوجيز؛ إضافة إلى كون بعض القصص جنحت باتجاه الذهنية والمباشرة، كما في قصة "المطمورة"، أو غلبت جانب الشعرية على الحكاية، كما في قصة "ضفاف" وقصة "وتر السلالة" وقصة "على كرم العنب تدلى القمر".
    أما توظيف الشجع في نص نثري حكائي غير مقامي فقد أثقل النص الحكائي الذي لم يقو وهو الرشيق على حمله، فصيره مغلولا به، كما في قصة "ذبابة حان" ص83، يقول النص: عباد "باخوس" يتساقون الكؤوس، ودبيب النشوة يطرب الرؤوس، فكانت في ردهات ألحان تنوس مانحة القبل ناشلة الفلوس. فذهن القارئ سينصرف إلى هذه الحلية التي لا تطلبها القصة، ويغفل عن باقي العناصر الأخرى.
    خاتمة:

    تعد مجموعة "فقط" عملا قصصيا رائدا، ومتميزا على أكثر من مستوى، مما يدل على تمكن القاص من أدواته الفنية، وتضلعه في تقنيات القص الوجيز. فقد أتقن كليتي نسج خيوط نصوصه، وأجاد بناءها فنيا بدءا وختاما، فضلا عن براعته في التكثيف، ونسج الحكاية، فجاءت بعض القصص بقفلة غير منتظرة تكشف رؤية القاص الإنسانية كما في قصة "الغولة" التي منحت لهاته الشخصية بعدا إنسانيا لا كما هو متعارف عليه؛ لكن هذا لم يمنع من انفلات بعض النصوص من تلك الإجادة، بفعل تغليب الحدث المتنامي دون بلوغ المفارقة المرجوة، أو بفعل تغليب الطرفة الساعية إلى الإضحاك، أو تغليب السجع على باقي مكونات القص.
    تظهر المجموعة اجتهادا واضحا على صعيد البنية فيما يخص المتتالية القصصية، فضلا عن تطعيم نصوصها بنصوص وحكايات وإشارات ثقافية ودينية وأسطورية وشعبية.

    "فقط" قصيصات للمصطفى كليتي، منشورات سليكي أخوين، طنجة، الطبعة الأولى سنة 1017

    [​IMG]
     

مشاركة هذه الصفحة