1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

سيرة المائدة

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏20/12/16.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سيرة المائدة.. المطبخ مختبراً لصناعة المعنى
    عبد المومن محو


    ليس عبثاً أن يكون بين بلدين جارين؛ الجزائر والمغرب، تسابقٌ لتسجيل أكلة شعبية مثل "الكسكس" لدى الـ"يونسكو" كتراث للدولة. فالطعام ليس مجرّد غذاء، أو مجرّد فعل لمقاومة الجوع؛ إنه معطى اجتماعي ومنتوج ثقافي قبل أن يكون مكوّناً بيولوجياً.

    في الدراسات الأنثروبولوجية تردّد كثيراً أن التعرّف على ثقافة مجتمع ما يكون عبر المطبخ واستراتيجيات الغذاء؛ لأنه من خلال طرق إعداد الطعام وتقديمه وتدبيره، ينكتب تاريخ طويل من التصوّرات والممارسات والعلاقات، ومن ذات المطبخ نقرأ توتّرات المجتمع وتوازناته في الفائت والراهن.

    لذلك كان اهتمام الأنثروبولوجيا بالطعام منصبّاً بشكل أساسي على سيرورة الطعام وصيرورته، من مرحلة الإنتاج إلى التخزين فالإعداد، ثم الطهي والتقديم والتدوير. إذ يحضر في كل هذه المراحل، الطقس والرمز، ويتواتر الفعل الثقافي للأجيال، ويتم ترسيم الحدود الثقافية وإنتاج التمثّلات الاجتماعية.

    يذكر عبد الرحيم العطري، في كتابه "قَرابَةُ المِلح.. الهندسة الاجتماعية للطعام"، أن الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي شتراوس (1908-2009)، أوضح من خلال "المثلث المطبخي"، أن التعامل مع الطعام لا يكون معزولاً عن النسق الثقافي الذي ينتمي إليه الفاعل الغذائي. فكل طعام وكل تدبير ممكن لهذا الطعام يتأسّس على سيرورة ثقافية.
    "
    بالطعام تعلن الانتماءات الاجتماعية والخيارات السياسية
    "

    "فالانتقال من سجل النيئ إلى المطبوخ إلى المعفّن، والتموضع في وضعيات وسيطية، تماماً كما هو الأمر بالنسبة إلى المشوي والمسلوق، إنهما معاً (الانتقال والتموضع) يحيلان على ممارسات ثقافية تختزن من الرموز والطقوس ما يفيد حقاً في تأويل الثقافة السائدة".

    لهذا يعتبر شتراوس دائماً، أن الطبخ هو الأساس المركزي للتطوّر الثقافي. إذ إن الجذور الأولية لـ"آداب المائدة" هي التي تملك "العلبة السوداء" لهذا الانتقال الذي حسم مآلات المجتمع البشري، وحدّد أيضاً أنماط تعاطيها مع الطعام.

    فالمائدة في تاريخها، بحسب عبد الرحيم العطري، "تعبّر عن مراحل مهمة من تاريخ هذا الاجتماعي الإنساني، فبعد أن كان النهش والافتراس والتسابق على الطعام، هو المحدّد الرئيسي للأكل، فإن الآداب المؤطّرة للغذاء ستتطوّر، وستتخذ طابع الإلزامية والكونية، مع هوامش مخصّصة للمحلِّي في تأطير الهويات والانتماءات".

    ثم إن ما يعكس انتقال الإنسان من الطبيعة إلى الثقافة، هو تعامله مع الطعام في مستويات الإنتاج والاستهلاك والحفظ؛ فعلى طول هذه العمليات نكتشف "المعنى الثقافي" للإنسان. يوضّح صاحب "قَرابَةُ المِلح"، أننا "عندما نستتبع مسار التعامل الإنساني مع أي نوع من الأشربة أو الأطعمة، فإننا نكتشف مسارات من البناء الثقافي الذي يتجاوز المتن الغذائي، إلى الاجتماعي والديني والاقتصادي والنفسي والسياسي... ونكاد نَعبُر بالتالي إلى مخيالهم ونظرتهم للكون".

    إننا بذلك نفكّك كثيراً من الشفرات الثقافية لأي مجتمع من خلال طعامه ومائدته. يقول العطري: "إن الطبق البسيط أو العالي الكعب، يظل مُعبِّراً وحمّالاً لأوجه عديدة من احتمالات القراءة، فهو دالّ من حيث المضمون والشكل والمعنى الذي ينتجه، ويبني به استمراريته أو مكانته بين ألوان الطبيخ".
    "
    يكشف المطبخ عن تاريخ العلاقات في المجتمع وتوازناته
    "

    هنا لا بدّ من الوقوف عند "الكسكس"؛ هذا الطبق الذي يُعلي المغاربة من شأنه، ويجعلونه "سيد الأطباق المغربية"، فهو الوجبة الرئيسة التي عُرف بها المغاربة تاريخياً -بغض النظر عن سؤال الأصل، حتى إن اللسان الدارج المغربي يُطلق كلمة "طعام" (بتسكين الطاء) للدلالة على الكسكس.

    يشير سرحان، في سياق حديثه عن "ثقافة الأكل السريع" في كتابه "ديوان المائدة"، أن الكسكس "يقدّم عادة في قصعة ثقيلة تقرفص وسط المائدة أو على الأرض، مجبرة آكليه على التحلّق حولها، جاعلة بذلك من نفسها محوراً ورمزاً لثقافة التشارك، فضلاً على أنه -أي الكسكس- مرتبط وجدانياً بأيام الجُمَع والمناسبات وحلقات الذكر". ما يعني أن هذا الطبق لا يستقيم تقديمه من الناحية الاجتماعية إلا ارتباطاً بأزمنة المقدّس.

    على العموم، فالمغاربة يتعاملون مع الطعام بنوع من التقديس، ويطلقون عليه اسم "النعمة" في مواقف متعددة، فالخبز والكسكس وبعض الفواكه الجافة -كما يشير العطري- "تظلّ حاضرة بقوّة في تدبير كثير من طقوس العبور، فالنعمة يتوجب تقبيلها وإماطتها عن الطريق، إن وجدت مرمية، كما يتوجّب إكمال "الشهادة"، وعدم ترك قطع أو نتف صغيرة أو قليلة فوق المائدة، فالطعام بما هو نعمة وبركة، لا ينبغي أن يبذر أو يهدر".

    من المؤكد إذن، أنه بهذا المنتوج الثقافي الخالص (أي الطعام) ومن خلاله، "نعلن عن انتماءاتنا التراتبية وانحداراتنا الاجتماعية، بل وحتى عن مواقفنا واختياراتنا العقائدية والمذهبية والسياسية. فليس هناك من طعام صامت، إنه حمّال أوجه ومعان، وناطق بالمعلن والمضمر من خطابات وتمثّلات وممارسات"، كما يرى صاحب كتاب "قَرابَةُ المِلح".

    وإذا كان الطعام يستمرّ مؤسّساً للجماعي، فإنه مع ما حدث من رجّات ثقافية للمجتمعات اتصالاً بالعولمة واقتصاد السوق، تحوّلت المائدة المغربية (والعربية عموماً) من الكثيف إلى الخفيف، ومن البطيء إلى السريع، ومن الجماعي إلى الفردي.

    لقد تحوّل الفرد في المجتمع الحديث إلى "صانع لقراراته الغذائية"، ولم يعد بحاجة إلى الجماعة لاختيار الوجبة ولا توقيتها. فـ"الفاست فود" يسمح بالتغذّي من دون التعرّض للتعقيدات الاجتماعية التي تحيط بالوجبة التقليدية، لكنه غذاء مفرغ من بعده الجماعي، وسلوك غذائي يميل إلى الاختزال والتهجين.

    وقد أثار سعد سرحان في كتابه "ديوان المائدة" مسألة "تنميط" الغذاء المرتبط بالعولمة أو "الأمركة الغذائية"، قائلا: "لقد نجحت أميركا، وهي ذات مطبخ طارئ، في أن تحوّل أكلة ملفّقة إلى اقتصاد قائم بذاته، وذلك بفعل دهاء طبّاخيها (هل هم طباخون فقط؟) الذين يتصدّر الماركتينغ قائمة مواهبهم القصيرة جدّا".
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    بريوات إلى المغرب..!
    حبيبة العلوي


    أمّا هذه فـ”بريّة”* إليك..

    لا يبدو ترك كلّ تشكيلات المطبخ المغربي والكتابة عن “البريوات” مندرجًا في باب المنطق.. ولا حتّى في باب الذوق “العام” ولا اللباقة..

    غير أنّني لطالما اعتقدت أنّ للعشّاق منطقًا مغايرًا عن العامّة.. وسننًا شاذة عن سنن وشرائع القوم..

    في آخر يوم لي في المغرب.. أهديتني قطعة بريوات حارّة.. وعلّمتني كيف يؤكل الطاجين المغربي برؤوس الأصابع.. دونما حرج.. ودونما حاجة لحواجز بروتوكوليّة باردة..

    كانت النّساء تفترشن ذلك الطّريق المؤدّي إلى المدينة القديمة بـ “كازا”.. تلك العاصمة التي تمرّ عليها اضطرارًا.. بعد أن تخطفك العواصم المغربيّة العتيقة.. العتيدة..

    “كنّ يسمّونك بريوات”.. قبلها بقليل قلت لي.. ثم سحبت قطعة البريوات من تحت إحدى المناديل الملوّنة.. التي كانت تستر الأكلات الخفيفة التي تعرضها تلك النّساء المنهكات في قفف ليفيّة.. لا أعرف كيف كنّ يتحيّلن للحفاظ على حرارتها اللافحة..

    أمسكت بها جيّدا واستدرت بكلّك إليّ وقلت:
    “هذه هي البريوات.. ذوقي.. ”

    * * *

    لم تكن الدّهشة متعلّقة بفذاحة المذاق ولا بغرائبيّة الشكل.. فليست البريوات بشكلها الظّرفي المثّلث ولونها الذهبي بالبعيدة عن البوراك الجزائري أو الصمصا..

    كان للأمر ربّما.. علاقة بغصّة السّاعات الأخيرة قبيل الرّحيل..

    كان لخلطة الفيرميسيل (الفداوش أو الشعيريّة) بالجبن الذّائب في الطّماطم المتبّلة نكهة ممزوجة بحرج اللحظة.. عندما أردت أن تعرّفيني على وجهك الآخر.. الممسوح من متعلّقات الكذب السياحي اللابدّ منه..

    لا أحبّ الأخلاق السياحيّة.. لطالما ردّدت ذلك مفتخرة أنّ للجزائري طبع بعيد عنها بحكم خطأ استراتيجي فقط في التربية.. غير أنّي تعوّدت على تحمّل شروط هذه الأخلاق كعقد سياحي لابدّ منه إذا ما أردتَ أن تستمتع بالرحلة.. بأي ّ رحلة..

    لا أعرف إلى أي مدى مارست عليّ ذلك النّوع من الكذب الذي يسمّي شطارة..

    لكنّي مازلت عالقة.. أعترف.. بذلك الكمّ من الصّدق الذي لم تستطيعي كبته في اللحظات الأخيرة..

    تشبه النهايات البدايات في حرجها..

    لا أعرف كيف يمكن أن يتحمّل زائر للمغرب الدار البيضاء بعد أن يمرّ بمرّاكش.. تلك الدّار الحمراء التي تغرقك في حرارة الشّوق.. والشّعر.. والعشق..

    غير أنّي عرفت كيف أتحمّل البياض بعد وهج مراكش وأسرها.. تعلّمت كيف أداول مزاجي على أمزجة المدن.. وفي كازا ستلتقي بمزاج مغربي آخر.. أكثر قساحة وأقل راحة..

    مزاج تفرضه الأرصفة النهاريّة المهملة.. والشوارع الليليّة المريبة.. غير أنّ لكلّ مدينة في المغرب جانبها المقدّس..

    وقد حدث أن تعثّرت بهذا الهامش عندما مررت غير قاصدة بمقام “بليوط”، وليّ المدينة الذي قيل أنّه كان يجيد ترويض الليوث فسمي تخفّفا “بليوث” إلى أن صارت “الثاء” إلى “طاء” بحكم قساوة انصراف الزمن..

    تمامًا كما تعثّرت بصدقك الممزوج باعتذار صريح عن الكذب.. مفضوح في تفاصيل انحناءة العينين لدى كلّ لقاء صريح بيننا..

    ونحن بالمطعم الشّعبي المحاذي لباب مرّاكش بالبيضاء.. كنت تغمسّين أصابع الفرح في طبق الطاجين اللاسع.. وتتذكّرين قعدتنا الأرستقراطيّة بحديقة ماجوريل بمرّاكش** حيث صفّق لك أحد المغاربة الجالسين إلى طبق طاجين آخر عندما لمحك تأكلين الطاجين على الطريقة المغربيّة.. دونما عقد..

    أحببت مرّاكش كثيرا أنت “الكازويّة” المنهكة بالصّخب.. وأحببتُ مرّاكش لأكثر من سبب.. غير أنّ أكلة الطاجين الرخيصة بذلك المطعم الشّعبي بالبيضاء وسط ثرثرة النسوة المرهقات من التبضّع من السوق المحاذي وهرج الرجال المنحدرين من أكثر من تعب.. لا يمكن أن تقارن.. بقعدة رضيّة بمراكش..

    .. كان لها سحرها الخالص.. تلك القعدة البسيطة.. المعجونة بالندم..

    “كنّ يسمونك بريوات”..

    صديقاتك اللواتي زاولت معهن دروس الطبخ المغربي.. قلت لي قبلها..

    أنّك تعهّدت قبيل ذلك الامتحان الفصلي أن تتكفّلي عنهن بتحضير طبق البريوات.. على أن تتكفّلن هنّ ببقيّة الأصناف المطلوبة الأكثر تعقيدًا بمراحل.. أكملت تجهيز الكميّة المفروضة بالبيت.. غير أنّ جوعًا ما.. أو نهمًا ما.. أو سفها ما.. بعد منتصف ليل جعلك تتردّدين على قطع البريوات واحدة واحدة إلى أن صحوت على.. صينيّة فارغة..
    مقلب طريف كلّفك التصاقا حتميّا بهذا الاسم..
    “بريوات”..!
    “بريوات”..!

    لا أعرف مدى فداحة أن تنسب لأكلة بسيطة وشهيّة.. ولا أعرف حقّا مدى علاقة مفردة “بريوات” المغربيّة.. بمفردة “بريــيّات” الجزائريّة.. غير أنّي مازلت أعتقد أن ثمّة علاقة شكليّة ما.. أو لسانيّة ما.. أو حميميّة ما.. بين مفردة بريّة بالجزائري و”بريوات” بالمغربي..

    لأجل كلّ هذه الالتباسات العاطفيّة.. كانت هذه.. بريّـتي إليك..

    الجزائر، في 05 ماي 2017


    * والبريّة بالجزائريّة “الرّسالة”.. حتى أنّه يردّد في أغلب أغاني الراي هذه الجملة: “لا بريّة لا تليفون”..!



    ** تسمى حديقة ماجوريل نسبة لاسم بانيها الرّسام الفرنسي جاك ماجوريل (Jacques Majorelle)، الذي شرع في بنائها سنة 1929، تتميّز بلونها الأزرق الكثيف المشّع الذي أبدعه ماجوريل ليصبغ به فيلا الحديقة، افتتحها للجمهور سنة 1947، ومن يومها صرنا نسمّي هذه الدرجة من اللون الأزرق: “أزرق ماجوريل” نسبة لهذا الفنّان وحديقته.


    * عن موقع نفحة
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أصل الحريرة!
    حميد زيد

    على عكس ما يظنه المغاربة، فالحريرة لسنا من طبخها أول مرة، ولا نحن أول من فسخ حمصها، بل هي طارئة علينا ودخيلة ومدسوسة، وكانت سببا من أسباب سقوط الأندلس.
    فإلى غاية القرن الثاني عشر لم نكن نفطر بها في رمضان، ولم تتربع على عرش مائدتنا، إلا بعد وقوع الفأس على الرأس.
    وقد حدث ذلك، حين أهدى ألفونسو الثامن جارية قشتالية شقراء وفاتنة الجمال إلى والي قرطبة، بعد سيطرة الموحدين عليها.
    وقد سر بها الوالي أيما سرور، وصار يفضلها على زوجته، ويختلي بها لأيام، ويهديها الديباج والحلي التي تأتي القوافل محملة بها.
    إلا أن جمال الجارية القشتالية كان يخفي مؤامرة تحاك في السر ضد المسلمين، بتواطؤ مع الفرنجة والكنيسة، حيث اختاروها بعناية بين مئات القشتاليات اللواتي كن يسلن لعاب العرب والمغاربة، وعلموها الرقص، وفنون الغنج، والشعر والطبخ، ولقنوها مقادير هذه الشوربة الخطيرة.
    وفي يوم من أيام رمضان، كان والي قرطبة يتفقد حريمه، ويتبعه عبده كظله، إذ شم رائحة نفاذة ومخدرة، فأمر العبد أن يأتيه بمصدرها، فتبعها الأخير بحاسة شمه القوية والمدربة، إلى أن وجد نفسه في غرفة جاريته واقعا في الفخ الذي نصب له من طرف النصارى.
    وعلى غير عادته، ومنذ أن تذوقها، لم يعد يفطر مع أولاده وزوجته، ولم يعد يرضى بالبرقوق الأندلسي والرمان والتمر والحليب والكسكس، كما أنه أهمل أحوال الرعية. وقضى كل رمضان عند جاريته القشتالية، منبهرا بتلك البرمة العجيبة التي كان يطبخ فيها ذلك الحساء.
    وبمجرد أن يشربها، كان الوالي يشعر بخدر، ورغبة في النوم، أما حين يستيقظ، فكانت رغبته تزداد اشتعالا، ويزداد هيامه بجاريته، فينام معها إلى الفجر، ولا يشبع منها، بينما كانت القشتالية الفاتنة، تنفذ خطتها كما رسمها لها القساوسة، وتتدلل له بطريقة النصارى، وبينما الناس صيام، كان هو في سريرها، وكلما طبخت برمة حريرة جديدة، زادت من كمية الكرفس، بهدف تهييجه أكثر، وتنويمه، وإبعاده قدر المستطاع عن دينه، وعزله عن خليفته الموحدي، وإلهائه عما كان يطبخ للمسلمين في السر. هكذا ظلت الحريرة تتغلغل، وتفسد الطباع والعقول، وكلما جاء رسول من المغرب، كان الوالي يقدمها له، وعندما يعود، كان يخبر الخليفة المنصور بأمرها، وبلذتها، وبوجود حمص فيها، وكزبرة، وطماطم، وكرفس، كما انتشر صيتها في إشبيلية وغرناطة، فأصبح الإقبال عليها كبيرا، ولم تعد تخلو مائدة منها، وفق الخطة المرسومة بعناية. وأثناء ذلك، كان ألفونسو والقساوسة قد كونوا فوجا جديدا من أجمل الجواري القشتاليات، وعلموهن طريقة إعدادها، ثم أهدوهن إلى ولاة الأندلس، وأرسلوا أخطرهن إلى الخليفة، الذي سبق له أن بعث كتابا لولاته يطلب فيه منهم أن يرسلوا إليه على جناح السرعة أبرع طباخة للحريرة في كافة الأندلس، وكان الوقت حينها شهر شعبان، فوصلت إليه في مع ظهور هلال رمضان، وزادت على الكرفس سمنا، وأضافت إلى الحريرة كوزة (جوزة الطيب) مدوخة، وفق التعليمات التي تلقتها من النصارى، الذين توصلوا إلى أن الكرفس وحده لا يكفي، لهزيمة المغاربة والعرب، فأضافوا إليها الكوزة، مستعينين بكتاب سري لحكيم اليونان جالينوس، فتذوقها الخليفة، وأدمن عليها، وكان يغط في النوم، ليسرقها الخدم والعبيد، ويملؤون منها القدور. ومع الوقت، صارت منتشرة في المطبخ المغربي، واقترنت برمضان، وزاد نعاس المغاربة، وزادت رغبتهم في الاستلقاء، كما ازداد شعورهم بالراحة والطمأنينة، وتكاثروا في تلك الفترة من التاريخ، دون أن يفطن أحد منهم إلى دور الكرفس في ذلك، رغم وجود كثير من الكتب التي كانت تحذرهم من أن تلك البقلة “تحرك الباه مطلقا ولو بعد اليأس”، فانتشر داء الكسل، وانتشر الأطفال المشردون، وكانت المرأة تنجب كالأرانب. وانتشر الفجور وظهرت الخلاعة، خاصة بعد أذان المغرب. وبعد أن نفذت الجواري القشتاليات مهمتهن بنجاح، وطبخن لنا الحريرة التي ستقضي علينا، عدن إلى ألفونسو في الليل، تاركات آخر برمة حريرة تغلي، ولجأن إلى دير بعيد عن سلطة الموحدين، وهناك تمت مكافأتهن، واعتبرتهن الكنيسة “بنات الرب”، ومنهن من صرن قديسات، مازال المسيحيون يتبركن بهن إلى هذه اللحظة.
    وفي تلك الفترة، بدأت علامات انهيار الدولة الموحدية تظهر للعيان، فلمع نجم ابن أبي الطواجين، وصار المرينيون على بعد خطوات من الوصول إلى الحكم، وكلما كانت الحريرة بالكرفس تتغلغل في بطوننا، كان خروجنا من الأندلس يقترب خطوة، إلى أن فقدناها وطردنا منها، ومنذ ذلك الحين ونحن نبكي مثل النساء ملكا مضاعا لم نحافظ عليه مثل الرجال.
    ولا ندري اليوم أن السبب كان هو الحريرة، وفي كل رمضان نشربها، ونتخدر، وندوخ، ونظن أنها نتاج خالص للمطبخ المغربي، مثلها مثل الكسكس، بينما هي دخيلة، دستها في مائدة إفطارنا قشتاليات شقراوات خدعننا وسحرن ولاتنا بطبخهن وجمالهن، ففقدنا فردوسنا، بينما لم يحتفظ النصارى بالحريرة، لأنهم كانوا على علم مسبق بأثرها المدمر، ودورها السلبي في أفول الدول وزوال الأمم.

    * عن زمان
     

مشاركة هذه الصفحة