1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

مراجعة لغوية بين عرب وأمازيغ... أسئلة هادئة في كومة فوضى

الموضوع في 'أخبار و مقالات' بواسطة كفاح جرار, بتاريخ ‏4/7/17.

  1. كفاح جرار

    كفاح جرار الباحث

    يخطئ من يظن أن أول تماس حقيقي حدث بين سكان شمال إفريقيا وعرب الشام والجزيرة كان مع توافد أفواج قوات الفتح الإسلامي بعد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
    ارتبط هذا الاعتقاد والفهم عند كثيرين بأولوية السيف على القناعة والقهر والتعسف والمصادرة على القبول العقلي والتوافق الفكري والاجتماعي، وهناك من أقام صلة الوصل بين ضفتي الوطن الكبير، بفتوحات الملك المشواشي شوشناق الليبي، وهذه مغالطة أخرى رغم صدقيتها النسبية.
    فلم يكن هذا الملك الذي حكم إضافة إلى مصر وشمال إفريقية، بلاد الشام وبعض العراق ووصل حتى حدود الحجاز، إلا ملكا من أصول معينية، تمتد جذوره عميقة إلى ما وراء جزيرة العرب، ما يعني أن التماس الاجتماعي الذي وقع كان قبل شوشناق أيضا.
    لم يخبرنا التاريخ كثيرا عن تلك الفترة التاريخية الموغلة في القدم، ربما لعدم وجود اهتمام جدي بكشف الغطاء عن تلك الحقبة، ولأسباب تبقى مجهولة هي في أدنى حالاتها تحمل نوايا سيئة أو مشبوهة تعزز القطع والفرقة، والتناحر الإثني.
    أسئلة حائرة
    يصعب قبول فكرة أن روما الوثنية، ثم المسيحية وحدتنا بهراوتها وقسوتها، وأن الإسلام فرقنا بعدله وسماحته، ففي مثل هذا القول أكثر من شتيمة، وأعظم من مسبة، تعمنا جميعا بمن هم بين ظهرانينا من ملحدين ولادينيين.
    السؤال الشبهة هنا، يتمحور حول عدة نقاط، أولا عن هوية /الجهة/ القوة/ الفئة، التي تريدنا أن نجهل بعضنا البعض؟ وثانيا من يهمه كثيرا تأجيج نار العداوة بيننا؟ وثالثا من هو الحريص على تأكيد القطع التاريخي بين المغرب والمشرق؟ ورابعا من الذي أسس وما يزال يؤسس للغربة بيننا؟ وخامسا وسادسا وو من هو الذي مسح فترة تاريخية هامة جدا وطويلة جدا بين جناحي الوطن تمتد على الأقل كما بتنا نعرف من 950 ق.م ولغاية البعثة النبوية المباركة، أي نحو 1600 سنة.
    وإن خصصنا الأسئلة أكثر، فنحن نعرف تقريبا أن أول إشارة تاريخية أمازيغية كانت سنة 900 ق.م ونعرف أن الملك صيفاقس وماسينيسا ومغامرات هانيبعل القرطاجي كانت في حوالي 202 ق.م، فهل نعرف أشياء تستحق وذات شأن طيلة تلك القرون السبعة من الوجود الحضري، بدءا من 900 ق.م إلى 200 ق.م، هل عجزنا عن البحث والتنقيب في تلك المرحلة، فانطلقنا خلاف ذلك بشجاعة وهمة لتأكيد اختلافنا العرقي والأصولي والثقافي، عوض دراسة ما قد يقربنا أكثر، أو على الأقل يميط اللثام عن أصول نشتهي معرفتها لنؤكد بعدها تمايزنا الهوياتي "من نحن" بفم ملآن كما يقال.
    من سوء النية المبالغ فيه: أن نقول قد عرفنا ولم نسعد بتلك المعرفة، فعملنا على طمسها بتأكيد نقيضها، والحق لا نحن أو غيرنا عرف ثم بدل وغير وحرف وزور، ربما نحن أعجز عن صناعة ذلك، أما القوة الوحيدة التي ستعمل جاهدة لإخفاء ملامح تلك الحقبة، وستعمل على طمسها والتشكيك بصدقيتها هي جهة واحدة، تعتاش على ضعفنا وتتغذى من هزائمنا، وقد جندت جميع أدوات المعرفة ونوافذها وآلياتها، لتأكيد انتمائها الحضاري للمنطقة وأنها الأصل وسط هذه الفروع، وبخاصة في علم التاريخ واللسانيات والأنثروبولوجيا وأصول الأديان.
    إن الباحث عن شرعية وجودية، تؤكد سحنته ورطانة لسانه على غربته عنا، هو المستفيد الأول من ذلك، ليس حيال الآخر، وإنما أمام نفسه ومستقبل أجياله، إنه يبحث لهم عن إجابات وجودية مقنعة وسط بيئة معادية ومتجانسة، والمطلوب أن تكف عن عدائها بأن تراه صديقا وحليفا، وأن ينفرط عقد تجانسها بإثارة نعراتها الإثنية والطائفية والمذهبية واللغوية.
    الآن..
    هل يعقل أن العرب الذين تاجروا مع بلاد فارس وما وراء السند ووصلوا إلى الفيتنام ولاوس والصين قبل الإسلام، وتاجروا مع الروم والقبط، وصالوا وجالوا في كافة الربوع المعروفة في تلك الأيام، عجزوا أو فشلوا أو لم يكن يغريهم الوصول إلى شمال إفريقية حيث شواطئ بحر الظلمات؟.
    وفي نفس الوقت وبنفس المعنى، هل يعقل أن الأمازيغ بمختلف شعوبهم ومشاربهم وانتماءاتهم، الذين امتهنوا الزراعة والتجارة، وكانت تربطهم علاقات وثيقة مع مصر والسودان والحبشة وشعوب ما وراء الصحراء، ولم يكن يعنيهم التوغل البحري شمالا أي نحو روما وملحقاتها، لم يكن يغريهم الوصول إلى هضبة نجد والحجاز واكتشاف المناطق الواقعة وراء بلاد الشام التي كانوا يعرفونها؟.
    لقد وصل الرحالة الأمازيغي المسلم ابن بطوطة إلى جزيرتي الفيليبين وسيريلانكا وما بعدهما، فهل كان أجداده أقل نشاطا وفضولا منه ليقطعوا فقط أقل من ربع المسافة التي قطعها الحفيد ليصلوا إلى الشام والحجاز وبلاد الرافدين، في الأمر غرابة وأكثر من علامة استفهام؟.
    هذا إذا عرفنا أيضا أن شمال إفريقية المسيحي البيزنطي كان يتبع للمركز في القسطنطينية، وقبل ذلك كان المركز جلق أي دمشق، وإنطاكية وحمص، ثم إن المسيح عليه وعلى أمه السلام الذي آمنوا به كان ناصريا فلسطينيا مقدسيا، فهل يعقل وهل المطلوب منا أن نصدق أن أمازيغيا واحدا عاقلا ومتنفذا لم يسأل نفسه من تكون هذه فلسطين والناصرة وبيت المقدس التي ولد فيها نبي ورسول النصرانية، أو حتى ربها كما آمنوا بشركهم، ألا يبحث العاقل عن أصل ربه؟.
    وإن حدث ذلك، أي كان القطع والطلاق حتمية تاريخية، فإن اليهود الذين سكنوا شمال إفريقية بعد الملك نبوخذنصر، وحملوا معهم تراثا ثقافيا كنعانيا أصيلا، وإرثا دينيا شاميا أصيلا، كان من الأجدر بهم والمفروض والبديهي أن يخبروا أمازيغ هذه الأرض عن أصولهم الدينية وعن أنبيائهم الأوائل، وأن يكونوا قد تواصلوا أيضا مع شعوب تلك الأراضي، فلماذا لم يقع ذلك أيضا؟.
    هناك إذن من يهمه تأكيد القطيعة التاريخية بين الطرفين زورا وكذبا وافتراء، بل وهو الأحرص على خلق بحر ناري عظيم يمتد من برقة وطرابلس ولغاية البحر الأحمر وصحراء سيناء وبيت المقدس، فيقتنع الناس بعدها أن من كانوا هنا هم هنا منذ الأزل، وأن من كانوا هناك هم هناك منذ الأزل، وأن العداوة بينهما لم تنقطع، مع عدم وجود أي مبرر معقول لهذه العداوة، وإن لم توجد العداوة وكان الجهل سيدهم، أي يجهلون بعضهم البعض وهم جيران، فإنهم لم يفكروا معا، وكأنهم اتفقوا على ذلك، في اكتشاف بعضهم البعض؟ هل يعقل هذا تاريخيا؟.
    كان الأمازيغ أهل زرع وتجارة ورعي، وكان العرب أهل زرع وتجارة ورعي، وقد سبق لهؤلاء أن تعارفوا وتآلفوا وتثاقفوا فيما بينهم قبل الإسلام بطبيعة الحال، ولم يكن الإسلام رغم أهميته هو همزة الوصل بينهم، وإنما كان التجار الأمازيغ يجوبون الشواطئ الجنوبية لـ "بحر الروم/الأبيض" والشواطئ الشرقية والغربية لـ"بحر القلزم/الأحمر"، ووصلوا الحجاز وبلاد الرافدين والبحرين، وتعرفوا على الامبراطورية الفارسية والامبراطورية البيزنطية، وما يهم أنهم عرفوا بمبعث رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام وسمعوا به وذهبوا إليه، وقد عرفوا قبل ذلك ما حل بجيش أبرهة الحبشي من عذاب ساحق، وكان فيهم النصارى الذين أدهشهم هذا الحدث، ومن الأمازيغ من تعرف على العرب المسلمين في الحبشة يوم كانوا لاجئين عند ملكها النجاشي.
    علامة فارقة
    ما يمكن الوثوق به والاطمئنان إليه، رغم عظم الخلافات القائمة وهشاشتها، التي وصلت حد الافتخار العرقي الوثني، كالتغني بتاريخ الكاهنة تيهيا المقاوم، أن لا أحد من جميع الفرقاء يمكنه التشكيك بالهوية الإسلامية للمختلفين، فقد تكون هذه نقطة التقاء صالحة ومتفق عليها يمكن البناء عليها، وقد عرفنا وحيا أن أبرهة الحبشي قائد جند النجاشي رغب في تحويل الناس عن البيت الحرام إلى كنيسة القليس الصنعانية، فهاجم مكة البيت الحرام، الذي كان فيها هلكته، وقد كان أبرهة على دين الحبشة أي الكنيسة النصرانية الأرثوذكسية القبطية، وكان من نتائج تلك الحملة الغبية، أن قدر واحترم وأكبر الروم والرومان، الذين كانوا يدينون بالنصرانية، شأن العرب وبخاصة قريش المعنية بالموضوع، فقال القرشيون إن الله تعالى حمى بيته وأعزه، وقال الناس كل الناس الذين عرفوا بالحملة ونهايتها العجائبية، إن السماء قد تدخلت لحماية قريش وأعزتها، وذلك أنهم ربطوا البيت بأهله، وهذه مفارقة بينتها سورة قريش، فصار لقريش مكانتها الرفيعة عند القياصرة والأباطرة، وعند الأحباش المعني الرئيسي بالقضية، وهي الكنيسة المفضلة عند أمازيغ شمال إفريقية، (وقد احتار النجاشي كما سنرى بعد ذلك بسنوات بأمر قريش المحظية، ساعة لجأ إليه بعض أبنائها فتبعهم سادة قومهم طالبين ردهمم، فأدرك حكمة حادثة الفيل لما عرف بمبعث نبي في قريش من العرب)، فهل جهل هؤلاء الأمازيغ ما كان من أمر أبرهة وجيشه؟.
    في الوقت نفسه، أكبر المجوس من شأن قريش أيضا، فعظم أمرهم عند الأكاسرة الفرس ومن خلفهم، فقال الناس إن السماء أعزت قريشا ومكنتها من أعدائها، ولا يخفى حجم العداء القائم وقتها بين النصارى بقومياتهم، الروم والرومان والحبشة، مع الفرس الوثنيين، وتلك حيرة عظيمة وقع فيها الجميع، أربكت الوثني والكتابي النصراني معا بمن فيهم اليهود. فهل غاب كل ذلك عن الأمازيغ، وهم الأقرب تاريخيا وجغرافيا وثقافيا للعرب؟.
    لقد دقت كنائس شمال إفريقية مؤكدة هزيمة أبرهة ومعلنة بدء تاريخ جديد، كما استبشر اليهود على أندادهم من النصارى، مستبشرين بدورهم بنبي آت يعزهم ويعلي شأوهم، لطالما تدخلت السماء ضد النصارى هذه المرة وهم الذين يزعمون أن "ابن الله" ربهم، لقد نسفت الأحداث صدقية هذا الزعم، فكيف يعذب الله تعالى قوما يعبدون له ابنا كما يقولون؟ على الجميع إذن أن يقرأوا عقائدهم من جديد.
    ورأيت الناس أفواجا
    مفارقة أخرى يصعب فهمها واستيعابها، تتعلق بالذين يدخلون في دين الله أفواجا بعد فتح مكة، وقد بايع رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام على الإسلام والسمع والطاعة من كل أمة وشعب جماعة منهم، فلماذا يمنعون مثل هذه البيعة على الأمازيغ، هل قصد حرمانهم من شرف الصحبة النبوية أم لتأكيد عداء لا مبرر له للإسلام ورسوله؟.
    أرسل الأمازيغ وفدا مشتركا منهم، كان وفدا من الكهان والتجار، ترأسه الموحدون منهم، أي الجيتوليين أهل الصحراء ومنهم الإيموشاغ الذين كانوا يعبدون الإله الواحد "أمناي" الذي يتطابق ويتماثل عقائديا مع الإله الواحد "إيل".. كانت وجهة الوفد المدينة المنورة التي بعث فيها الرسول الخاتم، كما عرفوه من إنجيلهم وتوراتهم، وكما أخبرهم عنه تجارهم الذين كانوا في الشام وفلسطين والحبشة.
    لسوف يبقى الخلاف قائما حول أصل البربر ونسبهم والمكان الذي قدموا منه، رغم الاتفاق على أنّهم ينتمون إلى الجنس السّامي، فهل هم من أبناء مازيغ بن كنعان، أو من ولد كنعان بن حام بن نوح، كما أكد وفدهم أمام الخليفة عمر بن الخطاب بعد فتح مصر قائلين أنهم أمازيغ ولم يقولوا أنّهم بربر.
    وهم عند طائفة ينتمون إلى قيس بن عيلان بن مضر من جزيرة العرب، إذ تنتمي قبيلة لواته المغربية إلى حِمْيَرْ اليمنية، وهوّارة من كندة في قلب الجزيرة العربية، وزناتة من التبابعة أو من العمالقة الهكسوس وكلهم قبائل عربية، بل إن شوشناق الأول نفسه كان من المعينيين.
    وقد امتدح الجميع صفاتهم عدا الرومان واليونان، فقالوا: إنهم تخلقوا بالفضائل الإنسانية وتنافسوا في الخلال الحميدة وما حُبِلوا عليه من الخلق الكريم، من عز الجوار وحماية النزيل ورعي الأدمة والوسائل والوفاء بالقول والعهد والصبر على المكاره والثبات في الشدائد وحسن الملكة والإغضاء عن العيوب والتجافي عن الانتقام والرحمة بالمسكين وبرِّ الكبير وتوقير أهل العلم وحمل الكَلِّ وتهيئة الكسب للمعدوم وقرى الضيف والإعانة على النوائب وعلو الهمة وإباء الضيم ومقارعة الخطوب وغلاب الملك. .
    بالإضافة إلى الأمازيغ بأعراقهم، كانت هناك أقليّات تعيش على أرض المغرب أهمّها على الإطلاق اليهود والرومان، فبالنسبة لليهود، فتاريخ وجودهم بمنطقة الشمال الأفريقي يعود إلى عهد بختنصر ملك الأشوريين أي إلى سنة 586ق.م وكانوا يعتبرون جالية مستقلة لأنّهم تجنبوا دوما الاختلاط مع السكان واهتموا فقط بخدمة مصالحهم الاقتصادية.
    أمّا الرومان فقد عملوا على نشر المسيحية بين السكان، وادعوا إيصال الحضارة لهم، وآثارهم ما زالت قابعة في معظم مناطق الشمال الأفريقي، لكن تأثيرهم لم ينفذ إلى قلب الشمال الأفريقي ونقصد به منطقة الصحراء الكبرى، فلما دخل الفاتحون العرب إلى هذه المناطق وجدوا سكان تلك المناطق متمسكين بثقافتهم وعاداتهم القبلية.
    العرب والإقصاء
    ولكن قبل ذلك، هل كان عند العرب وسيدتهم القرشية استعدادا لقبول الآخر المختلف، حسب مصطلحات العصر، وما هي درجة ذلك القبول إن وجد، وهل كان العرب بعد إسلامهم من القوى الغالبة الإقصائية، التي تؤمن بالحلول الطبيعي كظاهرة اجتماعية/ ثقافية، فأزاحت ثقافة أو دمرتها وقمعتها لتحل ثقافتهم مكانها، بالقوة والقهر والعنف؟.
    لاشك أن اللسان/اللغة هو معيار الثقافة وآلتها الأولى، به يجري التواصل والانتاج والتوريث، ومن أراد أن يلغي وجود أمة فعليه بلغتها، إما تمييعا أو تجهيلا أو محوا، والطريقة الأمثل والأنظف، أن يحل اللسان الغالب مكان اللسان المغلوب، فيقضي على وجوده الثقافي والاجتماعي والتاريخي، ثم يجعله تابعا له، فاعلا ومنفعلا به، كما صنعت الفرنسية بكثير من اللغات الإفريقية المحلية، وكما صنع الأوربيون بشعوب الأمريكيتين، فمن لم تطحنه ماكينتهم القاتلة، جعلته تابعا للثقافة البرتغالية والإسبانية أو الإنكليزية والفرنسية، ونسي أولئك الغلابة المغلوبين في وقت قياسي لغتهم وثقافتهم الأم، ولولا اللون والسحنة ربما، لفقدوا انتماءهم الإنساني أيضا.
    فهل كان العرب مثل هؤلاء، في جاهليتهم وإسلامهم؟.
    من يقينيات التاريخ، تأكيدنا حالة الجوار بين يهود يثرب وعربها من أوس وخزرج، وما حولهم من قبائل بدوية متناحرة، مثل عبس وذبيان..إلخ، واللافت هنا أن اليهود بتزمتهم عاشوا بسلام وإلفة مع العرب بجاهليتهم، رغم فكرهم الغيتوي، الذي حملوه معهم في نفس الجيب الذي يدسون فيه توراتهم.
    فهل من قبول للآخر المختلف أكبر من ذلك؟، جميعنا يعرف وفينا من يتغنى بوفاء السموأل الشاعر "اليهودي" لأمانة امرؤ القيس "الوثني" من أسياف ودروع، فأن يستودع أحد ملوك العرب وديعته لدى يهودي من دون الجميع، فذلك يعني أن هؤلاء كانوا على نقيض جميع الشعوب المحيطة بهم، يقبلون الآخر بل ولا تستقيم موازينهم إلا بوجود المختلف.
    فهل جاء الإسلام ليتمم ما فيه العرب من قبول وتسامح واستيعاب، أو ليشكل لوحة تزمتهم وانغلاقهم وتحجرهم ثم حديتهم ورفضهم لأي اختلاف وتمايز؟.
    من كان بمثل هذا الانفتاح الاجتماعي والتعدد التثاقفي في جاهليته، فلا بد أنه الأمثل تواصليا وعلائقيا في معرفته الجديدة، وإلا كيف تمم نبيهم مكارم الأخلاق، تلك أمة لم تكن تخشى على نفسها التلاشي والذوبان والاضمحلال، وهي عند العارفين مقارنة بحال الأمة اليوم، أمة أخرى غير تلك، ولا تمت إليها بصلة تذكر، اللهم إلا في البقعة الجغرافية نفسها
    ليس أعظم ديمقراطية ثقافية من ديمقراطية قريش، التي نزل القرآن الكريم بلهجتها، فأبى القرشيون إلا أن يشاطرهم كل العرب في لهجات القراءة فكانت القراءات السبع، ولو تعامل القرشيون والمدينيون ومن معهم من الفاتحين مع الشعوب الأخرى بمثل منطق الأوربيين في اكتشافاتهم الجغرافية الكبرى، لما وجدنا اليوم فارسي وهندي وأفغاني وتركي، على نفس القاعدة الإيمانية، يتحدث لغته، فما بالكم بعدها بأرمني وآشوري ورومي يدين بغير دينهم ويتحدث بلسان غير لسانهم، فكان من باب أولى أن يفرضوا دينهم ثم لسانهم على الجميع، فهل صنعوا ذلك؟.
    كيف يزعم الزاعمون أن العرب قدموا قوة السيف وإرهابه على القناعة العقلية الإيمانية، والقبول الديمقراطي الحر، وفينا اليهودي والنصراني والأمازيغي والكوردي الذي ساعده العرب على المحفاظة على ثقافته ولسانه، لقد كانوا أهل ثراء وغنى معرفي، ومثل هؤلاء الذين كانوا يعطون للشعر درجة القداسة يهمهم كثيرا التنوع والاختلاف، فهم يعيشون فيه ويتواصلون من خلاله، ولم نعرف مثلا أن الآوس والخرزج تعرضوا لليهود بين ظهرانيهم وقاتلوهم، رغم الاختلاف الديني واللساني والثقافي بين الفريقين، كما لم نعرف أن قريشا تعرضت لمن يخالفها الدين والمذهب والثقافة، بل قيل فيهم أنهم كانوا على دين المجوس، ويرفضون التماثل والتبعية والتناسخ، تلك كانت عقلية العرب قبل الإسلام، فكيف وقد جاء من يشذبها ويهذبها ويرقيها، فكانت الأندلس أعظم دولة مدنية متحضرة و"إنسانية" عرفتها الأرض استوعبت الجميع وصهرتهم في سلميتها الثقافية الراقية.
    أليست ثقافة الأندلس خليطا عربيا أمازيغيا رائقا ورائعا ومتجانسا؟.
     
  2. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    أستاذ كفاح،
    الموضوع يحتاج إلى تفكير هادئ لقطع الطريق أمام الذين يصطادون في الماء العكر. الذين يبنون أسيجة حول ما يزعمون أنه هويتهم. ولي عودة مطولة إلى الموضوع بمقال أنا بصدد كتابته.
     
    أعجب بهذه المشاركة كفاح جرار
  3. محمد فري

    محمد فري المدير العام طاقم الإدارة

    شكرا للأستاذ كفاح جرار على مساهمته بهذا المقال/البحث القيم والمهم الذي أثار نقاشا حادا بين المهتمين بالموضوع ...ومازال الموضوع قائما بين الدارسين الذين تحفزهم وتوجههم دوافع مختلفة ...
    كل المودة
     

مشاركة هذه الصفحة