1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

الصفعة

الموضوع في 'قصة قصيرة' بواسطة كفاح جرار, بتاريخ ‏10/8/17.

  1. كفاح جرار

    كفاح جرار الباحث

    لم يدر بخلدي أبدا أن أتراجع وفي اللحظة الأخيرة عن حلم حياتي، بعد أن شارفت على كسبه، فانسحبت بل الأصح تقهقرت كأسد هرم أعجزه اللحاق بظبية سمينة، فاكتفى بالفئران والأفاعي،
    أقول كدت أن أكسبه وأنا أعني ذلك، فالأمر برمته بالنسبة لي كورقة رهان ولعبة حظ لا يجب التهاون فيها أبدا، وقد تهاونت أو قولوا خسرتها بمحض إرادتي، وربما ربحت مقابل ذلك نفسي.
    وقد سألني صديقي يوسف فرحاً:مبروك عليك يا سعسع، وهو اسم الدلع لسعيد الذي اعتادوا اطلاقه علي ، فقلت: بارك لي انسحابي وتراجعي، فقد غيرت رأيي.
    فرد بعصبية: ومنذ متى كان لك رأيا ؟.
    هكذا إذن، حلم اجتهدت له وجمعت له، كما تصنع العروس العاشقة وهي تحضر لليلة زفافها، وربما بالغت في لهفتي بمعرفة أدق التفاصيل وأتفهها أيضا،لطبيعة البلد الذي وافق أن يشرفني بتأشيرته، بالضبط كالعروس التي تختار أنواع الحلوى وبطاقات الدعوة، إلى طريقة ترتيب الطاولات، ولم يغب عن ذهني أيضاً معرفتها لنوع الحناء الذي سيصبغونها به.
    نظر سعيد إلى يديه وقال: لا حناء ولا هم يحزنون، "نو" سفر، وأخذ يدندنها بطريقة مضحكة..نو يعني نو.. نو.. سفر.. وبالتالي علي إعادة النقود إلى أصحابها، ثم استغفر ربه وهو يهمس:كم كرهت الإستدانة فاستدنت بالربا والفائدة، وقال وهو ينفث دخان سيجارته هناك بعيدا في فضاء لا يرى ملامحه إلا هو: وكم كنت أمقت اللصوص، فأصبحت مثلهم وفعلت ما هو أسوأ ، لقد سرقت ذهب شقيقتي وأنا أمني النفس بإعادته لها أضعافا مضاعفة.
    وربما كنت على استعداد للذهاب أبعد من ذلك، حتى أحصل على مذلتي وهواني، لقد شتمني وضربني ابن الـ…
    أشعل سعيد سيجارة أخرى، وقال وهو يتحاش النظر في عيني صديقه: كنت أكره كلمة "حراق" وإن أردتم الصدق، فقد كنت أخشى البحر..ضحك بعفوية وتابع: والحق كنت أخافه وأنا على ظهر باخرة كبيرة ركبتها ذات يوم من العاصمة إلى عنابة، فكيف إن تعلق الأمر بقارب صغير حشوه بالبشر ومن جميع الأصناف والألوان، وفيه النساء والأطفال، فيظهر في بحرهم كالفأر الذي ترتعد فرائصه أمام فيل ضخم، يرتعد هو بدوره من الفأر، فالصغير الضئيل يخاف الضخم الكبير، وهذا أيضا يقتله الرعب من الفأر، يعني يأتيكم الخوف من كل مكان، وتخافون أنفسكم، وتخافونهم أيضا.
    فصرخ يوسف بعصبية: كفى هذيانا، وقل ما الذي أعادك إلى هذا البؤس، انظر مد يده وأشار بأصبعه وهو يرتعش، هل تعجبك تلك الشقق الفاخرة، وهو يعني قصدير أولاد شايح أم توحشت رائحة وادي الحراش، وربما خشيت ألا تأكل القرنطيطة بعد اليوم، لا.. لا أكيد قهوة عبدقة هي السبب، اذهب إليها إنها بانتظارك، اللعنة، قالها يوسف ثم انصرف غاضبا.
    عبالك يما-قالها سعيد بحرقة- جميع أصحابي يعاتبوني، وربما يحقدون علي لعودتي، فلم يتيسر لأحدهم أن حصل على فيزا شنغن وتذكرة سفر، ثم سافر إلى أرض الأحلام التي يتحدثون عنها غيري أنا الذي سافر ثم عاد بعد أقل من أربع وعشرين ساعة.
    وقد نزلت عليهم عودتي كعاصفة صاعقة، وربما أعظم، وقد خجلت من البوح بحقيقة ما حدث " مسألة كرامة يما " قالها سعيد باعتزاز وفخر، وهذه مسألة يصعب شرحها وتفسيرها إلا لمن عاشها بدقة، كما هي في الواقع "الذل يا يما الذل".
    لعل الوحيد الذي فرح بعودة سعيد، أو تراجعه عن الهجرة، هي والدته فقط، فقد كان آخر عنقودها، وهو سلوتها الوحيدة بعدما استقل الأشقاء والشقيقات بحياتهم، فكان دائم اللصاق بها، ولعلها هي عند سعيد، السبب الرئيسي لعودته، فكان يعزي نفسه بالقول: ولمن أترك أمي وأبي بعدما ابتعد عنهم الجميع، ليس لهم غيري، وكان يحتج بقول إمام المسجد ذات جمعة:البقاء مع الوالدين خير من الجهاد في ساحة القتال ، فإذا كانت خدمتي لهما أعظم الجهاد، فما الذي يدعوني للهرب من والدي.
    هي ذريعة وجد سعيد راحته في التعلق بها، فكان كلما سأله أحدهم عن عودته قال: نبقى مع والدي خير.
    وفي المساء ردد نفس الكلام على مسمع شقيقه الأكبر، فقال هذا بغضب: يكفي ..إنك تهلوس، وتحاول إقناعنا بحبك لوالديك، وكأننا نحن مقصرون، قل إنك تخاف الغربة، وأنك الفاشل الأكبر، نعم- رددها رفيق عدة مرات - الفاشل الأكبر، وكان كلما أعاد الجملة، التي راقته وأعجبته كثيرا، ازداد سعيد اشتعالا، فالبركان في صدره بدأ يغلي ولكن قد يكون شقيقه محقاً.. وأخيرا كانت الصاعق الذي فجر شحنته.
    أنا الفاشل الأكبر، قالها سعيد وقد قفزت دمعة من عينه، وفرت بعيدا هناك على أرض المطار النظيف جداً..والنقي جداً جداً ولكنه البارد جداً أيضاً، فأشاح بوجهه وهو يقول: ليتك جربت تلك الصفعة.
    ثم نظر في عيني شقيقه وقال وهو يرتجف من الغضب والحزن "ربي يسامحك"، لو لم تكن كأبي لكان…فرد الشقيق لكان ماذا.. كنت ستضربني.
    أغلق سعيد باب غرفته، ورمى بنفسه على السرير وكأنه يفر من ماضيه إلى مجهول يعرفه، وقد بدأ يشعر بالحقد على نفسه ويتمتم " يا لضعفي لم أحتمل صفعة واحدة..فأضعت كل شيء.. وعاد للتمتمة بكلمات مبهمة، ثم نهض متثاقلا وفتح التلفزيون، علّه ينسيه كابوس عودته.
    كانوا يثرثرون، ويتحدثون بعصبية، وربما كان واحدهم يتعصب لرأيه، والمهم لم يفقه سعيد من حديثهم شيئا، بدت له لكنتهم ولغتهم وحتى وجوههم غريبة مقيتة، ومثيرة للأعصاب ومقززة، إنها محطة فوكس التي طالما أحبها، فأخذ يحملق في التلفاز وكأنه يراه لأول مرة، وهو يتمعن في تلك الوجوه الزجاجية اللامعة ثم انساق في خيالات صبيانية فأخذ يحاسبهم ويحاكمهم على طريقته الخاصة، فكان كالشيخ أمام تلامذة صغار يرتعدون من لحيته أكثر من عصاه، وهو معجب بلغته الخطابية المنحوتة نحتا، لو قدر لسيبويه سماعه لتخلى عن سينه وهائه واكتفى بفارسيته .
    وفي ذلك السن الفتي، كان سعيد وحيد صفه الذي لم يرعبه منظر الشيخ ولا نحويته، وذات يوم سألهم الشيخ عن معنى الوطن ، فقال أحدهم وهو يشرق بأنفه: إنه دارنا.. بينما قال آخر: لبلاد وأشار بأصبعه الصغير إلى ما حوله، وتبارى ثالث في تعريف الوطن وتحديده وتسمية الدول المحيطة به …
    جميعهم أجابوا إلا سعيد ، وتلك لم تكن عادته أبداً وكان صمته دليل عدم معرفته، فلم يعرف معنى الوطن وأرهق رأسه الصغير في إيجاد تعريف يختلف عن زملائه فلم يجد فآثر الصمت.
    هدأ سعيد قليلا، ثم نهض كمن لدغته أفعى، وقال بصوت مسموع: الوطن، نعم الوطن، اليوم عرفت وطني، وبسرعة خاطفة تذكر المناسبة الإهانة التي سقطت على خده من ذلك الألماني في مطار ميونيخ، وكان ذنبه أنه لا يجيد الألمانية، فهدَأ أحدهم من روعه وهو يقول: لقد قال لك إذا كنت لا تجيد لغتنا فلم أتيت إلينا.
    انهارت ساعتها فيزا شنغن وجواز السفر وتكسرت التذكرة وتلاشت الأحلام، وتحطمت جميع القنوات بما فيها دوتش إفيلي، وبقدر فرحة الألمان بسقوط جدار برلين كانت نقمته على ما حدث، وهو الذي عندما شاهد الفيزا على جواز سفره ظن يومها أنه ساهم في تحطيم ذلك الجدار، والآن عرف أن الوطن ليس مجرد مكان للسكنى وليس مجرد بقعة جغرافية على الخريطة ولها حدودها، وليس مجرد نبع للنفط والغاز، وليس جمعية خيرية تمنح بلا مقابل، وإنما الوطن عندما يصفعك أحدهم أن يكون بمقدورك رد الصفعة بمثلها أو تسامح .


     

مشاركة هذه الصفحة