1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

رأس طبيب..!

الموضوع في 'قصة قصيرة' بواسطة محمد شهبون, بتاريخ ‏12/3/16.

  1. قصة قصيرة:
    رأس طبيب..!

    درستُ الأدب في المدرسة الثانوية..في الحقيقة لم أدرسه..لكنني درسته (بترقيق الراء)..
    بلا فخر .. وجدتُني مكرها على الالتحاق بشعبة الأدب إن أردتُ البقاء في المدرسة...وإلا فإن الشارع يناديني: بالأحضان..!
    لقيتُ في شعبتي مخلوقات عجيبة..ليس بينها وبين التعلم إلا " الخير والإحسان".
    ورغم ذلك، وبكل الوسائل(......) استطعت الحصول على "الكرطونة"..ألم يخبرونا بأنها المفتاح الأول لأبواب الحياة..؟
    تأكد لي أنها واحدة من الكِذبات الكبرى التي صدقتها رفقة زملائي من المخلوقات العجيبة!
    كان ينبغي أن نعرف أن " الكرطونة" مفتاحٌ فعلا.. ! لكنه في يد بعض الناس من أولاد الناس الذين تنتظرهم الأبواب المفتحة سلفا ليدخلوها آمنين!
    أما أنا رفقة المخلوقات العجيبة فلا زالت الأبواب مغلقة..
    ربما إلى يوم القيامة..!!
    على كل حال فأنا أعترفُ أني لم أبذل في دراستي جهدا أحتجُّ به لأنال وظيفة ما..لقد حسمتُ أمري مبكرا:
    لا وقت لدي للاحتجاج أو التظاهر.. ! اخترتُ أن أبيع "سيكوك"[1]..!
    أما قبل...
    فمنذ خلقت إلى هذا العالم والجميع يشهد ألا مستقبل لي في الدراسة..
    ورغم ذلك فعلَها الإصرارُ الأحمق...فنلتُ في سنوات دراستي من العصا ما لم ينله محدودٌ زنى بأمةٍ كاملة...
    أُعيدُ الفصل الدراسي سنوات.. فأغادره مدفوعا إلى الموالي تخلصا من جرثومة كريهة..
    نبتَ الشارب وحلقتُ اللحية ولم أغادر بعْدُ الطور الإعدادي...ولولا حياءُ المعلمين والمعلمات لكنت فيه من الخالدين..!
    كان أبي المسكين حين يضع يده على راسي الكبير يقول:
    - راسك ديال طبيب..!
    نظرات أمي إلى رأسي تعلن ريبَتها في وُثوقية أبي..لكنها لا تجرؤ على تهشيم حلمه الجميل..
    تعرف أن حلمه هذا هو حبله السُّري إلى الحياة..
    طافتْ به المستوصفات والمستشفيات..زارتْ كل طبيب أُشيرَ عليها بزيارته..باعتْ قليل ما ملكت في حياتها كلها من أجل علاجه..بكتْ أمام كل الأبواب...وقبلتْ كل الايادي والاكتاف..توسلتْ بكل غال وشريف..لكن الجواب واحد:
    - "ما عندنا ما نديرو ليه.!"
    أسلمَته إلى يد القدر تطوي صفحات أيامه المعدودة تباعا..
    - راسك ديال طبيب.!
    تنظر أمي إلى راسي بشك..تعرفه..ففي بطنها نبتَ وكبر..تعرفه جيدا..
    تتمتم بكلمات لا يسمعها أحد!
    لكن ملامحها ناطقة:
    - "راسو ديال الطارو.."
    أمي صادقة..
    أنا أيضا أعرف راسي..ليس فيه من رؤوس الأطباء شيء..
    في رأسي قناطير من الخمول والكسل..وفيه كيلومترات من الفراغات القاحلة....لا إنكار.!
    لكن – أيضا- ليس فيه شيء من خداع ولا خطط للمتاجرة في أبدان المرضى المنكوبين..!
    نعم أعرف راسي، ليس فيه شيء من حب الدراسة ولا التفوق في طلب العلم..لا إنكار.!
    لكن - أيضا- ليس فيه شيء من نوازع السمسرة في دموع المتألمين المنتحبين أمام مراكز العلاج..
    ولذلك لم أكن أشعر بأي ندم إذا لم يكن لي رأس طبيب..!
    أبي مُصرٌّ..
    استعار ذات يوم وزرة بيضاء من صديق يبيع " سيكوك" وجاءني بها على عجل..
    - "البس..هانت طبيب نعم أسي. ."
    لبستُها..فغرق جسدي فيها..طلب مني التحرك في غرفتنا الوحيدة..حاولتُ تقليد مشية الاطباء حينما يفرون في ممرات المستشفيات كي لا يلاقيهم مريض..قلدتُ نظراتهم الجانبية من عَـلٍ إلى توسلاتٍ تتعلق ببقايا دروس الانسانية السخيفة التي تلقوها قديما في المدرسة...
    كنت أخطو خطوات قليلة أمامه، وعيناي تراقبان مواضع قدميّ..كي لا أسير على فراش باهت..أو أكسر إناء لا مكان له إلا على الأرض. !
    تملى أبي بالنظر إلي وانتشى.. طبيبا أرادني "ولا باس".
    على فراش المرض ظل ينتظرني طويلا..أحس به يقاوم الآلام..ويستزيد من الحياة أيام الوجع والأنين، لعله يغمض عينيه ختاما على صورة ولده الطبيب!
    شحنتُ لديه بطارية الوهم الجميل..
    أمُدها كل يوم بكذبة جديدة: امتحانات..تدريبات...أسفار..
    لا يقبل دواء من أحد سواي..ولا يأكل شيئا إلا بطلبي..
    فأنا الطبيب.. !
    أما بعد،
    مات أبي..ولم أصبح طبيبا..
    لأن رأسي منذ اليوم الأول لم يكن رأس طبيب..!



    [1]- سيكوك أكلة مغربية شعبية تتكون من خليط الكسكس واللبن.
     
    آخر تعديل: ‏12/3/16
    أعجب بهذه المشاركة محمد اليعقابي
  2. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    رائعة هذه الأقصوصة بما تحمله من معاناة الكثيرين مع المدرسة ومع أحلام آبائهم التي تثقل كاهلهم.
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد شهبون
  3. الروعة من متابعتك ودعم أستاذي الكريم محمد
    تحياتي اليك
     
  4. قصباوي

    قصباوي عضو جديد

    صحيح .. قد لا يكون المرء شيئا يذكر ، غير أن قيمته إنسانا تعليه إلى أسمى المراتب حين ينام وبطنه فارغ من لحم أخيه أو ماله أو عرقه. . قصة من عيار ثقيل أستاذ محمد شهبون. تحياتي والشكر.
     
  5. مفاجأة سارة جدا أن احظى بقراءتك و بتعليقك أستاذتي الكريمة...لك اطيب التحيات وأصدق الدعوات
    شكرا
     
    أعجب بهذه المشاركة قصباوي
  6. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    بالرغم من أن الرأس لم يكن رأس طبيب، فإنه دل على إنسان فيه غاب عمن تولوا رعاية الناس ومداواتهم.
    بيع سيكوك أفضل من تجاهل آلام الناس.
    نص طيب بمغوى اجتماعي رائع.
    مودتي
     
  7. شكرا أستاذي سي عبد الرحيم
    تحية لمتابعتك
     
  8. راس الطارو البريء الحالم أعظم مليون مرة من راس الطبيب الذي قد يكون يتاجر وباحترافية في حياة كثيرين . هي قصة أبدعت فيها اخي واقتربت بواقعية جميلة من هموم اﻵباء وآمالهم الساذجة احيانا
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد شهبون
  9. شكرا لجميل متابعتك
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة