1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

نفير...

الموضوع في 'قصة قصيرة' بواسطة عبدالرحيم التدلاوي, بتاريخ ‏27/12/16.

  1. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    نفير...
    ***
    تحلق الرجال حول الحفرة تعطرهم نفحات من الذكر الحكيم يتلوها فقهاء المقابر، كانت الوجوه كالحة تحمل حزنا خفيفا كأوراق مسح العرق من جبين متعب، وكانت بضع دموع تنسكب بتقتير من عيون أقارب تفجعا على صرم حبل المودة، وقطع دابر الرحم بفعل أطماع الدنيا.
    لفتت انتباهي سيارة إسعاف حمراء مركونة قرب باب المقبرة، استغربت، إذ لا وجود لحالة حرجة تستدعي حضورها، ولا وجود لمظاهرات تصد بالهراوات؟...
    شمس الخريف دافئة في هذا العصر، التحقت بهم بعد أن صليت في منزلي متحاملا رغم مرض القلب الذي يلازمني منذ وقت؛ وقد نصحني الطبيب بعدم بذل اي مجهود قد يضر بي.
    اقترب مني أحد الأقارب وهمس في أذني، بعد أن تبادنا التعزية في الفقيدة: في السعودية لا يقومون بدفن الميت بهذه الطريقة!
    كيف؟
    الحفر مهيأة، يحمل رجال أربعة النعش إلى المقبرة بسرعة، ويدفن على عجل، وتهال التربة عليه، وتسلم لأهله ورقة فيها أدعية رحمة..
    نحن في بلدنا نسير على هذه الطريقة، قلت له بنوع من الفظاظة، فلم أحتمل قوله في
    هذا المقام الذي يستدعي إنزال الرحمة على الميتة..
    كانت موظفة قضت في عملها مدة ثلاثين سنة، كل أجرها ادخرته في بنك لتستفيد منه ابنتها الوحيدة، كانت تقتر على نفسها لضمان حياة كريمة لها.
    نظر إلي بغضب، ولم يفه بكلمة، كل ما فعله أنه ابتعد عني...
    قلت له في نفسي مشيعا: إذهب إلى هناك، وعش مع ناس ذلك البلد، وادفن نفسك بالطريقة التي تراها شرعية...ثم تابعت مراسيم الدفن، نزل إلى الحفرة رجلان، أمسك كل واحد بطرف، وأودعاها المسكن الأخير بتوجيه وجهها شطر القبلة. ثم وضعا ألواحا طينية فوقها، قبل أن تمتد يد المتطوعين إلى الرفوش لإهالة التراب بهمة ونشاط، كل يطلب الأجر والثواب؛ إلى حين صار القبر كحدبة شماء، رشت بماء الورد.
    في حين، اصطف أقارب الفقيدة في الجانب الآخر لأخذ العزاء، لم أكن أعرف ما سأقوله لهم وهم يحضنونني بحرارة ويسكبون دمعا على كتفي، لا أعرف لم شعرت به باردا، كانت كلماتي متنافرة الحروف، رغم أني حفظت عن ظهر قلب جملا مسكوكة تقال في مثل هذه المناسبة، أثلعثم، وأسعى إلى التلفظ بها مبهمة حتى لا تبين..ففي مقام الحزن تنفر مني الكلمات، ويعوج فمي، فتتنتثر الجمل من دون تنسيق..
    كنت أعرف سبب الجفاء الواقع بينهم، الميراث؛ فقد فضلت الأم ابنتها على الباقي، ووهبتها كل ما تملك، ثم أسلمت الروح تاركة خلفها نار حقد لم تنطفئ بتاتا.
    ها الأخت، بدورها قد أسلمت الروح، وها القدر، بحسبهم، يعدل بينهم، ويعيد الإرث إلى أصحابه الشرعيين، لم تخلف الفقيدة سوى بنت واحدة، ولم تترك لها وصية تحميها من طمع الأهل..آه! لو فعلت لأراحت البنت، وأخرجت المنافسين من حلبة التسابق على السراب.
    في تلك اللحظة، شعرت بلسع القضية، وخرجت سريعا ناويا أن أهب لابنتي الوحيدة كل ما أملك قبل أن أهلك، فلها ابن عم غني، تزوج وأنجب طفلين ذكرين، أما بنتي فمازالت لم تتزوج؛ إذ بلغت سن الرشد حديثا. الأكيد أنه سيلفظها حين أموت، سيكتفي باقتسام الإرث معها، وأخذ النصيب الأكبر وينصرف حاملا معه الريع. يا ربي، ماذا سيحدث لها، فمن واجب ابن العم رعايتها بدلي، وهذا هو سر الإرث، وإلا فما الهدف منه؟ كيف يجوز له أخذ قسمتين، ويترك لها قسمة واحدة ولا يقوم بحمايتها في هذا الزمن الوحش؟ من المفروض أنه إذا اقتسم معها الإرث أن يقوم بدور ألاب الثاني لها، فالحقوق تتبعها الواجبات، و لكن الأنانية بنت لحرام، قد أغلقت العيون، وسدت القلوب لكي لا تسمع صوت الحق. قلت بنوع من الغضب: بل لم سيرث أصلا، فله ما يكفيه، أما ابنتي فستصير معرضة للضياع إن هو شاركها الإرث؟
    ها أنا أسير منتفخا بالغضب كبالون محلق في الفضاء، لكن الضباب يملأ عيني، وخطوي كما لو كان في حلم، يتحرك من دون أن يغادر نقطة البداية، لا أسمع أصواتا، الشارع فسيح، وصاخب؛ وأنا وسطه كما لو كنت طعاما في موائد اللئام، تسير السيارات من الجانبين بجنون، ولا أسمع صوتها ولا أبواقها، السواد يجلل عيني، لا أصوات تقرع سمعي ، صمت مريع، وبرودة خانقة، ومنزلي يبتعد عني ويبتعد...وأنا أغوص شيئا قشيئا في الهاوية. يا ربي: طريقي طويلة لم تنته بعد، يا ربي اجعله حلما!
     
  2. [​IMG]
     
    أعجب بهذه المشاركة عبدالرحيم التدلاوي
  3. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    شكرا لك صديقي البهي، عباس، على طيب الاهتمام.
    أسعدك الله.
    مودتي
     
    أعجب بهذه المشاركة عباس العكري
  4. إلى الأخ عبد الرّحيم

    سلاما واحتراما

    من جوانب هذه القصّة نجد وصفا لعملية الدّفن وكذلك وصفا لحالة الحزن البادي على وجوه الحاضرين. كما أن هناك طرحا لمسألة الجفاء بين أقارب الفقيدة وختم الكاتب بالدّرس الذي استخلصه من الصراع بين هؤلاء الأقارب وهو القسم الأهمّ في نظري.

    ◙ بالنسبة لعملية الدّفن أهمّ ما يلاحظ هنا، هو اختلاف طرق الدفن حسب المجتمعات ويبدو أن القريب الذي يمدح طريقة الدفن "السعودية" ويتبجّح بأن بلده يتّبعها دغمائيا ومتعصّبا لكلّ ما هو سعودي وقد يعود تعصّبه إلى تقديسه للإسلام وكأن كلّ ما يأني من السعودية يجب أن يتّبع والكاتب محقّ في الفضاضة التي أبداها تجاه هذا القريب. وقد يعود اشمئزازه إلى أن طريقة الدفن "السعودية" تخصّ دفن الحيوانات ولا تليق بالإنسان وقد يكون للبساطة الذهينة لدى هذا القريب واتباعه الأعمى لكلّ ما سعودي. ونحن نتحدّث عن طرق الدفن لا بأس من الإشارة إلى أن في الهند يحرقون الميّت. وقد بدأت هذه الطريقة تنتشر في البلدان الأوروبية وأهل الميّت مخيّرون بين دفن الميّت أو حرقه. في ألمانيا لا يستغرق الحرق بعض دقائق ويتسلّم أهل الميّت قارورة صغيرة فيها رماد. ومن غرائب الأمور أن هناك من يحتفظ في الصالون بالقوارير وقد كتب على كلّ قارورة اسم صاحبها. ويقول لك هذه قارورة جدّي وهذه قارورة أبي... وللنّاس في ما يعشقون مذاهب. هل الحرق بنار، تحول لا فقط اللحم بل العظام إلى رماد، أفضل من دود ينخر العظام لمدّة طويلة من الزمن؟ لا أعرف ولكن الثابت أن كلّها مصائب وأساليب مقرفة ويكون انعدام الوعي ساعتها نعمة وأي نعمة!

    ◙ بالنسبة لحالة الحزن عند الحاضرين، يقول الكاتب "كانت الوجوه كالحة تحمل حزنا خفيفا" و"كانت بضع دموع تنسكب بتقتير من عيون أقارب"، "ويسكبون دمعا على كتفي لا أعرف لم شعرت به باردا". لو نتأمّل حالة الحزن لدى بعض الحاضرين لقلنا إنّه حزن سطحي شكلي مرتبط بالظرف لا بالقلب. وددت هنا لو استثمر الكاتب هذا الحزن المتكلّف لينسبه بوضوح إلى أقارب الفقيدة ويرجعه إلى انشغالهم بالميراث وحتّى فرحهم بموت قريبتهم. الشخص الحزين بحقّ هو الكاتب. يبدو الكاتب شخصا محترما، للموت في نفسه هيبة، وللإنسان عنده قيمة. فهو قد حضر موكب الدّفن رغم مرضه، ورفض أن تدفق الفقيدة دفنة "سعودية" كما تدفن الكلاب. يصوّر الكاتب حالته فيقول "كانت كلماتي متنافرة الحروف" و"في مقام الحزن تنفر منّي الكلمات ويعوجّ فمي". والذي زاد في حزن الكاتب هو فكرة استخلصها من الجفاء بين أقارب الفقيدة بسبب الميراث. وقبل الحديث في هذه الفكرة أشعر أن في انتقال الكاتب من حديثه عن نفسه "فتنتثر الجمل من دون تنسيق" إلى الحديث عن سبب الجفاء بين الأقارب "كنت أعرف سبب الجفاء الواقع بينهم"، أشعر هنا أن هناك "هزّة" أو انتقالا فجئيا بين الفكرتين. الربط يبدو غير متين خاصّة وأن الضمير "هم" في المركب الإضافي "بينهم" تعود إلى الأقارب الذين تركنا الحديث عنهم في رأس الفقرة وراح الكاتب يتحدّث عن نفسه. وآخر ما قاله الكاتب بشأن الأقارب قبل الحديث عن نفسه هو "ويسكبون دمعا على كتفي".

    ◙ نعود إلى الفكرة التي استخلصها الكاتب من الجفاء الذي لاحظه بين أقارب الفقيدة. هذه الفكرة هي عبارة عن سؤال وهو: ما هو مصير ابنتي بعد موتي؟ وبالتحديد هل يعقل أن ينافسها ابن عمّها على ميراث حرمت نفسي في تعظيمه؟ أبدع الكاتب في تصوير حالة الاحتقان التي انتابته. والاحتقان هو غليان داخلي عادة ما يكون تجاه قهر. والقهر في الواقع لا يكون إلاّ لمن غُلب على أمره. نشعر بالقهر تجاه الموت، تجاه الحتمية الطبيعيّة، تجاه القوّة والسلطة والظلم... الكاتب مقهور لأنّ ما يطلبه عاجلا لا يمكن أن يتحقّق إلاّ آجلا وقد لا يتحقّق أصلا. الكاتب يريد أن تتغيّر ظروف حياته وتتزوّج ابنته وتنجب ويريد... ويريد... ولكن قد ينتابه الموت قبل تحقيق كلّ ذلك. فمشكلة الكاتب هي في نهاية المطاف مع الزمن، مع المستحيل. شخصيّا أهوى هذا النوع من الأدب الذي يضع الإنسان في مواجهة المستحيل. الأدب في معناه السامي هو تعبير عن المأساة الإنسانية. هو شكل من أشكال الأخذ بالثأر ممّا قهره (الطبيعة) وممّن قهره (الإنسان). فهو فنّ والفنّ انتشال للإنسان من واقع التعاسة والإستكانة إلى واقع الكبرياء والوعي وذلك بطرح المأساة بكلّ حرّية لا الهروب منها.
     
    أعجب بهذه المشاركة عبدالمولى دليل
  5. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    الأستاذ الكريم، سي حسن
    أسعدتني وقفتك النقدية القيمة، وتحليلك الضافي.
    وقد قرأت تعليقك مرات، وكنت كل مرة أحس بروعته، وكم أتمنى لو عرجت على بقة نصوصي كاشفا ومحللا وناقدا، فنظرتك الثاقبة تفيدني.
    بوركت.
    تقديري والمودة.
     
  6. وأنا بدوري أشكرك أخي على رحابة صدرك، وسأعمل بطلبك كلّما سنحت الفرصة. تحيّاتي وتقديري.
     
    أعجب بهذه المشاركة عبدالرحيم التدلاوي
  7. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    بكل فرح أستقبل ملاحظاتك النقدية البانية، أستاذي البهي، سيدي حسن.
    شكرا لك.
    مودتي
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة