1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف العشق الاول

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏9/11/16.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    ( وَللنّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ)
    هذا عجز بيت ينسب غالبا لابي فراس الحمداني صدره (و منْ مذهبي حبُّ الديارِ لأهلها ) من قصيدة مطلعها (أبِيتُ كَأني لِلصَّبَابَة ِ صَاحِبُ)، وهو شطر تكاثر عليه الشعراء كما يقول النقاد، حتى عمت شهرته وبات يضرب به المثل ، وقد اقتبسه العديد من الشعراء ولعل اولهم الحارث بن حلزة في بيت له يقول فيه:
    فعُلِّقْتها شمطاءَ شاب وليدها = وللناس فيما يعشقون مذاهب
    والعشق غير مقصور على لون او باب معين، هنا نعرض للعديد من ابواب العشق والحب كالكتاب والنساء والرياضة وكل ما يتعلق به قلب المرء
    وللشاعر حمدون بن الحاج المعروف بابن الحاج- ( 1336م) بيت اخر جاء فيه
    وللناس فيما يعشقون مذاهب = وحكمة ربي في اختلاف المذاهبِ


    متابعة شائقة وقراءة ماتعة
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الحبّ الأول
    ماجد بوشليبي


    يقول هنري مللر إن الكتاب السيئ كالعلف الرخيص، بمعنى أنه لا يقدم كثيراً لقارئه، فالقارئ يتوقع من الكاتب والكتاب الكثير، فالوقت الذي سينفقه في قراءة الكتاب مهم جداً في إكسابه ثقة ما، تجاه فعل القراءة إلى حد بعيد، وكثير من الكتّاب يقولون إن الجيل الجديد قد فقد حماسه تجاه القراءة، وأثرت عليه وسائل التكنولوجيا الحديثة، وهذا حقيقي إذ أظهرت دراسة أجريت مؤخراً في المحيط المحلي تؤكد أن 88% من الذين أجريت عليهم الدراسة يقولون بهذا، وأن الإنترنت والأجهزة الحديثة قد حالت دون وجود القراء التقليدين، لكن هذا لا يتعارض مع مفهوم أن الكتابة الجيدة والمضمون الجيد عامل مؤثر في فعل القراءة، إذ إنه في ذات الدراسة تقول إن الواقع الثقافي ينقصه المزيد من الإبداع والمزيد من المضمون الجيد، حيث صوّت 60% من المشاركين فيها لصالح افتقاد عامل المضمون الجيد في العزوف عن القراءة رغم شهرة الكاتب، والأسباب في هذا كثيرة ولا معنى للكثرة إذ يكفي أننا نجد في الشبكات الاجتماعية دليلاً على ذلك في الدعوات إلى الكف عن جعل الكتاب والإعلاميين السيئين مشاهير على حساب جودة المضمون الإبداعي والثقافي، في ذات الدراسة توقع المبدعون من المؤسسة الثقافية أن تقدم لهم التدريب، وأن تتبنى منتجهم الإبداعي إضافة إلى التفرغ للكتابة، وبغض النظر، فمازال الأمر متعلقاً بالقارئ رغم النية الصادقة من حاجة الكتاب إلى تجويد الأدوات واستكمال عناصر النشر الأخرى، وخاصة الوكالة الأدبية ووجود المحرر الأدبي.


    كثير ممن ارتبطوا بالقراءة كهواية صاحبهم، في بداية حياتهم، مؤلف معين أو كتاب ما، ترك في ذاكرتهم ما يشبه أثر الحب الأول الذي يحضر في ما بعد، في تجارب القراءة كلها، وربما كان المنتج الإبداعي، فيما بعد، جزءاً من تلك القراءات الأولى، الحب الأول أو الكتاب الأول لا يرتبط بذكريات المدرسة، وإنما العادة حيث تكونت ونشأت، فقد تكون الأسرة وقد تكون المدرسة وربما الأصدقاء، أو المصادفة وحدها هي من صنعت روح القراءة في شخصياتنا، فالكتاب لا يعد وسيلة معرفية فحسب، وإنما يتحول من دون إدراك منا إلى بضع منا نتصرف وفق ذكرياتنا عن تلك التجارب الأولى في القراءة، لذا فإن تجارب القراءة الأولى المتاحة مهمة في التأثير على نسق ما نقرأ في ما بعد، ويسهل ذلك في الاعتماد على انتقاء ما نقدمه لأطفالنا من خلال اختيارات تشدّ من أزر اللغة المحكية والمقروءة والفكر والخيال، وحتى في مرحلة متقدمة في اختيار الكتب، علينا أن نهتم بكلاسيكيات الفنون وتجربة القواعد من المعارف وتنمية الذائقة، فأنيس منصور قارئ نهم بل تنوعت مكتبته وقراءاته واتسعت ليكتب كتباً لخص فيها بعض ما قرأ، كذلك هنري ميللر له مقال كان يحكي فيه سيرة ذاتية له من خلال ما كان يقرأ، ويشير في كتابه «الكتب في حياتي» إلى أنه في هذا الكتاب كان يسعى إلى وضع لائحة بخمسة آلاف من الكتب، لولا أن ذلك كان سيضخم حجم الكتاب وتكلفته، وكان عليه في ما بعد، كما يقول، أن يقرأ أقل فأقل، ينتقي أكثر ويقرأ أقل.
    _______
    *المصدر: الخليج الثقافي
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الحبّ الأول
    صالح العامري

    كنتُ صبياً صغيراً حينها، منقلاً جسدي النحيل بين الحارة التي يقطن فيها والداي، والحارة الأخرى التي تسكن فيها حبيبتي، بدعاوى اللعب مع الأصدقاء هناك، والسهر معهم بُعيد صلاة العشاء، لساعة أو ساعتين على أكثر تقدير، إذ عليّ أن أعود بعدها سراعاً، مندفعاً مثل شبح يسبح في ظلام القرية وحلكتها ونباح كلابها وصرارات ليلها، كي لا تقترب من ظهري عصا الأب الغليظة، والتي اقتربت مني قبل ذلك فعلاً، عندما كنت أنسى أو أتناسى أمر قسوتها الجائرة النازلة لا محالة عليّ، حين كنت أتمادى في طيشي الطفولي الذي يعانق الزمن الخاص المنفلت من حسابات الآخرين وأوقاتهم المقننة، مستمرئاً الوقوع في لحظات زمني الشخصيّ الجارفة، ومتأخراً عن الإياب الصارم، في استسلام لمصيري القادم.

    كانت المشاعر البريئة أشبه بهالة من نور. وربما – كما في الأفلام- كان ثمة موسيقى تصويرية تحفّني وتتعقب خطواتي، موسيقى بالغة الرومانسية تغترف ألحانها من قيعان أزلية، تلفحني وتتمسح بي وتتفتّح على كائن يغوص عميقاً في مياه النهر، متلذذاً بالغرق والفراشات المتخيلة والخرير الناعم.
    كان مجرد الاقتراب من الحبيبة، أو التنفس في محيط دارها، أو التمرئي في ناظريها من بعيد يفعل فعل السحر، ويشدّ الفتى إلى مغناطيس أو صاعقة، ويكثف العالم والكون في كلمة من كلماتها وفي التفاتة غنجة طفيفة منها، وفي ابتسامة غضّة في عينيها، لم ترتسم بعد أو تتشكل على شفتيها الصغيرتين.
    أتذكر الآن تلك الرحلة اليومية المجنونة، ومحاولة تأسيس خلاص شخصيّ في ذات أخرى، (حين لا خلاص أبدا)، ومعانقة روح شهيّة تعتصرك وتشدك وتغْنيك وتغذيك وتحنو عليك وتعذبك وتتخطّفك في حالها وأحوالها، وتستغرقك حتّى تلفظ آخر نفس في حياتك. وهي الرحلة التي ستوتّر وشائجك وقوسك إلى أبعد الحدود وأرهفها، وتطوّح بك في براري الشعر ومنافيه، حتّى ينقطع الحبل وتتزوّج الحبيبة وتتدثر أنت بعباءة الحزن والانكسار والجرح الثخين، وتمضي بعيداً في طريق الآلام، نافضاً- أو مدعياً ذلك- تلك التجربة التي ساطتك أكثر من سياط والدك، والتي قرّحت روحك أكثر مما تفعل الكُلابّات والمطارق الحديدية بالجسد.
    ربّما تكون تلك الصبية الفاتنة هي حبي الأول، وأنا أدور في نداءاتها الآن وأتضرع في حضورها الناعم وسخائها الفذ. لكنني إذ لا أملك برهاناً على جبهتي ولا دمغة على ظهري تدل أو توضّح شيئاً من أمر تلك الذات المتشظية التي كنتها أو تكشف بمصباحها ذلك الكائن المتهوّر الذي في داخلي، والزاحف نحو حتفه الوشيك، فقد لا تكون تلك الفتاة هي ما يمكنني أن أطلق عليه تلك الصفة، أي (الحبّ الأول)، هذه الصفة التي أشمّ فيها رائحة التملك الغادر وأبصر فيها طفح الأنانية، (فالمسألة برمتها ليست شيئاً يمكن أن أصفه بأنه أوّل أو أصمه بأنه أخير). ولهذا- حتّى لو كانت تلك الفتاة الجليلة باعثاً لي وسبباً لمظاني ودروبي كلها، السالفة منها والقادمة، البادئة منها والخاتمة- فإنني لا أستطيع أن أحيد عن بواطن قديمة ضربتني، والتملص من أشياء حلّت بي وبالقرية، مارست عليّ أدوارها، وراودتني، وأحدقت بي، وأخذتني معها على صهوة جوادها الهارب، وعليّ الآن أن أستحضر قدوماتها وهجوماتها الباكرة، لعلني أشفى من جرح قديم، أو ضياع أسلمني إلى كهوفه ومغاراته ومتاهاته.
    وكما لو أنني نافخ في بوق البرية، أو في مزمار اللوعة، أمام ذاتي المنتصبة كأسًى يتيم، أو على مرأى من جميع الخلائق والأشهاد، سواء كانت تلك المرأة لا تزال تمشي جميلة كعادتها على التراب، أم ترقد مضيئة في قيعان الأرض وفيافيها الموحشة، «أيها الجمال الأخضر أيمكن أن تموت؟- بيير جان-جوف»، فإنني أودّ – ليس بين مصدق ومكذب، وليس بين راضخ أو جاحد – أن أهمهم بين «لعل» و«عسى»، وبين «قد» و«ربما»، بأن حبي الأول لم يكن امرأة، بل ربما كان شوكة غابرة سدّدتْ ولهها إلى خاصرتي. ربما كان حبي الأول، وقبل أن أعرف تلك الفتاة بكثير، ذلك الدمّل الخبيث الذي حاصر الجانب الأيسر من أرنبة أنفي، أو لعله كان ذلك السلطعون الذي عضّني في احد خيران القرية في رحلة صيد سرطانات البحر بمعية رفقتي الصغار.
    ربما كان حبي الأول تلك الغيبوبة التي داهمتني وأنا في العام الأول من ولادتي، والذي ألجأ خالتي لكي تعد لي كفناً، بينما كانت أمّي التي حلت بها كارثة وحاصرتها قيامة، تُصِرّ بشكل جنوني على انتزاعي من تلك الغيبوبة وهي تلجأ حيناً بشكل يائس إلى أعواد الثقاب لكي توقظني بإشعالها وغرسها في مفرق حاجبيّ، أو بدلق شيء من ماء الجرّة البارد على وجهي حيناً آخر.
    ربما كان حبي الأول تلك الياسمينة العارية التي أغوتني بحنينها الأبيض وفوحها العجائبي، أو ذلك الغراب الذي سرق من يدي التمرة المدلوكة والتي كنتُ أنوي تناولها أوان العصر المذهب بزنّار الأرياف.
    ربما كان حبي الأول ذلك الحريق الزاعق الذي صفع القرية في مطلع السبعينيات، والذي أتى على أكواخها السعفية وأبقارها وقططها وحملانها وجرارها وحصرها القديمة، ولم يذر فيها غير روائح الرماد القاسي ومباهج الأطفال الراكضين، الذين يظنون الحريق عيداً أو كرنفالا سحريا.
    ربما كان حبي الأول تلك الحُمّى التي هاجمتني عندما كنتُ طفلاً ألثغ بنجمة الراعي، أو تلك الحيّة التي وطأتُها –أكبر الظن- بدراجتي، إن لم تكن قد تسللتْ من إحدى العجلتين بأقل من ثانية، بعد أن أغمضتُ عينيّ حال أن تقاطع طريقها مع طريقي في السكة الملتوية، رافعاً – إثر قشعريرة خوف مفاجئة – كلتا قدميّ إلى أعلى، (حيث رفعتُ قدمي اليسرى عن معشّق التروس، وقدمي اليمنى عن متكأ القدم في الدراجة)، ممدِّداً ساقيّ إلى الأمام، في هروب بشري مضاعف على آلة ركض معدنية.
    ربما كان حبي الأول جنية كانت توشوش أذني وتلقي في روعي بأنها ليست من الجبل الغامض، بل قادمة من البحر، تماماً مثل تلك السهام التي أطلقها الصيادون على الغزالة من ناحية البحر.
    ربما كان حبي الأقدم شجرة غاف أو سَمُر أو قرط كانت خراف عائشة ونعاجها ومعيزها تسرح وتمرح وترعى تحتها وإلى جوارها. أو ربما تلك الموجة الزرقاء التي حاولت أن تبتلعني وأنا أساعد الصيادين في سحب قارب المعلّم (برّوك الغوظ) كي يستقر على الشاطئ في رحلة صيد الأسماك ذات صباح باكر.
    ربما كان حبي الأول صخرة أحاول دحرجتها عبثاً، أو وطناً مسوّفاً محزوماً في لعابي، أو أمّاً مسافرة في قلبها إليّ، أو سمكة تنفض فضتها في أشواقي، أو نخلة هيفاء تقرّب إلى أنفي، وأنا نائم أحلم بها، روائح طلعها المقدس ورطبها الجني.
    ربما كان حبي الأول موتاً تجاوزني، أو حياة منقلبة ومتدحرجة تشبه ملامحها فتاة ما، خزّنتني في بوصلتها الماكرة، وفي جهاتها المتحولة، فتاة لم أرها ولم ألتقيها حتى هذه الساعة.
    ربّما كان حبّي الأول صفحة بيضاء كالتي في فيلم سينمائيّ، أو زاوية حادّة تنبعث فيها عزلتي الذهبية أو دمعتي السخينة التي تفيض بالحنين إلى شيء غامض أو موارب عنّي.
    ربما كان حبي الأول شاهدة قبر لا مرئية، ترتعش بالوجد، وتصطكّ بالذكرى، تتضور جوعاً كي تفتـتها العاصفة وتتحرق عطشاً كي ينهبها الطوفان.


    _______
    *جريدة عًمان
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    معلمنا الأول
    يحيى القيسي


    استيقظت شهيتي للقراءة في طفولتي على مكتبة صغيرة لأخي الأكبر في بيتنا تضم بضع روايات لنجيب محفوظ، من بينها “ميرامار” و”ثرثرة فوق النيل” و”قصر الشوق” و”السكرية” و”الطريق” وغيرها مما لا أذكر اليوم، وقد جذبتني حكاياتها فالتهمتها بسرعة، ولفتت انتباهي أيضا تلك الرسومات التعبيرية لبعض أحداثها، وقد كان الأمر تقليدا كما يبدو في تلك الأيام، أي وضع رسومات مع الأعمال الأدبية الشعرية والسردية ، سرعان ما اندثر لاحقا .

    فيما بعد نضجت تجربتي القرائية فعثرت في مكتبة مدرستي على روايات أخرى لمحفوظ، واجتذبتني لاحقا روايته المثيرة للجدل ” أولاد حارتنا ” وشخصياتها العميقة بأسئلتها الحائرة التي كانت تدور في فلك ” الجبلاوي ” الجد والرمز الذي اتخذ جانبا أسطوريا لم يتركه نجيب محفوظ على حاله من الغموض بل جعله يموت مثل بقية البشر، وربما لأجل التأويلات الكثيرة التي دارت في مصر حينها، واسقاط الأمر على الفلسفة الدينية جعل محفوظ يطبع الرواية في لبنان البلد المتحرر فكريا، والمتنور حضاريا بداية الستينات، وستمر أربعون سنة تقريبا حتى تسمح مصر بطبع الرواية فيها عن دار الشروق عام 2006 .
    وبالطبع مثلما كان محفوظ محفزا لنا على القراءة واكتشاف لذة السرد في رواياته، فقد أسهم أيضاً في تجربة الكتابة لأجيال عربية عديدة، بشكل أو بآخر، كما أنه بالضرورة أصبح منبعا مهما للنقاد وطلبة البحوث الأكاديمية والتحليل الأدبي في معظم الجامعات العربية، وروابط الكتاب والأدباء، لا سيما بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام ،1988 كأول عربي يكسر النحس الطويل لهذه الجائزة عربيا، ويبدو أن محفوظ أغلق الباب خلفه، فقد مرت سنوات طويلة منذ ذلك التاريخ، والعرب في غياب عن هذه الجائزة العالمية رفيعة التقدير .
    مسألة أخرى نتذكر فيها معلمنا الأول محفوظ، وهي محاولة اغتياله بطعنات غادرة من قبل جاهلين متطرفين في أكتوبر من العام 1995 على أساس أن الرجل المسالم الأديب الفذ “كافر وزنديق” ينشر أفكاراً إلحادية في كتبه . والطريف في الموضوع أن الشابين المتطرفين اعترفا في المحاكمة أنهما لم يقرآ شيئاً لهذا الأديب العالمي، بل جاء الأمر بدافع تعصبي ظلامي وانحياز تنظيمي أعمى كما يبدو، ولا تكاد تلك الحادثة تنفصل عما آل اليه الوضع اليوم من قتل عشوائي، وإقصاء على أساس الفكر والمذهب والدين والانتماء العرقي في بعض بلاد العرب، وحالة من الاحتقان في دول أخرى، وهي تبدو نتيجة طبيعية لبلاد لا تقرأ، ولا تحترم الفعل الثقافي عموما، فكم من أبناء جيل اليوم من يقرأ لنجيب محفوظ أو لغيره .
    وفي المحصلة أرى أن شخصية استثنائية في الأدب العربي مثل محفوظ بحاجة اليوم إلى من يعيد قراءتها من جديد، ليرى العناصر التنويرية فيها، وكيفية تفعيلها، فنحن أحوج ما نكون إلى أي فعل إبداعي حقيقي يسهم في التأشير على ما وصلنا إليه، وكيفية الخروج من عنق الزجاجة، فالمبدع بشكل عام شخص متأمل، معتكف في محراب الكلمة، يراقب بصمت ،ويؤشر لقرائه على معالم الطريق، لا سيما وأن لكاتبنا أيضاً إصدارات أخرى تمتح من التصوف والرؤى الفكرية العميقة مثل “رحلة ابن فطومة” و”الحرافيش” وغيرها، ولعل الجيل الجديد التائه اليوم وسط التيارات الفكرية العبثية من جهة، وبين سطوة التكنولوجيا واستلابها الروحي من جهة أخرى بحاجة إلى التعرف على التجربة المحفوظية العميقة بشكل مختلف، بعيدا عن غباء الدروس النقدية، وجفاف الأبحاث الأكاديمية، وتفاهة المسترزقين في حرفة الأدب .


    __________
    ** روائي وإعلامي من الأردن
    عن الخليج الإماراتية
    رئيس تحرير ثقافات
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الدرس الأول
    د. جابر عصفور


    كنا في خريف 1964. انتهى الصيف وعدنا من مدننا الموزعة على محافظات مصر، وجئنا إلى القاهرة لنستأنف عامنا الرابع والأخير في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة. وكانت أستاذتنا الدكتورة سهير القلماوي قد بدأت معنا تدريس النقد الأدبي الحديث، تنظيرا وتطبيقا. وتوقفت عند القصيدة الحديثة، ربما لأنها كانت تؤثر كلمة الحديث على كلمة الحداثة التي بدأت في الشيوع التدريجي، وذات صباح وزعت علينا ورقة مطبوعة فيها قصيدة «أنا والمدينة» للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي. وتمضي القصيدة– على النحو التالي:

    هذا أنا،/ وهذه مدينتي،/ عند انتصاف الليل. رحابة الميدان، والجدران تل،/ تبين ثم تختفي وراء تل/ وريقة في الريح دارت، ثم حطت، ثم ضاعت في الدروب، ظل يذوب،/ يمتد ظل/ وعين مصباح فضولي ممل،/ دست على شعاعه لما مررت/ وجاش وجداني بمقطع حزين/ بدأته، ثم سكت/ من أنت يا.. من أنت؟/ الحارس الغبي لا يعي حكايتي/ لقد طردت اليوم/ من غرفتي وصرت ضائعا بدون اسم/ هذا أنا/ وهذه مدينتي!

    كانت القصيدة مؤرخة بتاريخ يونيو 1957، وطلبت منا الدكتورة سهير القلماوي أن نقرأ هذه القصيدة، وأن نبدأ في تحليلها. وتساءلنا جميعا كيف نبدأ هذه القصيدة التي لا تشبه ما تعودناه من شعر عمودي، ظللنا ندرسه طوال السنوات الثلاث السابقة لنا في قسم اللغة العربية، فقد درسنا في عامنا الأول الشعر الجاهلي وانتقلنا في عامنا الثاني إلى الشعر الإسلامي والأموي ومنه إلى العصر العباسي في عامنا الثالث، أما في العام الرابع فركزنا في أوائله على الشعر الحديث، ابتداء من البارودي وشوقي وانتهاء بعبد الرحمن شكري والعقاد والمازني. وها نحن نترك ذلك كله ونواجه هذا النمط الذي لم يكن لنا به عهد ولا ألفة. وعندما حان دوري للكلام وتقديم ملاحظاتي، قلت إن السطر الأول من القصيدة يقوم على تفعيلة واحدة هي مستفعلن، ويرتفع السطر الثاني والثالث إلى تفعيلتين، أما السطر الرابع فهو تفعيلتان أيضاً، ثم يأتي السطر الخامس ليمتد في السادس ثم السابع والثامن إلى أن تختمه الجملة دست على شعاعه لما مررت.. وكان هذا التغير في عدد التفعيلات لافتا دالا، فقد كان يشير إلى أن القصيدة الحديثة تتبع– في عدد تفعيلاتها- الدفقة الانفعالية للشاعر في لحظة الكتابة، فكلما كانت الدفقة سريعة وحاسمة انطوى السطر على تفعيلة واحدة، مثلا، كما في السطر الأول الذي يمثل بأحرفه استهلالا نغميا ومحطة للنغم على السواء.

    وكما كان هذا الشعر جديدا في إيقاعه لا يخضع لما أسمته الدكتورة سهير القلماوي الأطر التفعيلية أو النظمية الخارجية وإنما يخضع إلى حركة الانفعال الآنية والمتغيرة في وجدان الشاعر، وذلك على نحو يمكن أن يكون معه السطر الأول تفعيلة واحدة مثلا، وتمتد الأسطر بعد ذلك لينطوي واحد منها على ست تفعيلات مثلا. وكانت هذه الملاحظة العروضية هي أول ما لفتت أستاذتنا أنظارنا إليه وجعلتنا نلتفت إلى الحرية الإيقاعية التي تتميز بها القصيدة الحديثة بالقياس إلى القصيدة العمودية القديمة. ثم استطردت في تداعياتها، وقالت لنا إن الشكل العروضي القديم يشبه إلى حد ما، ومع بعض الاحتراس، سرير بروكرست الذي جاء في الأساطير اليونانية مرتبطا بذلك الكائن الذي يستضيف العابرين، فإذا كانوا أطول من سريره، قص الأجزاء الزائدة من أجسادهم حتى تتناسب أطوالهم مع طول سريره، أما إذا كانت قامتهم أقصر من السرير، فقد كان يقوم بشدها لكي يتناسب الجسد المشدود مع طول السرير. وظللنا نضحك على هذا التشبيه ونعرف به لماذا يضيف الشعر العمودي كلمة أو جملة إلى آخر البيت لكي يتمم المعني الذي يغدو أكثر من طول البيت، أو يُكنز المعني لكيلا يطول عن وزن البيت. لكن أستاذتنا استدركت قائلة: أرجو أن لا تنسوا أن القيمة الجمالية ليست في مجرد شكلها أو نظمها العروضي، وإنما هي مرتبطة بما هو أكثر من ذلك، فما أكثر الشعر العمودي القديم الذي يعد في موازين الجمال أعلي رتبة ومقاما من القصائد التفعيلية الحديثة، والعكس صحيح في الوقت نفسه، فالقيمة الجمالية للقصيدة تآلف وتناغم بين كل عناصرها، وزنا وإيقاعا وتصويرا ودلالة وتراكيب نحوية. وصمتت قليلا، وهي تنظر إلينا، كي تتأكد من استيعابنا لما قالته. وبعدها انتقلت إلى دلالات القصيدة، وطلبت منا أستاذتنا أن نفسر لها دلالات الأبيات سائلة هل هذه الدلالات التي نقرؤها دلالات واقعية مباشرة أم دلالات رمزية مجازية؟ وأضافت: من الذي تتحدث عنه القصيدة؟ ومن هذا الذي يتحدث؟ قال بعضنا الذي كان قد قرأ ديوان حجازي قبل ذلك: إن الشاعر يتحدث عن قروي في المدينة، وإن هذا القروي سرعان ما يشعر بالوحدة والحنين إلى قريته عندما يجد نفسه فجأة في عالم القاهرة الصاخب وغير الإنساني بدليل عنوان الديوان الذي جعله الشاعر «مدينة بلا قلب». يقصد القاهرة التي تبتلع الغرباء، والتي تبدو كأنها لا تقبل الغرباء بسهولة، خصوصا عندما يكونون قد أتوا إليها من القري الوادعة ذات الحياة البسيطة الأليفة، أو حتى المدن الصغيرة الوادعة التي تتميز بهدوئها النسبي وصغر عدد سكانها بالقياس إلى القاهرة، فهي مدن أقرب إلى القري في بساطة حياتها التي لا تعرف الصخب أو الضجيج أو زحام السيارات الذي يمكن أن يؤدي بمن لا يأخذ حذره منها إلى الموت. وهذا ما كانت تؤديه قصيدة «مقتل صبي». ولكننا توقفنا أكثر عند الصوت المتحدث في القصيدة، ذلك الصوت الذي صار ضائعا بدون اسم، وفسر بعضنا الضياع على أنه عدم وجود المأوي، بينما فسره البعض الثاني بأنه ضياع الهوية، وفسره البعض الأخير بأنه الغربة بكل معانيها الميتافيزيقية والفيزيقية، وعندما جاء السطر «الحارس الغبي لا يعي حكايتي»، قال واحد من زملائنا إن الشاعر يتحدث عن صدام المواطن بالسلطة، وهو صدام محتوم ما بين المواطن إذا لم يكن له مسكن وبين السلطة التي يشتبه عسكرها في كل عابر سبيل مهما كانت هويته أو درجة ضياعه، وهذا ما قادنا إلى الجدال: هل القصيدة تتحدث في دلالاتها القريبة عن قروي وحيد في المدينة ضاع منه مسكنه أم تتحدث عن الإنسان المعاصر الذي يغترب عن عالمه ويمضي ضائعا بدون اسم في عالم يبدأ من غرفته التي طرد منها ولا ينتهي بالطرقات التي يهيم فيها، شاعرا بأن كل الطرق مغلقة أمامه كأنها تلال متتابعة يدور فيما بينها كأنه وريقة في الريح دارت، ثم حطت، ثم ضاعت في الدروب. ويشتد الحصار على هذا الإنسان الضائع والحائر، عندما يشعر بأنه حتى مصابيح الطرق تتحول إلى أعين فضولية تعريه من كل شيء، تاركة إياه وحيدا مع الواحد الذي هو إياه.

    وظللنا طوال المحاضرة نتجادل حول الدلالات الرمزية المجازية والدلالات الواقعية المباشرة وأستاذتنا سهير القلماوي تشجعنا على المضي في الاستنتاج تحليلا وتفسيرا. ولا أظن أننا جرؤنا على تقييم القصيدة، فقد كانت جدتها غريبة علينا، كما كانت هي لقاءنا الأول بالشعر الحديث. لكن مع مُضينا في التحليل والتفسير تزايدت الاحتمالات الدلالية، واكتشفنا معني أن الشعر الحر حمال أوجه، وأنه حتى أبسط القصائد وأوضحها سرعان ما تزول عنها هذه البساطة ويفارقها هذا الوضوح الخادع فنكتشف أنه لا وضوح ولا بساطة، كأن مثل هذه القصائد قطرات الماء التي نراها بأعيننا المجردة فلا نلمح ما يعكر صفاءها أو شفافيتها، ولكننا إذا نظرنا إلى هذه القطرات من وراء عدسة ميكروسكوب، ضاعت هذه الشفافية التي توهمناها، والبساطة التي تمنيناها، واكتشفنا أننا إزاء مجرة من الكائنات متناهية الصغر والشوائب التي لا تراها العين وحدها. وهكذا الشعر مهما بدت كلماته بسيطة سهلة، فهي دائما بساطة خادعة وسهولة مراوغة، فهناك تآليف التراكيب النحوية والنظمية والدلالية التي لا يستقل واحد منها عن غيره، بل تتآلف جميعها في نوع من الفاعلية المتبادلة على كل المستويات.

    وعدت مع زملائي من جديد إلى قصيدة حجازي بعد أن استمعنا إلى أستاذتنا، وهي تعلمنا الدرس الأول في النقد: لا يوجد نص بريء أو نص أحادي الدلالة، والقصيدة دائما لا تفارق صفات التكثيف الدلالي وتعدد المعاني أو تعدد المستويات، وليس ضروريا ولا ملزما لنا– نحن النقاد- أن نضع في اعتبارنا تفسير الشاعر لقصيدته، فبمجرد أن يفرغ الشاعر من كتابة قصيدته يتحول إلى قارئ مثلنا. وقد يجد في قراءتنا ما يصدمه أو يدهشه. المهم أن نفتح أعيننا على أشدها، ونتخلى عن البراءة والسذاجة، فوراء كل كلمة موصولة بأختها أكثر من معني، ووراء كل تركيب نحوي دلالة، ووراء كل إيقاع موسيقي إيحاء ما. ووظيفتنا هي أن نراوغ الكلمات التي تراوغنا في القصيدة، ومن ثم لا نري فيها مجرد ضياع فتي قروي في مدينة بلا قلب، أو نتحد وجدانيا مع بطل القصيدة، فنري فيها أصداء لغربتنا– نحن أبناء المدن الصغرى أو القرى الذين جئنا إلى الجامعة للتعلم- وإنما علينا أن نرى القصيدة في ذاتها أولا، ونتحسس دلالاتها ثانيا، ولا نغفل عن تضافر ذلك كله مع التراكيب النحوية والتشكيلات العروضية، وكل ما يسهم في إيقاع القصيدة ووحدتها القائمة على التنوع. وعندئذ، فحسب، تكافئنا القصيدة على صبرنا، فنكتشف أن بحث الشاعر القروي عن مكان إنما هو بحث عن هوية، واستبدال جديد يدخله بقديم يتركه. أو نكون إزاء تحول في الهوية، قائم على الإزاحة، وأن السطر: «وسرت يا ليل المدينة، أرقرق الآه الحزينة» إنما هو مسيرة التحول التي تخلع عن الشاعر وعيه القروي ليحل محله وعي مديني، في عملية حتمية من تغير الوعي وتحوله، عملية أشبه بتلك العملية التي تحكي عنها– رمزيا- قصة «النداهة» ليوسف إدريس. هل كانت تلك كلماتي أم كلمات أستاذتي الجليلة سهير القلماوي رحمها الله؟ هل أضفت ما اكتسبته من الممارسة إلى ما كانت تعلمنا إياه؟ لا أدري على وجه التحديد. المهم أنني أسترجع ما علمتنا إياه وما قالته لنا بعد ما يزيد على نصف قرن. مؤكد أن هذا ما تعلمته وفهمته منها وما أزال أتذكره إلى اليوم بوصفه درسنا الأول في نقد الشعر، وهو درس فتح لي الطريق لكي أصبح ناقدا.


    * الأهرام.
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الحبّ الأول
    فيسوافا شيمبورسكا
    ترجمة الخضر شودار

    يقولون
    أن الحب الأوّل هو الأهم
    بأنّه رومانسيٌّ جدا
    لكني لم أختبره.
    شيء ما كان و لم يكن بيننا،
    شيء ما حدث ثم اختفى.
    لا ترتعش يداي أبدا
    حين أتعثر صدفة بتذكارات تافهة
    أو بحزمة رسائل مربوطة بسلك معدني
    – و لا حتى بشريط ناعم.
    لقاؤنا الوحيد كان بعد أعوام:
    مقعدان يثرثران
    إلى طاولة باردة.
    حالات أخرى من الحب
    لا زالت تتنفس عميقا في داخلي.
    لكنَّ نَفَسَ هذا الحب قصير ليتنهّد.
    لا زال تماما كما هو
    ينجز ما لا تحسنه حالات الحب الأخرى:
    ألاّ أتذّكره
    ألاّ أراه حتى في الأحلام
    أن يأخذني إلى الموت.


    *مترجم جزائري
     
    أعجب بهذه المشاركة magedelgrah
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة