1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

الشخصانية الواقعية عند محمد عزيز الحبابي (1922-1993)

الموضوع في 'أخبار و مقالات' بواسطة محمد اليعقابي, بتاريخ ‏25/12/16.

  1. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    الشخصانية الواقعية لمحمد عزيز الحبابي (1922-1993)


    ما هي الشخصانية؟

    إشكالية الحبابي

    من الكائن إلى الإنسان (الكائن، الشخصية، الشخص، التشخصن، الإنسان)

    التعالي

    الأخلاق

    الحرية

    الكوجيتو

    المنهجية ومفهوم الواقعية

    الشخصانية الإسلامية (الشهادة والكوجيتو، الحبابي والسلفية الإصلاحية)

    الحبابي وابن خلدون

    الفلسفة السياسية والاجتماعية

    فلسفة التاريخ و "الغدية"

    هل الحبابي شخصاني؟

    مأزق الرشدية المبتذلة

    الشخصانية في العالم العربي (بين الحبابي وروني حبشي)

    لماذا فشلت الشخصانية في العالم العربي؟





    يعد الحبابي رائد التأليف الفلسفي المعاصر في المغرب، وهو أحد ممثلي المذهب الشخصاني في العالم العربي مع روني حبشي.

    أما اسم "الشخصانية الواقعية" الذي أطلقه على فلسفته، فهو يدل على الاتجاه الذي ينتمي إليه واعتراضه عليه، فالتصحيح الواقعي للشخصانية يهدف إلى فتح أفقها الذي كان مطوقا باخروية eschatologie مسيحية عند إمانويل مونيي وجون لاكروا.[1]

    وهذا الاختيار للشخصانية يبدو فريدا في عصر كانت فيه النزعة السائدة لدى كثير من المفكرين العرب تتميز بالميل إلى اقتباس الفلسفات المادية أو الوضعية، لأنه كان يبدو أنه لا حاجة لاستيراد الفلسفات الروحانية لأن الشرق في غنى عنها.

    وقد وجهت هذا البحث الأسئلة التالية:

    - ما هي إشكالية الحبابي؟

    - ما هي المفاهيم الجديدة التي أتى بها ومدى مطابقتها لمبادئ الشخصانية؟

    - ما هو مفهومه للواقعية؟

    - أي علاقة تربط فلسفته بالفلسفة العربية الإسلامية؟

    - ما سبب هامشية الشخصانية في الفكر العربي المعاصر؟


    ما هي الشخصانية؟

    الشخصانية، وكما يدل على ذلك اسمها، مشتقة من "شخص". وإذا أردنا البحث عن مصدر هذا الاشتقاق، فإن إمانويل مونييه يعطينا، في بداية كتابه "الشخصانية"، مفاتيح للصعود إلى البوادر الأولى للمذهب الشخصاني. فأول جملة في المقدمة تقول: " كلمة "شخصانية" لم يتم تداولها إلا حديثا. وقد استعملت في سنة 1903 من قبل رونوفيي Renouvier لتسمية فلسفته، ليطالها الاهمال (...) ثم ظهرت من جديد في فرنسا حوالي 1930 لتعين، في مناخ مغاير، الأبحاث الأولى لمجلة "الروح" Esprit ولبعض الجماعات المجاورة (نظام جديد Ordre nouveau، الخ.) حول الأزمة السياسية والروحية التي انفجرت آنذاك في أوروبا"[2]. لكن رونوفيي لم يشتق هذه الكلمة فحسب، بل هو يضعنا في الطريق الذي سلكته كلمة "شخص" عبر التاريخ قبل أن تشتق منها فلسفة قائمة بذاتها. فرونوفييه بصفته ممثلا للنقدية الجديدة، المسماة أيضا الكانطية الجديدة، يربط الاتصال مع إمانويل كانط.

    ويعطينا الحبابي لمحة تاريخية لتطور مصطلح "شخص" وللعتبات الأساسية في طريقه الطويل، ابتداء من personna اللاتينية التي استعملت في ميدان المسرح؛ واتصالها بالفلسفة اليونانية في القولة الشهيرة لسقراط: "اعرف نفسك بنفسك"، "فكان هذا الاتصال الثورة الشخصانية الأولى". وعند الرومان تكون مفهوم الشخصية القانونية. وفي المسيحية صارت بمعنى "جوهر فردي ذو طبيعة تمتاز بالعقل". وهي عند ليبنز "مملكة الأفكار". وعند كانط ("كنت" كما يكتبه الحبابي) ترتبط ب "فكرتي الواجب والاستقلال الذاتي (اللتين تجعلان الفاعل غاية في عالم الغايات، عالم القوانين الأخلاقية). لكن هذا النوع من "الشخصانية" عند (كنت) يبقى شخصانية شكلية، جافة، لأنه (في نظر (كنت) ليست لي كرامة شخصية إلا بالقدر الذي أكون جزءا من مجموعة من الناس، ما دام الكل يخضع لآمر قطعي واحد". ومع الثورة الفرنسية ارتبطت بمبادئ حقوق الإنسان. ويدعي الحبابي أن الإسلام "قد تقدم ... أن أعلن عن هذا المبدأ، فالقرآن يقر أن للشخص كرامة يجب صيانتها وحرمة يحرم التنقيص منها: كل الناس متساوون، فيما بينهم، وأمام الله". ثم يأتي دور هيجل الذي يربط الشخص بالدولة. وهو ما يعارضه كيركيجارد "لأن الشخص ليس بفكر مطلق، ولا بجزء لا يتجزأ من الدولة التي يجب أن يضحى به لفائدتها، بل إن الشخص وجود يشعر بنفسه في التأمل المنعزل، وجها لوجه مع الله..."... "إن كيركيجارد لا يستعمل كلمة "شخص" بكيفية صريحة للدلالة على ذلك الشيء الذي يريد أن يعطيه الرتبة الأولى. إنه ذكر، مرة واحدة، في كتابه "رسالة عن السخرية" لفظة "شخص" ولكنه، بعد مدة قصيرة، استعاض عنها بكلمة "وجود". فمع كيركيجارد إذن أصبحت كلمة "شخص" مرادفة لكلمة "وجود" إلى حد أنه يصعب علينا، أن ننعت، بتدقيق، بعض الاتجاهات الفلسفية المقتبسة من تأملات كيركيجارد: لا ندري أهي "شخصانية"، أم "وجودية"...[3]وفيما يخص رونونفيي يقول الحبابي: "يرجع الفضل، إلى رونوفيي في رد الفعل، ضد المكان الثانوي الذي خصص للشخص من طرف هيجل والوضعيين وأصحاب علم الاجتماع، إذ شخصانية رونوفيي تريد أن تجعل من الشخص المقولة العليا، ومركز تصور العالم: "كل معرفة هي حدث من الشعور الذي يفترض ذاتا، نعني الشعور نفسه وموضوعا متصورا، وكل تصور هو، في الحقيقة، علاقة أو عدة علاقات منضوية تحت قانون". ومن ضمن المقولات التسع التي أعطاها رونوفيي توجد الشخصية. و"الشخصية نقطة التقاء المقولات، لأن المقولات قوانين تلف كل ما يعرفه الفرد، أو ما يستطيع أن يعرفه." "فالشخصية أو الشعور علاقة، وهذه العلاقة شرط وجود كل العلاقات الأخرى، التي تنضوي تحتها".[4]

    وفيما يتعلق بالشخصانية كفلسفة، فهي ترفض أن تعتبر نفسها مجرد تيار فلسفي ضمن التيارات الأخرى؛ ويعبر جون لاكروا عن هذا الموقف قائلا:" الشخصانية ليست فلسفة ضمن الفلسفات الأخرى، بل إنها القصد الجذري intention radicale للإنسانية".[5] قد يعبر هذا القول على ادعاء كل مذهب امتلاك الحقيقة، لكنه على لسان لاكروا يهدف إلى تحديد الغاية من كل تأمل فلسفي، ألا وهي خدمة الشخص البشري مهما اختلفت المشارب النظرية والعقدية. ويؤكد الحبابي نفسه هذا الوصف قائلا: "ليست الشخصانية منظومة فلسفية، ولكنها مجموع انضواءات ومواقف يتخذها المرء أمام عالم اليوم"[6].

    وكان على الشخصانية أن ترد على الذين نعتوها بكونها مجرد إيديولوجية، نظرا لوزن الأحداث في نشأتها. إلا أنه من اليسير دفع هذه الحجة، لأن الإفلاس الشامل لكل الأنظمة المتنافسة فيما بين الحربين (ليبرالية، شيوعية، فاشية، ديموقراطية) ألقى بظلاله على المراجع الفكرية المؤسسة لها، فلم لم يبق هناك مقياس للحقيقة غير كرامة الانسان. ففي رأي مونييه تشمل الشخصانية "كل مذهب وكل حضارة تحض على أولوية الشخص البشري على الضرورات المادية والأجهزة الجماعية التي تدعم نموه". ولهذا ضمت الشخصانية تحت رايتها كل الذين "كانوا يبحثون عن طريقهم خارج الفاشية والشيوعية والعالم البورجوازي المنحط".[7]

    كان التيار الشخصاني، وما زال، يعبر عن مواقفه من خلال مجلة Esprit (الروح) (يسميها الحبابي "الفكر") التي تأسست سنة 1932. ويقول ميشيل وينوك أن هذه المجلة صدرت "عند ملتقى ثلاث أزمات، تكاد تكون متزامنة، وهي: أزمة مجتمع صدمته الحرب والأزمة الاقتصادية، وأزمة حركة عمالية مزقتها البلشفية، وأزمة تيار كاثوليكي لم يجد له بعد موقعا في المشهد السياسي la cité، وأخيرا أزمة الديموقراطية الليبرالية المتمثلة في ميوعتها الأخلاقية وعدم استقرارها".[8] ومن المفارقات أن مونييه، كالفاشيين، لا يرى في الإرادة الشعبية إلا أسطورة "تغذيها الديموقراطية الليبرالية، فالأغلبية الانتخابية لا تكفي لكون الأغلبيات لا تعرف أية غاية حقيقية".[9]

    وهذه الأولية التي تعطيها الشخصانية للعمل السياسي لها دلالتها. فقد كانت التيارات الروحانية تكتفي بموقف تأملي (بمعنى انها تكتفي بتأويل الكون عوض تغييره: حسب القولة الشهيرة لماركس)، ولهذا كانت تتهم بكونها رافدا من روافد إيديولوجيا الأنظمة المحافظة؛ إلا أن أزمة الإيديولوجيات التي سادت بين الحربين ساهمت في عودة الدين إلى الواجهة، وتخلص الروحي من الصورة التي جعلت منه إيديولوجيا مجتمع في طور الانقراض، وتحول إلى بنية تحتية.[10] (بمعنى أن الدين والحياة الروحية، بصفة عامة، من الأسس التي ينبني عليها المجتمع وليست مجرد انعكاس للمحيط المادي وللعلاقات الاقتصادية، كما تدعي الماركسية وبعض المذاهب الوضعية). وهكذا تمكنت الشخصانية من إعادة الله إلى عالم الفلسفة من بابها الأوسع. وهذا العود يعبر عنه جون لاكروا قائلا: "الله موجود لأنه يستحق الوجود، ولأن العالم بدونه لا دلالة له، ولأنني (كإنسان) لا أكفي لكي أمنحها إياه. فالإيمان رفض للعبث".[11]« Dieu existe parce qi’Il le mérite, patce que sans Lui le monde n’a pas de sens et que je ne suffis pas à lui en donner. Croire c’est donc refuser l’absurde »

    وقد استفادت الشخصانية من ظروف فكرية ملائمة جعلت مونييه، حسب وينوك، "لا يبدد قواه في الدفاع. فعيب الإيمان لا يكمن في تناقضه مع العلم بل في تواطئه مع العالم البورجوازي.[12] لقد كان مونييه واعيا بان إعادة الاعتبار للمسيحية تكمن في فصل الكنيسة والمسيحية عن عالم مسيحي يحتضر[13]،وتخليص الروحي من الروحانية،[14](أي النزعات الدينية التي لا تهتم إلا بإشكاليات أخروية بعيدة عن انشغالات الناس) ومن الفوضى السائدة،[15] وفصل الثورة عن المادية.[16] (أي أنه ليس من الضروري ان تكون ماديا لتكون ثوريا حقا) لقد كان هدف مونييه مواجهة التحدي النتشوي (من نيتشه)، لهذا كان يرى أنه يجب أن تعاش المسيحية بشكل بطولي وأن تتحول إلى ديانة الأقوياء والشعب. [17]

    مما سبق يتبين لنا أن الشخصانية أعادت بناء الميدان الفكري، فاصلة بين عناصر جمعت بينها الإيديولوجيا (المادية والتقدم والثورة، من جهة؛ والدين والمحافظة السياسية والاجتماعية، من جهة ثانية)، وجامعة لمواقف تبدو لأول وهلة متناقضة (الروحية والالتزام بالقضايا الدنيوية). والهدف هو الجمع بين التطلعات الروحية والتقدم المادي والحرية. لكنها ليست مجرد تركيب. فعلى المستوى الفلسفي تعد الشخصانية نفسها وارثة لفلسفة الفاعل، لكنها تريد إنزالها إلى العالم المادي والاجتماعي، فالشخصانية لم تواجه المثالية إلا لكي تضمن مكاسبها الدائمة.[18] إن الشخصانية لا تنفي المحددات الواقعية للفكر، لكنها ترى أن التفكير يتعالى على هذه المحددات. كما أن المنهج الانعكاسي réflexif (أو التاملي) يجب أن يواجه تحدي النقد النتشوي والماركسي.[19]

    جوهر الشخصانية هو تأكيدها على وجود شخص حر وخلاق، ما يضع في قلب كل فلسفة مبدأ يمنعها من الانغلاق في نسق شامل ونهائي. فالشخصانية تعارض كل نسق فكري يعمل على منوال موزع آلي للحلول والتوجيهات، ويصير بذلك حاجزا في طريق البحث، وملجأ للخائف وللذي ترهبه المحن والمخاطرة. كما أنه لا ينبغي لفكر جديد أن يتسرع في ربط حزمة المشكلات التي يطرحها. ولهذا يرى مونييه أنه لا توجد شخصانية بل شخصانيات وينبغي احترام مقارباتها المختلفة. [20]

    إن الحرية والتعالي صفات للفكر وللشخص أيضا. وكما أن هناك تعالي للفكر إزاء محدداته، فالشخص كذلك لا يجوز أن يرد إلى صفاته الموضوعية. إن الشخص كائن روحاني من حيث ماهيته ومن حيث انتمائه الحر إلى سلم من القيم، يستوعبها ويعيشها من خلال التزام مسؤول وتحول متواصل. وهكذا يوحد الشخص كل نشاطه في الحرية، وينمي زيادة على ذلك بواسطة افعاله الخلاقةأصالة قيمته.[21]

    إن الشخص نقيض الفرد، لأن الفردانية تشتت الشخص في المادة، إنها ذاك الفيض الذي يغمرني من الأشياء والقوى والمؤثرات المتعددة والمبعثرة، والذي يجعلني أكذب على نفسي.[22] والفردانية تمثل المرض البورجوازي: "ففوضى حضارتنا وضيقها الروحي يبدوان في النموذج الإنساني الذي خلقته، ألا وهو البورجوازي، بصفته الوجه الأساس والنموذج المشترك الذي يريد الكل أن يقلده، كما كان الأمر سابقا مع البطل والقديس. لكنه على عكس البطل والقديس، بصفتهما وجهان مثاليان من الكمال والتجاوز، فإن البورجوازي نموذح إنساني مسطح، فقير ومنحط في مبدئه نفسه. البطل والقديس نداء يمتد نحو الأعلى في ضوء الكائن، بينما البورجوازي سقوط بئيس نحو الأسفل في ظلمة الكسب والمادة. وضعف طبيعته تجعل منه علة un malجذرية، علة تنفرد بها الحضارة العصرية. وإذا كانت العلة البورجوازية تنحدر تاريخيا من الطبقة البورجوازية (...)، إلا أنها أصابت اليوم المجتمع بكامله". "والعلة البورجوازية علة جذرية، لأنها تنبع من ماهية البورجوازي ومن مثاله الأسمى، أي الفردانية بصفتها "ميتافيزيقا العزلة الشاملة" métaphysique de la solitude intégrale والانفصال، و" انحطاطا للفرد قبل أن تكون عزلته"[23].

    إن الشخصانية، على عكس الماركسية، لا تعطي محتوى قبلي للمجتمع الشخصاني، لأن نظام الشخص مكون من حركة مزدوجة، تبدو متناقضة ظاهريا لكنها في الواقع جدلية، وهذه الحركة تهدف إلى تأكيد مطلقات des absolusشخصية تقاوم كل محاولة للرد réduction، وإلى بناء وحدة كونية لعالم الأشخاص. وهذه الوحدة ليست وحدة تماثل، لأن الشخص، بالتعريف، هو ما لا يمكن تكراره مرتين.[24]

    هذه هي المبادئ التي تجعل من فلسفة ما فلسفة شخصانية. إلا أن الشخصانية تفتقر لمفاهيم خاصة بها، فهي تستمد مفاهيم من تيارات فلسفية مختلفة وتخضعها لأفق شخصاني. ومن الأمثلة على ذلك كتاب: بحث في الطبع Traité du caractèreلمونيي، والذي يستعيد فيه خلاصات البحوث في علم النفس والتحليل النفسي المتداولة في عصره (بياجي، فرويد، آدلر وغيرهم) ويعيد قراءتها في أفق شخصاني. وهكذا يخضع الطبع لمقاربة مزدوجة: موضوعية واستبصارية prospective، "فالإحاطة بطبع ما تعني معرفة وحب وعوده وامكانياته، وليس سجنه في إطار جامد"[25]. ولهذا يضع مونيي كل ما يتعلق بالطبع تحت سلطة الحياة الأخلاقية، أي أنه يخضع البحث الموضوعي لمتطلبات الأخلاق[26].

    وقد أدى هذا الاعتماد على الفلسفات الأخرى إلى أن مكونات أساسية للشخصانية عرفت مصير مصادرها الأصلية، إذ انعكس أفول الماركسية والوجودية عليها أيضا.

    وتكمن المفارقة في كون بعدها الأيديولوجي، الذي أوخذت عليه، هو الذي حافظ على دلالته وحيويته. ولهذا من الممكن أن تمد الأيديولوجيا اليد للفلسفات التي صنعت الشخصانية وتعطي نفسا جديدا للماركسية والوجودية. وهذا ما يفسر استمرار وحيوية مجلة Esprit.

    أما فيما يتعلق بالمثقفين المسلمين الذين يريدون التوفيق بين تشبثهم بثقافتهم الأصلية ورغبتهم في الانفتاح على الثقافة والقيم الحديثة، فإن الشخصانية تقدم لهم مفاتيح لتحقيق ذلك. فبفضل الشخصانية لم تعد طريق الحداثة تمر بالضرورة عن القطيعة مع الدين. وكما عبر عن ذلك هرنانديز: لقد كانت الشخصانية تمنح للطلبة المسلمين الشباب إمكانية "التوفيق بين عقيدتهم الإسلامية ووطنيتهم المشروعة وثقتهم في الحرية والتقدم والعقل"[27].

    إشكالية الحبابي

    لقد ذكرنا سابقا أن الحبابي أراد تجاوز الأفق الأخروي المسيحي للشخصانية عند مونييه ولاكروا، وذلك بفضل مقاربة واقعية، بل إنه يرى "أن الشخصانية، إما أن تتركز في صميم الواقع، وإما أن تصبح لا شيء"[28].

    فالواقعية هي المفتاح لفهم إشكالية الحبابي. فهي ليست النعت الذي أراد أن يميز به شخصانيته عن التيار الغالب في هذه الفلسفة فحسب، بل هي المبدأ الذي أراد بواسطته إعادة قراءة الفلسفات التي استعان بمفاهيمها لتأسيس فلسفته. وهذه الواقعية يوظفها أيضا من أجل إيجاد الأجوبة لإشكاليته الوجودية التي عبر عنها قائلا: " لقد تم تصور الشخصانية الواقعية انطلاقا من ثقافة مزدوجة، إسلامية وغربية؛ وأنها نبعت من انشغال مزدوج: الرغبة في تنمية وإحياء الروح الواقعية والتركيبية في عالم الإسلام؛ وإثارة اندفاع نحو الأنا، حيث يتجاوز الأنا ذاته دون أن يفقد شخصيته. وبما أني كنت منجذبا من قبل مجتمعين مختلفين، على مستويات متعددة، فقد رزأت تحت "شعور بالفراغ"، وهو شعور دفعني إلى مقابله المتمثل في التواصل مع الغير. وبهذا الانفتاح على الغير أعدت اكتشاف ذاتي، كما اكتشفت التعاطف والحب... أي كل ما يربطني بأمثالي، ومن خلال هذا النزوع نحو الآخر انكشف لي أنني كائنينتمي إلى عشيرة".[29]

    في هذه الفقرة المستشهد بها يشخص لحبابي نقصا يتمثل في غياب الواقعية في الثقافة الإسلامية، ويحدد لنفسه هدفا فكريا وهو التركيب بين الثقافتين الإسلامية والغربية. لكنه يراعي ألا يكون الانفتاح على الغير مطية للاستلاب ولفقدان الهوية، حتى ترتاح نفسه لهذا التوفيق بين الثقافتين.

    لهذا تتكرر تحت قلم الحبابي عبارات: تجاوز، تركيب، جدلية. ففلسفة الحبابي فلسفة "لا هذا ولا ذاك"، وكلما وجد تناقضا أو ثنائية إلا وحاول تجاوزها. وكأنه أراد توحيد الفلسفة على أساس واقعي وبفضل رسم موسطات médianes بين مختلف الفلسفات.

    فبين فلسفة الكائن وفلسفة الشخص يقترح "تحليل الانسان كمركب من الكائن والشخص، مع إبراز لمستويات تناغم هذا التركيب ومجالاته، وذلك بواسطة فلسفة للحقيقة الواقعية للإنسان"[30]. وهذه الواقعية ليست موجهة للثقافة الإسلامية فقط، بل للثقافة الغربية أيضا.

    كما اختار الحبابي الفلسفة الشخصانية لأنها دمجت مكاسب الماركسية والوجودية بهدف تجاوزهما معا[31]. لكن تعلق الشخصانية بالدين، كما هو شأن بعض التيارات الوجودية، جعل الحبابي يتساءل إن لم يكن هناك سبيل لإرضاء المؤمنين وغير المؤمنين[32]، قائلا أنه "إذا كان كل إيمان عاجز في مواجهة إيمان مختلف، فإن مهمة الشخصانية الواقعية تكمن في البحث عن جدلية لا تفرض "لا هذا ولا ذاك" بل تحاول التوفيق (دون السقوط في التلفيق éclectisme) بين هذا وذاك وإعلائهما transcender؛ وهذه الجدلية ناشئة من الوعي بأن الأطراف تتلاقى، بل عليها أن تتلاقى. فالشخصانية الواقعية لكي تكون مذهبا إنسيا حقيقيا عليها أن تضع الله بين قوسين، أي ألا تجعل منه متهما أو عائقا، كما لا تجعل منه محركا مطلقا. فإذا وضعت الألوهية théisme أو نقيضها كمسلمة فإنها تعرقل البحث حول الإنسان. فالوحدة (وحدة الأضداد) هي الحل الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه لكي يتشخصن الشخص ويأنسن كل ما يحتك به. وكل كثافة الإنساني مرهونة بذلك"[33].

    لكن المفارقة تكمن في كون الحبابي بعد تنظيره لصيغة يمكن نعتها بالعَلمانية، تخاطب المؤمن وغير المؤمن وتتجاوز الأخروية المسيحية، يقدم صيغة إسلامية للشخصانية. ولا نجد في كتاباته تنظيرا لهذا الإخلال بالواقعية التي يدعيها، إلا إذ اعتبرنا الشخصانية الإسلامية شخصانية واقعية. أو لربما أنه أراد أن يعطي للقارئ المسلم نسخة مقابلة للنسخة المسيحية، نظرا لكون بعض عناصر الأخروية المسيحية (كالخطيئة الأصلية والسقوط والتجسد والتثليث) غريبة عن التصور الإسلامي لعلاقة الله بالإنسان. وهكذا تتعايش لديه شخصانيتان كل واحدة منهما تخضع لمنطق خاص.

    وفي مقاربته للفلسفة البرغسونية (التي تناولها على مستوى مفهوم الحرية في كتابه: حرية أم تحرر؟) حاول إيجاد تركيب للثنائية البرغسونية بواسطة البحث عن أسس واقعية لوجهي الثنائية، حيث انتهى بتوحيد الأنانين (العميق والسطحي) في "أنا شامل"[34]. وفي موضوع الحرية حاول تجاوز الاختيار الحر والحتمية الدوغماتية بفضل "حتمية لينة قابلة للفهم ومحررة"[35]. فأفرغ الحرية من كل التأويلات المتافيزيقة ليردها إلى مجرد "تحرر" وإلى "حصيلة إيجابية للحريات" (مجموع الحريات الجزئية)[36]. والملاحظ أن كل تحليل الحبابي لمسألة الحرية مصطبغ بتوجه معاد للبرغسونية بصفتها فلسفة ثنائية وذاتية أساسا.

    وقد تركزت قراءتنا للحبابي على تتبع كيفية تعامل هذه الإشكالية مع مختلف المواضيع التي تناولها في كتبه الفلسفية الأساسية. وتقويم الحلول التي اقترحها للتوفيق أو تجاوز الاختلاف بين مختلف الفلسفات التي تطرق لها. بما ان الهدف الذي حدده الحبابي لنفسه هو إعادة قراءة الشخصانية والبرغسونية على أسس واقعية، فإن أي تقويم لفلسفته عليه ان يراعي مدى توفيقه في بلوغ هذا الهدف. وهل كان من الممكن رد المفاهييم الميتافيزيقة والمثالية إلى مفاهيم واقعية دون خسارة ودون تشويه أو مسخ. وفي الأخير سنحاول تحديد مفهوم الواقعية كما طبقه في مقاربته.


    [1]M. A. Lahbabi, De l’être à la personne, SNED, Alger 1974, pp. 344-345

    هذا الكتاب عنده مقابل في العربية يحمل العنوان ذاته (من الكائن إلى الشخص) لكنه مجرد ملخص للنسخة الفرنسية موجه للقارئ العربي

    [2]Emmanuel Mounier, Le personnalisme, PUF 13è éd. 1978, p. 3

    [3]من الكائن إلى الشخص، دار المعارف، القاهرة 1963، ص 93-98

    [4]) Charles Renouvier, Le personnalisme, p. IV.(المرجع نفسه، ص 111

    [5]J. Lacroix, Le personnalisme comme anti-idéologie, PUF, Paris 1972, p.7

    [6]من الكائن إلى الشخص، ص 122

    [7]E. Mounier, Manifeste au service du personnalisme, Fernand Aubier, Paris 1936, p.7

    [8]M. Winock, Histoire politique de la revue « Esprit » 1930/1950, Seuil 1975, p.9

    [9] Ibid, p. 46

    [10]Ibid, p.43

    [11] J. Lacroix, Marxisme, existentialisme, personnalisme, PUF, Paris 1971, p. 110

    [12] Winock, Histoire politique… op. cit. p. 30

    [13]Ibid, p. 38

    [14]Ibid, p. 70

    [15]Ibid, p. 71

    [16]Ibid, p. 73

    [17]Ibid, p. 31

    [18] Lacroix, Marxisme… op. cit. p. 76

    [19]Ibid. p. 77

    [20] E. Mounier, Le personnalisme, PUF 13è éd. 1978, p. 4

    [21] Mounier, Manifeste… op. cit . p. 63

    [22]Ibid, p. 65

    [23]Jean Conilh, Emmanuel Mounier, sa vie, son œuvre, PUF, Paris 1966, pp. 30-31

    [24]Le personnalisme, op. cit. p. 42

    [25]E. Mounier, Traité du caractère, Seuil, Paris 1947, p. 60

    [26]Ibid, p.746

    [27]Miguel. Cruz. Hernandez, Historia del pensamiento en el mundo islamico (T 2), Alienza Editorial, S.A. Madrid 1981, p.243

    [28]محمد عزيز الحبابي، الشخصانية الواقعية، دار المعارف، القاهرة 1963، ص 101

    [29]M. A. Lahbabi, Liberté ou libération ? SNED, Alger 1974, p 243

    [30]De l’être à la personne, p 52

    [31]Ibid p. 86

    [32]Ibid p. 87

    [33]Ibid p. 347

    [34]Liberté ou libération, p. 33

    [35]De l’être à la personne, p.293

    [36]Liberté ou libération, p.183
     
  2. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    من الكائن إلى الإنسان

    تحيل شخصانية الحبابي إلى أربعة مفاهيم أساسية، وهي: الكائن والشخصية والشخص والإنسان. وهي مفاهيم يعطيها الحبابي معاني مختلفة عما هو متعارف عليه.

    الكائن

    يقول الحبابي في بداية الفصل الذي خصصه لمفهوم الكائن: "إن الكائن الإنساني معطى خام، يظهر ويصير، كلما ازداد اتجاهه نحو التشخصن، ونحو الاندماج في مجتمع الأشخاص. فهو باق "كائنا" خاما ما لم يظهر للآخرين، وبذلك نتوصل إلى معنى الارتباط بين الكائنات، لأن الظهور لا يكون إلا بالنسبة للآخرين"[1].

    إن هذا التعريف للكائن البشري ك"معطى خام"، يطرح مشكلتين فلسفيتين، الأولى تتمثل في كون الحبابي ضيق من ما صدق extension الكائن ليحصره في الكائن الإنساني، مسوغا هذا التضييق قائلا: "سنقتصر في بحثنا هذا، على تفهم الكائن البشري، أي الموجود الشخصي، متجنبين إثارة المعضلة المستعصية التي كانت عند القدماء موضوع الاهتمام الدائم للتفكير، حيث كانوا يتخذون كنقطة للبداية: "ما هو الكائن؟"[2].

    والمشكلة الثانية تكمن في "التوضيح" الذي يماثل المعطى الخام بقطعة القماش بين يدي الخياط ومقابلها عند الإنسان، إذ يقول: "فللطفل منذ ولادته، استعداد فطري نوعي للنضج. وبعبارة اخرى، إن له قوى ذاتية تؤهله لقبول الحوادث، والانفعال بها"[3]؟ وفي موضع آخر يقول: "لقد قلنا إننا نقصد بالكائن المعطى الخام. إنه الشيء الذي يأتي إلى العالم، فيجده الآخرون هناك. ولكنه حتى في حدود تكوينه البيولوجي، يحتوي على كائنات ممكنة لا نهائية، يستطيع أن يحقق منها هذا وذاك"[4].

    وما لا نفهمه هو لماذا يستعمل الحبابي مصطلحا فلسفيا يتجنب استعماله الواقعيون (نظرا لغموضه) وهو الكائن، مع العلم أن ما يسميه بالكائن/ المعطى الخام يحيل إلى علم النفس، وبالضبط إلى المحددات المؤسسة للشخصية[5]les déterminants constitutionnels، والتي تشمل المعطيات الفطرية والوراثية والعضوية، ومن ضمنها الطبع الذي خصه مونييه بتحليل طويل في Traité du caractère؟

    الشخصية

    "الشخص وشخصياته" هذا عنوان فصل من الكائن إلى الشخص. وما يثير الانتباه في هذا العنوان هو ان الحبابي يذهب إلى أن للشخص عدة شخصيات. ويقول موضحا " ليست الشخصية إلا فترة من التشخصن، تزمن في الحال الكائن البشري. وعلى عكس ذلك إن الشخص، قبل كل شيء، هو كل الشخصية الحالية بما فيها من ماض، ونزوعات للمستقبل: إنه مجموعة شخصيات، لكن كل شخصية حالية شيء مستغرب أي مشكلة. ذلك ان كل شخصية، من حيث إنها فترة من فترات الشخص، ليست مسلكا تمر به الحركة المشخصنة، وليست الحد الأخير. إن كل لحظة من حياتنا توازي النزوع الذي نعمل على تحقيقه، أي الطاقة الحيوية لوجودنا. بيد أن اللحظة، هي أيضا، مشكلة كما تفطنت لذلك الفلسفة المدرسية: فاللحظة موجودة، وغير موجودة، في آن واحد، فهي، من هذه الوجهة تماثل النقطة في الهندسة: توجد النقطة، ما دمنا نتحدث عنها، وما دمنا نرسمها على الورقة وعلى السبورة، ولا وجود لها، إذ أنها لا تخضع لأي وضع من الأوضاع. اللحظة تنطبق تماما على الشخصية: نقول "هذه اللحظة" كأننا نتكلم عن موجود، ولكننا ما ننته من الكلام عنها، حتى تكون انعدمت"[6]. وفي فقرة تالية يقول: "يجدر بالفلسفة الحديثة، لتتغلب على ما تجد من صعوبات لفهم ارتباط الشخص بالشخصيات، أن نعتبر الشخص كحركة، أي مركز ثقل دينامي يتسع بقدر ما يتقدم، تحت تأثير الأمواج المتعاقبة من الشخصيات التي تتجاذب بداخله، فتضاعف كثافته". الشخص مركز اتصال الكائن بالشخصية الحاضرة، وملتقى مجموع الشخصيات الماضية. فحول هذا المركز ينشأ الأنا-الكل، ويتمخض عن نزوعاته"[7]. إن هاذين الاستشهادين يعطياننا تعريفا للشخصية ينفرد به الحبابي، وهو يقر بهذا الانفراد قائلا: "لقد اُعطيت عدة تعريفات ل "الشخصية"، كلها تغاير التعريف الذي أخذته في الشخصانية الواقعية"[8].

    إلا أن المشكلة التي يطرحها هذا الانفراد لا تكمن في اقتراح تعريف يلائم الإشكالية العامة لفلسفة ما، فالمفاهيم والتعريفات في تاريخ الفلسفة غير ثابتة؛ بل في كون الحبابي خرج عن الاجماع نظرا لكون التعريفات المختلفة للشخصية تتفق على كونها تتميز بالثبات. وإن كان ثبات الشخصية هو محل توتر وتجاذب، كما يبين التعريف التالي - المستمد من مونوغرافيا حول الشخصية - والذي يحدد الشخصية بمجموعة من الخصائص:" 1) الشخصية تتميز بكونها فريدة، خاصة بفرد معين حتى ولو كان يتقاسم بعض السمات مع الآخرين. 2) وهي ليست حصيلة une somme، أي مجموعة من الوظائف، فحسب، بل هي تنسيق وإدماج، وحتى ولو لم يتحقق هذا الاندماج فهناك نزوع نحوه يعد من خصائص الشخصية كمركز منسق. 3) الشخصية زمانية لأنها لفرد يعيش تاريخيا. 4) وأخيرا، ليست إثارة stimulus ولا جواب، فهي متغير بيني variable intermédiaire، وتفرض نفسها كأسلوب من خلال السلوك وبواسطته"[9].

    والحاصل هو أن الحبابي جعل من الشخصية مفهوما فارغا، إذ حذف منها قاعدتها الفطرية والوراثية والعضوية ليضعها في الكائن، والباقي ليس إلا مجرد نقطة أو لحظة تتغير باستمرا. وهذه النقطة أو اللحظة هي الأحوال الاجتماعية والنفسية التي يمر بها الفرد والمعرضة لمصادفات الحياة، والتي وإن كانت تؤثر عليه كثيرا إلا أنها لا تغير شخصيته بشكل جذري حتى يمكن الحديث عن "شخصيات". ولو كانت الشخصية مفهوما فلسفيا خالصا، لكانت لديه حرية أوسع في تأويله، لكنه مصطلح ينتمي إلى مجال علم النفس، الذي مثله مثل باقي العلوم يتوق إلى وضع مصطلحات مجمع عليها.

    الشخص

    لقد سبق أن أعطينا في بداية هذا البحث اللمحة التي قدمها الحبابي لتطور كلمة شخص، وللمبادئ التي علقت بها. ونلاحظ، بادئ ذي بدء، أن الحبابي ينعت "الشخصانية" (التي يضع بين معقوفين) الكانطية بأنها شكلية جافة، غافلا عن السند النظري التي تقدمه الكانطية للمقاربة الشخصانية.ويتجلى هذا في الأخلاق الكانطية التي تجعل من الإنسان إرادة مشرعة كلية، كما تجعل منه غاية الأخلاق. وهي بذلك تؤسس حريته وكرامته. بل أن الكانطية يمكن أن تلهم مقاربة واقعية للشخص، لأن الحد الفاصل بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، وبين المؤقت والأبدي، وبين العالم الحسي والعالم العقلي، وبين البعد الظاهري والبعد المتعالي، موجود داخل الإنسان نفسه. فالميتافيزيقا لا تبدأ فوق رأس الإنسان، بل بداخله فوق قلبه.[10]

    وقد نبه الحبابي بعد تلك اللمحة إلى ضرورة تحديد معاني المصطلحات التي يستعملها الشخصانيون في ابحاثهم، متسائلا: "ألا يمكن اتقاء الالتباس الذي يصادم كلمة "شخص"؟ أو لا يمكن التغلب على الصعوبات التي يثيرها هذا الالتباس، إذا اعتبرنا "إنسان" الحد الأسمى الذي يجب أن يصبو له كل امرئ، ولم نر في "الشخصيات"، قبل كل شيء، إلا ما يحقق الشخص ويجعله يتجاوز ذاته ليصل إلى اكتماله الأوفر؟"[11]

    هذا التنبيه للحبابي يعني أن التعريفات السابقة التي قدمها لكلمة "شخص" لا تفي بالغرض في نظره. ويدل على ذلك عنوان الفصل الذي عرض فيه التعريفات، وهو "في سبيل اكتشاف "شخص" بدون قناع"[12]، وكأن كل التعريفات التي قدمها مجرد أقنعة للشخص. لهذا يقترح زيادة مستوى آخر يتجاوز فيه المرء ذاته "ليصل إلى اكتماله الأوفر، " ألا وهو "الإنسان". وقبل ان نناقش هذا المستوى في فقرة تالية علينا أن نعود لعرضه التاريخي لكلمة "شخص" لنجد أن في هذا العرض كل ما يلزم لمنح "الشخص" كل الخصائص الإيجابية التي تجعل منه أساس المقاربة الشخصانية. ففيه ال"أعرف نفسك بنفسك" السقراطي، الذي يؤسس لاستقلالية الانسان ككائن مفكر يستطيع خلق معرفة وقيم مستقلة عن كل قوى مفارقة (حقيقية أو مزعومة). وفيه الشخصية القانونية الرومانية. وفيه الجوهر العاقل المسيحي، والمساواة أمام الله الإسلامي. وفيه المفهوم الكانطي الذي يجعل من الشخص مصدرا وغاية للأخلاق. وفيه الوجودية الكيركجاردية التي تؤسس لاستقلال الانسان عن كل الأنظمة الفلسفية التي تجعل منه ذرة ضمن بنيات وقوى وصيرورات لا حيلة له أمامها.

    واتتقد الحبابي أيضا المقاربات التي لا تتناول الشخص "ككل واقعي"، وعيبها أنها تحصر كل التشخصن في جانب واحد من جوانب الفعاليات الإنسانية. وأحيانا لا ندري اين تبتدئ الموضوعية في الأنا وأين تنتهي الذاتية. ومن بين تلك المقاربات "رفاقه الشخصانيين" (كما يقول) الذين ذهبوا إلى أن معنى "أن نكون شخصيين، هو أن يحصل لكل منا وعي بالذات". وهذا لا يكفي لتعريف الشخص لأنه يجب ان نعرف قبل شيء معنى "ذات". أهي ذات الكائن أم الشخص أم الإنسان، أو وحدة تشملهم أو غير ذلك؟ والالتباس نفسه موجود عند هيدغر حول مفهوم seiendes، أي الموجود الخام، "الذي هو إنسان وشيء وآلة"، لكنه ليس الزمن والعالم. أما الوجوديون فيحصرون تعريف الإنسان في ذاتية مجردة (فهو "اندفاق للحرية" عند سارتر). أما الماركسيون فهم سيؤو الظن بالحياة الباطنية. وهناك أيضا تيار شخصاني "تدبق في الذاتية، إلى حد أنه ضحى بكل الوساطات (الديمومة الجماعية، العلاقات المجتمعية، التقنيات...)، ومن بين هؤلاء لوسين وبيردياييف ودونيس دو ريجمون.[13]

    هذا النقد لا يطرح أي مشكلة نظرية، ومن حق الحبابي تناول الشخص "ككل واقعي" ونقد المذاهب التي تشطره إلى بعد موضوعي وبعد ذاتي، أو التي لا ترى إلا أحد الأبعاد. ونرى أنه في المذاهب التي عرضها المادة الكافية لاعطاء المحتوى الشامل للشخص. المشكلة تكمن في كونه احتج بالتباس مفهوم الشخص ليلقي به عرضا، ومعه ماض وحاضر غنيين من التحاليل والتأملات. وهو بذلك جعل من الشخص مجرد منطقة عبور للتشخصن وليس منتهاه، كما أفرغ من قبل "الشخصية" من كل العناصر التي هي الركيزة الواقعية للشخص.

    ولنا عودة لمفهوم الشخص في الفقرة التالية المخصصة للتشخصن، لأنه مفهوم محوري في هذه الصيرورة.

    التشخصن

    التشخصن هو المفهوم الأساس الذي بنى عليه الحبابي فلسفته. وبواسطته حاول إعلاء الثنائيات على أساس واقعي. ويعطي الحبابي تعريفا مركبا وتطوريا لهذا المفهوم قائلا: "إن الكائن الغير محدد « le on » يتشخصن تدريجيا ويهدف نحو حياة قائمة على توحيد كل المكونات في كيان مستقل وشخصي: إنه انبثاق للأنا وسط النحن (بين الآخرين) وهذا وذاك (العوامل الموضوعية). إن هذه المسيرة الصاعدة التي تتسلق من درجة وعي إلى أخرى تفسر كيف أن كل ذات (sujet) هي في الوقت نفسه نحن وأنا. فالوعي جهد مزدوج يهدف إلى تحقيق ذاتنا والوفاء لها. إننا نتحقق من خلال التشخصن، وهذا التشخصن لا دلالة له إلا ضمن محيط إنساني. والوفاء للذات يقتضي إمكانية هوية شخصية، أي وحدة مركبة، وهي ما يسمى ب الأنا"[14].

    فالتشخصن من هذا المنظور سيرورة نفسية واجتماعية، تنطلق منذ الطفولة، تحصر التشخصن في البعدين النفسي والآجتماعي، وهو بذلك تجاهل الدور الكوني الذي يعطيها إياه إمانويل مونييه تحت تأثير تايلار دي شاردان. إذ من الممكن، بالنسبة لهما، تلمس بوادر حركة التشخصن طوال تاريخ الكون، حتى وإن لم يظهر إلا مع الانسان.[15]

    وإذا كان الحبابي يتفق مع مونييه في اعتبار الشخص بأنه "نشاط معيش من الاستخلاق والاتصال والارتباط" (أي أن الشخص يخلق ذاته من خلال ما يعيشه يوميا من تجارب، وبواسطة اتصاله مع الآخرين ومشاركته لهم) la personne « est une activité vécue d’autocréation, de communication et d’adhésion »، لكنه يرفض المسحة النخبوية التي يمنحها إياه مونييه، تحت تأثير "نداء البطل" البرغسوني. إلا أنه لم ينتبه إلى كون مونييه يؤكد بأن حركة التشخصن وإن كانت من فعل شخصيات استثنائية أيقظت الإنسانية من "سباتها النباتي" sommeil végétatif، لكنه يؤكد في الوقت نفسه على أن "النداء الشخصي" ينبع من الحياة الأكثر تواضعا"[16].

    وبموازاة مع رفضه لهذا المنظور الصوفي-التطوري، يرفض الحبابي التمييز بين الوجود والماهية، وهو أساس الفلسفة السارترية، لأنه ما دام أن سيرورة التشخصن تنطلق منذ الولادة فإنها تلغي اسبقية الوجود على الماهية [17]. إلا أن العلاقة بين الوجود في ذاته والوجود لذاته عند سارتر لا يجوز اختزالها في مسألة تعاقب. ففي أساس هذه العلاقة يوجد العدم الذي " يسائل الوجود بالوجود، أي الوعي (الشعور) الذي هو الوجود لذاته" le néant qui est la « mise en question de l’être par l’être, c’est-à-dire justement la conscience ou pour-soi.[18]أما فيما يتعلق بالوعي (الشعور)، فإن سارتر في تحليله لكوجيتو ديكارت ينبه إلى كون كل شعور هو شعور بنقص أو "فقدان للوجود" manque d’être، وهذا النقص هو المسافة التي تفصل الوجود المتصور عن الوجود الحاصل (الموجود فعلا)" [19].

    والأمر كذلك فيما يتعلق بالماهية. فالماهية عند الحبابي ليست إلا حصيلة لتأثير المجتمع. أما عند سارتر فإن "التأسيس (أي الدلالات الأساسية أو المُؤسسة) مصدرها الوجود لذاته. فالوجود لذاته لا يؤسس ذاته فحسب، بصفته وجودا في ذاته معدوم، بل معه يتجلى الأساس لأول مرة".

    « Le fondement en général vient au monde par le pour-soi. Non seulement le pour-soi, comme en-soi néantisé, se fonde lui-même mais avec lui apparaît le fondement pour la première fois »[20]

    أو بعبارة بسيطة الشعور (أو الوعي) هو الذي يعطي للكون دلالته، وليس العكس. لكن هذا الشعور غير مكتمل ولهذا فإنه في بحث دائم عن الكمال. وعدم الاكتمال هذا هو العدم. وهذا التمييز بين الوجود لذاته والوجود في ذاته يمكن سارتر من فتح مجال للحرية. فبما أنه من المستطاع أن أخلق وجودي – بواسطة الالتزام – فإني أتجاوز الكائن في ذاته الاجتماعي الذي يكتفي بالقيام بالدور المحدد له، والذي يتماهى مع هويته الاجتماعية المفروضة عليه.

    ولهذا عندما يقول الحبابي أن "الحركة المشخصنة تتموقع في مقتطع المسارات الكبرى للفكر الفلسفي": مثالية، مادية ووجودية، وبأن التشخصن "حركة موحدة وشاملة تتمثل في سلسلة من الأفعال، يتخذ كل واحد منها موقعه ضمن الكل، كما هو الشأن في الديمومة البرغسونية التي تحتضن كل اللحظات"[21]؛ لا يسعنا إلا أن نسأل: أي مثالية، وأي مادية، وأي وجودية؟

    الواقع هو أن الحبابي لا يجد صعوبة في التركيب لأنه يفرغ المفاهيم من إشكالياتها. فهو في تعريفه للتشخصن (السالف الذكر) يحول الكائن (الوجود) l’être إلى مجرد كائن غير محدد le on، والفاعل (أو الذات، حسب السياق) le sujet إلى تركيب من ال"نحن" و ال "أنا"، في حين أن الفاعل لم يوضع كمفهوم إلا لتجاوز الأنا والنحن. مع العلم أن الضمير الفرنسي on غامض، فهو ضمير غائب مجهول قابل لأن يعوض كل الضمائر الأخرى، وإن كان في الغالب يعوض نحن nous.

    ويزداد هذا الخلط عندما يتوسع في تحديد ماهية التشخصن، فهو يرى أن التشخصن "اتصال وتوحيد" jonction et unification بين الكائن والشخصية والشخص والانسان، وهي مستويات لا تتجاور فحسب بل بعضها امتداد لبعض، وتلف بعضها البعض. فالشخصية امتداد للكائن، وتركيبهما يعطي الشخص، والانسان هو الهدف المقصود [22].

    فبين هذه المستويات الأربعة لا يوجد في نظر الحبابي إلا فرق في الدرجة، متجاهلا انتماءها إلى مستويات مختلفة. فالكائن يحيل إلى الأنطولوجيا ولا يجوز رده إلى مجرد معطى خام، أي "ما يأتي إلى الدنيا وما يجده الآخرون هنا" [23]. (ويكفي الرجوع إلى تعريف الفلسفة عند الفلاسفة العرب الذي يقول أن" الفلسفة بحث في الوجود بما هو موجود" وهو أيضا تعريف الأنطولوجيا، لندرك أن الوجود ليس مجرد مادة خام)، أما الشخصية فتحيل إلى البعد النفسي، والشخص إلى البعد الأخلاقي والقانوني والمتعالي (والحرية المحايثة لهذه المفاهيم لأنها شرط وجودها)، والإنسان إلى تصنيف الأجناس الحيوانية (الإنسان حيوان عاقل). وهذا الخلط بين الأبعاد هو الذي يفسر تناقض الحبابي في تعريف الشخص.

    بينما الشخص عند مونييه: "تجربة ثرية تضرب بجذورها في العالم (حرفيا: تغوص في العالم) وتعبر عن ذاتها بالإبداع المتواصل لأوضاع وقواعد ومؤسسات. إلا أن إمكانيات (أو طاقة ressource) الشخص ليست محددة، فلا شيء مما يعبر عنها يستغرقها، ولا شيء مما يحددها يُخضعها (أي أن العوامل التي تحددها لا تسلبها استقلاليتها)" [24]، فالبعد المتعالي للشخص من جوهر الشخص في هذا المنظور.

    لكن الحبابي يرفض أن يكون الشخص غير محدد، ويجيب بأن الشخص يتحدد بقدر ما يتحقق، وبأنه "ليس تجسدا ولا اتصالا، كما أنه ليس حرية ولا تعالي: إنه أساسا الواسطة التي تمكن الأنا من التحرر والتعالي والاتصال مع الآخرين وتجسيد القيم[25]. فالشخص في هذا المنظور واسطة التعالي، وهو في منزلة بين الشخصية والانسان. والشخص لا يمكنه "أن يرقى إلى المنزلة السامية" التي تُمنح له لأنه مشوب بعوامل فردية بشكل واع أو غير واع [26]. فالشخص في هذا المنظور يقوم بدور ما تحت الشعور préconscient في النظرية الفرويدية، وهو دور يفرضه منطق النسق أكثر مما هو وصف دقيق للواقع.

    إن منطق هذه المقاربة يجعل من الشخص مفهوما هجينا لأنه يسطو على أدوار المستويات التي أراد له الحبابي أن يربط بينها، الأمر الذي لا يزيده إلا غموضا. خاصة وأنه يصف العلاقة بين الشخص والشخصية قائلا: "أن الشخص هو مركزجاذبية يتقدم متوسعا بفعل تأثير الأمواج المتعاقبة من الشخصيات التي تنصهر فيه وتضخمه" [27]. وهو بذلك يُفقر مفهوم الشخصية، خاصة وأنه باستعماله للجمع يجعل منها لباسا متعددا قابلا للتغيير. في حين أن الشخصية، حسب التعريف المتعارف عليه في علم النفس، مرتبطة باستعدادات فطرية تتفاعل مع المحيط الذي يلعب دورا في إبرازها أو طمسها. وهكذا يحدد الطبع الملامح الثابتة للشخصية التي تعرف أساسا بعامل الاستمرارية والاستقرار constance[28]. فالشخص يمكنه التحكم النسبي في شخصيته لكنه لا يمكن أن تكون لديه عدة شخصيات، ولأنه في هذه الحال يسقط في مجال المرض النفسي!

    لكن الحبابي الذي يدعي إمكانية تحديد الشخص يتوقف في الطريق ليستخلص أن الشخص غير قابل للتحديد، قائلا: " لا يمكن القول بأن الشخص شخصية مطهرة أو بدون قناع، لأن الشخص بصفته صيرورة يفيض عن كل تعريف بفضل غنى امكانياته؛ فهو يميل إلى تحقيق الانسان كما يميل كل نسق إلى الوضع الذي يحقق توازنه؛ إنه الممكن الذي يميل إلى اللامتناهي. وتحديد الشخص بعلاقته بالشخصية يعني الحد من ديناميته وإمكانياته وتجميده في مقدماته" [29].

    فالشخص إذن يمهد الطريق للإنسان. لكن كيف يتسنى لكيان يشوبه انعدام الأصالة وهو مطية لخداع النفس [30]أن يخلق ما هو أصيل؟

    وفي حين أن مونييه يعتبر الشخص والنمط الشخصي للوجود "أسمى أشكال الوجود" وأنهما "اكتمال للكون"[31]، فإن الميزة الوحيدة التي يمنحها له الحبابي تكمن في ديناميته وامكانياته؛ أما الاعتبار الأسمى فيخص به الانسان.

    هل الشخص قابل للتحديد أم لا؟ سؤال أجاب عليه الحبابي بشكل متناقض. وهذا التناقض مصدره التنافر الحاصل بين مقاربته الوضعية للشخص (بما أن الشخص "يتحدد بقدر ما يتحقق" ، مع غلبة للعوامل الخارجية هذا التحديد) والرؤية الشخصانية – كما عبر عنها مونييه – التي تجعل من الشخص مصدر التعالي في الكون.

    أن هذا العجز في تحديد دور الشخص هو الذي اضطر الحبابي إلى زيادة مستوى أسمى متمثلا في الانسان.

    إننا نلاحظ من خلال هذا العرض أن الغرض الذي توخاه الحبابي من وراء إلحاحه على توضيح المفاهيم قد حاد عن هدفه وجعل من الفلسفة التي أراد تشييدها بنيانا متصدعا لأن كل لبناته هشة. ومفهوم التشخصن لا يسلم من هذه الهشاشة العامة، والدليل على ذلك هذا المثل الذي يعطيه: "إن الفيلسوف الفارابي والشاعر المتنبي تعاصرا، وتواجدا في حلب، وخالطا نفس الأوساط، ولكن رغم ذلك كله، تشخصن كل منهما تشخصنا جعله مخالفا للآخر، كل الاختلاف. ذلك أن الأشخاص، وإن كانت المؤثرات عليهم هي هي، فانفعالاتهم الفردية بها ومعها تجعلهم مغايرين. وإلى جانب الفارابي والمتنبي، عاش أفراد كثيرون في حلب، وفي نفس الزمن، وخالطوا نفس الأوساط، ومع ذلك لم يبلغوا من التشخصن مستوى يجعل التاريخ يحتفظ لنا بذكراهم. حقا، إن البيئة تمهد الطرق وتهيئ الأسباب لتفتح الشخصية، ولكن هذه العملية، وإن كانت شرطا أساسيا، فإنها ليست بالشرط الكافي، فلا بد من الاعتماد على تأثيرات البيئة، مع اعتبار الشروط الخاصة بكل فرد. فعندما تتوفر الشروط الكافية لتأثير البيئة وتكوين مجموعة من قيم عامة للوجود (مثلا حلب أيام سيف الدولة، بالنسبة للفرابي والمتنبي) يتفتح حقل الامكانيات أمام الجميع، ثم إنه إذا انعدمت المعارضات، بين تأثيرات البيئة وإمكانيات الفرد، استطاع الشخص أن يحقق ذاته، وهذا هو التشخصن"[32].

    إن هذا المثال يجعلنا نتساءل هل الحبابي أراد فعلا تأسيس فلسفة تقاسم باقي الفلسفات الشخصانية حدا أدنى من المبادئ والمفاهيم المشتركة. فهل يحوز، من وجهة نظر شخصانية، اعتبار المتنبي نموذجا لما يجب ان يحمل الإنسان الشخصاني من قيم، وهو القائل: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم؟[33] مع أننا لا ننتقص من عبقريته الشعرية. وهل يجوز لفلسفة تدعي الشخصانية أن تحصرها في بعض المشاهير وفي عصر معين، في حين ان مفهوم الشخص كان دائما يهدف إلى الرفع من شأن الكائن البشري والذود عن كرامته مهما كان وزنه الاجتماعي وعصره. وهل يجوز لشخصانية إسلامية (بما أن الحبابي أراد تأسيس شخصانية إسلامية) أن تميز بين البشر على أساس مناف للمساواة امام الله؟


    [1]المرجع نفسه، ص 11

    [2]المرجع نفسه، ص 17

    [3]المرجع نفسه، ص 12

    [4]المرجع نفسه، ص 15

    [5] Jean-Claude Filloux, La personnalité, PUF 9è éd. 1976, pp. 17-24

    [6]من الكائن إلى الشخص، ص 87

    [7]المرجع نفسه، ص 88

    [8]المرجع نفسه، ص 88

    [9]La personnalité, p. 10

    [10]Joseph Vialatoux, La morale de Kant, PUF, Paris 1968, pp. 27-28

    [11]المرجع نفسه، ص 98

    [12]من الكائن إلى الشخص، ص 93

    [13]المرجع نفسه، ص 101-105

    [14]De l’être à la personne, p 33

    [15]Le personnalisme, p 20

    [16]Ibid à. 7

    [17]De l’être à la personne, p. 50

    [18]J. P. Sartre, L’être et le néant, Gallimard, Paris 1968, p. 117

    [19]Ibid, p.118

    [20] Ibid, p. 120

    [21]De l’être à la personne, p. 117

    [22] Ibid, p 114.

    [23]Ibid, p. 10

    [24]Le personnalisme, P. 6

    [25]De l’être à la personne, p. 102

    [26]Ibid, p. 103

    [27]Ibid, p. 70-71

    [28]Dictionnaire de psychologie Bordas, sous la direction de Norbert Sillamy, p. 887

    [29]De l’être à la personne, P. 58

    [30]Ibid, p. 17-18

    [31]Le personnalisme, p. 6

    [32]من الكائن إلى الشخص، ص 134

    [33]يذكر الحبابي هذا البيت كمثال سلبي ل "فلسفة أنصار الغائية" التي يحررنا التشخصن منها، دون ذكر القائل، ودون الانتباه إلى كونه يذكر المتنبي من بين الشخصيات المتشخصنة وبيته الشعري كنقيض للتشخصن. من الكائن إلى الشخص، ص 79
     
  3. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    الإنسان

    الإنسان عند الحبابي هو "وحدة الكائن والشخص" [1]، ( "تأليف من الكائن والشخص" [2]) وهو مفهوم يجيب على مطلبين: توضيح المفاهيم وتحديد موقع التعالي. ولهذا يقترح "تخصيص الشخص personna ومشتقاتها للأنا المقنع، وتخصيص اسم إنسان لكل ما هو فوق القناع وللهدف المقصود. فمصطلح "إنسان" يعبر عن مفهوم ثري يتميز بخلوه من آثار الغش والخداع. والانسان هو إذن الهدف وليس المعطى، إنه التألق الشامل للأنا والانجاز التام لكل الإمكانيات التي يحملها. أن يصير المرء إنسانا هو أن يحقق كل ما يريد وكل ما يستطيع" [3].

    لكن القارئ لا يجد في كتاب الحبابي تعليلا لهذا التمييز بين الشخص والإنسان. فالشخص هو أداة التعالي وهو الحاضنة التي تحمل المشروع، والتي تبث فيه الإرادة والقوة، والإنسان بصفته مشروعا مرتبط بالشخص، فكيف يمكن أن يكون أسمى منه ومن طبيعة مختلفة؟

    ومن جهة ثانية، وبما أن الأمر يتعلق بتوضيح المفاهيم، إن مصطلح "إنسان" يحيل في الفلسفة الحديثة إلى الإنسية وإلى المركزية الإنسانية anthropocentrique التي نشأت كنقيض للمركزية الألوهية théocentrisme، ولهذا يحمل مفهوم الإنسان/الشخص كل ثقل وكثافة الواقع البشري. وهذا الواقع وهذه الكثافة ليسا إفرازا للغش والخداع بل هو نسغ الحياة الذي جعلت منه الوجودية (وهي من روافد الشخصانية) مركز تفكيرها.

    لقد أراد الحبابي أن يجعل من الانسان مفهوما خالصا، إذ يقول: " إن مصطلح "إنسان" أقل عرضة للفردانية من الأنا الشخصي؛ وبصفته غاية للقصدية وحدا نهائيا لحركة التعالي، فإنه غير معرض للنقد الذي يطال مصطلح "شخص". وهو يتميز بكونه لا يرزح تحت الحمولات التي اعترضت الشخص persona خلال مساره الطويل" [4]. وبهذا يفصل الحبابي بين المتعالي والنفساني الملتحمان في الشخصانية. ومنطق هذا التحليل يحيل، من حيث لا يشعر الحبابي، إلى المثالية والثنائية؛ نظرا لكون الانسان بصفته كائنا غير متجسد يوجه الحركة المشخصنة: "فهو الذي يفهم الضرورة ويعانيها ويتغلب عليها ليتحرر. وهذه المهمة المضنية تتضمن برنامجا من الفتوحات المتدرجة والمتمثلة في: التحكم في الذات الذي بفضله يتغلب الوجه المشخصن على الوجه الحيواني؛ معرفة الطبيعة التي بفضلها يتعالى الأنا على الأشياء والضرورة؛ وأخيرا المنطق والأخلاق والإبداع الفني، وهم الواسطة للاتصال والتوائم مع الغير"[5] .

    ولو ترجمنا "الشخص" و"الانسان" حسب تصور الحبابي إلى لغة كانطية لأمكن القول أن "الشخص" هو الأنا الموضوعي، و"الانسان" هو الأنا المتعالي. فكانط يميز بين الذات (sujet) المتعالية العقلانية، والذات الفردية في جانبها الحسي التجريبي. فالذات المتعالية دات عقلانية خالصة تنتمي إلى العالم العقلي الذي ينتمي بدوره لعالم الغايات، والذي يفرض شرعيته العقلانية للطبيعة بواسطة المقولات ومبادؤ العقل، كما يفرضها على أفعال الإنسان بواسطة الآمر القطعي. والثنائية الإنسانية تعبر عن نفسها من خلال هذا المعنى الزدوج لكلمة ذات [6]. لولا أن الغموض يكتنف تعريف الحبابي لما يسميه ب "قناع" masque"الشخص"، فهل يعني تعدد المعاني التي قدمت لهذا المصطلح طوال تاريخ الفلسفة (والذي يعطي نبذة تاريخية عنه [7]) الأمر الذي لا يمكن من إعطاء تعريف دقيق له (أي أن المشكلة اصطلاحية أساسا)، أو أن الأمر يتعلق بالوجه الواقعي empirique للشخص المرتبط بتاريخه الشخصي؟ الأمر الذي يمثل تناقضا من قبل مفكر يعتبر نفسه واقعيا، لأن الشخص لا يمكن أن يكون قناعا حتى ولو أننا لا نعرف عنه إلا الظاهر منه، إلا أن هذا الظاهر لا يختزل كل حقيقته.

    لقد أراد الحبابي توضيح المفاهيم عبر إكثار للمستويات الشكلية (كائن، شخصيات (لكونه يعتبر أن للشخص الواحدشخصيات)، شخص، إنسان) مرتبا إياها حسب تراتبية تنطلق من "المعطى الخام" لتصل إلى الإنسان المثالي. والوضوح الذي رامه تم على حساب الواقع النفسي والوجودي لأنه رد الإنسان بكل أبعاده إلى إطار شكلي، رغم أنه رام مقاربة الشخص ككل واقعي. إنها عقلانية وضعية متأثرة بأوغست كونت الذي أراد إعطاء تعريف جديد للمقولة السقراطية: "اعرف نفسك بنفسك". وهذا التعريف الجديد يفك الارتباط بين الوعي بالذات ومعرفة الذات conscience- de- soi-connaissance-de-soi، ويحث على "البحث عن الروح esprit في تاريخ العلوم فقط لأنه من المستحيل إدراكها مباشرة. ولكي تكون الفلسفة وضعية عليها رفض كل مقاربة نفسية: أي إلغاء الوعي بالذات بإنقاذ المعرفة بالذات. فالوعي conscience غير مؤهل للمعرفة".[8]

    وبرفضه للمقاربة النفسية والوجودية فإن الحبابي يستنسخ الوضعية في صورتها الدوغماتية. والتي تجوزت حتى من قبل أكثر المذاهب عداء للفلسفة التأملية، لأن الظواهر الإنسانية لا يمكن الإحاطة بها بمجرد وصف لمعطياتها القابلة للتكميم أو البحث التريخي، بل تحتاج أيضا إلى مقاربة فهمية كيفية.

    ومن ناحية أخرى فإن "إنسان" الحبابي هو ضرب من الانسان الأعلى surhomme لأنه " ما وراء (الكائن والشخص) وانطلاقا من التحامهما الحميم، فأنا الانسان أي القيمة التي يحققها أولئك الذين تخلصوا من "الأقنعة". أما أولئك الذين ينغمسون في خداع الذات فإنهم يجهلون إلى الأبد هذه القيمة. وأبدا لن يكون لديهم الاندفاع المخلص لتجاوز الشخصية التي يلعبون ليبلغوا إلى مستوى الإنسان الذي عليهم تحقيقه. وبين هذين المستويين هناك منازل وسطى توصل تدريجيا إلى الانسان".[9] هذا التصور للإنسان يذكر بنداء البطل البرغسوني، لولا أن الحبابي يرفض أن يسقط التشخصن في النخبوية، كما عبر على ذلك في تعليقه على الحركة المشخصنة عند مونييه[10].

    لكن هناك فرق بين نداء البطل البرغسوني، الذي وإن كان يبين الطريق للغير فإنه لا يسلبهم شيئا من كرامتهم، و"إنسان" الحبابي الذي يحتكر الكرامة له وحده. وهذا "الانسان" نموذج نادر إذ أن الحبابي يقول:" ندعو "إنسان" أولئك الذين خلد التاريخ مثالهم وذكراهم. وهم أولئك الذين ينشؤون في وسط وثقافة ما، لكنهم السباقين بفضل موهبتهم الخاصة إلى إدراك إفلاس النسق الثقافي، ويسبرون الوجود الخفي لتيارات تبعث الحياة من جديد. وهم بزهدهم في مصالحهم الشخصية وبمثالهم وتضحياتهم يخلقون فكرا جديدا وفنا وقانونا وأخلاقا سيصيرون حقيقة العصر" [11].

    والآن بعد أن وصلنا مع الحبابي إلى نهاية صيرورة التشخصن، لا نجد مناصا من طرح بعض الأسئلة. الأسئلة الأولى تطرح مسالة الغاية من التشخصن: فهل صيرورة التشخصن محكومة بغائية ترمي إلى خلق بعض الكائنات الاستثنائية؟ وهذا السؤال يحيل إلى سؤال آخر: كيف يمكن قيام مجتمع شخصاني (الذي هو هدف الشخصانية) إذا كان التشخصن محصورا في بعض "الواصلين"؟

    أما الأسئلة الثانية فتتعلق بالبعد الذاتي ل "الإنسان" وتطرح إشكالية العلاقة بين "الإنسان" وشخصه وشخصيته.

    - فهل "الإنسان" لا يبقى شخصا؟ ورغم عبثية هذا السؤال إلا أننا مضطرون لطرحه. إذ كيف يمكن لكائن مثالي أن يتعايش مع شخص، أو في شخص، يشوبه الزيف والخداع؟

    - ما هو السند (أو القاعدة) النفسية ل"الإنسان"؟ أو بعبارة أخرى، ما هو دور شخصية "الإنسان"؟ أم أن الشخصية حُيدت عندما يبلغ الكائن مرتبة "الإنسان"، فيعيش دون شخصية؟

    مع العلم أن هذا الإنسان الذي تخلص من كل شوائب النفس والجسد يحيل إلى المقاربة الصوفية في صورها الأشد تنكرا للجسد وشهواته، أكثر مما يحيل إلى المقاربة الفلسفية خاصة إذا ادعت الواقعية. وهذه مفارقة أخرى في فلسفة الحبابي التي ترفض التصوف.

    وعلى المستوى الفلسفي العام فإن مفهوم "الإنسان"، كما تصوره الحبابي، يطرح من المشكلات النظرية أكثر مما يحل. وهو يدخل الثنائية والمثالية في فلسفته وهو ما يعارض مسلماته ولا يتفق مع تصوره للمتعالي وللحرية وللأخلاق، كما سنرى ذلك في الفقرات التالية. وبذلك سقط فيما أراد تجاوزه عندما أكد: "إن مفهوم التشخصن يقي الباحث، في "الكائن البشري" من السقوط في مشكل الثنائية: "وجود-ماهية". فبمجرد ما يبرز الكائن في هذا العالم، يشرع فورا في االتشخصن، إلى حد أنه لا يجوز لنا أن نقول عنه بأن له وجودا منعزلا عن ماهية. فليس له وجود محض "قبل" أن يصير "بعد"، هذا أو ذاك. فال "قبل" وال"بعد" لا يوجدان بصفة مطلقة في زمن مطلق، بل وجودهما مقيد بوجود كائن بشري، قد جعل نفسه كذا أو كذا، وإلا لما أمكننا أن نتكلم عنهما. إن مجموع مراحل عملية التشخصن، يقع وينتظم في الزمن، بينما ظهور الزمن ليس إلا نتيجة للحركة المشخصنة. نعم، هناك الكائن، لكنه لا "يكون شيئا" خارج الحركة: إنه آونة الشروع في التشخصن"[12].

    والحاصل هو أن "إنسان" الحبابي، المتجرد من شخصيته وشخصه؛ مفهوم فارغ كمحتوى، وضيق كامتداد (مجموع الأفراد الذين ينطبق عليهم).


    التعالي

    التعالي صيرورة تصاحب التشخصن، وهو أحد الطريقين، مع الألفة (أو الحميمية intimité)، اللذين يمكنان الشخصية من الخروج من دوامة الزمن والأفق. إلا أن الحبابي يذهب إلى أن التعالي والألفة ليسا مقولتان غائصتان en profondeur، بل هما بعدان ممتدان dimensions en extensives. فهما لا يحملان عن الإنسان ثقل الزمن والأفق، بل يسندانهما ويكملانهما. وهذا التصور يخرجنا من الحيرة (أو المأزق)، التي تضعنا فيها التصورات الكلاسيكية، بصدد العلاقة بين الكائن البشري ومحيطه: فإما يعامل هذا الكائن كمحصلة للمؤثرات الفيزيائية والفيزيولوجية والاجتماعية التي تنسفه من الخارج جاعلة منه شيئا ضمن الأشياء الأخرى؛ أو أن نتعرف فيه على حرية غير كونية acosmique ووعيا مؤسسا للكون. إن التعالي والألفة توتران يجعلان الأنا يتصل مع الغير ويلمس الكون والأشياء دون أن يذوب فيهما، "يشيئ" كل شيء، ويمارس عليه ما يصبو إليه دون أن يستقر في أي واحد من هذه الأشياء. إنه يتأمل ذاته من خلال هذا العالم المُشيء ويحوله، ويشعر بأنه يعيش بين الأشياء لكنه يتجاوزها بواسطة التأمل، وبصنعه لوجوده مع الآخرين. فالعالم يعيش، والكائن البشري يوجد بتحمله لأوضاع جديدة تقدمها حياة أفقه[13].

    والزمن، عند الحبابي، مكثف في "مزيج" «mixte» سماه ال "في سبيل كذا" (أو بصدد كذا) « l’en train de » يضم الأبعاد الثلاثة للزمن: الماضي والحاضر والمستقبل. وهنا تكمن شخصيتنا "بين أفقين متحركين ومنغمسة في "في سبيل كذا" يرزح تحت ثقل تجارب الماضي وجذب نداء المستقبل"[14]. والأفق هو "الحقل الذي يتشخصن فيه الأنا مع الآخرين وبواسطتهم"[15]. ويمكن ترجمة أفق بثقافة لكونها تنهض بكل الوظائف التي ضمنها فيه الحبابي.

    نستنتج من هذا المقتطف أن التعالي والألفة بعدان أفقيان، ف"واقعية" الحبابي تتميز بالحذر من الاستبطان السيكولوجي والميتافيزيقا التأملية. وهو يريد تأسيس "تعالي-محايث" « transcendance-immanence »[16]. والتعالي عند الحبابي كحركة متصاعدة يتحقق من خلال التشخصن. وفي علاقته بالكون يتميز بالتواؤم (التكيف) والتجاوز معا[17]. وهذه الحركة من فعل الأنا ذاته، وهي بذلك تتميز بالتعالي والمحايثة. لهذا فإن "التعالي يعني تحقيق المرء لذاته، أي أنه بذلك يتجاوز كينونته الخام ليصير كائنا متشخصنا يهدف إلى تحقيق الإنسان الذي يحمله في ذاته كمشروع سام عليه تحقيقه"[18].

    لكن الحبابي لا يذكر السبب أو الضرورة التي تدفع الأنا إلى تحديد تلك الغاية له. ولهذا يبدو الإنسان وكأنه غاية فطرية للأنا. وفي هذه الحالة فإن الإنسان يصير في متناول الجميع وليس حكرا على نخبة قليلة. أما المبدأ المحرك لهذا التعالي فغير محدد.

    وبما أن الحبابي يجعل من الأنا مصدرا للتعالي، كان من المنطقي أن يصنفه ضمن "الأبعاد العميقة" وليس ضمن "الأبعاد الممتدة"[19]. وإن كنا في الواقع لا نجد عند الحبابي أبعادا عميقة، رغم التسمية التي أطلقها على بعض الفصول من كتابه. فحتى المفاهيم التي حللها على أنها أبعادا عميقة، مثل الألفة (الحميمية) l’intimitéوالحب والفن والرحمة، تطرق لها كأنشطة اجتماعية أساسا[20].

    ويخصص الحبابي جل هذ الفصل للرد على نظريات التعالي، الدينية منها والفلسفية. ومنهم شيلر الذي يعتبر الشخص ك"مجموعة من الأفعال مستقلة عن الزمن والمكان". ويرد الحبابي أن هذا الكائن يشبه الكائنات الرياضية[21]. أما موريس بلونديل، فهو أيضا يعرف الشخص بالفعل، إلا أن مجال الفعل منحصر في الممارسة الدينية[22]. أما غابرييل مارسيل، فهو يرى أن الله وحده يعالي، ويشكك في إمكانية عَلمنة فكرة التعالي[23].أما كيركغارد، فإنه يرد الوجود الإنساني إلى اختيار: مع الله أو ضده[24]. ويصف الحبابي موقف هيدغر بالتوحدية solipsisme، لأن الواقع البشري هو، بصفته فهما compréhension وتعاليا هي التي تؤسس الكون[25].ويسائل الحبابي هوسرل قائلا: إذا كان كل فكر مصوب نحو موضوع يصاحبه حضور وبداهة هذا الموضوع في الفكر، فكيف يمكن للفكر التعالي على الحاضر؟ وكيف يمكن للأنا تجاوز وعي الذات نحو الغير والكون؟[26]. أما جاسبرس فإنه يرى أن الوجود متجذر في التعالي، لكن من يريد أن يحقق الكائن الشامل لا يمكنه ذلك إلا في الواقع التجريبي وليس في التعالي[27]. وأخيرا يتطرق الحبابي للشخصانيين الفرنسيين، ليحكم على موقف مونيي بأنه مفارق paradoxal، لكون التعالي لا يصعد بل يهبط. وهذا التعالي هو من قبيل اللامحدد واللامعبر عنه (ما لا يمكن التعبير عنه بواسطة اللغة)[28]. أما لاكروا فإنه يرى أن الشخصانية الحقة ""شخصانية تفهم أن القيمة المطلقة للشخص تأتيه من قدرته على التجاوز بفضل مساعدة داخلية"". "وأن هذه المساعدة هبة إلهية"[29].

    بعد هذا العرض، لا يسعنا إلا أن نبين التفاوت الكبير بين جهد القراءة الذي بذله الحبابي في من الكائن إلى الشخص، وضحالة النتائج التي استخلصها، لكونه ناقش بعض الأفكار مبتورة عن إشكاليتها. وبما أن هدفه كان تأسيس متعالي غير خارق للعادة transcendance sans sur-naturel، كان بإمكانه التركيز على مفهوم الاستلاب. فهو موجود في فلسفة مادية لا يمكن أن ننعتها بأنها خارقة للعادة، ألا وهي الماركسية، أو ملحدة كالوجودية السارترية. فهذا المفهوم لا يهدف إلى خلق إنسان خارق للعادة، بل "يكتفي" بالعمل (نظريا وسياسيا) على تحرير الإنسان من الاستلابات التي يرزح تحتها (أكانت اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو عقدية).


    [1]De l’être à la personne, p.52

    [2]من الكائن إلى الشخص، ص 64

    [3]De l’être à la personne, p. 18-19

    [4]Ibid, p. 80-81

    [5]Ibid, p. 106

    [6]La morale de Kant, p. 27

    [7]Ibid, p. 75-82

    [8]Ibid, p. 35

    [9]Ibid, p. 56

    [10]Ibid, p. 100-101

    [11]Ibid, p. 53

    [12]من الكائن إلى الشخص، ص 61

    [13]De l’être à la personne, p. 163 هذه ترجمة مع بعض التصرف للفقرة الأولى من فصل "التعالي"

    [14]Ibid, p. 162

    [15]Ibid, p. 155

    [16] Ibid, p. 175

    [17]Ibid, p. 165

    [18]Ibibd. P. 175

    [19]Ibid, p. 163

    [20]Ibid. p. 205

    [21]Ibid, pp. 163-164

    [22]Ibid, p. 164

    [23]Ibid, p. 167

    [24]Ibid. p. 167

    [25]Ibid, p. 168

    [26]Ibid, p. 169

    [27]Ibid, p. 170

    [28]Ibid, p. 170

    [29]
     
  4. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    الأخلاق

    الأخلاق عند الحبابي نفعية ووضعية. فهو يركز على كون اللاهوت والميتافيزيقا لم يقدما إطلاقا قيما كونية، وهما بذلك غير مؤهلين ليكونا قاعدة للأخلاق. فالأخلاق يجب أن تؤسس على "الروح (أو العقل) esprit الوضعية التي تبحث عن الواقع وتوجهه نحو النافع. وفي هذا المجال نجد، رغم كل الخلافات، مركزا يجمع عليه الجميع، وقيمة مشتركة، ألا وهي المنفعة". أما اللاهوت والميتافيزيقا فلا يمنحان أي أمل في تفاهم كل البشر، فالعقل والعلم هما وحدهما القادران على تأسيس قيم كونية"[1].

    وزيادة على الوضعية والنفعية يضيف الحبابي معيارا ثالثا لتزكية كل قيمة، ألا وهو الهيمنة. لكون القيم الأكثر حيوية هي التي تسيطر. وهو بذلك يدعو إلى تأسيس نظرية قيمة axiologieتجمع بين الواقع والعقل، لأن "التأثير في الواقع يقتضي الوصف الدقيق للتجربة الحقيقية للقيم السائدة في كل لحظة من التاريخ"[2].

    كما يضيف الحبابي مقاربة اجتماعية قائلا بأنه يجب البحث عن "الفعالية في القيم التي تفرزها الحياة اليومية، في قلب التجارب المعيشة للأنا، في نسبيته ومحدوديته ومصيره"[3].

    وأخيرا ينتهي الأمر بالحبابي إلى المادية التاريخية لكونه يرى أن التقدم المتوازي لعلوم الإنسان وللتقنية "على أساس شخصانية واقعية" سيمكن من تجاوز الخلافات بين مختلف الثقافات. ومن جهتها ستتمكن العلوم الاقتصادية من "عقلنة العلاقات بين الأشخاص والأشياء...وبين الجهد والحاجة والإنتاج والاستهلاك. ويقرر الحبابي أن "الوحدة في هذا الميدان محتملة كما هو الشأن بين الفزياء والجيولوجيا، وهي علوم بلغت حدا كافيا من الوضعية"[4].

    إن هذه المقاربة للأخلاق التي تقتبس من عدة مشارب فلسفية تطرح كثيرا من المشكلات:

    - فهي تأسس الأخلاق على العقل الوضعي، كما أنها تستمد الاشكالية الوضعانية في صورتها الأكثر فجاجة والتي ترد الخلافات الفكرية والثقافية إلى نقص في العقلانية. كما أنها تلبس تفاؤلها الساذج الذي يعتقد أن الاحتكام للعقل سيمحي التناقضات البشرية.

    - وهي تخلط بين الوضعية والواقعية. فالواقعية نسبية وأوسع نظرة من الوضعية التي تطمح إلى الوصول إلى قوانين عامة غالبا ما يفلت منها الذاتي والشاذ. ولهذا من التناقض ادعاء تأسيس الأخلاق على العقل الوضعي والبحث عنها في "صلب التجارب المعيشة للأنا، في نسبيته ومحدوديته ومصيره"[5].

    - وهي تعطي الأسبقية للأخلاق السائدة وتجعل من التاريخ محكا لصلاحية الأخلاق كما هو الشأن في فلسفة التاريخ الهيجلية، في حين أنه ينتقدها بشكل غير مباشر في كتابه "من المنفتح إلى المنغلق" والذي يرجع فيه الاختلاف بين الشعوب إلى عوامل طبيعية.

    - وهي تدعو إلى النفعية دون البت في مقابلها الفلسفي المتمثل في الذرائعية. مع العلم أن الذرائعية لا تتماشى مع الوضعية.

    - وأخيرا فهي لا تأخذ من الماركسية إلا وهمها العلماوي المتعلق بقدرة علوم الاقتصاد على عقلنة العلاقات البشرية. وإن تراجع بعض الشيء عن هذه النظرة بتركيزه على المشكلات الناتجة عن المجتمع الصناعي[6].

    فكيف نفهم الأخلاق عند الحبابي رغم الاعتراضات السابقة؟وإننا لا نملك إلا البحث عن الجواب في الظروف التاريخية التي عاش فيها والتي خلقت لديه وعيا حادا بثقل التاريخ والمجتمع والاقتصاد. وواقعية هذه الأخلاق تلعب دورا مزدوجا: فهي من جهة نداء لقراءة واقعية ونقد-ذاتية للأحداث، ومن جهة أخرى تحذير من المبالغة في الإرادية. فهذه الأخلاق مبنية على جدلية الممكن. إنها أبعد ما تكون عن الفرد السارتري الذي يعطي لنفسه مسؤولية لا متناهية. كما أننا لانجد في رواياته مثيلا للشخصيات السارترية التي تجد نفسها في حالات قصوى من الحيرة الوجودية والأخلاقية. والتنميط الأخلاقي لشخصيات روايات الحبابي يفصح عن مانوية وامتثالية conformisme أخلاقية. فمن ناحية نجد البطل الإيجابي ومن جهة أخرى نماذج مضادة سلبية (زوجان مثاليين ضحية التباس؛ طالب مغربي في فرنسا في مواجهة مؤامرة؛ تحول سجين بريء؛ سقوط عميل سابق...)[7].

    الحرية

    يخضع الحبابي تحليله لإشكالية الحرية لنزعته الواقعية التركيبية. ولهذا أراد أن يبين أن الحرية ليست صفة ولا خاصية ثابتة بل هي " مكتسب تدريجي وشمولية" «une conquête progressive et une totalité»[8] . رافضا ما يسميه بالفلسفات السلبية للحرية المتمثلة في النزعات المثالية التي تطرح الحرية كتجربة ميتافيزيقة [9]، ورديفتها النزعات التي تقف عند التجليات الخارجية للتحرر[10].

    لكن عمليا يتعلق الأمر بنقد البرغسونية التي يؤاخذها على مثاليتها وثنائيتها. فالحرية عند الحبابي يجب أن تتجلى قبل كل شيء في العلاقات الاجتماعية[11]. وينتقد الحبابي البرغسونية وكأنها سليلة الرواقية التي ترد الحرية إلى مجرد حالة شعورية قائلا: "البرغسونية تدعونا إلى ضرب من "الانعزالية" التي ننشغل فيها بشعورنا فقط لأنه مقر الديمومة الحقيقية، وهو بذلك مقر الحرية"[12]. والميزة الوحيدة التي يعترق بها للبرغسونية – كما للوجودية أيضا - تكمن في "كونها تلقحنا بين حين والآخر بجرعة من الذاتية لنتسلح ضد هيمنة الأشياء"، لكنها عاجزة عن السير بنا نحو التحرر"[13].

    ويعطي الحبابي في الصفحات 70 إلى 72 من "حرية أم تحرر" خلاصة عن مفهوم الحرية في عدة مؤلفات لبرغسون، ثم يلقي السؤال: " هل ستتجه هذه الأفعال الإرادية نحو المعنى الحقيقي للتحرر؟"[14]. وفي نظره كان على "منبعا الأخلاق و الدين" إعطاء أجوبة في هذا الاتجاه، إلا أن هذه الأجوبة لم تقنعه "لأننا نجد في مركز نظرية الحرية عند برغسون الحرية الإلهية، وهي حرية لا يستطيع الكائن البشري المساهمة فيها إلا إذا كان "مفعولا بها" "[15] .

    لكن الحبابي لا يرى إلا الوجه الصوفي لنظرية الحرية عند برغسون ولا يعير الانتباه لقاعدتها الواقعية. والواقع أن برغسون إن كان خصص تحاليل طويلة للآليات الذاتية والداخلية للحرية فمن أجل استخلاص شروط إمكانية أي فعل حر. وفي البدء يجري برغسون هذا التحليل على المستوى الأكثر مادية ألا وهو المستوى البيولوجي. ويستنتج من هذا التحليل أن "دور الحياة هو إدخال اللاتحديد indétermination في المادة" ..."فالجهاز العصبي بخلاياه العصبية المرصوفة جنبا إلى جنب بحيث أن أطراف كل واحدة منها تنفتح على طرق متعددة تطرح العديد من الأسئلة، إنها خزان لللاتحدد"[16]. فالحرية ليست مجرد حالة شعورية بل هي مرسومة في المعطيات البيولوجية للكائن الحي.

    ومن جهة أخرى يرى برغسون أن الحرية ليست مطلقة وبأنها تحتمل درجات لأنه يأخذ بالاعتبار المحيط الاجتماعي والنفسي[17]. فالأفعال الحرة قليلة لأنها قليلة تلك الأفعال التي تصدر عن الروح بكاملها[18]، والتي تخرج إلى الوجود كما تسقط الثمرة الناضجة.

    إن الحبابي يقول أن المقاربة البرغسونية محصورة في شعور "فرداني مطلق يتجاهل الآخر والأنت والنحن"[19]. لكن قراءة "منبعا الأخلاق والدين" تفند هذه القراءة. فالحياة الاجتماعية sociabilité مكتوبة في غريزة الإنسان، لأنها "رسم (أو خطاطة) للمجتمع كان متشكلا في البنية الأصلية للروح البشرية"[20]. والواجب الأخلاقي نفسه لا يمكن فصله عن الغريزة[21]، فالأخلاق من "طبيعة بيولوجية"[22]. والدين هو الرابطة بين الغريزي والاجتماعي، إنه "رد فعل دفاعي من قبل الطبيعة في مواجهة السلطة المحللة (المفسخة) dissolvante للذكاء"[23]. لهذا فإن فعلا لا عقلانيا بالنسبة للفرد ليس بالضرورة كذلك بالنسبة للمجتمع[24]. وللقيام بدوره فإن الدين يلجأ إلى الوظيفة الخرافية fonction fabulatrice[25]، ف"الديانة الثابتة statique تربط الإنسان بالحياة، وتبعا لذلك الفرد بالمجتمع، بواسطة حكايات تشبه تلك التي يهدهد بها الأطفال"[26]. لكن هذه الوظيفة مصدر اختلالات (خزعبلات) aberrationsوجمود، لأن اللاعقلاني يصير عبثا absurde[27]. بينما غريزة الانضباط في المجتمع المنغلق قد تعمل على اندلاع الحروب. وآنذاك يصير من الضروري العودة إلى الاندفاع الحيوي l’élan vital للعب منه (أو الارتواء منه). وهذا الاندفاع في بعده الإنساني من طبيعة صوفية. وهذه الصوفية "اتصال ... بالجهد الخلاق الذي تعبر عنه الحياة. وهذا الجهد من الله، إن لم يكن الله ذاته"[28]. إن الصوفية عند برغسون ليست بحثا انعزاليا عن الخلاص، بل التزام في الكون. وهي التي تمكن من الخروج من المجتمع المغلق إلى المجتمع المنفتح الذي يشمل الإنسانية قاطبة[29].

    قد لا نتفق مع تصور برغسون للصوفية (ولفلسفته بصفة عامة)، لكن لا يجوز نعته ب "الانعزالية". لقد كان هدف برغسون تأسيس أنثروبولوجيا تصهر في نسق واحد كلا من الأبعاد البيولوجية والاجتماعية والروحانية. وهذا غير مقبول من وجهة النظر الوضعية، لكنه ليس هناك مسوغ لنعته بأنه "مغرق في الفردانية"، خاصة وأن آراء يرغسون الاجتماعية والسياسية تتميز بنزعتها المالتوزية[30]، لكونه يرى أن الاكتظاظ السكاني هو المصدر الأساس للصراعات والحروب.

    كما ينتقد الحبابي نظرية الأنانين (الأنا العميق والأنا السطحي) عند برغسون بحجة أن تأسيس الحرية على الأنا العميق يعني تجاهل علاقة الكائن البشري مع محيطه[31]. فالأنا العميق لا محيط له ولا بداية معينة، فهل يجب أن تفترض له جذور سابقة للولادة (جنينية)؟ أو أنه الوعي بعالمنا الداخلي (جوانيتنا)؟[32] أسئلة لا تطرح إلا جراء الفصل المفتعل لكياننا بين أنا سطحي وآخر أساسي[33]. إلا أن هذا النقد يخطئ هدفه، لكون الحبابي لا يدرك خصوصية الثنائية البرغسونيةويخلط بينها والثنائية الديكارتية التي تميز بين الوعي والامتداد بدون حد وسط. فهو لا يدرك أن الثنائية البرغسونية عرضية لكون المادة والحياة متلاحمتان[34]. ويشرح برغسون الثنائية الظاهرة قائلا: "الاندفاع الخلاق والمادة الخام قد يمثلان وجهين متكاملين للخلق، فالحياة مرتبطة بالمادة وتخترق انقساماتها إلى كائنات مختلفة (أي أن الحياة تروي كل المظاهر المتعددة للمادة)؛ والقوى التي تحمل تبقى متلاحمة بقدر ما يسمح بذلك مكان المادة الذي يبرزها"[35] (أي أن كل القوى التي تعج بها الحياة تبقى متلاحمة بقدر ما يسمح به كون المادة مكان تتجلى فيه الكائنات بشكل منفصل). إنها ثنائية يفرضها المكان la spatialité.

    وينضاف إلى هذه المكانية طريقة عمل الوعي (الشعور) الذي بكونه لا يدرك الواقع إلا بواسطة الرموز فإنه يستبدله بها. وينتج عن ذلك أنا منعكس réfracté ومنقسم subdivisé أكثر مطابقة لمتطلبات الحياة الاجتماعية وللغة، لكنه يخفي الأنا الأساسي[36]. فعند برغسون لا يوجد إلا أنا واحد، وينفي أنه أراد "تثنية الشخص". والواقع "أن الأنا نفسه هو الذي يدرك حالات (موجودات) متمايزة، وحين يركز انتباهه يشاهد تلك الحالات تتذاوب فيما بينها كإبر الثلج حين يطول مكوثها في اليد. إلا أن متطلبات اللغة تفرض عليه ألا يدخل البلبلة حيث يسود النظام، وألا يخلخل ترتيب موجودات تحولت إلى ظواهر مستقلة عن الذات، بحيث كف الأنا عن تشكيل "مملكة داخل المملكة". فحياة داخلية ذات لحظات متمايزة، وحالات محددة بوضوح، تستجيب بشكل أفضل لمتطلبات الحياة الاجتماعية"[37].

    حصيلة القول أن التركيب بين الأنانين لا محل له في الإشكالية البرغسونية. ومع ذلك يريد الحبابي الجمع بين "جوانيتنا" (عالمنا الداخلي) و " برانيتنا" (عالمنا الخارجي) في "أنا شامل"[38]. وهذا التوحيد لا اعتراض مسبق عليه لولا أنه كان يهدف إلى تجاوز ثنائية مزعومة عند برغسون.

    بعد هذا التحليل لنقد الحبابي للبرغسونية بصفتها ممثلة لأحد الاتجاهيين السلبيين للحرية، كان يقتضي المنطق أن يتطرق إلى الاتجاه المقابل. إلا أن الحبابي لا يعرض أي نموذج لهذا الاتجاه، وذاك لسبب بسيط يتمثل أن هذا الاتجاه مطابق لمنظوره للحرية.

    فالتركيب الذي وعد به بين اتجاهي الحرية لا يتجاوز لديه مرحلة النية. وبما أنه ينفر من الذاتية فإن تصوره للحرية يتسم بالحذر وبمسحة من العقلانية والإرادية يمكن تلخيصها في هذا المقتطف الوجيز: فالحرية "تعدد يغلب فيه العقل على الأهواء والغرائز؛ والذكاء على المصادفة والعرض؛ والارادة على النزوات والعادات؛ والجهد والكفاح على السلبية والخضوع وجه الظواهر الطبيعية؛ ففي البداية يوجد الفعل، والحرية تتوقف عندما يتوقف الفعل"[39]. وكل هذه الجهود ستولد العديد من الحريات التي ستشكل التحرر الحقيقي[40]. ولو أنه وضع هذا التعريف للحرية ضمن منظور كانطي، لكان أعطاه بعدا أغنى.

    وبما أن مفهوم الأخلاق عند الحبابي سقط في العلموية، كذلك الأمر بالنسبة لتصوره للحرية. فالتحرر الشامل لديه "لن يكون مؤسسا بشكل متين، حتى يتمكن من السيطرة على قوى الطبيعة والغرائز والارتكاسات ولكي يفك خيوط التناقضات والأزمات الاجتماعية، إلا باعتماده على الحتمية دون السقوط في الميكانيكية الشاملة. فالأمر يتعلق بحتمية لينة تنقذ من العوارض والفوضى"[41]. وستنهض علوم الانسان بدور مهم في هذا التأسيس، خاصة علم النفس الذي يعرفه بأنه "علم قائم على الحتمية يعرف بوضوح موضوعه وحدود وسائل بحثه". وهو ما يمكن الإنسان من السيطرة على قواه الغامضة والتحكم في أفعاله، وآنذاك "يبدأ عهد الإرادة، وبالتالي عصر الحرية. وهنا نلاقي التوازي البين بين السلسلة (أو المتتالية) الديكارتية: إذا كنت أعرف فإني أستطيع أن أتصرف agirوإذا تصرفت فأنا حر، وسلسلة أوغست كونت: المعرفة من أجل التقدير(التنبأ) prévoir، والتقدير من أجل التصرف"[42].

    لكن ما لا يقوله لنا الحبابي هو: كيف يمكن للإنسان "السيطرة على قواه الغامضة"؟ وهل هذا ممكن؟ أليست هذه "القوة الغامضة" هي الجزء الغارق في الماء لجبل الثلج والذي يعطي لكل الشخصية هويتها؟

    ينكشف لنا الآن أن مفهوم الحبابي للحرية ومفهومه للأخلاق لم يتأثرا بالنقد الذي وجهته الشخصانية والوجودية والبرغسونية للعلموية، وأن هذا النقد لم يترك أثرا عند الحبابي. ولا أنه أعار بعض الاهتمام للتحليل النفسي.


    [1]Ibid, p. 242

    [2]Ibid, p. 259

    [3]Ibid, p. 262-263

    [4]Ibid, p.241

    [5]Ibid, p. 262-263

    [6]M. A. Lahbabi, Du clos à l’ouvert, SNED, Alger 1971, p. 96-97

    [7]محمد عزيز الحبابي، العض على الحديد، الدار التونسية للنشر، تونس 1969

    [8]Liberté ou libération ? p. 17

    [9]Ibid, p. 189

    [10]Ibid, p.191

    [11]Ibid, p. 54-55

    [12]Ibid, p. 30

    [13]Ibid, p. 50

    [14]Ibid, p. 72

    [15]Ibid, p. 73

    [16]H. Bergson, L’évolution créatrice, Félix Alcan, Paris 1889, p. 137

    [17]H. Bergson, Essai sur les données immédiates de la conscience, Félix Alcan, Paris 1907, p. 127

    [18]Ibid, p. 128

    [19]Liberté ou libération ? p. 73

    [20] H. Bergson, Les deux sources de la morale et de la religion, PUE, Paris 1965, p. 55

    [21]Ibid, p. 20

    [22]Ibid, p. 103

    [23]Ibid, p. 127

    [24]Ibid, p. 133

    [25]Ibid, pp. 123-129

    [26]Ibid, p. 223

    [27] Ibid, p. 143

    [28]Ibid, p. 233

    [29]Ibid, pp. 284-285

    [30]Ibid, pp. 307-309

    [31]Liberté ou libération ? p. 34

    [32]Ibid, p. 32

    [33]Ibid, p. 31

    [34]Les deux sources…, p. 271

    [35]Ibid, p. 272

    [36]Essai sur les données immédiates…, pp. 96-97

    [37]Ibid, p. 104

    [38]Liberté ou libération ? p. 34

    [39]Ibid, p. 231

    [40] Ibid, p. 193

    [41]Ibid, p. 206

    [42]Ibid, p. 206
     
  5. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    الكوجيتو

    يقترح الحبابي تجاوز الكوجيتو الديكارتي التأملي réflexif والكوجيتو البيراني (Maine de Biran) "المادي" معا[1]. وهذا التجاوز يتحقق بفضل التشخصن بصفته "حركة مزدوجة ترسم أثناء امتدادها طريقين. طريق أول يتمثل في الكوجيتو المتداول classique الذي يكمله الكوجيتو "المادي" الذي يلج بنا في مادية الواقع كما هو معطى، ومن أولى تجلياته مقاومة الأشياء لنا. الكوجيتو الديكارتي تأملي؛ (في حين) أن الكوجيتو البيراني مادي ودينامي، فالعالم ليس مكان التقاء بل هو ما يقاومني، ولا يوجد في شعوري إلا لأنه يقاومني. أما الطريق الثاني فهو طريق التواصل البشري وتضامن الأنا مع الآخرين. والتسوية «l’ajustement » تستمد ديناميكيتها من الصراعات، أكانت ضد المحيط المادي أو ضد عالم الأشخاص. وذلك لأن "الآخر" دائم الحضور في حياة كل فرد، فهو يمثل دور المساعد أو المنافس أو النموذج أو الشيء...، بحيث أن النفسانية الفردية لا تنفصل أبدا عن النفسانية الجماعية"[2].

    أن هم الحبابي هو ربط الذاتي والمثالي بواقع إنساني وشخصاني. ولهذا يؤاخذ الكوجيتو الديكارتي والديمومة البرغسونية على كونهما يقودان إلى "أنا منعزل وخارج كل موقف"[3].أما موقفه من الأنا المتعالي le je transcendantal عند كانط، فنفضل أن ننقل نصه الفرنسي وليس الترجمة التي أعطاها هو نفسه في النسخة العربية[4]، لأنه دون الأصل الفرنسي لا نفهم جيدا مضمون النص العربي.

    « Le je transcendantal de Kant est aussi bien celui d’autrui que le mien. L’analyse se place en dehors de moi et se préoccupe des conditions générales qui rendent possible un monde pour un je. Mais comme elle n’essaie pas d’identifier le je à moi-même et ensuite à autrui, le problème de l’altérité reste entier : on l’écarte sans l’avoir résolu ni même posé. Kant n’étudie pas non plus les conditions de possibilité de l’ « objet-sujet », ni celles de l’intersubjectivité, autrement dit de la pluralité des consciences ».[5]

    (ومشكلة تعريب هذا النص تكمن في كون ثلاث كلمات بالفرنسية (je, moi, moi-même) لها مقابل واحد في العربية وهو "انا"). في هذ النص يعيب الحبابي على الأنا المتعالي كونه أنا مشترك أقتسمه من الآخرين، فلا هو أناي ولا هو أناهم. ويعيب أيضا كون التحليل (أو التفكير) يتموقع خارج الأنا ويهتم أساسا بالشروط العامة التي تجعل وعي العالم ممكنا بالنسبة للذات (هذا يحيل إلى السؤال الكانطي: "ماذا أستطيع أن أعرف؟"). ولكن بما أن كانط لم يحاول ربط الأنا مع ذاتي ومع الذوات الأخرى فإن مسالة الغيرية تبقى مطروحة. كما أن كانط لا يتطرق لشروط إمكانية وجود "موضوع-فاعل" « objet-sujet » ، ولا لمسألة تداخل الذوات، أو بعبارة أخرى مسألة تعدد الذوات consciences[6].

    وعندما يقر بأن الظاهراتية الهيجلية تطرح إشكالية تداخل الذوات، فإنه يؤاخذ الجواب الهيجلي "رغم نزوعه إلى الواقعية " على كونه "يحرم الواقع الملموس من طبيعته الخاصة بإلغائه لكل ما هو خصوصي وعرضي حتى يتماثل مع العقل، وبهذا يرد الكائن البشري إلى بعده الروحي (أو العقلي) الخالص"[7].

    أما عند هوسرل، "فالكوجيطو لا يظهر الشعور كجزء من العالم الذي أُنقذ من الشك الشامل، بل كميدان أصيل كل الأصالة، وهو مستقل عن كل وجود في العالم"[8].

    كل هذه المواقف ينعتها الحبابي بانها مواقف مثالية، لأن الفكر فيها مستقل عن الأشياء. ويعترض عليها قائلا: "بما أن الواقع بمجموعه، لا يخرج من محيط الفكر (كما يزعم المثاليون) كيف يمكننا أن ننتقل من ال"أنا-فكر" (أو الوعي) إلى ال"نحن"؟ هل يقصدون بالفكر، فكر الفيلسوف عند قيامه بنشاط عقلي، أم مجموع الذوات المفكرة الخاصة؟ أيجب أن نضحي بما بين الذوات الشاعرة من تواصل، أم أن نجعل هذا التواصل يتعلق بفكر شامل (esprit universel)؟"[9]

    اما البديل الذي يطرحه الحبابي لكل هذه الحلول غير المرضية فيتمثل في مقاربة الادراك perception كنتيجة لتفاعل "الذات-موضوع". ويحلل عملية المعرفة إلى أربعة عناصر وهي: الشعور la conscience، والوعي la prise de conscience، والذات الواعية le sujet conscient، وموضوع الشعور l’objet de la conscience. وتربط بين هذه العناصر علاقة تصاعدية وارتدادية يصفها قائلا (وهنا أيضا لا يساعدنا النص العربي[10] في نقل الفكرة بوضوح لهذا ننقله بتصرف على ضوء النص الفرنسي): أن المعرفة تبدأ من الشعور التلقائي، الساذج، لتصل إلى الشعور بالذات، لكنها لا تستطيع بمفردها تفسير ماهية موضوعها ولا حتى ماهية المعرفة (بما أنها معرفة). إنها تكشف الظواهر كمشاهد وكحدود في علاقة سابقة عن عملية المعرفة. إن موضوع المعرفة يبدأ بإثارة الشعور الساذج الذي يحيل إلى الشعور (أو الوعي) كمعرفة، والذي بدوره ينتقل من الموضوع الأولي إلى كائن أكثر كثافة من الناحية الأنتولوجية. ومن الشعور كمعرفة نلج المعرفة التأملية التي تمثل وجها أسمى من وجوه الشعور بالذات، أين تتأسس المعرفة والشعورعلى حتمية تحقيق الأنا كذات عاقلة.[11]

    بهذا يريد الحبابي أن يقيم توازنا بين الموضوع والذات، "لأن الموضوع لا يخلق الذات، ولكن الذات، من جهتها لا تخلق الموضوع: إنهما يتعاونان بالتساوي، كلاهما يفرض، ضمنيا، وجود الآخر، بل إن وجود أحدهما شرط حتى لوجود الآخر. فبطواعية الموضوع للذات، يثبت الموضوع الذات – لذاتها. يصيرها شاعرة، لا بالعوالم الموضوعية المدركة والعوالم التي يمكن إدراكها فحسب، بل يجعلها واعية، كذلك، لعالمها الذاتي. إنه يساهم بحظ وافر في تشخصن الكائن البشري، بقدر ما يضفي هذا الأخير صبغة إنسانية على كل الأشياء التي تدخل في أفقه"... "إن الكائنات توجد مستقلة عن الفكر البشري. نعم، العقل يدرك معاني الأشياء، ولكن الأشياء توجد بذاتها، فبالنسبة ل"شيء" غير موجود، يستحيل وجود معنى. إن الذات العارفة، وموضوع المعرفة، يرتبطان، ارتباطا وثيقا، حتميا. فنظريتنا هذه، تبعدنا كل البعد، عن النظرية التي تعتقد بوجود عالم لا يتركب إلا من التصورات (الحالية منها أو الممكنة، والمادية أو الشكلية)"[12].

    ولنا ملاحظتين أساسيتين على ما سبق عرضه. الملاحظة الأولى تتمثل في كون الحبابي تجاهل كون العلاقة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة تمر عبر وسائط. وهذه الوسائط منها ما هو فيزيولوجي محض، يشتمل من ناحية على كل ما يمر من خلال الحواس. لكن العالم الخارجي الذي تنقله لنا الحواس مرهون بما هي مهيأة لنقله، والدليل على ذلك أن قدرة الحواس على نقل العالم الخارجي تختلف من حيوان لآخر (فحاسة السمع أو الشم أو الرؤية عند بعض الحيوانات أقوى بكثير من مقابلاتها عند الانسان). إذن ما تنقله الحواس ليس العالم الخارجي في ذاته، بل ذلك الجزء الذي نقلته لنا الحواس. فالعالم الخارجي بدون ألوان بالنسبة للمصاب بعمى الألوان، لكنه أكثر تلونا عند النحلة (مثلا) مما هو عند الإنسان... مع العلم أن الألوان والأصوات ليست إلا أطوال مختلفة لأمواج الضوء والصوت، والحواس هي التي تحولها إلى ما نرى أوما نسمع. والمشاعر (من خوف وفرح... وحتى الحب) هي غرائز وضعتها فينا الطبيعة، ككائنات حية، لمواجهة المواقف المختلفة التي نواجهها. وهذه المشاعر لها مفعول فيزيولوجي هو الذي نشعر به (كالقشعريرة، وعسر التنفس...). فالخوف هو حالة طوارئ لكائن حي يدرك خطرا ما بواسطة حواسه. وهذا يعني أن الخوف نتيجة واسطتين: رؤية الخطر ثم التغيرات الفيزيولوجية التي تجعلنا في حالة استنفار. مع العلم أن مشاعرالإنسان، التي قد تكون بدأت كآليات دفاع ضد المخاطر الخارجية، قد تم تكييفها مع الحياة الاجتماعية، فلم أعد أخاف من الحيوان المفترس بل من شخص مثلي، أو من خطر محتمل (كالخوف من المرض)...

    ومن الوسائط ما هو من إبداع الإنسان، كاللغة (التي هي إبداع تراكم عبر التاريخ) والتي لا يُعطى العالم للإنسان إلا من خلالها. وهذا يطرح مسألة نسبية نظرة الإنسان للكون، ولولا هذه النسبية لما طرحت كثير من المسائل الفلسفية. حتى أن إحدى أهم المدارس الفلسفية المعاصرة هي فلسفة اللغة. ومن الوسائط القيم الاجتماعية التي هي كإشارات مرور تنظم السير في المجتمع. ولا نرى المجتمع إلا من خلالها، وهي تختلف حسب الزمان والمكان، وهذه القيم ليست أشياء بل هي معاني لها دلالة ذاتية. فكيف يمكن أن نتحدث عن عالم خارجي مستقل عن الذات في حين أنه من خلق الانسان، إما كمفاهيم لغوية أوقيم. وحتى ما هو "طبيعي" في الإنسان فقد "طبيعيته"، فالغرائز نفسها صارت ظواهر اجتماعية تخضع للقوانين الاجتماعية وليس لقانون طبيعي ما.

    كل هذا يعني ان هناك تداخلا بين الموضوعي والذاتي، حتى أنه صار من العسير رسم حدود بينهما. وهذا ما يحيلنا إلى سؤالنا الثاني الذي يتعلق بقراءة الحبابي للفلاسفة الذين انتقدهم. فباستثناء ديكارت الذي فصل بين الفكر والامتداد، فإن الباقين أقروا باستحالة هذا الفصل. ولهذ ابتلع العقل كل شيء عند هيجل. وعند كانط توقف العقل عند حدود الظواهر وأخضع معرفتها لمقولات عقلية قبلية، هي شرط معرفتها ووجودها العقلاني الذي ليس معه إمكانية وجود أخرى. أما عند برغسون، فكما أن الإنسان يفكر، فالطبيعة أيضا تفكر، لكن تفكيرها أعمق من تفكير الإنسان الذي يجزء الظواهر ويختزلها ليعرفها. أما ظاهرية هوسرل فهي تقوم على مبدأ أن كل شعور هو شعور بشيء ما، لكن هذا "الشيء ما" ليس حاضرا في الوعي إلا كدلالة signification. ولهذا فكل شعور بالكون يفرض إعطاء دلالة للكون. فالظاهراتية واقعية لأنها تعتمد على البداهة، ومثالية لأن محتوى هذه البداهة دلالة ذاتية مشتركة.

    إن مقاربة الحبابي للكوجيتو تقوم على مسلمة أن العلاقة بين الذات والموضوع علاقة بسيطة، ويعطي الانطباع وكأن كل ما قاله الفلاسفة الذين ذكرهم لا جدوى من ورائه. إن هذه المقاربة للكوجيتو مطابقة لأسلوب الحبابي، فهو يبدأ بالإعلان عن نيته في إيجاد موقف وسط بين المثالية والمادية، لكنه لا يخصص نقده إلا لممثلي الاتجاه الأول. والمشكلة لا تكمن في كون موقفه يتماهى مع المواقف المادية والوضعية- التي ترفض أسئلة "الفلسفة التاملية النظرية" كما يسميها هانز ريشنباخ أحد ممثلي الوضعية المنطقية - بل لأن المنطق يقتضي أن كل تصور لكوجيتو شخصاني لا بد له من الانضواء تحت فلسفة للفاعل philosophie du sujet. إلا أن الحبابي لا يرى في هذا الاتجاه الفلسفي إلا نزعته المثالية دون الانتباه إلى كون الإشكالية الأساس للمثالية تكمن في تأسيس استقلالية العقل، وهي الشرط الأول لاستقلالية الشخص نفسه.


    المنهجية ومفهوم الواقعية

    قبل التطرق لمنهجية الحبابي ومفهومه للواقعية من المفيد إبراز بعض الأسس المنهجية التي قادت المقاربة الشخصانية، والتي عرض مونييه خطوطها العريضة.

    - فهي منهجية واقعية، لكن هذه الواقعية تنطبق على الفاعل le sujet: " فالإنسان الذي يعرف ليس شعورا محضا ولاشخصي impersonnel، مفصول عن الإنسان الذي يعمل ويعيش".

    - لا يجب أن يستند الفكر على "رموز معزولة" بل على التجربة القابلة للتعميم (للتأميم). "فالمعرفة الأكثر أصالة ليست الأكثر "موضوعية"، أي تلك التي أتدخل فيها بقدر أقل (...) بل على العكس تلك التي ألتزم فيها بشكل أعمق".

    - الواقعية ليست ذرائعية pragmatisme، "لأن عملية المعرفة تتعالى على التجربة التي هي بصددها".

    - الفكر يجب أن يمهد للإلتزام[13].

    والشخصانية عند مونييه "واقعية شاملة"، فهو يرفض الثنائية الديكارتية والأحادية monisme المادية، لأن الشخص يلتحم فيه التعالي الروحي مع الوجود المتجسم[14]

    في هذا المنهج يرتبط الخيالي بالعملي: " إنهما يتشاركان في إدراك الكون"[15]. وينتج عنه في ميدان علم النفس – مثلا – أن " الطبع نتاج للمعطى وللمراد (ما نريده)"[16]. وفي هذا الموضوع يرد مونييه على فرويد قائلا " إذا كنت مجرد ألعوبة في يد ماض لا أستطيع الخلاص منه ومهدد، فما يهمني أن يكون هذا المستبد قابضا علي بواسطة آليات رفيعة لا مثيل لها؟ وما جدوى استخلاص ما هو فردي في التفسير النفساني، إذا كان التحليل النفسي لا يكشف إلا عن حتميات قديمة وقوى قاهرة وراء تاريخ كل فرد؟". وكدليل على تحليله يستشهد مونييه بأدلر الذي يقول: " الحتمية لم تكتشف تلك القوى من خلال التجربة، بل اكتشفتها لأنه سبق لها أن وضعتها في المكان الذي وجدتها فيه"[17].

    هل ينسجم منهج الحبابي مع مبادئه؟ من الممكن أن نجد عناصر للجواب على هذا السؤال في تعريفه للتشخصن.

    يعرف الحبابي التشخصن بأنه "مجموع التجارب الجمالية والأخلاقية والعلمية والدينية... التي تحدد المجالات المنتقات التي على كل فلسفة تقصد الصعود نحو الإنسان وتحرير الأنا أن تستكشفها. فالتشخصن هو هذا كله لكنه لا ينحصر فيه، إذ أنه يشمل أيضا، وبشكل متزامن، مجموع التجارب العضوية، لأن للجسد مكانة أولية في التشخصن. فبواسطته يتحقق التشخصن من خلال الاحتكاك بالأشياء والأشخاص."[18].

    فهده المنهجية تريد أن تكون واقعية وتركيبية وتطورية وجدلية، لكنها في الواقع ليست إلا تراكمية. وهي تقصد لأن تكون شاملة ومتوازنة، لكن العوامل الموضوعية هي الغالبة فيها في آخر المطاف. والطريق الوسط الذي أراد الحبابي سلوكه بين المثالية والوضعية يميل دائما نحو هذه الأخيرة. وإذا زدنا على هذا تصوره للأخلاق وللحرية، من الممكن القول أن الحبابي ليس واقعيا، بالمعنى الشخصاني للواقعية، بل وضعي.

    أما إذا أردنا ضم الحبابي إلى اسرة فلسفية معينة، فأقربها إليه هي وضعية أوغست كونت الذي يرى "أن على الشرق والغرب البحث عن توافقهما الفكري والأخلاقي خارج الثيولوجيا والميتافيزيقا. وهذا الانصهار الذي طال انتظاره، والذي يجب أن يشمل تدريجيا كل الإنسانية، لا يمكن أن يصدر إلا عن الوضعية، أي من نظرية تتميز بكونها تجمع بين الواقع والمنفعة"[19].

    وكما قلنا سابقا: لقد أراد الحبابي توضيح المفاهيم عبر إكثار المستويات الشكلية (كائن، شخصيات (لكونه يعتبر أن للشخص الواحد شخصيات)، شخص، إنسان) مرتبا إياها حسب تراتبية تنطلق من "المعطى الخام" لتصل إلى الإنسان المثالي. والوضوح الذي رامه تم على حساب الواقع الوجودي. إنها عقلانية وضعانية متأثرة بأوغست كونت الذي أراد إعطاء تعريف جديد للمقولة السقراطية: "اعرف نفسك بنفسك". وهذا التعريف الجديد يفك الارتباط بين الوعي بالذات ومعرفة الذات conscience- de- soi-connaissance-de-soi، ويحث على "البحث عن الروح esprit في تاريخ العلوم فقط لأنه من المستحيل إدراكها مباشرة. ولكي تكون الفلسفة وضعية عليها رفض كل مقاربة نفسية: أي إلغاء الوعي بالذات بإنقاذ المعرفة بالذات. فالوعي conscience غير مؤهل للمعرفة".[20]

    إلا أنه من الضروري توضيح طبيعة هذه الوضعية. فهي وضعية ترفض كل ما هو ميتافيزيقي وتحذر منه، لكنها لا تبحث في الواقع لتجذير المفاهيم في واقع تاريخي واجتماعي ونفسي...، بل تلجأ إلى تشييد صروح شكلية على أساس برهنة منطقية، لكن البناء المنطقي ابتعد عن الواقع، فلا هو وصف موضوعي للظواهر ولا هو صرح تأملي يستمد صدقه من توافق المسلمات مع النتائج.

    وهي وضعية ثنائية، تستعمل منهجا موضوعيا لتحليل الظواهر التي يمكن البحث فيها كأشياء، كما يقول دورخايم. لكنها فيما يتعلق بالقضايا الدينية تترك المجال مفتوحا للخطاب الديني، أو تتناولها كما يتناولها كل مؤمن، أي تقر بصدقها، وتخوض فيها كما يخوض الفقهاء. والحبابي ينتمي للفئة الثانية، لكونه يقدم نسختين للشخصانية، إحداهما عَلمانية والأخرى إسلامية. كما أنه يرى في كتابه عن ابن خلدون أنه أمر "طبيعي" كونه يستند إلى منهجين: منهج لمجال الإيمان وآخر للممارسة الاجتماعية[21].

    ومن جهة أخرى فإن الحبابي بزيادته لنعت "واقعية" على الشخصانية لكي يتميز عن شخصانية مونييه وجان لاكروا فإنه يخطئ الهدف لكون هذين الفيلسوفين واقعيين. فمنهجية كتاب مونييه بحث في الطبعTraité du caractèreمنهجية واقعية. ففي هذا الكتاب ينطلق مونييه من نتائج الأبحاث في افيزيولوجيا وعلم النفس، إلا أنه لا يتوقف عند التفسير الميكانيكي mécanisteبل يبين حدود المقاربة الميكانيكية ويقترح فرضيات تفتح الطريق للإرادة البشرية. ونجد مثل هذا المنحى عند فئة من المفكرين مثل برغسون[22] في المادة والذاكرة Matière et mémoireوتايلار دي شاردان في الظاهرة الإنسانية Le phénomène humain. فهؤلاء المفكرين يمثلون عينة لجيل من المفكرين حاولوا محاربة الوضعية بسلاحها، الذي هو العلم. وعندما يقول لاكروا أن "الله موجود لأنه يستحق الوجود..." فهو يذكرنا بقولة دوستويفسكي الشهيرة: "إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح"، وهذا موقف يتسم بذرائعية، لكونه يحكم على حقيقة فكرة ما على أساس نتائجها العملية.



    [1]يجب التنبيه إلى كون الحبابي ينعت الكوجيتو البيراني بأنه مادي (ولو أنه يكتب "مادي" بين معقوفين) في حين أن مين دي بيران ينتمي إلى النزعة الحسية الروحانية (cf. A. Drevet, Maine de Biran, PUF, Paris 1968)

    [2]De l’être à la personne, p. 72.

    [3] Ibid, p. 37

    [4]من الكائن إلى الشخص، ص 47

    [5] Ibid, p. 38

    [6]Ibid, p. 38

    [7]Ibid, p. 41

    [8]من الكائن إلى الشخص، ص 52

    [9]المرجع نفسه، ص 57

    [10]من الكائن إلى الشخص، ص 53

    [11]De l’être à la personne, p. 43. من الكائن إلى الشخص، ص 53

    [12]من الكائن إلى الشخص، ص 56

    [13] E. Mounier, Feu la chrétienté, Seuil, Paris 1950, p. 99-100

    [14]Mounier, sa vie, son œuvre, pp. 48-49

    [15]Traité du caractère, p. 405

    [16]Ibid, p. 62



    [18]De l’être à la personne, p. 338

    [19]A. Comte, Catéchisme positiviste, Garnier-Flammarion, Paris 1966, p. 33.

    [20]Ibid, p. 35

    [21]M. A. Lahbabi, Ibn Khaldoun, Seghers, Paris 1968, p. 59

    [22]لا يعد برغسون فيلسوفا شخصانيا، لكني أذكره لأن الحبابي لم ير في فلسفته إلا الجانب اللاواقعي
     
  6. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    الشخصانية الإسلامية

    لقد خصص الحبابي كتابا للشخصانية الإسلامية. لكن هذا الانتقال من شخصانية وضعية إلى شخصانية دينية، أو بدقيق العبارة إلى قراءة شخصانية للإسلام، يناقض المنحى "الواقعي" الذي أراد تأسيس الشخصانية عليه، والذي من بين أهدافه تجاوز تعارض العقائد الدينية.

    وتتمثل الشخصانية الإسلامية عند الحبابي في تلك الطفرة التي حدثت على مستوى الفرد والمجتمع عند الانتقال من العصر الجاهلي إلى الإسلام. حيث أن مفهوم الشخص اغتنى امتدادا وعمقا. "فالإسلام بتعويضه القبيلة بالأمة أعطى للكائن البشري بعدا قابلا لامتداد لا نهائي"[1].

    هذه النظرة السلبية للعصر الجاهلي مطابقة للأيديولوجية الإسلامية، وكان منتظرا من فيلسوف أن يقف موقفا نقديا منها، خاصة وأن الأمة لم تخلف القبيلة. وتاريخ الإسلام شاهد على تعايشهما، بل يمكن القول أن الأمة منحت مجالا أوسع للذهنية القبلية على مستويي المكان والزمان. وقد استمد ابن خلدون، الذي خصه الحبابي ببحث، نظرية ما زالت إجرائيتها صالحة إلى اليوم.

    أما القول بأن الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام هو "انتقال من الشتات diffus إلى المتعين individualisé، ومن الغامض إلى الواضح والواعي"، فهو حكم قيمة تفنده المقارنة بين الحضارات التوحيدية والحضارات الوثنية، فهاته الحضارات ليست أقل وعيا بذاتها وفي كثير من الأحيان كانت أكثر انفتاحا وتسامحا. وهو جهل بما كانت عليه "الجاهلية": فكل ما اتى به الإسلام لا يشكل قطيعة مع ما كان من قبل، لأن جل مكونات العقيدة الإسلامية كانت متداولة في المجتمع العربي السابق عن الإسلام. والمعارضون للإسلام لم يعارضوه لأنهم كانوا كلهم رافضين لمحتوى العقيدة الإسلامية، بل لكون احتكار عشيرة من العشائر للنبوة من شأنه ان يخل بتوازن سياسي بين العشائر لم يكن محتملا من قبل العشائر الخاسرة. وهذا ما يفسر الحرب الأهلية العنيفة التي أعقبت انتصار الإسلام (الفتنة الكبرى). كما أنه من التحامل القول بأن "الجاهلية" كانت جاهلية، أي أنها تفتقد للقيم السامية. وإلا كيف نفسر دعم "كفار" للرسول، كالمطعم بن عدي وغيرهم. وهذا الدعم لم يكن على أساس عشائري فحسب، بل كدفاع عن حرية التعبير والمعتقد، حسب التعبير الحديث. فهذا المجتمع "الجاهلي" كان يتميز بتعددية دينية، قضي عليها فيما بعد. والاعتراضات التي ووجه بها الدين الجديد لم تكن "جهلا" يرفض الاعتراف ب"الحقيقة"، بل تساؤل مشروع موجه لشخص يدعي أنه رسول الله. وأول ما طلب منه أن يأتي بمعجزات، لم يكن في مقدوره أن يأتي بها، في حين أن كل قصص الأنبياء ملئى بها.

    وعلى المستوى العقدي، يرى الحبابي، أن الشهادة هي أساس الشخصانية الإسلامية، فهي التي تمنح للشخص استقلاليته وكماله plénitude. "فالشخص في الإسلام كائن شامل totalité، شرعيا وعمليا. وهو شمولية واعية بذاتها بصفتها أنا ملزم بالشهادة وملتزم بها. والشهادة ممارسة لا تكتفي بالتأمل، وتستند على العقل والإرادة: فهي وعي واعتراف conscience-reconnaissance يجري على مستوى ضمير. والشهادة تنقلنا من الكائن إلى الشخص، أي من وجودنا الخام إلى مستوى الوعي ب... conscience de، أي على مستوى الوعي المنعكس والمنفتح. فالإسلام يركز بقوة على كون "الشهادة" إزاء الخالق يجب أن تتم انطلاقا من المخلوقات، لأنه يتجلى فيها"[2].

    هذا الاستشهاد يلخص كل فلسفة الشخصانية الإسلامية كما يراها الحبابي. فالشهادة تأسس استقلال الشخص، لأن إقراره بوحدانية الله يعني إقراره بقدرته على الحكم. والمسلم عندما يصلي أمام الله فإنهما عالمان لا متناهيان متواجهان. لكن الإنسان لا يعارض الله بل يتموضع بالنسبة له"[3]. والشهادة ذات قطبين، لأن الاعتراف بوجود الله يعني الاعتراف بوجود الشاهد، "إنه ذهاب وإياب متواصل بين المتعالي والمحايث، المطلق والمنتهي، الروحي والمؤسساتي، الماورائي والنفسي"[4].

    والشهادة رابطة بين الأشخاص لأن الشخص والآخرين يساهمون فيها. ويستشهد الحبابي على ذلك بالآية التالية: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" (البقرة/143).[5]


    الشهادة والكوجيتو

    بعد التعريف بالبعد الشخصاني للشهادة، انتقل الحبابي إلى التأسيس الفلسفي لها عن طريق المقابلة مع الكوجيتو. وهو يرى أن الشهادة تقوم بدور الكوجيتو، لكنها على عكس الكوجيتو الديكارتي الصاعد والذي "ينتقل من "الشك إلى العالم مرورا بفكرة اللامتناهي"، فإن الشهادة "تنتقل من الله إلى الأنا الشاهد". مع العلم أن الكوجيتو الديكارتي ليس انعكاسيا "لأن الأنا ليس منفتحا إلا على نفسه، فهو أنا لا تاريخي خارج العالم، إنه أنا لحظة معينة وهي اللحظة التي أشك فيها. وهذا الكوجيتو من حيث المبدأ فريد لأنه كوجيتو في ملكي لا يشارك فيه ولا يعترف به أحد غيري". أما الشهادة، فهي زيادة على كونها "أنا متأمل" «ego méditant»، فإنها تواصلية لأن الإنسان على اتصال مع الله ومع الآخرين"[6].

    فالشهادة عند الحبابي أكثر أهلية لتأسيس العلاقات الشخصانية لكون "تأملي لا يعكس ذاتية خالصة، بل تداخل ذوات intersubjectivité: فأنا أعيش بحضرة الله ومع أمثالي. وأنا أنتمي إلى عالم الله فيه دائم الحضور... وأنا عضو من أمة؛ فأنا لست أنا خالصا، أي فردا، بل شخصا" [7]. فالشهادة عند الحبابي تتجاوز الثنائية والمثالية[8]. لكن الحبابي لا يوضح مفهوم العيش بحضرة الله. ألم يسقط الحبابي في ما انتقده عند موريس بلونديل وغابرييل مارسيل وغيرهما؟ أليس وجود الله هو الضامن الأساس للشخصانية الإسلامية؟

    هذا النقد للكوجيتو الديكارتي يشبه النقد الظاهراتي له، فكلاهما يركز على تداخل الذوات لكون التجربة الإنسانية ليست تجربة فرد معزول بل تجربة كائن مع الكائنات الأخرى. وهو أيضا ما يعبر عنه مونييه قائلا: " كما أن الفيلسوف الذي يسجن نفسه أولا في الفكر لن يجد أبدا بابا مفتوحا على الكائن، كذلك الذي يسجن نفسه أولا في الأنا فهو لن يجد الطريق نحو الغير. وعندما يصاب التواصل (أي القدرة على التواصل مع الغير) بالفتور أو الفساد فأنا بنفسي أضيع: فكل أشكال الجنون هي فشل في العلاقة مع الغير – الغير يصير استلاب alter devient alienus– وأتحول أنا نفسي، وبدوري، إلى غريب عن ذاتي ومستلب. حتى يمكن القول بأنني لا أكون إلا بقدر ما أكون بالنسبة للغير، بل يمكن القول أن تكون هو أن تحب"[9].

    « De même que le philosophe qui s'enferme d'abord dans la pensée ne trouvera jamais une porte vers l'être, de même celui qui s'enferme d'abord dans le moi ne trouve jamais le chemin vers autrui. Lorsque la communication se relâche ou se corrompt, je me perds profondément moi-même : toutes les folies sont un échec du rapport avec autrui, — alter devient alienus, je deviens, à mon tour, étranger à moi-même, aliéné. On pourrait presque dire que je n'existe que dans la mesure où j'existe pour autrui, et, à la limite : être, c'est aimer. »

    إلا أن المشكلة في موقف الحبابي تكمن في كونه لا يستند إلى فلسفة فاعل، كما هو الشأن بالنسبة للظاهراتية والشخصانية. لهذا فإن تداخل الذوات لديه لا يتجاوز كون الشخص يتأثر بمحيطه ويتفاعل معه كما يقر بذلك علما الاجتماع والنفس. وموقفه من الكوجيتو الديكارتي – ورغم النقد الذي وجه له – يتميز بضرب من المزايدة، لكونه أراد البرهنة على أن الشهادة أسمى من الكوجيتو الديكارتي. في حين يمكن القول أن الشهادة تستمد مشروعيتها من الكوجيتو، نظرا لكون أي ذات تريد تأكيد حضورها أمام الله والآخرين يجب عليها أن تكون متيقنة من ذاتها ويكون لها سند ذاتي مستقل. واشكالية الكوجيتو الديكارتي تكمن في كونه يهدف إلى تأسيس استقلالية الفاعل المفكر وتمكينه من أساس داخلي لاستقلاليته. لهذا فإن الشهادة في حاجة إلى الاستناد إلى فلسفة فاعل، وهو ما لا توفره لها فلسفة الحبابي، لكونه لا يرى أهمية تعالي الأنا بالنسبة لمحدداته الواقعية. وهو عندما يزعم بأن الشخصانية الإسلامية مفهوم شامل يتجاوز ثناية الروح والجسد، وثنائية الأنا والنحن، فإنما يلغي تعالي الأنا لكون "كل أنا يتكون ب النحن وداخل النحن"[10]. وعندما يقرر الحبابي أن التمييز الكانطي بين الأنا le moi والأنا (ضمير الفاعل) le je(كانط يميز بين الأنا الموضوعيempirique le moi والأنا المتعالي le moi transcendantal) غريب عن الشخصانية الإسلامية[11]، لا يقول لنا ما هو المانع لهذا التمييز، خاصة وأن ضرورة هذا التمييز طرحت أيضا في الفلسفة الإسلامية وبالضبط عند ابن سينا الذي ميز بين العقل والنفس[12].

    لقد حاول الحبابي المزايدة على ديكارت بقوله أن الكوجيتو تأملي، لكن هذا لا يجيب على السؤال الذي طرحه ديكارت، ألا وهو: على أي أساس يمكن أن يبنى اليقين؟ والجمع بين الأنا الموضوعي والأنا المتعالي عند كانط في أنا شامل، كما يفعل الحبابي، لا يحل المشكلة التي طرحت أيضا في الفلسفة الإسلامية، خاصة في مبحث النفس عند ابن سينا مع مفهوم الإنسان المعلق.

    وعلى عكس الشخصانيين المسيحيين الذين ميزوا بين المسيحية كعقيدة وبين المجتمعات المسيحية la chrétienté، والذين أدانوا الكنيسة لكونها تواطأت مع الاستبداد؛ فإننا لا نجد مقابلا لهذا النقد عند الحبابي. فهو يصادر على المطلوب عندما يقرر أن الشهادة تؤسس الشخصانية الإسلامية، وكأن الشهادة تكفي لتجعل من البلدان الإسلامية نموذج للشخصانية، وقد كان عليه أن يسوق نمطين من الحجج:

    - حجج تاريخية واجتماعية تعطي نماذج على التنزيل الشخصاني لتعاليم الاسلام في الواقع المعيش.

    - حجج شكلية تبين التطابق الموجود بين تعاليم الإسلام والمبادئ الشخصانية، ولو مع التمييز بين الإسلام كعقيدة وبين المجتمعات الإسلامية. وكان عليه أن يسوق امثلة من الفكر الإسلامي تبين التأويل الشخصاني لتعاليم الإسلام.

    مع العلم أن تنزيه الدين عن الانحرافات التي ارتكبت باسمه عملية غير يسيرة، لأن التداخل بين العقيدة والمجتمع الذي ولد من رحمها يجعل العملية صعبة للغاية، بل شبه مستحيلة لأن كثيرا من الجرائم ارتكبت باسم الدين.

    فعلى عكس مونييه وجان لاكروا اللذان أعادا الدين إلى النقاش الفلسفي، لكنهما في المقابل وجها نقدا عنيفا لتواطؤ ممثليه وأخطائهم؛ لا نجد عند الحبابي إلا المدح. وهو بذلك يرتكب الخطأ الذي أدانه مونييه عند بعض المسيحيين الذين سقطوا في "سيكولوجية المالك الثري الذي يطالب بحق الملكية المسبقة على كل ما هو جديد، ولو أنه لم يساهم بشيء في اكتشافه"[13]. وهذا الخطأ مصدر مفارقات زمنية anachronisme ومماثلات منافية للتاريخ. ومقابلها عند كثير من المفكرين المسلمين يتمثل في ادعاء السبق لكثير من الاكتشافات، أو التأويل التعسفي لبعض الآيات القرآنية أو لبعض مفاهيم الفكر الإسلامي للمزايدة على العلم والفكر الحديثين. وأسوأ ما في هذه النزعة هو الفصل بين الإسلام كعقيدة والإسلام المتعين في الواقع عبر التاريخ، متناسين أن كل ما تمخض عنه هذا التاريخ يجد مسوغا له في تأويلاتها المتعددة. ومع ذلك يطرح الحبابي هذا التمييز كمسلمة منهجية في بداية كتابه عن الشخصانية الإسلامية، إذ يقول: " هذا العرض سيكتفي بتعريف ووضع الشخص كما نجدهما في المصدرين الأساسيين للإسلام، وهما القرآن والسنة (...). سنتناول الإسلام قبل احتكاكه بالثقافات الهلنستية والفارسية والهندية، وهكذا سنحصل على العناصر المؤسسة لشخصانية إسلامية خالصة"[14].

    ولا يخفى الالتباس الذي تحمله هذه المسلمة: فهل الإسلام شخصاني في أسسه وأن الروافد الخارجية هي التي حرفته؟ وهل يفتقر الفكر العربي الإسلامي، خارج القرآن والسنة، إلى مساهمات تستحق أن تدخل ضمن المنظور الشخصاني؟

    مع العلم أن هذه النزعة التي ترد الظواهر السلبية (أو المعتبرة بأنها سلبية) إلى مؤثرات خارجية شائعة لدى كثير من المفكرين المسلمين. وقد سقط الحبابي نفسه فيها عندما أرجع انحطاط المسلمين للتصوف[15]. متجاهلا أن كبار المتصوفة كانوا سابقين أو معاصرين لكبار المفكرين والفلاسفة المسلمين، ويكفي للبرهنة على ذلك مقارنة تواريخ ميلادهم ووفاتهم (الفارابي 872-950؛ ابن سينا 980-1037؛ ابن رشد 1126-1198؛ ابن خلدون 1332-1406؛ الحسن البصري م 782؛ الجنيد 910؛ الحلاج م 922؛ البسطامي 974؛ ابن عربي 1165-1240...). أما الانحطاط فقد طال كل مجالات الفكر بما فيها التصوف. أما دور الحركة الطرقية، بصفتها التعبير الاجتماعي والسياسي للصوفية، فهو من التعقيد إلى درجة لا يمكن معها تحميلها هي وحدها مسؤولية الانحطاط.

    الخطأ الثاني الذي سقط فيه الحبابي فيتمثل في إلغاء التاريخ الذي يعطي الانطباع بأنه من الممكن تجاوز إشكاليات حديثة من قبل أنظمة فكرية قديمة. فعندما يزعم الحبابي بأن "ضربا من "الشمولية" والوحدة يميز بشكل قوي الإسلام. وبهذا يبدو أنه يتغلب على العلاقة المأساوية التي تربط الفردي والاجتماعي، الديني واللاديني، المقدس والدنيوي. وهكذا يصير الكائن البشري كلية موحدة، تنتمي إلى جماعة، وملتزمة في وسط اجتماعي وقانوني"[16]. ورغم أن الإسلام يعتبر نفسه دين التوازن الذي يأخذ بعين الاعتبار كل أبعاد الإنسان، إلا أنه من المشروع أن نطرح السؤال هل استطاعت المجتمعات الإسلامية تجاوز التناقضات المذكورة.

    إن أي نظام فكري يجب أن يحاكم على ضوء الأنظمة السياسية والاجتماعية التي يعطيها الشرعية. إلا أن الحبابي يفضل الدفاع على نظام الخلافة وعلى الممارسة السياسية في الدولة الإسلامية[17]، دون أن يعطي المعايير التي يحاكم على ضوئها نظام سياسي معين. أو إذا أخذنا بعين الاعتبار المسافة التاريخية، أن يبين كيف كان نظام الخلافة الجواب الملائم للإشكالية السياسية لعصره. وجوابا على الذين يطعنون في شخصانية الإسلام بسبب وضعية المرأة، يرد الحبابي بأن دونيتها ليست إلا قضائية وليست أنطولوجية[18]. والسفسطة في هذه الحجة بادية للعيان، فقد سبق أن نبه ابن رشد للفرق بين وضع الرأة المسيحية في الأندلس ووضع المرأة المسلمة، واستنتاجه أن تهميش المرأة يؤثر على المجتمع بأسره.

    إن هذه الصورة الساذجة للذات تلامس الانفصام، فهي نقدية إزاء الغير ومدحية مع الذات.

    إن التأويل الشخصاني للإسلام، مثله مثل التأويل المسيحي، لا يمكنه أن يتجاهل النقد الذاتي والمواجهة مع الفكر الحديث. لكونهما عمليتين ضروريتين لا غنى عنهما، وهما شرط في كل إعادة إحياء فكرية وروحية. وبعدها يمكن ل "الإنسان الكامل" في الإسلام، وللمسلمين ك "أمة وسطا"، أن يعبرا عن كل مكنونهما الشخصاني.

    إن في الإسلام مكنونا شخصانيا: فالشهادة تقلب المعادلة بين الخالق والمخلوق، إذ أنها تعطي للمخلوق صلاحية الاعتراف بالخالق. والصلاة مواجهة بين الله والإنسان يرتفع أثناءها المحدود إلى مستوى المطلق. والزكاة تجعل من التضامن مبدأ مقدسا، وحقا للمحتاج غير ممنون. والصوم يعني أن الإنسان إرادة قادرة على كبح البعد الحيواني فيه... وهذا البعد الشخصاني يدركه المؤمن مهما كان مستواه الثقافي، فهو ليس حكرا على نخبة. وهو الذي يعطي للمؤمن المسلم تلك الطمأنينة التي لاحظها كثير من الملاحظين الأجانب... وفي المقابل يمكن أن تعاش هذه التعاليم بطريقة "جاهلية"، أي اتباع ما كان عليه الآباء، فتصير تظاهرا أو عبءا مفروضا.



    [1]M. A. Lahbabi, Le personnalisme musulman, PUF, Paris 1967, p. 3

    [2]Ibid, p. 28

    [3]Ibid, p. 22

    [4]Ibid, pp. 23-24

    [5]Ibid, p. 24

    [6]Ibid, p. 41

    [7]Ibid, p. 42

    [8]Ibid, p. 31

    [9]Le personnalisme, pp. 33-34

    [10]Le personnalisme musulman, p. 31

    [11]Le personnalisme musulman, p. 31

    [12]ابن سينا، النجاة، طهران 1863، ص 339-394

    [13]Feu la chrétienté, p. 24

    [14]Le personnalisme musulman, p. 50

    [15]Ibid, p. 94-95

    [16]Le personnalisme musulman, p. 50

    [17]Ibid, pp. 55-57

    [18]Ibid, p. 80
     
  7. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    الحبابي والسلفية الاصلاحية

    من النقائص التي وجدها الحبابي عند الحركة السلفية (ويعني حركة الإصلاح) كونها لم تكن واعية بحركية المجتمع الصناعي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وأنها فكرت في القضايا الدينية بدون الأخذ بعين الاعتبار للمعطيات الجديدة التي نشأت عن المجتمع الصناعي. وبأنها اكتفت بمدح الإسلام دون الانفتاح على الفكر الحديث[1].

    لكننا، إذا استثنينا اشتغال الحبابي بالفكر الغربي المعاصر، من المشروع أن نتساءل عما يميزه عن التيار السلفي الذي ينتقد. وإذا استثنينا كون الحبابي لا يستعمل المصطلحات السلفية، فإننا نلاحظ أن كلاهما يؤمن بصلاح العقيدة الإسلامية الأصلية، والتي يكفي تجريدها من الشوائب الدخيلة.

    لكن هل هناك اختلاف بين الحبابي والسلفيين، باستثناء كونه يستعمل لغة الفلسفة الحديثة عوض المصطلحات السلفية؟ فما عرضناه سابقا يجعلنا نستخلص بعض أوجه الشبه بينهما في مسائل جوهرية، أولاها الاعتقاد بصلاحية العقيدة الاسلامية في صورتها الأصلية (أو بالأحرى في صورتها التي تعتبر أصلية)، مع ضرورة تنقيتها من الشوائب الدخيلة، والمتمثلة في الخرافات وصنف من التصوف. ثانيتها الاقتباس الانتقائي من الغرب مع تغليب الأداة والاستغناء عن الثقافة الساندة لها. وثالثتها البراغماتية في الأمور الأخلاقية والشرعانية في السياسة. فلا نستغرب كونه يجد عند علال الفاسي ما يشبه النزعة الشخصانية، ولو أنه يضع شخصانية بين معقوفين[2]. ففلسفة الحبابي تسند السلفية الإصلاحية أكثر مما تقطع معها، وليس بينه وعلال الفاسي قطيعة ابستيمولوجية.

    لكن من الواجب إنصاف علال الفاسي. فهو وإن كان اشتغل في إطار العقل السلفي الإصلاحي، فإنه وسع كثيرا من هذا الإطار ليسع كثيرا من القيم الحديثة. وتكفي نظرة على عناوين المقالات المنشورة في كتاب النقد الذاتي (والتي نشرها بين 1948 و1952) ليتبين لنا أنه كان يفكر ضمن الإشكاليات الحديثة. فهو وإن أراد أسلمة الحداثة إلا أنه لم يخن روحها. وهوبذلك مهد الطريق لشخصانية إسلامية، دون معقوفين. فهو يقول في موضوع حرية الفكر: "إنه لمن السهل الاعتراض بأن الذين يتحررون أكثر من الواجب قد يأتون بأفكار من الصالح كبتها لأنها تحدث من الضرر بالمجتمع أكثر مما تحدثه سرقة سارق أو خطيئة زان، ولكن الحقيقة بعكس هذا، لأن الأفكار يمكن أن تقاومها الأفكار، والقول يدفعه القول، فليس من الضروري أن تستعمل القوة لكم أفواه الناس، إن كل الأفكار التي تبتكر تظهر غريبة لأول وهلة، ولكنها إذا استطاعت الصمود لمقاومة خصومها والانتشار في وسط واع تصبح مألوفة ومعترفا بها، وقد تؤدي لمصالح عطيمة وتطورات جليلة، والوسط الذي يمنع المفكرين من أن يطهروا بآرائهم يظل دائم الجمود غير قابل للتطور ولا للارتقاء"[3]

    بل نجد عنده تشخيصا تنبأ بالخطرين اللذين يتهددان المجتمعات العربية، قائلا:

    "لقد رأينا في الشرق الأوسط أثر فقدان هذا التوازن في النهوض، فبينما نجد إخواننا المصريين والسوريين مثلا قد حصلوا على أقصى ما حصلت عليه الدول الديموقراطية في نظام الحكم الدستوري وبينما نراهم بلغوا في تكوين الاطار الحكومي بجميع بجميع أجزائه الفنية: المرتبة التي يحق لهم أن يفتخروا بها أما كثير من دول أوروبا الشرقية وامريكا الجنوبية – إذا بنا نجد انبعاثهم الروحي ما يزال في درجات متأخرة عما كان يجب أن يحصل في بلاد محمد عبده وجمال الدين، فما يزال في الأزهر وفيما حواليه فصائل كثيرة لها نفوذ كبير في أوساط الامة، وقد تطورت في لغتها وفي أساليب خطبها ووعظها، ولكنها ما تزال تمثل الرجعية الجامدة في تفكيرها، بل نرى ما هو أخطر من ذلك، وهو أن علماء الدين وتلامذتهم كلهم من أبناء الفلاحين الذين لم تقع العناية بتطويرهم والذين يفدون من القرية وبينهم وبين أبناء المدن فرق كبير، الأمر الذي كون بصفة تلقائية ابتعاد الحضريين عن الدخول للمعاهد الدينية، وهكذا أخذ يتكون بين التفكير الرسمي للإسلام في الأزهر، وبين التفكير المدني له ما بين ابن المدينة الذي احيط بكامل العناية، وبين ابن القرية الذي ما يزال في وسطه العتيق، يغط في نومه العميق."

    "وبينما نجد النظام الديموقراطي قائما بصفة رسمية في العراق إذا بنا نرى نظام العشائر المسلحة مستمرا، ونرى فقدان التوازن الدائم بين هذه العشائر التي حوفظ لها لأغراض خاصة في نظام الاقطاع والتي تمضي على ما ألفته من الطاعة العمياء لرؤسائها، وبين النخبة المثقفة والعصرية التي تريد أن تتحرر من تلك الأنظمة البالية وتطبف ما خوله لها الدستور من تنفيذ أوامر الشعب وإعلاء صوته. وليست المصيبة في كون هذه العشائر تتبع نظاما خاصا ولكن في كون الحركة الوطنية في العراق لم تهتم بتنوير الفكر العراقي في أغلبية الشعب للشعور بأضرار هذا النظام العتيق، وفي كون التربية الديموقراطية لم تصل إلى الدرجة التي تكون في الرؤساء والقادة وجدانا يمنعهم من المحافظة على هذه الاقطاعية البغيضة التي يستفيدون منها في تهديد البرلمان كلما وقف حجر عثرة في سبيل إرضاء شهواتهم"[4]. وإذا علمنا أن هذا المقتطف مأخوذ من مقال مكتوب بين 1949و 1952، لا يسعنا إلا أن نقول، كما قال السلطان عبد الحفيظ الذي وقع وثيقة الحماية سنة 1912، "داء العطب قديم".

    لقد ضرب هذا المقال في الصميم: تخلف الفكر الديني وهيمنة المنطق القبلي في السياسة.


    الحبابي وابن خلدون

    تمكننا الدراسة التي خص بها الحبابي ابن خلدون من تحديد موقفه من الفلسفة العربية الاسلامية القديمة، وتوضيح بعض المسكوت عنه في فلسفته.

    فالحبابي يرى في ابن خلدون مفكرا " عقلانيا متفتحا، لينا، وغير ميكانيكي" وهو بذلك " يرفض كل موقف متطرف". ويرد على الذين نعتوه بالرجعية قائلا أن "أن الطبيعة تتفطر النفس الانسانية بأشياء يعجز العقل عن إدراكها، والتي لا يجوز لمفكر عقلاني نكرانها. فلماذا اتخاذ العقل كمطلق؟ [5]. ويعلق على موقف ابن خلدون المتحفظ من الفلسفة قائلا: " بأن ليس هناك ما يسوغ ادعاء المعرفة المباشرة للحقيقة الإلهية بواسطة المعرفة البرهانية". مقارنا الأمر بموقف كانط الذي يقر باستحالة إدراك الكائن في ذاته.[6] متجاهلا أن استحالة معرفة الكائن في ذاته عند كانط لا تعني استحالة الفلسفة أو فقدانها لكل جدوى كما هو الشأن عند ابن خلدون.

    كما انه يوافق موقف ابن خلدون من الصوفية، وهو الموقف السني المعروف الذي يدين ما يسميه بالغلو.[7] إلا أنه إذا كان من الممكن فهم وتفهم موقف ابن خلدون من الصوفية والتزامه بالموقف السني، فإن الأمر مختلف عندما يتعلق الأمر بفيلسوف معاصر، يلتزم الحذر في مسائل العقيدة فلا يجرؤ على الابتعاد عن شط أمان الطريق المرسوم.

    مما سبق نلاحظ أن الحبابي يتعامل مع المسلمات الابستيمولوجية لابن خلدون وكأنها مسلمات معاصرة، وكأن شيئا لم يحدث في تاريخ الفكر. فالصورة التي يقدمها الحبابي عن ابن خلدون والتي تزايد على فيلسوف حديث كبير مثل كانط، مثال آخر عن نزعته لفصل الأفكار عن إشكالياتها، والتي تجعله يقيم مطابقات بين أفكار ظاهرها متشابه لكنها مختلفة جدا، بل قد تكون متنافرة إذا أرجعناها إلى سياقاتها الفلسفية العامة. لقد قدم الحبابي ابن خلدون كمفكر رائد سابق لعصره (وهذا أمر لا ينكر لكونه من مؤسسي علم الاجتماع)، لكنه في الواقع أفصح عن كونه لم يتجاوز ابن خلدون، ما دام أنه سجين مسلمات تفصل الظواهر إلى صنف قابل للتأمل العقلي وصنف آخر لا يفكر فيه إلا بواسطة التسليم للمعتقدات الدينية وجعل العقل في خدمتها ليجد مسوغات عقلانية لها. ومهما كانت القيمة المنطقية لهذه المسوغات فالاعتقاد أسبق وهو الحاكم في آخر المطاف.

    وهو بذلك لم يتجاوز الدائرة التي اشتغلت فيها الفلسفة العربية الإسلامية القديمة والتي كان من إشكالياتها التوفيق بين العقل والنقل. والدليل المباشر على ذلك جوابه على السؤال المتعلق بالعلاقة بين الإرادة الإلهية والإرادة البشرية، إذ يقول: "إن القوانين التي تحكم العالم "موضوعية" قابلة للإدراك ولا ذاتية" ... "ولأنه توجد إمكانية للتنبؤ بالظواهر، فالمطلوب من الكائن البشري هو التلاؤم معها، والاندماج في الكون من خلال التلاؤم معه". فالقوانين الموجودة في الكون من خلق الله نفسه.[8] وهو تعبير بلغة حديثة عن المقولة القديمة الشهيرة: "الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعها". ففلسفته الدينية تدور في فلك فصل المقال لابن رشد الذي يبتدأ بسؤال "هل أوجب الشرع الفلسفة؟" ويجيب: "فإن الغرض من هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به، إما على جهة الندب، وإما على جهة الوجوب؟ فنقول: إن كان فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها. وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، وكأن الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات، وحث على ذلك. فبين أن ما يدل عليه هذا الاسم إما واجب بالشرع، وإما مندوب اليه. فأما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به، فذلك بيّن في غير ما آية من كتاب الله، تبارك وتعالى، مثل قوله تعالى: ((فاعتبروا يا أو لي الأبصار)) وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي والشرعي معاً. ومثل قوله تعالى ((أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء))؟ وهذا نص بالحث على النظر في جميع الموجودات"[9].

    مع العلم أن لابن خلدون عذر في موقفه السلبي من الفلسفة. فقد انتقد علم الالهيات الذي شكل المحور الأساس للفلسفة التي وصلته والتي تاهت في مسائل لا يقين فيها، وقد يعتبرها البعض دون جدوى. ونقده هذا موجه لعلم الكلام أيضا[10]. ومآخذه عليها لا تخلو من معقولية[11]. أما نقده للطبيعيات فهو نقد في الصميم، لكونه بين أن التفسير الميتافيزيقي للظواهر الطبيعية لا قيمة علمية له لأن"ما كان منها في الموجودات الجسمانية ويسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة كما في زعمهم وبين ما في الخارج غير يقيني لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة والموجودات الخارجية متشخصة بموادها. ولعل في المواد ما يمنع مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي اللهم إلا مالا يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك البراهين فأين اليقين الذي يجدونه فيها؟"[12]

    لكن إذا أردنا أن نحدد موقعا لابن خلدون بين الغزالي وابن رشد، فهو إلى ابن رشد أقرب. فهو لا يشكك في السببية كما يفعل الغزالي ليسود العبث ولو تحت تسمية إرادة الله (أما الذين يشبهون موقف الغزالي بموقف دافيد هيوم فهم لا يفقهون في هذا الفيلسوف شيئا). وعندما نقرأ تهافت الفلاسفة للغزالي و تهافت التهافتلابن رشد، لا يجب التوقف عند المسائل موضوع النزاع بل إلى خلفية النزاع. فالغزالي سرعان ما يسقط في التكفير والتبديع، أما رد ابن رشد فيبقى على مستوى الاصطلاحات المنطقية: "هذا قول في أعلى مراتب الجدل" أو "هذا قول سفسطائي"... الأول يشكك في العقل، أما الثاني فينتصر له.

    ورغم الموقف السلبي الظاهر لابن خلدون من الفلسفة ورغم أنه لا يعد فيلسوفا بالمعنى الاختصاصي للكلمة، إلا أنه تناول كثيرا من القضايا التي تنتمي الى مجالات الأبستمولوجيا وفلسفات السياسة والتاريخ والحضارة. وكان بإمكان نقده للفلسفة واسهاماته الرائدة في المجالات السالفة الذكر أن يعطي دفعا جديدا للفكر العربي الإسلامي، بتوجيهه نحو مجالات فكرية أجدى وبوسائل منهجية أخصب. مع العلم أن موقف ابن خلدون من الدين يعكس الأفق الفكري لعصره والذي كان من المستعصي القطيعة معه.

    وإذا كان موقف ابن خلدون مفهوما، فما لا يمكن فهمه، بالمقابل، هو موقف الحبابي الذي توقف (أو بالأحرى عاد إلى) عند مبدأ "الموجودات تدل على الصانع"، في حين أن العلم الحديث يتوقف عند كون الموجودات تدل على نفسها فحسب، والكون حصيلة للمصادفة والحتمية كما يقول جاك مونو (ومحاولات الرد على هذا الموقف لم تخرج عن السجل العلمي بل ردت على أساس حساب الاحتمالات لتبرهن على أن المصادفة لا يمكنها تفسير تكون ظواهر معقدة مثل أعضاء الكائنات الحية). ولم يكن للمقاربات الفلسفية الحديثة للدين، التي أرادت تجاوز التطابقية أو الرفض المتشنج لبعض نتائج العلوم الحديثة، لم يكن لديها تأثير عليه؛ بل رفضها عندما نزعت منزعا روحانيا، من خلال نقده للبرغسونية. وعندما اضطر إلى الخروج من موقفه الوضعي الذي يطبع كتابيه الأساسيين: من الكائن إلى الشخص و حريةأم تحرر،ليجد فلسفة يسند لها الشخصانية الإسلامية، وجد ضالته في الرشدية الضمنية، ولو أنه لم يستشهد بابن رشد. وأعني بالرشدية الضمنية كل موقف فلسفي يؤمن بوحدة الحقيقة وبثنائية الطريق الموصلة إليها، وهما: الوحي والعقلانية الأرسطية عند ابن رشد، والوحي والوضعية عند الحبابي. والملاحظ أن الرشدية مثلت إطارا فكريا ملائما وكافيا لتيار من المفكرين العرب والمسلمين أرادوا التأليف بين الإصلاح والعقلانية والوفاء للعقيدة الإسلامية.

    لكن الرشدية غير كافية في مجتمع فاقد لتلقائية الإيمان. فاشكاليتها دون اشكالية الشخصانية والبرغسونية اللتان تمثلان فلسفتان ما بعد وضعية post positivistes، أي أنهما استفادا من مكاسب الوضعية بالمعنى الواسع، والمتمثلة في الثورة الصناعية والاكتشافات العلمية والتقدم الثقافي والاجتماعي. لكنهما في المقابل أدركا حدود كل هذه المكاسب. والأمر سواء على المستوى الديني، فقد استوعبا النقد الذي وجه للدين من قبل التيارات العقلانية والعلمية والمادية والنتشوية والفرويدية... ومن الناحية الاجتماعية كان عليهما مخاطبة جمهور مشبع بالنقد السالف الذكر، فكان عليهما مخاطبته بحجج علمية وبلغة الوضعية التي يريدان تجاوزها. يلاحظ هذا عند تايلار دي شاردان الذي استنتج الروحاني من البيولوجي، وعند برغسون الذي أراد البرهنة على وجود الروح من خلال بحثه حول الذاكرة. وفي مثل هذا الوسط الذي فقد تلقائية الإيمان الديني فإن الرشدية ليست كافية.

    وفي المقابل قد لا يكون مفهوما استيراد فلسفات تُنسِب (تجعله نسبيا) التقدم التقني إلى مجتمعات لم تعرف الثورة الصناعية. أما محتواها الديني فكان من الممكن أن يواجه بسوء فهم. فالعودة إلى الدين بعد استيعاب مكاسب الثقافة اللبرالية تختلف، بل قد تتعارض، عن التدين المحافظ والنكوصي الذي لا يعتريه الشك لمجتمع تقليدي.

    وهذا ما قد يفسر الالتباس في موقف الحبابي من الشخصانية والبرغسونية. فهو يدعي الانتماء للشخصانية ويصرح "أن خصوم البرغسونية يدينون لها بقدر ما يدين لها أنصارها"[13]، وهو بذلك يعترف بدينه لهما، ويعترف ضمنيا بأنهما يمنحان أجوبة لانشغالاته الفكرية؛ لكنهما في المقابل كانا موضوع نقده لأنه لم يكن مستعدا لمسايرتهما في مغامراتهما الميتافيزيقية، خاصة وأنه شخص مشكلة الثقافة العربية الإسلامية في نقص الواقعية.


    [1]Ibid, p. 101-102

    [2]Du clos à l’ouvert, p.74

    [3]علال الفاسي، النقد الذاتي، مقال "التحرر الفكري"، مطبعة الرسالة، الرباط 1979، ص 62-63

    [4]علال الفاسي، النقد الذاتي، مقال "إحاطة التفكير"، مطبعة الرسالة، الرباط 1979، ص27-28

    [5]Ibn Khaldûn, p. 52-53

    [6]Ibid, p. 46

    [7]Ibid, p. 49

    [8]Le personnalisme musulman, p. 71

    [9](الاستشهاد مأخوذ من نسخة الكترونية لأنه ليست لدي امكانية الرجوع إلى النسخة الورقية الأصلية التي ترجمت منها المعنى إلى الفرنسية)

    ابن رشد، فصل المقال

    [10]ابن خلدون، المقدمة، الفصل السابع والعشرون: في علم الالهيات (لا أعطي الصفحة لأني راجعت المقدمة في نسخة الكترونية)


    [12]المقدمة، الفصل الحادي والثلاثون: في إبطال الفلسفة (أنظر الملاحظة السابقة)

    [13]Liberté ou libération, p. 13
     
  8. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    الفلسفة السياسية والاجتماعية

    ما يلفت الانتباه هو غياب الفلسفة السياسية في مؤلفات الحبابي، رغم أنه تطرق في بعض فصول حرية أم تحرر إلى ضرورة الالتزام دون ذكر النظام السياسي الذي يتوخاه. ويؤكد، مستعملا اللغة السياسية لوقته، بأنه " من المستعجل امتلاك فلسفة مناضلة عمالية". ويزيد، مستشهدا ببرودون Proudhon ، بأنه يجب " إنزال الميتافيزيقا إلى مستوى الشعب بواسطة الممارسة"[1]. والملاحظ أن الحبابي يستشهد ببرودون Proudhon أكثر مما يستشهد بماركس، لكون الماركسية في نظره تبدو وكأن "الجمود" قد اعتراها مما أدى بها إلى "انغلاق ذهني"، دون أن يوضح أسباب هذا الانغلاق أو يعطي بديلا[2].

    وفي مجال الاقتصاد السياسي بزعم أن أسباب المشكلات لا تكمن في الملكية الخاصة بل في المنافسة[3]. والحل يكمن في حسن الامتلاك حتى لا يكسر الشيء المملوك الحركة المشخصنة ولا يحول الشخص إلى "إنسان اقتصادي"[4] . كما يرى أن وسائل الإنتاج يجب أن تكون بيد الجماعة لكي تستغل القيمة المضافة في مصلحة المجتمع[5]. وفيما يتعلق بتأثير السياسة على الاقتصاد، يستشهد بتحليل ابن خلدون لدور الاضطهاد في عزوف الناس عن النشاط الاقتصادي[6]. ويرى أيضا أن المنافسة قد تكون أيضا من طبيعة روحانية، فهي تكمن أيضا في العزوف عن المتاع الدنيوي، مستشهدا بالآية القرآنية: "واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم" [7].

    والملاحظ أن هذه الفلسفة السياسية والاقتصادية، ورغم انتقائيتها، لا تخرج عن إطار الإشكالية المهيمنة في فترة تكوين الحبابي وتأليفه (خمسينيات وستينيات القرن العشرين)، وهي الإشكالية الماركسية. وتأثير هذه الإشكالية لا يظهر في القضايا المطروحة، بقدر ما تشي به القضايا المسكوت عنها، ومن أهمها الديموقراطية والحريات الفردية. فمسألة الديموقراطية غائبة من مؤلفات الحبابي، كما هو الشأن بالنسبة للحرية التي لم تطرحها إلا من زاوية الاختيار العقلاني للأفعال وليس على مستوى علاقة الفرد بالمجتمع والدولة.


    فلسفة التاريخ و "الغدية"

    ما يميز فلسفة التاريخ عند الحبابي هو موقفها الدفاعي إزاء الغرب. فجل المقالات التي تؤلف كتابه من المنغلق إلى المنفتح Du clos à l’ouvertترد على النظريات العنصرية؛ ومن أبرزها نظرية إرنست رينان الذي لا يرى للعرق السامي ميزة إيجابية[8]، أو نظرية العقلية البدائية[9]. ومسلمة هذا الرد هي أن لكل مجتمع بدائيوه[10]، منسبا (من النسبية) تقدم الحضارة الغربية التي "تتخبط بدون هدف محدد"، مستشهدا بانتقادات الشخصانيين (ومن بينهم جان ماري دوميناك) لنواقص الحضارة الحديثة.[11]

    وفيما يتعلق بأسباب الانحطاط والذي يفضل الحبابي تسميته "تفاوتا"، فإنه يبرز دور العوامل الداخلية المتمثلة أساسا في انغلاق الثقافة الاسلامية على نفسها. إلا أنه يركز أكثر على العوامل الخارجية.[12] ومع الوقت طغى البعد الثالثي (من العالم الثالث) على تفكيره، تحت اسم "الغدية".[13] ورغم الشهرة الإعلامية لهذا المصطلح فإن الكتابين الذين خصصهما له ليسا إلا مجرد سجال معاد للغرب يفتقر للعمق.


    هل الحبابي شخصاني؟

    رغم تعدد الأوجه (أو الانضواءات كما يقول الحبابي) الممثلة للشخصانية إلا أن هناك ثلاث خصائص تجمع بينها:

    1) الانتماء إلى فلسفة فاعل لكونها الكفيلة بالجمع بين الواقعية والمثالية. فالوجه الفاعل للشخص هو الذي يفتح إمكانية مقاربته بصورة شخصانية، والذي يحول دون رده إلى خصائصه النفسية.

    2) وجود ركائز أخلاقية للإلتزام، لكون الشخصانية وردت من المنبعين الرئيسيين للإلتزام في الفلسفة الحديثة وهما الماركسية فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية والوجودية فيما يتعلق بالحريات الفردية (وهي الوجودية السارترية التقدمية أساسا، لأن هناك أيضا وجودية رجعية من الناحية السياسية يمثلها غابرييل مارسيل الذي وقع على العريضة المضادة للعريضة التي ادانت الحرب في الجزائر) . وأخلاق هاتين الفلسفتين تتميز بالإرادية والثورية.

    3) نقد انحراف الدين كتمهيد لإعادة اعتماده في عملية الإحياء الروحي.

    ومن عرضنا السابق لفلسفة الحبابي يتبين لنا أنها لا تستجيب لأي من المعايير الثلاثة. فالشخص فيها مسجون في محدداته الموضوعية، وكل ما يتعالى عنه فهو من مجال الإنسان. كما أنه لم ير في فلسفة الفاعل إلا جانبها اللاواقعي. أما رؤيته للدين فلم تتجاوز السلفية الإصلاحية. ف "واقعية" الحبابي أفرغت الشخصانية من ذاتيتها المتوهجة وأخلاقها الملتزمة، أي من أيديولوجيتها. وهذا هو الذي يفسر عجزه عن استنبات الشخصانية في محيط عربي إسلامي، وليس لكونه شعر بضرب من الاستلاب في تبعيته لمونييه في حين أنه ينتمي إلى بلد مستعمر، حسب رأي كروز هرنانديز[14]. فالحبابي ليس الوحيد من المفكرين المسلمين الذين تأثروا بتيار فكري غربي أثناء مرحلة الاستعمار، فجل هذه التيارات وجدت من يروج لها في البلدان الإسلامية.

    لكننا لا ننكر له "انضواءه" إلى الأسرة الشخصانية، لأنها تيار إنساني هدفه الدفاع على كرامة الإنسان، مهما اختلفت الطرق.

    مأزق الرشدية المبتذلة

    كل الثغرات التي اكتشفناها في فلسفة الحبابي يمكن إرجاعها إلى نقص أولي يتمثل في الطريقة التي أراد أن يحيي بواسطتها العقل الواقعي والتركيبي في الفكر العربي الإسلامي الحديث:

    - فهو لم يعط للواقعية تعريفا دقيقا، فهذا المصطلح الذي يبدو بديهيا في اللغة المتداولة ليس كذلك في اللغة الفلسفية. فالواقعية تنعت مذاهب متناقضة، ويكفي الرجوع إلى أي معجم فلسفي للتأكد من ذلك. وزاد الأمر اشكالا كونه سمى فلسفته شخصانية واقعية، في حين ان الشخصانية فلسفة واقعية أصلا نظرا لكون الرافدين الأساسين لها واقعيان (بمعنى أنهما ليسا مثاليين)، فالماركسية تقول بالمادية التاريخية والجدلية وتجعل من الاقتصاد المحرك والمفسر الأساس للتطور التاريخي، والوجودية عند مؤسسها الأول كيركغارد كانت رد فعل ضد الهيجلية. وواقعية الحبابي لا تطلعنا على شيء من الواقع العربي الإسلامي، أكان الأمر على مستوى التاريخ أو المجتمع أو الاقتصاد أو النفسانية.

    - أما التركيب فلا يجوز طرحه كهدف مسبق دون أن نتعرف على الأطراف التي يجب التركيب بينها. فالتركيب من أجل التركيب لا ينتج عنه إلا موسطات هزيلة، مع العلم أننا بينا كيف أن الحبابي كان يميل إلى طرف من الطرفين اللذين كان يريد التوفيق بينهما، وهو في غالب الأحيان الموقف الوضعي. مع العلم أن التركيب الذي عرفته الثقافة العربية الاسلامية كان في حقيقته عملية دمج لمعارف من مصادر شتى بشكل يجعلها لا تتناقض مع العقيدة الإسلامية، بما فيها الفلسفة.


    يبقى السؤال: أي دلالة نعطيها لهذه الفلسفة؟

    والجواب يمكن أن نجده في دلالة مصطلح "واقعية" كما وظفه الحبابي. فواقعية الحبابي كانت، قبل كل شيء، رفضا لكل الفلسفات التي بنت صرحا ميتافيزيقيا متكاملا يخضع كل المسائل لمنطقه الداخلي، بما فيها الدين (كالبرغسونية). فمثل هذه الفلسفات تعارض الرؤية الرشدية التي تربط بين الدين والفلسفة والعلم عند أفق التقائها، فهي طرق تؤدي إلى هدف مشترك. فكل من الدين (الوحي) والعلم (القوانين التي وضعها الله في الكون وهي الموجودات التي تدل على الصانع) والفلسفة (كخطاب منطقي) ميدان قائم بذاته كوجه للحقيقة، و"الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له"[15].عند ابن رشد والفلسفة الاسلامية عموما. وقد بقي الحبابي وفيا لهذه المسلمة إذ أنه لم يستشعر الحاجة إلى إعادة بناء الفكر الديني على أسس جديدة، إلا أن إبعاد الدين عن الفحص النقدي يقطع الطريق أمام كل محاولة لإعادة بناء شاملة للثقافة العربية الإسلامية. ولم تخرج شخصانيته الإسلامية عن التطابقية والمزايدة المجانية على الفكر الحديث التي تميز الفكر الإسلامي المعاصر.

    لقد اقتبس الحبابي مفاهيم من العديد من الفلسفات، لكنه في كل مرة توقف في الطريق. فقد اقتبس من هيدغر فكرة "الواقع الإنساني بصفته فهما وتعاليا compréhension et transcendance"[16] التي تفتح إمكانية تأسيس تعالي لا يخرق الطبيعة transcendance sans surnaturel، لكنه يرتد على هذه الفكرة لكونها مشوبة بالمثالية[17]، دون أن يدرك أن هذه الفكرة لا يمكن ان توظف إلا ضمن إشكالية تدمج بين الواقعية والمثالية لحل المعضلة الفلسفية التي عبرت كل تاريخ الفلسفة والمتمثلة في كيفية الربط بين العقل والوجود. والأمر سواء فيما يتعلق باقتباساته من الظاهراتية، إذ يبدأ بالتنويه بكونها "جهدا تبذله الإنسانية من أجل فهم ذاتها والمصالحة معها ومع الطبيعة"[18]، معطيا الانطباع بأنه وجد فيها طريقا لتجاوز المثالية والمادية معا، لكنه عندما انتبه إلى النتائج التي استخلصها منها هيجل[19] وهوسرل[20] فضل العودة إلى الوراء والالتجاء في الثنائية.

    ويمكن تلخيص رده على هيدغر والظاهراتية في قوله: " من العسير الإقرار بشكل قطعي بأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تصدر عنه الدلالة في الكون"[21].والسؤال هو: إن لم يكن الإنسان هو المصدر الوحيد للدلالة، فما هي المصادر الأخرى؟ يمكن أن نعتبر العلم مصدرا لها إلا أنه مصدر إنساني لأن اللغة والرموز والقوانين التي تحول الظواهر إلى معرفة هي من وضع الإنسان. كما يمكن اعتبار الدين مصدرا للدلالة، إلا أنه يطرح مشكلة أصل الدين هل هو بشري أم إلهي؟ ومهما كان الجواب فالدين ظاهرة ثقافية أي أن الانسان هو الذي يمنحه الوجود كلغة ومؤسسات وحركة تاريخية، وخاصة نسبيته التي تتمثل في تعدد الأديان وتطورها التاريخي. إلا إذا اعتبرنا كل ما يمس الدين فعلا إلهيا مباشرا في كل تمظهراته، وهو موقف لم يقل به إلا أكثر المذاهب الدينية حرفية، إن لم يكن تزمتا. وبهذا يرفض الحبابي للفلسفة أساس استقلالها لتصير مجرد معرفة تابعة للدين من ناحية (تخدمه كعقيدة قويمة غير قابلة للمراجعة)، وللعلم من ناحية أخرى (كفلسفة وضعية تتجنب الخوض فيما وراء الظواهر فتتركه على حاله). وهذا ما ارادت الظاهراتية تجاوزه من أجل توحيد المعرفة.

    ورغم أن الحبابي لم يستشهد إلا قليلا بابن رشد، إلا أن لا شعوره الفلسفي كان مشبعا بالرشدية. وهذا يعني انه لم يكن لديه الاستعداد لتجاوز إشكالية الرشدية التي كان كل همها أن توفق بين الدين والفلسفة، ما دفع بمفكر في منزلة ابن خلدون إلى الحكم على الفلسفة بعدم الجدوى.[22] وكأنه يعكس القولة الشهيرة لابن الراوندي وفحواها: إذا كان الدين موافقا للعقل فنحن لسنا بحاجة إليه، وإذا كان معارضا له فنحن نرفضه. إلا أن ابن رشد، ككل مفكر، محدود بأفق عصره الذي يهيمن فيه الدين على كل المجال الثقافي، أما الحبابي فقد حد أفقه بنفسه.

    هل هذا يعني أن هناك تنافر بين الرشدية والشخصانية؟ والجواب أنه ليس هناك مانع ابستيمولوجي للجمع بين الفلسفتين بشرط إعادة قطع الطريق الذي مرت به الفلسفة منذ عصر ابن رشد. وهو ما فعله الممثل الثاني للشخصانية في العالم العربي: روني حبشي.


    [1]Ibid, p. 199

    [2]Ibid, p. 155

    [3]Ibid, pp 150-153

    [4]Ibid, p. 150

    [5]Ibid, p. 160

    [6]Ibid, p. 169

    [7]Ibid, p. 169

    [8]Du clos à l’ouvert, p. 118

    [9]Ibid, pp 105-106 et 115

    [10]Ibid, p. 96

    [11]Ibid, pp 104-105

    [12]Ibid, pp 71-73

    [13]M. A. Lahbabi, Le monde de demain, Dar al-kitâb, Casablanca et éditions Naâmân Sherbrook Canada.

    La crise des valeurs, , tr. de l’arabe par Ahmed Sbaî, Publisud Paris, Okad Rabat, 1987.

    [14] M. C. Hernandez, Historia del pensamiento…, pp 378-379

    [15]فصل المقال (نسخة إلكترونية)

    [16]De l’être à la personne, p. 150

    [17]Ibid, p. 168

    [18]Ibid, p. 35

    [19] Ibid, pp. 38-41

    [20] Ibid, pp. 169 et 339

    [21]Ibid, p. 269

    [22]كتب الحبابي بعض المقالات المناسبتية على ابن رشد ومنها خطاب اختتام الندوة التي خصته بها جامعة محمد الخامس: أعمال ندوة ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ص 353-346
     
  9. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    بين الحبابي وروني حبشي

    رغم ان الحبابي وحبشي هما الممثلان للشخصانية في العالم العربي إلا أن لا أحد منهما يذكر الآخر. كما ان حكمهما على الثقافة العربية والأهداف المتوخات مختلف. وعلاقتهما بالثقافتين العربية الإسلامية والغربية مختلفان. فحبشي عربي مسيحي، وهو بذلك يشارك الثقافة الغربية أسسها المسيحية (الأمر الذي له أهميته في الشخصانية). لكنه بانتمائه للعالم العربي الإسلامي كان هدفه إيجاد نقط تلاقي بين الثقافتين. إلا أن حبشي، على خلاف الحبابي، شخصاني نموذجي. فهو أتى إلى الشخصانية من خلال نظرة إنسية للمسيحية ومن خلال الوجودية التي خص كثيرا من وجوهها بدراسات[1]، لأنه يعدها الوجه الأهم في الحضارة المعاصرة (خمسينات القرن العشرين)[2].

    وفلسفة حبشي تستلهم فلسفة تايلار دي شاردان [3] و "الاندفاع الخلاق" لبرغسون[4]. وهده المراجع تملأ النقص الذي شخصه في الثقافة العربية المعاصرة التي تهيمن فيها التجريبية empirismeوالوحي لكنها تعاني من فقر على المستويين العلمي والفلسفي. وفي هذا الصدد يقول: "هناك طرفين قصويين يسيطران على ذهنيتنا وهما التجريبية والوحي. وهي تجريبية كثيفة تغرق كافة الناس، منافية لروح العصر لأنها ليست مدفوعة نحو الأمام من قبل العلم منذ قرون؛ ومن جهة أخرى وحي بقي جامدا في حرفه وروحه لأنه مفتقر إلى فلسفة تقدمية تسنده. وهذا الحضور الطاغي للتجريبية والوحي يزيد من وقع غياب الدرجتين الوسطيين وهما العلم والفلسفة. وفي مواجهة هذا الغياب جاهد بقوة كل من جمال الدين الأفغاني في القرن التاسع عشر ومحمد عبده إلى بداية القرن العشرين"[5].

    وهذا الغياب للمستويين الوسطيين (الفلسفة والعلم) ينتج عنه أن اي انفصال للروحي عن الدنيوي يؤدي إلى "فقدان الله"، على عكس الوضع في الغرب "حيث أن محاولة العودة إلى الله في إطار الوضع الراهن للعلم والفلسفة وإحياء فتوة الإيمان دون التخلي عن الدينامية العقلانية ليست محاولة يائسة"[6]. والحل عند حبشي يكمن في ثورة للدنيوي بواسطة الروحي une révolution du temporel par le spirituel تضع الإسلام والمسيحية في خدمة الحضارة[7]. بشرط أن يتخلصا من ماهويتهما العقدية التي تؤدي إلى التقليدية (أو الاتباعية) الاجتماعية [8]traditionalisme sociologiqueوالتي تتلازم في الإسلام مع وثنية الكلمة idolâtrie du mot [9]. وهذا ما يفسر الدور الذي قام به مسيحيو لبنان في النهضة، "لأنه لم تكن عندهم دواعي لاحترام الصفاء الديني للغة وثبوتيتها"[10].

    وبما أن حبشي مفكر يقف عند ملتقى عالمين: الغربي والشرقي، وديانتين: الإسلام والمسيحية، حاول إيجاد جذور مشتركة لها تتمثل في البحر المتوسط. نافيا أنه يريد الإفلات من العروبة، بل العكس، فالمتوسط هو الذي يمنح للعروبة عمقها، "والتي بدونها لا يفهم العربي ذاته". كما أنه ينفي الرغبة في الالتحاق بالغرب، نظرا " لأن المتوسط ليس هو الغرب بل الغرب هو المتوسط"[11].

    وعلى المستوى الفلسفي يموقع حبشي تأملاته ضمن الحوار بين الماهوية essentialisme والوجودية existentialisme الذي استمر طوال تاريخ الفلسفة. الماهوية التي ظهرت مع أفلاطون "والتي خففت من حدتها جوهرية أرسطو". ومع المسيحية توجدت الماهوية (أي صارت وجودية)، وفي الإسلام كان ابن سينا من أبرز ممثلي الماهوية، لكن ابن رشد عاد إلى أرسطو. وأخيرا اجتمعت كل هذه النزعات في الطوماوية التي "مثلت لحظة كمال خفق فيها الوجود والماهية بكل طاقتهما. ولهذا أراد بعض الفلاسفة المعاصرين العب منها كمنبع حياة". وقد استمر هذا الحوار في الفلسفة الحديثة إلى أن قام كيركغارد "بالقضاء على الماهوية" مكملا بذلك ما بدأه ديكارت، ليبدأ عصر الوجودية[12]. وبهذا يعبر حبشي على وحدة الفكر خلال التاريخ، ولهذا يقترح على الفكر العربي المعاصر الانخراط في هذا التيار لكي يدخل في التاريخ والانتفاضة على الماهوية التقليدية[13].

    هذه المقاربة تضع حبشي ضمن تيار الطوماوية الحديثة التي استلهمت من الوجودية والظاهراتية، والتي من ابرز ممثليها جاك ماريتان الذي يتواتر الاستشهاد به قبل حبشي. وأهم ما يمكن استخلاصه من فلسفة ماريتان هو كونها وفقت بين الكنيسة والديموقراطية، أو ما يسمى بالديموقراطية المسيحية.

    وتبين المقارنة بين الحبابي وحبشي أن هناك قاسما مشتركا بين المفكرين يتمثل في الرشدية-الطوماوية، رشدية ضمنية عند الحبابي وطوماوية صريحة عند حبشي. وتشترك الرشدية مع الطوماوية في مرجعيتهما الأرسطية وفي كون الموجودات تدل على الصانع، إلا أن ابن رشد يساوي بين العقل والوحي، وإذا اقتضى الأمر يؤول الوحي ليساير العقل (وهو عقل أرسطي أساسا)، في حين أن طوماس الأكويني يقدم الوحي على العقل، وكان كل همه وضع العقل في خدمة الكنيسة (فهو "متكلم" وليس فيلسوفا).

    وفيما يتعلق بالمصير التاريخ للفلسفتين نلاحظ أن الطوماوية تحولت إلى فلسفة رسمية للكنيسة الكاثوليكية، بما فيها الطوماوية الحديثة التي وظفت للرد على الفلسفات التي تتنافى مع العقيدة الكاثوليكية، أو تأويل بعضها من منظور مسيحي، ومد جسور مع الديموقراطية. أما ابن رشد فلم يلق إلا العداء ثم التجاهل في العالم الإسلامي، بينما ترعرعت فلسفته في الرشدية اللاتينية.

    لقد كان على الحبابي ملء الفراغ الذي أعقب ابن رشد ليكون في مستوى ما تمنحه الطوماوية الحديثة لحبشي، الذي تفتح على تيارات فلسفية معاصرة عدة: تايلار دي شاردان، برغسون، الوجودية، الظاهراتية. بينما عاق الحذر مما ليس "واقعيا" الحبابي من استكشاف الأفق التي تفتحها الفلسفات التي انتقدها. ولهذا يمكن أن نقول – كما قال حبشي – أن فلسفته خدمت التجريبية واللاهوت.

    لماذا فشلت الشخصانية في العالم العربي؟

    لقد كان للشخصانية قبليا كل الصفات والميزات لاجتذاب الشباب العربي المسلم لأنها تمنحه إمكانية التوفيق بين العلم والدين، وبين الحاضر والماضي، وبين الأصالة والمعاصرة. لكن رغم كل هذه الميزات لم تجد الصدى المرتقب لدى الشباب العربي الذي مالت الفئة الأكثر انفتاحا والتزاما منه إلى فلسفات علمانية ومادية. حتى أن حبشي قال (سنة 1959): "أول ما يجب فعله هو إنقاذ الله (لدى الجيل الصاعد) من هذا الضياع الذي تسببت فيه صدمة العلمانية الغربية وجاذبية الشيوعية في مجتمع بقي على منأى عن العلوم الجديدة والفلسفات"[14].

    فما هي العوامل التي حالت دون انتشار الشخصانية؟

    الجواب الذي نقترح يتضمن عدة فرضيات:

    1) وجود تباين بين مسلمات الشخصانية، وهي مسلمات فكر ما بعد وضعي post positiviste، والأسئلة التي يطرحها مجتمع فرضت عليه الحداثة من خارج، والله فيه لا يحتاج لأن "يستحق الوجود" كما قال جان لاكروا. فإذا كان الهدف هو مجرد استرجاع الله كفرضية فلسفية، فهذا شأن المجتمعات التي "مات فيها الله".

    2) نقص النسخة العربية للشخصانية. وهنا يجب التمييز بين الحبابي وحبشي. فالحبابي كان على خلاف مع جل الفلسفات التي غذت الشخصانية ولم يقتبس إلا جزء من ايديولوجيتها بسكوته على بعدها السياسي. في حين ان حبشي تبنى كل أبعاد الشخصانية بما فيها أخرويتها المسيحية. ورغم أن كلمتي إسلام ومسيحية كانا يذكران مقترنان في كتاباته، إلا أن مقاربته بقيت هامشية في الثقافة العربية لأن جل قرائه العرب يجهلون دقائق الروحانية المسيحية، أو أنهم لا يستوعبون المسيحية كبعد من ابعاد العروبة. إن لم يكونوا لا يرون في المسيحية إلا ديانة المستعمر، خاصة في البلدان التي لا توجد فيها اقلية مسيحية، كبلدان المغرب.

    3) وجود شخصانية ضمنية عند بعض المفكرين المسلمين الذين حاولوا مد الجسور بين الإسلام والحداثة، والذين لم يكونوا بحاجة إلى ارتداء ثوب الشخصانية الغربية ليكونوا شخصانيين.

    4) موقف المفكرين المغاربة من الحبابي:

    - فعبد الله العروي يرى في الحبابي ممثلا للفلسفة الجامعية العربية التي فتحت المجال للفلسفة الدينية تحت تأثير نزعة معادية للليبرالية ولأسبقية الزمن[15]. لكنه لم يناقش إطلاقا المحتوى الفعلي لفلسفته، بل اكتفى بتكرار موقف الماركسية من الفلسفات الروحانية، وهو ما لا ينطبق على الحبابي.

    - عبد الكبير الخطيبي لا يرى جدوى الشخصانية قائلا: " أما فيما يخص مونييه وشاردان، لنكن جديين، ولنجنب العالم العربي فكرهم، ولنكمل طريقنا"[16]. وهو موقف على قدر كبير من الاحتقار.

    Quant à Mounier et Chaedin, soyons sérieux. Faisons-en l’économie au monde arabe et passons.

    - محمد عابد الجابري برر إبعاده للحبابي وحبشي بكونهما كتبا بالفرنسية، ولهذا فهما لا "ينتميان" (المعقوفان للجابري) إلى الخطاب العربي المعاصر[17]، رغم ان الحبابي ترجم أو أعاد كتابة كل كتبه بالعربية.

    - سالم يفوت هو الوحيد الذي ناقش فكر الحبابي (كتبت هذا سنة 1989 وربما ان هناك من ناقش فكر الحبابي بعد هذه السنة[18]). لكنه اعتقد انه يدافع عن الحبابي ضد خصومه بقوله بانه لا يجب الربط الميكانيكي لفلسفة الحبابي بفلسفة مونييه لأنه استلهم بعض أفكاره، وبانه أعطى دلالة جديدة لهذه الأفكار منذ البداية[19]. بل يدعي أنه من الممكن تلمس بوادر "الغدية" منذ اللحظات الأولى للشخصانية الواقعية[20]. وهو بذلك يريد البرهنة على عدم وجود قطيعة في المسار الفلسفي للحبابي. لكن هذا الدفاع لا يخدم الحبابي لكونه يعطي وزنا غالبا للجانب الضعيف في تفكيره وأقلها قيمة فلسفية.


    من هذا نستخلص ان الحبابي، والشخصانية من خلاله، لم يحظ بنقاش فلسفي في المستوى المطلوب. فكل المواقف المعروضة سابقا إما مواقف أيديولوجية مسبقة لم تتجشم عناء قراءة متعمقة لأعماله ولمراجعه، وإما مقالات مدحية. ففشل الحبابي هو أيضا فشل جماعي لوسط ثقافي هو عبارة عن جزر معزولة تتجنب النقد المتبادل.


    (أنجزت هذا البحث في بداية التسعينات من القرن الماضي، وهو في الأصل مكتوب بالفرنسية لأني كنت أريد تقديمه لجامعة فرنسية. ولهذا لا أذكر فيه إلا المراجع التي قرأتها في تلك الفترة. كما اني اضطررت عند تعريبي لهذا البحث لنقل بعض الاستشهادات (من فصل المقال والمقدمة) من نسخ الكرتونية لأنه تعذر علي الرجوع إلى النسخ الورقية التي اطلعت عليها. وقد لاحظت أن هناك تكرارا يعود إلى كون الحبابي يعطي في الغالب أجوبة متقاربة، لهذا كان في الرد عليه بعض الاطناب)







    [1]René Habachi, Vers une pensée méditerranéenne, publié par l’institut d’étude orientale, Beyrouth (4 volumes)

    [2]René Habachi, Philosophie chrétienne, philosophie musulmane et existentialisme, 1er cahier pour une pensée méditerranéenne, Institut de lettres orientales, Beyrouth 1956, p. 18

    [3]René Habachi, Orient quel est ton occident ? Centurion/sciences humaines, Paris 1969, pp 48-49

    [4]Philosophie chrétienne… op. cit. pp 27-29

    [5], Orient quel est ton occident ? p. 52

    [6]Ibid, p. 108

    [7]René Habachi, Révolution du temporel par le spirituel, Les conférences du cénacle XIXè année n° 12, 1965, p. 75

    [8]Philosophie chrétienne, philosophie musulmane… pp 19-20

    [9]Orient quel est ton occident ? pp 204-205

    [10]René Habachi, Exposé critique sur « Les arabes d’hier à demain » de Jacques Berque, Les conférences du cénacle XVIè année n° 3, 1964, p. 98

    يمكن تفسير دور المسيحيين العرب في النهضة بعوامل تاريخية واجتماعية، لكون الكنائس الغربية، بما فيها الروسية، لعبت دورا اساسيا في في ذلك. زيادة على كون الدول الغربية الاستعمارية فرضت نفسها كحامية للأقليات المسيحية. والدور نفسه قامت به الرابطة الاسرائيلية العالمية فيما يخص اليهود. ومن جهة اخرى يجب التنبيه إلى كون الثقافة العربية لم تنتظر القرن التاسع عشر لتنتج نصوصا غير دينية، متحررة من اللغة القرآنية.

    [11]Orient quel est ton occident, pp 66-67

    [12]Philosophie chrétienne, philosophie musulmane…, pp. 29-30

    [13]Ibid, p. 31

    [14]Révolution du temporel par le spirituel, p. 83

    [15]Abdallah Laroui, La crise des intellectuels arabes, Maspero 1974, pp. 9-10

    [16]Abdelkebir Khatibi, Jacques Berque ou la saveur orientale, in Les Temps Modernes, octobre 1977, p. 2166

    هذا المقال يتضمن نقدا عنيفا لجاك بيرك أثر فيه كثيرا. وعندما التقيت ببيرك في إطار أطروحة الماجستير التي خصصتها له، تحت عنوان "فلسفة الحضارة عند جاك بيرك" قال لي بالعامية: "واش درتلو؟"، ذاكرا الخدمات التي أسداها للخطيبي عندما كان طالبا.

    [17]محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ط2دار الطليعة، بيروت 1985ة ص 174

    [18]عندما كنت انجز هذا البحث علمت ان باحثة إيطالية خصت الحبابي ببحث لم أستطع الحصول عليه

    [19]سالم يفوت، الهاجس الثالثي في فلسفة محمد عزيز الحبابي، منشور في "الفلسفة في الوطن العربي المعاصر"، بيروت 1985، ص 263

    [20]المرجع نفسه، ص 267
     
  10. تحية للأستاذ محمد اليعقابي على هذا المجهود الكبير لتقريب شخصانية الفيلسوف المغربي محمد عزيز الحبابي إلى القارئ..هل يمكن اعتبار شخصانية الحبابي هي امتداد وتطور لفلسفة ابن رشد؟ وبهذا سيكون محطة فكرية في تار يخ الحضارة الإسلامية وباعثها جمعا بين التاصيل والتحديث..في حين يمكن اعتبار تلميذ الحبابي الراحل محمد عابد الجابري هو أيضا محطة أخرى لهذا الامتداد، لكن بآلية شبه حداثية غربية تنبني على الهدم والبناء، نظرا لتبنيها الآلية النقدية من الداخل..ومن هنا نرى أن الراحل الحبابي، كان قد أرسى فعلا سيرورة مستشرفة للفكر المستقبلي للأمة في حين أن منظور الجابري خلق أزمة توقف الصيرورة الفكرية في الفلسفة الإسلامية المعاصرة..شكرا على إتاحة هذا المجال الفسيح للتفكير
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  11. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    أخي العربي،
    سبق لي أن قلت في المقدمة، التي مهدت بها للملخص الذي أنجزته لنقد طرابيشي للجابري، أن الجابري لم يتجاوز سقف "فصل الكلام" لابن رشد. وهذه الخلاصة نفسها هي التي كنت خرجت بها منذ أكثر من 27 سنة فيما يخص الحبابي. وهذا ليس مدحا من قبلي ، بل هو وضع الأصبع على نقص في كلا الفلسفتين. لأنه لم يعد كافيا القناعة بالإشكالية الرشدية. وهو ما سميته بالرشدية المبتذلة. فالفلسفة الحديثة تجاوزت مسلمة وجود حقيقة واحدة يمكن الوصول لها بطرق مختلفة (الوحي والعقل)، والعلم الحديث لا يقر بمبدأ "المصنوعات تدل على الصانع". فالعلم الحديث يكتفي بالبحث عن دلالة الأحداث لذاتها لا لغيرها.
    عندما بدأت قراءة الحبابي كانت عندي نظرة مسبقة إيجابية بخصوص مشروعه، الذي كان بإمكانه أن يرسخ المبادئ الشخصانية في الحقل الفكري المغربي، حتى لا يستغل الدين لأغراض، نر ى الآن ما هي. لكن الحبابي لم يفلح في ذلك لأنه سلب الشخصانية الجانب الحي فيها.
     
    أعجب بهذه المشاركة بلمرابط المصطفى
  12. التعامل مع التراث هو من باب "التثقف"...وحينما نتعامل مع الرشدية أو فكر الجابري أو الحبابي، نعتبر الأمر "تراكما" تستوجب متابعته من طرف الثقافة العربية الإسلامية، وهو بمثابة استشراف لحضارة لها خصوصياتها الماضوية وتطمح أن تتميز ضمن السيرورة، حتى لا تفتقد البوصلة الوجودية للكيان لديها..فالمنظور الأحادي في الاتجاه الجارف(الفكر الغربي)، يلغي الاختلاف ويزكي التفوق ويخضع المسار، ولا أقول الصيرورة، إلى كونية قد تكون وهمية بالنسبة لثقافتنا في حين هي "مادية" تطورية في سياق منفعة جمودية مبدئيا، كمسلمة حضارية للراهن...من هنا ليس من الضروري تصليب المنظور في اتجاه "الاتباع"، لأن الوجود صعب التحديد والحسم...تحية للرد الفكري أخي محمد، بصوغه النقدي المحكم...وأحبذ النقاش إلى جانبك لرصانته.
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  13. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    أخي العربي،
    لنا درس في المفكرين العرب والمسلمين القدامى الذي لم يكن يهمهم من أين يأتي "الحق" (قبل أ تغلق الأبواب). أتفق معك في أننا نحتاج إلى فكر يرتاح له وجودنا ووجداننا. لكننا قبل أن نكون عربا (وأعني المنتمين للثقافة العربية الإسلامية والذين أسسوها مهما كانت جذورهم "العرقية"، ما دام "البعض" يضطرنا لهذا التوضيح) أو مسلمين أو غربين، فنحن بشر، تجمع بينننا أسئلة وجودية واحدة. فعند برغسون (مثلا) يمكن أن يجد المؤمن المسلم دعائم لإيمانه. مع العلم أن الفلسفة الغربية ليست فقط "مادية" و "تطورية"... بل فيها أيضا ما يعارض كل هذا. على كل حال يجب أن نتجاوز القراءة "الإقليمية" للفكر. ولنتحاور مع الجميع. فكلنا بشر معزولون فوق هذه الكرة الصغيرة الضائعة في ما متناهي الكون.
    مع تحيتي
     
  14. صحيح، وأتفق معك أخي، ولكن إذا جمعتنا أسئلة الوجود، فإن الإقليمية تفرقنا شئنا أم أبينا..لإن البشر يتقوى على من هو أضعف منه، انطلاقا من ذاته الإقليمية والثقافية، ورؤياه الطموحة من أجل الاهيمنة..وهكذا مثلا في عصرنا الحديث نشأ الاستعمار وفعل ما فعل في المجتمعات المنهزمة أمامه، ثم استحدثت الإمبريالية وبعدها العولمة، والتي صارت تضعف من بدأ في الانتفاض وتمزق خرائط بلدانهم وتحرمهم من العلم والتطور... كما تخضعهم إلى اقتصادها وصناعتها وثقافتها...أين هم الهنود الحمر والتاتار والأفارقة...؟ وماذا يحصل الآن للعرب والفلسطينيين...؟ أليس الكل متحكما فيه ؟ أليس سبب ذلك هو الهجوم على الفكر الآخر لإضعافه؟ أليس السبب هو فقدان بوصلة التاريخ وقوة الفكروتفكك الكيان؟ ماذا إذن سيجمع هذه البشرية في هذا الوجود؟..إن هذا كله هو جوهر موضوع الفلسفة..شكرا أخي مع احتراماتي لفكرك الذي حبذا لو منحت له فرصة التحقق
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  15. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    أخي العربي،
    لا ألوم عدوا إن تصرف كعدو، لكن ما يؤسفني هو عندما يتصرف العرب والمسلمين كأعداء لأنفسهم، وهذا ما زاد الطين بلة
     
  16. هم محكومون لا يقررون...هم صنيعة ضد الشعوب لتفتيتها حتى لا تنهض..أنا لا أعارض رؤيتك لأن إشكالات الوضع العربي شائكة..سنعود إلى موضوع "الشخصانية"مستقبلا مع تحيالتي
     
    آخر تعديل: ‏15/1/17
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي

مشاركة هذه الصفحة