1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

المليونير

الموضوع في 'قصة قصيرة' بواسطة عبدالعاطي طبطوب, بتاريخ ‏1/12/16.

الوسوم:
  1. عبدالعاطي طبطوب

    عبدالعاطي طبطوب مشرف مجلة مطر طاقم الإدارة

    تساءل رواد مقهى السعادة الصباحيون عن سر الرجل البئيس الذي كان يجلس القرفصاء عند مدخل العمارة المقابلة. ظل الرجل في مكانه على الأسفلت حتى عندما تخلت عنه باكرا أشعة شمس الشتاء، وسلمته إلى برودة المساء، وبالكاد سمع بعض من دنوا منه عبارة "إنا بخير"، في حين أقسم الآخرون من الذين رفع إليهم وجهه ورؤوا عينيه أنه مشروع مجنون.
    طردوه من العمارة صباحا.. علق النادل. لقد أخرجوه. ثم لم يضف شيئا آخر. ولم يكن يعرف في الواقع شيئا آخر غير رؤيته لبواب العمارة وهو يدفع الرجل البئيس ليخرج. لذلك فقد اكتسى مدخل العمارة أهمية بالنسبة للمشفقين على الرجل وللفضوليين وللمارة، وتفحص الجميع البطاقات المعدنية الصفراء التي كانت تصطف عموديا على يمين الباب الكبير: طبيبة نساء، محام، وطبيب أسنان.
    كان السيد ابراهيم (وهو اسمه) واحدا من الناس العاديين الذين يمكن أن تلتقي بهم في الطريق ويبتسمون وقد يبتدرونك بتحية الصباح والمساء. وإذا كان لا يحب رئيسه في العمل أو حماته التي يقطن في بيتها، فإن ذلك لا يجعل منه انسانا غير طبيعي، مثلما لا يجعله طول قامته البين ونحوله مخلوقا غريبا. ولن نبالغ إن قلنا أن السيد ابراهيم كان شخصا مسالما حد الضعف، يتقبل ملاحظات مديره مثلا بكثير من سعة الصدر نفسها التي يتحمل بها الكلام المسموم لحماته عندما يعود إلى البيت.
    يتمدد ابراهيم في المساء بطوله ليشارك العجوز وزوجته تتبع مسلسل تلفزي تافه يكرهه. يفكر في البداية بتفاهة اهتماماتهما، ثم لا يلبث أن ينخرط في التعليقات وكفه تمتد إلى صحن الذرة.. وتمضي الأيام والليالي. لكن صباح الخامس من أكتوبر جاء ليقلب الموازين عندما توصل بمراسلة من أحد المحامين تخبره عن إرث كبير من أحد أقاربه.
    انصرف بتثاقل عندما حل الظلام أغلب زبناء المقهى وهم يتحسرون لعدم تمكنهم من معرفة سر الرجل، ورمقوا الباقين بنظرة حسد لأنهم سيعرفون القصة. أغلق البواب باب العمارة فرفع ابراهيم رأسه الذي كان يحشره بين ركبتيه. انتبه عندئذ إلى قطع النقود التي تجمعت عند قدميه. تناول منها حفنة وهو يضحك، فتحركت أعناق المتابعين وجفونهم تتحقق من المستجد. سمح ابراهيم وببطء شديد كما في الأفلام لقطع النقود لتسقط الواحدة تلو الأخرى، وأخذ حفنة أخرى ثم وقف:
    - أنا مليــــــونيـــر
    صرخ الرجل، وتقدم ليعبر الشارع دون اكتراث للسيارات والسائقين، ولكنه توقف وسط الطريق عندما تناهى إلى سمعه سبابهم له، وقذف باتجاههم ما بكفه من نقود. ممكن؟ سأل صاحب أول طاولة في المقهى كأنه يطلب إذن مشاركته كأس الماء، ولكنه رفع الكأس وأفرغه في جوفه وعلى جنبات فمه وبذلته.. ورحل بخطوات متباعدة.
    ظل السيد ابراهيم طيلة يومين من تسلمه الرسالة شاردا يفكر، ولم يهتم لمديره ولا لزوجته ومضايقاتهم له. وفي صباح اليوم الثالث طرق باب غرفة المدير، فكان استقبال هذا الأخير باهتا شأنه شأن كل المتكبرين. دنا منه ابراهيم في تلك اللحظة، وطبع على خده السمين صفعة تردد صداها في كل أرجاء الادارة ممزوجا بتهديدات المدير. لقد قدم ابراهيم استقالته. وعاد إلى البيت حيث استقبلته حماته لسوء حظها كذلك بسيل من أساليبها الماكرة في الاستهزاء.. فنالت حظها من كرمه ذلك اليوم. قال إنها بقرة وأكلت ماضيه وحاضره ولن يسمح لها بهضم مستقبله. ثم رحل.
    كاد ابراهيم يطير فرحا وهو يصعد سلم العمارة قاصدا مكتب المحامي، وانتظر منشرحا دوره ليقابل صاحب البشارة الذي سيفتح له على مصراعيه باب حياة جديدة ترمم ما بقي في روح الرجل الخمسيني من أمل وحلم بالسعادة. ثم جاء دوره. وبين أخذ ورد ومجاملات وترحم على روح الفقيد، سكت المحامي فجأة واختفت أو تضاءلت بسمته. تحدث الرجل عن عما سماه تفصيلا بسيطا.. تعوذ معه في سريرته ابراهيم من سوء المنقلب. ليتضح أنه شرط:
    أن يكون الوريث قد استقر ما لا يقل عن ثلاث سنوات من الزواج والعمل. وانتهت المقابلة وتحطم الحلم وضاعت حياة ابراهيم..
    وإذا ما رمتك الحياة يوما ما لتمر بجانب مقهى السعادة، أو غير بعيد عنها في السوق القريب، فلابد أن تحتاط من رجل طويل رث الهيأة القامة يصفع الناس، أو يمد أصبعيه ليتسلم منك سيجارة. أو ربما يصعد برفقتك سلم العمارة المعروفة إذا تمكن من مراوغة البواب.. وقد يبتسم لك ويحدثك عن ملايينه وهو يقدم إليك ورقة قديمة عليها موعد الخامس من أكتوبر لمقابلة المحامي.
     
  2. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    ضحية قدر لا يرحم، قدر ساخر أبى إلا أن يزيده مذلة على مذلة، وكأنه يقول له: كان عليك أن تكون رجلا تواجه سباب المدير والحماة، بدل أن ينتظر حظا لينتفض.
    سرد مشوق، وبداية ترتبط بالنهاية، ما منح النص شكلا دائريا جهنميا.
    مودتي
     
    أعجب بهذه المشاركة عبدالعاطي طبطوب
  3. عبدالعاطي طبطوب

    عبدالعاطي طبطوب مشرف مجلة مطر طاقم الإدارة

    شكرا صديقي العزيز عبدالرحيم على القراءة والاغناء.. فعلا لقد سعيت إلى أن أربط البداية بالنهاية وأجعل فقراته متداخلة.
    مودتي
     
  4. حبكة النص جميلة وسخرية القدر بارعة، بدت لي بعض الجمل بحاجة إلى تكثيف يشغل تفكير القارئ .
    تقبل مروري .
     
  5. سعيد ماروك

    سعيد ماروك عضو جديد

    قرأت هنا سردا آسرا يجبرك على إتمام النص ولو لم تكن ترغب في ذلك.
    أعجبتني " طردوه من العمارة صباحا.. علق النادل. لقد أخرجوه. ثم لم يضف شيئا آخر"
    أنت رائع يا طبطوب..
    تحيتي ومودتي
     
  6. توفيق بن حنيش

    توفيق بن حنيش عضو جديد

    قصة الشخصية توسلت حكاية طريفة ...شكرا لكاتبها
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة