1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

أحمد مرسي - زمن السريالية في مصر‮.. ‬خلفية تاريخية.. د. عماد أبو‮ ‬غازي

الموضوع في 'التشكيل' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏4/11/16.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    "‬يتجلي العدوان علي الفن في البلاد الشمولية بأكثر السبل دناءة،‮ ‬ضد فن يصفه بالإنحلال،‮ ‬عسكريون شرسون تبوؤا مراتب السادة مطلقي السلطان،‮ ‬وهم أدعياء علم منحلون‮".‬
    هذه الكلمات مقتطعة من البيان الذي يعد بمعني من المعاني‮ "‬مانيفستو‮" ‬للحركة السريالية المصرية،‮ ‬والذي حمل عنوان‮: "‬يحيا الفن المنحط‮".‬
    لقد ظهرت الحركة السريالية في مصر في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي،‮ ‬ويؤرخ لظهورها بشكل أساسي بتأسيس جماعة‮ "‬الفن والحرية‮" ‬في يناير‮ (‬1939‮)‬،‮ ‬والتي كانت لها إرهاصاتها السابقة علي تأسيسها؛ وتتمثل هذه الإرهاصات في تمرد‮ ‬عدد من مؤسسيها علي التقاليد الفنية والأدبية السائدة آنذاك،‮ ‬وفي الانضمام لجماعات فنية تحدت تلك التقاليد شارك فيها بعضهم،‮ ‬مثل جماعة‮ "‬الدعاية الفنية‮" ‬التي أسسها حبيب جورجي وانضم لها رمسيس يونان،‮ ‬لكن أبرزها جماعة‮ "‬الإسيست‮" ‬التي كان جورج حنين مؤسس جماعة الفن والحرية عضوًا بها،‮ ‬تمثلت كذلك في صدور بيانات تدعو لتحرير الإبداع؛ منها إعلان‮ "‬الشرقيون الجدد‮" ‬سنة‮ (‬1937‮)‬،‮ ‬ثم بيان‮ "‬يحيا الفن المنحط‮".‬

    كان النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي،‮ ‬قد شهد ميلاد أولي الجماعات الفنية في مصر،‮ ‬جماعة‮ "‬الخيال‮"‬،‮ ‬والتي كانت تضم في عضويتها مجموعة من الفنانين المصريين من الجيل الذي يُطلق عليه اسم جيل الرواد،‮ ‬أبرزهم مختار ومحمود سعيد وراغب عياد ومحمد حسن وأحمد صبري ويوسف كامل وناجي،‮ ‬كما ضمت بعض الفنانين الأجانب المقيمين في مصر،‮ ‬وقد ارتبط بالجماعة نخبة من الأدباء والكتاب كأصدقاء لجماعة الخيال يروجون لها بكتاباتهم الصحفية والنقدية،‮ ‬منهم‮: ‬محمد حسين هيكل والعقاد والمازني ومحمود عزمي ومي زيادة‮.‬
    وإذا كانت جماعة الخيال تعبر عن اتجاهات جيل الرواد الفنية خاصة الاتجاه القومي في الفن،‮ ‬بما حمله من محاولة للتجديد في المجتمع المصري بإعادة بعث الفنون الجميلة كمكون أساسي في ثقافة النخبة،‮ ‬ومحاولة تقديم الفن الحديث للمجتمع كله،‮ ‬وتحقيق التفاعل بين الفنون والآداب،‮ ‬فإن الجماعات الفنية والأدبية التي ظهرت في الثلاثينيات كانت تعبيرًا عن تمرد جيل جديد من المبدعين علي الجيل السابق عليهم‮.‬
    وإذا عدنا لجماعة الإسيست باعتبار بعض من أعضائها هم المؤسسين لجماعة الفن والحرية،‮ ‬فقد كانت الجماعة محاولة لتقديم تجارب جديدة في الفن والكتابة،‮ ‬وقد وقع الانشقاق في تلك الجماعة بسبب هجوم الشاعر جورج حنين علي تواطؤ بعض المبدعين الإيطاليين من أعضاء الجماعة مع الفاشية،‮ ‬ومن ثَم انشق عن الجماعة وأسس مع زملاء له جماعة الفن والحرية‮.‬
    وكان ظهور جماعات أدبية فنية يغلب عليها التوجه السريالي كجماعة الفن والحرية تعبيرًا عن احتكاك الحركة الفكرية والفنية في مصر بتيارات الثقافة العالمية،‮ ‬فإذا كان النصف الثاني من القرن التاسع عشر عصر الثورة علي الكلاسيكية والرومانتيكية معًا،‮ ‬وإذا كانت التأثيرية بمثابة الطلقة الأولي في معركة الفن الحديث تمثل فيها تحرر الفنان من قيود الأكاديمية التقليدية،‮ ‬فإن النصف الأول من القرن العشرين شهد موجة ثورية ثانية بدأت مع التكعيبية والمستقبلية والدادية،‮ ‬ووصلت ذروتها مع السريالية بصدور‮ (‬المانيفستو السريالي‮) ‬سنة‮ (‬1924‮)‬،‮ ‬ثم بيان المكسيك عام‮ (‬1938‮)‬،‮ "‬من أجل فن ثوري حر‮"‬،‮ ‬وعندما أسس جورج حنين جماعة الفن والحرية كانت تعبيرًا مصريًا عن الدعوة التي حملها البيان الأخير‮.‬
    وربما كانت جماعة الفن والحرية أجلي تعبير عن السريالية في مصر،‮ ‬وقد ضمت إلي جانب جورج حنين عددًا من المبدعين المصريين والأجانب المقيمين في مصر كان من أبرزهم كامل التلمساني ورمسيس يونان وأنور وفؤاد كامل وأنجلو دي ريز،‮ ‬وقد نشرت جماعة الفن والحرية بيانها الشهير‮ "‬يحيا الفن المنحط‮" ‬دفاعًا عن حرية الفنان ضد اتجاهات الدول التسلطية لتوجيه الفن والعدوان عليه،‮ ‬وتقييد حرية المبدعين،‮ ‬وكانت معارض الجماعة التي بدأت منذ عام‮ (‬1940‮)‬ثورة في مجال الفنون التشكيلية في مصر،‮ ‬وقد استمرت الجماعة حتي النصف الثاني من الأربعينيات،‮ ‬لتحل محلها لفترة قصيرة‮ "‬جانح الرمال‮" ‬التي حاول فؤاد كامل من خلالها إحياء جماعة الفن والحرية‮.‬
    ولقد ربط بعض النقاد بين السريالية المصرية ممثلة في جماعة الفن والحرية والتيار التروتسكي في الحركة الشيوعية المصرية،‮ ‬لكن هذا الأمر محل نقد ومساءلة‮.‬
    ورغم أن الجماعة لم تستمر في الوجود إلا لسنوات قليلة،‮ ‬إلا أن الاتجاه السريالي في الفن المصري تواصل كتيار من تيارات الحركة الفنية المصرية لسنوات بعدها،‮ ‬رغم تحول بعض رواده إلي التجريد‮.‬
    لقد أعلنت الحركة السريالية المصرية عن نفسها في لحظة تاريخية فارقة ليس فقط في تاريخ مصر،‮ ‬بل في تاريخ العالم كله؛ فقد كانت النظم الشمولية‮: ‬الستالينية في الاتحاد السوفيتي والنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والنزعة القومية الاستبدادية العسكرية في اليابان تزداد قوة‮.‬
    كانت الستالينية تواصل قمعها لشعوب الاتحاد السوفيتي بدعوي بناء الدولة الاشتراكية السوفيتية،‮ ‬في الوقت الذي كانت تشيد فيه في الحقيقة سلطة دولة طبقية بيروقراطية استبدادية‮.‬
    وكانت النظم الثلاثة،‮ ‬الأخيرة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية،‮ ‬تصعد من عدوانيتها ضد شعوبها وفي الوقت نفسه تفصح عن نزعتها التوسعية في محيطها الإقليمي الذي اعتبرته مجالا حيويًا لتوسعها‮.‬
    وكانت العسكرية القومية في إسبانيا المدعومة من النازية والفاشية توشك أن تحقق انتصارها النهائي علي الجبهة الشعبية التي تضم الجمهوريين والاشتراكيين والشيوعيين والأناركيين والليبراليين‮.‬
    كانت هذه النظم الشمولية الثلاثة في ألمانيا وإيطاليا واليابان تدفع العالم إلي حافة حرب عالمية جديدة،‮ ‬حرب تصطدم فيها مع معسكر الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولي قبلها بعقدين،‮ ‬فرنسا وبريطانيا العظمي علي وجه التحديد،‮ ‬في صراع متجدد بين جناحي المعسكر الرأسمالي من أجل السيطرة علي العالم‮.‬
    كانت‮ ‬غيوم الحرب تتجمع في الأفق،‮ ‬وكانت الحروب التمهيدية الصغيرة قد بدأت بالفعل في حرب إيطاليا والحبشة،‮ ‬والحرب الأهلية الأسبانية،‮ ‬وحروب اليابان التوسعية في الشرق الأقصي،‮ ‬والاعتداءات الألمانية المستمرة علي دول الجوار‮.‬
    وفي سياق الاستعداد للحرب وقعت ألمانيا النازية معاهدة مع الاتحاد السوفيتي لتحيّده في الحرب،‮ ‬لكن سرعان ما خرقت ألمانيا هذه المعاهدة بعد أن حققت انتصاراتها الكاسحة علي الجبهة الغربية في سنتي الحرب الأولتين‮.‬
    وبالفعل اشتعلت الحرب قبل أن ينتهي العام الذي تأسست فيه جماعة الفن والحرية‮.‬
    في الوقت نفسه كانت هذه النظم الشمولية تفرض قيودًا متزايدة علي حرية الإبداع الفني والأدبي،‮ ‬بدعاوي الالتزام بالقيم والأخلاق،‮ ‬أو دعاوي الالتزام بالتعبير عن‮ "‬مصالح‮" ‬الطبقة العاملة ورواها،‮ ‬وتسعي لفرض أساليب فنية تعبوية علي المبدعين‮.‬
    كانت حرية الفنان في خطر‮.‬
    وكانت القوي السياسية الثورية في العالم مشتتة بسبب الانقسام في الحركة الشيوعية العالمية،‮ ‬وسيطرة التوجه الستاليني علي معظم الأحزاب الشيوعية،‮ ‬والخلافات التاريخية بين الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية والأناركية،‮ ‬في هذا السياق علي النطاق العالمي كان المثقفون والمبدعون والفنانون التقدميون والأحرار حول العالم يتكاتفون معًا،‮ ‬يدافعون عن مساحة الخيال الحر،‮ ‬ويقفون ضد العدوانية والعسكرة،‮ ‬وضد النظم الشمولية،‮ ‬وضد الحرب بوجه عام،‮ ‬يقفون مع حرية الإنسان وحرية المبدع،‮ ‬وكانت حركة الفن والحرية المصرية ذات التوجه السريالي جزءًا من هذا الحراك للأحرار من مثقفي العالم ومبدعيه‮.‬
    هذا عن الوضع الدولي،‮ ‬فماذا عن مصر؟
    ربما يقتضي الأمر أن نرجع إلي الوراء قليلا؛ إلي السنوات الأولي من القرن العشرين،‮ ‬تلك السنوات التي شهدت ميلاد مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة،‮ ‬وقد أسسها الأمير يوسف كمال أحد رعاة النهضة الثقافية في مصر وجعل مقرها قصر من قصوره بحي درب الجماميز بالقاهرة،‮ ‬وهي المدرسة التي كان من بين طلاب دفعتها الأولي رواد الفن الحديث في مصر،‮ ‬مختار وراغب عياد ويوسف كامل ومحمد حسن،‮ ‬ويُؤرخ بافتتاحها في مايو‮ (‬1908‮)‬لنشأة الحركة الفنية الحديثة في مصر‮.‬
    لقد كانت السنوات الأولي من القرن العشرين فترة محورية من تاريخ مصر،‮ ‬فشهد المجتمع المصري حركة عامة تواكب فيها نمو الحركة الوطنية وصعودها التدريجي مع بناء المؤسسات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الحديثة وشيوع الأفكار الجديدة بين الناس،‮ ‬فقد شهدت تلك السنوات تأسيس الأحزاب السياسية التي تعبر عن التيارات الأساسية في المجتمع ويسعي كل حزب منها بطريقته لتحقيق أهداف النضال الوطني في الدستور والجلاء،‮ ‬كما شهدت تلك السنوات أيضًا تأسيس نادي المدارس العليا كناد سياسي اجتماعي ثقافي نقابي يجمع طلاب المدارس العليا وخريجيها في تنظيم واحد يدافع عن مصالحهم وينمي الروح الوطنية بينهم،‮ ‬وشهدت تأسيس النادي الأهلي كأول ناد رياضي اجتماعي وطني،‮ ‬نفس الفترة عرفت الدعوة لإنشاء الجامعة الأهلية وافتتاح الدراسة بها بالفعل في ديسمبر من عام‮ (‬1908‮)‬،‮ ‬لتكون نواة للجامعات المصرية الحديثة فيما بعد،‮ ‬وليتخرج منها مجموعة من رواد حركة التحديث التي انتعشت موجة جديدة من موجاتها في أعقاب الثورة المصرية،‮ ‬ثورة‮ (‬1919‮)‬،‮ ‬وتأسست في‮ (‬1909‮) "‬نقابة عمال الصنائع اليدوية‮" ‬بدعم من الزعيم محمد فريد الرئيس الثاني للحزب الوطني لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الحركة العمالية المصرية،‮ ‬وفي نفس الحقبة تأسست مجموعة من الجمعيات الأهلية كان من أبرزها الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والإحصاء،‮ ‬إنه المشروع الوطني الكبير الذي مهد الأرض للصحوة الكبري التي أعقبت الحرب العالمية الأولي وبلغت ذروتها بقيام ثورة‮ (‬1919‮).‬
    لقد كانت الثورة الشعبية الوطنية الديموقراطية التي قام بها الشعب المصري سنة‮ (‬1919‮)‬تتويجًا لنضال طويل امتد لأكثر من قرن وربع من الزمان،‮ ‬وقد انعكس نجاح الثورة في تحقيق بعض أهدافها علي الحياة المصرية كلها،‮ ‬وأرست الثورة مجموعة من المبادئ المهمة،‮ ‬أولها أن الأمة هي مصدر السلطات وهي التي تفوض قادتها في تمثيلها وتحاسبهم علي ما يفعلون،‮ ‬وثانيها أن مصر كيان مستقل قائم بذاته فلا هي مستعمرة بريطانية ولا هي ولاية عثمانية،‮ ‬وثالثها أن المصريين أمة واحدة لا فرق بينهم علي أساس دين أو عقيدة أو جنس تربط بينهم الرابطة الوطنية قبل الرابطة الدينية،‮ ‬ورابعها أن استقلال مصر السياسي لا يتحقق بمعزل عن حرية المواطنين واحترام حقوقهم‮.‬
    وفي هذا الإطار‮ ‬غلبت النزعة القومية علي الفنون الجميلة في مصر،‮ ‬وكان مختار أبرز تجلياتها،‮ ‬وكانت السريالية المصرية منذ الثلاثينيات جدلا فنيًا وفكريًا مع هذه النزعة‮.‬
    نعود إلي لحظة ميلاد السريالية المصرية في الأدب والفن،‮ ‬في ذلك الوقت،‮ ‬النصف الثاني من الثلاثينيات،‮ ‬كانت مصر تبدأ مرحلة جديدة في تاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي،‮ ‬جيل جديد من الساسة والمثقفين والمبدعين يدخل بقوة إلي الساحة إلي جانب الجيل الذي تصدر المشهد عقب ثورة‮ (‬1919‮)‬،‮ ‬بل وفي مواجهته أحيانًا‮.‬
    كانت البلاد قد خرجت من الانقلاب الدستوري الأطول في الحقبة الليبرالية والذي استمر من عام‮ (‬1930‮)‬إلي عام‮ ‬1935،‮ ‬انقلاب فؤاد/صدقي،‮ ‬والذي فقد فيه الشعب دستوره الذي حصل عليه في أعقاب ثورة‮ (‬1919‮)‬،‮ ‬دستور‮ (‬1923‮)‬،‮ ‬ليحل محله دستور‮ (‬1930‮)‬،‮ ‬الذي وسع من سلطات الملك علي حساب البرلمان،‮ ‬وصدرت في ظله أسوأ القوانين المقيدة للحريات،‮ ‬وأصابت نيران هذا الانقلاب الدستوري الثقافة والفن والإبداع،‮ ‬فتمت مصادرة الصحف وإغلاقها،‮ ‬وسُجن العقاد،‮ ‬وفُصل حافظ إبراهيم من عمله في دار الكتب،‮ ‬ونقل طه حسين من الجامعة إلي ديوان وزارة المعارف،‮ ‬وأوقفت الحكومة تعاقدها مع المثال مختار لعمل التمثالين الميدانيين للزعيم سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية‮.‬
    كانت سنوات النصف الأول من الثلاثينيات سنوات من الحكم الاستبدادي صودرت فيها الحريات،‮ ‬لكنها كانت أيضًا سنوات لمواجهة الاستبداد والحكم المطلق،‮ ‬شهدت مقاومة مستمرة من القوي الديمقراطية،‮ ‬وحركة جماهيرية متواصلة،‮ ‬لعب فيها جيل جديد من الشباب دورًا أساسيًا،‮ ‬وظهرت من بين هذا الجيل أسماء تصدرت العمل السياسي والعمل العام أو شاركت فيه لسنوات طويلة تالية،‮ ‬ففي هذا الحراك السياسي الثوري ظهرت أسماء جمال عبدالناصر وإبراهيم شكري وحكمت أبو زيد وسهير القلماوي ومحمد حسن الزيات ونور الدين طراف والدمرداش التوني وطلبة صقر،‮ ‬وهي أسماء برزت في مجالات الحكم والسياسة والثقافة والبحث العلمي والرياضة لسنوات طويلة تالية،‮ ‬امتدت لما يقارب نصف قرن‮.‬
    انتهت هذه سنوات بما يعرف تاريخيًا بثورة الشباب عام‮ (‬1935‮)‬،‮ ‬انتهت باستعادة دستور‮ (‬1923‮)‬،‮ ‬وعودة الوفد إلي الحكم علي رأس حكومة ائتلافية تضم الأحزاب الرئيسية،‮ ‬ووقعت هذه الحكومة تحت ضغط أجواء الحرب معاهدة مع بريطانيا العظمي حصلت مصر بمقتضاها علي استقلال منقوص في عام‮ ‬1936،‮ ‬حقًا كانت خطوة إلي الأمام قياسًا علي تصريح‮ ‬28‮ ‬فبراير‮ ‬1922‮ ‬الذي تأسست بمقتضاه المملكة المصرية،‮ ‬لكنها كانت أقل من طموح المصريين،‮ ‬وقد استتبع توقيع المعاهدة تطلع لبداية عصر جديد في مصر،‮ ‬خاصة مع اتفاقية مونترو التي تم بمقتضاها الاتفاق علي إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر علي مدي عشر سنوات،‮ ‬وكانت قضية الامتيازات الأجنبية من القضايا الشاغلة للمصريين منذ منتصف القرن التاسع عشر‮.‬
    لقد وصلت النخب السياسة التي قادت الثورة وبرزت في أعقابها إلي‮ ‬غاية ما يمكنها الوصول اليه في ذلك الوقت،‮ ‬ولم يعد حلم الاستقلال التام قابلا للتحقيق بيد هذه النخبة،‮ ‬علي الأقل لعدة سنوات‮.‬
    وفي هذا السياق جاء صدور كتاب طه حسين‮ "‬مستقبل الثقافة في مصر‮"‬،‮ ‬الذي قدم فيه رؤية للتعليم والثقافة،‮ ‬وبقدر ما كان في هذا الكتاب من تصورات تقدمية متطلعة إلي التغيير،‮ ‬بقدر ما كشف عن قدر من المحافظة والتردد في رؤي بعض أبناء هذا الجيل الذي تصدر المشهد الثقافي في أعقاب الثورة المصرية،‮ ‬ثورة‮ (‬1919‮)‬،‮ ‬الأمر الذي نجده واضحًا بدرجة أكبر في كتابات مفكر آخر من جيل طه حسين هو عباس محمود العقاد،‮ ‬فبخلاف مواقفه الثورية في مجال السياسية،‮ ‬تميزت مواقفه من الاتجاهات الجديدة في الفن والأدب بالمحافظة والجمود‮.‬
    بات واضحًا أن الساحة الثقافية والفكرية مثلها مثل الساحة السياسية تحتاج إلي رؤي وأفكار مختلفة‮.‬
    وكانت الجامعة المصرية قد خرّجت حينها أجيالا جديدة من أبنائها يشاركون في الحياة المصرية،‮ ‬لكنها منذ تأسيسها لم تنجح في تغيير المجتمع المصري تغييرًا جذريًا؛ كانت تميل إلي الحلول الوسط في كل مواقفها،‮ ‬وتتحاشي الصدام مع المجتمع‮.‬
    لقد كانت اللحظة بحق من اللحظات الفارقة في التاريخ،‮ ‬إذا جاز لنا أن نستخدم هذا التعبير؛ كانت لحظة محملة بالآمال وإمكانيات التغيير،‮ ‬لكنها كانت كذلك لحظة ضبابية‮ ‬غائمة،‮ ‬فيها من مكبلات النجاح بقدر ما فيها من عوامل الانطلاق‮.‬
    فإذا كان النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين جاء محملا بآمال واسعة لانطلاق مرحلة جديدة في بناء الوطن علي أسس من الديمقراطية واحترام الدستور،‮ ‬خاصة مع‮ ‬غياب الملك أحمد فؤاد الأول عن المشهد،‮ ‬وتولي ابنه فاروق الحكم وتفاؤل الكثيرين بالملك الشاب،‮ ‬إلا أن التفاؤل تبدد تدريجيًا،‮ ‬فقد بدأ فاروق السير علي نهج أبيه في معاداة حزب الأغلبية،‮ ‬حزب الوفد،‮ ‬كما أن هذه الفترة شهدت أيضًا ظهور الأفكار الشمولية وانتشارها بين الشباب،‮ ‬فتأسست جماعة سياسية قومية متطرفة متأثرة بالأفكار الفاشية والنازية،‮ ‬هي جماعة‮ "‬مصر الفتاة‮"‬،‮ ‬التي أسسها سياسي شاب مولع بالنموذج الفاشي في مطلع الثلاثينيات هو أحمد حسين،‮ ‬وشكلت الجماعة مليشياتها التي عرفت بالقمصان الخضر،‮ ‬واتخذت لنفسها شعارًا‮ "‬الله ـ الوطن ـ الملك‮".‬
    أخذت الأفكار الفاشية تروج بين الشباب،‮ ‬وظهرت في مصر جماعات القمصان الملونة علي‮ ‬غرار القمصان السود الفاشية في إيطاليا والقمصان البنية النازية في ألمانيا واقتداءً‮ ‬بها،‮ ‬فشكلت جماعة مصر الفتاة ميلشيات القمصان الخضر،‮ ‬ووصل الأمر بحزب الأغلبية،‮ ‬حزب الوفد،‮ ‬أن يشكل ميلشيات من شبابه ترتدي القمصان الزرق في مواجهة ميلشيات مصر الفتاة،‮ ‬القمصان الخضر‮.‬
    وفي نفس الوقت نمت جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست سنة‮ (‬1928‮)‬،‮ ‬والتي بدأت بدعم مالي من شركة قناة السويس العالمية،‮ ‬وكانت الجماعة تتبني منذ لحظة تأسيسها أفكارًا مضادة لمبدأ المواطنة المصرية الذي قامت عليه ثورة‮ (‬1919‮)‬،‮ ‬وقد وجدت الجماعة في المناخ السائد فرصة للانتشار بين الشباب،‮ ‬وشكلت الجماعة كتائبها هي الأخري تحت مسمي الجوالة‮.‬
    علي المستوي الاجتماعي لم تحقق ثورة‮ (‬1919‮)‬كما لم يحقق انتصار تيار الحفاظ علي الدستور تحسنا كيفيا في أوضاع الطبقات الفقيرة في المجتمع،‮ ‬لم تتحسن كثيرًا أوضاع الفلاحين والعمال الزراعيين الذين كانوا يشكلون‮ ‬غالبية السكان،‮ ‬كما ساءت أحوال الطبقة العاملة الناشئة خاصة مع تأثر مصر بالأزمة الاقتصادية العالمية أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات‮.‬
    في هذا المناخ السياسي بدأت الحلقة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية،‮ ‬فتشكلت حلقات من الماركسيين باتجاهاتهم المختلفة،‮ ‬ضمت مجموعات من الأجانب والمصريين،‮ ‬وكانت هذه الحلقات نواة للتنظيمات الشيوعية التي تشكلت في بداية الأربعينيات وتواصل وجودها كتنظيمات سرية حتي منتصف الستينيات،‮ ‬ومن أبرزها الشرارة‮ (‬أيسكرا‮) ‬والحركة المصرية للتحرر الوطني وطليعة العمال ومجموعة التروتسكيين،‮ ‬ولعبت هذه التنظيمات دورًا سياسيًا مهمًا في سنوات ما بعد الحرب،‮ ‬وشاركت في قيادة الحراك الجماهيري الواسع الذي بدأ في أواخر عام‮ (‬1945‮)‬في الجامعات المصرية ووصل ذروته في عام‮ (‬1946‮)‬،‮ ‬وتواكب مع ظهور هذه التنظيمات نشأة تيار جديد في الوفد المصري،‮ ‬تيار الطليعة الوفدية الذي كان يميل ناحية اليسار ويتبني قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية بمفاهيم جديدة أقرب إلي مفاهيم الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية،‮ ‬وكان علي رأس هذا التيار الناقد والسياسي المجدد الدكتور محمد مندور‮.‬
    ومثلما تفجرت ثورة‮ (‬1919‮)‬مع نهاية الحرب العالمية الأولي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية تصاعدًا في مطالبة الإنجليز بالجلاء التام عن البلاد،‮ ‬ومنح الاستقلال الكامل لمصر والسودان،‮ ‬وكانت فترة الحرب العالمية الثانية قد شهدت تحولات في الخريطة السياسية للأحزاب المصرية التقليدية،‮ ‬فقد شهد حزب الوفد،‮ ‬حزب الأغلبية الذي يحظي بتأييد شعبي حقيقي،‮ ‬انقسامات جديدة مؤثرة بانشقاق مكرم عبيد باشا وتأسيسه لحزب الكتلة الوفدية،‮ ‬بعد أن كان ماهر والنقراشي قد انشقا وشكلا الحزب السعدي،‮ ‬كما عاش حزب الوفد استقطابًا داخليًا حادًا بين الجناح المحافظ الذي يعبر عن مصالح كبار الملاك،‮ ‬والجناح الداعي إلي إصلاحات اجتماعية واقتصادية،‮ ‬الطليعة الوفدية،‮ ‬وفي نفس الوقت تصاعد نفوذ الأحزاب والحركات الجديدة التي تستند إلي مرجعيات دينية أو فكرية،‮ ‬مثل‮: ‬حركة الإخوان المسلمين ومصر الفتاة ذات الميول الفاشية،‮ ‬التي تسمت فيما بعد باسم الحزب الاشتراكي،‮ ‬كذلك التنظيمات الشيوعية‮.‬
    كما شهدت تلك السنوات انتشار جرائم الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية،‮ ‬والتي كان النصيب الأكبر فيها للجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين،‮ ‬وإن قام ببعضها مجموعات صغيرة من الشباب المتحمس المتبني لأفكار وطنية متطرفة‮.‬
    في هذا السياق التاريخي نشأت الحركة السريالية المصرية وعاشت سنوات ازدهارها الأولي،‮ ‬نشأت في لحظة مد للقوي الرجعية وتطورت في سنوات الهدوء السياسي النسبي أثناء الحرب العالمية الثانية،‮ ‬ووصلت ذروتها مع تفجر موجة جديدة من الحراك الجماهيري الذي اتسم بمزج القضايا الوطنية بالقضايا الاجتماعية والمطالب الاقتصادية للطبقات الشعبية‮.‬
    ففي أواخر عام‮ (‬1945‮) ‬طالبت حكومة محمود فهمي النقراشي الحكومة البريطانية ببدء مفاوضات جديدة لإنهاء الوجود العسكري البريطاني في مصر وتحقيق وحدة وادي النيل،‮ ‬وكان ذلك بناء علي توصية من‮ "‬الهيئة السياسية‮"‬،‮ ‬التي كان قد شكلها سلفه أحمد ماهر باشا قبل اغتياله،‮ ‬وكانت تضم زعماء الأحزاب السياسية،‮ ‬لكن الرد البريطاني جاء سلبيًا في‮ ‬26‮ ‬يناير‮ ‬1946،‮ ‬كان الرد يؤكد علي صلاحية معاهدة‮ ‬36‮ ‬للاستمرار،‮ ‬مع مماطلة واضحة في إمكانية تعديل بعض شروطها،‮ ‬وكان هذا الرد كفيلا بتفجير الغضب الشعبي ضد الوجود البريطاني في مصر والسودان،‮ ‬وجاءت الشرارة من الجامعة،‮ ‬فقد كان النشاط السياسي للوفديين خاصة المنتمين لتيار الطليعة الوفدية وكذلك للشيوعيين والمتعاطفين معهم في صفوف الطلاب متصاعدًا منذ بداية العام الدراسي في خريف‮ ‬1945،‮ ‬وكانت الدعاية الوطنية الممتزجة بالقضايا الاجتماعية الاقتصادية محورًا لهذا النشاط،‮ ‬وتشكلت خلال الحراك الجديد لجان وطنية تقود الحركة،‮ ‬وتضم ممثلين لقوي سياسية مختلفة متواجدة في صفوف الطلاب والعمال،‮ ‬وبلغت الحركة ذروتها في شهري فبراير ومارس‮ (‬1946‮)‬،‮ ‬وأثناء الحركة وبسببها،‮ ‬استقالت حكومة النقراشي وحلت محلها حكومة إسماعيل صدقي‮.‬
    ورغم أن المظاهرات لم تسفر عن إنهاء الاحتلال البريطاني لمصر إلا أنها أرغمت بريطانيا علي سحب قواتها من المدن المصرية ما عدا منطقة قناة السويس،‮ ‬وبدأ الانسحاب في‮ ‬4‮ ‬يوليو بالجلاء عن القلعة وتسليمها للجيش المصري،‮ ‬وعلي صعيد آخر حظي صدقي باشا بدعم من أحزاب الأقلية وجماعة الإخوان المسلمين؛ وكان هذا من خلال اللجنة القومية التي شكلوها في مواجهة اللجنة الوطنية للعمال والطلبة،‮ ‬وكان الرجل يمهد سرًا للمفاوضات مع بريطانيا،‮ ‬ولما كان مشروعه للاستقلال ليس إلا استقلالا منقوصًا يسمح لبريطانيا بالاحتفاظ بقواعدها في مصر وبسيطرتها علي البلاد،‮ ‬فقد شن صدقي أكبر حملة اعتقالات عرفتها مصر في الحقبة الليبرالية في يوم‮ ‬10‮ ‬يوليو‮ ‬1946‮ ‬عشية احتفال القوي الوطنية بذكري الاحتلال البريطاني لمصر،‮ ‬وقد عرفت هذه الحملة بقضية الشيوعية الكبري واعتقل فيها العشرات من القيادات الطلابية والعمالية وعشرات من الكتاب والصحفيين،‮ ‬وكان الكثيرون منهم بعيدين تمامًا عن الشيوعية،‮ ‬مثل المفكر الكبير سلامة موسي والكاتب الصحفي الليبرالي محمد زكي عبدالقادر،‮ ‬وفي هذه الحملة أغلقت عدة صحف ومجلات ودور نشر وطنية،‮ ‬وكان واضحًا أن هدف تلك الحملة التي انتهت إلي لا شيء تمرير ما يصل إليه صدقي من اتفاقات مع الإنجليز،‮ ‬وبالفعل توصل صدقي في أكتوبر‮ ‬46‮ ‬إلي التوقيع بالأحرف الأولي علي مشروع معاهدة مع وزير خارجية بريطانيا بيفين،‮ ‬عرفت باسم اتفاقية صدقي‮ ‬بيفن،‮ ‬إلا أن الشعب رفض الاتفاقية،‮ ‬بل إن سبعة من أعضاء وفد المفاوضات أعلنوا رفضهم لها لما فيها من انتقاص لحقوق مصر،‮ ‬وسقطت الاتفاقية ومعها سقطت حكومة صدقي في ديسمبر‮ ‬1946‮ .‬
    كانت السنوات السبع ما بين سقوط حكومة إسماعيل باشا صدقي بسبب الرفض الشعبي للاتفاقية التي وقعها بالأحرف الأولي مع أرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا وتوقيع اتفاقية الجلاء سنة‮ (‬1954‮)‬سنوات ساخنة مليئة بالحراك السياسي،‮ ‬فقضية الجلاء ووحدة وادي النيل‮ (‬مصر والسودان‮) ‬تتصدر الواجهة،‮ ‬وتشكل ركنًا محوريًا في الدعاية السياسية لكل الأحزاب والجماعات والتيارات السياسية،‮ ‬سواء تلك الأحزاب التقليدية التي ظهرت خلال النضال ضد المستعمر منذ بدايات القرن العشرين مثل الحزب الوطني،‮ ‬أو تلك التي ظهرت عقب ثورة‮ (‬1919‮)‬وخرجت جميعها من عباءة الوفد المصري،‮ ‬بل حتي القوي السياسية التي تستند إلي منطلقات أيديولوجيا احتلت القضية الوطنية مكان الصادرة في دعايتها،‮ ‬وقد كان هذا أمرًا طبيعيًا في حركة استلهمت الفاشية والنازية مثل مصر الفتاة،‮ ‬لكن الأمر امتد كذلك إلي التنظيمات الشيوعية التي شغلت القضية الوطنية حيزًا كبيرًا من نشاطها ودعايتها السياسية رغم احتدام قضايا الطبقة العاملة والفلاحين في تلك الحقبة،‮ ‬وشمل الأمر أيضًا جماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في مواجهة الحركة الوطنية،‮ ‬وظلت لسنوات تساند الملك في مواجهة الوفد الذي كان يقود الحركة الوطنية،‮ ‬وفي مطلع عام‮ (‬1947‮) ‬تجددت الاحتجاجات الطلابية،‮ ‬وكانت ضغوط الحركة الطلابية علي الحكومة من أجل اتخاذ موقف تجاه التعنت البريطاني يتزايد يومًا بعد يوم،‮ ‬ورغم أن الأشهر الأولي لوزارة النقراشي الثانية شهدت جلاء الإنجليز عن المعسكرات والثكنات العسكرية التي كانوا يشغلونها في القاهرة والجيزة والإسكندرية وآخرها ثكنات قصر النيل التي‮ ‬غادروها في‮ ‬29‮ ‬مارس‮ ‬1947‮ ‬ورفع الملك فاروق العلم المصري عليها في احتفال كبير يوم‮ ‬31‮ ‬مارس أعقبه بإيفاد مندوبين عنه لوضع الزهور علي ضريح مصطفي كامل وضريح سعد زغلول والنصب التذكاري لشهداء الجامعة في إشارة واضحة لأهمية الحركة الطلابية المصرية،‮ ‬وفي محاولة من الملك للتقرب إلي الحركة الوطنية المتصاعدة،‮ ‬تلك الحركة التي لم يكن يكفيها الجلاء عن هذا المعسكر أو ذاك،‮ ‬ولم تكن لترضي بأقل من الجلاء التام ووحدة وادي النيل،‮ ‬لذلك فقد اتجهت الحكومة إلي تدويل القضية المصرية بعرضها علي مجلس الأمن،‮ ‬وكان ذلك مطلبًا شعبيًا تجمع عليه معظم القوي الوطنية‮.‬
    ويبدو أن هذا الوضع انعكس علي الحركة السريالية التي كانت تقف في مواجهة النزعة القومية في الفن،‮ ‬فالمناخ العام بدأ يتجه أكثر فأكثر ناحية النزوع الوطني،‮ ‬وفي هذه المرة كان نزوعًا وطنيًا نحو التحرر الوطني والاستقلال ممتزجًا بالدعوة إلي العدالة الاجتماعية،‮ ‬وليس كما كان عليه الحال في لحظة ميلاد الحركة نزوعًا وطنيًا شوفينيًا‮.‬
    كما أن هزيمة النازية والفاشية،‮ ‬ونمو التيارات الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية علي الصعيد العالمي،‮ ‬ثم ظهور المعسكر الاشتراكي تحت الهيمنة السوفيتية،‮ ‬كل ذلك أثر علي المناخ العام وانعكس علي الحركة السريالية‮.‬
    لقد شهدت سنوات ما بعد الحرب تغييرًا كبيرًا في موازين القوي الدولية انعكس علي الوضع السياسي المصري،‮ ‬فمن ناحية سقطت النازية والفاشية والعسكرية الاستبدادية في ألمانيا وإيطاليا واليابان،‮ ‬واتجهت التنظيمات التي تأثرت بأفكارها في مصر إلي محاولة تغيير واجهاتها،‮ ‬فتحولت مصر الفتاة إلي الحزب الاشتراكي‮.‬
    ومن ناحية أخري شهدت تلك السنوات صعود الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي،‮ ‬والاعتراف المصري بالاتحاد السوفيتي‮.‬
    ومن ناحية ثالثة خرجت القوي الاستعمارية القديمة من الحرب وعلي رأسها فرنسا وبريطانيا خائرة القوي،‮ ‬وبدأت قيادة المعسكر الاستعماري تنتقل إلي الولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬التي كانت تتبع أسلوبًا مغايرًا لأسلوب القوي الاستعمارية التقليدية،‮ ‬وبدأ التوغل الأمريكي في ساحة السياسة المصرية من خلال دور صحفية جديدة،‮ ‬وضعت نصب عينيها الترويج للنموذج الأمريكي من ناحية،‮ ‬وتشويه الحركة الشيوعية والقيادة التاريخية لحزب الوفد من ناحية أخري‮.‬
    كما شهدت تلك السنوات صعود حركات التحرر الوطني ضد القوي الاستعمارية في أنحاء مختلفة من العالم،‮ ‬ولعب الشيوعيون دورًا مهمًا في التعريف بحركات التحرر،‮ ‬والربط بين نضال الشعوب ضد الاستعمار‮.‬
    وعلي الصعيد العربي احتدمت القضية الفلسطينية في هذه السنوات وبدأت تتحول إلي هم من هموم المصريين،‮ ‬وظهرت دعاوي القومية العربية تدريجيًا،‮ ‬كما تأسست جامعة الدول العربية،‮ ‬وأصبحت القضايا العربية حاضرة علي الساحة السياسية المصرية‮.‬
    لقد كانت تلك السنوات سنوات للتغيير،‮ ‬مصريًا وعربيًا ودوليًا‮.‬
    إذن كانت هذه لحظة الميلاد للسريالية المصرية،‮ ‬ولحظات تألقها،‮ ‬لحظة صعودها ثم تراجعها،‮ ‬كانت الحركة السريالية المصرية محاولة جريئة لتحدي التقاليد البالية والثورة عليها،‮ ‬محاولة للالتحام بتيار عالمي يواجه الدولة الاستبدادية وتدخلها لتقييد حرية الإبداع وتنميط الفنون والآداب،‮ ‬كانت محاولة لتحرير الإنسان بالإبداع الحر،‮ ‬واستمر تيار السريالية المصرية متواصلا حتي منتصف الستينيات رغم انتهاء جماعة الفن والحرية قبل أن تنقضي الأربعينيات،‮ ‬لتخبو تدريجيًا في لحظة تاريخية مغايرة،‮ ‬دوليًا ومحليًا‮.‬
    السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا تراجعت السريالية تدريجيًا في الخمسينيات والستينيات؟ لماذا تحول بعض روادها إلي التجريد،‮ ‬ولماذا لم تتكرر محاولة إنشاء كيان أو جماعة جديدة مثل الفن والحريّة أو جانح الرمال؟
    ‮ ‬هل يرجع السبب إلي طبيعة النظام الجديد الذي قبض علي الحكم بعد‮ ‬23‮ ‬يوليو‮ ‬1952؟ أم إلي تغيرات في المناخ الثقافي العام؟ هل بسبب الدور المتعاظم للدولة في مجال الثقافة؟
    لقد جاء إنشاء أول مدرسة للفنون الجميلة سنة‮ (‬1908‮) ‬بمبادرة أهلية فردية من الأمير يوسف كمال،‮ ‬ورغم أن الدولة بعد عشرين عامًا تبنت تعليم الفنون الجميلة في مصر وأدخلته تحت مظلتها من خلال إشراف وزارة المعارف العمومية علي مدرسة الفنون الجميلة العليا منذ سنة‮ ‬1928،‮ ‬ورغم إلتفات الدولة في أعقاب الثورة المصرية وصدور دستور‮ (‬1923‮)‬إلي أهمية الفنون الجميلة؛ إلا أن الدولة كانت تتعامل مع الفنون الجميلة من خلال لجان استشارية تضم بعض الفنانين المصريين وبعض المهتمين بالفنون لوضع الخطط واقتراح السياسات،‮ ‬دون حضور ثقيل لها في المشهد،‮ ‬بل أنه طوال الحقبة الليبرالية كانت جمعية محبي الفنون الجميلة تقوم بدور المعاون في رسم سياسة الدولة في مجال الفنون،‮ ‬وفي إقامة المعارض وفي تأسيس متحف الفن الحديث‮.‬
    وفي المرحلة التي أعقبت وصول الضباط الأحرار إلي السلطة في يوليو‮ (‬1952‮)‬بدأ عصر جديد في العمل الرسمي في المجال الثقافي بما في ذلك مجال الفنون التشكيلية؛ ففي أواخر عام‮ (‬1952‮)‬أنشئت وزارة للإرشاد القومي تداخلت في مجال العمل الثقافي،‮ ‬وتراجع تدريجيًا دور الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني في الثقافة والفنون مثلما تراجع في المجال العام كله،‮ ‬خصوصًا بعد أزمة الديمقراطية في مارس‮ (‬1954‮)‬،‮ ‬واستقرار النظام الشمولي بصدور دستور‮ (‬1956‮) ‬والاستفتاء علي جمال عبدالناصر رئيسًا للجمهورية‮.‬
    وفي عام‮ (‬1956‮) ‬أنشئت مصلحة الفنون التابعة لوزارة الإرشاد القومي،‮ ‬في الوقت الذي كانت فيه الإدارة العامة للفنون الجميلة تتبع وزارة التربية والتعليم،‮ ‬وظل الحال علي ذلك حتي عام‮ (‬1958‮)‬عندما أنشئت وزارة الثقافة والإرشاد القومي فضمت كل الأجهزة الثقافية للدولة بما فيها الإدارة العامة للفنون الجميلة التي تطورت علي مدار السنين لتصبح الهيئة العامة للفنون سنة‮ (‬1971‮)‬،‮ ‬ثم تحولت إلي المركز القومي للفنون التشكيلية في‮ (‬1980‮)‬ثم قطاع الفنون التشكيلية في الألفية الجديدة‮.‬
    وفي نفس الوقت تم إشراك الفنانين والنقاد والأكاديميين في إدارة الشأن الفني من خلال لجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلي لرعاية الفنون والأداب الذي تأسس سنة‮ (‬1956‮)‬كمجلس استشاري لرئاسة الوزراء،‮ ‬ثم أُلحق بوزارة الثقافة والإرشاد القومي عام‮ (‬1958‮)‬بعد أن أضيف لاختصاصه مجال العلوم الاجتماعية،‮ ‬وكان دور المجلس ولجانه استشارياً‮ ‬في أغلبه،‮ ‬وفي عام‮ (‬1980‮)‬حل محله المجلس الأعلي للثقافة بسلطات أوسع،‮ ‬ومن ضمن لجانه لجنة للفنون التشكيلية،‮ ‬وظهرت بصمات الدولة علي الحركة الفنية من خلال نظام منح التفرغ‮ ‬ونظام الاقتناء،‮ ‬والذي أشرفت عليه لجان المجلس الأعلي لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية،‮ ‬وهي لجان‮ ‬غلب علي رئاستها وعضويتها في سنواتها الأولي جيل من الفنانين والنقاد التقليديين،‮ ‬كما ظهر دور الدولة واضحًا في تنظيم المعارض الفنية‮.‬
    ورغم أن الدولة لم تعلن رسميًا محاربة السريالية والاتجاهات الفنية الجديدة،‮ ‬إلا أن الحركة النقدية والحركة الثقافية في الخمسينيات والستينيات‮ ‬غلب عليها طابع الصراع بين تيار تقليدي محافظ وتيار يتبني أفكار الواقعية الاشتراكية ودعوات الفن‮ "‬الملتزم‮"‬،‮ ‬وكلاهما تيار‮ ‬غير مرحب بالسريالية،‮ ‬بل كان الإحساس العام يسير في اتجاه معاكس وساخر ومستهجن للسريالية،‮ ‬الأمر الذي كان واضحًا في كتابات صحفية،‮ ‬وأعمال درامية وسينمائية تصور الفنان السريالي وتتحدث عن السريالية بصورة هزلية‮.‬
    لقد ظهرت في الخمسينيات والستينيات أجيال جديدة من السرياليين المصريين،‮ ‬قدموا إسهاماتهم المنفردة في الحركة الفنية التشكيلية في مصر،‮ ‬ومزجوا بين الرؤية السريالية والبعد الشعبي المصري،‮ ‬لكنهم لم يشكلوا أبدًا تيارا أو كيانا فكريًا وفنيًا مثلما فعل الرواد الأوائل للسريالية المصرية‮.‬
    أخيرًا،‮ ‬فرغم أن السريالية في مصر ظلت محصورة في إطار مجموعة من المبدعين من الأدباء والفنانين التشكيليين،‮ ‬إلا أنها شكلت بلا شك جزءًا مهمًا من الحركة الفكرية والثقافية في مصر منذ أواخر الثلاثينيات حتي منتصف الستينيات من القرن الماضي،‮ ‬كما ارتبطت بالحركات السياسية التقدمية في هذه الحقبة،‮ ‬وكانت أحد أشكال التفاعل بين مفكرينا ومبدعينا والتيارات الفكرية في العالم‮.‬


    * عن جريدة اخبار الادب المصرية

    .

    [​IMG]
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة