1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

قم للمعلم..

الموضوع في 'أخبار و مقالات' بواسطة عبدالإله فؤاد, بتاريخ ‏9/11/17.

  1. عبدالإله فؤاد

    عبدالإله فؤاد مشرف السرد و النثر طاقم الإدارة

    "على خط السير.."
    "قم للمعلم.."
    قضيت واحدا وعشرين سنة وسبعة أشهر من حياتي في مجال التعليم. كنت محظوظا بالتدريس في الأسلاك الثلاثة الأساسية بالمغرب. ومن خلال هذا المسار تكونت لدي تمثلات و أفكار عن مهنة، يتفق الجميع على أنها من أشرف المهن في تاريخ الإنسانية جمعاء. و لكونها كذلك، حظي إسم "المعلم" بأعلى مراتب الشرف الإجتماعي في كل المجتمعات. وكان طبيعيا أن يكون الممارس لعملية التعليم رمزا مجتمعيا محاطا بهالة التبجيل والاحترام. حيث أطلق إسم "المعلم" على كل من اجتهد وأضاف، معرفيا، أفكارا ونظريات في كل مجالات العلوم والفكر والفلسفة. هكذا كان أرسطو معلما عند اليونان، وأصبح ابن رشد معلما عند العرب.
    كانت مهمة المعلم هي "نقل المعرفة بين الأجيال". لذلك كان جزاؤه المعنوي هو احترام وتقدير كل الأجيال. وبجانب الإعتبار المعنوي والاجتماعي، كان الامتياز المادي حاضرا لدى بعض المجتمعات، وغائبا لدى أخرى، حسب اختلاف المراحل التاريخية.
    هذه الوضعية الاعتبارية المتميزة للمعلم، جعلت كل مكونات المجتمعات، تقف احتراما وتقديرا لشخص المعلم، على مدى العصور. وهي التي دفعت الشعراء والكتاب والأدباء والفنانين لجعل شخصية المعلم رمزا للأخلاق الفاضلة والسلوك النموذجي في أعمالهم الأدبية والفنية. إلى أن ظهرت رواية: "To Sir, with love" لمؤلفها "E.R.Braithwaite " سنة 1959. والتي تحكي حياة معلم في شرق لندن. وهي الرواية التي سيحولها المخرج :"James Clavel" إلى شريط سينمائي من بطولة:"Sidney Poitier "، سنة 1967. وهو الفيلم الذي ستقتبس منه المسرحية العربية الشهيرة :"مدرسة المشاغبين" للمخرج المصري جلال الشرقاوي، سنة 1973، وبطولة: عادل إمام، سعيد صالح، يونس شلبي، أحمد زكي، و سهير البابلي وغيرهم..
    رواية عالمية وشريط إنجليزي، ثم مسرحية عربية ذات نجاح جماهيري.. و يبدأ الهجوم على "المعلم/الرمز"..
    شكلت مسرحية "مدرسة المشاغبين" أولى الضربات القاسية لصورة المدرس. باعتبار النجاح الجماهيري الباهر الذي حققته مجموعة المشاغبين في المسرحية. وتوالت الأعمال الدرامية التي وظفت شخصية المعلم (ة) في الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية، التي ركزت على الجانب المادي الهزيل للمعلمين. حيث تم إلصاق نعت :" الكحيان" بشخصية المعلم، لدى المصريين. أعمال عديدة ركزت على هذه الصورة الاجتماعية، رغم إبرازها للسمو الأخلاقي لشخصية المعلم. شخصية "فرجاني" في فيلم "آخر الرجال المحترمين"، نور الشريف. شخصية "مستطاع" ، أحمد زكي، في فيلم:"البيضة والحجر"، أستاذ الفلسفة، الذي يتخلى عن التدريس ويحترف الدجل والشعودة، بسبب هزالة الراتب الشهري لمهنته. هذا الاستغلال البشع للوضع المادي لرجال التعليم وجعله صورة نمطية تلتصق بشخصية المعلم، انتقل للتوظيف الكوميدي الذي يهدف لإضحاك الجماهير على شخصية المعلم(ة)، لتحقيق أكبر قدر من مداخيل الشباك. وهو الشيء الذي قاد الجمهور العربي لتغيير نظرته لرجل التعليم، حيث تهاوت قيمته الاعتبارية اجتماعيا، وأصبح موضوع سخرية واحتقار، بعدما كان موضع تبجيل واحترام.
    وانتقلت هذه النظرة إلى مختلف الأقطار العربية، بما في ذلك المغرب والمغاربة، حيث ساد القاموس التداولي المغربي تعبير: "معلم مسكين". بل و أبدع المغاربة في إنتاج نكت كثيرة، بطلها المعلم، وذلك رغبة في إضحاك السامعين. وطبعا نتذكر، جميعا، النكتة التي تقدم مجموعة من الرتب العسكرية: قبطان، كومندار، كولونيل، والتي تختم بالمعلم الذي يقدم نفسه:"كعلم". وهو النعت الذي سيصبح علامة تداولية شائعة في الخطاب الاجتماعي المغربي. وبما أن "الوعي الجمعي المغربي" يتسم بنوع من الجبن والخوف، فقد عزز هجومه على المعلم، لأنه لا يمثل أي سلطة اجتماعية، عدا سلطته المعرفية في مجتمع ثلاث أرباعه منخور بالجهل والأمية. لم ينتج الشارع المغربي أي نكت أو مستملحات على جهاز الشرطة والأمن، أو القضاء أو أي جهة سلطة مغربية، مثلما أنتجه للضحك والتحقير لشخصية المعلم. والأنكى من كل هذا، أن المعلمين/ات، أنفسهم، سيقعون في المحظور.. (يتبع)
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي

مشاركة هذه الصفحة