1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

القضية الأمازيغية ومأزق العَنصَرَة

الموضوع في 'أخبار و مقالات' بواسطة محمد اليعقابي, بتاريخ ‏17/7/17.

  1. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    القضية الأمازيغية ومأزق العَنصَرَة

    يقول عبد الكبير الخطيبي: "لا شيء معطى لنا بما فيه هُويتنا". أي أن الهوية نظرة للذات تتحكم فيها كثير من العوامل، منها العوامل البارزة – أو بالأحرى المُبرَزة – والعوامل المنسية أو المتناسية؛ وحتى المجهولة والتي تستمر، مع ذلك، في بث تأثيرها في اللاشعور الجمعي. أو أنها تكون حاضرة في الحياة اليومية ولكنها تدخل ضمن اللامفكر فيه، لأن التفكير فيها يخلل التوازنان الأيديولوجية التي يقوم عليها المجتمع.

    وقبل التطرق إلى بعض "ثوابت" تيار من الحركة الأمازيغية، حري بنا أن نلتزم ببعض المبادئ المنهجية البسيطة. والتي، رغم بساطتها، قل من يلتزم بها.

    أولى هذه القواعد، والتي تتناسل عنها القواعد الأخرى، أن نبسط أمامنا خارطة جغرافية، ففي كثير من الأحيان تغلب الخرائط الذهنية على الخرائط الطبيعية. والخريطة الطبيعية تحيل إلى الخارطة التاريخية والسياسية التي تحيل بدورها للخارطة الثقافية. فماذا تقول لنا خارطة الحيز الجغرافي الذي يسكنه الأمازيغ حول كل هذه الأبعاد؟

    وهنا افتح قوسا قبل العودة إلى الخريطة. فاسم "إمازيغن" هو الاسم الذي يحبذ اليوم أن يتسمى به سكان المنطقة عوض "بربر" ذي الأصل الروماني الذي استعارته العربية؛ والذي لم يكن الاسم الوحيد الذي أطلق على سكان المنطقة، فهناك أيضا: ليبي، افريقي، نوميذي، موريطاني، جيتولي... لا اعتراض لدي على هذه التسمية، بل أحبذها، لأن استعادة الاعتبار تبدأ بالتمركز على الذات ونبذ التبعية.

    واسم البلدان يخضع أيضا لما يخضع له اسم الشعوب. ف "أوروبا" أصلها "غرب" الفينيقية، مثل "المغرب" الذي أطلق على شمال افريقيا. والأمر كذلك بالنسبة للسودان (بلاد السود عامة) ولأمريكا و"هنودها" الحمر... لكن في كثير من الأحيان تُنسى الاتمولوجيا (أصل الكلمات) ويبقى الاسم. كل هذه الأسماء قد تدل على أن المُسمى كان تابعا يوما ما للمسمي، وفي الغالب هي مجرد استعارة لغوية. واسم المنطقة العربي لم يكن ليشذ عن القاعدة، ف "المغرب" مغرب بالنسبة لمركز الحضارة العربية الإسلامية، وهو بذلك يحمل دلالة معينة. وفي المرحلة الاستعمارية كان الفرنسيون يطلقون على سكان المنطقة اسم "الشمال افريقيين" Nord- Africains ، واختصارا .Norafs وهذا الاسم، رغم ظاهره الجغرافي المحايد، كان يهدف إلى محو المرجعية العربية الإسلامية لسكان المنطقة، حسب محمد أركون. وهذه المرجعية صارت محل مراجعة وتساؤل من قبل الذين ينكرون الهوية العربية (وحتى الإسلامية) للمنطقة. ونعت "العربي" يثير تشنجا لديهم، ولهذا اقترح سعد الدين العثماني (رغم أنه لا ينتمي لهؤلاء) اسم "المغرب الأمازيغي"، وهذا الاسم لا يصح إلا بوجود مقابله "المشرق الأمازيغي". وكل الذين يحملون حساسية لكل ما هو عربي يفضلون استعمال اسم "ثامزغا". وهذا الاسم يمكن اعتباره اسما محايدا لأنه يعني "بلاد الأمازيغ"، لكنه ليس محايدا عندما يكون الهدف منه اقصاء كل انتماء عربي اسلامي. والسؤال المطروح هو: هل يمكن تأسيس هوية أمازيغية بدون أية مرجعية عربية اسلامية؟ مع العلم انني أستعمل في هذا المقال تسمية "الثقافة العربية الإسلامية" بمعناها الواسع وليس في معناها الضيق الذي يحيل إلى العقيدة والاعتقاد.

    أغلق القوس وأعود إلى الخارطة التي تقول لنا أن المغرب الكبير شبه جزيرة، لأنه يحده من الغرب المحيط الأطلسي (بحر الظلمات)، ومن الجنوب "المحيط" الصحراوي، وشمالا البحر الأبيض، وشرقا بلاد الفراعنة، أو بلاد القبط Egypte، أو مصر (أي "البلد" بكل بساطة، كما لو أن الأمازيغ سموا بلادهم "ثامورث")... والخارطة تحيلنا إلى التاريخ لتقول لنا أن تاريخ المغرب الكبير هو تاريخ جغرافيته. إنه تحصيل حاصل منهجيا، لكن البعض يعوض تاريخ الجغرافية الطبيعية بتاريخ الجغرافية الذهنية أيضا. وسأعود إلى هذه المسالة بعد أن أستنفذ المعطيات الموضوعية.

    وبما أن الشعوب تتفاعل مع محيطها، فقد كان مصير المغرب الكبير أن يتفاعل مع جيرانه (من التبادل العنيف، أي الحرب، إلى التبادل السلمي).

    وأول ما تفاعلت به ساكنة المنطقة مع جيرانها هو أنها تبادلت معهم الجينات. وأحيل القارئ إلى جدول مقتبس من ويكيبديا مع الخلاصة التي تقدم له:

    Origine géographique des lignées maternelles (ADNmt) et paternelles (Y-ADN)

    En moyenne, environ 65% des lignées paternelles des Maghrébins sont issues d'Afrique du Nord, 20 % du Moyen-Orient, 10 % d'Afrique de l'Ouest ou de l'Est et 5 % d'Europe, avec des variations parfois significatives selon les régions. Du côté maternel, en moyenne, environ 35% des lignées des Maghrébins sont issues du Moyen-Orient, 30 % d'Europe, 20 % d'Afrique de l'Ouest ou de l'Est et 15 % d'Afrique du Nord, également avec des variations parfois significatives selon les régions.

    Capture.JPG


    خلاصة دراسة ويكيبديا أن سكان المنطقة ينحدرون من أصول محلية ممتزجة بأصول جل الأقوام المحيطة بهم، والتي تفاعلوا معها عبر التاريخ. والمقال يستعمل مصطلح haplogroupe ، المكون من haplo الذي يعني باليونانية "بسيط" أو "وحيد"؛ و groupe الذي يعني "جماعة". فيكون معنى المصطلح الخاصية الجينية التي تميز جماعة ما. مع العلم أن هذه الخصائص تحدد الفترة التي انفصلت فيها جماعة ما عن الجذع المشترك للإنسانية. وإذا شبهنا تطور البشرية بشجرة، فكل هابلوغروب يمثل غصنا له موقع محدد في الشجرة. مع العلم أن الغصون على مسافات متفاوتة فيما بينها، لكنها متشابكة فيما بينها. ويزداد التشابك كثافة بين الأغصان المتقاربة.

    وبناء على الجدول المثبت أعلاه، فإن سكان المغرب الكبير، بنسب مختلفة، من أصل محلي (أي امازيغي)، وشرق أوسطي، وأوروبي، وافريقي غربي أو شرقي. وبالمقابل جينات الأمازيغ موجودة أيضا عند جيرانهم، بما فيهم الأوروبيين الذين يسكنون المناطق المحاذية. وهذه الدراسة الجينية تنسف مزاعم كل من يدعي نقاوة عرقية. يبقى أن كل، حسب ميوله، يبرز الأصل أو الأصول التي تخدم الهوية التي يريد أن يتقمصها. وكمثال على ذلك النسب الشريف. فمن ناحية التناسل الديموغرافي، يكفي أن يهاجر شخص (رجل أو امرأة) شريف (ة) إلى منطقة ل "يُعدي" بشرفه كل سكان المنطقة بعد بضعة أجيال. والأمر يخضع لمتتالية هندسية بسيطة، فلنفترض أن هذا الشخص تزوج (ت) وولد (ت) طفلين، وهكذا دواليك... فبعد عشر أجيال تصير النتيجة 2 مرفوعة في عشرة، أي 1024 شخص؛ وبعد عشرين جيل تصير النتيجة: 2 مرفوعة في 20 = 1048576 شخص). وإذا اعتبرنا أن كل جيل هو 25 سنة، فبعد مرور خمسة قرون يورث شخص واحد جيناته إلى مليون، ولو أن الأشخاص الذين ينحدرون منه لا يمتلكون إلا نسبة ضئيلة من جيناته لكثرة الجينات التي امتزجت بها عبر الزمن. لكن ما يهم "الشريف" في هويته هو تلك الشعرة التي تربطه بفاطمة الزهراء، ولو أن باقي الفروة ليس منها. وما دام "الشرف" يمكن أن يكمن في شعرة، فليس من المستبعد أن يكون كل المغاربة شرفاء.

    وفيما يتعلق بعلاقة اللغة الأمازيغية بمحيطها اللغوي، تقول الدراسات الألسنية أن الأمازيغية واللغات السامية (ومنها العربية) تنتميان إلى أسرة لغوية كبرى واحدة، تختلف تسميتها من باحث لآخر (حامية-سامية أو أسيوية-افريقية). فللأمازيغية صلة قربى باللغات السامية ولغات شمال شرق افريقيا (المصرية والكوشية والتشادية...)، في حين أنها لا ترتبط بصلة باللغات الأوروبية. وهذا أمر يستشعره كل من له إلمام باللغة الأمازيغية والعربية وإحدى اللغات الأوروبية.

    لكن انتماء لغات ما إلى أسر مختلفة من حيث بينيتها، لا يعني انعدام الاتصال بينها. فهناك عامل أساس، ألا وهو عامل القرب الثقافي. والعلاقة بين العربية والفارسية تعطينا نموذجا في هذا الصدد. فرغم أن الفارسية لغة هند أوروبية، إلا أن قربها الثقافي من العربية السامية جعلهما يشتركان في قاموس لغوي هائل. وهذا القاموس المشترك ليس إلا مظهرا من تداخلاهما الثقافي باعتبارهما اللغتين الأساسيتين للحضارة الإسلامية.

    إلا أن مشكلة الأمازيغية تكمن في كون الناطقين بها لم يفرضوها كلغة إدارية ودبلوماسية وكلغة ثقافة عالمة. وفضلوا، أو اضطروا، إلى استعمال لغات دخيلة؛ وهي أساسا الفينيقية (أو البونيقية كانت تسمى محليا)، والرومانية، والعربية، والفرنسية أخيرا. بحيث أن كل ما ساهموا به في تاريخ الثقافة احتسب لغيرهم. فترتوليان وأغسطين وأفولاي كتبوا باللاتينية، ويوبا الثاني كتب باليونانية (رغم اهتمامه بالأمازيغية والبونيقية، أما ما بقي من كتبه العديدة فهو شذرات مذكورة في كتب غيره)، وهم بذلك يحسبون لتراث اللغتين اللتين كتبوا بهما، وليس للأمازيغية لغتهم الأم. والأمر سواء مع التراث الثقافي للمرحلة الإسلامية المكتوب في غالبيته بالعربية، وبالعبرية بالنسبة للتراث اليهودي؛ أما ما كتب بالأمازيغية فقليل، وهو مكتوب بالحروف العربية ويتناول في الغالب مواضيع دينية وقانونية.

    أما رائد التأليف باللغة الأمازيغية في العصر الحديث فهو بلعيد آيت علي (إزعرار) (1909-1950) الذي يعد المؤسس الحقيقي للأدب القبائلي المكتوب. وبلعيد هو ابن دهبية آيت علي التي كانت أول معلمة جزائرية، وكانت زميلة للدراسة لفاضنة (مارغريت) نايت منصور عمروش، أم الطاوس وجان عمروش.

    وهذه ليست معضلة الأمازيغ فحسب، بل هو واقع كثير من الشعوب عبر التاريخ الذين عاشوا وضعية ازدواجية لغوية، تكون أحيانا مصحوبة بتبعية سياسية. وفي بعض الحالات تحل اللغة الدخيلة تدريجيا محل اللغة المحلية إلى أن تقتلعها، كما هو شأن العربية مع اللغة القبطية في مصر، أو اللغة اللاتينية مع بعض اللغات الأوروبية. وهو ما يحدث اليوم للعديد من اللغات المهددة بالانقراض لأنها ليست لغات تعليم أو إعلام أو إدارة... والأمر قد يجري بوعي وبتواطئ من النخب الحاكمة، مثل ما يحدث في الدول الافريقية التي تتخذ من الفرنسية لغة رسمية - رغم أن جل الشعب كان يجهلها عند الاستقلال - وأن هذه الدول تمتلك لغة وطنية يتواصل بها جل الشعب، كالولوف في السينيغال، والبامبارا في مالي، والديولا في كوت ديفوار... لكن أحيانا لا تكفي الإرادة السياسية؛ فعندما أراد أحمد سيكو توري فرض التدريس باللغات المحلية، منيت هذه السياسة بالفشل بسبب الارتجال ولأنه من العسير تحويل لغة شفوية لا تمتلك رصيدا مكتوبا إلى لغة تعليم.

    لقد قال كاتب ياسين أن الفرنسية في الجزائر المستقلة "غنيمة حرب"، لكن هذا القول يغفل على أن الذي يستعمل لغة غيره هو أيضا غنيمة لهذا الغير، أثمن من الأرض وثرواتها. فالفرنكفونية تساهم في الاشعاع الثقافي لفرنسا، حتى ولو استعملت الفرنسية لنقد سياسة فرنسا، كما هو شأن كاتب ياسين نفسه.

    إلا أن إشكالية اللغة لا تنفصل عن إشكالية الثقافة، فاللغات التي تهيمن هي لغات الثقافات المهيمنة. فيوبا الثاني لم يكن ليعشق اليونانية لولا أن اليونانية كانت لغة ثقافة أرقى مما كانت تقدمه له الأمازيغية. وقد كان بإمكانه أن يجعل من الأمازيغية لغة إدارة وثقافة، كما كان بإمكان كثير من دول المغرب الإسلامي الأمازيغية أن يفعلوا ذلك. لكنهم لم يفعلوا، هذا هو الواقع ولا يمكن تغيير مجرى التاريخ. فلا كل ملك كعبد المالك بن مروان الذي عرب الدواوين بقرار سياسي، رغم أن بعض حاشيته كان يظن أن ذلك صعب.

    ويوبا الثاني، أيضا، نموذج لغلبة الثقافة على الوطنية. فتربيته في حضن العائلة الامبراطورية الرومانية، جعلت منه خادما وفيا لسياسة روما، في إطار "نظام حماية" مثل ما شهده المغرب وتونس في العصر الحديث. وثقافته اليونانية جعلته يربط شجرته العائلية بالشخصيات المحلية للميثولوجيا الأمازيغية اليونانية، إذ أنه ادعى بانه ينحدر من هرقل الذي تزوج تِنجي (مصدر اسم مدينة طنجة) ابنة أطلس وأرملة انتي Antée.

    وغير بعيد عنا فرحات عباس الذي سبق له أن قال، قبل أن يصير وطنيا من أنصار استقلال الجزائر: "لو أني اكتشفت الأمة الجزائرية، لكنت وطنيا دون أن أخجل من ذلك وكأني ارتكبت جرما. لكني لن اموت من أجل الوطن الجزائري لأن هذا الوطن لا وجود له. لقد سألت التاريخ، وسالت الأحياء والأموات، ولا أحد منهم حدثني عنها. من دون شك أني وجدت الإمبراطورية العربية والامبراطورية الإسلامية اللذان شرفا الإسلام وعرقنا، لكن الامبراطوريات انهارت. ولا يمكن البناء على الريح (الوهم). ولهذا استبعدنا نهائيا كل وهم من اجل ربط مصيرنا، بصفة نهائية، بما تنجزه فرنسا في هذا البلد".

    وإذا انتقلنا إلى الدين، فإننا سنجد أن ديانة الأمازيغ كانت تقوم على عبادة قوى الطبيعة، والنيرين (الشمس والقمر). وكانت آلهتهم ممتزجة بآلهة الشعوب المجاورة: من فينيقيين، ومصريين، وروم، ويونان... هذا زيادة على اليهودية، ثم المانوية والمسيحية وأخيرا الإسلام. وكل هذه الديانات تعايشت مع الوثنية الأصلية التي انقرضت تدريجيا.

    أما من الناحية السياسية، فإننا نلاحظ أن المغرب الكبير كان في جل تاريخه المعروف هدفا لأطماع الغير، أكثر مما كان مصدر تهديد لهم. باستثناء شيشونغ الأول، الفرعون ذي الأصول الأمازيغية، الذي أسس الأسرة الثانية عشرة، وذلك حوالي سنتي 945 و 924 ق م. ومحاولات قرطاجة للتوسع في محيطها المتوسطي انطلاقا من قاعدتها المغربية. وهو ما شهدته المرحلة الإسلامية، حيث اتخذ المغرب قاعدة لنشر الإسلام في شبه الجزيرة الإيبرية وأجزاء من إفريقيا الغربية. وكلا من التوسع القرطاجني والإسلامي يعبر عن دينامية قادمة من بعيد، وليس تعبيرا عن دينامية محلية (أما تدخل المرابطين والموحدين في الأندلس فهو للحفاظ على ما هو قائم). وأخيرا حملة الدولة السعدية على دولة سونغاي وعاصمتها تومبوكتو (1591 م). مع العلم أن هذه الحملة لاقت معارضة من قبل العلماء لأنها حرب ضد دولة مسلمة.

    مجمل القول هو أن المغرب الكبير لم يكن منعزلا عن التيارت الكبرى التي شهدتها منطقة البحر المتوسط، أتعلق الأمر بمكوناته البشرية أو السياسة أو الثقافة، فاعلا أو متفاعلا أومفعولا به. وبما أن هذا المقال يتطرق للثقافة أساسا، فيمكن القول أن كل ثقافات البحر المتوسط هي بشكل أو بآخر ثقافة مغربية، وليس للمغربي من ثقافة غيرها. فهو – أيضا - مصري، وفينيقي، وروماني، ويوناني، وبيزنطي... ووثني، ويهودي(كانت فاس مركزا مهما للدراسات التلموذية)، ومانوي، ومسيحي (ترتوليان، أغسطين، دونا...) ومسلم (مساهمات المغاربة في الفقه والتصوف والفلسفة...). دون أن ننسى المؤثرات الافريقية، حتى ولو أنها غير مكتوبة. وحتى لو أتيح للمغربي أن يكتب بالأمازيغية، لكانت كتاباته إلا الصيغة الأمازيغية لكل هذا المحيط الثقافي. لكن تبقى هناك خسارة لا تعوض، ليس لأن للأداة وللشكل تأثير على المحتوى فحسب، بل لأن كثيرا من الشعر والحكايات وغيرهما من الابداعات قد تتعرض للاندثار. ففي تاغزوت (بشمال المغرب) كانت النساء ينظمن أبياتا شعرية مناسباتية. وكانت والدتي رحمها الله تتذكر بعض هذا الشعر وقائلته ومناسبة القول. وكان لهذا الشعر مقابله بالعربية.

    بعد هذا التمهيد الطويل والضروري، أعود إلى مسألة الهوية. ومسألة الهوية هي أكثر المسائل عرضة لنرجسية الفروق (أو الاختلافات) الصغيرة narcissisme des petites différences. وهذه النرجسية تدفع إلى تعميق الفروق مع القريب للتمايز عنه. والمثال على ذلك ما ورد في التوراة حول الخلاف بين سلالة جلعاد وسلالة افراييم، فكلاهما ينحدران من جد واحد، ويتكلمان ويدينان بلغة وديانة واحدة. والفرق الوحيد بينهما هو طريقة نطق حرف الشين في "شيبوليت"، والذي كان كافيا لتمييز الإفراميين والقضاء عليهم عند عبورهم لنهر الأردن من قبل الجلعاديين. وليس بعيدا عنا التمييز بين اللبناني والفلسطيني حسب طريقة نطق "البندورة". والكل يعرف العلاقة المتوترة بين البلدين اللذين يحدهما مركز "زوج بغال" (اسم على مسمى).

    ومن الفروق، ولو كانت ضئيلة، إلى اختلاق الفروق، هناك مسافة نوعية كبيرة؛ لكن البعض لا يتردد في أن يخطوها ولو على حساب المعطيات الموضوعية.

    وهذا شأن تيار أمازيغي معاصر، والذي يحدد هويته بالعداء للعرب وللعروبة وحتى للإسلام.

    فلأن جل سكان المغرب الكبير من أصل أمازيغي، يقفزون من الجيني إلى الثقافي ويستنتجون أن الثقافة العربية، وحتى الإسلامية عند البعض، في المغرب ثقافة دخيلة. ولنتصور أننا كشطنا كل الثقافة العربية الإسلامية من المغرب، فماذا سيبقى؟ مع العلم أن هذه الثقافة ليست من إبداع العرب (إن كان هناك عربي خالص) وحدهم، ولو أننا اختزلناها فيما أنتج العرب دون غيرهم لفقدت نسبة كبيرة من تراثها.

    وهذا ينطبق على كثير من الثقافات، ومنها الثقافة اليونانية والهلنستية. فلو حصرنا هذه الثقافة فيما أنتجه المنتمون إلى الإثنية اليونانية حصرا، لفقدت هي أيضا جزءا كبيرا مما يعتبر من صميم الثقافة اليونانية.

    ولنتصور أنه بقرار سياسي تم تمزيغ التعليم والإدارة والإعلام، فإن هذا التمزيغ لن ينجح إلا إذا أعطي له عمق تاريخي بترجمة كل ما كتب في المغرب والأندلس (إذا اعتبرنا أن للمغرب الحق في ممارسة حق الشفعة على التراث الأندلسي) إلى الأمازيغية. انطلاقا من مسلمة أن جل الذين كتبوا بالعربية – أو باللاتينية - في هذه المنطقة لهم أصول أمازيغية بنسب متفاوتة.

    وهذا يعني أن كثيرا من العرب واليونان وغيرهم، هم عرب أو يونان بالثقافة لا بالانتماء الاثني. فعندما يقول المصري أو المغربي: "أنا عربي"، فهو يعني قبل كل شيء أنه يتحدث بالعربية وأنه ذو ثقافة عربية، وليس أنه ينحدر من قحطان.

    رب قائل أنه يمكن لشخص أن يتحدث بلغة ما ويكون متشبعا بثقافتها دون أن ينتمي لها ذاتيا، أي أن يعتبر هذه اللغة وهذه الثقافة لغته وثقافته. وهذا هو حال كثير من الفرونكوفونيين في المغرب الكبير. ورغم أن بعضهم لا يتقن إلا الفرنسية وعقله ووجدانه في فرنسا، إلا أنه لا يعتبر نفسه فرنسيا. وهذا حال كثير من المهاجرين أيضا.

    وهذا يعني أنه لكي تصير لغة ما وثقافة ما رافدا من روافد الهُوية الذاتية لشخص ما – رغم أنها مكون أساس في هويته الموضوعية – يجب أن يتوفر عامل الرغبة في الانتماء إلى قوم هذه اللغة وهذه الثقافة. وأحيانا يحدث العكس فتغلب الرغبة في الانتماء رغم غياب المعطيات الموضوعية للانتماء. وهذا يلاحظ عند بعض المسلمين الذين يعتبرون العربية "لغة أم" لهم رغم انهم يجهلونها، وهكذا تحول كثير من العجم إلى عرب بسبب الإسلام.

    لكن هذا الانتماء للعروبة بسبب الإسلام بدأ يفقد من مفعوله (وعند بعض العرب المسيحيين انتماء للإسلام بسبب العروبة). وعوض الفخر ب "فارس والعرب" كما عند مهيار الديلمي، صارت كثير من الشعوب تفتخر بنفسها أولا. خاصة وأن العروبة صارت مرادفا للهزيمة. وصارت النزعات الفرعونية والفينيقية والكردية والأمازيغية والزنجية (في موريتانيا وفي السودان إلى حد الاستقلال)، تنازع الهوية العربية.

    في هذا المناخ ظهرت النزعة الأمازيغية، ومنه استمدت بعض خصائصها.

    وإذا اعتبرنا "الأزمة البربرية" في حزب الشعب الجزائري سنة 1949 أول تعبير سياسي ذي وزن تاريخي لهذه النزعة، فإنه من الممكن أن ندلل انطلاقا من الخلفيات الأيديولوجية التي كانت تتنازع حزب الشعب على أن القضية الأمازيغية كانت رهينة لتخندقات أيديولوجية قبل كل شيء. فليس من المصادفة أن تكون فدرالية فرنسا لحزب الشعب هي معقل النزعة الأمازيغية و"الجزائر الجزائرية"، في مواجهة التيار العربي الإسلامي الممثل بقوة في حزب الشعب، وخاصة من قبل زعيمه مصالي الحاج. وكان هذا التيار ممثلا بقوة عند القبائل – وهم يمثلون نسبة كبيرة من المهاجرين الجزائريين في فرنسا – على عكس الشاوية رغم أنهم أمازيغ أيضا. مع العلم أن هناك مشكلة أخرى كانت مطروحة في حزب الشعب وتتمثل في كون منطقة القبائل لم تكن تحظى بالتمثيلية المناسبة لوزنها الحقيقي ضمن أعضاء الحزب.

    وقد أفرزت هذه الأزمة المميزات التي سنجدها لاحقا عند النزعة الأمازيغية، أستمدها من محاضرة لرشيد علي يحيى أحد أبرز أعضاء هذا التيار (منشورة على يوتوب).

    - مبدأ "الجزائر الجزائرية".

    - بعث الثقافة الجزائرية التي خنقتها الثقافة العربية الإسلامية.

    - كون كل سكان الجزائر أمازيغ، إلا أنهم موزعون إلى متكلمين بالأمازيغية ومتكلمين بالعربية الجزائرية.

    وأضيف فيما بعد لهذه المميزات:

    - مبدأ العلمانية، وهي في الواقع وسيلة لتحييد المرجعية العربية الإسلامية سياسيا وثقافيا انطلاقا من مبدأ تقدمي. وبتحييد الإسلام تحيد العربية لأنها تفقد كل جدوى كرابطة بتراث مرفوض (وإن كان في الغالب مجهولا عند البعض بفعل ثقافتهم الفرنسية).

    - الدفاع على اللغة الدارجة، والتي يسميها البعض "المغربي" le maghrébin. بل إن البعض يذهب إلى حد القول أن الدارجة المغربية لا علاقة لها بالعربية!

    ويعد كاتب ياسين الممثل النموذجي لهذا الاتجاه ولتناقضاته. فهو يقول أنه أمازيغي لكنه لا يكتب بالأمازيغية بل بالفرنسية. وهو نصير ل"الجزائر الجزائرية" (ضدا على العروبة المسلمة). وليكون "قريبا من الشعب" فإنه كتب بعض مسرحياته بالدارجة "لغة الشعب"، لكنه يرفض الفصحى لأنها "لغة الفقهاء والرجعية". إلا أن كاتب ياسين كان تقدميا على عكس بعض الأوجه الراهنة التي ارتمت في أحضان كل من يعادي العرب.

    تبقى هناك مفارقة تتمثل في كون هذا الاتجاه يعبر عن نفسه بلغة "أجنبية" أساسا، وهي الفرنسية في الجزائر والعربية في المغرب! إنه تيار أمازيغي دون أمازيغية في غالبيته، خلا بعض النصوص القليلة والفولكلور. حتى رشيد علي يحيى نسي الأمازيغية، في حين انه قال أنه في اجتماعات مجموعته كان كل من ينطق بكلمة غير أمازيغية تفرض عليه ذعيرة. فما الذي أنسى الأمازيغية لرشيد علي يحيى غير غياب الثقافة المكتوبة؟

    وما نلاحظه عند هذا التيار هو كونه يختزل الثقافة في اللغة، ولهذا يبقى تعريفه للثقافة سطحيا جدا، لأن غرضه الأساس منذ البداية هو إقصاء ثقافة بعينها؛ لكن الاقصاء لا يخلق ثقافة، فالثقافة تعرف إيجابا لا سلبا. صحيح أنه يدعي فتح الثقافة المغربية على ماضيها السابق للإسلام، لكن هذه الثقافة مكتوبة باللاتينية. وهكذا تبقى المشكلة مطروحة، ألا وهي غياب الثقافة العالمة المكتوبة بالأمازيغية.

    ولأن سيرورة التعريب تسارعت في العصر الحديث، بسبب التمدين أساسا، استنتج البعض ان هناك مؤامرة تعريبية ورائها "المتحولون جنسيا"، حسب تعبير محمد بودهان. وقد شارك في هذه المؤامرة السلطات الاستعمارية الفرنسية نفسها، على عكس ما تدعيه دعاية الحركة الوطنية "العروبية". والبعض ينكر أن هذه الحركة ناهضت الاستعمار، لأن من قاوم الاستعمار هم الأمازيغ وحدهم. وهذا يناقض مسلمتهم الأولى القائلة بأن جل المغاربة أمازيغ، بدوا كانوا أو حضرا.

    فهل حقا ان فرنسا خدمت العروبيين؟ الواقع أن فرنسا لم ترد خدمة إلا أغراضها بواسطة سياسة فرق تسد. ففرنسا خدمت، وما زالت تخدم، الفرنسية قبل كل شيء. أما انتشار التعريب على حساب الأمازيغية، فهو تسارع لظاهرة تاريخية صاحبت التمدين. وتسارع التمدين أدى إلى تسارع التعريب، نظرا إلى أن جل المدن كانت معربة. وصاحب التعريب الفرنسة التي انتشرت وترسخت أكثر مما كانت عليه في فترة الحكم الفرنسي. بل يمكن القول أن الفرنسية انتفعت من الاستقلال أكثر مما انتفعت منه العربية. فاللغة الرسمية في بلدان المغرب الأربع التي خضعت لفرنسا هي الفرنسية لأنها لغة الإدارة والاقتصاد وكل التعليم العالي العلمي. أما دينامية العربية بعد الاستقلال فتأتي أساسا من كونها لغة الثقافة العالمة المحلية، والتي بدونها يُفتقد الماضي الثقافي. لكن بعض ممثلي النزعة الأمازيغية لا يزعجهم موقع الفرنسية، فما يزعجهم هو العربية فقط.

    حتى الظهير البربري لم يسلم من مراجعتهم. فهو بالنسبة لهم قانون في صالح الأمازيغ وليس ضدهم، لأنه كان كفيلا بحماية الثقافة الأمازيغية من المد العروبي، ويده القانونية المتمثلة في الشريعة. انطلاقا من مسلمة أن "العرب" يحتكمون للشريعة والأمازيغ للعرف. وهذه المسلمة تجهل، أو تتجاهل، أن العرف لم يكن منفصلا عن الشريعة، بل كانت قوانينه محل نقاش وسجال من قبل العلماء.

    وقد خصص لطفي بوشنتوف في كتابه القيم "العالم والسلطان" جزء من الكتاب ل "العرف والشرع". وفيه يبين أن هناك تداخلا بين الشريعة والعرف، لأن العلماء في كثير من بقاع المغرب اضطروا إلى الانفتاح على العرف، فالتاملي – مثلا – "... فتح لفقهاء سوس نافذة واسعة على الجانب العرفي من النوازل، وأكد على ضرورة تقديم الأعراف والمقاصد على الأحكام، اعتبارا لما تتعرض له هذه الأخيرة من اختلاف بتبدل الأزمان والأشخاص والبلدان، وبالتالي مراعاة لخصوصية سوس في القرن التاسع الهجري ومطلع الذي يليه". (ص 357)

    وفيما يتعلق بالسياسية القضائية أثناء الحماية، قالت كاترين هوفمان في مقالها: القانون العرفي الأمازيغي في المغرب:

    Katherine E. Hoffman : Le droit coutumier amazigh au Maroc

    Sous le Protectorat français, la justice berbère se rendait dans les tribunaux coutumiers établis dans les montagnes et dans quelques plaines du pays, y compris la région montagnarde de l’Anti-Atlas parmi des tachelhitophones amazighes. L’établissement de ces tribunaux a été le résultat de deux dahirs (décrets) en date du 11 septembre 1914 et du 16 mai 1930. Le décret le plus connu, le « dahir berbère », a assuré le maintien du droit coutumier plutôt que d’imposer le droit islamique chez les tribus amazighes soumises au makhzen (gouvernement marocain), sous contrôle français. Bien qu’en théorie les tribunaux coutumiers et les tribunaux des qadis (juges islamiques) devaient suivre des lois distinctes, en pratique la shari`a (droit islamique) incluait la coutume là où elle était appliquée, et la coutume était également influencée par le fiqh (jurisprudence islamique), surtout dans le sud-ouest marocain. De plus, certains groupements d’Imazighen appelaient leur droit coutumier shari`a. Ce plurilégalisme, répandu au début du vingtième siècle, était intégré dans les procédures des tribunaux bien qu’il n’ait de place ni dans la politique indigène officielle des Français, ni dans le droit coutumier écrit existant.

    وأهم ما جاء في هذا المقال أنه "بالرغم من أن المحاكم العرفية ومحاكم القضاء الإسلامي كان عليها أن تحكم بقوانين مختلفة، إلا أنه في الواقع كانت الشريعة تشمل العرف في المناطق المخصوصة لها، وكان العرف متأثرا بالفقه، خاصة في الجنوب الغربي للمغرب..."

    ومن مسلماتهم بهذا الصدد، أن الشريعة قاسية لأنها تقوم أساسا على العقوبات البدنية، على عكس العرف الرحيم الذي لا يلجأ إلى حكم الإعدام.

    وللرد على هذه المسلمة يكفي الرجوع إلى "القانون" الذي كان معمولا به في منطقة القبائل لنكتشف أن عقوبة القتل موجودة، بل أن الجماعة قد تعطي الحق لعشيرة المقتول للثأر بقتل أي فرد من عشيرة القاتل؛ وهذا محرم شرعا. صحيح أنه في مناطق أخرى يفضل دفع الدية، لكن الدية حل شرعي أيضا، زيادة على الصفح الذي يعتبر صدقة.

    وفيما يخص وضع المرأة، يركز البعض على كون الثقافة الأمازيغية لا تفرض الحجاب على المرأة، إلا أن العرف يحرمها من الإرث.

    وبصفة عامة كلما تعارض الشرع والعرف إلا وتغلب العرف في جل الأحيان، فحتى طالبان عجزوا على فرض إرث المرأة في أفغانستان.

    والواقع أن هذا التيار الأمازيغي مني بفشلين: فلا هو خلق ثقافة أمازيغية بديلة للثقافة العربية الإسلامية، ولا هو ترك الجسور مفتوحة مع هذه الثقافة (لأنه كما قلت من قبل ليس في المغرب ثقافة محلية غيرها). فنراه يلجأ إلى التمويه على فشله عن طريق عَنصرة كل القضايا المطروحة، من الوفاة المأساوية للطفلة لديا؛ إلى تهميش البادية، الذي لا يرون فيها إلا تهميشا للأمازيغ وكأن التهميش لا يطال "العرب"؛ وكأن لا أحد من الحكام أمازيغي، بداية من الملك. ويتناسون أن هذا التهميش باركته أحزاب تدعي الدفاع عن الأمازيغ. وقد سبق لأحد زعماء هذه الأحزاب أن قال: "إلا جبنا لهم الماء والضو كيفاش نشدوهوم؟ (إذا وفرنا [لسكان البادية] الماء والكهرباء فكيف تنحكم فيهم؟).

    والمتصفح لمواقع هذه النزعة ولكتابات بعض منظريها يلاحظ أنها، زيادة على عدائها للعرب والمسلمين، تصطبغ بلون من الوثنية المحدثة الفلكلورية. فبما أنها قطعت مع الثقافة العالمة المحلية، لم يبق لها إلا النبش على بعض العادات التي فقدت وظيفتها لأن كل البيئة التي كانت تمنحها إياها تغيرت أو تلاشت. فأي دلالة راهنة يمكن أن تعطى للإله أقوش، أو للاحتفال بأنزار إله الماء (حسب بعض المواقع التي تدعي أيضا أن "ربي" ليس هو الله بل هو إله خاص بالأمازيغ!)؟

    والمشكلة ليست في إعادة الاعتبار للوثنية أو للإحيائية، بل في طبيعة المنظور الذي يعاد ضمنه هذا الاعتبار.

    وختاما لهذا المقال، أود أن أقول أن الدفاع المشروع على اللغة الأمازيغية حرف عن مساره بسبب الخلفيات الأيديولوجية لبعض محتكري هذه القضية. ابتداء من فرضهم لحرف تيفيناغ الذي وإن كان خطا طوارقيا، إلا أنه لم يكن معروفا ولا مستعملا في باقي مناطق المغرب. وهم بذلك يفرضون على التلميذ المغربي تعلم ثلاث حروف، في حين أن الحرف الذي استعمله الفقهاء الأمازيغ هو الحرف العربي. وهو حرف صالح لكتابة الأمازيغية، مع زيادة بعض الأصوات وهي موجودة في الحروف التي تكتب بها الفارسية والأوردو.

    إن الهُوية ليست معطاة ولا هي ثابتة. وكل مكوناتها يمكن أن تصير محل مراجعة، وأن يحرق ما كان يعبد من قبل. والولادات في التاريخ ليست في غالبيتها إلا اغتصابأ، فلا ولادات شرعية في التاريخ. لكن على "اللقيط" أن يعترف بأبويه، ولو أن لقائهما كان عنيفا. فالرومان والمسلمون والفرنسيون دخلوا البلد بالقوة. والعبيد اقتلعوا من بلدانهم ليُباعوا في بلاد المغرب. لكن من نكون بدون هؤلاء؟

    وأخيرا أنبه البعض إلى أن ابن خلدون لم ينتقد الأعراب فقط، بل تطرق أيضا إلى تخلف منطقة المغرب في ميدان العمران بالنسبة للمشرق ولأوروبا، وهو الأمر الذي أشار إليه الحسن الوزان أيضا. فمن المسؤول عن هذا التخلف؟ حلل وناقش.
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏18/7/17
  2. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    أنبه القارئ إلى وقوع خلل في الجدول الذي نقلته من ويكيبديا. أرجو من الإخوة المشرفين إصلاح الخلل إذا كان ذلك ممكنا.
     
  3. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    شكرا لك، أخي جبران، على إثباتك للجدول الأصلي



    '
     
    أعجب بهذه المشاركة جبران الشداني
  4. جبران الشداني

    جبران الشداني المؤسس طاقم الإدارة

    أتفق مع كثير مما ورد في المقال، لكنني مع ذلك.. أظن أن التمايز بين الثقافات يبقى حقيقة راسخة رسوخ المشترك بينها.
    توجد ثقافة أمازيغية بلا شك، لكن هل توجد ثقافة مغربية؟؟
    هل الثقافة المغربية هي الناتج المركب من تفاعل الثقافتين الأمازيغية و العربية الإسلامية؟؟ ثم تفاعل هذا المركب لاحقا مع الثقافات الغربية؟
    متى تشكل المغرب كدولة و ثقافة داخل الشعور الجمعي للمغاربة؟ متى يحضر كقيمة أعلى من الإنتماءات العصبية و العرقية ، المتغيرة حسب الانتماء العرقي و الثقافي لكل جماعة أو قبيلة؟
    أظن أن الإشكالات العرقية تطرح مشكلة أعمق مما يظهر لأول وهلة، لا يتعلق الأمر فقط بواقع التهميش الذي تعرضت له الأمازيغية، بشرعية مطالبها أو لا شرعيتها فقط، و لكن بقدرة المغرب، كفكرة، كثقافة، كحضارة و كدولة، على صياغة مجال عيش مشترك تفتخر كافة المكونات الثقافية بالانتماء إليه.
    و الواقع أن مدارسنا لا تستطيع لحد الساعة صياغة تاريخ رسمي مشترك يحقق الأدنى من الاتفاق.
     
    آخر تعديل: ‏18/7/17
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  5. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    أخي جبران،

    مسألة الهوية موضوع ملغوم. في مقالي حاولت جرد بعض الترسبات التاريخية التي شكلت المغرب كما نعرفه. لكن من العسير إيجاد إجماع على تقويم هذه الترسبات. يكفي مثالا تعدد المواقف من مرحلة الحماية، من الذي يرى فيها مرحلة سلبية في تاريخ المغرب، إلى الذي يرى أنها وضعت لبنات المغرب الحديث التي عجزت النخبة المحلية عن وضعها. وهل الفرنسية غنيمة حرب أم رمز للاستلاب؟

    مهما كان الأمر علينا قبول كل ماضينا البعيد والقريب وكل ما أبدعته هذه البلد بكل لغاتها. أما الرفض المتشنج لهذا المكون أو ذاك فهو موقف عقيم.
     
    أعجب بهذه المشاركة جبران الشداني
  6. جبران الشداني

    جبران الشداني المؤسس طاقم الإدارة

    للأسف أخي محمد، تبقى الأسطورة، المحرك الفعلي للتاريخ.
    ما وضحته هنا، ذو أساس علمي سليم، ينبغي أن يلتفت إليه الكثيرون، لكن كما تعرف... لا تهتم الحركات التاريخية بالحقائق العلمية.
    الحالات الوحيدة التي نجح فيها التفكير المنطقي العلمي في تحريك الشعوب و تحقيق إجماع وطني أو فئوي.. كانت خلال امتزاجه بالأسطورة...
    نطرية العرق النازي... الكارثية.
    المادية الجدلية في امتزاجها بالتصورات الأسطورية حول مراحل تطور التاريخ..
    و قس على ذلك.. التيارات القومية الدوغمائية و النزعات الأمازيغية الانفصالية...
    العلم يداعب ألباب النخبة و قلوب المثقفين، لكنه لا يطرب الجماهير و لا يروقهم.. و لذلك، تبقى الحقائق الاسطورية مهما بلغ زيفها، أكثر تأثيرا للأسف من حقائق يؤكدها العلم... و يسخر منها التاريخ.

    محبتي أخي محمد..و تحية تقدير كبيرة
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  7. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    أخي جبران،

    الأساطير لها مفعول على الشعوب أقوى من الحقيقة، لأنها تدغدغ العواطف، وأقوى هذه العواطف الكراهية. لكن الكراهية تعمي البصر والبصيرة، حتى لدى أناس على مستوى ثقافي عال. وقد فكرت في كتابة هذا المقال عندما وجدت نفسي منغمسا في سجال على الفايس بوك مع بعض العنصريين الغربيين رغم أنهم ليسوا من "أصدقائي". واكتشفت أنهم "أصدقاء" لبعض معارفي من نشطاء الحركة الأمازيغية، وأن الرابط بينهم هو كراهيتهم للعرب والمسلمين. لكن ما يجهله هؤلاء المغفلين هو أن نار العنصرية لن ترحمهم عندما ستلتهم العرب. إنها "داعشية" فكرية قد تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
     
  8. كفاح جرار

    كفاح جرار الباحث

    تحتاج القضية لاعادة قراءة انثروبولوجية لما كان وما هو كائن ... بوركت
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  9. أولا أهنئ الأستاذ محمد اليعقابي على هذه المقالة التي اعتمدت شروط البحث الموضوعي والمقرب من التناول الأكاديمي.. وما أثار متابعتي للمقالة على مراحل، هي مسألة اللغة والهوية..ففي رأيي لا مصداقية لكليهما إلا عبر "الأسطرة"..فقضية الخلق الأول لآدم وحواء وحتى نظرية النشوء والارتقاء أيضا، ينفيان مسألة اللغة والهوية..هذا من جهة ومن جهة أخرى، فهناك التباس بين العنصر اللغوي والعنصر الهوياتي..أي بين اللسان والإثنية...وكلها وهم كوني، لكنه وهم يحركه أساسا التعصب، ليرجع هذا الكل إلى العامل التاريخي مرة ومرة إلى العامل الثقافي، وهذا حق يراد به وهم، لأن لا شيء يبقى على حاله على المستوى المادي والوضعي.. فدلالات اللغة متحولة وغير قارة، وقد بدأت بسيطة لتتعقد بفعل التأويل الأنتروبولوجي الذي يعتمد التفسيرات الإهوائية والإغوائية والغائية ..أما الهوية فأسطرتها تتم عبر التنافس على النسب والانتساب..إنها آلية لامتلاك التاريخ وبناء الشعوبية والجنس في كل مرة يراد فيها النهوض.. والمثال المركزي حاليا هو ما بنته أمريكا كنهج، انطلاقا من الهجرة وصراعاتها إلى العولمة وسطوتها..ويحصل كل ذلك بدافع نشوة السطو على التاريخ، لذاتها
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  10. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    أتفق معك، أخي العربي الرودالي، على أن الأسطرة حاضرة في كل بناء هُوياتي. لكن هناك أسطرة وأسطرة. فبواسطة الأساطير يمكن أن نبني جسورا أو نحفر خنادقا. والمسالة تعود في آخر المطاف إلى الخلفية الأخلاقية للأسطورة. لكن المشكلة مع الهوية الجماعية يتمثل في كونها تتحدد بالتضاد مع الآخر، لهذا من الصعب على الهوية الجماعية أن تراجع نفسها، إلا في حالات نادرة في التاريخ، كما هو شأن ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. والكارثة تحدث عندما تعجز هوية جماعية ما في الحفاظ على وحدتها بفعل ضربات الهويات الفرعية المكونة لها. في هذه الحالة تفتح أبواب جهنم الحروب الأهلية
     
  11. شكرا أخي السي محمد اليعقابي..لقد لامست بدقة فعل الأسطرة..وأهنئك على هذا العمق...غير أن فيما يخص الهوية، فلدي إحساس بالخيط الرفيع الذي لا يكاد يميز بين هوية وأخرى..فأنا، (وهذا للنقاش دائما بحيث لا أدعي أنني ألم بالكل)، لا أرى أن من الضروري أن تتميز الهوية بالتضاد مع الاخر..فنحن راهنا نتوق إلى حداثة الغرب لآنها جميلة، لكننا نخشى فقط سلبياتها، وبالتالي علينا أن ننتقي ليس حفاظا على هويتنا الخام ولكن طموحا إلى تطويرها من أجل منافستها وليس مخالفتها القطعية...وما فعلته ألمانية، بعد الحرب العالمية الثانية، هي أنها عادت إلى الهوية الأصلية لها، أي إلى ثقافة روما وأثينا..فتحولها الذي بدأ مع النازية قبل الحرب الثانية، هو انحراف إلى العرقية الجرمانية، بعد أن فشلت في الحرب الأولى..وما فتح أبواب جهنم الحروب الأهلية عموما، كما جاء في ردك الرائع هذا، سوى انفجار الهوية من خارج كيانها، وذلك انطلاقا من المبالغة في الولاء الأعمى لهوية الآخر..
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  12. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    "غير أن فيما يخص الهوية، فلدي إحساس بالخيط الرفيع الذي لا يكاد يميز بين هوية وأخرى..فأنا، (وهذا للنقاش دائما بحيث لا أدعي أنني ألم بالكل)، لا أرى أن من الضروري أن تتميز الهوية بالتضاد مع الاخر"
    هذا هو المرجو. وكما قال جاك بيرك: "الثقافات هي فرضيات إنسانية"، فكل هوية جماعية والثقافة التي تشكل قاعدة لها، ثروة في رصيد الإنسانية جمعاء. أو إذا انتقلنا إلى عالم النبات: كل هوية زهرة في حديقة الإنسانية، بشرط أن يعي الجميع أننا في حديقة وليس في حلبة صراع.
    مع تحيتي لك أخي العربي
     

مشاركة هذه الصفحة