1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

حالة إفطار

الموضوع في 'قصة قصيرة' بواسطة جبران الشداني, بتاريخ ‏15/1/16.

  1. جبران الشداني

    جبران الشداني المؤسس طاقم الإدارة

    كتسلل صوت غنائي عذب.. ساعة هي بين الصحو و حافة فنجان القهوة، أسمعها تهمس لي بكلام ما عناني فهم معناه. كنت اتأمل رقص شفتيها، و تلألأ الضياء على بلل الحمرة، و كنت أريد العودة للنوم و قلبي يحدق بكل نبضاته في أخر مدى ثغرها الشبيه بحبات الكرز..
    بعد ذلك ذهبت، و لا يعنيني المكان، و أفقت بشكل نهائي بعد خمسة عشر دقيقة، تقريبا… كنا وحدنا أنا و ظل قدح القهوة، و خيل إلي أن ريحا من شوك و زعتر تهب في اتجاه قامته، كان الظل يقترب أحيانا من أصابعي، و كأن شمسا معادية تتمايل خلفه، كان ينظر إلي بارتياب خلف صفحات الجريدة، و لما طافت يدي على ضفافه فكرت أنني على وشك ارتكاب خطأ تاريخي فادح.
    بين الظل و يدي، انفتحت ذاكرة الأمس قليلا، و تذكر أحدنا تلك الذبابة الانتحارية التي رفرفت غير بعيد عن قطعتي السكر، حين انفجر جسدها الغض دون أدنى إنذار، و تشتتت الشظايا في امتدادات موجية غير محسوبة، أعلنت أوصالي حالة استنفار قصوى، و ألقيت بناظري..حتى آخر أفق من مجالي الحيوي..
    في البداية قالت لي صديقتي باسمة:
    ـ تهييء فنجان من القهوة ليس صعبا، تعرف ذلك؟
    ثم أرسلت قبلة عبر الهواء و صدت الباب.. ظل رنين انغلاق ختم حقيبتها الجلدية، يتردد خلفها بين الجدران، و لكني كلما وضعت الفنجان، في الناحية الشرقية من الطاولة ، و أشعلت رائحة البن في حقل الصباح… أضيع مرة أخرى في التفاصيل.
    بعد انتحار الذبابة، فكرت أنني قد أكون بريئا و دخيلا على هذه الحرب، بدأت تدريجيا أستعيد قدرتي على ترتيب الأحداث، كنت أحرك الملعقة وأتفحص أسفل الفنجان و أدس ذقني بين ثنايا المنديل الأبيض .. ، و أعد دوائر قماش الطاولة، ذي التعاريج الزخرفية الفارسية، ترصدت كل حماقات الفنان، و انسيابات ريشته في منعطفات مراوغة غير متوقعة.. ظننت في الحقيقة لسنوات مضت أن بوسعي أن أضع حدا لحياة كل خفقة على هذه الرقعة… أنني الدكتاتور هنا، حتى اكتشفت مصدوما ألغاما تطل بمناقيرها المعدنية السوداء بين قطع الخبز..
    تناثرت أوراق الجرائد القديمة .. بين معصمي، و خلف هياكل السيارات المحروقة، جرائد زرقاء و خضراء و حمراء، مقالات يمينية و اخرى يسارية.. و رويدا رويدا.. انزاحت سُتُر ضباب مشبوه عن هامات شفافة تحفر خندقا خلف ظلال الساعة...
    تحرك مزلاج الباب، و دخلت صديقتي ثم قذفت بجسدها إلى الأريكة المقابلة..
    نظرت إلي بما يشبه الشفقة.. قربت الفنجان نحوي ، و شربنا قهوتنا دون كلمات.
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏21/5/16
  2. محمد فري

    محمد فري المدير العام طاقم الإدارة

    يتميز النص هنا بإيحاءاته ودلالاته البعيدة التي لاتسلمك المعنى إلا مقابل جهد مشروع؛ وهو جهد يدفع بك إلى البحث عن العلاقة الخفية غير المباشرة بين النص وواقعه؛ بذا تتضح لك أبعادٌ شاسعة يصرح بها النص معرضا بواقع إشكالي لاتعكسه إلا لغة تستعير أدواتها من إيحائيات الأساليب البلاغية..
    إذن يمكن القول إن النص لاينقل الواقع مباشرة ولايصوره فوتوغرافيا ولا يحكي مباشرة بل بينه وبين الواقع مسافة لغوية سردية تمتح من مخزونها صورَها ومتوالياتِها الخاصة بها.
    تلك ميزة عودنا عليها الأخ جبران في جل نصوصه؛ وهذا مايجعل التفسير المباشر مرفوضا وغير نافع؛ لأنه يسقط القارئ في متاهات ما أنزل الله بها من سلطان مثلما حدث مع نصوص له سابقة؛ ومع قراء وقفوا عند السطح؛ فزلت بهم القدم..
    بانتظار وضع كل النصوص في مجموعة سردية شاملة؛ لك كل المودة أخي جبران
     
    آخر تعديل: ‏15/1/16
  3. محمد اليعقابي

    محمد اليعقابي مشرف قسم المقالة طاقم الإدارة

    لا يجب الاستهزاء بانتحار الذباب، إنه القشة التي تقصم ظهر البعير، أو بوادر انهيار عالم بأسره. يبقى الحب. لكن هل الحب صاف من كل قذى الحياة؟
     
    أعجب بهذه المشاركة جبران الشداني
  4. جبران الشداني

    جبران الشداني المؤسس طاقم الإدارة

    أسعدتني بهذا التعليق الطيب أخي محمد، و أعدتني لايام خلت..
    أجمل الذكريات عشناها على ضفاف القصة القصيرة، و أظن، و يمكن أن أخطئ، أن الققجة قد شوشت كثيرا على صفاء التفاعل بين الكتاب.
    هي شهادة أعتز بها صديقي و أتمنى أن أكن مستحقا لها.
    أما المجموعة.. فبعد الزواج إن شاء الله... يعني بعد عامين أو عشرة...:)
    كل الود
     
    أعجب بهذه المشاركة محمد فري
  5. عبدالرحيم التدلاوي

    عبدالرحيم التدلاوي مشرف سرديات طاقم الإدارة

    نص مسبوك بعناية يتطلب الكثير من الجهد لفك رموزه وإشاراته.
    مودتي
     
  6. -هو قص تائه بنفسه..هناك نسختان..الكاتب اللاشعوري والسارد المخيالي...وهناك ايقونات متراصة، كزمن وجبة الإفطار، واليد، والفنجان، والظل، وشبح امرأة...كلها تشاكس الكاتب وتراوغ اللغة وتوهم القارئ..يحكي السارد الكثير في "القليل" المتشظي.. ولا يحكي القليل في "الكثير" المنسي...إنه اللاشعور المتسلل، المتوزع في أسراره الصماء..ننتظر أن يستيقظ المؤلف ليرتب دواخله على نصوص تفضح سر هذه القصة القصيرة.. هي قصة لغة لا تشتغل على اللفظية الجامدة ولكن على الدلالات الموحية، التي تحوط بها أسلاك شائكة من التوهيم، لتسجن في أمان مصطنع واطمئنان واهم كل الأسرار..وهكذا ينتج القص من لاوعي الكاتب مظاهر حركية عبثية، انطلاقا من أحاسيس وبواطن مشمعة لا تبوح..وما نراه سوى صورة تشبه منجز رسومات شاردة، وكأنها لطفل يلهو...جبران الشداني يقول الكثير الممتنع انفتاحه، ولكن عبر "ميتارؤاه" التي تسير في خط مواز لواقعه المغلق..إنها وضعية تفرض شرودها مع حالة إفطار قد تكون معتادة، لكنها تحرر التخييل.
    -هو نص محير مقلق..براعته تكمن في هذا الخفاء المشمع بالانغلاق على نفسه، يحركه الأسلوب التكعيبي بأوجهه المتقلبة والمتراقصة، وتقطيعاته السردية المكسرة لسداجة الإدراك..إنها لوحة تجريدية بخطاب سرابي، لن تجد موقعها إلا داخل تركيبة إبداعية متكاملة...وعلى كل دراسة أو نقد أن ينتظرا ما تهيئه اشتغالات التأليف..مع التحية للمبدع جبران ونص قصته المنيع، ليس بالغموض ولكن بالممانعة.
     
    آخر تعديل: ‏25/1/16
  7. استمتعت بقراءة هذا النص الجميل والشيق، نص ثائر ومتمرد على الخاصية الأسلوبية التي ألفناها تتكرر في نصوص القصة القصيرة، نص أنقذ ما يسمى حالة "التشبع" للمبدع والمتلقي،نص مقلق ومحير ومشاغب يدفع بالقارئ أن يلاحق عناصر سلسلة الكلام التي تحمله على التفطن والانتباه ، فكلما توغل القارئ في القراءة إلا وجد مفاجآت تغمره بالدهشة والحيرة. فالكتابة الفنية تختلف عن اللغة العادية في الأسلوب وانحراف اللغة التي تسعى لتحقيق الأثر الكلي للنص.
    فالنص يقول الكثير، لكنه يحتاج لمفاتيح ذهبية تساعد على اكتشاف جغرافيته ..وقد أعجبت بقراءة أخي سي محمد فري وأخي سي العربي الرودالي ،قراءة هادفة ومركزة .ملاحظة : أضغط على "أعجبني " دون استجابة..ربما لم أعرف التعامل مع الحاسوب .
    جميل ما كتبت وأبدعت أخي المبدع المتألق جبران ..
    محبتي وتقديري
     
    آخر تعديل: ‏26/1/16
    أعجب بهذه المشاركة العربي الرودالي
  8. حالة افطار وتهيئة فنجان من القهوة الصباحية هي ما اثارت كل هذه الافكار الجميلة حول حادثة انتحار الذبابة المسكينة ، اعتقد ان الولوج الى افق النص صعب جدا لمن لم يكن متابعا لمسار الكاتب المحترم، ولكن تبقى( اليد والظل والهامات التى تحفر خندقا خلف ظلال الساعة) مفاتيح يمكن الانطلاق منها كما ذكر الزميل، المهم ان النص حقق نصيته بجمال ، فاللغة شاهقة وآسرة ، والغموض محبب يغري بالتفكير الجميل ،وما الكتابة ان لم تكن مساءلة جمالية للذات والوجود واللا مرئي.
    شكرا استاذ جبران
    بكل تقدير
     
  9. أحييك الأستاذ جبران عن جمالية الحبك السردي وتقنياته
    نص يتميز ببعده الأدبي المبني على لغة الإيحاء التي تضفي عليه جمالية تجعل منه نصا أدبيا بعيدا عن الحرفية
    إنه نص تحققت فيه الأدبية لأنه لم يسقط فيما نبه إليه بارت بقوله
    (lorsque le sens l'emporte le texte cesse d’être littéraire et devient stéréotype)
    إن عدم طغيان المعنى على المبنى هو ما يكسب النص أدبيته وإلا سقط في النمطية واللاأدب (la littéralité)
    تحياتي وتقديري
     

مشاركة هذه الصفحة