1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

نهاية الأحلام - محمد المنسي قنديل

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏3/8/17.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    كان الصديق والروائي الكبير يوسف زيدان يسخر مني بوصفي من جيل السبعينيات، جيل الأحلام المستحيلة، والهزائم القاسية، لأننا ما زلنا نتمسك بحلم القومية العربية رغم أن العالم العربي قد تفتت إلى شظايا، وما زلنا مصرين على عدم الصلح مع إسرائيل رغم علمنا بعدم القدرة على حربها، وأنها تزداد قوة وتسلطا كل يوم، كنت أعرف في أعماقي أنه مخطئ، وأن حلم القومية العربية أثمن من أن نتخلى عنه، وإسرائيل أكثر وحشية من أن نتصالح معها، فلتفعل الحكومات ما تشاء، وليمارس الحكام اتصالاتهم السرية، كل هذا لا يخصنا ولا يلزمنا، فقد تعودنا من زمن أن نكون في وادٍ والذين يتحكمون فينا في وادٍ آخر، لا يأبهون له، نريد ولا ينشغلون بتحقيق ما يحفظ كرامتنا، ولكني بدأت أعترف مؤخرا أن يوسف زيدان على حق على الأقل فيما يخص حلم القومية العربية، فقنوات الأخبار لا تقدم إلا صورة وحيدة للعرب وهم يدمرون مدنهم بكل قسوة وفظاظة، البيوت التى ولدوا فيها، والشوارع التي شهدت طفولتهم، والمرابع التي عاشوا فيها لحظات الحب الأول، كلها تحولت إلى خرائب، حالة من التدمير الذاتي يعيشها العرب بعد أن أدركوا فشلهم في مواجهة العالم المعاصر، كانت ثورات الربيع العربي هي الأمل الأخير للخروج من حالة التخلف التي نعيش فيها، الخطوة الأولى من أجل هدم الجدار الذي يحاصرنا ويعزلنا، جدار الحكم المطلق الذي اُبتلينا به من دون شعوب العالم. لقد كشف الرئيس التونسي زين العابدين بن على عن معدن هؤلاء الطغاة العرب عندما ألقى خطابه الأخير وهو يرتعد ويزعم أنه قد فهم شعبه أخيرا، كلهم كانوا تماثيل من الشمع، يكفي أن تزداد سخونة الاحتجاجات ويسقط حاجز الخوف حتى يذوبوا جميعا، وهذا ماحدث فقد سقطت الأصنام في مصر وليبيا وسوريا واليمن وكان يمكن أن تواصل السقوط لولا تدخل مخابرات القوى الكبرى، وتعاونت أموال النفط مع الميليشيات الدينية في إيقاف مد الربيع العربي، وأشعلت عليه حربا ضروسا ما زالت ممتدة حتى الآن، وهذه هي الهزيمة الثانية التي تلقتها فكرة القومية العربية بعد هزيمة يونيو 67. لم تكن فكرة القومية العربية ترفا، كانت ضرورة حتمية لإنقاذ الشخصية العربية من تناقضها، كانت معظم دولها واقعة تحت نيران الاحتلال التركي، كان احتلالا غاشما جهولا جرهم إلى خارج التاريخ، لم يضف أي لمسة من التقدم والمدنية، ظلت على مدى 600 عاما تمارس أقصى درجات القمع على الدول التي وقعت في قبضتها، كان الأتراك يمارسون ذلك العسف تحت ستار الدين، سلطانهم هو خليفة الله في الأرض، أمير المؤمنين الذي حث الدين على طاعته حتى ولو بَغى وظلم، ونشأت فكرة القومية حتى تفصل بين الدين ونظام الحكم، تعطي مساحة للتمرد الوطني ضد قمع الأخ المسلم، كانت القومية العربية فكرة ثورية تحررية تحاول تتخلص من عباءة الدين التي يرتديها الأتراك، كانت دعوة إلى رابطة بين شعوب عربية تجمعها عوامل الدم واللغة والتاريخ، بدلا من رباط الدين، وبذلك أخرجت الأتراك من معادلتها، فلا هم ينتمون للعرق العربي، ولا يتحدثون بلسانهم، وكان أكثر المتحمسين لها هم أقباط الشام والعديد من الأقليات الدينية. ولكن القومية عند ولادتها كانت مجرد فكرة ثقافية، هشّة وضعيفة ولم تخضع للاختبار، لم تساعد في الاستقلال عن الترك ولم تنقذنا من الاستعمار الغربي، ولكنها ظلت مترسبة في النفوس، وجعلت المستعمرين كلهم غرباء، ولم تأخذ الحركة بُعدها الشامل وتجمع المسيحيين والمسلمين في بوتقة واحدة إلا مع ظهور جمال عبد الناصر ودخول الكتلة المصرية طرفا في المعادلة. شاهد أيضا السيسي عن ثورات الربيع العربي: «لازم التغيير يكون تحت السيطرة» السيسي عن ثورات الربيع العربي: «لازم التغيير يكون تحت السيطرة» «ثورات الربيع العربي وفتاوى الدين والإعلام».. أسباب أضاعت حق المرأة «ثورات الربيع العربي وفتاوى الدين والإعلام».. أسباب أضاعت حق المرأة ولد عبد الناصر زعيما عربيا منذ البداية، خاض معركته الأولى ضد الاستعمار ليؤكد استقلال كل دولة عربية، قبلها لم يكن هناك كيان عربي يُعتد به، كانت الدولة الحديثة متعثرة الولادة، مجرد دول محتلة وبقايا ممالك متخلفة وإرادة معدومة، عاجزة عن البروز إلى الوجود، وساهم وجود إسرائيل في تأخرها، وعندما تبنى عبد الناصر فكرة القومية العربية أدرك الجميع أن الزعيم الذين كانوا في انتظاره، وبعد حرب السويس والوحدة بين مصر وسوريا كنا جميعا على أبواب عصر جديد، ولكن الريح لم تسِر بما تشتهي السفن، كانت أخطاء عبد الناصر أكبر من أن تستوعبها حركة التاريخ، فقضت على فكرة القومية بدلا من أن تدفعها إلى الأمام، ربما يمكن إيجاز هذه الأخطاء في ثلاثة أسباب مختلفة: أولها: العجز عن بناء دولة ديمقراطية، لم يستطع عبد الناصر أن يبتعد عن بزته العسكرية كثيرا، لم يؤمن بحركة الجماهير ولم يشركها في أركان حكمه، لكنه سلّم أهم المؤسسات إلى مجموعة من أهل الثقة من العسكريين السابقين وكانوا بالفعل أهلا لكل ثقة لأنهم خربوها وسرقوها، لم تكن هناك أي مؤسسة حقيقية قائمة على الانتخاب الحر المباشر بما فيها رئاسة الجمهورية، كانت سلطته مطلقة دون أجهزة رقابية تعدل من مسارها أو معارضة توجهها، وكانت تهمة أعداء الثورة مطاطة تبيح لأجهزته القبض على كل مخلوق، تلقي بهم في سجون بالغة القسوة، فشل عبد الناصر في خلق الدولة النموذج الذي يمكن أن يلتف حوله الجميع، بل أن البعض نفر منها باعتبارها دولة تحكمها المخابرات، وكان هذا هو الفشل الأكبر في مشروع الوحدة العربية. وثانيها: جعل طريق الوحدة العربي صعبا، فبعد فشل الوحدة مع سوريا اكتسب عبد الناصر خطيئة التدخل العسكري في اليمن، أكبر الأخطاء التي ارتكبها النظام باعتراف محمد حسنين هيكل مؤرخ الحقبة الناصرية، لقد اقترب من منابع البترول لدرجة خطيرة، لم تسمح بها دول الاستعمار التقليدية، هرعت كلها إلى إسرائيل وزودتها بمختلف الأسلحة بما فيها المفاعل النووي، كما أثار تدخله حربا جانبية مع السعودية، كانت حربا بين جيش عسكري منظم وعصابات مسلحة، حرب لا يوجد فيها منتصر، ولكنها زرعت بذور الحرب الأهلية التي لم تغادر العالم العربي حتى الآن، وقد جعل هذا تحقيق الوحدة العربية في حكم الاستحالة. ثالثها: الهزيمة الكارثية أمام إسرائيل، فقد تحولت بعدها إلى دولة من المستحيل هزيمتها ونظر العالم إلى مهارتها العسكرية باحترام بالغ، واستطاعت أن تلتهم فلسطين وغيرها بسهولة، بينما تبعثر العالم العربي بطريقة تثير الرعب، اشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية واحتلتها إسرائيل ثم احتلتها سوريا، ثم اشتعلت الحرب اليمنية، واحتلت العراق الكويت ثم اضطرت للجلاء عنها، سادت فوضى لا حد لها، حروب تتولد عنها حروب وضحايا يسقطون بلا ثمن، لم يضِع حلم القومية العربية فقط، بل ضاعت كل الروابط التي كانت تشدنا معا، أصبحنا الأخوة الأعداء، فأي حلم يمكن أن يعيش وسط هذه المآسي العربية؟!
     

مشاركة هذه الصفحة