1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

قراءة في رواية "الكنز" لعامر بشة التونسي

الموضوع في 'قراءات في السرد' بواسطة عبدالرحيم التدلاوي, بتاريخ ‏8/1/17.

  1. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    قراءة في رواية عامر بشة "الكنز"، الصيغة الأخيرة.
    ***

    حملت نسائم الرّبيع العربي بشائر تغيير إيجابيّ يحقّق للإنسان العـربيّ حلمه الذي طال انتظاره، ويتعـلق الأمـر بالحرّيـة والكرامة والمساواة والعـدل، لكـن رياح السّمـوم أبت إلا أن تحمـل السّفـينة إلى وجهة أخرى مغايرة، حيث الخراب الذي أناخ بكلكله على مجموعة من الدول العـربيّة، وازدادت جرعـة الظلم في الدول التي عرفت، مرحليّا، كيف تتجنب الثورة ، فقد رجعت إلى عادتها القديمة،وهي الطغـيان وتمريغ كرامة المواطنين بشكل فاحش.
    إنّه زمن الردّة، والقتل، بيد أن المرحلة الثانية من الثورة مازالت في رحم الغيب، تبدو بشائرها من حين لآخر، وقد تكون لحظة ميلادها قادرة على طي صفحة الذل والعار، بتجنب أسباب السّقـوط، والسّير قدما باتجاه بناء دولة الحقّ والقانون.
    في هذا السّياق تأتي روايـة "الكنز"، وهي العمل الروائيّ الحادي عشـر في المسيرة الإبداعيّة للروائـيّ التونسيّ المجدّ والمخلص لهذا الجنس الإبداعيّ"عامر بشة". صدرت سـنة 2016 عن مطبعة سوجيك، صفاقس ـ تونس، وتتمدّد على مساحة 144 صفحة.
    تبدأ أحداث الرّواية من فضاء عموميّ، عبارة عن متنزه قريب من البحر، أما الزمن، فهو فصل صيفيّ، يعرف حركة دائبة، ورواجا محدودا بفعـل الأزمة المتولدة عن الثورة. صحيح أن المتنزهـيـن يشعـرون بنسائـم الحرّيـة، لكن الرّاحة النفـسـيّة والجسديّة مازالتا بعـيدتيـن عن التحقّـق ص7، فالناس يشعـرون بوجع بفعل عدم وضوح الرؤية، فالحاضر كما المستقبل يكتنفهما الضباب.
    من هؤلاء المتنزهـين توجـد الفـتاة " كنزة " التي تعـيش حياتها ، محاولـة التأقلم مع واقعها المتقلب ،
    ومتذكّرة قول جدّها " لكل إنسان كنزه في الحياة.. وعلـيه أن يبحث عـنه في واقعـه.. أوفي ذاتـه.. حتى
    يكتشفـه. وأنتِ كنزة.. يجب أن تعـلمي هـذا، لتكتشفي كنزك الذي تحـقّـقـيـن بـه سعادتك.. في الحاضر..
    والمستقبل.. " ص 24. وهي تعتبر أنّ كل شيء جميـل في الحياة ، هو كنز. وقد تساءلت " هل الثورة
    في حـدّ ذاتها كنز ؟ وتجيب " إنّها تصبح كذلـك ، إذا سارت في توجّهات سلـيمة. " ص99. وحيـن قامت

    ( 1 )
    لتغادر المكان لمحت على المقعد حافظة أوراق ، فلم تهتد إلى معرفة صاحبها ، فأخذتها، وانصرفت.
    إنّ النصّ لا يشيـر إلى انفـراج ما، لكـن الرّوايـة تحمل بذرة أمـل، وترميـزا لسعـادة عامّة ومأمولة لكل الشعب التونسيّ، وتبغي بثهما في النفوس. فقولها إن الشخصيّـتـيـن الرئيسيّـتـيـن قد وجدتا سعـادتهما في الحبّ، لا يعـني إطلاقا أن الواقع قد توضّحت معالمه السّعـيدة، فالطـريـق مازالت طـويلـة، وهي في حاجـة إلى نفس أطول، وتضحيات أكبر.
    في غرفتها تفتح كنزة تلك الحافظة لعلها تجد فيها عنوان فاقدها ، فـتجده مع محتويات من ضمنها دفتر
    مذكّرات،وقلادة ذهـبيّة ثمينة. لكن هل تفـتح الدفتر لتقـرأ شيئا منه ؟ قرّرت " سأقرا. " ولتريح نفسها،
    برّرت قرارها "فقد أتعرّف إلى ملمح من شخصيّة صاحبه، قبل أن نتلاقى..لأرجع له حافظـته." ص53.
    إذن، يتوزّع النصّ إلى قسمين، معتمدا على المذكّرات، متغـلبا على مباشـرتها وجفاف لغـتها بالتعـلـيـق عليها من لدن شخصيّة كنزة التي قرأتها على دفعتين، مدفوعة برغبة إنهائها.وببلوغها النقطة الأخيرة تكون قد طوت صفحة صاحب تلك المذكّرات، لتفتح معه صفحة جديدة تكون خاصّة بهما فقط.
    إن عمليّة قراءة المذكّرات بمثابة محو لتفاصيلها، ومحو للشخصيّة المتسبّبة في ألم سامح، إنّها شبيهة ببلسـم للجـراح المتولـدة عن الهجـر والتخلي. لقـد كانت كنزة تقـرأ المذكّرات، وفي الوقت نفـسـه، تقـرأ مذكّراتها التي لم تكتبها، فالتقاطع بيـن بينهما، فهي، أيضا، عرفت انتكاسة غراميّة، لـم تنهـض منها إلاّ بفعل هذه المذكّرات. وبالتالي يجوز القول: إنّها كانت الصيدليّة التي أخذت منها الدواء للشفاء من جراح النفس والقلب الناجميـن عن الفشل في الحبّ. وكانت نقطـة الالتقاء مع سامح، توّجت ببـداية حبّ جديـد، عن إعجاب واقتناع متبادلين.
    ترسـم لنا الرّواية في قسـم المذكّرات معالم حبّ ظـل ينمو إلى أن تـمّ إقباره لكونـه لم يكن متساويا لا من ناحية المسارات، ولا من ناحية الصّراحـة، ولا من ناحية البعـد الاجتماعيّ، فمجـمـل الاختلافات، مضاف إليها الطموح، عجّلت بموت هذا الحبّ اللامتكافئ. صحيح أن العلاقة بدت تنمو بشكل ينبئ بنهاية سعيدة مادام العاشق قـد بذل مجهودات طـيّـبة وحسـن نـيّة تجاه موضوع حبّه، وقـد بات قريبا من الـتحقـق لولا ظهور الغريم، مدير المصنع،الذي أبعد موضوع الرغـبة عن أعـين العاشق شيـئا فشيـئا إلى أن استحـوذ علـيه. لم تظهـر المذكّرات صراعا بيـن العاشقـيـن، لكـون الكفة غـير متكافـئة من جهـة، ولكـون الغـريـم عنصرا قويّا يستحوذ على منطق القـوّة المادّية والمعنويّة لدرجة حوّلت العاشق إلى موضوع رغبة، فقد تم الاستغـناء عن كثير من العمّال باستثنائـه صحبة قلة من ذوي الخبرة. والإبقاء علـيه تعبير عن رغـبة
    فيه، وفي عطاءاته، ومن هـنا، غاب عنصر الصّراع باستبداله بعنصر الطاعة.
    لقـد عبرت عاطفة العاشق مراحـل في نموّها، بين الأمـل والحبور وبدايـة التحقّـق ، لتبلغ بدايـة التدهور

    ( 2 )
    من الابتعـاد، إلى البـرودة، ثـمّ إلى احـتـمال التخلي،عـندما قـرأت كـنـزة عـن القـلادة الذهـبـيّـة ، فـسامح
    سيهـديها إلى حـبيـبـته سحر إذا هي حضرت في موعد حاسم معه في الفضاء العموميّ، وإذا لم تأت فإنه
    سيقدّمها لأوّل فتاة يلتقيها بعـد ذلك. وكانت كنزة محظوظة، فقبلتها منه حين أرجعت له حافظته في لقـاء
    محدّد. بيد أنها قبلتها بعـد تردّد، وبـعـد عـدم رضاهـا بأخـذ مكافأة. لكـنّ سامحا أقنعها قائـلا "هـذه ليست مكافأة.. إنها رمز الوفاء بالوعـد الذي قطعــته على نفسي. وسحـر، لـم تعـد صديقـتي." ص141. فكانت بدايـة الحبّ الذي ذكر آنفا.
    لعـل ظهـور كنزة كان سـبـبا في تعـويض النقـص الذي شعـر بـه سامح حيـن حـرم من موضوع حـبّه مع
    " سحر ". لقـد شكّلت البديـل الذي منحه اطمـئـنانـا، وبه استعـاد توازنـه. كنزة، رغم ظهـورها المتأخّر، جعـل الصّراع يضمـر لمرحلة لاحقة. وقد يكون ذلـك تعـبـيـرا عن غـياب الصراع الحقيقيّ على المستوى الاجتماعيّ والطبقيّ. فالرّواية تخبرنا عن عـدم تحقيق أهداف الثورة، إذ سارت باتجاه مزيد من الإقصاء والتهميش، وزادت من معاناة الناس: الطبقة الفقيرة والمتوسّطة على حدّ سواء. ولربّما هذا الشعور هو الذي جعـل سـامـحـا ينأى بنفسه عن منافسة مديره الذي هـيمـن على موضوع الرّغبة وصيّره موضوعا خاصّا به. صحيح أن المدير لم يكن يعلم بحبّ سامح لعشيقته " سحر" لكن هذا الأخير كان على علم بما يدبّره المدير، فكل أفعاله كان على علم بها، ابتداء من جعلها سكرتيرته الخاصّة مؤقتا ثمّ إلى عشقها، أو ربّما إلى الزواج بها مستقبلا.
    ثم إنّ سامحا ــ لاحظـوا دلالة الاسـم ــ في حاجـة ماسّة لمديـره، فضروريّـات الحياة تتطلب ذلك، بخلاف المديـر الذي يمكـنه الاستغـناء عـنه، ولـذا، فإن دخـولـه غـمار الصّراع معـه ينـذر بفـقـدانـه للعـنصريـن الحيويّين بالنسبة له كما الماء والطعام، وأقصد بهما: الحبّ والعمل.
    إنّ ما ساهم في تخفيف حدّة التوتـر هو ظهور عنصر البديـل، على مستوى الحبّ وعلى مستوى الشغـل، فالانتقال ساهم بشكل كبير في تجنيب الذات الراغبة مشكلة الغضب والكره، إذ كان انتقالها من الحبّ إلى الحبّ سلسـا، وقـد أدركت الزيف، وسعـت إلى تخطـيـه، فمحبـوبته الأولى التي كانت موضوع رغـبته لـم تكن صادقة، إذ تـمّ تصويرها على أنها أنانيّة تسعى وراء مصالحها، وبالتالي، فهي غـيـر صافية وغـيـر طاهـرة، والحبّ يتطلـب شخصـيـن يتمـتعـان بالطـهـر والصّفـاء، ومن المحـال أن يقـتـرن، هـنـا، الطـهـر والدنس، الصّفاء والتكدّر. وبنـاء علـيه، كان ظهـور البديـل عـنصرا فاعـلا في امتصاص غـضب محتمـل بتقـديم تعـويض ، وهو غضب سيظـل مضمـرا لكـون ربّ العـمـل قادرا على فصلـه في أيّـة لحظة، ومتى استدعـت الظروف ذلـك، والأكيد أن تأثير الفصل سيكون لـه تأثيـر آخـر على حياته الأسريّة، بمعـنى، أنّ التأثير سيكون مضاعفا، وهو ما يجعل حياة الرّجل مضطربـة لكون عنصر الاستقرار يظل منفـيّا.

    ( 3 )
    والرّوايـة تطرح سـؤالا وجوديّا له ارتباط بالحالة النفسـيّة والجسـديّـة للأفـراد في ظل ثورة كانت تهـدف تحقـيـق التغـيـيـر الإيجابيّ، لـيـأتي الحديث، في إطـار هـذا السّـياق، عـن شخصيّـتـيـن ضمـن قائـمة مـن
    الشخصيّات المتقاربة معهما في حمل هـذه المشاعر، معبّرة عن قلقهما، وشعورهما بعدم الأمن والأمان،
    فواقعهما قبل الثورة هو غـيـره بعـدها، فقبلها كانا يعـيشـان وضعـا اجتماعـيّا واقتصاديّـا ونفسـيّا أفضل، بخلاف ما بعـدها: تطرح كنزة على سامح هـذا السّـؤال: لماذا انقطـعـت ذكرياتـك عن الثورة.. في جزئهـا الأوّل ؟ فيكـون جوابـه كالتالي " ربّما لأنّ الأوضاع ساءت بعــد نجاحهـا المفاجئ، الذي أبهـرنـا، وأبهـر العـالـم، فأصبت بصدمة أذهـلـتـني، وألجمت صوتي، فقد اضطرب نسـق الحـيـاة.. واختـل نبضهـا.. حيث نجمت الفـوضى عن عملـيّات الهـروب من السّجـون.. وعـن تفاقـم السّرقـات، والاعـتـداءات على حـرّيـة الأشخاص.. والمجـمـوعات. ص 138.
    واضح أن الصّورة سيّـئة للغايـة، لا تسمح للإنسان، في مثـل هـذه الأوضاع، أن يشعـر بالاطمئـنـان، ممّا يدفعه إلى أن ينتقد الثورة وانحرافها عن مسارها النـبـيـل.

    ختاما:
    روايـة " الكنز " روايـة سعـت إلى قراءة وضع تونس بعـد الثورة مباشـرة، مشيـرة إلى ما أنتجـتـه من أوضاع سـيّـئـة أثرت في الناس، وقلـبـت حياتهـم ، ساعـية إلى وضع الإصبع على الجرح النازف بغـايـة تطييبه، وقد عبّرت عن الوضع من خلال شخصيّـتـيـن عرفتا تحوّلا غير إيجابيّ في حياتهما، كالكثير من أمثالهما، فقد عرفا وضعا متأزّما سعـيا بكل جهد وأمـل إلى تجاوزه، وكان السّرد بالتناوب، إذ أن السّارد الأكبـر، العـليـم بكل شيء، والحاضر في كـل مكـان، كـان يخـفّـف من وطـأة حضوره بتسلـيـم دفة السّـرد لشخصيّاتـه، ممّا منح النصّ تنوّعا في زاوايا النظر. كل ذلـك بلغـة انسيابيّة ومعـبّـرة.

    [​IMG]


    ( 4 )
     
    أعجب بهذه المشاركة رشيد أمديون

مشاركة هذه الصفحة