1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

كيبيك : البحث عن الاوراق

الموضوع في 'قصة قصيرة' بواسطة عبدالمولى دليل, بتاريخ ‏5/10/17.

  1. و رحلت إليك يا كيبيك ،و في نفسي شوق كبير للعودة إلى وطني لعلي أجده، وقد انمحت من وجهه تلك الندوب و الخدوش، التي تنفر الشباب منه فتدفعهم الى التفكير في الهجرة .
    تركت وظيفتي بإحدى الجماعات القروية التي كانت تبعد عن مدينتي بمئات الكيلومترات، بعدما استطعت الحصول على تأشيرة الدخول إلى كندا مدتها تتحدد في ثلاثة أشهر بدون إضافة يوم واحد ،و في حالة زيادة ذلك اليوم سأصبح حتما مهاجرا سريا ،و عقوبة المهاجر السري أن يرحل على أول طائرة إلى بلده كبضاعة غير مرغوب فيها .
    كان قدومي إلى كيبيك بتشجيع من ابن عمي، الذي قال لي :(ان مستقبلك و مستقبل أسرتك في كيبيك التي تشكو من قلة اليد العاملة و من قلة الشباب و تشكو أيضا من كثرة المسنين )، فالدولة الكندية كما حكى لي ابن عمي تريد أن تودع مسنيها بالإحسان إليهم بتوفير لهم جميع متطلبات العيش الرغيد، أما نحن في المغرب ،فالحكومة تودع مسنينها بالإساءة إليهم باهمالهم و حرمانهم من أبسط حقوقهم في العيش الكريم فجلهم يقضون معظم وقتهم تحت أسوار مدينتهم يلعبون الكارطة و الضامة مثقلين بأمراض مختلفة . قال ابن عمي:( الكيبيكيات هنا متعطشات لرؤية شاب بشعر أسود و سحنة سمراء تدل على انه قادم من بلاد الشمس الحارة فيتخاطفن عليه كما يتخاطف الجياع على الرغيف ).قبل أن أغادر الوطن كنت قد قلت لزوجتي أنني قادر على أن أنجز أوراق الإقامة في مدة لا تتجاوز السنة ،ثم بعد ذلك سأتقدم بطلب إلى وزارة الهجرة الكندية ،لكي تلتحقين بي في إطار ما يسمى بالتجمع العائلي، و قلت في نفسي :( جميع المواصفات التي قال لي عنها ابن عمي متوفرة لدي من أجل أن يتخاطفن علي الكيبيكيات أتمنى أن اصمد و اقاوم جمالهن الخلاب حتى لا أنسى زوجتي فتبقى في المغرب). وجدته في استقبالي في مطار تريدو بمونتريال، فأخذني في السيارة إلى منزله الذي كان يوجد في حي تحفه من كل الجهات الحدائق، فبين حديقة و حديقة حديقة ،و كل حديقة تحظى بالعناية اللازمة سواء من السقي و تشذيب الأغصان و النظافة و توفير صنابر للمياه و المراحيض و الكراسي و ألعاب الاطفال .بعدما أخذت قسطا من الراحة من عناء السفر اجتمعت بابن عمي على مأدبة غذاء خارج المنزل في أحد المطاعم بقلب مونتريال، و بالضبط بشارع سان كاترين الذي ذكرتني بنايته الشاهقة بالأفلام الامريكية . و نحن نتناول الطعام تحدث ابن عمي عن تجربته الطويلة في مونتريال، و عن الوسيلة الناجحة التي يمكن بها الحصول على أوراق الإقامة، و قال :(إن أسهل طريقة هي الزواج )، لهذا حثني على أن ابحث عن كيبيكية بشتى الطرق و الوسائل، و ان أبذل مجهودا كبيرا حتى اعثر عليها ،و العثور على كيبيكية كما قال ابن عمي لا يكون الا في بعض الاماكن، كالحانات و الملاهي الليلية و المقاهي.. قلت لابن عمي:( لقد قلت لي و انا في المغرب أن الكيبيكييات سيتخاطفن علي كما يتخاطف الجياع على الرغيف)، فقال ابن عمي:( نعم سيتخاطفن عليك، اذا ظهرت لهن بصورة حسنة ،و بلسان حلو، و خشونة ناعمة و فحولة نادرة).
    كان علي أن أغير من شكلي حففت شاربي الذي كان والدي يقول عنه انه رمز للرجولة، فقلت في نفسي لكل زمان و مكان علامة رجولته، في مونتريال أظن أن علامة الرجولة هي حلق الشارب حتى أظهر بصورة فيها وسامة تفتح لي الطريق للتعرف و الإقتراب من إحدى الكيبيكيات .بدأت ارتدي سروال جينز ،و أضع كريم جيل على شعري ،و كنت بين الفينة و الأخرى ادخن، و اشرب ، و ابتسم لكل من ابتسم الي أحاول أن أبدو في مونتريال منفتحا و متسامحا و قابلا للاندماج بسرعة كبيرة . اختصرت اسمي الذي كان الجيلالي باسم جوجو، ليكون خفيفا على ألسنة الكيبيكييات .مرت ثلاث أشهر بسرعة البرق ،و دخلت في عداد المهاجريت السريين، فاتخذت الحيطة و الحذر أصبحت شديد الإنتباه من وقوع أي شيء قد يؤدي إلى استفساري عن أوراق الاقامة ،و عن وضعيتي القانونية بهذا البلد . كنت اتجنب قدر الإمكان الأماكن التي تشهد حضور رجال الأمن بشكل مكثف .غيرت ذلك الملهى الذي لم أستطع الوصول فيه إلى ربط علاقة بشابة كيبيكية، بل كل الكيبيكييات كن منشغلات بصواحبهن . قلت في نفسي أكثر من ثلاثة أشهر و انا في مونتريال، و لم يتخاطف علي أحد، و حتى الفتيات الكيبيكيات لم أحظ منهن بأي نظرة أو إبتسامة في تلك الأماكن العامة التي طلب مني ابن عني زيارتها باستمرار . ربما كان كلام ابن عمي كلاما مبالغ فيه .
    في الملهى الجديد الذي دخلته أول مرة باحثا عن ظبية من ظباء ثلوج كيبيك لاصطادها حتى تصلح وضعيتي القانونية .جلست بطاولة بمفردي ،و طلبت مشروبا غازيا فقط، لكي اتقشف و أحافظ على توازن ميزانية جيبي التي بدأت تعرف شيئا من الانكماش و التقهقر ، و لهذا كنت مضطرا لكي اعمل بالمثل المغربي القائل:( فرق الجودة على ليام). كانت عيناي تنظران هنا و هناك تبحثان عن عيون ظبية تنظر في اتجاهي، فجأة رأيت نظرات مصوبة نحوي، فاعتدلت في جلستي، و أجبت على تلك النظرات بابتسامة عريضة رفعت بها الحاجز امام تلك الشقراء الفارعة الطول لتتقدم نحوي، و تأخذ مكانها بجانبي. كانت مشيتها لا تشبه مشية النساء، فمشيتها تميل الى مشية الرجال، فقلت النساء في هذا البلد أندمجن مع الرجال حتى أصبحن مثلهم.انغمست في أحاديث كثير و متنوعة مع تلك الشقراء، و التي عرفت انني من المغرب فقالت أنها تعشق هذا البلد و تعشق خاصة مدينة مراكش الذي زارتها عدة مرات، فاعجبت بطبيعتها و اعجبت ايضا بشبانها. آنذاك تأكدت ان هذا الشخص الجالس بجانبي ليس أنثى، و إنما ذكر غير شكله باللباس و الماكياج و بعض الأشياء الأخرى ،كتلك العمليات التي يجرونها من أجل نفخ الصدر و نفخ الشفتين ، لهذا قررت أن اهرب بجلدي حتى لا أقع في شيء لا يحمد عقباه .تركته بمفرده ينتظر قدومي و غادرت الملهى ،و أنا اتذرع بالذهاب إلى المرحاض.
    كان أحد المغاربة الذي تعرفت عليه بالصدفة بمقهى من مقاهي حي سان ميشيل الممتلئ بالمهاجرين المغاربيين، قد تأثر لحالي، إذ ذكرته بسنواته الأولى التي حل فيها بمونتريال، و ما عاناه من صعوبات و عراقيل فقال لي :(إن أسوء ما في هذا البلد المناخ و المرأة، فالمناخ قاس ببرودته في فصل الشتاء و المرأة قاسية في إبداء عواطفها الجياشة اتجاه الرجل ) . أعطاني عنوان سيدة كيبيكية يعرفها منذ زمان قديم ،و قال لي انها في سن الأربعين، و تبحث عن شاب تريد الارتباط به ليساعدها على تحمل أعباء الحياة .
    وصلت إلى عنوان الكيبيكية التي كانت تقطن بعمارة أغلب سكانها من الملونين،فظننت انها ستكون بدورها ذات بشرة زنجية، إلا أنها كانت شقراء، لكنها كانت عبارة عن جبل من اللحم الذي فاض من كل جانب و ركن من جسدها .لم تكن تتحرك إلا بصعوبة كبيرة لطبقات الشحم الذي نفخ جسدها حتى أمسى كمنطاد كبير ينتظر الاقلاع من مدرج سريرها الحديدي .جلست بجانبها فتضاءل حجمي، و أصبح صغيرا .كنت استمع الى كلامها الذي كان متقطعا ،فتارة تتكلم ،و تارة تلهت، اذ قالت إنها ترغب في الزواج من شخص يمد لها يد المساعدة لقضاء بعض حوائجها داخل و خارج المنزل مقابل أن تساعده على تسوية وضعيتيه القانونية و أضافت أنها تحتاج من هذا الشخص أن يقضي معها وقتا لا يزيد عن بضعة أشهر قبل أن تبرم معه عقد الزواج . عندما شعرت بأنني وافقت على شروطها أرادت أن تحتفل بهذا الاتفاق بدعوتي على وجبة عشاء بإحدى المطاعم التي تقع بالميناء القديم على ضفاف نهر سان لورون العظيم. كانت تأكل بشراهة كبيرة تلتهم شرائح اللحم، و تزدرد أطباق السلطات و تشرب الماء العادي و المشروبات الغازية كنت خائفا من أن ينقضي الأكل فتلتهمني . عندما كانت تتوقف عن الأكل لكي تأخذ إستراحة قصيرة قبل أن تواصل حصد الطعام كانت تقول انها تطبق حمية صارمة حتى تخفف من وزنها .كان اذا حل الليل قاومت النوم حتى لا يتسرب إلى جفوني لا أريد أن انام، أو اغفو حتى أبقى صاحيا ، لكي أراقب تحركات الكيبيكية السمينة داخل السرير، فكلما تحركت كنت انأى بجسدي في مكان آمن، حتى لا تسحقني تحت أكوام لحمها و هي لا تشعر، فحركات جسدها فوق السرير زلزال مدمر قوته لا تقاس بسلم ريتشر .
    لم أعد أطيق العيش مع الكيبيكية التي كانت سمنتها كسمنة العجول التي تربى من أجل أن تعرض في المعارض الفلاحية، ليفوز أصحابها بجائزة تقديرية على ما تحمله تلك العجول من أطنان كثيرة من اللحم و الشحم. غادرت منزلها وفصل الشتاء قد حل، و ما إدراك ما فصل الشتاء في كيبيك، ففيه تنزل درجة الحرارة إلى ناقص ثلاثين في بعض الأيام . أحسست أن ابن عمي لم يعد يتحمل وجودي داخل منزله، فغادرته مضطرا في اتجاه منزل ذلك الصديق الذي دلني على الكيبيكية السمينة .
    بمجرد أن راني رق لحالي، لانني قلت له ثلج كيبيك قد يقتلني اذا بقيت بدون مأوى. صمت لحظة كان يفكر في إيجاد حل لمعلضلتي. بعد صمته الطويل استطاع أن يجد لي امرأة هي بدورها من معارفه قال لي:( انها امرأة مسنة لكنها نحيفة في حاجة إلى من يؤنسها في هذا الفصل المشؤوم فارتأيت أن تقضي معها فترة شتاء كيبيك مختبئا داخل منزلها في انتظار ان يزول هذا الفصل القاسي و نبحث لك عن شابة تعجبك و تروقك تكون انشاء الله فاتحة خير عليك في الحصول على أوراق الاقامة).
    بلغني عبر الهاتف أن زوجتي قامت بإجراءات الطلاق و طلقت مني، و بلغني أيضا ان الوظيفة لم أعد انتسب اليها اذ قامت الإدارة بفصلي و توقيف راتبي بسبب طول غيابي. ضاعت مني الزوجة و ضاعت مني الوظيفة، و أنا هنا في كيبيك بدون أوراق .يشق على على المرء ان يتلقى اخبارا سيئة و مؤلمة و هو في ديار الغربة.
    عبدالمولى دليل
     
    آخر تعديل: ‏6/10/17
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  2. محمد فري

    محمد فري المدير العام طاقم الإدارة

    حكاية تمتح من واقع معيش
    وسرد سيكون أجمل عند الاعتناء ببعض
    الهنات اللغوية
    تحيتي
     
  3. أستاذي الفاضل محمد فري هذه الملاحظات التي أبديتها فيما يتعلق بالقصة الأولى و الثانية سأعمل على تطبيقها إنشاء الله في قصصي القادمة .
    تحياتي و مودتي
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    تحية اخي السي عبد المولى
    سردك شائق ومشوق .. يشدك بصدق .. واسلوبك في الحكي ممتع جدا وانت تحكي عن متاهات الغربة
     
  5. شكرا جزيلا استاذي الكبير و أخي السيد نقوس المهدي . كلماتك التشجيعية تحفز على مواصلة العطاء.
    تحياتي و مودتي
     

مشاركة هذه الصفحة