1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

أدب المهجر - الأدب المهجري - أدب المنفى

الموضوع في 'مختارات نقوس المهدي' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏18/5/17.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    نقوس المهدي - الأدب المهجري تاريخه خصوصياته ومظاهره

    لا يمكن تحقيب الأدب ودراسته بحسب التقسيم المرحلي فحسب، بل ينتظم أيضا بحسب الحركات والمدارس الأدبية، لأن التاريخ عبر مساره الطويل عرف العديد من موجات النزوح الفردية والجماعية.. وبالتالي فقد عرف ميلاد العديد من المدارس الأدبية وخصوصياتها الجمالية.. من هذا المنطلق يمكننا الحديث عن أدب مهجري قائم بذاته.. لكن أن تكون له مدرسة فنية تميزه وتؤرخ له فذلك لم يبتدئ إلا مع موجات الهجرات الجماعية من الشام إلى الأمريكيتين.. هربا من الخدمة العسكرية والاضطهاد والقهر والاستبداد والظلم الاجتماعي والاضطهاد الديني والعرقي وضيق الحال.. بين الفترات الممتدة من نهاية القرن التاسع عشر إلى حوالي النصف الأول من القرن العشرين، بحثا عن سماوات أخرى اقل ضيقا وأكثر رحابة وحرية وانطلاقا، وكان لا بد أن يحمل هؤلاء المهاجرين - الذين تجاوز عددهم بحسب التقديرات حوالي مليوني مهاجر - إلى الضفاف الأخرى بدل الأمتعة أمانيهم وثقافاتهم وأحلامهم الواسعة التي لا ضفاف لها، مبشرين بالتعايش والتسامح ونشر حوار الحضارات وروح المثاقفة، الشيء الذي حدا بالرئيس الأميركي روزفلت إلى مخاطبة جبران خليل جبران بتعبير جميل وجد معبر: " أنت أول عاصفة انطلقت من الشرق واكتسحت الغرب، ولكنها لم تحمل إلى شواطئنا إلا الزهور..

    كان أدباء المهجر على اختلاف مشاربهم وإثنياتهم وتطلعاتهم ومذاهبهم الفكرية والعقدية والدينية يوحدهم عشق الحرف وصدق الانتماء للأرض والوطن والآمال الجمعية العريضة إلى التحرر وحرية الإبداع والمعتقد،‮-;- وكان لزاما أن يحملوا معه لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم ويكتبون أدبا عربيا متأثرا طبعا بما هو رائج في تلك المجتمعات التي غطت كامل تراب الأمريكيتين، وكان صعبا أيضا أن لايتم ذلك الانصهار السريع للجاليات الممزوجة بلحام العروبة والدم والوطن والدين في تلك المجتمعات، مما سيصنع منها شبه شعب متحد في مجتمع جديد " غريب الوجه واليد واللسان.. " كما يقول المتنبي واصفا اغترابه في بلاد فارس.. حتى أننا نستطيع الجزم بأن كل التحولات العظيمة التي طرأت على تاريخ الأدب والفن العربيين تمت علي أيدي هؤلاء الأدباء المهاجرين بحكم تأثرهم بالبيئة الامريكية وبعطاءات المدارس الرومانسية والرمزية الغربية من جهة، فظهرت تبعا لهذه الطموحات والتحولات العديد من المدارس والمجلات الأدبية، وعرفت الساحة الأدبية أنماطا لم يعهدها الأدب العربي من قبل تجلت في بعض المحاولات النّثرية وإرهاصات الكتابة الروائية والقصصية لذا هذا الجيل الأول، ونشأت نظريات ورؤى تجديدية انعكست ايجابيا على مستوى الشكل والمضمون والروح، وبالحركات التجديدية لكل من مدرسة الديوان وشعراء مدرسة ابولو وغيرهم من الشعراء المجددين.. في وقت كان الأدب العربي يعاني من يبس الركود والتقهقر، والنهضة العربية في بداياتها المبكرة تتلمس بالكاد طريقها، وتعيد باستحياء إنتاج وبعث نصوص تراثية هجينة..

    إن مفهوم الأدب المهجري وتداعياته وشجونه ومواضيعه وخصوصياته يكاد يكون قاسما مشتركا في كتابات جميع الأدباء والمثقفين المغتربين، وحتى بالنسبة للسلالات اللاحقة في ما يطلق عليه أدب الدياسبورا.. والتي تراوح بين انتماءين ووطنين وجنسيتين وهويتين وثقافتين..

    هذه البينونة هي التي تمنح الأدب المهجري هويته وخصوصياته وقيمته الجمالية بين الآداب والفنون الأخرى، والثقافات المتنوعة والحضارات. وتسعى باستماتة قصوى إلى مقاومة الاستلاب والتغريب وتهديد الهوية..

    فهذا الشاعر العباسي أبو الحسن علي ابن زريق البغدادي يصف في قصيدة الفراقية الشهيرة لوعته وحسرته على فراق أهله وزوجته التي هاجر من اجلها طلبا لسعة الرزق في بلاد الأندلس الذي اعتبر الملاذ الأول الذي استقبل العديد من الشعراء في تلك الأحقاب:

    اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً = بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
    وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي = صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
    وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً = وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
    رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ = وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ

    أما قبل.. وتحديدا بالقرن الثامن نصادف أبياتا لعبد الرحمن الداخل تقول بعد أن نظر إلى نخلة:

    تبدت لنا وسط الرصافة نخلة = تناءت بارض الغرب عن بلد النخل
    فقلت شبيهي في التغرب والنوى = وطول التنائي عن بيتي وعن أهلي

    ابو تمام يقول:

    تغرب عن الأوطان في طلب العلا = وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
    تفرج هم واكتساب معيشة = وعلم وآداب وصحبة ماجد


    ***

    - أدب المهجر نظرة في المصطلح

    اقترن أدب المهجر في تاريخيتة بالقمع السياسي وبالعقم الاقتصادي
    ذلك انه حينما يخطر أدب المهجر على البال تخطر معه كمهاد تلك الحكايات الممزوجة بالاغتراب عن الأوطان والتي يعكسها الكثير من الشعراء في قصائد شعرية، وأسسوا العديد من الأندية الثقافية والمجلات والصحف والصالونات الأدبية كما لو كانوا في أوطانهم الأصلية فبادروا الى تأسيس جمعيات وإصدار صحف ونشرات تحتضن أنشطتهم ومنجزاتهم الأدبية والاجتماعية..

    فأُنشِئت سنة 1920 في المهجر الشمالي الرابطة القلمية بنيويورك ورأَسها جبران خليل جبران وكان لسان حالها جريدة السّائح
    وفي المهجر الجنوبي أسس الشاعر ميشال معلوف في العاصمة البرازيلية العصبةَ الأندلسية ومجلتها " الأندلس الجديدة "
    فيما ظهرت العديد من الأندية والرابطات فأسس أحمد زكي أبو شادي سنة1948 رابطة مينيرفا في نيويورك، وجماعة أبولو، وأسّس الشاعر جورج صيدح الرابطة الأدبية سنة 1949 بالعاصمة الأرجنتينية
    لكن الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية ظلتا كمدرستين مستقلتين ميلادا ومصدرا لموجة ادبية جديدة أسهمت بطريقة راسخة في النهضة الأدبية العربية واثرت في الادب العربي بشكل واضح وايجابي . تزامنا مع نشوء بعض حركات التجديد التي عرفها الادب العربي وقتئذ..


    ***

    خصائص الادب المهجري

    إن أدب المهاجر لا يكاد يختلف من بلد أو من زمن لآخر.. فهو أدب غريب في بلد غريب كما يقولون، إذ يشكل القاسم المشترك فيه الحفاظ على الهوية اللغوية والاثنية، والحنين الى الأوطان، والارتباط بالجذور، وعدم الانصهار الكلي بالثقافات وعادات البلد المضيف، ونشر المبادئ السامية والمثل العليا بين الناس.. كيف ما كان الأمر فإنه لن يمنع من إثارة أسئلة حول تاثير أدب المهجر في الثقافات والآداب الموازية الأخرى التي أثرت على مظاهر حياتهم، وتعرف الغرب عبرهم على الصوت العربي وبدأت ترجمة النصوص التراثية والدينية والفلسفة الشرقية، وكانت تلك الجهود بداية ومدخلا لتجديد الأدب العربي ككل..

    ومهما يكن من أمر فانه لا احد يستطيع أن يتصور أن حياة المهاجرين مفروشة بالورود والرياحين.. خاصة فيما يتعلق بالهجرة السرية والمضايقات وسوء استقبال دول المهجر.. إذ يقاسي معظمهم من حياة صعبة محفوفة بالمخاطر والاستلاب الفكري والروحي، فقط تصبح اللغة والخيال الملاذ والمتنفس الذي يوحدهم في الشتات.. ولا غرابة أن تهيمن النزعة الصوفية والنبرة العاطفية المحملة بالحنين والحزن على مجمل إمداداتهم

    وإذا كان الاستعمار العثماني وراء النزوح الى الأمريكيتين، فان الاستعمار الجديد الفرنسي والانجليزي كان احد دوافع هجرات من نوع آخر اختلطت فيه الهجرات التقليدية مع مرور الأعوام، بالتهجير واللجوء السياسي والمنافي والدراسة والزواج المختلط والهجرة السرية فرارا من البطالة، والهرب من الاستعمار والقمع الذي تمارسه السلطات البلد.. وكان من المنطقي نشوء آداب مكتوبة باللغة الفرنسية او الاسبانية وبالانجليزية تحت الإكراهات الصعبة للاحتلال وكنوع من الاستلاب اللغوي وكنوع من الانتقام للوطن.. وهذا لا يمنع من القول باحتفاظ العديد من المثقفين العرب المغتربين على لغتهم وأصالتهم وهويتهم خاصة أولئك الذين رمت بهم الأقدار إلى بلاد لايتقنون لغة أهلها.. وأسسوا مجلات ودوريات ومنابر أدبية تتابع تحركاتهم وأنشطتهم الثقافية والعلمية.. ولا نمو بدون جذور كما يقولون، وهذه الجذور هي التي ستصنع فيما سنرى نوعا آخر من أدب المهاجر، لدى الجيل الثالث وما إليه والذي انعكس بشكل بليغ على هذه الآداب واثر فيها بطريقة أو بأخرى..

    وسوف تشهد فرنسا على الخصوص ابتداء من منتصف القرن الماضي أي بعد انحسار وانتهاء التاريخ الذهبي للهجرة العربية في الأمريكيتين موجات واسعة من الهجرات وذلك بحكم استعمارها لبلدان المغرب العربي، وفي وجود لغة مضيافة يتقنها هؤلاء الأهالي، الذين اعتبروا من الدرجة الثانية كان لابد أن يكتب هؤلاء المهاجرون بلغة المستعمر ويعبرون بها عن أحاسيسهم وتطلعاتهم وهواجسهم. ونشأ أدب مهجري يتكلم لغة الوطن المضيف لكن بنبرة متوحشة لا تجامل ولا تهادن، وبها الكثير من التحدي للفرنسيين في عقر دارهم..

    دون أن ننسى الكتابات التي تطرقت إلى موضوع المهاجرين ومشاكلهم النفسية والاقتصادية والاجتماعية من أثار العزلات والزواج المختلط والاعمال الهجينة التي يقبل عليها المهاجرون.. وما يسببه كل ذلك من شروخ عميقة في الروح البشرية ونصادف في هذا المضمار كما هائلا من البحوث والسرود والبحوث الميدانية والدراسات أهمها على الخصوص أعلى درجات العزلة للطاهر بن جلون وو

    عطفا على هذه الظواهر اللسانية يمكننا ملاحظة تداخل عنصرين في هذا السياق " التعدد اللغوي" و"تعدد الأصوات" لدى هؤلاء المهاجرين المتميزين بموقفين اثنين بدن هناك وقلب في الوطن

    * مالك حداد
    " اللغة الفرنسية حاجز بيني وبين وطني أشد وأقوى من حاجز البحر المتوسط وأنا عاجز عن أن أعبر بالعربية عما أشعر به بالعربية.. إن الفرنسية لمنفاي"

    * أمين الزاوي
    "انا كاتب باللغة العربية واللغة الفرنسية مستعمرتي الجديدة"-
    - "الكتابة شكل من أشكال المغامرة: هي مغامرة مع المواضيع والواقع واللغة أيضا. تحولي إلى الفرنسية كان إذاً مغامرة. كنت في فرنسا، مدرسا في إحدى الجامعات، وكنت أريد الوصول إلى القارئ الفرنسي، فوجب علي أن أخاطبه بلغته"

    بالنسبة لمحمد خير الدين الذي يصف الكتابة باللغة الفرنسية نوعا من "حرب عصابات" داخل اللغة، ولأنه كما يقول: "أنا هنا منذ 1965م لا أحسني منفياً على الإطلاق، لماذا؟ لأن الفرنسيين حين احتلونا، لم يشعروا أنهم منفيون، ولن أذهب إلى حد الادعاء أنني احتل فرنسا"

    * يخلص الطاهر بن جلون الذي يعتبر من الجيل الوسط الذي هاجر من اجل الدراسة الى القول:
    "ويبدو لافتا في هذا السياق تأثير الهجرات العديدة والمتنوعة التي استقر البعض منها بطريقة بنيوية في البلاد بدهيا. يتقدم التمازج العرقي وتغتني الثقافة بالإضافات والإسهامات الجديدة سواء تعلق الأمر بالموسيقى أو الأدب أو فنون الطعام. لقد انتقلت الهجرة إلى مرحلة أخرى؛ بحيث لم نعد في زمن نزوح قرويين أميين من جبال المغرب والجزائر. اجتمع شمل العديد من الأسر وشهد التراب الأوروبي عددا وفيرا من الولادات. ولا يمكن في هذا الصدد اعتبار الأبناء المنحدرين من الهجرة مهاجرين"

    *في رواية الحلم الفرنسي لمحمد حمودان نجده يقول:
    ""أنا أرفض أن ألعب دور الـعربي المؤدب الذي يتغني طول النهار بـ (قيم الغرب الحضارية)، ب(الديمقراطية و الحداثة) في وجه هذا الشرق (المتخلف والمظلم)، فهناك العديد من الكتاب المغاربة وغيرهم ممن يكتبون بالفرنسية يقومون بذلك باحترافية مدهشة، فهم يتقنون ركوب موجات الموضة والإستجابة لما تنتظره منهم المؤسسة وبعض القراء! في آخر المطاف، يبقى هذا شأنهم وليس شأني"

    * يقول رشيد نيني:
    "" المكان بدوره ليس رحيما إحساس بالحزن يلفني وأنا أعبر الشوارع. تستطيع أن تقضي النهار كله سائرا في الطريق دون أن تلقي السلام على أحد. عندما تأتي لتعيش هنا يجب أن تكون قد قررت أن تعيش بجذور مقصوفة. مثل النبتة التي تنتزع من تربتها لتستنبت في تربة أخرى"

    هناك بالمقابل أدب يصف حال المهاجرين كتبه أبناء مهاجرين يحكون فيه عن أحوال آبائهم ومعاناتهم ومكابداتهم في بلاد الروم، وهذه الكتابات بالرغم من أنها كتبت بعيدا عن تجربة أجواء الهجرة فإنها محملة بالألم والحزن، يقول الشاعر المغربي محمد علي الرباوي في مجمل نصوص " من مكابدات السندباد المغربي"، والذي يترجم من خلاله مقدار تأثره بغربة والده، وما تكبده من معاناة وعنصرية وإقصاء سواء في بلاد الله الأخرى أو في وطنه الذي بخل عليه بقبر يأويه ويستره.. ..
    " إلى أبي في أرض الوطن

    أَعْرِفُ أَنَّكَ كُنْتَ غَرِيبَا
    في أَرْضِ الرُّومِ غَرِيبَا
    تَلْتَهِمُ الأَوْرَاشُ دِمَاكَ الفَوَّارَةَ
    تَأْتِيكَ مِنَ الأَحْبَابِ رَسَائِلُ
    بَلْ تَأْتِيكَ قَنَابِلُ
    تَفْتَحُهَا: لِتُحِسَّ الغُرْبَةَ تَقْطَعُ أَوْصَالَكَ
    فَٱ-;-لْحَرْفُ أَمَامَكَ غَابَةُ صَفْصَافٍ
    مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَقْتَحِمَ الغَابَةَ
    مِنْ غَيْرِ سِلاَحٍ
    آهٍ مَنْ يَقْدِرْ


    ***

    ختاما لا اجد سوى مقطعا من قصيدة الظل العالي لمحمود درويش يقول فيها والكلام موجه لفلسطينيي لشتات

    القمحُ مُرٌّ فى حقول الآخرين ، و الماءُ مالح
    و الغيمُ فولاذٌ ، و هذا النجمُ جارح
    و عليك أن تحيا ، و أن تُعطى مقابل حبة الزيتون
    جلدك
    كم كنتَ وحدك يا ابنَ أُمى ،
    يعتبر كاتب ياسين الفرنسية بمتابة " غنيمة حرب"، وهو الذي جعل من اللغة الفرنسية سلاحا لمحاربة المستعمر.. على حد تعبيره.. " كان علي أن أتعلم اللغة الفرنسية.. عشت في عدة لغات، كنت في مدرسة فرنسية مع تلاميذ أوربيين وكان علي أن أسافر إلى فرنسا إلى عاصمة الامبريالية وبالمقابل أحسست انه لزاما علي ان أتكلم الفرنسية أحسن من الفرنسيين أنفسهم لإدهاشهم.. وليقولوا هذه هي الجزائر" "

    يتبع


    .../...


    ـــــــــــــــــــــــ
    * جزء من مداخلة القيت في ندوة حول ادب المهجر بمهرجان ربيع الشعر بمولاي ادريس زرهون ايام 8-9-10/ 04 / 2013
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    منقول - أدب المنفى

    كثير من قراء الأدب يعرفون ما الذي تعنيه كلمة “أدب المهجر” بوصفه الكتابة الأدبية التي تمت كتابتها بعيدا عن الوطن الذي اضطر هذا الأديب أو ذاك إلى الرحيل منه قسرا، والمهجر هو البلد أو البلدان التي فر إليها عدد من الأدباء العرب، واستقروا فيها، كما حدث مع اللبنانيين الذين اضطرتهم الحروب الأهلية والفتن الطائفية إلى الرحيل القسري عن وطنهم الأم بحثا عن الأمان والاستقرار، فوجدوا ملاذهم في المهجر الشمالي حيث الولايات المتحدة التي استقر فيها أمثال جبران، أو المهجر الجنوبي حيث أمريكا اللاتينية في عدد من أقطارها التي استقر فيها المهاجرون اللبنانيون الذين وجدوا الأمن والأمان، فأسسوا مجتمعا خاصا بهم، وانشأوا رابطة قلمية، وأصدروا جرائد عربية. وبرز منهم شعراء عديدون هم الذين أصبحنا نطلق عليهم لقب شعراء المهجر.

    وعندما أتذكر هؤلاء الشعراء اسما اسما، لا أتذكر ولا أعرف منهم روائيا بارزا، أو كاتبا مسرحيا له إنجازاته المتميزة في مجال المسرح. وفى النهاية، أكتشف أن أدب المهجر كان في المقام الأول أدب شعر. وعندما أضم إلى شعراء المهجر ذوي الأصل اللبناني غيرهم من أبناء الأقطار الأخرى، ترد على خاطري الأسماء المصرية، ابتداء من محمود سامي البارودي الذي نفاه الاحتلال البريطاني عقب فشل الثورة العرابية إلى سرنديب في جزيرة سيلان، وظل البارودي لسنوات طويلة إلى أن عاد إلى مصر كهلا محطما. وقل الأمر نفسه على أحمد شوقي الذي نفاه الإنجليز إلى إسبانيا التي ظل فيها إلى انتهاء الحرب العالمية الأولى. وأدرك الإنجليز أن لا خطر منه، فسمحوا له بالعودة إلى مصر. ويعني هذا أن أواخر القرن التاسع عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين، لم يكن هناك نوع أدبي له اعتباره سوى الشعر بالدرجة الأولى.

    لكن المعنى الثاني يرتبط بأن هناك تماثلا وتباينا بين ما نسميه أدب المهجر وأدب المنفى. كلاهما يلتقي في أنه أدب اغتراب اضطر إليه أديب، فرض عليه أن يرتحل من وطنه إلى غيره. ولكن يفترق الاثنان في أن المهجر ارتحال بقرار ذاتي من الأديب لظروف اقتصادية أو غير اقتصادية. وهذا هو الحال مع شعراء المهجر. أما المنفى فأمر مختلف فهو فعل خارج عن إرادة الأديب، ومفروض عليه إما من سلطة احتلال كما حدث مع البارودي وشوقي، أو من سلطة دولة قمعية، البقاء فيها يعني إهدار دم الأديب، كما حدث في القرن العشرين الذي تغير فيه المشهد الأدبي وظهرت فيه الرواية. وهكذا أخذنا نألف اصطلاح المنفى أكثر، ويتسع أدب المنفى لأنواع أدبية لم تعد تقتصر على الشعر بل تجاوزته إلى الرواية التي أصبحنا نعرف اصطلاح “رواية المنفى” بوصفه واحدا من مصطلحاتها أو مجالاتها بلا فارق.
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أدب المنفى: مطرودون ومشتاقون
    ممدوح عزام

    ما هو أدب المنفى؟ هل هو أدب المطرودين، أم أدب المشتاقين؟ هل تغلب على الكتابة الأدبية في المنفى لغة الحنين والشوق وما يمكن أن ينجم عنها من بكائيات، أو من صور للحنين تقدم وطناً وردياً يتضمّن كل العناصر الضرورية والوحيدة لعيش الإنسان؟ أم تغلب عليها لغة المقهور المطارَد الذي أرغمته قوة عاتية، هي هنا الاستعمار المحتل، أو الحكم المستبد، على مغادرة بيته وقريته أو مدينته ووطنه؟

    لا نعرف، حتى الآن، ما الذي يمكن أن يقدّمه الأدب السوري في المنفى، أو أدب المنفى السوري. فأعداد السوريين المهاجرين ما تني تتزايد بلا توقف، والوضع الديموغرافي مرشّح لمزيد من النزيف، ولن نشهد أدباً يُكتب على الأرصفة، حيث هم السوريون المهاجرون أو اللاجئون أو عند شواطئ البحار، وإن كنا نتوقّع أن تكون هذه الأمكنة رصيداً ما لذاكرة السوري الذي أُرغم على مغادرة الوطن أو اختار دون إرغامٍ مباشرٍ الرحيل عنه.

    ولكن ماذا يمكن أن يكتب السوري المنفي أو المهاجر أو اللاجئ؟ لا تستطيع أي حُزمة اقتراحات افتراضية أن تحيط بالمتخيّل الحكائي أو الروائي الذي تختزنه ذاكرة السوري في رحلته إلى المنافي. فأدب المنفى هو أدب استعادة، حيث "تكتسب أتفه الأشياء حيوية ورهافة.. لا حدّ للبهاء فيهما"، كما يقول هازلت، الذي يسمي مكان الاستعادة "عين الذاكرة".

    وأدب المنفى أدبان: أدب النفي في المكان، وأدب النفي عن المكان. وربما كانت رواية "في المنفى"، للراحل جورج سالم، هي الرواية الوحيدة في الأدب السوري التي تقارب وضع المنفى في المكان، وليس عن المكان.

    كانت الرواية قد صدرت في عام 1962، وليس لديّ ما يؤكد أن الروائي أراد التعبير عن اللحظة السياسية المتجسّدة في نظام الوحدة القمعي، أم أن إحساسه الروائي كان من السعة والقدرة على رؤية الحقائق النفسية والشعورية التي تجسّد اغتراب الإنسان السوري الدائم في أرضه وبلاده، بحيث تمكّن من التعبير عنها في هذا النص الروائي الرائد في التعبير عن المنفى.

    ومن يقرأ رواية جورج سالم، يدرك أن الشخصية الروائية تعيش غربة روحية، يتم تجسيدها من خلال النفي في المكان. حين يُعيّن معلّماً في بلدة بلا اسم، ترغمه السلطة فيها على طريقة في "العيش" تنصّ على ألا يتعايش مع أحد فيها.

    والنفي في المكان تغلب عليه مشاعر الحصار والتضييق والرهبة والعزلة الشاملة. أما النفي عن المكان فيحتاج إلى ذاكرة استرجاعية تستطيع أن تعيد خلق الأمكنة المفقودة. فطبيعة النفي هي التي سوف ترسم، بطريقة ما، مخيلة المكان، شكل حضوره في النص الإبداعي، وفي الغالب فإن النفي في المكان يظهره بغيضاً وعدواً، أما النفي عن المكان فيقدّمه في صورة الفردوس المفقود.

    متى يظهر أدب المنفى؟ كم يحتاج المرء من الغياب كي يبدأ في الكتابة عن الأمكنة المفقودة؟ ما علاقة أرض الهجرة الجديدة بشدة الحنين والشوق، أو قوة الشعور بالمطاردة؟
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أدب المهجر.. صوت المغترب
    أحمد حسين

    يُطلق أدب المهجر على النتاج الأدبي لشعراء عرب عاشوا في البلاد التي هاجروا إليها وأقاموا فيها، ويطلق اسم شعراء المهجر عادة على أدباء أهل الشام وخاصة اللبنانيين الذين هاجروا إلى الأميركيتين (الشمالية والجنوبية) في ما بين 1870 حتى أواسط 1900، وقد اعتاد الناس تسمية أعضاء الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية بشعراء المهجر، بينما في الواقع هناك الكثير من الشعراء المهاجرين الذين لم يكونوا أعضاء في تلك الراوابط والنوادي الأدبية. فمع بداية الحرب العالمية الأولى 1914 ظهرت إسهامات أدباء المهجر في ما سُمّي بالمدرسة المهجرية التي تركت بصمة على الأدب العربي.
    ومن أدباء المهجر العرب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة و إيليا أبو ماضي وفوزي معلوف ونسيب عريضة والريحاني، حيث انتشرت أعمالهم الأدبية في المهجر والوطن وأقبل المثقفون العرب على الإطلاع على تلك الأعمال الأدبية التي تتسم بعذوبة الأسلوب وجمال الصياغة.
    ومن خصائص أدب المهجر الحنين للوطن الممزوج بنزعة إنسانية عالمية وفي ذلك يقول إيليا أبو ماضي:
    وطن النجوم أنا هنا حدّق ... أتذكر من أنا؟
    أ أنا ذلك الولد الذي دنياه كانت ههنا!
    أ أنا من مياهك قطرة فاضت جداول من سنا.
    ويتسم أيضاً أدب المهجر بالغنائية الشعرية الرقيقة التي ظهرت في شعر المبدع جبران خليل جبران في قصيدته المواكب، التي غنتها فيروز:
    أعطني الناي وغنّ فالغناء سر الوجود
    وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود
    ما يميز أدب المهجر أيضاً تلك النزعة الإنسانية الممزوجة برومانسية خالصة ويظهر ذلك في شعر فوزي معلوف الذي يناجي قلمه:
    يا يراعي رافقت كل حياتي
    فارْو عني ما كان حقاً وصدقا
    إن لم ألق مثل صمتك صمتا
    حولته عرائس الشعر نطقا.
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أدب المهجر… البيئة والمزايا
    مولود بن زادي

    «الاغتراب عن الوطن هو اقتلاع المرء من جذوره ومحيطه، ووضعه في بيئة أخرى، بعيدة أو قريبة. ويكون إما اغترابا قسريّا أو اختياريا، بعيدا عن مكان ولادته وملعب طفولته وذكرياته وتفاصيل الحياة اليوميّة والجغرافيّة والاجتماعية والعاطفيّة…».
    بهذه الكلمات صوّرت لنا الكاتبة مريم نجمه الهجرةَ، وهي ظاهرة تلازمُ الإنسان منذ ظهوره على سطح الأرض، مؤثرة فيه وفي تفكيره وإبداعه ومن جملة ذلك الأدب. والأدب هو تعبيرٌ عن الأفكار والمشاعر والتجارب، وعادة ما يعكس البيئة التي يحيا فيها أو يرحل إليها المرء. هكذا نشأ الأدب المهجري في الغربِ، مختلفا فكرة وأسلوباً عن نظيره في الوطن العربي.
    وبحكم الاختلاف الثقافي والعقائدي والإيديولوجي فإن هذا الأدب محكومٌ عليه حتما بالبقاء لأجيال.. وها هم المشاركون في ملتقى السرد الثالث عشر في الشارقة ( 18-20 أيلول/سبتمبر) يقرون بوجود هذا الأدب وإن اختلفوا في تحديد مفهومه. ويبقى التساؤل: كيف نميّز الأدب المهجري من المحلي في ما يُكتب خارج الأوطان في زمن التكنولوجيا ووسائل الاتصال والنقل المتطورة؟
    النص الأدبي كل معقد، فلفهم النص الأدبي المهجري، نحتاج إلى فحص كل عناصره لاستخلاص السمات التي تربطه ببيئة المهجر وتميزه عن الأدب المحلي. فلابد من الاستعانة بالمنهج الإيكولوجي ـ النادر الاستعمال في الأدب العربي – وهو منهج ينظر إلى علاقة الإنسان بالبيئة، فالعلاقة بين الإبداع الأدبي والبيئة متينة لا يمكن تجاهلها، ويتجلى ذلك في وصف الطبيعة والعمران. ومن يستقر في بيئة المهجر طويلاً أدرى بشعابها، وأعلم بالحياة فيها، وأدق في تصويرها. فهكذا تفوّق أدباء الأندلس من أمثال ابن خفاجة في وصف الأندلس بقصورها وبساتينها وأشجارها… ويواصل أدباء المهجر اليوم وصف الطبيعة والعمران في بيئتهم الجديدة: «يدنو فؤاد من نافذة غرفته المطلّة على حديقة غرينتش في لندن… تبدو الحديقة في هذه الساعة جرداء موحشة قاتمة، كأنّما ترتدي ثوب حداد…» (رواية «رِيَاحُ القَدَر»).
    والتأثير البيئي يختلف من مكان إلى آخر، فالمهاجر العربي الذي استقر في أوطان عربية شقيقة تشترك في اللغة والدين والتاريخ والتقاليد وظروف الحياة يختلف عن ذلك الذي وجد نفسه في مجتمعات غربية تختلف عنها لغويا وعقائديا وإيديولوجيا.
    والغربة رغم مرارتها عامل يساعد على تفجير الطاقة الإبداعية للأديب، وتتجلّى آثارها في الحنين إلى الوطن الذي لا نجده في الأدب المحلي. وقد عبَّر عن الحنين إلى الوطن أدباء عرب منذ قديم الزمان مثل أدباء الأندلس، وما زال اليوم يطبع الأعمال الأدبية في كامل بقاع الدنيا. إنه شعور طبيعي صادق يعيشه الأديب بعيدا عن وطنه وأهله وأحبابه، ونشعر بصدقه مثلا في أبيات الشاعر العراقي أديب كمال الدين المقيم في أستراليا:
    «دجلة.. يا دجلة.. يا دجلة،
    ما الذي حوّلني من ملكٍ إلى شحّاذ؟
    ومن فيلسوف إلى مجنون؟
    ومن ضحكةٍ إلى تابوت؟»
    لكن هل يعيش حالة الهجرة بالمعنى التام للكلمة كل أديب عربي خارج الديار؟ صدق الأديب السعودي محمد العباس عندما قال: «هناك فرق بين رواية غسان كنفاني بعنوانها وعبارتها الجازمة «عائد إلى حيفا» حيث الإصرار والتحدي، باعتبارها رواية من روايات المهّجرين النازحين، وبين معظم الروايات العربية اليوم التي تحمل عناوين نوستالوجية رخوة، مكتوبة بلغة استعادية سياحية لأن بعض الروائيين العرب لا يعيشون بالفعل حالة الهجرة بالمعنى الشعوري للكلمة، بقدر ما يمارسون الترحال في عالم بات على درجة من الانفتاح والتواصل». («القدس العربي» 27 أيلول/سبتمبر 16). فالشعور بالهجرة يختلف من مهاجر إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى ويخضع لظروف الهجرة وأسبابها ومدتها وظروف العيش في البيئة الجديدة. فلن يكون حكمنا عادلا من غير فحص هذه الأعمال الأدبية فحصا عميقا في ضوء كل هذه العوامل والظروف.
    من سمات الأدب المهجري التي ما فتئت تميّز الأعمال الأدبية خارج الأوطان النزعة الإنسانية، وهي في مفهومها العالمي تجاوز حواجز الانتماءات الوطنية والعرقية والدينية، وتدعو إلى احترام كل الأجناس واللغات والديانات وعدم التمييز بين المتدين والملحد وغير ذلك. مثل هذا الشعور يظل ضئيلا في الوطن العربي مقارنة بالمجتمعات الغربية. فلا عجب أن النزعة الإنسانية عندنا برزت على أيدي أدباء المهجر بينما غلب على أعمال الزملاء المحليين الطابع القومي والديني. والشعور بالإنسانية في المهجر ينشأ من الاحتكاك بالأجناس البشرية المختلفة التي لها ثقافاتها ومعتقداتها… فها هي الأديبة الجزائرية المقيمة في كندا حسيبة طاهر تثور على التعصب الديني في الوطن العربي على منوال كتابات شعراء المهجر: «لمَ تلمني يا أخي الإنسان لأني بُوذي أو هندوسي أو مجوسي أو..؟ أنت ظالم إن فعلت، لأنك ببساطة لو قادتك الأقدار لرحم أمي لكنت مثلي… كفانا نرجسية عرقية ودينية وشعارات لا يخرج من رحمها إلا الفناء والقتل باسم الدين والعرق. إن ّهذا لعمري جنون، فمن نعبد أكبر من أن يحتاج إلى جنود بشرية حتى يسمي بعضنا نفسه جند الله، فالدين وسيلة روحية للتقرب من الخالق وليس للدفاع عنه». (رواية «نواميس كامي»).
    ومن المظاهر الأخرى التي ميزت الأدب المهجري الهروب إلى الطبيعة والنزعة التشاؤمية. ولا نقصد بالتشاؤم الحالة النفسية التي قد تنتاب الإنسان حتى في وطنه وإنما «النزعة التشاؤمية المهجرية» الناتجة عن الهجرة عن الأوطان. ولتبيّن هذه النزعة لابد من الغوص في أعماق العمل الأدبي واستنطاقه والسعي للتوغل في نفس الكاتب من خلاله. فها هي دراسة جامعية تكشف النزعة التشاؤمية في الرواية المهجرية الحديثة من خلال وصف حديقة في يوم ممطر: «تتخلّلها أشجار عارية قاحلة بلا حياة، وكأنّ الزمهرير حمل عليها مع بداية فصل الشتاء الطويل، فخلع لباسها وقطع أنفاسها. تعلوها سماء ملبّدة بغيوم داكنة كثيفة منخفضة، بدت لشدّة انخفاضها وكأنّها تحضن الأرض. ترذّ السماءُ من فوقها من غير انقطاع منذ ساعات طويلة، كأنّما تذرف دموعا حزينة تتناثر على أرجاء هذه الحديقة البائسة فتزيدها كآبة وبؤساً ويأسا». (سمات أدب المهجر في رواية «رِيَاحُ القَدَر»).
    ولفحص صدقية الهجرة وتأثيرها لابد أيضا من النظر إلى الحقبة التي هاجر فيها الأديب. فمن رحل عن الأوطان في أواخر القرن الماضي في عصر الرسائل البريدية ليس كمن رحل عنها اليوم في زمن الماسنجر وفايبر.
    وخلاصة القول لنميّز الأدب المهجري من غيره في هذا العصر، نحتاج إلى فحص هذه الأعمال من كل الجوانب والسعي لتبيّن علاقتها بالبيئة والكشف عن سمات تميزها من غيرها مثل وصف الطبيعة والحنين إلى الوطن والنزعة الإنسانية والتشاؤمية، اعتماداً على مناهج نقدية مثل المنهج الإيكولوجي الذي ينظر إلى البيئة والمنهج النفسي الذي ينظر إلى نفسية الأديب من خلال نصه وظروف حياته.
    ومهما كان فالأدب المهجري أوسع من أن يحصر في إطار مكاني أو زماني ضيق. فهو جغرافيا واسع سعة العالم الذي نحيا فيه ونرحل في أرجائه، وتاريخيا قديم قدم الأدب الذي ورثناه عن أجداد معروفين بترحالهم منذ قديم الزمان. ويتواصل هذا الأدب اليوم بعيدا عن الأضواء في كامل بقاع الدنيا معبرا عن مشاعر عميقة صادقة صقلتها حياة مختلفة في بيئة جديدة، تشارك فيها أقلام متأثرة بالحياة فيها، تحيا فيها الهجرة بأدق معانيها.. أقلام اكتشفت بين أهاليها – من أجناس بشرية وانتماءات دينية مختلفة – أسمى معاني الإنسانية، فطبع كل ذلك كتاباتها وميزها من مؤلفات الأوطان. أرواح أدركت أسمى مبادئ الإنسانية وباتت تملك القدرة على زرع المحبة والإنسانية والسلام في العالم، لكنها لا تملك رابطة أدبية ولا صحفا مماثلة لتلك التي استفاد منها شعراء القارتين الأمريكيتين أواخر القرن 19 ومطلع القرن 20، ولا تنال أعمالُها نصيبَها من النقد الأدبي المنشغل بالأعمال المحلية. وتظل هذه الأقلام مشتتة، مجهولة، تصارع من أجل إيصال رسائلها الأدبية المشبعة بالمبادئ الإنسانية إلى الجماهير العربية. وفي ظل العزوف عن القراءة وغياب النقد والإعلام وصعوبة إيصال الأعمال إلى الوطن العربي، قد لا تبرز إسهاماتها، ولا يُردّ لها الاعتبار إلا في الأجيال القادمة.

    ٭ كاتب جزائري / لندن
    مولود بن زادي
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    إيليا أبو ماضي - الماهدون في المهجر

    ألا و بعون لو أنّها تتكلّم = لروت لنا قصص للعظام عنكم
    و لحدّثتنا عن أعشاشكم = طرتم بأجنحة المنى إذ طرتم
    يوم الفراق كظمتم آلامكم = =و أخفّ من ألم الفراق جهنّم
    و بكى الأحبّة حولكم و جفونكم = تعصى البكا ؛ حزن الجبابر أبكم
    أيد تودّع موطنا و عشيرة = و مطامح خلف البحار تسلّم
    ضاقت على أحلامهم تلك القرى = فاخترتم الدنيا الوساع لتحلموا
    و غزوتم الآفاق لا زاد لكم = إلاّ الصّبا المتوثّب المتضرّم
    كاللّيث ليس سلاح في السّرى = مخالبه التي لا تلثم
    تتخيّلون البحر شقّ لتعبروا = و انداح بين الشّاطئين لتسلموا
    و الدّرّ مخبوءا لكم في قاعة = كي تخرجوه و تغنموا ما شئتم
    و الموج ‘ذ يطغى و يهدر حولكم = جوقا لطرد همومكم يترنّم
    و إذا النجموم تألّقت تحت الدجى = خلتم لأجلكم تضيء الأنجم
    و حسبتم شمّ الجبال سلالما = نصبت لكم كي تصعدوا فصعدتم
    و الشمس منجم عسجد متكشّف = لذوي الطموح و أنتم أنتم هم
    و لكم تلثّمت الحقائق بالرؤى = كالأرض يغشاها السراب الموهم
    لتطلّ من أرواحنا أشواقها = فنطوف حول خدورها و نحوّم
    لم تقنعوا كالخاملين بأنّكم = لكم شراب في الحياة و مطعم
    لو أن تكون حياتكم كحياتهم = عبثا يموت به الوقار و يعدم
    و تأففا في اللّيل و هو منوّر = و تبرّماا في الصّبح و هو تبسّم
    لو أن يكون ترثكم كتراثهم = قصر عفا أو هيكل متردّم
    و حديث أسلاف قد التحفوا الفنا = فهم سواء فقي القياس و جرهم
    من يقترب من أمس يبعد عن غد = و يعش مع الموتى و يصبح منهم !
    و كرهتم أن تنقضي أيامكم = شكوى لمن يرثي و من لا يرحم
    أو أن يبيت على احضيض مقامكم = و الدود يزحف فوقه و الأرقم
    فنفرتم كالنحل ، ما من زهرة = فيها جنى ، إلاّ و فيها مغنم
    في كلّ شطّ مارد ، في كلّ طود = قشعم ، في كلّ واد ضيغم
    المجد مطلبكم و أنتم سهّد = و المجد حلمكم و أنتم نوّم
    لا شيء صعب عندكم حتى الردى = ألصعب عند نفوسكم أن تحجموا
    يا بضعة من أمّة هي أمّة =
    فيكم جميع صفاتها و خلالها = و الروض يحويه عطورا قمقم
    إنّ الألى الجهاد عليكم علكوا مداركهم و لم يستطعموا ...
    طلبوا السلامة في القعود ففاقهم = درك الثراء و بعد ذا لم يسلموا
    هؤلاء دود القزّ أحسن = و أجلّ في نظر الحياة و أفهم !
    قالوا كهول قد تصرّم عصرهم = ليت الشّباب من الكهول تعلّموا !
    إن لم تشيدوا كالأوائل " تدمرا " = أو " بعلبك ّ " فإنّكم لم تهدموا
    و لكم غد و جماله و بهاؤه = و لكم من الأمس النفيس القيّم

    ***
    حدثت نفسي و القطار يخبّ بي = عجلان يخترق الدذجى و يدمدم
    فسألها مستفهما ، لربما = سأل العليم سواه عمّا يعلم
    ما أحسن الأيّام ؟ قالت : يومكم ! = و النّاس ؟ فابتدرت و قالت : أنتم
    و الدور ؟ قالت : دوركم . و المال ؟ = قالت : إنّ أحسنه الذي أنفقتم
    و الحسن ؟ قالت : كلّ ما أحببتم = و الأرض ؟ قالت : أينما استوطنتم
    ما كان أكمل يومكم و أتمّه = لو لم يكن في مهد عيسى مأتم
    و كذا الحياة ، قديمها وحديثها ، = ذكرى نسرّ بها و ذكرى تؤلم
     
  7. الأخ مهدي...الغنى والثراء والتنوع سمات تطبع مواضيعك وتكشف اهتماماتك الفكرية والإبداعية وتؤكد حضورك النوعي في هذا المنتدى ويجب التنويه بذلك.
    أريد ، على هامش أدب المهجر ، أن أضيف فكرة على مستوى المقارنة بين مدرسة الشمال/الرابطة القلمية ، ومدرسة الجنوب/عصبة الأندلس .
    لقد أبدع شعراء الشمال في القصيدة ومثلوا مدخلا للحداثة (لن أناقش موضوع الحداثة لتشعبه وتباين وجهات النظر حوله إذ وجدنا من يتحدث عن حداثة العصر العباسي منطلقا من تجاوز الشعراء لعمود الشعر :جزالة اللفظ ، شرف المعنى...إضراب أبي نواس عن المقدمة الطللية ، الصناعة اللفظية مع أبي تمام...الخ) ، وخير مثال على هذه الحداثة الشعرية جبران في رائعته "المواكب" إذ تضمنت رؤية فلسفية للمواكب البشرية المتدافعة والمتصارعة جراء الحرب العالمية الأولى وما تركته من جروح في نفوس الناس.
    أما من حيث الشكل فقد زاوجت هذه القصيدة بين بحرين عوض البحر الواحد كما نوعت في القافية والروي وهي الإبدالات التي استثمرها السياب والملائكة والبياتي وعبد الصبور فيما بعد...
    وقد هيأت هؤلاء الشعراء لهذا الاستحداث ظروف المهجر الشمالي حيث الحضارة والمدنية والانبهار بمظاهر الحياة الجديدة دون أن ينسوا وطنهم لبنان ، لأننا لا نحمل في قلوبنا سوى وطن واحد ولو تعددت الجنسيات...
    أما شعراء الجنوب في البرازيل على وجه الخصوص فقد وجدوا بيئة أقرب إلى بيئتهم فمجدوا القصيدة القديمة معارضة وتقليدا واستنساخا بحكم طبيعة المكان وطبيعة الإنسان أيضا...تحياتي.
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    تحية اخي وصديقي سيدي محمد الحمزاوي
    هناك تباين حقيقي بين المدرستين الشمالية رابطة القلم والرابطة الاندلسية .. وهذات يفسره الهوية الادبية للمدرستين .. فبينما كان هيمن اللبنانيون في الشمال كان السوريون في الجنوب حاملين معه مجدهم الاموي وقوميتهم المبكرة والاحيائية في نفس الآن
    اشكر لك اضافاتك البهية واشد على يديك
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    يوسف وقاص
    تغطيات أدب المهاجرين الإيطالي: بدايات مغاربية


    في العقود الأخيرة، تضاعفت التيارات الأدبية متعدّدة الأصوات والاتّجاهات في المشهد الثقافي الإيطالي. ويبدو أنه يصعب تصنيفها حالياً - بحسب آراء كثير من النقاد - لأنها مفتوحة على ظواهر طارئة أصبحت تُميّز المشهد الأوروبي والعالمي في العقود الأخيرة. ويقصد بهذه الظواهر، نصوص كُتبت بلغات مُكتسبة، وأحياناً قادمة من العالم السفلي للمهاجرين (عالم الجريمة والسجون)، بتعبيرات شاعرية ذات طابع هجين، ومن إبداعات فنية يمكن حصرها في أصوات الشتات القادمة، سواء من المستعمرات الإيطالية السابقة أو من بقية أنحاء العالم.

    وبتأمل تحركات المشهد الحالي للأدب الإيطالي، الذي يزداد دينامية، يقوم الباحثون بقراءة "معاكسة" للفضاء الزمني من بداية الهجرة إلى الاستقرار (المؤقت)، وغالباً ما يترجمون هذه النصوص تحت منظور جديد. والهدف من ذلك، هو تشخيص التبدّلات المختلفة لظاهرة التقاطع الثقافي وأثره في كتاباتهم. ويظهر أيضاً بوضوح كيف أن الكتابة، في مزيج مدهش بين ثقافات ولغات متعدّدة، تبدو هنا وكأنها تريد أن "تعيد كتابة" إيطاليا والإيطاليين بطريقة مختلفة عمّا اعتادوا عليه، بعيداً عن القوالب الجاهزة والانبهار أمام عمالقة الأدب والفنون الإبداعية الأخرى.

    وأودّ هنا أن أتوقف برهة للحديث عن تجربتي الشخصية مع أدب المهاجرين الإيطالي التي بدأت عام 1996، بقصة قصيرة عنوانها "أنا مغربي بحرفي الكاف"، التي كتبتها مباشرة باللغة الإيطالية، في مكان وظروف صعبة للغاية ربّما سأتطرق إليها في مقال آخر. أما لماذا اخترت أن أكون مغربياً وأسرد القصة بضمير "الأنا"، فالأمر له أكثر من بُعد. أولاً، لدرء التهم الكثيرة التي كانوا يلصقونها جزافاً بإخواننا المغاربيين، مثل القذارة والوضاعة وغيرها من النعوت المهينة. وثانياً، لإحساسي أن الأدب هو أفضل طريق لتعريف الإيطاليين بتراثنا وأدبنا. وفوق كل شيء مدّ جسر من التواصل معهم عن طريق "الكلمة". طموح كبير، إلا أنه بطريقة ما، وبعد مثابرة طويلة، أعطى بعضاً من ثماره.

    والصدفة وحدها أفسحت لي المجال للاشتراك في تلك المسابقة الأدبية المخصصة لكتّاب أجانب يقيمون في إيطاليا، والتي كانت قد أعلنت عنها جمعية "إكس & ترا" (مختصر: الأجانب بيننا)، ونشرت شروطها على صفحات مجلة أسبوعية قريبة من الفاتيكان. يجب الإشارة هنا إلى أن كل النشاطات التي تحمل طابعاً اجتماعياً وخيرياً، كان يُنظر إليها كطفل صغير بحاجة للعناية والإمساك بيده ريثما يقف على قدميه. هذه النظرة "الأبوية" ما زالت تميّز قسماً لا بأس به من الدراسات التي تُعنى بأدب المهاجرين الإيطالي.

    القصّة، وكانت طويلة بعض الشيء ومؤلفة من ثلاثة أجزاء، فازت بالجائزة الخاصة للجنة المحكّمين ونشرت في أنطولوجيا، تضم قصصاً وقصائد شعرية لكتّاب مهاجرين من مناطق مختلفة من العالم، من بينهم الشاعر الألباني كاظم حيدري، الذي فاز بعد عدة سنوات بجائزة مونتالي للشعر، وهي المرة الأولى التي تُمنح فيها هذه الجائزة لشاعر غير إيطالي.

    أرماندو نييشي، أستاذ الأدب المقارن في جامعة "لا سابيينزا" في روما، بعد أن اطلع على نماذج من نتاج هؤلاء الكتّاب، أخذ على عاتقه متابعة هذا الأدب، نقداً ودراسة، بمساعدة مختصين من بينهم نورا مول، مُدرّسة العلاقات الاجتماعية في جامعة أونونيتّوني للمعلوماتية، التي أصدرت فيما بعد دراسة بعنوان "اللانهائي تحت البيت. الأدب والتعددية الثقافية في إيطاليا المعاصرة"(1). بينما غراتزييللا باراتي، مدرسة الأدب الإيطالي والأدب المقارن في معهد دورتموث، نيوهامبشير، الولايات المتحدة، درست الواقع الإيطالي الجديد متعدّد الثقافات وترجمت كثيراً من نصوص هذا الأدب إلى اللغة الإنكليزية، وأصدرت دراسة بحثية بعنوان: "الهجرة في إيطاليا: فن إعادة سرد ثقافة الأصل"(2)، وأخرى بعنوان "مفترق الطرق في البحر الأبيض المتوسط: أدب المهاجرين في إيطاليا"(3).

    بالإضافة إلى نقاد وباحثين آخرين، من بينهم رفائيل تاديّو الذي أصدر دراسة موسّعة عن هذا الأدب بعنوان: "الأدب الناشئ: أدب المهاجرين الإيطالي"، وهو أيضاً مؤسس، مع مجموعة من كتّاب المهجر، الجريدة الإلكترونية "القبلي" التي تُعنى حصرياً بهذا الأدب.

    وإذا ما عدنا قليلاً إلى الوراء، نجد أن هذا الأدب كان قد زرع بذوره قبل ذلك بعدة سنوات، على إثر حادث إجرامي وقع في الليلة ما بين 24 و25 آب/أغسطس 1989، وهو، بلا شك، مهّد الطريق لمنتج أدبي للمهاجرين مكتوب باللغة الإيطالية، بحسب الناقد دانييل كومبرياتي. بذور سقيت بالدم، إذن، حتى إنه يمكن المخاطرة في الاعتقاد أن من أسس لهذا الأدب كان حادثاً من تلك الحوادث التي تتلقفها الميديا وتقدّمها للقراء حسب أيديولوجية كل طرف: "لا بد أنه كان يقوم بأعمال مشبوهة!"، أو "جريمة أخرى بحق مهاجر أعزل!". وفي الحالتين، كان كلّ طرف يدافع عن وجهة نظره لكسب عطف الناخبين، سواء أكانوا من أقصى اليمين أو من أقصى اليسار.

    وهذه الجريمة كانت قد وقعت في "فيلا ليترنو"، في جنوب إيطاليا، حيث قام المعتدون بسرقة وقتل شاب من جنوب أفريقيا، اسمه جيرّي ماسلو. هذا الشاب، مثل الكثير من شبّان العالم الثالث الذين يهاجرون إلى الغرب لأسباب مختلفة، كان قد وصل إلى إيطاليا للبحث عن حياة أفضل، واشتغل في جمع البندورة (الطماطم) خلال أشهر الصيف من ذلك العام.

    الحادثة أثارت ردود فعل كبيرة في إيطاليا، فبالإضافة إلى كونه عملا عنصريا مخزيا، كان أيضاً عاملاً حاسماً في طرح مسألة المهاجرين على الرأي العام المحلي. القناة الحكومية الثانية، راي 2، نقلت، في بثّ مباشر بتاريخ 28 آب/أغسطس، مراسم جنازة الضحية، بينما بتاريخ 7 تشرين الأول/أكتوبر، خرجت مظاهرة ضخمة في روما مندّدة بالعنصرية، ضمّت أكثر من مائتي ألف شخص.

    "
    وردود الفعل الأدبية أيضاً لم تتأخر كثيراً. طاهر بن جلّون، كتب قصة مستوحاة من هذه الحادثة، مباشرة باللغة الإيطالية، بالتعاون مع الصحافية إيجي فولتيرّاني، ونشرت مع قصص أخرى تعالج مشكلة المهاجرين في أنطولوجيا "أين الدولة، لا توجد. قصص إيطالية".

    "

    وامتلأت الصحف بتعليقات متباينة، من بينها مقال نشرته صحيفة "لا ريبوبليكا"، وجاء فيه: "الحقيقة، أننا، للمرة الأولى، أثناء هذا الصيف، بدأنا نعي هذه الظاهرة التي تقلق الأمم الأوروبية المتقدمة منذ أعوام. بعد أن كنّا، حتى يوم أمس، بلداً يُصدّر المهاجرين، نجد أرضنا الآن محجّاً للمهاجرين، نوعاً من "إلدورادو - أرض الذهب" لشعوب العالم الثالث. الظاهرة انفجرت فجأة، وكالعادة، لم نكن جاهزين لمواجهتها!".

    وردود الفعل الأدبية أيضاً لم تتأخر كثيراً. طاهر بن جلّون، كتب قصة مستوحاة من هذه الحادثة، مباشرة باللغة الإيطالية، بالتعاون مع الصحافية إيجي فولتيرّاني، ونشرت مع قصص أخرى تعالج مشكلة المهاجرين في أنطولوجيا "أين الدولة، لا توجد. قصص إيطالية".

    ورواية الكاتب السنغالي سعيدو موسى با، "وعد حمادي"، التي كتبها بالتعاون مع الصحافي الإيطالي أليسّاندرو ميكيليتّي، تبدأ من هذه الجريمة المأساوية، بينما التونسي صلاح مثناني صرّح أنه، بعد تلك الجريمة فقط، قررت مجلة "لاسبريسّو" نشر تحقيق حول المهاجرين، مستعينة للمرة الأولى بكاتب أجنبي.

    بهذه الطريقة، حسب تعبير البروفيسور أرماندو نييشي، بدأت المرحلة الأولى من أدب المهاجرين، بدوافع تتعلق بالحرب الإعلامية حول المهاجرين، أكثر مما هي تجاه القيمة الأدبية الفعلية لنتاجات هؤلاء الكتّاب. دور نشر كبيرة، مثل دي أغوسطيني وغارتسانتي، نشرت هذه النصوص التي كانت جميعها تستند إلى مرجع أوتوبيوغرافي، وتقدم تأملات عميقة حول هذه الظاهرة التي ازداد زخمها مع مرور السنين. بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما كان يرافق الكاتب الأجنبي في عمله صحافيٌ إيطالي، تمّ اقتراحه من قبل الناشر لكي "يعيد إنتاج النصّ" بلغة صحيحة ومتكاملة فنياً. من الواضح، أن وضعاً كهذا يخلق التباسات واضحة: ما هي طبيعة العلاقة التي تنشأ ما بين الكاتب والصحافي؟ هل الصحافي يتدخل في صلب القصة والبنية السردية؟ وهل يمكن حقاً الكلام عن مؤلف مساهم ضمن علاقة تشاركية لا يمكن أن تكون متوازنة، لأن إتقان المؤلف الأجنبي للغة هو حتماً أقل من مستوى الصحافي المشارك؟

    ولكن، سرعان ما خفّ النقاش حول الهجرة، وبالتالي انخفض اهتمام دور النشر الكبيرة بهؤلاء الكتّاب. بهذه الطريقة ابتدأت المرحلة الثانية، أو "مرحلة تفاعل" أدب المهاجرين الإيطالوفوني مع المحيط الذي نشأ فيه، والكتابة مباشرة باللغة الإيطالية من دون أي وساطة، وبدأ الكتّاب بإصدار نصوصهم عبر دور نشر صغيرة ومتوسطة، أو حتى من قبل مؤسسات وجمعيات ثقافية تهتم بالمهاجرين. وإلى هذه الفترة تنتمي أعمالٌ مثل المجموعة القصصية "أماندا أوليندا والأخريات" للبرازيلية كريستيانا كالداس بريتو، و"روح الرمال الصفراء" للسنغالي مباكهْ غودجي، وأولى المجموعات الغنائية للشاعر الكاميروني نديوك نغانا.

    من جهة أخرى، دائما في الفترة ما بين نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الحالي، نُشرت رواية "الأجنبية" للعراقي يونس توفيق، و"صِدامُ حضارات بسبب مصعد في ساحة فيتوريا" للجزائري عمارة لخوص، التي حازت جائزة ليوناردو شاشا وفلايانو، و"البلد حيث لا يموتون أبداً" للألبانية أورنيلا فورسبي، ومجموعة "النعاج السود" التي تضم قصصاً للصومالية إيجابا شيخو، لإنجي موبيايي كاكيسهْ (من مواليد القاهرة 1972، من أم مصرية وأب من الكونغو زائير)، للإثيوبية غابرييللا كوروفيللا وللهندية ليلي-أمبر ليلى وديع، و"بعيدا عن مقديشو" للصومالية شيرين رامازانالي، و"لهيب في الجنة" للجزائري عبد المالك سماري، و"نايلة" لكوسّي كوملا إيبري من توغو.

    في الأعوام الأخيرة، حاز هذا الأدب اهتمام وسائل الإعلام والدوائر الأدبية والسياسية. وبالفعل، أقيم مهرجان كبير له منذ عدة أعوام في مدينة تيرامو، ولقي أيضاً ترحيباً واسعاً أثناء مهرجان مانطوفا الثقافي في العام الماضي. في هذه الأثناء، ظهر أيضاً كتّاب جدد، مثل بيجان زارمانديلي، ميخائي بوتكوفان، وكثيرين آخرين.

    في المرحلة الحالية، التي يمكن اعتبارها المرحلة الثالثة من أدب المهاجرين الإيطالي، نجد أن الكثير من الكتاب المهاجرين قد اكتسبوا أسلوبهم ولغتهم الخاصة، والمواضيع التي يعالجونها أخذت تميل إلى التنوّع في المدة الأخيرة.

    وبعيداً عن الدراسة التاريخية "الكلاسيكية"، يمكن الولوج إلى الظاهرة عبر مسارات تحلّل بين فترة وأخرى المسائل المرتبطة بالأجناس الأدبية المستخدمة، الكتابة النسوية، كتّاب "الجيل الثاني"، والنتاج الأدبي للكتّاب الذين ينحدرون من المستعمرات الإيطالية السابقة.

    ولكي نفهم ماذا يحدث في إيطاليا ضمن هذا السياق، من الضروري قراءة نفس الظواهر لألبانيين يكتبون باللغة اليونانية، وباكستانيين باللغة النرويجية، ورومانيين باللغة الرومانية وأتراك باللغة الألمانية... إلخ. أدب خارج التقليد المدرسي، ويزداد تشابكاً مع الفنون الأخرى، مثل السينما، المسرح والتلفزيون. يقول فولفيو بتساروسّو من جامعة بولونيا (عاصمة مقاطعة ريجّو إميليا): في معظم الأحيان، انصب الاهتمام على مغزى أدب المهجر كشهادة اجتماعية، ولكن لم يتمكن أحد تقريباً من أن يقدّم دراسات تحليلية - بنيوية كثمرة لذاك الذي يسمونه عالمياً دراسات أدبية(4)".


    *كاتب سوري يقيم في ميلانو


    (1) L’infinito sotto casa. Letteratura e transculturità nell’Italia contemporanea – Nora Moll
    (2) Migration Italy: The Art of Talking Back in a Destination Culture (Toronto Italian Studies) – Graziella Parati
    (3) Mediterranean Crossroads: Migration Literature in Italy – Graziella Parati
    (4) Cultural studies.
     

مشاركة هذه الصفحة