1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف بدر شاكر السّياب

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏13/6/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    قاسم حداد
    ثلاثون موتاً مطر واحد و محتملان




    1

    أعرف صديقا، كلما هطل مطر فـي الأرض، جـاء يدق بقبضتـه جدار غرفتـي صارخـا: " أخرج، لقد جـاء المطر وعلينا أن نقرأ أنشودة السيـاب ". فأخرج معه، دائما كنت أخرج، ليأخذنـي بسيارته ونقف على سـاحل البحـر والمطر يغسل كل شيء، يخـرج ديوان "أنشودة المطر " ويطلب مني أن أقرأ، فيما هو يحـتـقن. هكذا كل شتاء. صديق مثل هذا، يقرأ المطر بدموع السياب، لن يغفر لي سهوا ولا غفلة عن الشعر، معبرا عن إعجابه الأزلي ببدر، و متوغلا معي فـي تحـولات الفصول منذ الدرس الأول. ذلك الدرس الذي صاغ اتصال جـيلنا بالشعر بوصفه مطر الحيـاة على يبـاس الأرض. لكي يوشك الارتباط الخرافـي بين السيـاب والمطر أن يصبـح أحـد معالم الثـقافة العربية المعاصرة. ليـس لأن " أنشودة المطر " خصوصا هي واحـدة من أهم التجـارب الشعرية العربيـة، ا المؤسسة فحـسب، ولكن لأن الهيـام الوجـودي بالمطر لدي السيـاب يشكل المفارقة الحيـاتية التي صاغت تجـربـة السيـاب الرؤيوية. فهو الشاعر العربـي الذي مات لفوط المرض والعوز بـالمعنى المادي للكلمة، مات وهو يصوغ شعرا فتح، لأكثر من جـيل،الأفق للشعري العربـي برحـابة نهر لا ينضب. وهنا تكمن طاقة الرؤيا التي سيصدر عنها السياب ذاهبا نحـو قدره المأساوي. ذهب، غير محسود على الموت

    2

    " أتعرفين أي حزن يبعث المطر.. " ويطلق صديقي تنهيدة ادخـرها طوال الصيف، لكـي يفصح عنها تحت مطر السياب. أتساءل أحيانا، لفرط الحرائق التـي يلهبني بها صديق مثل هذا، ما إذا كان بمقدور الإنسان أن يحمل هذا القدر من الألم، ويكون مستعدا لأن يتطوع باستـعادتها كمن يستحـضر أحلامه المغدورة. لكن السيـاب كـان يذهب إلى أبعد مما يتعثـر به صديقي بـين مطر و آخـر. لقد كـان يختـزل الحـزن الإنساني كله في كـلمات. وكـان علينا أن ننتظر سنوات لنحـيط بتـجـربة السيـاب صـاعدا بعذابـه الجـسدي والروحـي وهو يجـابه الواقع. علينـا التـخـبط فـي محـتملين أمام تجربة السياب التي لا تزال متاحـة للدرس و التأمل كـأنها تحدث الآن محـتملان كـان السيـاب يقتـرحها على مستـقبلنا الشعري العربـي: الخـضوع لوهم الواقع بإعتباره التفسير الوحيد للشعر، وبالتالـي الامتثـال لكـل ما تطرحه علينا تنظيرات النقد الأبي بـي الذي لم يكن يـرى إلى الأدب إلا انعكاسا للحدث العام. وهذا الاحـتـمال هو لأبرز والأكـثـر شيـوعا حيث يتـعرض السيـاب لآلتـه الجـهنميـة، ويصبح وردة الضحـايا لتـلك المرحلة. الاحتمال الآخر، هو الإيمان بطاقة المخـيلة بوصفها جـوهرة المراصد التـي تـأخـذ الشاعر والشعر والقارئ نـحـو أفق يصدر عن الأعماق، حيث لا نكون صادقين حقا إلا هناك. وهو احتمال اقترحتـه (من بين تجـارب شعرية نـادرة) تجـربة السيـاب فـي الجـانب المكبـوت فيـها والمسكوت عنه نقديا أكثـر الأوقـات. فمعظم النقد الذي احـتـفى بالسيـاب انحـاز لشائـع الإحـتمال الأول، لكونه يلبي متطلبـات تلك اللحظة. لكن مايبـقى من تجـربة السيـاب الرؤيـويـة هو ما سوف يتصل دوما بـالإحتمال الآخر، الذي تتأكد لنا الآن قدرته على سبر الروح واكتشاف الجسد وتحرير الجمال على الجانبـين، حيث يكون الشعر هو الحلم بإعتباره كشف الواقع وفضيحـته ومجـابهة الحياة فيـه

    3

    الصديق يطرق جدار الغرفة صارخـا بـي، كمن ينـهر جرحـا متـماثلا للنوم: "أخـرج. المطر في الخـارج، تعال لنقرأ السيـاب تحت سقفه الأثير، المطر". هكذا فـي كل مطر، يترك كل مشاغله ويأتـي لكـي يسمع الشعر. قلت لصديقي ذات ليلة: "هل تعرف أن السيـاب مات بعيدا عن بيته وأهله ووطنه؟ ". فـاستنفر، كمن يريد أن يغفل عن الموت: (، لا تصدق، إن الشاعر لا يموت ". وصرت أتيقن بخـلود الشاعر كلما أعدت قراءة السياب، وأنحـاز لعذابه ومعاناته ضد واقع كان يحـدق به ويستهدف مصادرتـه بشتى الأشكال. ففي مثل هذه المجـابهة ضرب من اخـتبـار طاقة الشعـر على اخـتـراق الحـصـارات كلها، مـبـتكـرا الوقت والمكان. ويـومـا بعـد يوم تعلمت من السيـاب، فـي أجمل شعره، أن الشعر هو ماتكتبه وليس ما يكتبك. بمعنى أن الشعر هو مايصدر عن ذاتك (+ العالم) وليس ما يصدر عن العالم (+ ذاتك). فعنـدما أتمعن فـي تجـربـة السيـاب أشعر بـأن بؤرة عذاباته الروحـيـة تكمن فـي صراعه المأساوي بين مـا يحـب (ويحلم) أن يكئـبـه، وبـين مـا يسعى (الواقع) إلـى فرضه لكي يقوله عنه، وهذا مـا أوقـع السيـاب (كـإنسان) فـي الملابسات التـي جعلته ضحـيـة المهانات والعذاب فـي حيـاته. ففيما كان يكتـشف تفجـرات الشعر من جـهة، وينغمس متورطا فـي تفجـرات الروح والجسد من جهة أخـرى، كان الشاعر فيـه يبرأ من الحيـاة متطهرا بالتجـربـة. و قـد أتاح له كل ذلك أن يعرف كـيف تضيـع الجموع فـي تيـه الوهم، وكيف يضرب الجفاف روح الإنسان شوقا إلـى أنشودة المطر، ويعرف " كيـف يشعر الوحيد فيـه بالضيـاع ". و ها نحـن نتـأكد، يوما بعد يوم، كم كـان بدر شاكر السيـاب وحـيدا. وكأننا لسنا وحدنا فـي هذه الوحدة

    4

    " أرسل إليـك رفقة هذه الرسالة قصيدة لي بعنوان " أنشودة المطر" وأتمنى أن تنال رضاك وأن تكون صالحـة للنشر فـي (الآداب) بم نـي لخجـول. جدا من أن قصيدتي هذه ستـشغل فـي مجـلة (الآداب) حيزا قد يكون من الأولى ملؤه بما هو خير من قصيدتـي و أجدى " (رسائل السياب.
    أولا، ترى هل كـان السيـاب يدرك أن قصيدتـه، التي يقدمها إلى سهيل إدريس بتـوإضع المبـدع ورهافة الشاعر، سوف تكون حجـر أساس فـي تجديد تجربة الشعر العربـي المعاصر كله، وعلامة من علامات انعطافته الحاسمة؟ وثانيا، كيف يتسنـى لنا العثور الآن على شاعر يقدم قصيدته بمثل هذا التواضع. ونحن نرقب الذين يكتبون محـاولاتهم الأولـى (ليسوا شعراء كما كان السياب، ولا أقل أيضا) يمعنون تيها وغرورا وغطرسة، مما يدفعنا إلـي الخجـل مما يحـدث؟ الحـقيقة أن الدرس الذي تقترحـه علينا تجـربة السياب هو من الغنـى والخصوبـة بحـيث يمكن أن يتـحـول إلـى ضوء يكـشف الواقـع الشعري العربـي الواهن، إن كان على صعيد تواضع المبدع أو جدية الأديب أو ضرورة حرية الشاعر الكـاملة فـي مجـابهة دوره الإبداعي. و إذا كـان السيـاب قد صودر فـي بعض هذه الشروط، فإنه كـان نموذجـا جميلا فـي بعضها الآخـر. وما علينـا إلا أن نتأمل ما حـولنا لكـي ندرك مقدار التـضحـيات التـي نالت من روحه وجـسده فـي سبيل أن يحـصل على أيام إضافيـة نادرة من الحياة

    5

    " أحس بأجـراس خـافـتـة، أجـراس مطر وزهر، تقرع في نفسي، مـبـشرة بميـلاد قصيـدة.. هذه الليلة أو غدا. سيكون ميلادها نعمة تنزلها السماء عليه. (رسائل السياب). في غمرة عذاباتـه كـان الشعر يأتيه مثل البلسم. وفيـما كان جسده يتـآكل بفعل الجراح (الناغرة الفاغرة) كمـا يصفها فـي إحدى رسائله، كـان انهماكـه فـي كـتـابة الشعر هو الملاذ الرحـيم الذي يخفف عنـه تلك الأوجاع. والآن، بعد ثلاثـين عاما من ذهابه، لماذا لا نجـد مفرا من شعور الخسارة ونحـن نستعيد تجـربتـه الإبداعيـة، ولماذا تظل تجـربـة الروح والجسد عند السيـاب، مدخلا متـاحـا دوما للإحاطة بتجـربته الشعريـة و كنه العذاب الذي عاشه وتـعدد دلالاتـه؟ ليس ثمـة جـواب لدينا. على العكس، فإن أسئلة لا تحـصى يمكن أن نصادفها ونحـن نتـوغل، مع الوقت، فـي معـالم حـيـاة السيـاب وملامح إبداعه الشعري. وما أن نسمع أو نقرأ شاعرا يذكر المطر فـي قصيدته حتـى يحـضر السياب ليضعنا فـي ارتباكة المقاربات، كما لو أن تلك الأنشودة قد وضعت حـدا يقاس عليه كل ما سيكتب عن المطر بعد ذلك.. ولكأننا لم نكن نحـسن اكتشاف المطر قبل السيـاب، ولأن السيـاب قد منـح الخلود والمجـد للمطر منذ أن كـتب أنشودته.
    وحين تنفجـر المفارقات ساعة موتـه، مثلما تفجـرت طوال حيـاته، فسوف يشارك فـي تشييع جـثمانه، ذات. صبـاح ممطر، عدد قليل من أهله و أبناء قـريتـه الجنوبيـة (جـيكور)، ومن بينهم صديقـه الشاعـر الكويتي علي السبـتي، الذي نقل الجـثـمـان من المستـشفى،الأمـيـري فـي الكويت إلى جيكور فـي العراق. لقد كان الشتاء يبكي على شاعر مات غريبا على الخليج، وغريبا عنـه أيضا. كما لو أن الطبيعة أرادت أن تـعبر. للشاعر عن محـبة وتقدير لم يحصل عليـهما من البشر في حياته

    6

    بعد ثلاثـين مـوتا، كـيـف لنا أن نقرأ درس السيـاب. كـيـف نقرأ فيـه الدم والشعـر و المطر، ونستـفيق على صوته الشاحب وهو يفتح الأفق لنهر الشعر العربـي الحديث، ونسمع الصدى كـأنه النـشيـج: "يا خليج، يا واهب المحـار والردى ". فإذا جـاء ذلك الصديق ثانيـة يطرق جـدار غرفتـي، لكـي نستعيد معا ذلك الصدى، يمكن أن أقـول له: " أنظر إلى الشاعر الآن، أنظر إليـه، يعبر موتا بعد موت، دون أن يسفر كل هذا الليل عن... بدر واحد، حيث الظلام هو سيد الوقت والمكان ".
    بعد ثلاثين موتا، منذ أن غاب السيـاب بعيـدا عن بيـتـه، لا يزال الشاعر العربـي يموت.. ولا بيت له، غير الغربة والوحدة واليأس، فيما يرقب أحلامه مهدورة مغدورة وقبض الريـح. بعد ثلاثين موتا، ماذا ينبغي أن يقال، وأكثر من مبدع يذهبون إلـى الموت نحـرا أو انتحـارا. سنقول: طوبـى لمن يرى إلـى السيـاب فـي موته، ويقرؤه قليلا من الشعر تحت المطر. لقد ذهب بدر شاكر السياب غير محسود على الموت، ولسنا... على الحياة


    .
     
    أعجب بهذه المشاركة منير مسعودي
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد الواحد لؤلؤة
    السياب : مصادر قصيدته



    كان السياب شاعرا موهبته أكثر من ثقافتـه، وتجربته في الحياة تكاد لتتخطى في حجمها موهبته وثقـافته معـا. في حدود هذا الإطار يمكن للباحث المنصف أن يتملى صورة السياب بعد مرور ربـع قرن على رحيله عن دنيا أحبها ولم تحبه، تماما كما كان موقفـه من إحدى عشرة فتاة، أحبهن في حياته وكان صادقا في حبـه لهن لكنه بقي حتى قبل أن يرحـل بعام وبعض العـام يصيح ا، كـل من أحببت قبلـك لم يحبوني ". وهذا الخطـاب يمكن أن يكون مـوجها إلى "لوك نـوران " الكاتبة البلجيكية التي كانت تعوده في باريس وقـد أخذ منـه الطش مـأخذه، إذ لم يعرف الطبيب دواء داء يرد الموت، ويمكن أن يكون كذلك موجها إلى الدنيا نفسها. فالدنيا، مثل الحبيبات، مـا أحبته ولا عطفت عليـه، في حين كـانت تحب وتغدق العطف عـلى من لا ظـل لـه يقارب ظل السياب 1 الذي "يلف المجلة ومن فيها،) ممن يسيطرون على مورد رزق شاعر ما كان يطمع بـأكثر من عيشـة الكفاف. لكن إعادة النظر في موقع السياب على خارطـة الشعر العـربي المعاصر يجب أن تتسم بموضوعيـة ترفض "أن تجعـل من الشفقة التي أثـارها موت السياب أو النقمة التي بعثتها تقلباتـه في الحياة رائـدها للحكم عـلى شعره " 2 .

    في رسالة دكتوراه عن السياب قـدمت في السوربـون أواخر عـام 1980 يورد الباحث 3 ما يزيد عن أربعمائة كتاب وبحث عن الشاعر بـاللغات العربية والإنكليـزية والفـرنسية والصربيـة، إلى جانب 37 عنوانا من أعمال السياب شعرا ونثرا وترجمة، إضافة إلى 55 كتـابا ومرجعا ممـا يتعلق بدراسـة شعر السيـاب من قريب أو بعيـد. ولا أحسب هذا العدد إلا قد تضاعف منذ تاريخ مناقشة الأطروحـة تلك حتى هذه الأيام. فكيف للمرء أن يستوضح صورة السياب الشعريـة اليوم، بعدما جرى كل الذي جرى في الشعر العربي المعاصر، وبعد أن راح كثير من شعراء اليـوم يعيدون كتـابة أشعـار السياب إذ ما نزال نسمع "أصـداءه في قصائـد شعراء ولدوا بعد موته أو قبيل موته " 4 . لكن عددا قليلا من هذه الأبحاث والكتب أساسية في تقويم شعر السيـاب وشخصيتـه، وأحسب أن كثيـرا سـواهـا يعيـد ويقتبس ويناقش، ويكرر أقوال سابقيـه دون الاعتراف بفضـل السابقـين، إلا من رحم ربي. ولا بأس من بعض الصراحة المؤذية في الإشارة إلى أن بعض دراسـات "المستعربـين" أو "المستشرقـين" لا فـرق، لا تتسم بالدقة التي يفترضها المصابـون بعقدة الخـواجا. فهذا البروفسور (أندريه ميكيل) الأستاذ في (الكوليج ده فرانس) يترجم إلى الفرنسية قصائد من السيـاب ويذكـر في مقدمتـه أن السياب ولد عام 1927 فيخصم من عمره القصير سنه ليجعله يعيش "سبعا وثلاثين سنة من الصراع والأسى" 5. والأطرف من ذلك أنـه يتـرجم قصيـدة "إقبـال والليل" ويضع هامشا أكـاديميا يقول أن "إقبال" إشـارة إلى "محمد إقبـال الفيلسوف والشـاعر الهندي المسلم (1873- 938 1) الذي جمع بين تراث التصوف والآراء الغربية الحـديثة..."6 فحتى إذا لم يكن الباحث على علم بهذه الحقيقة الجوهريـة في حياة الشـاعر زوج (إقبال) فإن سياق القصيدة يشير إلى ذلك في وضوح شديـد لا ينتظر أن يغيب عن أي قارئ، فضلا عن أستـاذ جامعي مستعـرب. كيف يغيب عن أي قارىء شعر معنى :

    ...يـا أم غيلان الحبيبـة"
    ...لولاك ما رمت الحياة
    ...إقبال مدي لي يديك
    مات حبـك في ضحاه
    ".. وطوى الزمان بساط عرسك


    والخطاب جميعه بصيغة المفـرد المؤنث. فلا حول ولا.. لا أريد الاستـرسال بمـا لا يرقـى إلى ذلك من أمثلة لـدى مستعربين آخرين، أو "مستغربـين" ناطقين بالعربيـة، وجـدوا في "اشتراكية" بدر المزعومة موضوعا صحفيا "يدبج" منه ثلاث مقـالات في (الأهرام) لا تحفل بدقة التـواريخ ولا بـالأحكام النقدية الجـارفة عندما تكون القصائد "غير اشتراكية" لأنها عند ذلـك لغدو قصـائد "تافهة.. رديئـة... فاتـرة... غريبـة" 7. وهذه الأحكـام صدرت عـلى قصائد "جميلة بوحيرد" و" الأسلحة والأطفال" و"بور سعيد" و"المومس العمياء". والزبد يذهب جفاء دائما.

    أما ما ينفع الناس فلا يزيد عن بضعة كتب وأبحـاث جادة تنـير بعض مـا خفي من إشـارات الشاعر إلى مسائل ثقافية قد لا تقع في حدود معرفـة القارئ، وما ينبغي له، أو تشير إلى بعض الأمور في سـيرة الشاعر تضيف إلى الشعر غنى. من هذه الكتب دراسة الأستاذ الدكتور إحسان عباس بعنوان "بدر شاكـر السياب: دراسة في حياته وشعره (1969). أحسب أن هذه الدراسة تتميز بالرصانة والدقة، وبالإنصاف قبل كـل شيء. فهي تتناول حيـاة الشاعر اعتمادا على معلومات استقاها البـاحث من أصحاب الشـاعر ومعاصريه ومن مجموعة من رسـائله غير قليلة. إن هذه المعلومات ضرورية لدراسة الشعر دراسـة موضوعية، وبخاصة لدى متابعـة الينابيع الثقافية التي يستقي منها الشاعر وأحسب أن كثيرا من الدراسات اللاحقة عن السياب قد استندت إلى هذا الكتاب المهم، ولا أحسب أغلب مـا تبعه إلا من بـاب التنويعـات عـلى اللحن الـرئيس. صحيح أن معلومات إضافية قد ظهرت بعد حين، ولكني لا أجد تلك المعلومات قد أضافت كثيرا إلى صورة السياب في حياته وشعره فـوق ما نتعلمه من كتاب الدكتور إحسان عباس. وثمـة كتاب الدكتور عيسى بلاطة، وهو أطروحتـه التي نال بهـا الدكتوراه من جامعة لندن، وقد نشرها بالعربية أول مرة عام 1971 بعنوان (بدر شاكر السياب: حياته وشعره). ومع أن هذه الأطروحة لم تدرك كتاب الدكتور إحسان عباس، الذي يقول في مقدمته إن الكتـاب تأخر صدوره سنتين عن المـأمول، إلا أن الـدكتور عيسى بـلاطة قـد استند إلى أغلب المصادر التي استند إليها الـدكتور إحسان عباس، وأضاف ملحقا بعدد من القصائـد غير المنشـورة أفاد منها عدد من الباحثين بعده. وثمة كتاب المحامي محمود العبطة بعنوان (بدر شـاكر السياب والحركة الشعرية الجديدة في العراق) (1965) وهو كتاب لـه أهمية خاصة نظرا لعلاقة المؤلف الوثيقة بالشاعر. وهناك كتاب خضر الولي بعنوان آراء في الشعـر والقصة (1956) أفـاد منـه كثـير من الباحثين. أما رسائـل السياب التي جمعها وقدم لهـا ماجـد صالـح السـامرائي (بـيروت 1975) فقد يسرت للبـاحث ما يظن أنـه جميع رسائل السياب إلى أصدقائه ممـا يتعلق بسيرتـه الأدبية، وهي مـادة تنير الكثير من شعر السياب وتفسر أمورا كان يمكن أن تبقى غامضة لولا هذه الرسائل. ولا شك أن عددا من المقالات التي نشرتها مجلات مختلفـة وبخاصـة مجلة الأقـلام قد أنـارت جوانب مهمـة من حيـاة السياب وشعره. يرى أغلب الباحثين أن مسيرة السياب الشعريـة يمكن أن تقع في ثـلاث مراحـل: الأولى رومانسيـة البواكـير، وتمتد بـين أول قصيدة عاطفية كتبها عام 1941 بعنـوان "على الشاطئ"وهو في الخـامسة عشرة من عمره، وتشير بشكـل واضح إلى مؤثـرات علي محمـود طه، وحتى حدود عام 1950 حيث نشر ديوانه الثاني "أساطير" الذي يعد مرحلة انتقـال عن الشعـر الـذاتي ورومانسيـة جمـاعـة (أيـولـو) و (الديوان). وثمة المرحلة الثانية وهي مرحلة الانتماء السيـاسي وتمتد من حـدود عـام 1949 حتى عام 1960 عـلى وجـه التقـريب، وهي الفترة التي شهدت نضوجه الفني رغم توجهات فكرية لم تكن بالغة الإقناع له ولا لكثـير من الناظرين في شعـره بشكـل دقيق في هذه المرحلة الأولى التي مـا لبث أن تخـلى عنهـا راجعا إلى الانكفاء عـلى الذات بما قد يوصف بمرحلة الرومانسية المتطورة. تمتد هذه المرحلة من حـدود عام 1960 حتى وفـاتـه في 1964/12/24. هنـا نجـد النضوج الفني الذي يرفده ما تيسر له من روافد ثقافية، يقوي منها ويطوعها لموهبته وأوضاعه الخاصة ما تراكم لديه من تجارب في حياة قصيرة، تجارب ليس فيها غير الألم والخيبات المتنوعة.

    إن بعض الأرقـام والإحصاءات قـد تنير جـوانب مهمة من شعر السياب. فقد لوحظ أن السياب كتب 99 قصيـدة في مرحلتـه الأولى التي امتدت 8 سنوات؟ ثم كتب 50 قصيدة في مرحلتـه الثانيـة التي امتدت 13 سنة، وكتب 95 قصيدة في مرحلته الأخيرة التي امتـدت 4 سنوات مؤلمة على مستويـات عديـدة من جوانب الخبـرة. وهذا يعني أنه كتب في المرحلتين الرومـانسيتين الأولى والثـالثة 194 قصيـدة في مدى 12 سنة، بينمـا كتب 50 قصيدة في مـرحلة انتمـائه السيـاسي التي امتدت 12 سنة كذلك، شملت الانتمـاء اليساري والخـروج على ذلك الانتماء أيضـا. وخلاصـة ذلك، عدديا، أنـه كتب في المرحلتـين الرومانسيتـين أربعـة أضعـاف مـا كتب في مرحلتـه الـوسطى من الالتزام، التي تعادل سنواتها مدة المرحلتين الأولى والثالثة معا 8.


    1 عبارة المرحومة سميرة عزام، نقلا عن د. إحسان عبـاس، بدر شاكر السياب: دراسة في حياته وشعره (بيروت - دار الثقافة، 1969)، ص 411
    2 المصدر نفسه، ص 418
    3 عبد الكريم حسن، الموضوعية البنيوية. دراسة في شعر السياب (بـيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1983). 7
    4 خيري منصور "ملكوته الشعري تحد ماثل، " الأقلام، 1987/8، ص 95
    5 andre Miquel, Sayyad, Le Golfe et le Fleuve (paris Sindbad, 1977) p. 11
    6 المصدر نفسه، ص 89
    7 حسن توفيق، شعر بدر شاكر السياب. دراسة فنية وفكرية (بيروت. المؤسسة العـربية للدراسات والنشر،1979)، ص 2 1-4 1
    8 المصدر نفسه، ص 168، وقد لا يكون هذا العدد دقيقا جدا




    المصدر / منازل القمر - دراسات نقدية
    رياض الريس للكتب و النشر- الطبعة الأولى- 1990

    .
     
    أعجب بهذه المشاركة منير مسعودي
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد مظلوم
    الليل المدفون بالمطر




    بدر شاكر السيابقد لا تجد صورة العراق في راهنه، وربما في أي زمن آخر، أفضل من بدر شاكر السياب (1926 ـ 1964) من يجسد إلى حد بعيد، خلاصة محنته، إذا كان بالإمكان مقاربة أزمات البلدان بمحن أبنائها.

    وان يصبح شاعر عاش مريضاً ومات باكراً، في السابعة والثلاثين كالسياب، وأحدث كل هذا التغيير في جادة القصيدة العربية، حتى أضحى تاريخاً جديداً للشعر العربي يفصل ما قبل عما بعد بمسافة نوعية، أن يصبح شاعر كالسياب معادلاً موضوعياً لصورة بلاد، فهو حسبه أن يقرن مجده، بما تدور عليه قرون البلاد، وإن جاء بصيغة مأساة كأفصح توصيف.

    وحسبه بعد هذا أن يتصل مجده ذاك لا بما أنجزه من التغيير الجذري في مسار القصيدة العربية فحسب، بل وفي طبيعة التجربة الحياتية التي جعلت من تجربته القاسية تلك أبعد من مجرد مثال نموذجي يحتذي به الشعراء، وأوسع من محض حيّز لمادة حيّة للباحثين عن الصلات بين تجارب الناس وأوطانهم.

    قد تكون هذه الصورة التي جرى النظر من خلالها للسياب واحدة من العناصر الأساسية التي أمدت شعره، بظلال إضافية متناسلة، وجعلته يُقرأ اليوم وسيُقرأ غداً، لا مناص، بهالة غير مقطوعة الصلة عن بعدها الجمعي ملتصقة بصورة العراق ومتماهية به إلى أقصى درجة ممكنة.
    لا يمكن أن يحسد السياب على ( هبة ) كهذه بالتأكيد، لكن واقع الأمر يشير إلى إنه ما فتئ يحظى بهذه القراءة التي تنمو طبقاتها مع نمو معضلة العراق أرضاً وشعباً وتاريخاً، بينما لا يقرأ شاعر سواه، لا قبله ولا بعده، بمثل هذه القراءة.

    حتى في تحوله من شيوعي هارب من الملاحقة، وطريداً في القرى الإيرانية الحدودية المتاخمة للبصرة، ثم عودته قومياً، مناهضاً لحكم قاسم، وموقفه المعروف بتأييد انقلاب البعث في العام 1963، ضد الشيوعيين وعبد الكريم قاسم، ظل السياب في تلاطمه غير اليقيني في هذا الخضم معبراً عن مرحلة مهمة من مراحل العراق وعياً ومزاجاً، وانقساماً أيديولوجيا وصراعاً سياسياً، لم يخل من عنف معهود.

    وعندما يستعير السياب صورة أيوب وعذاباته، وجلجلة المسيح وآلامه النفسية والجسدية معاً، وصليبه الذي (يجرّه) هذه المرة في المنفى، فإننا لن نجد مسافة واضحة بين ما هو شخصي، وما هو عام، حتى تختفي الحدود الواضحة بين المواطن في وطن جريح، والوطن الذي لم يعد صالحاً حتى أن يكون عيادة للإسعافات الأولية!

    مقاربة السياب من العراق، لا تنطبق فقط على راهن اللحظة التي تبدو مثالية تماماً لتأكيد هذه الصلة. ذلك أن أية قراءة لأشعاره، قد لا نجد فيها ما يجعل هذه الصورة عن العراق، تتغير أو تهتز أو حتى تزاح ولو قليلاً من كادرها الدامي، هذا الكادر المخطط بفحم النكبات والحرائق، وبقصائد كثيرة ليس السياب سوى واحد من راسميها.

    ولأنه شاعر الموت بامتياز، فإن مناسبة رحيله صارت مع توالي الذكريات والسنوات تبدو اليوم كعيد ميلاد آخر له، يجري إحياؤه خلالها من جديد، وبعثه لكن على صورة واحدة وأن تقلبت الأوجه: صورة الميت وقد تشوهت الحدود الحقيقية بين ميلاده وموته، وذابت الجغرافيا بين منفاه ومأواه.
    ربما لهذا يعرف جميع المهتمين بشعره ذكرى رحيله ( في الرابع والعشرين من كانون الأول 1964) مثلاً بينما لا يهتم الكثيرون في توثيق ذكرى ميلاده، أعني مجيئه للحياة!

    وأبرز ما يذكر من حياته في بغداد أنه دخلها بقدمين كسيحتين، وربطة عنق تجعله يبدو كمشنوق يمشي بعنق مائلة وهو يسحب ظله المريض في شوارع العاصمة وحدائقها وباراتها ومقاهيها، ولا يتردد في وصفها بالمبغى الكبير. وهكذا فقد صنع بدر منفاه بيديه إذن، بإرادته قبل أن يريدها له الآخرون أو القدر، أو تدابير الشيطان، مع أنه ظل يحلم بالعودة للمدينة التي هجاها، حتى ولو عابراً للمرة الأخيرة، بيد انه لم يفلح في العودة لها حتى ميتاً، أو محمولاً على آلة حدباء، يترك شيئاً من رائحته وظل جنازته في الشوارع. فخريطة العودة لجثمانه كانت أقصر من طريق المرور أو الحج إلى بغداد، فنقل من الكويت المجاورة ليدفن في البصرة المبدأ والمآل، بينما بقيت بغداد بعيدة، بل ومستحيلة.

    الصدى الذي أكل اللؤلؤ!

    ومثلما جرى اختزال السياب في الثنائية المأسوية المتواشجة: الشاعر/ الوطن، جرى اختزال شعره إلى حد بعيد بنمذجة نصية مثلتها قصيدته الأشهر "أنشودة المطر".

    وعلى إيقاع هذه النمذجة الاختزالية، شمر النقاد عن سواعدهم وانشغلوا باستخراج كل ما يمكن وما لا يمكن من هذه الأنشودة.

    فثمة من رأى في أنشودة المطر قصيدة غزلية متأسياً بمطلعها (عيناك غابتا نخيل ساعة السحر) وراح يرصد افتراق هذه القصيدة عن الأخلاقية الفنية المتوارثة للقصيدة الغزلية في الشعر العربي.
    وثمة من رأى فيها قصيدة مائية مستفيداً من الأنهار والأمطار المنهمرة منها بكثرة إضافة إلى الدموع طبعاً.

    وثمة من رأى فيها تزويجاً للشعر العربي بصهر جديد هو الشعر الإنكليزي، فعقد مقاربات مقرناً أجواءها بأجواء إليوت واديث سيتول.

    وثمة من استقصى في أنشودة المطر البعد الأوديبي عبر تظهير نزوع السياب إلى رسم صورة الأم ومطر ينزل على قبرها.

    وثمة من ركز على البعد الصوتي في القصيدة فانتبه إلى تسكين السياب لمفردة المطر:

    مطر
    مطر
    مطر

    في الحشو وفي العروض معاً، لكي يثبت تناغماً بين إيقاع المطر وهو ينزل وبين إيقاع الرجز في حالة الخبن العروضي، أي حذف الثاني الساكن من تفعيلته (مستفعلن ـ متفعلن).

    ولم ينس أصحاب هذا الرأي أن يشيروا إلى حذف السياب لمفردة اللؤلؤ من تكرار الجملة في جواب الصدى:

    أصيح بالخليج "يا خليج
    يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!.."
    فيرجع الصدى
    كأنه النشيج:
    "يا خليج
    يا واهب المحار والردى.."

    لقد أكل الصدى مفردة اللؤلؤ حقاً، لكن ما هو لافت أن التركيز انصرف إلى اللؤلؤ وأغفل المحار (بمعنى أن تأويل سبب حذف اللؤلؤ هو الذي حظي باهتمام النقاد دون المحار مثلاً!).

    وثمة من اعتبر أنها نشيد الانبعاث بعد الموت، على أننا نعرف تماماً أن السياب هو شاعر الموت بامتياز، الموت بشقيه العضوي والمادي، على الرغم من أن جبرا إبراهيم جبرا كان يؤكد لبدر أنه شاعر الحياة ولا ينبغي للموت أن يتسلل إليه بسهولة بعد أن شم رائحة الموت مكثفة في رسائلهما المتبادلة، خصوصاً تلك التي كان السياب يكتبها لجبرا وغيره من الأصدقاء من على سرير المرض في لندن.

    ولعل من المفارقات المحزنة، أن موت السياب نفسه عقد موعداً، بطريقة ما، مع جبرا بالذات، فكانت آخر مقالة يكتبها الأخير عن السياب تمهيداً للمشاركة في إحياء واحدة من مناسبات ذكرى رحيله خلال التسعينات، فترك المقالة في المنزل، ولم يأخذها إلى البصرة، بل ذهب إلى السياب ليلاقيه بنفسه، في مكان آخر، بعد ثلاثين عاماً!

    لم يشدد النقد العربي مثلاً على "الجوهر" في بنية القصيدة لدى السياب عموماً في كونه استطاع أن يخرج بالقصيدة من الغرضية الأحادية التي درجت عليها القصيدة العربية إلى المناخ الشعري، لتصبح القصيدة عالماً تتداخل فيه عناصر شتى، وليس محض وعاء لمادة محددة.
    لكن تداخل الأغراض، أو فضاء المناخ الواسع الذي تتحرك فيه قصيدة السياب لم يرْقَ بقصيدته إلى نزوع ملحمي تماماً. إنه جعلها تستطيل فحسب، وتتسع عبر بناء لا يخلو من إحكام، ما يشير إلى أن حداثتنا الشعرية في طورها الأولى قامت على الإطناب، وتعكزت على وتره، وحبل خبائه، فما يستلزم البناء هو المعمار، ومعمار قصيدة السياب يقوم على التكرار والتداخل كما هو شان أغلب قصائده منذ "أنشودة المطر".

    وبعد هذا لن تبدو الأسطورة التي "رصّع" بها السياب آلامه، ليزينها من الخارج، سوى نوع من تمثلات غير تامة الهضم لعناصر مثاقفة بدت في تلك الفترة وكأنها لازمة تحديثية نوعية. والواقع أن تجربة كتجربة خليل حاوي في استحضار الأساطير داخل القصيدة في مشروع الريادة تبدو أكثر تماسكاً من تجربة السياب. ولعل جبرا إبراهيم جبرا الذي أغرى السياب وسواه بالالتفات إلى الأساطير لاستثمارها في الشعر لم يكن بأحسن حالاً في استخدامها في أشعاره هو الآخر، مع إنه حاول التمكن من الأسطورة من خلال تمكينها في ديوانه الأول "تموز في المدينة".

    أهمية تجربة السياب لن يجدي البحث عنها في هذه الترصيعات الخارجية بالتأكيد، والتي، على العكس، قد تحجب العصب الأساسي لتلك التجربة، أعني البيئة التي جسدها شعر السياب، ليست بيئة النخل والماء والطين والمشاحيف، فحسب، وإن حضرت أحياناً في سياق رومانسي يتناسب مع شخصية بدر، بل في البيئة المحلية العيانية والفورية التي يصطدم بها السياب نفسياً فلا يتردد في مقاربتها بصيغة لا تجدها لدى من سبقه من الشعراء. فكان توظيفه للفولكلور الشعبي المحلي، وخصوصية الأمكنة التي عرفها، والبلاغة المأخوذة من لغة العين لا من لغة القاموس.
    الاهتمام المبالغ فيه بأمطار السياب أغفل أيضاً الكثير من ليله، وتأويلاته الممكنة: ففي قصيدة "أغنية في شهر آب" مثلاً ثمة إنجاز متقدم للسياب لا ينحصر في الشكل الشعري "الجديد" للقصيدة، بل بالتشكيل المبتكر للصورة، والأسلوب والمضمون معاً، مشفوعاً بشعرية طافحة:

    تموز يموت على الأفق
    وتغور دماه على الشفق
    في الكهف المعتم والظلماء
    نقالة إسعاف سوداء
    وكأن الليل قطيع نساء
    كحل وعباءات سود
    الليل خباء
    الليل نهار مسدود.

    من المهم هنا المسارعة إلى أهمية استبعاد "تموز الأسطورة" عن تأويل مستهل النص الذي يرسم فيه بدر هذا المشهد الأسود لفاتحة شهر آب ونهاية شهر تموز، والتركيز على ما يضفيه من بلاغة خاصة على العناصر المكونة للصورة، في مزجه بين طبيعة اللون ودلالة الإحساس المختلف بالأشياء. فالنهار يشبه الليل من خلال علاقة شعرية نوعية تستجيب تماماً للبناء المحكم للقصيدة: "الليل نهار مسدود".

    وهناك ليل آخر للسياب غاب في احتفالية المطر، ففي قصيدة إقبال والليل يقول السياب:

    أين الهوى مما ألاقي، والأسى مما ألاقي؟
    يا ليتني طفل يجوع، يئن في ليل العراق!
    أنا ميت مازال يحتضر الحياه
    ويخاف من غده المهدد بالمجاعة والفراق
    إقبال مدِّي لي يديك من الدجى ومن الفلاه
    جسي جراحي وامسحيها بالمحبة والحنانْ
    بك ما أفكر لا بنفسي: مات حبك في ضحاه
    وطوى الزمان بساط عرسك والصبا في العنفوان

    فهذا المقطع هو الكلمات الأخيرة من قصيدة "إقبال والليل" وهي أخر ما كتبه السياب قبل رحيله كما ترجح الأوراق الأخيرة التي تركها ونشرت بعد رحيله في ديوان "إقبال" و"شناشيل إبنة الجلبي" إذ أن قصيدة "نفس وقبر" التي سبقت هذه القصيدة والمكتوبة على سرير موت الشاعر في المستشفى الأمير بالكويت تحمل تاريخ 10/11/1964 بينما رحل الشاعر في 24/12/1964.

    وهذا المقطع كما هو واضح ليس من المقاطع التي يراد بها الإشارة إلى ريادة السياب وعلو قامته الشعرية! لكنه جزء حقيقي من طبيعة تجربة السياب مع المرض والذبول وإحساسه المفزع بالفناء.
    وفي جل الكتابات النقدية التي قرأت المشروع الريادي للسياب ثمة إصرار على تحاشى الخوض في هذا الهبوط البياني ـ إن صحَّ التعبير ـ في هذا المشروع أو تشير في أحسن الأحوال إلى أن هذه القصائد التي كتبت على سرير المرض لا تمثل السياب وكان من الأفضل عدم نشرها بعد رحيله! وكأن الكتابات النقدية غير معنية بالتجربة ـ صعوداً وتألقاً وانحداراً ـ وإنها مهتمة بانتقاء ما تريد دون النظر إلى قراءة تجربة الانحدار والهبوط الفني بوصفها تمثيلاً حقيقياً لتجربة الذبول الجسدي للشاعر.
    ففي مجموعة السياب الأخيرة ثمة حضور قوي لفكرة "الليل" مفردة ودلالة وكانت تجربة "الليالي" أساسية فيها حيث "ليالي السهاد في العراق ولندن وباريس" و"في الليل" و"ليلة انتظار" وسواها شكلت الوصيد الأخير الذي قطعه الشاعر في الرحلة إلى فجر أخير وأبدي.

    ومما لم تحرص عليه الكتابات النقدية التي قرأت تجربة السياب هو تشخيص وجهين للموت في قصائده: الوجه الأول هو الوجه الوجودي الذي تأمل فيه شاعرنا ملياً بوصفه إشكالية فلسفية وسؤالاً ميتافيزيقياً حياً يمثل عنصراً مهماً في الحياة نفسها وحافزاً قوياً على محاورتها بعمق، أما الوجه الآخر فهو الموت العضوي الذي يمثل شعوره الطبيعي بالنهاية والزوال تحت وطأة المرض وذبول الجسد، فكان تشخيص وجه أحادي للموت لدى السياب هو الذي خلق الجدل الدائر حتى الآن والسؤال الأثير عن مدى ريادته أو "حداثيته" في هذا الجانب مقارنة مع البياتي وبلند الحيدري على سبيل المثال. ولهذا أفترض أن معالجة السياب لهذا الموضوع في شعره هي شهادة حقيقية لمسار تجربته الشخصية بالوجهين اللذين أشرت إليهما.
    فالرؤيا إلى الموت في المقطع الذي أوردته تختلف جذرياً عن رؤية السياب في قصائد مثل "النهر والموت" و"أغنية في شهر آب" و"أنشودة المطر" و"نسيم من القبر" وسواها، إذ أن الموت في هذه القصائد يرتبط بعناصر شعرية من طبيعة الحياة وعناصرها الأساسية ـ الماء بشكل خاص ـ.
    أضحى السياب منذ أربعين عاماً نوعاً من المحفوظات، ليس بين أكثر الشعراء الذين يقرأونها بتلقينية لا تخلو من شبهة التواطؤ، بل حتى بين السياسيين الباحثين عن بعد جمالي للمأساة والقضية معاً!
    إذن ما الذي يبقى من السياب في ذكراه الأربعين، كي لا تكون غزلاً على منوال ما مرَّ منذ أربعين عاماً؟

    ولكي نضع السؤال في جادته الحقيقية: كيف يمكننا أن نقرأ السياب بعد أربعين عاماً إذا نحينا قليلاً صورة العراق الدامية اليوم، وأزحنا، قليلاً أيضاً، التنويع على أنشودة المطر وهو ينهمر ويثير الحزن، ودققنا ملياً في الليل الذي تركه خلفه، هل سنجد ما يضفي ظلاً آخر على الصورة؟

    المستقبل
    الاحد 19 كانون الأول 2004



    .
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد لطفي اليوسفي
    أنشودة المطر - بـدر شاكر السياب



    في كل قطرة من المطر
    حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
    و كل دمعة من الجياع و العراة
    وكل قطرة تراق من دم العبيد
    فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
    أو حلمة توردت على فم وليد
    في عالم الغد الفتي واهب الحياة

    بدر شاكر السياب مبدع "أنشودة المطر" جمع في شعره كل المفارقات التي خلخلت البلاد العربية وهزتها جذريا منذ بداية الخمسينات ثقافيا واجتماعيا

    انه شاعر الحب، والثورة، والموت

    لذلك يمكن أن نقول بأن قراءة نتاجه هي، بمعنى ما، محاولة للنفاذ إلى عمق تلك المفارقات وضبط إرهاصات التحولات الكبرى التي شهدتها القصيدة العربية. ذلك أنه- أي السياب- من أول المبدعين الذين مارسوا التغيير وعانوا من عذاباته عندما شرعوا في البحث عن القصيدة التي تلغي، نهائيا، مسألة الموضوع الواحد (الغرض) وتستوعب تجربة حياتية كاملة تقولها بلغة شعرية تستمد كل طاقاتها الفنية من النصوص ما يوفره من أبعاد جمالية تستند إلى علاقاته الداخلية وحركاته

    لذلك سنحاول أن نقترب من هذه التجربة في أبرز لحظات تألقها وعطائها أي في المرحلة التي دخل فيها السياب حقل البحث عن القصيدة التي تحاول أن تقول عصرا كاملا من الصراعات (الأسلحة والأطفال 1 - حفار القبور 2 - المومس العمياء 3 أي مرحلة البحث عن الملحمة؟ يقول إحسان عاس 4

    تنبني قصيدة أنشودة المطر (على علاقة مركزية تنشأ بين صوت الشاعر والرمز الذي يستدعيه (عشتار: آلهة الخصب) التي يتحول النص في حضرتها إلى قداس ابتهالي تمثل هذه الحلاقة دائرة مركزية أولى يتحلق حولها حشد من الدوائر المتتابعة. فنلمح في الدائرة الثانية الأم التي ماتت والطفل يهذي قبل أن ينام. ونرى في الدائرة الثانية "العراق الذي يذخر الرعود و البروق" الخ… حتى لكأن القصيدة سلسلة من التموجات الدائرية التي تقود الواحدة منها إلى الأخرى على نحو انسيابي تلقائي. لذلك يتجلى النص في شكل حشد من الومضات المتناوبة، تأتي لتضيء الواقع كشكل دوري وتكشف التناقضات التي تعتمل في صلبه، ثم تغور، من جديد، في منبعها (صوت الشاعر)

    نتيجة لهذا الشكل الدائري، تتمكن القصيدة من الإحاطة بمسيرة الشاعر ووطنه، تنفذ في نبرة درامية، إلى دواخل هذه التجربة، محاولة أن تصوغها في قالب "أسطورة ملحمية"

    إنها لم تعد مجبرة على التصاعد الخطي، بل صارت تعود بصفة مستمرة إلى الواقع من زوايا عديدة وتعريه بطرق مختلفة، لتصهره أخيرا في قالب وحدة متناغمة، لا يمكن أن تدرس من خارج منطقها الداخلي، أي دون الإمساك بالقانون الذي يديرها على ذلك النحو المحكم ويسمح لها بأن تدور على نفسها ولا تسقط في الرتابة والتكرار. هذا القانون هو: الرمز. انه الرابط الأساسي الذي يشد مفاصل النص ويجنبه الانكسار والتفكك، ذلك أنه يتحكم بجميع الحركات الداخلية التي تؤسس مجتمعة بنية النص الشعري ذاته

    نظام الحركات

    الحركة الأولى

    تنشأ الحركة الأولى في شكل علاقة بين الشاعر والرمز الذي يوظفه. وتأخذ في التشكل فجأة، حتى لكأنها علاقة أبدية قائمة خارج الزمن. هنا يوظف الشاعر الجمل الاسمية ليوحي باللازمان. عيناك غابتا نخيل ساعة

    السحر
    وشرفتان راح ينأى عنهما القمر

    هكذا تبدأ القصيدة، منذ اللحظة الأولى، برسم طموحها: أنها تريد أن تفلت من شروط الزمن وتتحول إلى نبوءة أو إلى أسطورة. وتضطلع الجمل الاسمية، ضمن نفس التوجه، بدور آخر، في غاية الأهمية عندما توحي بالسكون والهدوء. بذلك تأتي الجملة الشعرية الأولى وكأنها نوع من التجلي، وتأتي الصورة موغلة في الشفافية وتتضافر مع النبرة الابتهالية التي تسم صوت الشاعر لترسم منذ البدء مسار النص: انه يتنزل في عمق الصراعات أي في لحظة البدء، لحظة تحاول الحياة أن تكون.

    الحركة الثانية

    تأتي هذه الحركة بعد أن تكون الحركة الأولى قد بلغت ذروة الهدوء. وهذا الهدوء هو، في الحقيقة، حالة السكون القصوى التي تسبق البدء، بدء الحياة أو تجددها لذلك تأتي الحركة بعده مباشرة:


    ……. تورق الكروم
    وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

    تبعا لذلك تطغى الصبغة الفعلية، وتتكاثر الأفعال التي ترشح بدلالة واحدة: إنها لحظة البدء (تورق الكروم... ترقص الأضواء... تنبض النجوم...). تأتي هذه الحركة بمثابة النتيجة للحركة الأولى، لذلك لا تلغي الهدوء إلغاء كليا بل تجاوره وتتقدم لتتجاوزه تدريجيا. فتحافظ الصور غلى طابعها الانسيابي وعلى شفافيتها لتوحي ببداية الحياة، حتى لكأننا في لحظة البدء فعلا. الطبيعة وحدها حاضرة (ا لكروم... ا لمياه... ا لنور).

    هكذا تصل القصيدة إلى ضبط أجوائها وتبلغ أحد منعطفاتها الكبرى، فتستعصي على التقدم بشكل يصعب معه على صوت الشاعر أن يواصل الوصف. ذلك أن المواصلة تقود حتما إلى تعطل هذا التكثيف الشعري و إلغائه، والانتقال إلى موضوع آخر يجعل النص ينكسر من الداخل. هنا بالضبط يتدخل الرمز ويأخذ على عاتقه هذه المهمة الصعبة.

    الحركة الثالثة

    تأتي هذه الحركة لتنتشل النص: إنها تتغلغل هابطة داخل الرمز نفسه. فينفتح تدريجيا على جملة من الدلالات بتعبير آخر اكثر دقة، إن الرمز يبرز في شكل ذوات أو تجليات تظل، تظهر وتختفي بصفة دورية عبر مجمل مراحل النص. معنى ذلك: أن الرمز يظهر في اكثر من وجه ويلبس اكثر من قناع: إنه:

    أ - عشتار، آلهة الخصب والعطاء، ربة الطبيعة والحياة المتجددة. ذلك أنها تستمد جميع صفاتها وخصوصياتها المميزة من عناصر الطبيعة (عيناك غابتا نخيل) وتسهم في إيجادها (عيناك حين تبسمان- تورق الكروم- ترقص الأضواء- يرجه المجذاف)
    ب - الأم التي ماتت عندما كان الشاعر طفلا. إنها "تنام نومة اللحود"
    ج - الوطن: العراق أرض التناقضات والقهر (ما مر عام والعراق ليس فيه جوع. وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق)
    د - الخليج: هنا تنشط الذاكرة وتطرح مخزونها في شكل ومضات توحي بغربة الشاعر أثناء ذهابه إلى إيران لاجئا (أصيح بالخليج يا خليج إ...!
    هاء المطر: في هذا المستوى تطفو الصبغة الرمزية من جديد. ذلك أن كلمة المطر ترد، نتيجة دخولها في شبكة من العلاقات مع بقية الألفاظ، متضمنة لامكانات متعددة من الدلالات تتضافر، جميعا، لتوحي بمفهوم الثورة أو التجدد الدائم.



    لذلك نجده حاضرا مع الأم في اللحد
    مع الأطفال في عرائش الكروم
    (مع العبيد في مواسم الحصاد)

    إنه يرجع إلى مستقره (عشتار) ويتحد به. فتتخذ القصيدة بذلك شكلا دائريا، أي تتقدم في قالب تموجات دائمة أو دوائر مترابطة داخليا


    التوجه الدرامي

    يلعب الرمز دور الدعامة المركزية التي تسم القصيدة بنبرة درامية. ذلك انه يعطل النبرة التفجعية التي يتردى فيها النص أحيانا، يمكنه من استيعاب حركة الصراع، ببعديها الاجتماعي والوجودي.. فيصبح قائما على جملة من المبادئ يمكن أن نلخصها في الظواهر التالية


    1

    ديوان أنشودة المطر- منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت 1969- انظر ص 220
    2

    نفس المصدر- ص 202
    3

    نفس المصدر- ص 173
    4

    إحسان عباس- بدر شاكر السياب- دراسة في حياته وشعره. صدر عن دار الثقافة بيروت 1969. انظر ص 149 وما بعدها

    يتبع


    .
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الموهبة، الثقافة، الخبرة: بدر شاكر السياب مثالاً
    عبد الواحد لؤلؤة


    ثمة مثل لاتيني يقول: الشاعر يولد، لا يُصنَع. ويمثلون لذلك بأول شعراء الإغريق، هوميروس. وفي تراثنا العربي نسمع من يقول «إذا نبغ شاعر في قبيلة» جرت له احتفالات وارتفع مقام القبيلة بين القبائل. ولكننا لا نعرف مصدر معلومات هوميروس عن تاريخ الإغريق وحرب طروادة وكل تلك التفاصيل التي شكلت مراجع لدراسة تاريخ الإغريق القديمة، وهو الضرير الذي لا يقرأ، ولا ذكر لكتب كانت في متناوله أساساً. ولكنه «النبوغ» و»الموهبة» التي تتلقف الأحاديث من أصحاب القراءة والمعرفة، تصوغها شعراً. ومثل ذلك أبو العلاء المعري، الذي أفقده مرض الجدري في الرابعة من عمره نعمة البصر، فلم يقرأ من الكتب ما كان يرجو أن يقرأ لو كان بصيراً. السماع والذاكرة التي تستوعب ما يسمع من أصحاب الكتب والمعرفة هو الذي يقدّم تلك المعارف إلى الموهبة/النبوغ فتصير شعراً.
    والثقافة بمعناها الأوسع تصقل الموهبة، وتوسّع مجال عملها، دون شك. ولكن الثقافة دون موهبة لا تصنع شعراً، بل قد تصنع شعراً رديئاً. يروى في بعض كتب الأدب أن «شعر العلماء أسوأ الشعر». وأحسب أن «العلماء» في عرف أصحاب التراث هم أصحاب المعرفة اللغوية والتاريخية والفقهية، دون علوم الكيمياء والطب والهندسة. قليلون جداً هم الشعراء الذين لهم «باع» في العلوم «الدنيوية» وقد يبدو شعرهم عند التعرض إلى جانب من تلك العلوم مضحكاً، ويحسُن بهم أن يتخلوا عن ذلك المسعى العقيم. إبّان وصول أخبار نظرية النشوء والتطور إلى العالم العربي أنكر أصحاب العلوم التراثية بعُنف نظرية أن القرد هو الجد الأعلى للإنسان. يروى عن الشاعر العراقي في ثلاثينات القرن الماضي أنه قال:
    لا يعجب الناس من مقالي
    إن قلتُ أصل الإنسان حيوان
    فإن إنساناً إبن قردٍ
    أفضل من قردٍ ابن إنسان
    والزهاوي في هذا الموقف «العلمي» لا يثير حتى الضحك، ولو أنه كان يدّعي الفلسفة. وهذا ما يذكّرني بقول أبي نواس:
    فقُل لمن يدّعي في العلم فلسفة
    حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ.
    والخبرة كذلك ليست وقفاً على إنسان بعينه أو بلدٍ أو زمان. يتعرض الإنسان منذ طفولته إلى ظروف وأحداث ليست من صنعه، لكنه يتعلّم منها. ثمة مثل إنكليزي تبدو عليه السذاجة، لكنه عميق في مغزاه: «الطفل المصاب بحروق يرتعد لمنظر النار». لكن ظروفا وأحداثاً أخرى، أقل خطراً من النار، قد تعلّم الطفل أو البالغ أموراً يفيد منها في حياته. فلو كان شاعراً، تغلغلت تلك الخبرات إلى شعره فأعطته سمةً دون شعر غيره، ومن هذا كثير.
    في تكوين الشاعر بدر شاكر السياب تكون الموهبة، مثل غيره من كبار الشعراء، أول ما يدفع الشاعر إلى التزوّد بالثقافة، طلباً للتميّز. وموهبة السياب تكاد تكون من نبت بيئة جنوب العراق. فأهل البصرة والعمارة يتنفسون الهواء مثل غيرهم من البشر لكنهم ينفثون زفيرهم شعراً، بالعامية وبالفصيحة كذلك. أنجبت البصرة، وأفياء جيكور، القرية الغافية في ظلال النخيل، بدراً كما أنجبت سعدي يوسف، وعدداً من الشعراء. والعمارة برزَ من أمواج أنهارها عبد الرزاق عبد الواحد، آخر فحول الشعر العراقي والعربي المعاصر، كما أنجبت قريبته لميعة عباس عمارة. يبدأ أغلب شعراء العراق في فتوّتهم وشبابهم نظم الشعر بالعامية، ثم ينقلبون إلى الشعر الفصيح، ولم تسلم نازك الملائكة نفسها من ذلك. في شعر عبد الرزاق بالعامية المختلطة بالفصيحة شعر هازل ساخر عجيب، لا يقل إدهاشاً عن شعره الفصيح. وشعر لميعة بالعامية برهان أن للعامية فصاحتها، كما يخبرنا دانته في كتابه العجيب «فصاحة العامية».
    سعى السيّاب إلى الثقافة ليطوّر بها شعره، عامداً متعمّداً. فبعد المدرسة التحق بدار المعلمين العالية ببغداد، الكلية الوحيدة التي كانت تدرّس الآداب حتى بداية الخمسينات. فبعد أول سنتين في قسم اللغة العربية وجد أن ما يقدمه القسم من ثقافة يستطيع هو الحصول عليه من قراءاته بالعربية. فانتقل إلى قسم اللغة الإنكليزية ليقضي فيه سنتين يتخرج بعدها أشدّ عطشاً للثقافة الأجنبية، وسيلته المعرفة غير الكبيرة باللغة الإنكليزية مما كان القسم يقدّمه. لكن موهبة السياب دفعته إلى التوسع في طلب الثقافة الأجنبية بما لديه من معرفة لغوية. هو السعي الشخصي إذن، وافلح في توجيهه أستاذ جيل الأدباء والفنانين في بغداد الخمسينات، المرحوم أستاذي جبرا إبراهيم جبرا، منذ وصوله إلينا عام 1948. كان بدر لا تنقطع زيارته لأستاذ الأدب الإنكليزي القادم من كمبرج. يسأل ويستفسر ويطلب شروحاً لقصائد إنكليزية ويستعير كتباً، لا يعيدها في الغالب، كما فعل مع مجموعة من أشعار إيدث ستويل، التي أُغرم بقصيدتها «ما زال يهطل المطر» التي أوحت إليه بقصيدته الكبرى «أنشودة المطر». جرّب بدر الترجمة من الإنكليزية لكي يتثقّف هو ويثقّف الآخرين! كان شديد الحماسة في مسعاه نحو الثقافة الأجنبية، دون أن يتنكر لثقافته العربية، ولم يَقُل ما قاله المتنبي:
    من مُبلغُ الأعراب أني بَعدها
    جالستُ رسطاليس والإسكندرا
    وسمعتُ بطليموس دارس كُتْبِهِ
    متملّكاً، متبدّياً، متحضرا
    لا أحسبُ المتنبي قال هذا الا من باب التفاخر، على طريقة:
    أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
    وأسمَعَت كلماتي من به صَمَمُ
    فلا أعتقد أن مكتبة « دار الحكمة « كانت في متناول يده، ولا أعتقد أن الكتب كانت في المتناول بتلك السهولة في عصره، لا سيّما كتب الفلسفة والطب، ان لم نقُل كُتُب الأسكندر المقدوني…ولو أنه ربما سمع عنها، ممن قرأها!.
    ولكن، من ناحية ثانية، أحسب هذا تعبيراً عن رغبة كامنة في توسيع ثقافته من خارج المحيط العربي، وهو الذي كان يخرج من بلدته، الكوفة، إلى الصحراء، يأخذ اللغة وفصاحتها من أولئك «الأعراب». وهذه بالضبط مشاعر السياب في سنوات صعوده الشعري. والدليل على ذلك كثرة الإشارات والهوامش في شعره في الخمسينات، التي لم تتوقف على امتداد مسيرته الشعرية، بدءاً من استعارته كتاب جيمس فريزر بترجمة الأستاذ جبرا، مختارات بعنوان «أدونيس» وأساطير مشرقية أخرى، أدخلت في الشعر العراقي والعربي نَسغ حياة جديدة، لم تُبعده عن قصص من القرآن الكريم.
    إلى جانب حصيلته الثقافية من مصادرها المتنوعة، يكسب الشاعر خبرة في الحياة من محيطه ومن التعامل مع زملاء في العمل، ومن الإقامة في بلد والانتقال إلى بلد. وهذا بالضبط ما فعله السياب، عن قصد أو غير قصد. ففي «العالية» كان «يجرّب» الحب وهو في محيط مزدحم بالفتيات، يختلف كثيراً عن محيط قريته «جيكور» في جنوب البصرة. حتى هناك كانت «وفيقة» في دارها القروية وشباكها الأزرق. هذا كان أول إرهاصاته في «اصطناع» الحب. لكنه في العالية، مع أول ديوان شعر نشره، بعنوان «أزهار ذابلة» نجده يتحدث عن: ديوان شِعري ملؤه غزلُ/بين العذارى بات ينتقل. وبات ينتقل لأنه كان طبعة شخصية، راح زملاؤه الطلبة يدورون به لكي يبيعوه للطلبة في كلية طلابها يعشقون الشعر، حتى في قسم الفيزياء. إلى جانب خبرة الحب المتعثرة التي لم تجلب له أي سعادة، حتى في تسلّقه على شِباك «نوران» الفرنسية التي جاءت تزوره في المستشفى بباريس، بعد عودته من مدينة «دَرَمْ» البريطانية حيث لم يفلح علاجه، فكانت «دَرَم! بنفسي مما عراني بَرَم».
    وفي مجال الخبرة، جرّب السياسة مثل كثير من الشباب المثقف في عراق الخمسينات فصاعداً. واستدرجه الحزب الشيوعي، ولم يلبث أن اكتشف زيف السياسة والحزبية، فانسحب قبل فوات الأوان، وعاد إلى الشعر والثقافة. ربما كانت حادثة بعينها غيّرت فكره عن السياسة والحزبية. تلك هي حادثة «شخنوب» العامل البسيط في شركة السيكاير، وكانت مرتع الشيوعيين. قرر العمال الشيوعيون القيام بمظاهرة ضد الحكومة، لم يحالفها الحظ بسبب سوء التنظيم وعدم نضوج الفكرة الحزبية والسياسية، شأن أغلب التنظيمات السياسية في الخمسينات، المندفعة بحماسة وولاءات شتى، لا تلبث أن تتهاوى أمام المصالح الفردية والطائفية. أقنع القائمون بالمظاهرة في شركة السيكاير عاملاً فقيراً، اسمه «شخنوب» وقد يكون من منطقة الأهوار بجنوب العراق، ليضعوه في تابوت يحملونه في مظاهرة تردّد هتافات ضد الحكومة التي «تسبّبت في موت عامل فقير». وسرعان ما هاجمت الشرطة تلك المظاهرة، فتفرق المتظاهرون تاركين التابوت يسقط أرضا ويتحطم، ويبرز منه «شخنوب العازر قد بُعثا/حياً يمشي بالقدمين/وتنكر للدينارين» وهو الثمن الذي دفعوه له لكي يعتلي صهوة التابوت، ثم يسقط حياً وبيده ديناران!.
     
  6. نأسف أخي المهدي على فقدان هذا الزمن الذي كان يؤمن ب"الموهبة"حافزا له، حيث كان الشخص متحمسا بطلاقة لاستثمار موهبته دون التفكير إلا بها أولا...لقد نهلنا من مواهبهم عبر المدرسة والقراءة، فكان لهم علينا أثر..أما اليوم في زمن"التكنولوجيا" صار الشخص عموما رهين تقنية تحد من طموحاته الفكرية والفنية والمعرفية، بل وحتى العقلية كملكة إنسية...أتساءل كيف سيكون عليه الإنسان في مجتمع تكنولوجي محض، اللهم إلا البراعة والحذق في مضمار الخدمات المعطاة من طرف صناعها؟ لقد انتهت مرحلة النبوغ التي كادت تصل إلى حد النبوة، في الشعر والفن وكل الإبداعات الإنسانية المدهشة..سأتابع قراءتي لتوسعاتك الثقافية في هذا الباب الشعري والأدبي...مودتي
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة