1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

مصيصة..

الموضوع في 'قصة قصيرة' بواسطة محمد شهبون, بتاريخ ‏12/10/16.

  1. تحلب فمه الصغير وهو يحدق في زميله يتلذذ بمص حلوى “كوجاك” برتقالية اللون والمذاق.
    – قسم معايا.
    – مكتقسمش.
    – عا مصيصة!
    هز الصاحب كتفيه مرات دون أن يتكلم.. كان رأس الحلوى المستدير يملأ الفم الصغير كله.. وعلى جنبيه يتعسل اللعاب المتدفق.
    – فأححح.
    بلذة لا قبل له على تحمل غوايتها!
    عاد إلى تأمل المشهد اللذيذ متحسرًا.. الرأس البرتقالي الشهي يختفي لحظات كأنها دهر، ثم يعاود الظهور.. ليتجدد معه الأمل الوردي في مصيصة صغيرة يصد بها سيلان الماء في فمه.
    – ياك احنا أصحاب.
    هز الآخر كتفيه مرة ثانية.. كأنه يتبرأ من صحبة وهمية لا يستحضرها قرينة إلا عند حاجته لمصيصة لذيذة.
    أحس بفمه ينفتح وينغلق على وهم سائل.. سرعان ما انتبه أنه يمص باطلا، فمسح ركني شفتيه المُتحلبتين.. ليلعب ورقة المقايضة، فالزمن دوار، والمصاصات دول!
    – ذوقني.. ونذوقك!
    نظر إليه شزرًا، ودفع بمصاصته بعيدًا في غور الفم، كأنما يريد أن ينأى بها عن عيني صاحبه اللتين تكادان تخرجانها عنوة.. أطبق أسنانه على جزء من الحامل البلاستيكي، وتوقف عن المص تاركًا الحلوى اللذيذة سجينة بلا حراك.
    – عااافاك!
    قالها وهو يجاهد ليصد فوران الدمع في عينيه عن الانفجار.
    أحكم صاحبه إمساك الحامل بين إبهامه وسبابته، وأخرجها بغضب وسرعة.
    – حُل فمك!
    اختلطت المفاجأة بالارتباك.. فتح فمه، ورفع يديه ليستقبل الحلوى.. لكنها رجعت من منتصف الطريق!
    – حَـيّد يديك!
    أرخى يديه مستسلمًا.. لكن صاحبه لم يأمنهما.
    – ردهم موراك!
    رد اليدين وراءه يعتقلهما بعقال خفي!
    اقترب منه صاحبه، وضغط بيده اليسرى على جانبي فمه، فانفرجت ثغرة صغيرة في جدار الوجه الكالح.. دفع فيها الحلوى بسرعة خاطفة.. انطبقت الأسنان والشفتان بسرعة.. لكن فات الأوان.. أفلت الرأس اللذيذ بعيدًا.. وأحس بألم العضة على لسانه.
    – ياك.. باغي تغدر!؟
    توعده صاحبه بنظرات نارية، وأعاد مصاصته إلى فمه بعدما مسحها في كم قميصه.
    رفع القرين أصابع يده اليمنى يقبلها متوسلا.
    – عا امصيصة وحيدة!
    – باش تديها.
    – والله ما نديها.. ها أنت!
    رد يديه معًا وراء ظهره، وأغلق عينيه، وفتح فمه الصغير.. وتسمر منتظرًا بسكون الكبار.
    – يا للاه مص!
    نظر من وراء ظلمة العينين المغلقتين إلى الرأس البرتقالي اللذيذ كأنه صاروخ يخترق الفضاء.. تدفقت مجاري اللعاب، وجمع شفتيه بهدوء تام.. لا مجال لإثارة الريبة.
    – ههههههه
    كان هول الخيبة كبيرا.. فقد دفع صاحبه في فمه قطعة خشب خشنة لا طعم لها ولا مذاق.
    – ياك..
    توعد صاحبه في مذلة باكية.
    غطى عينيه بمرفقه الأيمن، وانخرط في نحيب مؤلم!
    – صافي.. هاك.. غي امصيصة!
    قال صديقه متأففا.
    – سد عينيك، ورد يديك اللور، عاد تحل فمك!
    امتثل مستبشرًا.
    أحس برائحة البرتقال في فمه.. أطبق الشفتين متلذذًا.. أخذ من الحلاوة المعسلة ما أنعش خلاياه التي أتعبها طول الانتظار.
    غادرت الحلوى بأمان.. أعادها صاحبه إلى مكانها الأول.. أدخلها وأخرجها مرارًا.. بدأت الكرة الحلوة تصغر شيئًا فشيئًا.
    – عا امصيصة أخرى!
    نظر زميله إليه مستوثقًا.. فلم ير إلا البراءة المتعطشة.
    ارتخت الإجراءات الاحترازية بعد نجاح “المصيصة” الأولى.. تساهل في اعتقال اليدين، وغض الطرف عن العينين غير المغلقتين كليًا.
    أدخل ما تبقى من “كوجاك” البرتقالية في فم صاحبه.. مصيصة، مصيصتان، ثلاث..
    جذب الحامل البلاستيكي برفق.. لكنه تعثر، عاود الجذب بقوة، لكن دون طائل!
    – أطلق!
    صرخ غاضبًا.
    أحكم الصاحب إغلاق الفم بسورين من الأسنان والشفتين.. ووضع الحامل بين ضرسيه.. ودفع بالرأس اللذيذ في غياهب بعيدة!
    جذب زميله بعنف باك وقد أمسك بتلابيبه.
    – أطلق.. آلغدار!
    أدار القطعة المستديرة بسرعة وسط الفم لاستنزاف حلاوتها الخارجية بغية بلوغ لبها المعسل.
    حال جذب صاحبه دون بلوغ الهدف.. خاف من ضياع الثروة اللذيذة، فهوى عليها بضرسيه الحادين.
    – طرق.. طق طق طرق طق.
    لم يحس بطعم اللب المعسل، فقد طحن كل شيء بسرعة كبيرة، ودفع الشحنة دفعة واحدة لتهوي عبر الحلق الصغير نحو مستقرها.
    – فأححح.
    سقط في يد صاحبه، وهو يخرج عودًا بلاستيكيًّا بلا رأس!
     
    أعجب بهذه المشاركة حميد بن خيبش
  2. اقتناص اللحظة وإثراؤها على هذا النحو بتفاصيل غاية في الجمالية والإمتاع هو عين السرد الذي يؤكد أن كل الأخيلة لا تصمد أمام براعة الاقتناص من الواقع .
    تقديري لهذه " المصيصة " التي أحدثت في مخيلتي جلبة غير معهودة .
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد شهبون
  3. تحياتي لك أيها البهي سي حميد.. شكرا على قراءتك الجميلة وتعليقك المشجع..
     
  4. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    لوحة واقعية لعالم الأطفال الذي لا يرحم
     
  5. محمد فري

    محمد فري المدير العام طاقم الإدارة

    لحظة سريعة، حولها الوصف الدقيق الممتع إلى لحظات ،،،حبكة متماسكة دقيقة، أعطت مجالا وافيا لزمن السرد ،، مودتي
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد شهبون
  6. شكرا أستاذ محمد على مرورك البهي.. لك التحيات العطرات...
     

مشاركة هذه الصفحة