1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف بدر شاكر السّياب

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏13/6/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سلمان كاصد
    بدر شاكر السياب رحل في ليلة ماطرة ومازال شعره حاضراً

    في يوم غريب حقاً، قبل نحو خمسين عاما، كان يوم خميس، وكانت الأرض قد فتحت قلبها لاحتضان المطر والجسد، يوم عرفه البصريون بيوم “بدر السياب” ذلك الفتى الخصيبي الذي ولد في قرية جيكور قرب نهر بويب بقضاء أبي الخصيب في البصرة.

    في يوم غريب حقاً بمدينة البصرة، كانت الأرض تشرب المطر، وثمة شباب يقفون مع البعض، يعلو وجوههم حزن عميق، وهم يحاذرون مطراً منهمراً بشدة، بينما كان هناك رجل مسجى في تابوته، ينظرون اليه بأسى وهدوء غريب، لا تسمع فيه إلا قطرات المطر المنهمرة بقوة.

    كان ذلك يوم خميس الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1964 حيث رحل الشاعر بدر شاكر السياب.. وهذا العام 2013 هو العام الأخير الذي يكمل العقود الخمسة منذ رحيله.

    الرحيل

    لم ينكر بدر السياب جمالية عمود الشعر ولم يبخس حقها في ساحة الإبداع بل كان مضيفاً لنمط جديد وشكل جديد، فيه من قوة العبارة وحسن السبك ما جعله متسيداً، يضارع النمط التقليدي الذي هيمن على البناء الفني للقصيدة العربية لأكثر من ألف وستمائة عام منذ المهلهل بن ربيعة العامري حتى آخر عمالقة الشعر التقليدي ابتداء بالجواهري ونزار قباني وإبراهيم طوقان وسعيد عقل وقبلهم جيل أحمد شوقي والرصافي والزهاوي وحافظ إبراهيم والشابي. كانت حياته تلك ممتدة من “منزل الأقنان” بيت جده في عام 1926 حيث ولد حتى ذلك اليوم الغريب حقاً بمدينة البصرة من عام 1964 حيث سجي الجسد الغريب والمطر يتساقط كحبات اللؤلؤ ليبلل عيني صديقه الشاعر الكويتي علي السبتي الذي حمله من الكويت حين فارق الدنيا.

    وقف الشباب يتأملون الجسد المهاجر مع المطر، وثمة صمت ودموع تذرف،

    روى الشاعر حسين عبداللطيف كيف ودعه المطر، وكان أحد أولئك الشباب الشعراء الذين ودعوا بدراً في ذلك اليوم الغريب، وقف محمود البريكان وعبدالخالق محمود ومجيد الموسوي ومحمود عبدالوهاب ومحمد صالح عبدالرضا وشاكر العاشور وهم في صمت يشيعون شاعراً لم يحتف مثله شاعر عربي بالمطر كما فعل هو:

    مطر.. مطر.. مطر
    عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
    الأيقونات الثلاث

    أحب بدر ثلاثاً، أمه وجيكور والمطر، تلك هي الأيقونات الثلاث التي هيمنت على قصيدته، أحب بدر أمه لفقدها وجيكور بديلها والمطر خصبها.. تلك هي ايقونات شعره فيما بين أمه وجيكور.

    آه جيكور.. جيكور؟
    ما للضحى كالأصل
    يسحب النور مثل الجناح الكليل
    ما لأكواخك المقفرات الكئيبة
    يحبس الظل فيها نحيبه
    أين أين الصبايا يوسوسن بين النخيل
    عن هوى كالتماع النجوم الغريبة؟
    أين جيكور؟
    جيكور ديوان شعري
    موعد بين ألواح نعشي وقبري.

    وربما نتساءل حقاً.. هل أحب الشعراء أمهاتهم إلى درجة “النرفانا” حيث التوحد بالرحم الاول، ذلك ما فعله بدر شاكر السياب “في أحضان أمي” وبعده محمود درويش “في قهوة أمي”.

    أبي.. منه جردتني النساء
    وأمي.. طواها الردى المعجل
    ومالي من الدهر إلا رضاك
    فرحماك فالدهر لا يعدل

    فاستعاض عنها بجدته التي أحبها في عزائه وطمأنينته والتي رحلت عام 1942:

    جدتي من أبث بعدك شكواي؟
    طواني الأسى وقل معيني
    أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي
    أوصدت قبرك دوني
    فقليل عليّ أن أذرف الدمع
    ويقضي عليّ طول أنيني.

    في يوم غريب حقاً بمدينة البصرة كانت الأرض تشرب المطر حمل النعش، حمله شباب شعراء أحبوا قصيدته فتغنوا بأنشودة المطر وهم يذهبون حتى غرب البصرة حيث مدينة “الزبير” ومقبرتها القديمة “ مقبرة الحسن البصري” ليسجى هناك بدر بن شاكر السياب.

    ويرتحل كثير من أولئك الشعراء الشباب خلف بدر بعد حين، حيث يغادرنا محمود البريكان ومحمود عبدالوهاب وعبدالخالق محمود، ويدفنون حوله في ذات المقبرة وكأنهم يحفون به في موكب مهيب من الشعر والشعراء.

    تقع “عيناك” على جسر جيكور في قرية بدر ويواجهك “منزل الأقنان” حيث وصفه بدر في ديوانه الذي يحمل ذات الاسم، بيت شهد خرافة الشعر المجنون بالجمال وخرافة الطبيعة وخرافة الإنسان الذي شيد جمالاً داخل الجمال نفسه، كما يطالعك نهر “بويب” الذي اغتسل فيه بدر مما جعله يتغنى به عاشقاً.

    “منزل الأقنان” و “بيت جدي” غرف من الطين متكئة على بعضها في تلاحم كأنه جناحي سرب من الطيور المهاجرة وساحة عريضة تطل عليها أبواب الغرف وثمة شبابيك من الخشب والحديد تبصر كالعيون الى الساحة وثمة سلم صخري عند مدخل المنزل تؤدي مدرجاته إلى سطح تلك الغرف حيث تشاهد “عيناك” غابات النخيل باخضرارها الآسر تمتد إلى ما لا تحده عين ولابد لك ان ترى ازرقاقاً ممتداً حتى الخليج العربي يحمل مياه شط العرب.
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أ. د. عبد الحليم المدني
    «أنشودة المطر».. اللوعة إلى آخرها

    حدة من إنجازات بدر شاكر السياب الباهرة في الشعر العربي

    من بين الماء والطين والطيور المغردة في قرية جيكور القريبة من البصرة العراقية ولد بدر شاكرالسياب عام 1929م في عائلة فقيرة الحال كأغلب عوائل القرى البعيدة في أقصى الجنوب العراقي.
    كانت طفولته سعيدة؛ يحب مراقبة السفن ومراكب الصيادين متأملاً حكايات جدته، تهدهده عند نومه بأساطير وقصص ستؤثر فيما بعد بأسلوبه الشعري. أتم تعليمه الثانوي فيها ثم التحق بدار المعلمين ببغداد وتخصص في اللغة العربية ثم اللغة الإنجليزية، كما ذكر الدكتور إحسان عباس في دراسته: “بدر شاكر السياب: دراسة في حياته وشعره”. زاول مهناً متعددة خسرها لمواقفه الوطنية مطارداً من قبل الحكومة. أصيب السياب بداء السلّ الذي أقعده عن العمل فتفجرت فيه روح الإبداع الشعري. وقد تأثر بالأدب الإنجليزي والآداب الأوروبية عموماً. وكان من رواد الشعر الحر الذي انبثق على يديه فكان رمزاً من رموزه. أنتج السياب أكثر من ثلاثين ديواناً شعرياً منها: أزهار ذابلة، أنشودة المطر، شناشيل ابنة الجلبي، الأسلحة والأطفال، والمومس العمياء كما أورد فيصل الياسري في كتابه: “غربال الذاكرة”.
    كان بدر ينتقل بين بيروت وبغداد و باريس ولندن والكويت من أجل العلاج، وحين لم يستطع جسده النحيل المقاومة توفي في الكويت يوم 24/12/1964 بعد أن كان ديوانه (شناشيل ابنة الجلبي) قد صدر ومات ولم يشاهده. نشرت له مجلة الآداب في يونيو من العام 1954 قصيدة (أنشودة المطر) تصدرتها كلمة قصيرة جاء فيها: (من وحي أيام الضياع في الكويت على الخليج العربي).
    (...)
    وعبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
    سواحلَ العراقِ
    بالنجومِ والمحار،
    كأنها تهمُّ بالشروق
    فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار
    أصيحُ بالخليج: “يا خليج
    يا واهبَ اللؤلؤ والمحارِ والردى”
    فيرجع الصدى كأنّهُ النشيج:
    “يا خليج: يا واهب المحار والردى”
    تؤرخ “أنشودة المطر” مرحلة من مراحل تصدع الفكر العربي وانكساره وهي حياة الشاعر نفسه وحياة الإنسان العربي بتناقضاته وأزماته المريرة … وقد استخدم السياب الرمز. والرمز تطور في الضمير (عيناكِ) بما فيه من حركة واضطراب توحيان بالحياة والتوق إلى الأم الحقيقية التي ماتت عندما كان الشاعر صغيراً… انه التطور الطبيعي من الحياة إلى الموت؛ فالخط الأول للقصيدة هو التجدد.. الولادة.. الخصب وهو الضياء والميلاد. فهذه التحولات النفسية واستخدامه للرموز أثارت في نفسه حزناً مأساوياً يؤكد تلازم الإنسان بالكفاح من أجل حياة أفضل (1).

    في المضمون وترميزاته

    جعل الشاعر من موطنه العراق حبيبة يتغنى بها ويتمنى أن تنشر الخير والخصب والنماء، منطلقاً من همه الفردي الخاص إلى الهم العام. بدأ الشاعر بالحديث عن امرأة قد تكون البصرة أو جيكور أو العراق أو امرأة يقصدها، مشبهاً عينيها بغابتي نخيل هجم عليهما الليل، ثم بشرفتين راح القمر ينسحب عنهما، فيتركهما غارقتين في سواد الليل. هاتان العينان عندما تلمعان أو تبتسمان، فإن الشجر العادي يكتسب خضرة، وتتراقص الأضواء تشبه الأقمار تنعكس على صفحة نهر ينساب فيه زورق يجذف صاحبه برفق وسط الليل، وكأن النجوم تخفق في محجري عينها. وهاتان العينان غارقتان في الحزن ـ حزنهما يشبه حزن البحر حين يغمره المساء. وهذا البحر/ العينان يحوي متناقضات دفء الشتاء، ذبول الخريف، وصور الموت والميلاد والعتمة والضياء .(2).. كل هذه الصور تبعث في نفس الشاعر شعوراً بضرورة البكاء، و شعوراً آخر بالنشوة العاتية التي ترتفع روحه من خلالها إلى عناق السماء، وهذه النشوة شبيهة بنشوة الطفل عندما يبعث فيه القمر خوفاً غامضاً، وهو في هذه الأثناء يستشعر أمراً غريباً يتمثل في أن السحب تبتلع الغيوم المحملة بالمطر وتذوب فيها.
    يتخيل الشاعر العراق حبيبة له ويتذكر من خلالها ذكرياته الجميلة به؛ غابات النخيل الشامخة في أواخر الليل بهدوئها وسكونها، فعندما يعم السلام والسعادة في العراق تتحرك كل مباهج الكون وتعزف أنشودة الحياة التي يراها في شجر الكروم الذي كثرت أوراقه، وكذلك في الأضواء المنبعثة من القمر التي تتراقص وتتلألأ على سطح الماء عندما يتحرك المجداف بضعف قبيل الصباح. يتذكر الشاعر لمعان النجوم الخافت الذي يكاد يختفي في الضباب الشديد مما يسود البلاد من حزن شديد للأوضاع العامة فيعم الظلام على البحر والبر. يستشعر السياب العراق فيشعر بدفء شتاء الوطن ورعشة الخريف فيه فتدور بداخله ملحمة عظيمة يروي من خلالها قصة الحياة بين الموت والميلاد، بين النور والظلام، مما أفاق بداخله الشعور الجارف بالبكاء على هذا الوطن، (3) فيشعر بالرغبة الشديدة للتحرر والارتباط بعالم السماء الرحب فيرى بصيصاً من الأمل المتمثل في المستقبل والطفل، ويعود مرة أخرى فيتذكر طفولته في العراق وقد امتلأ الجو فيها بالسحب الماطرة التي بدأت تقضي على الغيوم فيسقط المطر قطرة قطرة وقد تهلل الأطفال فرحين في عرائش العنب وبدا محركاً لصوت العصافير على الشجر يعزف الحرية والخصب والنماء “مطر... مطر.... مطر”.
    وسقط المطر وجاء نهار وذهب مساء والسماء تجود بالمطر الذي يشبه دموعاً مقهورة وثقيلة، يشبه هذيان طفل، فقد أمه من عام، وبحث عنها في كل مكان، لكنه لم يجدها، ولما سأل عنها قيل له إنها ستعود قريباً، رغم أنها ماتت ودفنت في جانب ذلك الشق، وكأنها في موتها تسف التراب، وتشرب ما ينزل على قبرها من مطر، ولعل حال هذا الطفل الحائر السائل عن مصير أمه وأمله الضائع في العثور عليها، يشبه حال صياد حزين رمى شباكه أملاً بالتقاط الأسماك وهو يتسلى بالغناء، عند غروب القمر متمنياً أن يحظى بنصيب من السمك، كما يأمل الشاعر وأهل العراق بالحصول على الخير المتمثل في سقوط المطر.
    يبدو أن المطر بدلاً من أن يبعث الفرح في نفس الشاعر، كان باعثاً على الحزن، وقد سحب الشاعر الحزن أيضاً على المزاريب التي يتسرب من خلالها المطر، وكيف يكون وقع المطر على الشخص المفرد مشعراً له بالضياع. المطر عند السياب يشبه الدم المسفوح، ويشبه الجياع، والحب والأطفال، والموتى (كما يقول عيسى بلاطة) وما زال يتذكر عيني من ذكرها في البداية وما زال يرى من خلال أمواج الخليج الرعود تمسح شواطئ العراق بالنجوم واللؤلؤ، وكأن هذه الشواطئ وأهلها يهمون بالنهوض من واقعهم المر الذي يودون تغييره إلى الأفضل، ولكن الليل والظلم يغطي هذي الشواطئ بثوب دامٍ ثقيل، وفي هذه اللحظة يتدخل الشاعر صائحاً بالخليج واهب اللؤلؤ والمحار والموت لأهله، ليجود على أهله بالخير لكن صيحته ترتد وكأنها البكاء الشديد، مرددة صدى نفس صيحته دون أن تلبيها.
    ومع ذلك فالشاعر غير يائس من سقوط المطر، المؤذن بتغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيئة، حيث إنه يسمع صوت العراق وأهله وهم يخزنون حزنهم وثورتهم في كل بقعة من أرض العراق، في انتظار يوم يعصف فيه أهله بكل الطغاة، ولا يبقون أثراً لهم على ثرى الوطن(4).

    خيالات الحنين

    ويتصور الشاعر أن المطر نزل على نخل العراق، وقام هذا النخل بامتصاص كل كميات المطر النازلة، وهو يتخيل بل ويسمع صوت أنين أهل القرى وشكواهم، ويرى المهاجرين الذاهبين والعائدين إلى الوطن، يصارعون بمجاذيفهم وصواري قواربهم عواصف الخليج التي تهب عاتية عليهم آملين بالوصول إلى شط الأمان، وهم ينشدون للمطر الذي هو عنوان خلاصهم من مآسيهم. ومع إيمان هؤلاء والشاعر معهم بأن المطر سينزل بالتأكيد، لكن نزوله لن يحل مشكلة الفقر والقهر والجوع، إذ رغم سقوط المطر، وجودة مواسم الحصاد للزرع والنخل، فإنهم سيعانون أكثر من الجوع والفقر، لأن الخيرات لن تعود على الزراع والحاصدين بل سيجنيها السادة المتنفذون ـ الغربان والجراد ـ ليشبعوا ويزيدوا من ثرائهم، بينما سواد الشعب، يحصلون على الفتات حيث يتحلق هؤلاء الناس حول طواحين يدوية تطحن أسوأ أنواع الحبوب الممزوجة بالحجارة والشوائب.
    والشاعر في تداعي الذكريات التي تربطه بالوطن ينسج تعبيرات رمزية رائعة، فيرى دخول الليل فيما الغيوم تنزل المطر الذي أثقل كاهلها؛ ويرى أبناء العراق الذين استفاقوا من غفوتهم للتحرر يحملون معهم الأمل الذي سيتحقق طالما أصروا عليه.
    ويستذكر السياب بهذه المناسبة، صورة المواطن عندما يهم بالرحيل، طلباً للرزق أو هرباً من الظلم، متعللين ـ مخافة أن نلام على رحيلنا ـ بالبحث عن الرزق ونشدانا لنزول المطر! وما زال يستذكر أنه منذ صغره، كان يرى الغيوم شتاء ويشاهد سقوط المطر، وكانت الأرض تهتز وتربو بالزرع الأخضر ولكن مع ذلك يستمر جوع الشعب، رغم كثرة الخير، فقد كان قدر الشعب أن يجوع، رغم جودة المواسم، وكان ذلك يتكرر كل عام.
    ومع ذلك فالشعب والشاعر ما زالوا ينشدون للمطر، وكأن المطر في نظره ونظرهم هو الذي سيغسل أرض العراق ويطهرها مما تعاني من ظلم وقهر. فالمطر لا محالة آت، وأن أطياف ألوان هذا المطر قد بدأت ترتسم على أزهار ونباتات بلاده الحمراء والصفراء، كما بدت ترتسم على وجوه أبناء شعبه الجياع والعراة، وأن كل قطرة من دماء أبناء الشعب، الذين صاروا في نظر الطغاة عبيداً، ستتحول إلى أمل بسام على ثغر الطفل الذي سيولد ويحمل في دمائه الإصرار على التغيير والثورة في قادم الأيام المبشرة بنزول المطر الذي سيغير الواقع وسيكون هذه المرة من نصيب المظلومين لا من حظ السادة (5).

    في الأسلوب وفنياته

    إن التنوع في قوالب عرض الأزمة التي أراد الشاعر أن يعبر عنها، نابع من أن الأدواء التي تعيشها الأمة كثيرة ومتنوعة ومتجذرة أيضاً. والتنوع في تصويرها ربما يساهم في جذب اهتمام أبناء أمته إليها بعد تعريتها وسيكون له أثر فاعل في إيمان أبناء الأمة بضرورة التغيير، والتبشير به بل والعمل على تحقيقه في النهاية. لذا حشد الشاعر عديداً من الأساليب ووسائل التعبير، في سبيل تحقيق ما ذكر: أسلوب التصوير القائم على التماس والمشابهة بين الأشياء المادية والمعنوية، استثمار إيراد الصور المتناقضة أو المتسقة، وإلى استخدام أسلوب الاستفهام والتعجب والتقرير والنداء والمقارنة وتكرار بعض الألفاظ، كما كرر بعض المقاطع (أنظر: المصدر السابق).
    أما الصور فقد كانت كلها ملتقطة من البيئة، الخليج وخيراته وكوارثه، الغيوم والمطر، الصيادون والمحار واللؤلؤ، الموتى على شواطئ الخليج، ضحكات الأطفال وسط الكروم، المهاجرون يصارعون الموج العاتي، النخيل وهو يشرب المطر، قطرات المطر الملونة بلون الزهر وبلون ضحكات الأطفال، الأرض الحبلى بالخيرات وغير ذلك من صور الأرض والسماء والإنسان.
    يعتبر النص من الشعر الحر أو ما سمي فيما بعد بشعر التفعيلة، والذي كان السياب من أوائل من دعا إليه وقال الشعر وفقه، فهو شعر يلتزم بوزن مخصوص تتكرر فيه تفعيلة واحدة بغير التزام بعددها في الشطر الشعري، وقد تتكرر فيه تفعيلتان ولكن بنظام مخصوص أيضاً، ولا يلتزم فيه الشاعر بالقافية كما في الشعر العمودي (6). وهو يتيح بذلك حرية أوسع أمام الشاعر للتلاعب بعدد التفعيلات في الدفقة الشعرية ويعفيه من القافية الموحدة. والنص يتصف بالوحدة الموضوعية، إذ يدور حول محور واحد هو تصوير ما يحس به الشاعر من خلال شعب العراق، وهو من لون الشعر الملتزم الذي يعالج قضايا الأمة. وفيه نبوءة واستشراف لما يحلم به الشاعر وشعبه من تغير نحو الأفضل.
    يقول أدونيس: “الشعر رؤيا بفعل، و الثورة فعل برؤيا” ومن هنا فهو يوضح الجدل بين الشعر والثورة و ما في الشعر من شوق إلى الحياة المتحركة المتصاعدة، وما في الثورة من نار الإلهام الشعري، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية بدر شاكر السياب كواحد من أبرز أعلام الحركة الشعرية المعاصرة بوجهها الثوري على حد تعبير الدكتور أحمد زياد. و هنا تنزل قصيدته “أنشودة المطر “من مجموعته التي تضم أشهر قصائده، والتي ألفها في فترة كان وضع العراق متأزماً على جميع الأصعدة.
    إن أنشودة المطر، تندرج ضمن النصوص التي تنتمي إلى الحقل الوجداني، وبنيت على مجموعة من الحركات المتداخلة، ينبني هيكلها الخارجي على تسع مقطوعات و ينبني هيكلها الداخلي على ثلاث علاقات: علاقة الشاعر بالحبيبة ثم علاقة الشاعر بالأم، و أخيراً علاقة الشاعر بالوطن المصدر السابق). وتدور القصيدة حول محور واضح تدور حوله كل المعاني، وهو كلمة مطر عنصر موحد لكل الحركات المتداخلة في نسيج النص، يربط بين الحبيبة التي يخصبها المطر و بين الأم التي استحالت إلى عنصر من عناصر الطبيعة وبين الوطن العراق الذي تحوله إلى خصوبة.
    إن كلمة مطر منبع حركة مسترسلة تنبض منها المعاني وتنمو ومنها ينسج الشاعر أحاسيسه ويتواصل في الزمان. وبدخول كلمة مطر في شبكة من العلاقات مع بقية المفردات اكتسبت إمكانات متعددة من الدلالات تتضافر جميعا لتوحي بمفهوم الثورة، كما جاءت هذه الكلمة على لسان الأطفال و على لسان الصياد و على لسان المهاجرين و في صوت الرحى و على لسان الشاعر وفي ترجيع الصدى، والمطر فعل تغيير في الطبيعة وفي النفس (ريم العيساوي، مرجع سابق).
    ويأتي الخطاب الشعري دفقا من المعاني، و حشدا من الصور تتنامى شيئا فشيئا، وتتولد صورة العينين: غابتا نخيل ساعة السحر، صورة رومانسية توحي بالهدوء و السكينة، والصورة الثانية لشرفتين ينأى عنهما القمر، صورة توحي بحركة الفعل تنأى و بمفهوم البعد في القصائد التقليدية و لكن التعبير عنه جاء بأسلوب جديد اعتمد على الإيحاء. وصورة ثالثة، تجلت في ابتسام العينين، ربطها الشاعر بحركة الطبيعة، وكأن الحياة مصدرها عيني الحبيبة، كما يوحي فعل ابتسم بالسعادة التي تتحقق بفضل حركة العينين، هذه الصور حسية بصرية تساهم الحركة تدريجيا في تشكيلها ونحتها. وعناصر الطبيعة تتجمع في العين على أساس اعتبار العين محل البصر و وسيلة الرؤيا و النفاذ إلى عناصر الوجود. وعناصر الطبيعة تخص العراق، غابات نخيل فتتطلع الرؤيا نحو الوطن الحبيب.

    اتجاهات الخطاب الشعري

    و ينطلق الخطاب في القسم الأول من القصيدة في اتجاه أول، من الشاعر إلى الحبيبة، يصور فيه أثر الضباب في نفسه، معبرا عن حزنه بالبكاء، ويعود بنا فعل “تستفيق” إلى ذاكرة الشاعر، يصوغها في شكل ومضات واقعية تمتزج بالمسار الغنائي الإنشادي، وتسمه بنبرة واقعية، وتجعله يكشف عن المتناقضات. و نتساءل عن المعنى الذي حمله الشاعر لإنشاد الأطفال للمطر؟ و للإجابة نكتفي بالإشارة إلى أننا نستطيع أن نأخذ كلمتي الأطفال و العصافير في معناهما الحقيقي و تظل الوحدة مع ذلك موحية نتيجة الصورة التي ترسمها وما تخلفه من أبعاد تخييلية لكن الرمز يسحب على الكلمتين فتوحي الأولى بتجدد الحياة، و طفولة العالم البريء، و تدل الثانية على الحرية والانطلاق (7)، ومن هنا يتمكن الشاعر من استدراج السامع و يحمله في رحلة ذهنية، داخل عالم الدلالات المتنوعة. ونحن أمام هذا التركيب الإنشادي، كأننا بالشاعر يقص علينا أنشودة الأناشيد، رابطا بين همومه والعالم الخارجي. وينغلق القسم الأول باللازمة جعلها الشاعر على لسان الأطفال، لأنه ربط بين واقعه و ماضيه وأسس التقابلية بين حاضره المليء بالقلق و الحزن، و طفولته السعيدة.. مؤكدا حنينه إلى الماضي، كما نلاحظ جملة من التداعيات بين الشاعر وذاته، فيقع المزج بينه و طفولته و قدسية المطر.
    أما القسم الثاني في القصيدة، يتغير فيه عنصر الزمن: “تثاءب المساء”، زمن يؤدي به الشاعر معنى الحزن و يتدرج بنا عن طريق التداعي، فيصلنا صوت الشاعر من أعماق الذكرى المنبثقة من طبقة الوعي السفلي، وتحتل تداعيات الشاعر المنبثقة من ذاكرة الطفولة حيزا مهما في سلسلة التداعيات وتصدر عنها أغلب الومضات الواقعية النابعة من الماضي، ويتقابل القسم الثاني مع القسم الأول، فالطفولة فيه تنشد الفرح، وفي الثاني يتكثف معنى الحزن عن طريق ذكرى الموت، كما أن الذاكرة لا تبني أحداثاً منسقة في الزمان حسب مسار منطقي، إنما تصدر من مخزون الألم والحرمان (المصدر السابق).
    وفي هذا القسم ربط الشاعر بين الجو الممطر الموحي بالكآبة و بين كآبة الطفل اليتيم و عمق حزنه بسؤاله، وهنا يضمن الشاعر الخطاب الشعري مضمونا قصصياً: قصة يتمه واصطدامه بالموت، كما صور الشاعر معاملة الكبار للصغار في قضية الموت فهم لا يصرحون بها و لو همساً، ويضمن الشاعر قصة الصياد الحزين الذي يلعن المياه و المطر ليضيف مأساة جديدة دون أن يصرح بها فنفهم أن المطر تحولت إلى مصدر شقاء بعد أن كانت مصدر سعادة. و يتدرج الشاعر في رسم علامات الحزن في الوجود، فيبدؤها بحزن الطفولة المصدومة بالموت ويربطها بحزن الصياد الشقي و بحزنه، فتبدو معاناته المكثفة، و تبرز صورة المطر المتناقضة و يتوجه الشاعر إلى كل الذوات و يصبح الخطاب مرثية تكسبه لغة المراثي لونا قاتما (دموع .. لحود ..تنشج .. المزاريب).
    في القسم الثالث يتحول السياب من ذاكرة الغريب اللاجئ إلى ذاكرة المناضل المقموع في العراق، ويوظف كلمة العراق توظيفاً سياسياً واضحاً و يتدرج في تعرية واقع وطنه و يحمل مدلول المطر معنى الثورة على القهر الاجتماعي و السياسي (انظر كتاب العمق الثقافي في أنشودة المطر للدكتور أحمد زياد).
    و يربط بين المطر و بين جوع الفقراء الدائم و يتفاءل بالثورة التي تهب الحياة لكل الناس. وهنا يصور المأساة الجماعية من خلال نشيد المهاجرين، نلمس عمق الفاجعة، فالجوع دائم رغم خصوبة الأرض و الرحى لا تطحن حبا بل تطحن الحجر، و التمر الرديء و في دورانها تدعو إلى الثورة و تظهر مرة أخرى ثنائية الحياة والموت و تتحول تجربة الشاعر من بعدها الذاتي إلى بعد إنساني أعمق، لتعانق جرح الإنسان في كل زمان و في كل مكان ويصبح الخطاب الشعري احتجاجاً على لسان المضطهدين للتعبير عن تطلعاتهم ولتحقيق حياة أفضل. كما لعبت الأصوات دورا هائلا في التعبير عن الثورة، إذ خلقت جواً حماسياً مكثفاً أداه صوت الرحى و نداء الشاعر و أصوات المهاجرين، وزاد الشاعر هذا الواقع إيقاعا درامياً بتضمينه قصة الغريق المجسدة لمأساة الإنسان و صراعه مع الطبيعة.
    قصيدة أنشودة المطر، جاءت في شكل ابتهال، مزج فيها الشاعر بين الغنائية الحالمة والواقعية الحادة، وجاء فيها الرمز على جملة من الثنائيات منها: الحياة و الموت، الذات والموضوع، الجفاف والخصب، الظلام والنور، الحزن والفرح. كما لعب الرمز دور الرابط الأساسي لجميع العلاقات، فتبنى الحركة من الأنثى رمز الطبيعة إلى الأم و من الأم إلى العراق إلى الخليج، إلى المطر، حلقة دائرية تمثل دورة الحياة. و نهض الرمز بوظيفة أخرى مهمة في كسر خط الغنائية الرومانسية الحالمة وخلق حركة انفعالية توحي بنغم تفجعي يبرز عمق المفارقات المتجذرة في عمق الوجود المجسدة للصراع الإنساني في جل مظاهره.
    إن الرمز في قصيدة أنشودة المطر، كسر هندسة القصيدة التقليدية، و جعل بنيتها تجمع بين الشعر والغناء و القصة و الخطاب الباطني و تستقطب موضوعات متعددة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي و تنفصل عما يسمى في النقد بالغرض (انظر: قراءة في أنشودة المطر للدكتورة ريم العيساوي) وتجعل الحياة بكل مفارقاتها غرضها الرئيسي. و نلاحظ حركة التداعيات التي تصلنا عبر صوت الشاعر الذي يحملنا من الحاضر إلى الماضي ثم يربط الحاضر بالمستقبل، ثم يتحرك صوته من الغور إلى السطح ومن الذات إلى الواقع الخارجي و تفصح ذاكرة الشاعر عن مخزونها في شكل ومضات واضحة، تنبثق من ذاكرة الطفل و من ذاكرة الغريب اللاجئ و من ذاكرة المناضل المقموع، و هذه التداعيات بمثابة الأساس الذي تتكئ عليه القصيدة و قد ظهرت في شكل صور تتوالد فصار النص تراكما من الصور، أولها صور تنبني على التشبيه وهي طريقة تحصر الصورة في مجرد وظيفة الوصف. أما الصور التي بناها الشاعر على الطباق فقد استطاعت أن تبرز المفارقة الكامنة في عمق الحياة.
    و يبدو التناغم بين الصورة و الموسيقى الداخلية، فنلاحظ كثرة الأصوات المتضمنة لحرف الشين، المؤدية لوشوشة صوت المطر، و بعض الصور أداها الشاعر بأسلوب الجناس و الطباق والوسائل البلاغية القديمة و بهذا التلوين من التصوير، تخرج قصيدة أنشودة المطر عن التصنيف الكلاسيكي إذ الصورة فيها وحدة بنائية محورية توحي بالأفكار و تلح عليها، وارتكز إيقاع القصيدة الداخلي على أسلوب التعاود وهو أهم عواملها فقد تكررت كلمة: مطر ( 35) مرة و كلمة خليج (7) مرات، و كلمة الردى (5) مرات و كلمة العراق (5) مرات و تكرار جملة (يا واهب …) و (في كل قطرة مطر) و تكرار اللازمتين الأولى تختص بالمدى و الثانية تتعلق بالمطر، و عموما فإن العبارة يغلب عليها طابع الماء: (نهر، مجداف، يغرق، بحر، سحاب، غيوم، مطر، قطرة، خليج..الخ) (راجع: أنشودة المطر تحت المجهر للدكتور أحمد عبد الكريم). إن ما يمكن الإشارة إليه أن إثراء القصيدة بالبناء القصصي الدرامي بلغ أقصاه في أنشودة المطر، وقد ألغت رومانسية الماضي بشكل غير واضح و رسمت الخطوط الكبرى للقصيدة العربية المعاصرة مجسدة قلق البحث و التجديد في أفق مستقبلها.
    ولعلنا نتساءل عن توظيف بدر شاكر السياب للأسطورة في هذه القصيدة، وللإجابة لابد من الإشارة أن قصائده السابقة لم تكن الأسطورة فيها دائما قادرة على الالتحام العضوي لما جاء فيها من ثقل في التوظيف و لما كانت الألغاز فيها واردة لتضليل الرقابة، ولكنه في قصيدة “أنشودة المطر”، ابتكر رمزا خاصا به هو “المطر “، جعله يلف النص و يتغلغل في جسده، له شحنة دلالية ثرية وهو العمود الذي انطلاقا منه تتفرع القصيدة في اتجاهين، اتجاه أسطوري واتجاه واقعي. كما نسجل كيف تناول السياب موضوع الخصب في الطبيعة فقد وثب به وثبة عبقرية وحمل المطر رمز الثورة الاجتماعية التي يريد أن تتفجر في العراق، وكيف جسد بإيقاع صوت المطر صورة درامية في المفارقات بين الخير والشر والمجاعة والاخضرار، لقد جعل السياب كلمة مطر رمزا أفرغ فيه معاناته و رؤياه.
    إن الأبعاد الأسطورية في القصيدة أهم مفاتيح فضاء المعنى و الإلمام بأسطورة الخصب الأساسية، أسطورة أدونيس وعشتروت (راجع: أنشودة المطر للباحثة عطاف سالم)، فضاء دلالي تتجدد منه دورة الحياة، وتنبع منه جل العلاقات: علاقة الابن بأمه.. علاقة الأنثى بالطبيعة.. علاقة الفصول بالموت والميلاد.. علاقة الصياد بالماء.. علاقة الغريق باللؤلؤ.. علاقة الماء بالماء في دورته.. علاقة الذكر بالأنثى.. علاقة الوطن بالأرض الأم عشتروت.. علاقة الشاعر بالمجتمع.
    إن الأسطورة عالم لخلق فضاء الصورة و البنية الأسطورية عمارة تشكل عروق الواقع و أنسجته. و أنشودة المطر رمز الأمل و الانتصار على القمع والبوار، والأسطورة فيها عالم لخلق فضاء الصورة و بنيتها عمارة تشكل عروق الواقع وأنسجته وجمع حقلها الدلالي تجربة السياب السياسية والاجتماعية والذاتية والرؤيا الشعرية التحديثية. ورغم ما فيها من أصداء شعر أليوت ومن أساطير الخصب البابلية والكنعانية بشكل عام تبقى إنجازاً باهراً من إنجازات الشعر العربي في خمسينيات القرن العشرين (8).

    مراجع

    1- الرزاز، نبيلة، بدر شاكر السياب، حياته وشعره (أنظر: bride.ahlamontada.com/t1515-topic )
    2- سالم، عطاف: أنشودة المطر. أنظر: (www.alqaseda.com/showthread.php?t=5044 )
    3- بلاطة، د. عيسى: بدر شاكر السياب - حياته - شعره. انظر: (www.goodreads.com/books/show/12921711)
    4- عبد الكريم، أحمد: أنشودة المطر تحت المجهر. أنظر: (www.ruowaa.com)
    5- العيساوي، ريم: قراءة في أنشودة المطر. أنظر (alezandrie.yoo7.com/t270-topic)
    6- زياد، أحمد: العمق الثقافي في أنشودة المطر. أنظر: (?www.dahsha.com/old/viewarticle.php)
    7- العظمة، د. نذير: اديث سيثويل ومؤثراتها في شعر السياب. انظر (thiqaruni.org/arab/688/(28)/com)
    8 - عباس، د. إحسان: السياب، دراسة في حياته وشعره. أنظر (?www.alwaraq.net/Core/Exlib/excoverpage)
     
    آخر تعديل: ‏29/4/14
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    وفاء محمود العلي
    لغة الشعر عند بدر شاكر السياب
    في هذه الدراسة محاولة لاستقراء أسلوب بدر شاكر السياب (1926 - 4691( ولغته، باعتباره رائدًا من رواد الشعر الحر، ترك أثره في التجديد الشكلي والمضموني الذي تناولته دراسات كثيرة، لكن هذه الدراسة تتميز بالجدة - طريقة ومنهجًا- حيث يتقصى الكاتب الظواهر البارزة في استعمالات السياب اللغوية - كما هي - مفترضاً أن الشاعر يكرر ظواهر معينة هي بمجموعها تكوّن أسلوبه، وأنه يحاول المزج بين العناصر القديمة والجديدة.
    ومن مميزات هذه الدراسة التي حملت عنوان: "لغة الشعر عند بدر شاكر السياب" وصلتها بلغة المصادر العربية القديمة' للباحث والشاعر فاروق المواسي أنها جمعت بين الجانبين النظري والتطبيقي وخرجت بالكثير من الملاحظات التي تستحق القراءة فعلاً لقيمتها البحثية والعلمية والفنية، ولما تلقيه من الضوء على شعر السياب وأسباب تميزه.
    في دراسته للسياب عرض الباحث فاروق المواسي لكل العناصر التي أثرت في شعر السياب، ومنها العناصر القديمة والمتمثلة في تأثره بالقرآن والشعر واستعماله اللفظة المعجمية الغربية، واستفادته من القرآن والشعر القديم - بشكل لا يضاهيه شاعر قديم أو محدث من ناحية، والعناصر الجديدة وهي الظواهر غير المألوفة على اللغة القديمة، ولكن الكثير منها مألوف في لغة الأدب الحديث من ناحية ثانية.
    وفي تقديمه للكتاب يوضح المؤلف ما يرمي إليه حيث يقول: '... وليس في وسعنا أن نؤكد ميزة لغوية خاصة بالشاعر مقصورة عليه، بل نرى الظواهر البارزة والمتكررة كالجمل الإنشائية والاعتراضية وجمل التشبيه - مثلا - صورة واحدة هي صورة لغة السياب، فإذا ما استقصينا الجمل الإنشائية ودللنا على بروزها عند السياب فهذا لا يعني أن الجمل الخبرية أقل، وأن غيره من الشعراء لا يستعملها، فالجمل الإنشائية من طبيعة الشعر، وإنما بتراكم هذه الجمل وتكرار أدوات الاستفهام والتمني والنداء وغيرها يؤكد المؤلف أن هذه سمة من سمات شعر السياب، وليس من سبيل أن يملك المرء الحكم والتقرير إلا إذا ملك اطلاعًا كافيًا على قديم الشعر وحديثه.
    يسلك الباحث في هذه الدراسة منهجاً يعتمد على استقصاء الظواهر البارزة في استعمالات السياب اللغوية - كما هي - مفترضاً أن الشاعر يكرر ظواهر معينة هي بمجموعها تكوّن أسلوبه، وأنه يحاول المزج بين العناصر القديمة والجديدة.

    الجملة الشعرية القديمة
    ويفصل المؤلف وجوه التأثر هذه متناولاً إياها واحدة تلو أخرى، ففي القسم الخاص بتأثر السياب بصياغة الجملة الشعرية القديمة يورد التالي:
    لا نستطيع أن نزعم أن باستطاعتنا حصر كل الأساليب التي تأثر بها الشاعر، فربما يكون بعض هذه الأساليب من القرآن أو الحديث، ولكن سبيلنا أن نقف عند بعض الأساليب البارزة في الشعر وهي:
    ؟ أسلوب التفريع أو ما أصطلح عليه أسلوب: ما... بـ: وهو الابتداء بما التي تعني ليس، والتي يتأخر خبرها وهو مسبوق بالباء- حرف الجر الزائد-، فالأعشى مثلاً يقول:
    ما روضة من رياض الحزن معشبة = خضراء جاد عليها مسبل هطل
    يومًا بأطيب منها نشر رائحة = ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
    وها هو السياب يستعمل هذا الأسلوب المتوافر في الشعر القديم فيقول:
    فما مذهب من شعور الحسان = تراخى على كتف واستراح
    بمشبه منديلها فتنة = وسحرًا إذا جاذبته الرياح
    ؟ أسلوب الاستفهام في اصطلاح البلاغيين تجاهل العارف: والمقصود منه تهويل الموقف، ومن ذلك ما تقول الخنساء:
    قذى بعينك أم بالعين عوّار
    ويقول السياب:
    أنار البرق في عينيه أم شعار المعبد
    ؟ استعمال ما الزائدة بعد إذا: يقول النابغة: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم
    والسياب يكثر من مثلها كقوله: 'إذا ما راح يطوي إليهم نحو الشاطئ الخصب'، 'إذا ما اهتزت الزهرة ألقت بالندى العذب'.

    ؟ استعمال المدح بما يشبه الذم
    يقول السياب:
    فتى ما جنى ذنبًا سوى أنه انتضى = حسامًا بوجه الظلم ما لان جانبه
    وصيغة هذا القول تذكرنا ببيت النابغة:
    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم = بهن فلول من قراع الكتائب
    ؟ استعمال أنماط صياغة قديمة، ففي قول المتنبي:
    لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي
    نجد أن قول السياب:
    لغيرك لم يخفق فؤادي ولا هفا، مشابهًا له، إذ أن البيتين يبدآن بحرف جر، فاسم مضاف إلى الضمير، فحرف نفي، ففعل، فحرف عطف، فحرف نفي، ففعل.
    ونظرة إلى مطولة بور سعيد في قصائدها العمودية الثلاث، فإننا نستوحي الأجواء الشعرية لجرير وأبي تمام والمتنبي في كل قصيدة على التوالي، ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك بقوله:
    يقول السياب: إيماضة البرق إلا أنها حقب، ويقول المتنبي: هذا عتابك إلا أنه مقة، وغيره كثير. ولو أمعنا النظر في أبيات السياب التي دللنا على تأثرها لألفينا أكثرها من مجموعة البواكير (أول ديوان للسياب) غير أن هذا لا يعني أن السياب لم تتأثر صياغته في سائر الدواوين، ففي أنشودة المطر مثلاً يقول:
    عصافير أم صبية تمرح
    أم الماء من صخرة تنضح
    تراكيب من الشعر القديم
    وإفادة السياب من الشعراء السابقين تبرز كذلك في تضمين بعض التراكيب كما هي، فالدعاء بالسقي مثلاً كان يلائم طبيعة الصحراء، وقد أكثر منه الشعراء، وكما كان الشاعر القديم يدعو بالسقي على الأطلال، فها هو شاعرنا يستوحي السقي على منزل الأقنان: ألا يا منزل الأقنان سقتك الحيا سحب.
    ودعاء السقي في الشعر القديم يأتي كذلك بصورة سلبية كقول المتنبي مستعملاً لا الدعائية: فلا سقاها من الوسمي باكره، وهذا التركيب نجده- قريبًا من الأصل- عند السياب في قوله: فلا سقيا؛ فالتراكيب القديمة التي استخدمها السياب كثيرة، وقد حصر منه المؤلف الكثير منذ بداية الشعر الجاهلي ومنها: رعي النجوم، تعبير وارد في شعر النابغة: وليس الذي يرعى النجوم بآئب ومعنى رعي النجوم مراقبتها، وها هو السياب يقول كذلك: وأرعى نجوم الظلام العميق.
    كما أن ترديد السياب لـ (حُييت من...) في قصيدة بور سعيد تذكرنا بعنترة في ابتدائه: 'حييت من طلل تقادم عهده'، والبنان الرخص وارد في الشعر القديم، يقول النابغة:
    بمخضّب رخص كأن بنانه = عمن يكاد من اللطافة يعقد
    ويقول عمر ابن ربيعة: 'ومخضب رخص البنان كأنه عنم'، وإذا ترددت كلمة عنم عند الشاعرين فإن السياب أغفلها لتوغلها في البعد عن الطبيعة الحضرية، فهو يقول جاءتك ظمأى بالبنان الرخص تغترف المياه.
    ومن الشعر العباسي استعار السياب الكثير من مثل هذه التركيبات كما هي:
    يقول أبو تمام في بائيته المشهورة: 'كأس الكرى ورضاب الخرد العرب'، ويقول السياب: والنار أعراض كل الخرد العرب، ويقول أبو تمام: قاني الذوائب من آني دم سرب، ويقول السياب: حتى جبى قدر ماء من دم سرب، ويقول أبو تمام: للنار يومًا ذليل الصخر والخشب، ويقول السياب: ما ذل غير الصفا للنار والخشب.
    والبحتري يقول: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا، فيستعمل السياب نفس التعبير والربيع الطلق، وكذلك فإن البحتري يقول: يفتقها برد الندى... فيستعمل السياب: كما تنفض الريح برد الندى.
    ويقول المتنبي: ويلمها خطة ويلم قابلـها
    ويلم كلمة تقال للتعجب، وأصلها: وي لأمها، ثم حذفت الهمزة، واللام تكسر على الأصل، وتضم على حذف حركتها، والقاء حركة الهمزة عليها، تقول العرب: ويلمه مسعر العرب، فيستعمل السياب هذا التعبير متعجبًا:
    ويلم سازاك كيف اندك حائطه = حتى تعرى لي السهل الذي حجبا
    فهو يستعمل نفس التركيب القديم، ويعجب لمصير مستشفى الصليب الأحمر حيث يعمل الطبيب سازاكي، وفي قرن الكلمة الأجنبية بكلمة ويلم - إثارة وجدّة.
    وكذلك نحس أن بعض التضمينات ترد لإشاعة الحنين -المستمد من الشعر القديم- كاستعماله يا حادي العيس و نعمت الدار، وهما مثلان من عدة يستفيد منهما الشاعر لتجسيم ألـمه.
    تضمين أبيات شعرية في سياق جديد
    فالسياب يضمن في قصيدة ليلى أربعة أبيات متفرقة قيلت على لسان قيس:
    ليلى مناد دعا ليلى فخف له = نشوان في جنبات الصدر عربيد
    كسا النداء اسمها سحرًا وحببه = حتى كأن اسمها البشرى أو العيد
    هل المنادون أهلوها وإخوتها = أم المنادون عشاق معاميـد
    إن يشركوني في ليلى فلا رجعت = جبال نجد لهم صوتًا ولا البيد
    وشاعرنا إذ يستوحي الجو القديم وقد قدم له بقوله:
    ما كان أحلى حبنا العربي حب كثير وجنون قيس فإنه يتابع غزليته على طبيعته الخاصة البعيدة عن الروح القديمة:
    وأظل طول الليل
    أحلم بالزنابق والعبير
    وحفيف ثوبك والهدير
    يعلو فيغرق ألف زنبقة
    وثوب من حرير

    وعندما يقول السياب:
    بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
    ويبقى اليتامى بعدنا والمصانع
    فهو قد لجأ إلى بيت لبيد بن ربيعة:
    بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
    وتبقى الجبال بعدنا والمصانع

    فالسياب يستعمل المصدر الذي استعمله لبيد، ولكنه في عجز البيت استبدل كلمة بكلمة (كلمة الجبال بكلمة اليتامى)، أما سبب ذلك فهو أن المعنى الذي يرمي إليه السياب من كلمة المصانع هو معنى مستحدث يدل على مكان الصناعة والعمل، بينما كان مقصود لبيد من كلمة المصانع: ما يجمع فيه ماء المطر كالحوض (القرى، الحصون)، فالجبال تتلاءم والمصانع في مفهوم لبيد... وبما أن كلمة المصانع لها دلالة جديدة في عصرنا لذا فقد كان حتميًا أن يستبدل السياب كلمة الجبال بكلمة أخرى موافقة، فجاء بكلمة اليتامى ليدلل على مصير أولاد العمال من اثر مصانع الأسلحة.
    ويقول السياب:
    عيون المها بين الرصافة والجسر = ثقوب رصاص رقشت صفحة البدر
    وهذا البيت استعادة لبيت علي بن الجهم:
    عيون المها بين الرصافة والجسر = جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري.
    فالصدر في البيتين لم يتغير، أما العجز فقد لجأ فيه الشاعر إلى معنى جديد مستعملاً التورية في كلمة بدر، ويرى البروفيسور موريه أن هذا الاستعمال جاء ليخلق أسلوبًا ساخرًا على ضوء الحوادث التي لقي فيها بعض الطلبة حتفهم وذلك في فترة الملكية .


    تطوير تعابير الشعر القديم
    كثيرًا ما نقع على كلمات في شعر السياب توحي لنا بتأثره واستفادته من الشعر القديم، وقد أجرى الشاعر بعض التغيير على الأصل، لكن الروح القديمة والمعنى القديم بقيا ظاهرين على حد تعبير مؤلف الكتاب:
    يقول السياب:
    الليل طال، وما نهاري حين يقبل بالقصير
    ويقول في مكان آخر:
    تبرمت يا ليل بالبائسين
    فزُلْ واترك الصبح يأسو الجراح
    وفي قوليه يذكرنا بامرئ القيس عندما طال عليه الليل وقال:
    ألا أيها الليل الطويل ألا انجل = بصبح وما الإصباح منك بأمثل
    فامرؤ القيس يتبرم من الليل ويطلب منه أن يزول، وعنده أن الصباح ليس بأفضل من الليل، فالهموم تفترسه ليل نهار. وفي قول السياب الأول يذكرنا بتساوي النهار والليل في الطول أي في الهم، بينما في قوله الثاني يتبرم بالبائسين ويطلب منه أن ينجلي ويزول، فالصباح سيأسو الجراح ويريحه كما أراح النابغة.
    كما يستخدم السياب بعض التعابير من معاني الحطيئة في اعتذاره لعمر:
    ماذا تقول لأطفال بذي مرخ = زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
    فيقول السياب:
    لأطعم منه زغبًا يطلبون الزاد في قر
    العشيات الشتائية
    والجو الذي وصفه الحطيئة: بين الاباطح يغشاهم بها القرر كان السياب قد ذكره في استعطافه، بل إن كلمتي زغب و قر مشتركتان، ويبدو أن كلمة زغب ألحت على السياب فاستعملها في مكان آخر، وهو إذ يشبه نفسه بطير رميّ يجر الجناح عشه، سجا وفيه زغب جياع ويعني بهم أولاده، يعود ويقول عنهم:
    وزغب جياع يصرخون على بعد
    ومن أبي تمام كذلك يستفيد السياب في قوله:
    إذا ذكروا في جحفل الحرب يونسا = وأسيافه حمر وأرحامه حمر
    ثم إن كلمة سبائب الواردة في بيت السياب وردت في مكان آخر من قصيدة أبي تمام التي اقتبسنا منها، وهذا يجعلنا نميل إلى القول أن جو البيت القديم يبقى له أثره.

    توظيف تعابير الشعر القديم لغاية جديدة مغايرة

    يقول المثقب العبدي متغزلاً:
    فـإني لو تخالفني شمالي = خلافك ما وصلت بها يميني
    فيأتي السياب على بعض ألفاظه مبتعدًا عن النص والروح القديمين:
    أيها القلب هل تلام شمالي = والتي تفعل الذنوب يميني
    فالشاعر القديم يخلص لحبيبته، بينما السياب لا يلوم يدًا من يديه بجريرة الأخرى، وهناك أمثلة أخرى على ترديد كلمات قديمة مع اختلاف المضمون- مما ورد في شعر السياب:
    خذي الكأس إني زرعت الكروم = على قبر ذلك الهوى الخاسر
    فأعراقها تستعيد الشراب = وتستفِهِ من دم العاصر
    فهو يذكرنا بقول أبي محجن الثقفي:
    إذا مت فادفني إلى جنب كرمة = تروّي عظامي بعد موتي عروقها
    ونرى هنا أن الشاعرين استعملا كرمة و عروق، وجملة السياب يستعيد الشراب فيها صياغة جديدة لقول أبي محجن تروي عظامي، لكن السياب يتحدث عن الشراب وسيلة لغاية، بينما الشراب عند الشاعر القديم غاية بحد ذاته، وانظر أيضًا إلى إخفاء المعنى والابتعاد عن جو أبي محجن في قول السياب فيما بعد: وعصرت السحب أعراقها.
    ويصل الباحث بعد هذا العرض التفصيلي والنماذج الكثيرة إلى ان السياب حفظ الكثير من الشعر القديم وهضمه ورصع به ديباجة شعره بصورة مباشرة وغير مباشرة. حيث برز تأثره بالأسلوب واضحاً في مجموعة البواكير، أما على مستوى التراكيب فمعظمها من الشعر العباسي، في حين وردت أغلب التضمينات الشعرية والاقتباس في ديوانيـه: أنشودة المطر و شناشيل ابنة الجلبي، وهذا يعني أن الشاعر في نضجه الأدبي كان مقتنعًا بالتضمين -على طريقة إيليوت- بل يفعل ذلك عن قصد، فالتضمين عنده له علاقة واعية مع القديم، وفيه إثراء للتجربة وتعميق للمعنى.
    وفي تطوير المضمون لاحظ المؤلف الأثر القديم، لكنه توسع أو عارض، وفي كلتا الحالتين كان يشحن معانيه الجديدة بطاقة لها جذور قوية في التراث.
    ويلاحظ الباحث أن استفادة السياب لم تقتصر على الشعر القديم، بل إن فيها صدى الشعر المعاصر (الكلاسيكي).
    ويؤكد الباحث أن السياب يمزج بين القديم والحديث، فهو إلى جانب استفادته من القرآن يستفيد من الأغنية الشعبية ويضمنها، وإلى جانب الكلمة الصعبة القاموسية يستعمل الكلمة العامية.
    وهذه النقاط البارزة وغيرها مما ألمح إليه في ثنايا الدراسة تشكل معًا أسلوب السياب الشاعر الحديث، الذي امتص البنى القديمة في اللغة وجعلها تتعايش والكلمات البسيطة المباشرة.
    ومن الملاحظات المهمة التي يوردها الباحث أن هناك علاقة متينة بين أسلوب السياب وواقع حياته، فكثيرًا ما كانت أمثلة التكرار والاستفهام والنداء والتشديد على اللفظ وحتى الأصداء القرآنية شعرًا مشبعًا بالألم.


     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    حسن ناظم
    بدر شاكر السيّاب·· ذلك الأب الشعري الأول!

    لندع الصراع بين زمنين؛ بين 27/10/1947 حيث قصيدة ''الكوليرا'' لنازك الملائكة، و29/11/1946 حيث قصيدة ''هل كان حباً؟'' للسياب. ولندع أيضاً ''بلوتولاند وقصائد أخرى'' للويس عوض، وترجمة علي أحمد باكثير لشكسبير.

    لندع هذا وغيره متشبثين بمراحل النضج، لا البدايات والصراع عليها، وممسكين بآخر الخيط لا أوله، وسابحين في فضاء الخواتيم لا الريادات. فما تركهُ السياب من منجز شعري غني لا يكمن في البدايات بل في النهايات، في تلك الأشعار التي كتبها بعد أن انصرف من الولع بالصراخ والصراع ضد الآخرين والأحزاب، لينصت إلى الشيء الأصيل فيه، والشيء الباقي بعد زواله، والشيء الوحيد الكفيل بخلق قاعدة صلبة للشعر؛ فروحه وهواجسها، واستبصاراتها، ومعاناتها، وتوثبها، وعجزها أيضاً هي التي خلقت في شعره سمة الخالد.

    أريد هنا أن أذكِّر بالسياب، هل هو منسيّ؟ نعم إنه في غاية النسيان. وإني أُذكِّر به الآن ليس بمناسبة ذكرى وفاته في الرابع والعشرين من كانون الأول ،1964 بل بمناسبة احتضار شيء آخر: إنه الشِّعر بالعراق. إن البقية الباقية من شعراء العراق لا تكاد تنجب أبناء جدداً، والوضع ينذر بانقطاع النسل الشعري. وافتراضي أن السياب هو الأب الأول للشعر الحديث، وأنه كان خصباً وخصيباً بحيث ترك لنا أبناء كثيرين هم أولئك الذين رعوا (بكلا معنييْ رعى) السلالة المجيدة، هذا الافتراض يقيم الدليل على قصور السلالة، وقصر شجرة النسب. إذ إن الأبناء الستينيين برهنوا على وفائهم المشوب بالتمرُّد، فكانت هناك فروع كثَّة وكثيفة في هذه المرحلة: حسب الشيخ جعفر، فوزي كريم، فاضل العزاوي، سركون بولص، عبدالكريم كاصد، صلاح فائق، وغيرهم كثر. غير أن السلالة شحّت كيفاً مع السبعينيين؛ أولئك الذين هجروا الأب الأول (السياب) واتخذوا أباً جديداً لهم (أدونيس: علي أحمد سعيد)، اللهم إلاّ ''قلَّة سعيدة'' رشُدتْ بالإنصات إلى ''صلصلة الحصى في بويب''، ورؤية ''القمر خائضاً في النهر''. أما مع الثمانينيين، جيل الحرب الضروس، فقد سابوا ضالين ولم يعرفوا شيئاً عن السيّاب. فما السبب في هذه الدخالة أو النغولة الشِّعرية المفاجئة التي بلبلت لغة العائلة وسلوكها المتناغم؟

    أعتقد بأن العلّة في المفصل؛ المفصل الرابط. إذ تناط بالمفصل مهمة الفصل والربط في آن. كالمفصل الذي يربط الساعد بالزند، فهو أفضل مكان لربطهما، كما أنه أفضل مكان لفصل بعضهما عن بعض. وهنا مكمن الخطر. فقد يقوم المفصل بأداء وظيفة الفصل فقط، فترتخي الرابطة. وقد يكون العكس فتتعزَّز الرابطة. والآن، كيف كان وضع المفصل بين السياب والستينيين بعده؟، والمفصل بين الستينيين والسبعينيين مثلاً، وهكذا دواليك؟

    إن مفاصل جميع الأجيال الشِّعرية العراقية ارتخت تباعاً وباطراد سريع، إلاّ مفصل الستينيين. فبالنسبة للستينيين، يكمن السبب المباشر في أن في المسافة (المفصل) بينهم وبين السياب وقف شاعر عملاق، ليس خمسينياً كالسياب، وليس ستينياً طبعاً، بل هو ''منزلة بين المنزلتين''، ووسط بين المقاميْن، ''وسط ذهبي'' (النقد العراقي سمّاه خطأً ''جيل الوسط الضائع'' حرصاً على تجييل أعمى)، شدّ الجهتين بعضهما إلى بعض، ولم يسمح للعلاقات العائلية بالتفكُّك، ولا دعا في الوقت نفسه إلى التماهي المُطلق. للأسف، لم يقف شاعر عملاق آخر في هذا الوسط الذهبي بين الأجيال الأخرى، فظلت سائبة، والفرق كبير بين السائب والسياب.

    لابد من عودة إلى الأب الأول، الضائع وسط التزاحم على البهلوان. والعودة لا تعني فقط تذكره. إذ ليس من باب الوفاء له أن نذكره دائماً أو نشيد به. الأب الأول افترع نهجاً، وسنّ طريقة، ومهمتنا ليس أن ندرس نهجه وطريقته في كتب ودراسات لا تنتهي، بل أن نتمثّل روحه في النهج والطريقة لكي يكون لنا نهج وطريقة. هذا هو الدرس. والسياب درس.
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    ماجد نور الدين
    السياب.. في الليلة الظلماء يفتقد الـ (بدر)

    عن الخلاص بالموت وتأثيرات المكان في تجربته الشعرية


    مبدع بامتياز .. قومي بامتياز.. عاش الشعر بصدق وعذوبة، كان صريحاً حد الجرح وجريئاً جرأة الأبطال، اعتبر الموت حرية وفضاء لا نهاية لهما، عشق القصيدة واحبها؛ لأنها كانت تمثل لدية موقفاً إنسانياً بالدرجة الأولى.. هذا هو “بدر شاكر السياب” الذي رحل عنا في مثل هذه الأيام، وتحديداً في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر 1964م، بعد حياة عاصفة قصيرة، بعيداً عن وطنه، ليؤشر برحيله معنى مأساوياً مريراً طبع حياته القصيرة التي لم تتعد الـ (38 عاماً)، بعد أن أنجز (أنشودة المطر) التي كانت أبلغ بيان عن الحداثة الشعرية العربية. كما نتذكر تراثه النثري وفي مقدمته سلسلة من مقالاته وقصصه التي نشرها في ملحق جريدة “الشعب”، إلى جانب مجموعة دواوينه: أعاصير، زئير العاصفة، الروح والجسد.

    السياب هو ثالث ثلاثة لا يذكر الشعر الحديث في العراق إلا ويذكرون: وهؤلاء هم نازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، والسياب.. الشاعر القلق، المعذب، الذي لم يبق لنا منه إلا هذه الحمم البركانية الملتهبة من شعره، فقد بدأ حياته شاعراً بديوانه الأول “أزهار ذابلة” الذي طبع في القاهرة عام 1948م، وأغلب قصائده رومانسية المضمون، مبنية في إطار الشعر العمودي التقليدي. وقد كانت تجارب قصائد هذا الديوان “قداح وأحلام، السوق القديم، اللقاء الأخير”، محدودة القيمة ولا تخرج عن كونها تجارب تلميذ نجيب من تلامذة دار المعلمين العليا ببغداد التي تخرج فيها عام 1949م.

    ديوانه الثاني “أساطير” صدر عام 1950م، وقد جمع فيه طائفة من القصائد التي سبق أن نشرها في عدد من الصحف العراقية، وقد عرف من خلال هذه القصائد طريقه إلى “الأدب الرومانسي الأوروبي” على نحو ما هو موجود عند الشاعرين: شلي وكيتس.. حتى لقد دفعه التغلغل في التجربة الرومانسية إلى محاولة معارضة هذين الشاعرين معارضة جريئة، ومثال ذلك قصيدته “اتبعيني” وقصيدة شلي “اتبعيني..اتبعيني” المشهورة في الدراما الغنائية. وتشير هذه القصيدة إلى أن السياب حاول أن يتخفف من تقليده البلاغة العربية القديمة التي كان وجدانه الرومانسي حبيساً في إطارها. فهو في نسجه على منوال شلي وكيتس لم يكن صاحب خيال فلسفي مثل الأول، ولا صاحب خيال حسي مثل الثاني، وإنما كان صاحب وجدان من نوع ثالث، راعش إلى درجة الحمى، متفجر كالحمم، وجدان ليس فيه أحلام وردية رقيقة ولا أحلام حزينة شجية كما في مختلف أحلام الرومانسيين، ولكنها أحلام هائجة مضطربة كالأعاصير ولهذا سرعان ما نجده قد تمرد عليهما وعلى رومانسيتهما الأوروبية، كما ثار على الكلاسيكية العربية.

    قلق الروح

    منذ صدور ديوانه “أزهار ذابلة” والسياب يمر بمرحلة من القلق العروضي والقلق الروحي معاً، أما الأول فكان منشؤه ذلك الإحساس العميق الذي استولى على أبناء المدرسة الجديدة من الشعراء ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة – بأن المدرسة الرومانسية قد استنفذت أغراضها شكلاً ومضموناً، بعد عشرين عاماً أو نحوها قضتها مدرسة المهجر ومدرسة أبو لو في مواجهة شوقي وحافظ إبراهيم، والكلاسيكية العربية، وقد كان السياب من ذلك الجيل الذي تكون وجدانه الاجتماعي والسياسي في بوتقة تلك الحرب، وكان أن التقط أهم سؤال من نتائج الحرب: لماذا يقتتل البشر وهم بناة الحضارة وصانعو الجمال والإبداع والحب والربيع وكأنهم قطعان من الذئاب الضارية تبحث عن فريسة؟ وأين مكان الأمل؟ وما سبيل الخلاص من صانعي الحرب؟ ومن هنا بدأت فترة القلق الروحي عند السياب، وقد تجلى ذلك في بحثه عن خلاص الجماعة بدلاً من خلاصه الفردي، وقد وجد يومئذ الإجابة عن كل تلك الأسئلة الخطيرة التي طرحتها الحياة على أبناء جيله، من شباب الحرب العالمية الثانية وقد وجد ضالته في الفلسفة الماركسية، فانضم إلى الحزب الشيوعي العراقي، وكان خلال تلك الفترة كثير اللقاء بالشاعرة نازك الملائكة التي أصدرت ديواناً مهماً بعنوان “شظايا ورماد” عام 1949م، أما هو فقد فصل من وظيفته بسبب نشاطه الشيوعي، وكان وقتها مدرساً للغة الإنجليزية في لواء الرمادي بعد تخرجه في دار المعلمين العليا. وقد اعتقل أكثر من مرة ولم يستطع إصدار ديوانه الثاني إلا في عام 1950م.

    أما القلق الفني في حياة السياب، فقد بدأت بوادره الأولى في تجارب قليلة من “أزهار ذابلة”، كما في قصيدته السوق القديم؛ حيث نجده يعدل عن وحدة القصيدة ونظام القافية الواحدة والتفاعيل المتساوية إلى نظام المقطوعات المتفاوتة الأطوال، المجدولة القوافي وكأنها الضفائر:

    الليل والسوق القديم
    خفتت به الأصوات إلا غمغمات العابرين
    وخطى الغريب وما تبث الريح من نغم حزين
    في ذلك الليل البهيم
    الليل والسوق وغمغمات العابرين

    وأخيراً يجد السياب تجربته الخاصة، بعد أن تحول من التجربة الفردية إلى التجربة الجماعية أو قل مرحلة “الرومانسية الجماعية”، وهكذا انتهى إلى ما يمكن تسميته إلى ما يعرف بـ”أدب الكفاح” أو “أدب الالتزام في سبيل الحياة”، وقد كانت معظم قصائده التي نشرها بين أعوام 1950 و1960م، تعبيراً فعلياً عن روح الجماعة، منطلقاً من التقليد إلى الخلق والإبداع ومن أسر الشعر التقليدي إلى بناء الشعر الجديد مادة وصورة في أكثر تلك القائد التي جمعها ونشرها في أشهر دواوينه على الإطلاق بعنوان “أنشودة المطر” عام 1960 في بيروت. ومن القصائد التي وصف فيها بغداد في عهد نوري السعيد هذا المقطع:

    يا جثة على الثرى مستلقية
    الدود فيها موجة من اللهيب والحرير
    بغداد كابوس رديء فاسد
    يجرعه الراقد ونحن في بغداد من طين يعجنه الخزاف تمثالاً
    دنيا كأحلام المجانين.
    واليوم ما نفعل؟
    نزرع أم نقتل؟
    أهذه بغداد؟
    أم أن عامورة
    عادت فكان المعاد

    تنويعات كثيرة في شعره تجدها وهو يتمثل تكنيك “ت. اس. اليوت”، إنه لا يقلده بل يحتويه ويتغذى به، ولا شك في أنه في قصيدته السابقة قد انتفع إلى حد ما بقول اليوت عن لندن في “الأرض والخراب”، كذلك انتفاعه من صورة المدن الملعونة التي خربها الله لفسق أهلها، سدوم وعامورة، وإيحاؤه بأن بغداد صائرة إلى مصيرها المحتوم وهو مصير عاد وارم ذات العماد.

    في قصيدة “أنشودة المطر” يعبر عن الجدب والعقم الشامل في حياة بلده باستغلاله صور الجفاف والعطش وانقطاع الغيث عن الأرض، ولكنه في الوقت نفسه يوحي بتجمع البرق والرعد والغيوم المثقلة بالمطر بين جبال العراق وفوق وديانه، وهي المقابل أو المعادل الموضوعي المألوف للثورة الوشيكة في شعر شلي وعامة الرومانسيين. وهو حين يستهل قصيدته يتكلم بلسان العاشق المرهف وبإيقاع من أعذب ما ظهر في الشعر العربي الحديث، معنى ومبنى ودقاً على أوتار العروض فيقول:

    عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
    أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
    عيناك حين تبسمان تورق الكروم
    وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

    وحينما يقول:

    كركرة الأطفال في عرائش الكروم
    ودغدغت صمت العصافير على الشجر
    أنشودة المطر
    مطر
    مطر

    وليس هناك من سبيل إلى وصف هذه الحركة الموسيقية التي ران عليها الحزن الشفيف والأمل الواجف في هذا النشيد، إلا أنها تتبع حركة الموسيقا في السوناتا المعروفة بتنويعاتها.

    تطورت مراحل السياب الشعرية إلى مرحلة الالتزام اليساري وجملة من القصائد الملتزمة مثل قصائده عن جميلة بوحيرد وبور سعيد والمومس والعمياء وغيرها من القصائد. إلى أهم دواوينه “المعبد الغريق 1962م” و”منزل الاقنان” – 1963 و”شناشيل” 1965.

    عذاب حتى الموت

    المعبد الغريق مجموعة من القصائد القصيرة التي تحمل إحداها عنوان الديوان، ويمثل مرحلة العذاب الفردي في شعره، حينما انسحب مرة أخرى إلى دائرة الوجدان الفردي والأرجح أنه دخلها بعد أن أصابه المرض، حيث برزت قصائد عديدة تتغنى برثاء النفس ومنها قصيدة “أمام باب الله” وعدها النقاد بمثابة مفتاح حزين لكثير من الأنغام الأيوبية التي برزت في شعره منذ عام 1961م:

    هكذا كان اشتياق السياب للموت وإلى لقاء الله ليخلص من جحيم عذابه الجسدي والروحي. أما في منزل الاقنان فقد لعب توظيف المكان دوراً مهماً في صياغة قصائده، فقد ابتنى لنفسه مدينة من مدن الأحلام كان يرتد إليها كلما اضطربت من حوله الحياة، وقد كانت بلدته “جيكور” هي مدينته السحرية التي تبدو في شعره كالجنة الضائعة. وقد أضاف السياب إلى بناء قصائده ذلك الموقف الشعري فخرج به عن كونه مرتعاً لذكريات الطهر والنقاء وجعل من المكان “جيكور” رمزاً يتطور من قصيدة إلى أخرى حتى غداً بمثابة المرفأ الأخير من جحيم الحاضر بعد أن كان مجرد صورة شعرية من صور العصر الذهبي ونجدها في أدب باستورالي، وباختصار شديد لقد أصبح المكان عنده رمزاً من رموز الخلاص حينما يقول:

    جيكور لمي عظامي وانفضي كفني
    من طينه واغسلي بالجدول الجاري
    قلبي الذي كان شباكا على النار

    في جانب الأسطورة جعل السياب من حبيبته التي رحلت ومن أمه صورة أسطورية تمثلان السبيل إلى تجدد الحياة. لقد جعل من وفيقة حبيبته - وهذا هو اسمها - في قبرها شباكا أزرق وقال إنه قصرها مثل فينوس، وهو أيضاً يستخدم ببراعة صورة مولد فينوس أو افروديت الحب حينما خرجت من محارة من بين أمواج البحر، وأحياناً كان يصورها في هيئة عشتروت ربة الخصب الآشورية البابلية، وأحياناً يجعل منها إيزيس مصر. وهنا تتجلى بوضوح تقنية توسعه في استخدام ما يسمى عادة بـ”الإشارات الكلاسيكية لرموز التراث”.
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. حاتم الصكَر
    مطر السيّاب يهطل فوق الجفاف

    المقدمة الغزلية تستبق ما ستقوله الأنشودة عن بلد جريح وزارعين تنهب الغربان محصولاتهم

    قصائد كان لها صدى ودوي في الذاكرة الشعرية المعاصرة، إما لموضوعاتها الجديدة، أو لبنائها الفني الحديث، واستحقت هذه الوقفات النقدية والقراءات الاستعادية التي تذكّر بها وتستجلي أصداءها.

    لن يُكتب لقصيدة حديثة أن تنال ما نالته “أنشودة المطر” لبدر شاكر السياب من ذيوع واهتمام لا بسبب موضوعها فحسب، بل لأنها عالجت مبكرا علاقة السياسي بالفني من خلال ترميز برنامج القصيدة الوطني وهدفها الإيديولوجي المعبر عن معتقدات السياب الثورية كشيوعي في ظل حكم ملكي يحكم العراق زمن كتابة القصيدة.. وصياغتها بشكل ترنيمة طقسية تبتهل عبر استذكار المطر لقيام غد جديد عادل وسعيد.

    المولِد المجهول

    في عدد مجلة “الآداب” اللبنانية الصادر في مثل هذا الشهر (مايو) عام 1954 ظهرت قصيدة بدر شاكر السياب “أنشودة المطر” مشفوعة بتعليق منه بأنها من وحي أيام الضياع في الكويت على الخليج العربي، مشيرا إلى الفترة القصيرة التي قضاها هناك هاربا من الاعتقال بسبب نشاطه في الحزب الشيوعي العراقي؛ فتوجهت القراءة مكانيا إلى الخليج الذي يرد في القصيدة، لكن الأنشودة رغم سياق الضياع والغربة أخذت مكانة فائقة الأهمية في نفسه وبين نصوصه الشعرية جعلته يضع عنوانها من بعد عنوانا لديوانه “أنشودة المطر” الذي صدر ببيروت 1960عام عن دار مجلة “شعر” فائزا بجائزتها السنوية، وعليه تنسيقا وترتيبا تبدو أصابع أدونيس صديقه الذي قدّمه من خلال جبرا إبراهيم جبرا لشعراء بيروت الحداثيين في الستينيات، وقد صرّح أدونيس ـ ليدل على علاقته بالسياب ـ في آخر مقابلاته بأنه شخصيا هو الذي اختار قصائد “أنشودة المطر” بتخويل مباشر من السياب نفسه. وتلك المكانة التي تحتلها القصيدة لا يفوقها إلا مكانتها في الشعر العربي الحديث حيث تمثل الأنشودة ذروة التجديد الشعري الذي يمتح من الأسطورة والرمز ويبقي على جماليات الغنائية الموسيقية، ويخفي المعنى الثوري المقصود في القصيدة بكونها قصيدة سياسية في المقام الأول، ويعد بالثورة في ختام القصيدة وبعد فراغ وانتظار تمثله المساحة البيضاء التي تركها بين المقطع الأخير وجملة الختام (ويهطل المطر).

    يسمي العروضيون العرب بحر الرجز: حمار الشعراء لسهولته واقتصاره على المنظومات التعليمية والمفاخرات وبأبيات معدودة، وقد سأل الأخفش الخليل بعد فراغه من عمل كتاب العروض عن سر تسمية الرجز رجزا؟ فقال الخليل: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة عند القيام، وكانوا حين يعدون ما حفظ الشعراء من القصائد يفصلون محفوظات الشعر عن الأرجاز، كما وضع المعري شعراء الرجز في “رسالة الغفران” في جنة منعزلة أسماها جنة الرجاز.

    هذا البحر المهمل الذي لم تكتب به إلا قصائد معاصرة قليلة اختاره السياب ليكتب على تفعيلته واحدة من أكثر قصائد التجديد إثارة، وكذلك أكثرها حظوة بالاهتمام والتحليل النصي، فهي قصيدة محيرة تنطلق من رفض السياب للنظام الملكي واستئثار الأجانب بخيراته لكنها تبدأ غزلية وتنحرف رمزية مستثمرة دلالة المطر في الذاكرة ثم ينكشف الهجاء السياسي ومعاناة الفقراء الذين يصارعون الطبيعة والجوع ويكدحون خلف الرحى المتيبسة ليطحنوا القشور، بينما تشبع الغربان والجراد من حصاد الحقول ويغدو المطر نفسه وبالاً يغرق البشر والأمكنة.. ولعله بهذه الصورة يستعيد الفيضان العارم في بغداد عام 1954 أو يستلهم الرؤى التي سجلتها شاعرته المفضلة إيديث ستويل عن المطر بتكرارها كلمة مطر في إحدى قصائدها وذكرها للأنشودة، وتكرار السياب كلمة مطر بشكل عمودي كأنما ليوحي بالقطرات النازلة تباعا.. لكن التراسل الحسي خاص بالسياب فهو يسمع النخيل يشرب المطر، ويرى العينين تبسمان، والبروق تمسح السواحل بالنجوم والمحار.

    العيون: شرفات

    تتأرجح القصيدة بين المقدمة الغزلية (عيناك غابتا نخيل ساعة السحر/ أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر) والهدف السياسي للقصيدة (وكل عام حين يعشب الثرى نجوع/ ما مر عام والعراق ليس فيه جوع) ووعد الثورة القادمة بعد أربعة أعوام من كتابة الأنشودة: (أكاد أسمع العراق يذخر الرعود/ ويخزن البروق في السهول والجبال).

    ويذهب المحللون مذاهب شتى في تفسير الاستهلال الغزلي ـ الوصفي الذي لم يتجه إلى محبوبة بعينها، فصار تقليدا أو طقسا دعا إلى استحضار الابتهالات العراقية القديمة المقدمة لعشتار، بينما ربطتها بعض التحليلات بالتثبيت الجمالي للأرض التي سيرثي النص فقرها وجدبها؛ فهي كامرأة جميلة لكن الحزن يزيدها غضونا وذبولا، أو حزينة يزيدها الجمال شاعرية وعذوبة.

    وحين سئل السياب نفسه عن مغزى البدء بمقدمة غزلية في قصيدة سياسية كالأنشودة، أجاب: بأنه كان يقلد القصائد العربية القديمة التي تبدأ بالنسيب مهما كان غرضها التي كتبت من أجله، وتلك القصائد تمثل في وعي السياب الشعري ملاحم خالدة اجتمعت فيها المتانة البنائية القادمة من التقاليد الشعرية، وفخامة المعنى وعلوّه احتكاما إلى دور الشعر في الضمير الجمعي العربي.

    لكن محللين ينطلقون من الأدب المقارن وتأثير الشعر الأجنبي في التجارب الشعرية للرواد ـ والسياب خاصة المعروف بقراءته المتأملة للشعر الغربي بلغته الأصلية ـ يبحثون عن مؤثرات أخرى غير سيتويل التي كان السياب يسمع تسجيلات قصائدها بصوتها مع أصدقاء بغداديين كبلند الحيدري الذي يذكر أنه في خمسينيات القرن الماضي وعامي 53 و54 تحديدا كان قد اعتاد وأصدقاء كالسياب وقحطان المدفعي ونوري الراوي وخالد الرحال سماع تسجيلات صوتية لشعراء بالإنجليزية كإليوت وسيتويل وديلان توماس رغم أن سيتويل في نصها: still falls the rain تكرر المطر وتقرنه بالحزن الذي لا يراه المحللون كذلك في الذاكرة العراقية فهو إذن مطر سيتويل على قصيدة السياب. لكن عبدالواحد لؤلؤة المتعقب بدراية وإحاطة بشعر السياب وشكسبير يرى أن العينين الجميلتين الحزينتين هما عينا حبيبة السياب عند وداعها قبل هربه تحت جنح الظلام إلى الكويت، وأن المشهد الحزين مهرَّب من منظر الشرفة في مسرحية روميو وجوليت.

    آخرون يرون فيها أصداء من إليوت وأرضه اليباب التي نعى فيها حضارة الغرب ورجاله الجوف، وأيا ما تكن مديات التناص والاقتراب من المرجع فالأنشودة مصهر قذف إليه السياب بمعتقداته وأفكاره وقراءاته ومشاهداته لتذوب كلها تحت اسمها وهويتها وحدها.

    القرية والأسطورة

    شخصيا أقرأ المقدمة الغزلية على أنها استباق لما ستقوله الأنشودة عن بلد جميل جريح، وعن زارعين تنهب الغربان والجراد محصولاتهم ويظل لهم القشور، وعن مطر يشير للخير والنماء لكنه يغرق في طوفانه القرى التي تئن، فتتقابل قطرات المطر السماوي بقطرات دم العبيد، وفرح الطبيعة بالسحب والرعود والبروق بدموع المتعللين بالمطر خوف اللوم، وتمتزج النعمة بالجوع، كما ظل للطفل في القرية قبر أمه التي ينتظر قيامتها: (كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام/ بأن أمه التي ـ أفاق منذ عام/ فلم يجدها، ثم حين لج في السؤال/ قالوا له: بعد غد تعود/ لا بد أن تعود..).

    وما الطفل إلا السياب نفسه وقبر أمه التي دفنت في بقيع جيكور حيث مرمى بصره كل ساعة. والمطر والنخيل والقرى وسواها التقطها من مشاهداته وتذكّرها متداعية في أنشودته الطقسية كلحن ملحمي حزين: غاضب وجميل.

    أنشودة المطر *
    مطر
    مطر
    مطر
    سيعشب العراق بالمطر
    أصيح بالخليج: “يا خليج
    يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى..”
    فيرجع الصدى
    كأنه النشيج:
    “يا خليج
    يا واهب المحار والردى”.
    وينثر الخليج من هِباته الكثار
    على الرمال: رغوة الأجاج، والمحار
    وما تبقى من عظام بائس غريق
    من المهاجرين ظل يشرب الردى
    من لجة الخليج والقرار،
    وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
    من زهرة يربُّها الفرات بالندى.
    وأسمع الصدى
    يرن في الخليج:
    مطر...
    مطر...
    مطر...
    في كل قطرة من المطر
    حمراء أو صفراء من أجنة الزهر.
    وكل دمعة من الجياع والعراة
    وكل قطرة تراق من دم العبيد
    فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
    أو حلمة توردت على فم الوليد
    في عالم الغد الفتي واهب الحياة.
    ويهطل المطر..

    * مقاطع من القصيدة

     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. حاتم الصكر
    أربعة عقود مرّت على غياب صاحب «أنشودة المطر»...
    مزيد من الأسئلة الإشكالية حول شعر السياب!

    تكتمل، في الخامس والعشرين من هذا الشهر أربعة عقود على غياب بدر شاكر السياب، الذي نستذكره دوماً مقترناً بتحديث القصيدة العربية، والدخول بكتابتها في أفق جديد لم تعهده في دورة حياتها الطويلة. كما تحفّ باستذكاره فكرة «الريادة» والجيل الذي ارتبط وجوده الشعري بها في تاريخ الشعرية العربية المعاصرة، والشعر العراقي بخاصة. وكأي شعر لا يكرر بل يبتكر، ولا يصالح بل يصدم، ولا يختبر بل يبتدع، فإن شعر السياب يثير مزيداً من الأسئلة كلما كرّت عليه قراءة القارئ، ويحرّض على مزيد من الكشف والتعرّف، وبهذا يمنحنا متن السياب الشعري - على رغم عمره المحدود (1926 - 1964) مناسبة أو فرصة البحث عن حداثته المتجددة، ذلك ان «شاعرية» السياب تخترق قوانين الطبيعة المتمثلة بالميلاد والموت، فهو ذو حضور يتعمق كلما أوغل في الغياب.
    والأسئلة التي يثيرها متن السياب لا تزال ماثلة على رغم دخول الشعر العربي بعده مناطق بعيدة في التحديث، أكثر عمقاً وغرابة ومغامرة، أسئلة من صنف: ثنائية الموروث والتجديد، المؤثر المعرفي الرمزي والاسطوري، أشكال الشعر المقبلة - والمستلفة - من الغرب، الالتزام والحرية، مشكلة الموت والانبعاث، الريف والمدينة، تمثل الحرمان واليتم وتمثيلهما شعرياً، ولكن تلك الثنائيات التي ولّدت قصائد السياب في مراحل تطوره الشعري من العمود حتى قصائد الرمز الأسطوري، تخفي كذلك ثنائيات «ظلّية» تحكمت في بناء قصيدته، سأحاول - لمناسبة استذكاره هنا - أن أتوقف عند واحدة من أبرزها هي: ثنائية «الشاعرية» و«الشعرية».
    الشاعرية - وهي ملكة أو مقدرة منظمة ذات فاعلية نصية مولّدة - أكيدة في جسدية السياب، وبها ومنها يُحال دوماً الى منجزه النصي المتحقق، حتى اذا شئنا أن يكون منجز السياب منذ أواخر أربعينات القرن الماضي في حداثة الشعر العربي مرجعاً لشاعريته ذاتها.
    فالهدم الذي رافق بناء قصيدة السياب الحديثة لا يمكن إقصاؤه في قراءة استعادية كهذه، إنه الهدم اللازم والضروري للتقاليد الشعرية السائدة حتى ببعض أدواتها أحياناً وملفوظاتها ووسائلها البلاغية... ذلك الهدم المتمثل في احتشاد القصيدة بثقافة لم يعهدها قارئ الشعر العربي ولم يتسع لها بناء القصيدة ذاتها، في عمل السياب النصي، وهو أكثر من بطانة أو داخل يشف عنه نسيج قصيدته...
    نقترح هنا إذاً قراءة السياب بمنافذة «شاعريته» - وهي مقدرة ذاتية - مع شعرية نصه: أي نظامه الداخلي وقوانين بنائه، مما يوصلنا الى التعرف على قدرته في تنظيم الانجاز، تلك التي أدارت خطابه وميّزته على أقرانه المصطفين تحت لافتة الريادة التحديثية الأولى بعثراتها ومصاحبات الولادة المعتادة... وحماستها...
    تعود الشاعرية الى صاحبها: السياب محصوراً بين قوسي ميلاده وموته، أما الشعرية فتؤول الى نصّه: تمتماته الأولى تقليداً وابتداعاً، في إطار الحاضنة الشعرية الموروثة، مروراً بتجاربه الشكلية والموضوعية أو المضمونية، وترقيق أو تخفيف ثقل الشكل الخارجي للنص وايقاعه وابتداع القصيدة الحرة مبكراً، وصولاً الى «أنشودة المطر» كلحظة تحديث ناقصة يعوزها الوعي بما وراء الشكل الحديث من مشغّلات وفواعل فنية وجمالية، تخص الكتابة وتلقيها في شكل خاص.
    وإذا كانت الشاعرية كقدرة على التنظيم تخفي نفسها وراء أسماء كالموهبة والمهارة الذاتية والقدرة والملكة والاستعداد، فإن الشعرية كمظهر لقوانين ذاتية نصية تثير مشكلات الأداء والتشكّل واتخاذ هيئة أو بنية نصية ما.
    نشير بذلك الى الصراع المحتدم بين قدرة نص السياب على التموضع في الشعر خطاباً، وتحويل الموقف من الحياة والمجتمع والذات الى حال شعرية، وبين الانجاز النصي الذي تتنازعه رغبة الهدم والبناء البديل بابتكار وسائل فنية...
    وحدها القراءة ستمنحنا فرصة التعرف الى برنامج السياب التحديثي، فما يعلنه السياب من تفوّهات حاولت بعض الدراسات لملمتها وتوليفها لا ترقى الى مفردات برنامج شامل وواضح. علينا هنا أن نلتفت الى زوايا مهمّشة في شعره، ثانوية وبعيدة من الإنارة بالدرس النقدي المعتاد.
    ومن ذلك نقترح هنا:
    - اختراق واقعية العالم وخارجيته بالبديل الرمزي الاسطوري.
    - استبدال الشخصيات بالأقنعة.
    - تخفيف الغنائية بالسرد.
    - التنبه الى العتبات النصية والهوامش.
    - الانزياحات الصورية القائمة على تراسل الحواس.
    وهي مناطق لا نحتكم فيها الى (موهبة) السياب - كما يصر دارسوه من جهة تغييب أو تقليل دوره التحديثي كما يفعل الشاعر سامي مهدي مثلاً، أو الى (العفوية) بتعبير مقدم أعماله الكاملة ناجي علوش، ولا حتى قوة الانبعاث بتعبير أدونيس في مقدمة «مختاراته» من شعر السياب، أو «الصراخ الجريح» كما يسمّي أنسي الحاج وهو يرثيه في مجلة «شعر»...
    إن تلك التسميات تذكّر بالاندفاعة الشعرية التي تكتنزها قصيدة السياب، مما يعيد الى منطقة القراءة مشكلة (القصيدة والشعر) والكمّ اللازم للشعر أو منه في داخل القصيدة... وهي ثنائية غريبة تنبثق من ثنائية الشاعرية كقدرة، والشعرية كإنجاز... ولعل التفريق بين الشعر والقصيدة وعلاقتهما البنائية سيأتي من طرف شاعر هو أوكتافيو باث الذي يعطي للعلاقة شكلاً آخر، إذ يقترح أن نسائل القصيدة عن حقيقة الشعر فيها. لأن القصيدة عنده شعر مبني أي متخذ لبنية ما داخل القصيدة...
    وعلى رغم مقدرة السياب على جعل الشعر خاضعاً لبناء مقصود داخل القصيدة، فقد عانى نصه من ازدحام التراكيب وتداعيها، وهو ما التفت اليه دارسو السياب واقترحوا له مسميات عدة:
    - فهو «سيل من الشعر يسيل به ويسيل معه حتى الموت» بعبارة أنسي الحاج، مما سيولّد ميزة «الصراخ: صراخ وعلٍ جريح» في نصوصه...
    - وهو «انسياح وفيض» بعبارة ناجي علوش الذي يشبهه بالدوائر المائية التي تنساح حتى تتلاشى وتتسع بدل أن تتعمق، لأنه بلا بؤرة ثابتة، بسبب شاعريته المتدفقة التي تحرك - كالعاصفة - حتى مركزها.
    - وهو «تدفق» بمصطلح نازك الملائكة التي عممت من خلال شعر السياب هذه الميزة على الشعر الحر كله، الذي رأت انه يتدفق فلا يستطيع الشاعر ايقافه داخل القصيدة، إلا بأساليب قطع رأت أنها خارجية ومقحمة، سمّت منها - مثلاً - اسلوب «ويظل...» الذي يختم به السياب بعض قصائده الحرة...
    - وهو خلق لصور مستعرضة متمددة أفقياً بمصطلح إحسان عباس...
    إن هذا السيل والفيض والانسياح والتدفق والأفقية الممتدة أو المتمددة ما هو الا استحضار لشعر أكثر كمّاً مما تتطلبه القصيدة. وهكذا كلما أرادت قصيدة السياب أن تظهر للعيان أو تتحقق بالفعل: عيان القراءة وفعل الانجاز، طمسها شعر غزير يفيض به إناؤها ويطفح...
    في الشعر يضخ السياب اندفاعته القوية ليقبض بيد واحدة ويصرخ بصوت واحد «ان هذا العالم الذي نعيشه عالم لا شعر فيه - بمقياس القيم... فهي قيم لا شعرية... لا روح فيها» ولذا - وتأسيساً على تصريح السياب ذاك -، يعوّض داخل قصيدته عن الشعر المفتقد في العالم الخارجي: القاسي والمعادي والمرفوض... بعد أن دخل السياب حياتياً وشعرياً الى قاعه وزواياه ثم عاد خالياً إلا من جراح وخسائر...
    سنستعين هنا بصورة مما تولده «أنشودة المطر» من تداعيات:
    تثاءب المساء، والغيوم ما تزال
    تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال
    كأن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام
    بأن أمه - التي أفاق منذ عام
    فلم يجدها ثم حين لجّ في السؤال
    قالوا له: «بعد غدٍ تعود...»،
    لا بد أن تعود
    وإن تهامَسَ الرفاق أنها هناك
    في جانب التلّ تنام نومة اللحود
    تسفّ من ترابها وتشرب المطر.
    نستطيع أن نجد لهذا الاستطراد والتمدد أو النمو الصوري والتداعي تعليلاً يقربنا من فكرة صراع الشعر والقصيدة، فالمحور أو المركز البؤري لأنشودة المطر يتمدد الى أطرافها، ليلتم على نفسه بهيئة المطر المنتظر المستحيل كانتظار الطفل لأمه الغائبة غياباً أبدياً... وذلك ما تريد القصيدة من دلالة ويتطلبه نظامها الرمزي وكليتها التي تندرج فيها جزئيات عدة منها: جزئية الأم الغائبة والطفل... لكن الشعر الذي تزخّه شاعرية السياب كالنزف من دون انقطاع، يكتسح ما تريد أن تبنيه القصيدة جزئياً لمصلحة كليتها، فينصرف الشاعر - وقارئه من بعد - الى الجزئية المتمددة حد الانفصال عن المركز النصي أو المولّد الصوري.
    وفي الطريق الى ذلك يبث الشعر تردداته العالية أو أمواجه التي تخنق النص، فتكون بنية البيت الشعري بديلاً للجملة الشعرية، والموسيقى الخارجية المقبلة من تقاليد الشعر المألوف متجسدة بتواتر القافية (اللام - الميم - الدال) بديلاً للايقاع الذي يؤطر القصيدة بجو اسطوري طقسي أو تعبدي خاص... وصورياً ستبتلع أو تلتهم المجازات المبالغ فيها توترات النص ولحظات تكثيف شعريته (لنلاحظ: تثاءب المساء، ودموع الغيوم، وتسف التراب، ونومة اللحود...) ولعل هذا يتأكد في قصائد هيمن عليها فيض الشعر أو تدفقه وسيوله مثل «سِفر أيوب» و«المعبد الغريق» و«قافلة الضياع» على رغم أهميتها النصية موضوعاً وأبنية وتقنيات...
    لكن قصيدة السياب تقترح حداثات أخرى: فالهوامش التي ذيّل بها قصائده محاكياً إليوت في قصائده الشهيرة، تتراوح بين الشرح والتعليق وكشف المصادر وتفسير الرموز وتوضيح مقاصد الشاعر التي يوحي من خلالها بالعجز عن توصيل ما يريد متنياً، وقد تسببت في اشكالات قراءة كثيرة، منها ما أثاره عليه يساريو العراق التقليديون حين تحدث عن عروبة المومس وسلالتها التي لا يليق بها ما آلت اليه... ويثير مشكلات فنية كما في هوامش «رؤيا فوكاي» التي درسها أخيراً شتيفان فيلد في (عيون - العدد الأول) - بترجمة سالمة صالح - وتوصل الى أن النص يكلف القارئ العربي «بما هو فوق طاقته، ويترك لدى القارئ مشاعر متناقضة بسبب الجناس الصوتي وتكرار الكلمات و«سيل» المقتبسات المباشرة والمستترة، والرمزية المثقلة تحت وطأة استدعاء العناصر الميثولوجية من ثقافات كثيرة»... ويصف جبرا ابراهيم جبرا تلك الاشارات الهامشية المطولة بأنها «فاقدة لتأثيرها في القارئ». كما ان بعض العتبات النصية التي - كانت في الأساس وكمبدأ تنظيمي داخل النص فتحاً حديثاً جاء به السياب - تسببت في اشكالات توثيقية، كالتشكيك مثلاً بصحة هامشه في ختام «إنشودة المطر» بأنها (كتبت في العهد المباد) وفسره البعض بأنه كتب في فترة لاحقة من قيام الجمهورية، لكن السياب تهرب من ذلك، على رغم ان نهاية الأنشودة توحي بالغد - واهب الحياة - وبفعل سردي يلي النص بعبارة موجزة: (ويهطل المطر) وقد شككت القراءات بمقدمة قصيدة «أساطير» التي يقول فيها إن المتحابين فرق بينهما الدين كما تقول اسطورة يونانية!! وربما كان يفتعل ذلك....
    ... أما الأقنعة فهي تقنيات أفلح السياب في ضبطها لتغطية وجوه كثيرة جلبها الى قصائده: «المخبر» مثلاً، والانضباط السردي في تداعيات ضمير السرد الأول (المتكلم) وبقاء الشاعر - الراوي خارج السرد تماماً، ليلاحظ القارئ انهيار المخبر أخيراً...
    وهذا ما يحصل في «حفار القبور» حيث يبني السارد - الحفار شخصيته ورؤيته كبطل بديل وراوٍ مفارق لما يروي، ثم يهدم ما يريد الشاعر في الخارج أن يهدمه، برفض شخصية الحفار الذي يعيش بموت الآخرين.
    وفي نصوص لاحقة سينجح السياب في إنجاز قصيدة مكتفية بكمٍّ شعري مناسب، يغلّفها الشعر أو يوجهها من دون أن يحجبها أو يخنقها... ويغرقها بتفاصيله. ونمثل لذلك بقصائد مثل «المسيح بعد الصلب» و«النهر والموت» و«أفياء جيكور» و«الشاعر الرجيم» و«غارسيا لوركا» و«حامل الخرز الملون» ويوغل في الترميز والبناء الداخلي المكتفي بذاته كما في «تعتيم» و«مدينة بلا مطر» و«أغنية بنات الجن» و«لوي مكنس» و«جيكور أمي» و«الغيمة الغريبة...» و«دار جدي»...
    وفي هذه القصائد ومثيلاتها، لا يكون الشعر سبباً في تلف خلايا القصيدة بل يعضد مركزها ويفيض به بنائياً، أي ينتشر برفق ذهاباً وعودة الى أطراف القصيدة ومركزها البؤري الذي تلتم حوله... وتنبثق منه رؤى السياب. وقد أوصله ذلك الى ارتياد (السرد) تخفيفاً لغنائية نصه (الشعري وهو ما اتخذ سبيلين أو وسيلتين:
    - بالقصيدة المطولة ذات المنحى السردي بنائياً.
    - وبالبناء السردي الداخلي في قصائده.
    ويهمنا السبيل الثاني لأنه سيتعزز كحداثة مقترحة من السياب، فنجد استعانته بالمداخل الزمانية أو المكانية أو الشخصيات في قصائده، وكذلك في الإكثار من الواو التي يفتتح بها نصوصه، وهي وأو سردية تنبّه الى «مسكوت عنه» أو حدث منقض، وتدع أفق النص بالسرد والحكي داخل نسيج القصيدة، وتكرر ذلك في نحو خمس عشرة قصيدة له، أشهرها مفتتح «شناشيل ابنة الجلبي»:
    وأذكر من شتاء القرية النضاح فيه النور
    ومفتتح أو استهلال «جيكور والمدينة»:
    وتلتف حولي دروب المدينة:
    حبالاً من الطين يمضغن قلبي.
    واستهلال «صياح البط البري»:
    وذرّى سكون الصباح الطويل
    هتاف من الديك لا يهدأ.
    وهذه مناسبة أخرى لدراسة سردية قصيدة السياب والاستعانات التي ابتكرها ذاتياً لإنجاز القص بالضد من الغنائية العالية.
    كما يجدر أن نشير الى الانزياحات المبكرة في تراكيبه، لا سيما التراسل الحسي أو اسناد عمل حاسة ما الى سواها: كقوله بلسان المومس العمياء: «خلّني - بيدي أراها» وفي «النهر والموت»: «تنضح الجرار أجراساً من المطر» وفي «أنشودة المطر»: «عيناكِ حين تبسمان» و«أكاد أسمع النخيل يشرب المطر» إن المصهر الذي خلقه السياب في قصيدته، يستوعب مصادر معرفية متباعدة، يؤلف بينها رحم القصيدة، فنجد استعارات قرآنية ومسيحية وبابلية وشعبية ومرويات شائعة ومعتقدات خرافية وأساطير ورموزاً من جيمس فريزر وأشعار الكلاسيكيين، بل حتى في سياق اللغة يأخذ السياب مفردات عامية لعل تفسير نقاده بأنها محاكاة لنصوص إليوت غير بعيد عن الصواب، الى جانب بداياته الواقعية والشعبية... لكن اتجاهه الاسطوري كمنحى موضوعي وفني معاً سيتأكد عبر ثقافة نصه، وهو مصدر صعوبته وتشعبه وتشظيه أيضاً... إذ تثقل تلك المفردات الثقافية النص احياناً...
    لقد كان السياب فاتح طرق ومنبهاً الى حداثات كامنة موجودة بالقوة، أخرجها اللاحقون الى الفعل والتحقق النصي، ذلك أن قصيدة السياب تخترق متن عصرها وترسل إشارات تشف عن ضوء باهر يكشف ويهدي، وبذا يكون البحث عمّا تبقى من السيّاب، لا في نصوصه فحسب، بل في التقاليد التي أرساها وطوّر بها بناء القصيدة الحديثة، إذ حفر لها مجرى دافقاً تمرُّ منه سفن الحداثة صوب هدفها الغامض البعيد، متدرجاً من القدرة الشاعرية المرهونة بحلم التجديد بواسطة الشعر، وصولاً الى الانجاز النصي (الشعرية) عبر التحديث كهمّ أساسي لانجاز القصيدة باختراق النسق السائد، وارساء طموح شعري يجدد نفسه محفوفاً بصخب الحياة ذاتها، واكتظاظ مفرداتها، وازدحام رؤاها، مما جعل من شخصية السياب التمثالية - خارج شعره - نموذجاً تموزياً فريداً تلهمه مآسيه بما يغذي جسد قصيدته، فكأن شعره يعتاش على وجوده، وينفيه حتى الموت الذي صار أمنية وضعها على لسان الأم العراقية الجنوبية المتعبة التي تهدهد طفلها لينام منشدة لنفسها وسط سواد العراق وعذاباته:
    - يا خيول الموت في الواحه
    تعالي واحمليني
    هذه الصحراء لا فرح
    يرفّ بها، ولا أمنٌ، ولا حبٌّ، ولا راحهْ.
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد صابر عبيد
    السيّاب القتيل
    الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها، والظلامْ- حتى الظلامُ - هناك أجملُ، فهو يحتضن العراق

    لأنّي غريبْ
    لأنّ العراقَ الحبيب
    بعيد، وأنّي هنا في اشتياقْ
    إليه، إليها... أنادي: عراق

    صوتٌ تفجّر في قرارة نفسيَ الثكلى: عراق،
    كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون
    الريح تصرخ بي: عراق،
    والموجُ يعولُ بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق؛
    البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون
    والبحر دونك يا عراق.

    وكلّ عام - حين يعشب الثرى - نجوعْ
    ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ

    أين الهوى ممّا ألاقي؟
    يا ليتني طفل يجوع، يئنّ في ليل العراق!

    مذ كنّا تلاميذ في الصف الخامس الابتدائيّ تعرّفنا في درس الجغرافيا إلى مناخ العراق إذ يصفه الكتاب بأنّه طقسٌ: "حار (نار!) صيفاً، بارد قارص شتاءً"، وإذا ما تدّبرنا مفردتي "نار!" التي هي في الأصل "جاف" وقد حصل الاستبدال على يديّ شخصياً لأنّ مفردة "جاف" لا تعبّر مطلقاً عن حرارة الصيف العراقيّ الجهنميّة وهي تلتهم الأجساد وتعصر المشاعر والأرواح بلا رحمة ولا شفقة، على النحو الذي تكون فيه مفردةُ "جاف" مسكينةً وبسيطةً وعفويةً وأنيقةً ومؤدبةً ولائقةً لا تستجيب مطلقاً لرعب حرارة الشمس العراقية ولهب قسوتها وإجرامها. أمّا الشتاء الـ"قارص" فالوصف يعبّر بقوّة ودقّة عمّا يقاسيه العراقيون من إرهاب البرد وجبروته ودقّه للعظام، لذا لم يكلّفني ذلك استبدالها فهي كفيلة بوضع نقاط القَرْص وشماً على حروف الجسد والروح معاً.
    منذ ذلك الوقت شعرنا أنّ عراقنا قاسٍ قسوةً لا مثيل لها ابتداءً من عتبة الطبيعة، مروراً بعتبة السلطة الباغية الطاغية (المنزّلة دائماً من السماء) وهي تضاعف نارَ الصيف وتعمّق قَرْص الشتاء، نتبرّد بمكيّفات الديكتاتورية ونتفيّأ تحت ظلالها الوارفة بلا أجساد ولا مشاعر، ونتدفأ بكهرباء الديموقراطية أربعاً وعشرين ساعة ونحن ننعم بفاكهة الشتاء، حتى صار البحث عن جنسية بديلة غير الجنسية العراقية ضرباً من الكماليات من أجل استكمال برستيج المواطنة الكوزموبوليتية!، وانتهاءً بالخيرات المجنونة وقد حفلت بها أرض العراق وسماؤه وعقله وتاريخه وألوانه، بلد ثريّ بكلّ شيء لكنه فقيرٌ بثرائه، ومعدمٌ بغناه، لا يُحسن سوى التهام أبنائه وتشتيتهم وبعثرة عقولهم وأجسادهم في متاهات الدنيا وجيوبها وظلالها وطبقاتها السفلية. وأصبح العراقيّ بعدما لقّنَ التاريخَ درسَ الحقّ والعدل والجمال والحرية، حائراً منبوذاً أينما ذهب، لا يحصل على تأشيرة دخول إلى أيّ بلد عربيّ (ناهيك طبعاً بالأجنبيّ) إلّا بشقّ الأنفس، وماذا تبقّى من هذه الأنفس يا تُرى؟
    من هنا في وسعنا أن نفهم التباس الشاعر القتيل بدر شاكر السيّاب في التعامل مع بلده العراق، عراقه، ومن ثمّ التباس ملايين العراقيين من غير أصحاب السلطة والمال. فعراق السيّاب لا أحلى من شمسه ولا أحلى من ظلامه أيضاً، لكنّه في الوقت نفسه بلد الجوع حين يُعشب ثراه؛ بلدٌ طاردٌ لأبنائه، يضعهم دائماً بين نارين لا ثالث لهما: موتٌ مجّانيٌّ أو هجرةٌ مُذلّة. يهربون من موت مجانيّ نحو هجرة قاهرة لكنّهم لا يلبثون أن يحنّوا إلى عراقهم الحبيب حتى وإنْ كان لا يحمل لهم سوى الموت المخبّأ بين طيّات حروفه بسيميائها الجهنميّ الملغز. ما هذه المحنةُ يا إلهي؟ ألا يمكن إعادة كتابة مصير العراقيين في اللوح المحفوظ؟ إلا يمكن تقليل عدد الشهداء العراقيين في حروبهم الكارثية المستمرّة كي يتبقّى مكانٌ مناسبٌ في الجنّة للصالحين والشهداء والأبرار من جنسيات أخرى؟
    حضور العراق في شعر السياب حضور إشكاليّ يوازي تشكيلياً حضور المرأة، والمرأة في شعر السيّاب هي جسدٌ ظامئ، مفتونٌ بظمئه. فم السيّاب "جاف"، مثل طقس بلاده الصيفيّ، مسكونٌ بنار لا ترتوي حتى لو التهمتْ ألوف الأجساد، لأنّ جفافه ضاربٌ في وجدان التاريخ منذ ألوف من السنين. فحسيّة شعر السيّاب بحثاً عن جسد عاشق تتمظهر أحياناً بحنين عشقيّ جارف إلى دفء العراق، جسده الشعريّ المعطّل (على الرغم منه) يدفعه إلى الانتقام من ثورة عواطفه تجاه المرأة وتجاه العراق سواءً بسواء. المرأة التائهةُ الضائعةُ البعيدةُ القريبةُ المتمنّاة الممدوحةُ المهجوّةُ المثالُ المومسُ، تقترن بالعراق الطارد المجوّع القاهر الحاضر الغائب الحلم المُتمنّى الخصب البخيل. لذا لو أخرجنا العراق والمرأة من فضاء شعر السيّاب فإنّ الحطام المتبقّي لا يكفي لصناعة قصيدة ساذجة واحدة.
    صورة العراق في شعره صورة مأسوية فريدة تتعدّى فكرة المكان أو الوطن وتنفتح على فضاء شعريّ نوعيّ يصعب فكّ التباسه. إنّها صورةٌ ما بَعديّةٌ، لا تكتفي بالتصوير والتدليل والإحالة، بل تمتدّ وتتّسع وتتمطّى وتنفلت كي تتحوّل إلى كون صوريّ لاذع يحرق حنجرة القارئ ويكوي جوفه بشظايا صوريّة لا تدع له فرصة للتأمل أو الاستقبال القرائيّ المريح، على النحو الذي تتجاوز فيه العلاقة بين نصّ السيّاب وقارئه حدود المتعة الشعرية التقليدية المطلوبة في هذا السياق، لتنفتح على إشكالية قرائية بين المتعة والإشفاق، الانبهار والعطف، الابتسامة والدمعة، الحضور والغياب، ولا يمكن القارىء في نهاية المطاف إلّا أن يرى شخصَ السيّاب شهيداً على مائدة القراءة يتلقّى العزاء كمن يتلقّى الطعنات.

    منْ قتلَ السيّاب؟
    نعم، قُتلَ السيّاب، قُتلَ عمداً مع سبق الإصرار والترصّد. قُتلَ بثلاثة أسلحة فتّاكة هشّمتْ كبرياءه، وعصفتْ بروحه المتوهجة الملتاعة، وسحقتْ لغتَه الذاتية حين حوّلتها إلى مرآة مهشّمة يستحيل تفادي ما تتركه من وشوم مدمّاة على جبهة أيّ مقاربة قرائية لها مهما كانت بسيطة، وجعلت هيكله الضئيل حطاما تذروه رياح الشعر والحداثة والريادة والحلم والوهم والموت الماثل أبداً في قصيدة وجهه ووجه قصيدته. سلاح الفقر وهو سلاح أكثر فتكاً من أيّ سلاح آخر لشاعر (أيّ شاعر) يتطلّع إلى حياة نوعية فيها من البهجة والرحابة واللذّة ما يكفي، وسلاح الشكل الخارجيّ المتعلّق بالوسامة والأناقة والاستحواذ على قلوب المعجبات على نحو يليق بشاعر رائد له حضور مؤثّر وطاغ في المساحة الشعرية العربية بأكملها، وسلاح المرض وقد أجهز على السيّاب مبكراً ليتركه صريع الألم والمعاناة والتجربة المرّة. وبما أنّ الموهبة الكبيرة تقتل صاحبهَا كما يُقال، فهل ساهمت الموهبة الكبيرة بمعية الأسلحة الأخرى ومساندتها في قتل السيّابَ مثلما قتلتْ من قبلُ جدّه أبا تمّام؟
    افتتح بدر شاكر السيّاب الشاعر الرائد (صحبة زملائه الآخرين) فجراً جديداً للقصيدة العربية وخطّ مساراً مغايراً للشعرية العربية، ولم تكن الريادة مقصورةً على الفعل التاريخيّ فحسب، بل استطاع مع زملائه الروّاد صوغ مفهوم جديد للشعر، سرعان ما تطوّر ونضج على أيديهم وأيدي الأجيال اللاحقة من بعدهم، إذ اقترب الشعر العربيّ كثيراً من الشارع والرصيف والخوف والضعف والخيبة والخذلان والبوح والصدق والخجل والوهم والفكر والمعرفة والثقافة، حتى صار السيّاب شاعر الألم والروح والتجربة والهزيمة والموت بلا منازع.
    هل الشاعر بحاجة إلى أن ينتمي إلى حزب معيّن، مهما كانت عظمة هذا الحزب؟ لا شكّ في أنّ الشاعر دائماً أكبر من أيّ حزب، فحين ينتمي الشاعر إلى حزب معيّن فيكرّم هذا الحزب ويثريه ويجعل له معنى، وحتى حين يتحوّل عنه بمزاجه يجب أن لا يُلام لأنّ مزاجه الشعريّ أهم خصوصية لديه ويجب أن نقدّسها. وإذا كانت مقولة إنّه يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره محصورة في التصوّر النقديّ التقليديّ بالجوازات اللغوية والنحوية والصرفية والعروضية، فنحن نعتقد أنها أوسع من ذلك بكثير، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الانتماء إلى حزب أو التخلّي عنه؛ عشق إمرأة أو التخلّي عنها؛ اختيار منفى أو مغادرته. المقصود هنا الشاعر الحقيقيّ القادر على أن يضيف للتاريخ والفكر والحساسية والذوق والرؤية والمخيال والثقافة والإبداع والجمال والفن والحياة عموماً. وما أقلّه. فحين انتمى السيّاب إلى الحزب الشيوعيّ العراقيّ يوم كان اليسارُ حلمَ المثقفين الطائرَ لتغيير العالم وصناعة مجد جديد للإنسان، فقد أضاف للحزب ولم يضف له الحزب. وحين خرج منه فقد خرج لأنه وجد أنّه أكبر من الحزب، مثله مثل أدونيس حين انتمى إلى الحزب القوميّ السوريّ حيث وجد في أفكار أنطون سعادة ما يشفي غليله الفكريّ، غير أنّه بعد أن نضجت أفكاره الشخصية كما يجب وجد أنّه أكبر من الحزب فهجره، ولم ينتم إليه محمد الماغوط سوى لأنّ مقرّه قريب من بيته وفيه "صوبيا" بوسعه أن يتدفأ عليها أيام السهر في الشتاء. فما هو الحزب (أيّ حزب) في إزاء شاعر لا يتكرّر كالسيّاب وأدونيس والماغوط وغيرهم؟
    تتميّز قصيدة السيّاب بالزخم الشعريّ الهادر والكثافة الشعرية الهائلة على نحو يقود إلى تفجّر الدوال الشعرية حتى تسيح دلالاتها على الورق، حبراً أو دماً أو ماءً سمويّاً خلّاقاً، وتدقّ طبولها عميقاً وطويلاً في عقل القراءة، وتنتج ذلك الصخب الجميل في بانوراما الصورة الشعرية. قصيدتُهُ طوفانٌ عاطفيّ في وسعها أغراق كلّ شيء أمامها، إذ هي على الدوام مكتظّةٌ بماء شعريّ ساخن يحكي أصالة التجربة وعنفوانها كأـنها قادمةٌ من رحم مسكونة بخصب أبديّ لا ينضب، رحم تموزيّة لا تملّ من البعث والولادة والتناسل والتناسخ، يمكن للقارىء الفَطن أن يتلمّسَ نزفَ دمها في لغته.
    في وسعنا إقرار حقيقة قد لا يُختلف عليها كثيراً، وهي أنّ بدر شاكر السيّاب يمثّل ضمير الشعرية العربية الحديثة، ليس على صعيد الحقيقة الإبداعية الشعرية فحسب بل على صعيد الرؤية الثقافية أيضاً. فالثالوث المرّ وقد تمثّل في تجربته بالفقر والقبح والمرض، تعالى الإحساس به في ذات السيّاب الشعرية إلى درجة اليأس، فضلاً عن رحيله المبكّر، ربما يكون ساهم على نحو ما في تعاطف مجتمع القراءة معه، غير أنّ التعاطف بطبيعته الوجدانية والانفعالية لا يستمر طويلاً مهما كان كبيراً وجوهرياً، ويهيمن عليه عادةً نوع من الرثاء النقديّ التعاطفيّ لا يُشبع من جوع ولا يحمي من خوف. ما حصل للسيّاب في المدوّنة النقدية التي قاربت شعره لا يمكن أن يندرج في هذا السياق، إذ هي مدوّنة غزيرة لم تُنجَزْ عن أيّ شاعر عربيّ ربما على طول مساحة الشعرية العربية وعرضها، بما انطوت عليه من كمّ ونوع استثنائيين داخل الدائرة البحثية والنقدية الأكاديمية وغيرها.
    نصّه يائسٌ بطريقة ثرّة، يفاجئ عقل القراءة ويقتحمه بخصبه في كلّ منعطف من منعطفاته، لا يمكن أن ترى اليأس بهذا الجمال إلّا في شعر السياب، ولا يمكن أن ترى الوهم بهذا السحر إلّا في شعر السياب، ولا يمكن أن ترى الألم المتفجّر كالينبوع وهو يتحوّل إلى صورة مرئية وملموسة ومشمومة ومحسوسة ومجسّدة وجارحة على نحو حقيقيّ خانق إلّا في شعر السيّاب. لغته ملتهبة بوهج مضيء وحارق في آن واحد، لا يمكن للقارىء أن يتخيّل أيّة مفردة من مفرداته الشعرية ساكنةً أو كامنةً أو هادئةً أو محايدةً أو غافيةً على سطح الورقة، بل هي صاحية ومتحفّزة للانطلاق، للتحليق، للتمرّد على سطح الورقة وبياضها ومكوثها، وهي تتمظهر بإيقاع وحشيّ يتجاوز الوزن والبحر والتفعيلة والقافية والزحاف والعلّة، منفتحاً على فضاء إيقاعيّ متشظّ ينتشر على كامل المساحة السمعيّة والبصرية الداخلية والخارجية في حاضر القراءة ومتخيّلها، ويستحيل استقبال طاقتها الموسيقية الفريدة الهادرة (خارجياً وداخلياً) من دون تمثّل حساسية الألم السيابيّ والوهم السيّابيّ في أعلى درجاته.
    ربما يحقّ لنا أن نسأل ونحن نقارب شاعرنا القتيلَ المغدورَ الجائعَ العليلَ الضئيلَ الجسد، هذا الفتى الشعريّ النادر وقد رحل مبكّراً رحيلاً درامياً شائكاً على طريقة الكبار، ماذا لو أنّ حياته استمرّت حتى الآن، تُرى ماذا كان ليفعل؟ هل كان سيستمرّ بهذا الشحن العاطفيّ البليغ، والاكتظاظ الوجدانيّ الحازم، والاجتياح الباسل الشجاع للكون اللغويّ والصوريّ والإيقاعيّ المبتكر والأصيل؟ هل كان ليقول ما لم يَقُلْ وما لم يُقلْ؟
    زميله وصديقه البارع أدونيس المتجدّد والمتألق أبداً، أنتج شعراً ونقداً وفكراً وحياةً وتجربةً ما تعجزُ عن إنتاجه مؤسسةٌ كاملةٌ مؤلّفةٌ من عشرات الشعراء والباحثين والمتخصصين، وأدونيس حليفُ السيّاب الشعريّ، وقلّما يتحالف أدونيس مع أحد لأنّه كونٌ وحدَه مثلما هو السيّاب، لولا أنّه يدركُ حتماً فداحةَ ما فعله السيّاب في جسد الشعرية العربية شأنه شأن كبار المجددين والحداثيين في تاريخ هذه الشعرية،
    أدار السيّابُ بعمره القصير رأسَ الشعرية العربية ودوّخها، ولعلّ حجمَ ما كُتب عنه من كتب وبحوث ودراسات ومقالات يتجاوز ما كُتب عن جيل كامل من الشعراء، وربّما حين يتأمل القارئ والدارسُ والباحثُ المجتهدُ العارفُ في تجربة السيّاب بكلّ ظروفها الحياتية والشعرية، بكلّ التباساتها وحيويتها ومآسيها، قد يجد أنها مكتملة على نحو ما، وهي لا تحتاج إلى إضافة. فهل كان قَدَرُ نهاية حياة السيّاب متعلّقاً باكتمال تجربته الشعرية؟ هل استعجل السيّاب قولَ كلّ ما عنده في سنين قليلة كي يبقى عارياً أمام الحياة والرؤيا والأجل والمصير فلا مناص من رحيله؟ وبهذا تكون حياتُهُ ضحيةَ شعره؟ لا شكّ في أنّه سؤالٌ صعب لا أملك إلّا مغامرة إثارته، غير أنني مقتنعٌ في النهاية تمامَ الاقتناع بأنّ السيّاب قد قُتل بصرف النظر عن هويّة القاتل وطبيعته ومرجعيته، حتى وإنْ قيّدتْ حادثةُ القتل ضدّ مجهول.
     
    آخر تعديل: ‏5/5/14
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    إنعام كجه جي
    من هي ملهمة أشهر قصائد السياب؟


    «أنشودة المطر» بين لمعان ولميعة

    بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بدر شاكر السياب (1926 - 1964)، يعود التساؤل عن الحبيبة التي ألهمت الشاعر العراقي المجدد مطلع قصيدته الأشهر «أنشودة المطر». إنها ليست قصيدة غزلية تماما، بل تبدأ، على عادة الشعراء القدامى، بالتشبيب والأسى الشخصي الشفاف لتتحول إلى نشيد سياسي هادر متصاعد، يستنكر جوع الفقراء ويبشر بالثورة وبهطول المطر.

    «عيناك غابتا نخيل ساعة السحر». هل هما العينان السوداوان لزميلته في دار المعلمين العالية، الشاعرة لميعة عباس عمارة، اللتان تغشاهما العتمة عند المغيب؟ أم هما العينان الخضراوان للمعان البكري، الطالبة الجديدة في كلية الحقوق، اللتان يحيل لونهما إلى غابات النخيل؟

    «عيناك حين تبسمان تورق الكروم». ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم. ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة. لقد استلطف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة. وكانت بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموم بالكتب والنضال، يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة. وممن كتب لهن، بالإضافة إلى لميعة ولمعان، زاهدة الدبوني وسعاد البياتي ولبيبة القيسي التي سماها «لبلاب»، وطالبة يهودية حسناء تدعى «بدر»، أيضا. وكان يتهكم على نفسه قائلا إنها تستحق اسمها فعلا، أما هو فلا.

    ومن بين أوهام كثيرة، كانت العلاقة العاطفية التي ربطته بزميلته الشاعرة ذات العينين المتوهجتين كالجمر، حقيقة يشهد عليها زملاؤهما، وقد ورد ذكرها في أكثر من قصيدة من قصائده. لذلك فقد كان شائعا أن الأبيات الغزلية الواردة في مطلع «أنشودة المطر» هي من نصيب لميعة. لكن من عاصروا تلك الفترة يعرفون أن السياب كتب القصيدة وراح ووضعها في يد طالبة أخرى هي لمعان البكري. فماذا تقول لميعة، وما هي رواية لمعان؟

    كنت قد التقيت السيدة لمعان، صيف العام الماضي، في لندن حيث تقيم منذ سنوات في إحدى ضواحيها. وهو اللقاء الذي سمح لي أن اتصل بها، مؤخرا، لأطرح عليها سؤالي عن بدر، وعن قصيدة «أنشودة المطر»، وتوقعت أن تتحرج في العودة إلى تلك الحكاية البعيدة. لكن المرأة التي حافظت على الكثير من ألقها، ردت بكل أريحية وأسعفتني ببعض الصور وبنسخ من القصائد التي أعطاها لها السياب. وكانت لمعان قد تزوجت وتركت الدراسة وهي في الصف الأول، ثم عادت لمواصلتها بعد أن رزقت بطفل، لتتخرج في الحقوق عام 1954 وتتدرج في الوظائف وتعمل في «وزارة الإعلام». صارت مديرة عامة تشرف على الكثير من المرافق الفنية في بغداد. ومثل الكثير من العراقيين، انتهى بها المطاف إلى الإقامة في إنجلترا.

    قالت: «كنت طالبة في السنة الأولى حين تعرفت على بدر أثناء سفرة نظمها طلبة دار المعلمين العالية ودعيت لها. وما زلت أذكر أن الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض أشعاره، ثم أعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني أن أقرأه. وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على ما فيها ثم أعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شيء. لكن الذي حصل هو أنه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني إياه باليد، أو يبعثه بيد أحد من الزملاء».

    كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة لسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».

    كيف كان انطباعها الأول عنه؟ لا تتأنى السيدة في الجواب ولا تحاول انتقاء كلماتها: «في ذلك الوقت لم نكن نتطلع للشعراء، فهم في الغالب معدمون، نراهم في المظاهرات ونصفق لقصائدهم، لا أكثر، وحتى في المظاهرات فقد كان طلاب الحقوق وكلية الطب أشطر في الهتافات من طلاب دار المعلمين العالية. لقد كان السياب، كما رأيته يومذاك، شابا قصير القامة، مؤدبا، ذا صوت خفيض جدا، تنسدل ثيابه عليه مثلما تنسدل على علاقة الملابس، يرتدي قميصا وبدلة كما في تمثاله الموجود على كورنيش شط العرب في البصرة».

    فيما بعد، حين أودى به المرض وهو في عمر مبكر، سعت لمعان البكري، التي كانت مديرة عامة في وزارة الإعلام خلال السبعينات، لإقامة مهرجان في البصرة لتكريم ذكرى بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحديث. وقد كلفت النحات نداء كاظم أن ينحت للشاعر تمثالا أزيح عنه الستار في الأول من (يناير «كانون الثاني») 1971. أما الذي أزاح الستار فكان شاعرا آخر هو الوزير شفيق الكمالي. وتروي لمعان أن الفنانة وجدان ماهر الكنعاني، وكانت تعمل في قسم التصميم في الوزارة، التفتت نحوها أثناء مراسم رفع الستار، وهمست في أذنها: «هل تكفّرين عن ذنوبك بحق السياب؟».

    في ذلك الوقت، لم تكن تشعر بالزهو لأنه كتب لها القصائد. لقد سحرت غمازتاها شعراء كثيرين نظموا لها أحاسيسهم شعرا. ولعلها تدرك اليوم قيمة تلك الوريقات التي احتفظت ببعضها وراح البعض الآخر مع ما راح من موجودات بيتها في بغداد. ومن بين ما عرضته علينا مخطوطة «يا هواي البكر»، التي كتب السياب في الصفحة الأولى منها، تحت العنوان: «لم تكن أهواؤه الأولى غير نزوات تموت مع اليأس. أما حبه الجديد فهو باقٍ رغم اليأس والحرمان... فهو هواه الأول».

    هل كان هواه للميعة عباس عمارة شغف عابر، أيضا؟ حين تزوجت لمعان ولم تستجب لمشاعره، حمل عليها في قصيدة «أحبيني» الشهيرة، وقال: «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب / عافتني إلى قصر وسيارة». وهي القصيدة التي شكا فيها من سبعٍ أحبهن ولم يحببنه كما كان يشتهي، بينهن لميعة «شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها». فماذا تستذكر عنه، في ذكرى رحيله، وهي في عزلتها البعيدة بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة؟ إنها تحاول أن تتفادى الموضوع لأن هناك من يتوهم أنها تستفيد من تلك الحكاية لتلميع صورتها. كأن صورة لميعة الشاعرة المرهفة وملهمة الأدباء تحتاج إلى تلميع.

    أسألها إن كانت قد أحبت بدرا، كما أحبها، فتقول: «من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر».

    وصلت إلي من لميعة عباس عمارة، بالبريد، مجموعة مغلفات تضم أوراقا تخصها وصورا من حياتها الحافلة وكتابات بخط يدها، منها ما قد يكون منشورا ومنها ما لم أقرأه من قبل. وبين الأوراق عثرت على ما تؤرخ فيه لعلاقتها بالسياب، حيث كتبت: «كنت أتوقع أن ألتقي بشاعر. ليست نبوءة إنما أمنية. وكنت أظن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الشعراء يسكنون في الكتب ولا يسيرون على الأرض. وفجأة التقيته. يمشي مع الناس، نحيلا يحمل أزهاره الذابلة (في إشارة إلى ديوانه «أزهار ذابلة») ويشتم حبيبته السابقة وينتظر المجهولة الآتية. وقد جاهدت أن أكون صديقا (تستخدم صيغة المذكر ولا تقول صديقة) أشاركه إعجابه بالجميلات وأستمع لما يكتب فيهن. وقلت لأستاذنا في علم النفس، محمد النحاس، إن المريض شفي من تشاؤمه وكآبته ولكني أخشى عليه من مرض أشد. ابتسم أستاذي وقال إن هذا المرض هو ما يحتاج إليه الشاعر».

    في قصاصة أخرى غير مؤرخة، نقرأ: «اليوم يمر خمسون عاما على لقائي ببدر. طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وطالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية، نحيف رقيق حساس هادئ وعصبي المزاج، أحيانا. يدخن ويشرب الشاي ويلقي شعره في حديقة الكلية، جالسا على المقاعد الخشبية محاطا بالطالبات والطلاب. يقرأ بصوت جهوري معبر وبتأثر شديد، تسعفه كفان من الجلد والعظم. عيناه صغيرتان وأذناه كبيرتان. له جبهة عريضة وشعر سبط بني يميل إلى السواد وأنف فيه شيء من الكبر (تشطب الكاتبة على هذه الكلمة الأخيرة) وذقن راجع إلى الخلف. وهو حين يبتسم تبدو أسنانه العريضة وشيء من اللثة الرمادية من أثر التدخين. بسيط نظيف في ملبسه. محط اهتمام زملائه. ينظر وكأنه لا يرى وهو يدقق في كل ما يراه وبخاصة الفتيات الجميلات السافرات من بنات الذوات، حيث الأسر المثقفة والمترفة تبادر بالسماح لبناتها بدخول الكلية المختلطة، بعكس الطلاب الذين تدفعهم الحاجة واستعجال الوظيفة لدخول هذه الكلية».

    وعودة إلى السؤال حول «أنشودة المطر»، القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه الصادر عام 1962، من هي الملهمة؟ تجيب لميعة في حديث هاتفي معها، مؤخرا: «لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة. لقد التقيت السياب بدرا بعد أن كان قد قطع علاقته بها وقسا عليها بقصيدته (لعنات)، وكنت أجادله فيها وأقول: لا يجوز أن تلعن المرأة التي أحببت وأوحت لك بأحلى القصائد. لا ترمِ حجرا في البئر التي شربت منها. وكان يحقد عليها لأنها اختارت أن تقترن برجل ميسور. وكنت أسعى لتخفيف ذلك الحقد لأنني أعرف طبعه وأعرف أنه من الممكن أن يحب أي طالبة تجلس بجانبه أو تستمع لقصيدة أو تصفق له، وبالتالي يتصور أنها تحبه ويجب أن تتزوجه. لم يفهم أن الحب لا علاقة له بالزواج. والفرق بيننا أنني كنت أبحث عن الحب وهو عن زوجة. وعقدته أنه فقير ولم يتقبل أن فتيات بغداد لم يكنّ يبحثن عن شاعر يكتب لهن القصائد بل عن زوج له مستقبل».

    من يعُد إلى دواوين السياب ولميعة عباس عمارة يجد حوارات شعرية واضحة بينهما وأصداء تتردد في هذا البيت أو ذاك، فهو يكتب: «سوف أمضي / أسمع الريح تناديني بعيدا». ونقرأ في قصيدة «شهرزاد» للميعة: «ستمضي فمن لي بأن أمنعك؟ / ستمضي فهل لي أن أتبعك؟ / فقلبي وشعري وعمري سدى / إذا لم أمتع بعيشي معك». وقد كتب السياب قصيدة «نشيد اللقاء» التي نجد صداها في قصيدة «شهرزاد» ذاتها: «سأهواك حتى تجف الدموع / بعيني وتنهار هذي الضلوع / ملأت حياتي فحيث التفت / أريج بذكرك منها يضوع / وفي ليلة من ليالي الشتاء / وقد لفني وفتاتي غطاء / سأرنو إلى الباب مرتاعة / وأتلو عليها (نشيد اللقاء)». ثم يعود السياب في قصيدة بعنوان «نهاية» ويردد صدى قصيدة لميعة قائلا في أحد المقاطع: «سأهواك حتى... نداء بعيد / تلاشت على قهقهات الزمان / بقاياه في ظلمة في مكان / وظل الصدى في خيالي يعيد / سأهواك... ما أكذب العاشقين / سأهوا... نعم تصدقين».

    الغريب أن مخطوطة «نشيد اللقاء» موجودة، اليوم، لدى لمعان البكري. كما أن أكثر من طالبة من زميلات السياب نسبت «أنشودة المطر» إلى نفسها بعد رحيله وذيوع شهرته. فهل كان الشاعر ماكرا أم أنه كان رحب القلب والقريحة، يلتقط إلهامه من كل وجه صبوح يلوح أمامه ولا يخلص إلا لربة الشعر؟
    بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل بدر شاكر السياب (1926 - 1964)، يعود التساؤل عن الحبيبة التي ألهمت الشاعر العراقي المجدد مطلع قصيدته الأشهر «أنشودة المطر». إنها ليست قصيدة غزلية تماما، بل تبدأ، على عادة الشعراء القدامى، بالتشبيب والأسى الشخصي الشفاف لتتحول إلى نشيد سياسي هادر متصاعد، يستنكر جوع الفقراء ويبشر بالثورة وبهطول المطر.

    «عيناك غابتا نخيل ساعة السحر». هل هما العينان السوداوان لزميلته في دار المعلمين العالية، الشاعرة لميعة عباس عمارة، اللتان تغشاهما العتمة عند المغيب؟ أم هما العينان الخضراوان للمعان البكري، الطالبة الجديدة في كلية الحقوق، اللتان يحيل لونهما إلى غابات النخيل؟

    «عيناك حين تبسمان تورق الكروم». ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم. ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة. لقد استلطف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة. وكانت بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموم بالكتب والنضال، يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة. وممن كتب لهن، بالإضافة إلى لميعة ولمعان، زاهدة الدبوني وسعاد البياتي ولبيبة القيسي التي سماها «لبلاب»، وطالبة يهودية حسناء تدعى «بدر»، أيضا. وكان يتهكم على نفسه قائلا إنها تستحق اسمها فعلا، أما هو فلا.

    ومن بين أوهام كثيرة، كانت العلاقة العاطفية التي ربطته بزميلته الشاعرة ذات العينين المتوهجتين كالجمر، حقيقة يشهد عليها زملاؤهما، وقد ورد ذكرها في أكثر من قصيدة من قصائده. لذلك فقد كان شائعا أن الأبيات الغزلية الواردة في مطلع «أنشودة المطر» هي من نصيب لميعة. لكن من عاصروا تلك الفترة يعرفون أن السياب كتب القصيدة وراح ووضعها في يد طالبة أخرى هي لمعان البكري. فماذا تقول لميعة، وما هي رواية لمعان؟

    كنت قد التقيت السيدة لمعان، صيف العام الماضي، في لندن حيث تقيم منذ سنوات في إحدى ضواحيها. وهو اللقاء الذي سمح لي أن اتصل بها، مؤخرا، لأطرح عليها سؤالي عن بدر، وعن قصيدة «أنشودة المطر»، وتوقعت أن تتحرج في العودة إلى تلك الحكاية البعيدة. لكن المرأة التي حافظت على الكثير من ألقها، ردت بكل أريحية وأسعفتني ببعض الصور وبنسخ من القصائد التي أعطاها لها السياب. وكانت لمعان قد تزوجت وتركت الدراسة وهي في الصف الأول، ثم عادت لمواصلتها بعد أن رزقت بطفل، لتتخرج في الحقوق عام 1954 وتتدرج في الوظائف وتعمل في «وزارة الإعلام». صارت مديرة عامة تشرف على الكثير من المرافق الفنية في بغداد. ومثل الكثير من العراقيين، انتهى بها المطاف إلى الإقامة في إنجلترا.

    قالت: «كنت طالبة في السنة الأولى حين تعرفت على بدر أثناء سفرة نظمها طلبة دار المعلمين العالية ودعيت لها. وما زلت أذكر أن الشاعر كان يدور بدفتر قصائده بيننا ويقرأ علينا بعض أشعاره، ثم أعطاني ذلك الديوان المخطوط وطلب مني أن أقرأه. وبالفعل بدأت بتقليب الصفحات والاطلاع على ما فيها ثم أعدته له وعدنا من السفرة وانتهى كل شيء. لكن الذي حصل هو أنه واصل تردده على كلية الحقوق، قرب الجسر الحديدي، غير بعيد عن دار المعلمين. وفي كل مرة يأتيني بمغلف يسلمني إياه باليد، أو يبعثه بيد أحد من الزملاء».

    كانت المغلفات تحمل قصائد غزلية جديدة لسياب، مكتوبة بخط جميل معتنى به، منها «أنشودة المطر» و«يا هواي البكر» و«نشيد اللقاء». وفي بعضها سجل الشاعر مكان كتابتها، مثل «أبي الخصيب» في البصرة، أو تاريخ الكتابة، مثل «ذكرى مساء 7 نيسان 1946». وهناك، أحيانا، هوامش يشرح فيها مفردة أجنبية وردت في القصيدة مثل «نغمة خفاقة تفنى على صدر البيان»، حيث شرح الكلمة الأخيرة بأنها تعريب لكلمة «بيانو».

    كيف كان انطباعها الأول عنه؟ لا تتأنى السيدة في الجواب ولا تحاول انتقاء كلماتها: «في ذلك الوقت لم نكن نتطلع للشعراء، فهم في الغالب معدمون، نراهم في المظاهرات ونصفق لقصائدهم، لا أكثر، وحتى في المظاهرات فقد كان طلاب الحقوق وكلية الطب أشطر في الهتافات من طلاب دار المعلمين العالية. لقد كان السياب، كما رأيته يومذاك، شابا قصير القامة، مؤدبا، ذا صوت خفيض جدا، تنسدل ثيابه عليه مثلما تنسدل على علاقة الملابس، يرتدي قميصا وبدلة كما في تمثاله الموجود على كورنيش شط العرب في البصرة».

    فيما بعد، حين أودى به المرض وهو في عمر مبكر، سعت لمعان البكري، التي كانت مديرة عامة في وزارة الإعلام خلال السبعينات، لإقامة مهرجان في البصرة لتكريم ذكرى بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحديث. وقد كلفت النحات نداء كاظم أن ينحت للشاعر تمثالا أزيح عنه الستار في الأول من (يناير «كانون الثاني») 1971. أما الذي أزاح الستار فكان شاعرا آخر هو الوزير شفيق الكمالي. وتروي لمعان أن الفنانة وجدان ماهر الكنعاني، وكانت تعمل في قسم التصميم في الوزارة، التفتت نحوها أثناء مراسم رفع الستار، وهمست في أذنها: «هل تكفّرين عن ذنوبك بحق السياب؟».

    في ذلك الوقت، لم تكن تشعر بالزهو لأنه كتب لها القصائد. لقد سحرت غمازتاها شعراء كثيرين نظموا لها أحاسيسهم شعرا. ولعلها تدرك اليوم قيمة تلك الوريقات التي احتفظت ببعضها وراح البعض الآخر مع ما راح من موجودات بيتها في بغداد. ومن بين ما عرضته علينا مخطوطة «يا هواي البكر»، التي كتب السياب في الصفحة الأولى منها، تحت العنوان: «لم تكن أهواؤه الأولى غير نزوات تموت مع اليأس. أما حبه الجديد فهو باقٍ رغم اليأس والحرمان... فهو هواه الأول».

    هل كان هواه للميعة عباس عمارة شغف عابر، أيضا؟ حين تزوجت لمعان ولم تستجب لمشاعره، حمل عليها في قصيدة «أحبيني» الشهيرة، وقال: «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر عيون الفل واللبلاب / عافتني إلى قصر وسيارة». وهي القصيدة التي شكا فيها من سبعٍ أحبهن ولم يحببنه كما كان يشتهي، بينهن لميعة «شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها». فماذا تستذكر عنه، في ذكرى رحيله، وهي في عزلتها البعيدة بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة؟ إنها تحاول أن تتفادى الموضوع لأن هناك من يتوهم أنها تستفيد من تلك الحكاية لتلميع صورتها. كأن صورة لميعة الشاعرة المرهفة وملهمة الأدباء تحتاج إلى تلميع.

    أسألها إن كانت قد أحبت بدرا، كما أحبها، فتقول: «من الأكيد أنني كنت أحبه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر».

    وصلت إلي من لميعة عباس عمارة، بالبريد، مجموعة مغلفات تضم أوراقا تخصها وصورا من حياتها الحافلة وكتابات بخط يدها، منها ما قد يكون منشورا ومنها ما لم أقرأه من قبل. وبين الأوراق عثرت على ما تؤرخ فيه لعلاقتها بالسياب، حيث كتبت: «كنت أتوقع أن ألتقي بشاعر. ليست نبوءة إنما أمنية. وكنت أظن، وأنا في الثانية عشرة من عمري، أن الشعراء يسكنون في الكتب ولا يسيرون على الأرض. وفجأة التقيته. يمشي مع الناس، نحيلا يحمل أزهاره الذابلة (في إشارة إلى ديوانه «أزهار ذابلة») ويشتم حبيبته السابقة وينتظر المجهولة الآتية. وقد جاهدت أن أكون صديقا (تستخدم صيغة المذكر ولا تقول صديقة) أشاركه إعجابه بالجميلات وأستمع لما يكتب فيهن. وقلت لأستاذنا في علم النفس، محمد النحاس، إن المريض شفي من تشاؤمه وكآبته ولكني أخشى عليه من مرض أشد. ابتسم أستاذي وقال إن هذا المرض هو ما يحتاج إليه الشاعر».

    في قصاصة أخرى غير مؤرخة، نقرأ: «اليوم يمر خمسون عاما على لقائي ببدر. طالبة في الصف الأول من كلية دار المعلمين العالية، فرع اللغة العربية، وطالب في الصف الثالث فرع اللغة الإنجليزية، نحيف رقيق حساس هادئ وعصبي المزاج، أحيانا. يدخن ويشرب الشاي ويلقي شعره في حديقة الكلية، جالسا على المقاعد الخشبية محاطا بالطالبات والطلاب. يقرأ بصوت جهوري معبر وبتأثر شديد، تسعفه كفان من الجلد والعظم. عيناه صغيرتان وأذناه كبيرتان. له جبهة عريضة وشعر سبط بني يميل إلى السواد وأنف فيه شيء من الكبر (تشطب الكاتبة على هذه الكلمة الأخيرة) وذقن راجع إلى الخلف. وهو حين يبتسم تبدو أسنانه العريضة وشيء من اللثة الرمادية من أثر التدخين. بسيط نظيف في ملبسه. محط اهتمام زملائه. ينظر وكأنه لا يرى وهو يدقق في كل ما يراه وبخاصة الفتيات الجميلات السافرات من بنات الذوات، حيث الأسر المثقفة والمترفة تبادر بالسماح لبناتها بدخول الكلية المختلطة، بعكس الطلاب الذين تدفعهم الحاجة واستعجال الوظيفة لدخول هذه الكلية».

    وعودة إلى السؤال حول «أنشودة المطر»، القصيدة التي اختارها عنوانا لديوانه الصادر عام 1962، من هي الملهمة؟ تجيب لميعة في حديث هاتفي معها، مؤخرا: «لقد قرأ علي بدر المقاطع الأولى (عيناك غابتا نخيل) ثم أكمل عليها، فيما بعد، (أنشودة المطر). وكان لقائي به بعد أن انتهت علاقته بلمعان البكري. وأذكر أنها كانت قد طلبت صياغة سوار جميل من الذهب، منقوش عليه مطلع القصيدة. لقد التقيت السياب بدرا بعد أن كان قد قطع علاقته بها وقسا عليها بقصيدته (لعنات)، وكنت أجادله فيها وأقول: لا يجوز أن تلعن المرأة التي أحببت وأوحت لك بأحلى القصائد. لا ترمِ حجرا في البئر التي شربت منها. وكان يحقد عليها لأنها اختارت أن تقترن برجل ميسور. وكنت أسعى لتخفيف ذلك الحقد لأنني أعرف طبعه وأعرف أنه من الممكن أن يحب أي طالبة تجلس بجانبه أو تستمع لقصيدة أو تصفق له، وبالتالي يتصور أنها تحبه ويجب أن تتزوجه. لم يفهم أن الحب لا علاقة له بالزواج. والفرق بيننا أنني كنت أبحث عن الحب وهو عن زوجة. وعقدته أنه فقير ولم يتقبل أن فتيات بغداد لم يكنّ يبحثن عن شاعر يكتب لهن القصائد بل عن زوج له مستقبل».

    من يعُد إلى دواوين السياب ولميعة عباس عمارة يجد حوارات شعرية واضحة بينهما وأصداء تتردد في هذا البيت أو ذاك، فهو يكتب: «سوف أمضي / أسمع الريح تناديني بعيدا». ونقرأ في قصيدة «شهرزاد» للميعة: «ستمضي فمن لي بأن أمنعك؟ / ستمضي فهل لي أن أتبعك؟ / فقلبي وشعري وعمري سدى / إذا لم أمتع بعيشي معك». وقد كتب السياب قصيدة «نشيد اللقاء» التي نجد صداها في قصيدة «شهرزاد» ذاتها: «سأهواك حتى تجف الدموع / بعيني وتنهار هذي الضلوع / ملأت حياتي فحيث التفت / أريج بذكرك منها يضوع / وفي ليلة من ليالي الشتاء / وقد لفني وفتاتي غطاء / سأرنو إلى الباب مرتاعة / وأتلو عليها (نشيد اللقاء)». ثم يعود السياب في قصيدة بعنوان «نهاية» ويردد صدى قصيدة لميعة قائلا في أحد المقاطع: «سأهواك حتى... نداء بعيد / تلاشت على قهقهات الزمان / بقاياه في ظلمة في مكان / وظل الصدى في خيالي يعيد / سأهواك... ما أكذب العاشقين / سأهوا... نعم تصدقين».

    الغريب أن مخطوطة «نشيد اللقاء» موجودة، اليوم، لدى لمعان البكري. كما أن أكثر من طالبة من زميلات السياب نسبت «أنشودة المطر» إلى نفسها بعد رحيله وذيوع شهرته. فهل كان الشاعر ماكرا أم أنه كان رحب القلب والقريحة، يلتقط إلهامه من كل وجه صبوح يلوح أمامه ولا يخلص إلا لربة الشعر؟


    .
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    علي عبد الأمير
    فسحة الحداثة العراقية وقبرها الفسيح

    [​IMG]



    مثلما مات الشاعر بدر شاكر السياب غريباً في بلاده، اذ سار في تشييع نعشه ستة فقط من الاصدقاء والاهل ليدفن في مقبرة الحسن البصري عشية عيد الميلاد في العام 1964، بدا صاحب قصيدة «انشودة المطر» التي يراها كثيرون، أبلغ بيان فني وجمالي عن الحداثة الشعرية العربية، وكأنه يموت غريباً مرة أخرى في وطنه، بل في مدينته تحديداً، البصرة، ففي العام 2009، ألغي احتفال بذكرى وفاة رائد التحديث في الشعر العربي لتزامنه مع إحياء ذكرى «عاشوراء».

    على رغم ان سيرة الشاعر السياب (1926-1964) القصيرة كانت سيرة متصلة من الاحزان، وعلى رغم ان الحدث هو حدث أدبي يستسعيد ذكرى وفاة الشاعر، الا ان مخاوف ادباء البصرة، كانت من احتمال ان يفسّر الاحتفال على انه «خروج على الحزن الرسمي والشعبي الجماعي يوم عاشوراء».

    غير ان «المسكوت عنه» في القصة هو «تراجع الحياة المدنية والثقافية في البصرة، بل في مناطق واسعة من العراق، حيال النفوذ المتصاعد للقوى الطائفية الدينية المتشددة بما لها من تمثيل في الحكومة المحلية في البصرة، وبما تمتلكه من ميليشيات قادرة على تصفية من يخالفها الرأي».

    هذا المآل الذي يتواصل اليوم بعد نصف قرن على غياب صاحب «الاسلحة والاطفال»، يبدو نقيضاً كلياً، لفسحة الحداثة العراقية التي تشكل بموجبها السياب وجيله الشعري والثقافي، وكانت ليست بعيدة عن ما كتبه ادونيس في مقدمة مختاراته لشعر السياب، حيث «أخذ ينشأ للشعر العربي الجديد وسط تعبيري جديد».

    النص السيابي، ظل لاحقاً من القوة والديناميكية ما اعطاه القدرة على ان يبدو «ابداعاً مستمراً» وريادة ذلك النص كانت تتمثل في تجاوزه الاطار الشكلي القديم للشعر. النص كان «سؤالاً» يحمل رؤيا المصير، الاندفاع باللغة جاعلاً منها «لغة حيوية»، الخروج بالشعر من نطاق الانطباع الى مستوى البناء المعتمد على رؤيا وموقف، في تقاطع كلي مع وقائع حياته البائسة ومحيطه الاجتماعي المضنوك.

    انه الرومانسي، هو الحالم في بواكيره... ومن المكان الذي يأخذه الى فطرة الانفتاح والتطلع الى الغد، كانت تلك الرومانسية، هي التعبير الهادئ والموجز عن توقعه لمغادرة المكان اذ يصبح اضيق مما يتسع في روحه من عوالم ورؤى.

    ان فسحة الحياة المعاصرة العراقية ومجاوراتها العربية، في اربعينات القرن الماضي وخمسيناته، التي حنت على مشروع السياب التحديثي، لتبدو اليوم رجعة عن ذلك المتحقق في البنية الثقافية العربية التي استطاعت - رغم احباطاتها - ان تتصل مع مؤشرات المغايرة، وتضع بعض خطاها على طريق التحديث والمعاصرة. هذه العودة - الردة - تتمثل بقوى محافظة باتت تنشط اجتماعياً واقتصادياً، وبالتالي استطاعت ان تقترب من المشهد الثقافي بقوة، مؤكدة حضورها عبر الردع والتهميش والنفي والاقصاء والاغتيال المنظم لاحقاً (هل ننسى نحو الف من الكتاب والاكاديميين العراقيين ممن اغتيلوا في الفترة ذاتها التي شهدت صعود القوى الباطشة التي اخافت ادباء البصرة ومنعتهم من احياء ذكرى ابن مدينتهم البار)؟

    من هنا، يمكن لنا ان نقرأ فاعلية ما احدثه السياب، لا ضمن حقل الشعر حسب، بل في نقله الذهنية الادبية الى مستويات تعبيرية مختلفة، وفتحه لحرية تطل وتتصل بأخرى وصولاً الى منهج «عقلي» عصري بحق، يرى في المغايرة مضموناً فاعلاً. نعم لقد كان هذا فعلاً ما احدثه «رومانسي» مغامر في حقل الشعر العربي اذ وضعنا امام «سؤال التحديث»، وأعطانا الفرصة كي نأخذ ما اثمرته تجربته في الافتراق عن التقليدي وكي نواجه متغيرات عصر لا يهدأ.

    ويبدو تأجيل الاحتفال بذكرى رحيله اليوم غربة الشاعر الثانية في وطنه، حد ان عائلته التزمت الصمت، واكتفى ابن عمه عبد الحميد السياب بأن يدعو الحكومة العراقية الى تحويل «دار جدي» المنزل الذي ولد فيه السياب في عام 1926 (عام ذاته الذي شهد ولادة الركنين الآخرين من اركان التحديث في الشعر العربي، نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي) والذي يقبع تحت الإهمال والخراب إلى متحف يضم جميع مقتنيات السياب وإعماله الشعرية والدراسات والاعمال الادبية والفنية التي عنت بدراسة تجربته والتعبير عنها.

    واذا كانت ذكرى رحيل صاحب «المومس العمياء»، شهدت صمت المثقفين والادباء في البصرة خوفاً من «اصولية دينية مسلحة» في «العراق الجديد»، قد لا تسامح المحتفين وتعديهم على حرمة «عاشوراء»، تعني بوضوح التراجع المريع للحرية الفكرية والثقافية في البلاد، فإنها تدل على نقيضها، حين كانت ايام الحداثة في «العراق القديم»، مترعة بالرحمة والاتصال حتى بين طرفين نقيضين، فركن الكلاسيكية الشعرية، محمد مهدي الجواهري، يقول في صاحب قصيدة «غريب على الخليج»: «لقد كنت يا بدر جسراً ذهبياً حياً يعبر عليه بثقة وإعجاب، ولطف واعتزاز كل هذا الموكب الساحر من دنيا الشعر العربي الفخم الضخم الخالد المنحدر عبر العصور إلى الضفة المقابلة من الأرض الجديدة التي تجاورت، وتفاهمت مع القمر في أجرأ محاولة، وأخصب تجربة حاولها الموهوبون للتدليل على أن الموسيقى في الحداء العربي وانسياب النغم ورقة الصياغة ومتانة السلاسل الذهبية إلى جانب نعومتها يمكن أن تنصب كلها في قوالب جديدة متطورة مستساغة من دون أن تفقد أي شيء من خصائصها».



    .
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد مظلوم
    اللحظة «السيّابية» كما تتجلى في الثقافة العربية الراهنة

    [​IMG]

    قبل عشرين عاماً... كتبت عن السيَّاب، بوصفه صورة تقريبية لحال العراق، حيث الحصار، والجوع، والمرض، وقلَّة الدواء، والموت التراجيدي، جعلت بلاد الرافدين آنذاك في حالة بدت فيها «سيابية» بامتياز! ولعلَّ التعاطف مع الحالة السيابية، وهو ينطوي على نوع من الشعور بالإشفاق أمرٌ في منتهى القسوة، لا يليق بشاعر خلاق كالسياب، بل أن بدراً نفسه وصف هذا الإشفاق الذي قد يطاوله بنوعٌ من العار، ذلك أنَّ «الموتُ أهونُ مِنْ خَطِيَّة» كما كتب في قصيدته «غريب على الخليج»

    واليوم، في الذكرى الخمسين على رحيله، يمكن أن أنقِّح ذلك التوصيف قليلاً ليغدو أوسع، فأقول: إنَّ «الحالة السيابية» لم تعُد مجرد لوحة وطنية محلية، في لحظتنا العربية الراهنة، بل غدت صورة تبدو نمطية لثقافة أُمَّة. فالمتن الشعري للسيَّاب يكشف لنا عن شاعر وارثٍ لِمِحَنِ الأولياء والشهداء والقدِّيسين، من آلامه الأيُّوبيَّة التي كتب عنها سِفراً للآلام بعشرة مقاطع بإيقاعات عروضية متعدَّدة تنويعاً للألم، إلى عذاباته اليسوعية المركَّبة التي تحفل بها أشعاره، واللافت هنا مصادفة يوم رحيله مع ميلاد السيد المسيح، في 24-12- 1964 لتتكرَّس حبكة تلك الحكاية التراجيدية عن رجلٍ شقيٍّ، رحل في الثامنة والثلاثين من عمره، وأحدث الانعطاف الأساسي في الشعر العربي في القرن العشرين، وترك كل هذه الضجة من بعده، وهو بعدُ في الشطر الأول من عشرينيَّاته!

    وهم الأممية

    والواقع إن فتى جيكور القادم من أبي الخصيب، انسحب نحو ما بدا لهُ «روح الأمَّة» بعد أن تملَّص من وهم «الأمميَّة» لكنه لم يخطر له بالتأكيد ولا حتى في هذياناته في مرضه، أنه سيخضع لمقاربة طائفية في عراق ما بعد 2003، أو لنقل في الثقافة العربية الواقعة إلى حدٍّ ما، منذ تلك اللحظة، تحت طائلة هذا التشريح الغريب لجسمها الثقافي. فعلى إحداثيات الخريطة الطائفية الجديدة في العراق، بدا ممكناً بل متاحاً لمن يرغب مراجعة موقفه من الشعوبية، التي أكثر في تفنيدها وشجبها خاصة في كتاباته النثرية، بأثر رجعي وإسقاطي بل وحتى إحياء غمزه من الجانب العِرقي لخصومه وغرمائه من الشعراء!

    ومع هذا، وبه أيضاً يبقى السياب صورة تقريبية، إن لم تكن نموذجية، للأمَّة في راهنها، حتى لتكاد الثقافة العربية راهناً تتجلِّى «سيابية» إلى حدٍّ بعيد! فثمة جسدٌ يتناهبه الإعياء والأعباء على حدِّ سواء، وساقان متباعدان يجرُّهما كمصاب في حروب أهلية، بينما فتك به المرض الغامض، ونالت من عنفوانه النفسي الصراعات السياسية التي لم تكن تجري على أرض «الوطن» أو «خريطة الأمة» فحسب، وإنما على ذاته المتصدَّعة، وصحَّته المتردِّية باستمرار، لتنعكس بالتالي على مجمل تجربته الشعرية.

    ولأنَّه معادل موضوعي لحال «أمَّة» يجري التعاطف معه بنوع من آلية الشَفَقة على الذات، فليس ثمة من نزوع في الثقافة العربية نحو نقد الذات بقدر تمجيدها أو تأبينها، حتى وإن جاء ذلك التمجيد منطوياً على صيغة العطف والشفقة، لا الاعتزاز وتقدير الذات.

    لكن مشهد الثقافة العربية الراهن باحتياج مُلحٍ إلى نقدٍ تشريحيّ، لا إلى نقدٍ تأبينيّ، مثلما هو الأمر مع السياب بعد نصف قرن على رحيله! من هنا أهمية إعادة قراءة القلق، في التجربة الحياتية والسياسية للسيَّاب، لا على أساس الدوافع الإيديولوجية الراديكالية المنظَّمة، وإنما على أساس الرواسب الاجتماعية في الشخصية، والنوازع النفسية الْمُضمَرة، وهو ما لم يحدث على الأقل في النقد العراقي، بسبب الواقع السياسي الذي كان سائداً، فقد قرأه الشيوعيون بوصفه مارقاً، في مرحلة، وضحيةً في مرحلة لاحقة! تناغماً مع الخطاب السياسي، فيما حاول القوميون تطهيره بعذاباته الشخصية، وبتحويل البوصلة للطرف الآخر بوصفه سبباً من أسباب تلك العذابات، لكنه ببساطة كان شاعراً حائراً وقلقاً ويتمتَّع بسمات الضعف الإنساني الطبيعي، فانطلق شيوعياً قبل أن ينعطف إلى المهرجان القومي، وبينهما كان يتمرَّغ في برهة وجودية قلقة هي الأخرى.

    لازمه ذلك القلق في الموقف السياسي منذ تجربته مع الحزب الشيوعي، الذي بدا له مدافعاً عن الحريات في مكان آخر، فكانت محاولته الأولى لكي يبدو ذلك الشاعر ذا النزعة الإنسانية منذ قصيدته «حاطم الأغلال» في ديوانه الأول «أزهار ذابلة» المهداة إلى المغنِّي الزنجي الشيوعي الأميركي «بول روبسن» وهي قصيدة تتحدَّث بلغة وشكل تقليدين عن اضطهاد الزنوج في أميركا، مُحدثة انحرافاً ووجوداً نافراً في مناخات الديوان بأجوائه الذاتية لعاشق كتب معظم قصائده غزلاً توسلياً لزميلات المقعد الدراسي وهو لا يزال في العشرين من عمره!

    انتهت مغامرته الجمالية وفكرته الطوباوية عن «تحرير العالم» سريعاً، ليكتشف أن العبيد الذين يتوقون للحرية ليسوا في مكان بعيدٍ، فراح يكتب عن: فلسطين والسويس والأوراس وجميلة بوحيرد والمغرب العربي. بعد أن تخلى نهائياً عن الحزب الشيوعي عام 1953، والذي كان قد دخل إليه باسم حركي مستعار هو «جرير» وليكتب لاحقاً اعترافاته المشهورة «كنت شيوعياً» في سلسلة مقالات نشرها عام 1959 في مجلة «الحرية» ذات التوجه القومي! في وقت كان فيه الشيوعيون تحت رعاية السلطة وفي أحضان الشارع.

    وهكذا تقريباً كان حال تنقله بين المجلات العربية المعروفة آنذاك «الأديب» و«الآداب» بهويتهما العروبية، ومن ثمَّ انقلابه السريع نحو مجلتي «شعر» و«حوار» بنزعتهما الليبرالية. وهكذا أيضاً دأب في نقده للأدب الشيوعي ونظرته المحدودة، مستفيداً من عروبية تلك المنابر من جهة، وليبرالية المنابر الأخرى من جهة ثانية، بخاصة أنَّ هذه المنابر باختلاف توجهاتها كانت جزءاً من التعقيدات والتفاعلات الثقافية للحرب الباردة.

    خصومات شعرية

    حتى خصوماته الشعرية، كانت في الواقع ترجيعاً واضحاً للقعقعة الصارخة لذلك الصراع، فخصومته مع البياتي على سبيل المثال، لم تكن شعرية محضة، ولا تتوقف عند تلك «الواوات» التي انتقد تكرارها الرتيب في قصيدة البياتي «سوق القرية» لأنه سيتكئ، هو الآخر، على تلك «الواوات» كتقنية تكرارية بلاغية واضحة في أبرز قصائده: «أنشودة المطر» و«في المغرب العربي» على سبيل المثال، لكنها كانت خصومة في «واوات» أخرى ليست للعطف اللغوي الظاهر وإنما عطفاً على سياق صراع متعدِّد الأشكال بين جماعات شتَّى. فإذا كان البياتي ابن المدينة «بغداد» قد استأثر برعاية الشيوعيين في العراق، وعناية «الآداب» في لبنان، فأن السيَّاب، القادم من الريف الجنوبي وجد نفسه يتخبَّط في أكثر من طريق ويترنَّح مقدماً نفسه ضدَّاً نوعياً للشيوعيين أمام البعثيين، ويتحمِّس بنزعة ريفية نحو «المنظمة العالمية لحرية الثقافة» في مواجهة «مجلس السلام العالمي» وقلقاً بين «الآداب» من جهة، و«حوار» و«شعر» من جهة مقابلة.

    وهكذا انقلب الخطاب من نعوت تبجيلية: «الزعيم العبقري» و«الفذ» في وصف عبد الكريم قاسم، إلى هجائيات متشفيِّة، فبعد أن كتب من سرير مرضه في مستشفيات لندن «أغثني يا زعيمي» مخاطباً عبد الكريم قاسم في قصيدة نشرت في الصحف العراقية، ولم تصل إلى «الزعيم» الذي كان هو من يحتاج إلى الغوث، في مواجهة بنادق الإعدام على كرسي في مبنى الإذاعة ببغداد، كتب السيَّاب بعد أيام وعلى السرير ذاته هجائيته «عُمَلاءُ قَاسِمَ يُطْلقونَ النَّارَ آهِ عَلى الرَّبيع» أول جملة في قصيدة «إلى العراق الثائر» وهي آخر قصيدة في ديوانه «منزل الأقنان» ومؤرخة في الثامن من شباط يوم انقلاب البعثيين وإعدامهم «الزَّعيم» وهي قصيدة هابطة فنياً وركيكة بلاغياً، وتمجَّدُ ربيعاً دامياً، بيد أنَّ أهميتها تأتي فقط من كونها تبشّرُ بربيع مزعوم، سيأتي به «تموز» آخر كما تنبأ السيّاب، في مصادفة رمز تموز الأسطوري، مع الشهر الذي سيقود فيه البعثيون انقلاباً ثانياً لم يكن بدر حاضراً ليمجِّدَه كما فعل مع شباط/ رمضان 1963، لكن السياب نفسه، كان يردِّد إنه متهم «بالتموزية» أكثر من كونه بعثياً، بمعنى أنه أقرب، فكرياً، إلى طروحات أنطون سعادة، وألصق، فنياً، بالنزعة الانبعاثية في الشعر.

    إذاً فالظلال العميقة لصورة السياب لا تكمن في تلك التخطيطات التي هيمنت عليها تداعيات الصراع السياسي بين الماركسيين والقوميين، وإنما في تلك الخطوط الداخلية العريضة في تجربته الذاتية البحتة: نزعة شخصية مهيمنة في شعره عبر تكرار الموتيفات: الأمّ الراحلة، الخوف من المطر، أسفار المرض الممض الذي أضطره إلى «استجداء الطغاة» كما يقول، مستعيراً من صايغ: «كَسْيح وما مِنْ مَسِيح» الإشادة بالريف وهجو المدينة «بغداد» بوصفها «مبغى كبيراً» مستعيراً من توفيق صايغ مرة أخرى هجاءه للندن بوصفها «مرحاضاً كبيراً»، كذلك: ألفة النهر، ووحشة البحر، إلخ... وهو ما يظهر بقوة في ديوانه «منزل الأقنان» ديوان المرض السيَّابي بامتياز، وبخاصة مطولته «سفر أيوب» وقصائده «نداء الموت» «منزل الاقنان» «أسمعه يبكي» «قصيدة من درم» «قالوا لأيوب» «الليلة الأخيرة» «هرم المغنِّي» حتى يتحول مع «شناشيل ابنة الجلبي» إلى حالة برزخية من الموت العضوي.

    اكتملت صورة السيَّاب بوصفه ضحية، ليس للمرض العضوي الذي أنهكه لثلاث سنوات حتى أودى به في مثل هذا الوقت من عام 1964، وهي سنوات الصراع الدموي على السلطة في العراق، وها هي صورة الثقافة العربية تبدو «سيَّابية» بامتياز، بيد أنها لا تقف عند حدود كونها ضحية للصراعات السياسية التقليدية، وإنما تغدو ضحية لعنفٍ دمويٍّ متطرِّف.

    لقد أُريدَ للشاعر أن يكون شاعراً أممياً! لكنه كان يطمح أن يغدو شاعراً إنسانياً يطارد الأفق الأزلي، ودفعته الوقائع التي لا دخل له في معطياتها، ليركن إلى قضايا «الأُمَّة» لكن قضيَّته الدقيقة حقاً هي «أُمُّه» بالهاء لا بالتاء! ومطرُهُ الريفيّ ومرضه الشخصيّ، فَرضِيَ «من الغنيمة بالإياب» ولذا فإنَّ محاولات إعادة قراءة السيَّاب على أنه شاعر جماعة! تندرج في سياق من التجاذب المزمن الذي يتجلى في صور شتَّى آخر ما تعكسه في مراياها الدامية هو: صورة الشاعر.



    .
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    حسين عبد اللطيف
    السندباد الجريح
    مرثية الى بدر شاكر السياب


    ( في كل رحلة من الرحلات السبع يعود السندباد من السفار محمّلاً ، موفوراَ بأنفس الهدايا: بالدرر والياقوت والعطور الفاخرة، ليضم عائلته وأطفاله فرحا مسروراً. اما (سندباد جيكور) أو الحسن البصري فقد جاب جزائر واق واق: بغداد وبيروت والسعودية وإيران وباريس ولندن وروما والكويت. وعاد من رحلاته الكثار هذه، وهو لا يحمل سوى( المحار والردى)، وعظامٍ ترقد في قعر صندوق خشبي، هي كل ما تبقى من رفاته ليحط بها فوق رمال الزبير في يوم مطير ...)

    كأنك من طيورِ البحر هاجرتَ بلا سلوى
    إلى المدن الضبابية
    وحيداً تحمل الأحزانَ والآهاتِ والسهدا
    (لتصرخَ في شوارع لندن الصماءِ..
    .. هاتوا لي أحبائي)
    فدون الصوتِ : أفراس نحاسية
    تقاصصُ صوتك الواني .. وتجرحَهُ
    بلسعِ الِمشرَطِ الأعمى
    يفتش في ثنايا اللحم عن دربٍ.. وقد ضلا
    ***
    ألا يا أزهر الليلاتِ في جيكور والبصرة
    إذا ما عسعس الظلماءَ ليلٌ دون أقمارِ
    لتبكي(بدرك)المخنوقَ شاحبةَ الفوانيسِ
    فإن السور باقٍ .. كالجثامِ.. وليس من ثغرة،
    تذر النور نافذةً وأبوابا ،
    على سور الدياجير
    ***
    أمرسى (الحسنُ البصريّ) يا جوّابْ؟ !
    لحتّى أرض واق واق .. صحراءُ ؟!
    (على العمر الذي عرّاهُ من زَهَراتهِ الداءُ)
    ***
    (ألا يا منشدَ الامطارِ، سقّتكَ الحيا سحُبُ
    تروّي قبرك الضمآنَ
    تلثمه وتنتحبُ )


    حسين عبد اللطيف
    1967


    .
     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    بدر , في الذكرى الخمسين لرحيله ( 24 كانون الأول 1964 )
    للنحّات السوري عاصم الباشا

    [​IMG]
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. علي حداد
    كيف أحال السياب "حمارَ الشعر" مهراً رشيقاً



    * في البدء
    لسنا هنا في مقام المراجعة لمواضعات الدرس العروضي المتعلقة ببحر(الرجز) وحدّه الإيقاعي ، ولا بالترويج لطبائع الأداء الشعري التي اكتنفتها موسيقاه إلا بقدر ما يؤسس ذلك لقيم تجليه تجربة شعرية مقننة إيقاعياً لدى السياب ، أتيح لها أن تخبر عن وجهة من الأداء الشعري الحديث الذي اختطه النص السيابي ، وهو يذهب إلى تأمل المتن التراثي الشعري العربي ، ليشغله ـ في جانب مما شغل به منه ـ التداول الإيقاعي الذي أرسى السياب بعض جديده عليه ، في تناغم مع أطر ذلك التراث الموسيقية من دون أن يقع أسير ترددها الموسيقي في أي من نصوصه التي أثرت المتن التجديدي للشعرية العربية الحديثة.
    وربما أثير التساؤل المشروع : لم استوقفنا تداول السياب لموسيقى بحر (الرجز) من بين البحور الشعرية العربية الستة عشر التي نظم قصائده على الغالب منها ؟ .
    وحقيقة الأمر أننا لم ننشغل بهذا الوزن وتفحص تداوله في نص السياب إلا لأمرين ، الأول : متعلق بهذا الوزن الذي لم ينل إلا كثيرا من الزراية به ، سواء من معظم الشعراء العرب القدامى الذين تجافوه في نظمهم ، أو من قبل نقاد شعر تلك العصور الذين نظروا إليه بعين من الشزر والتجافي ، ألقت به وبالناظمين على وفق قوالبه خارج فضاء الأداء الشعري العالي المكانة الذي يبتغونه . أما الأمر الآخر فمتعلق بالسياب ونجاح مسعاه في إخراج هذا الوزن من عزلته ، وضمه إلى مساحة اشتغاله الشعري ، لينجز ـ من خلال إيقاعه ـ عدداً من أبرز نصوصه ، وأكثرها شهرة وتداولاً قرائياً ونقدياً .
    (1)
    الرجز واحد من البحور الستة عشر التي استنبطها (الخليل بن أحمد الفراهيدي) من خلال استقرائه لأشعار العرب في العصور السابقة له تلك التي تهيأ لهذا العالم الفذ أن يتأمل انجازها الشعري في أطره الموسيقية ، وأن يبوبه على وفق تلك البحور التي اصطلح لكل منها مسماه وحدود اشتغاله والتشكيلات الموسيقية التي يأتي عليها.لقد اختط إيقاع بحر (الرجز) لفاعليته في الشعرية العربية مساحتين من الاشتغال ، فهو فضلاً عن كونه ـ كما مرت الإشارة ـ واحداً من الأوزان الشعرية التي انتظمت عليها تلك الأدائية الشعرية ، أمسى شكلاً من الأداء الشعري القائم بذاته ، المشتمل على مساحة تمثل ،أطلق عليها مصطلح (الرجز) ، وتنادى إليها مؤدون خاصون ، برز أكثرهم في العصر الأموي ـ وهو أمر لافت للتأمل ـ واشتق لهم المسمى منه ، فقيل (الرُجاز) ومفردها (راجز) ، أولئك الذين تهيأ لهم أن يدرجوا في قوائم من الذكر تخصهم وحدهم ، كـ (رؤبة) وابنه (العجاج) و(أبي نخيلة) و(أبي النجم) وسواهم . وبهذا يكون (الرجز) قد أفرد شخصيته اتجاهاً شعرياً منفرداً سمي به ، فصار لدى العرب ـ وإلى جانب شعر الشطرين ـ شعر الرجز.
    لقد ذهب كثير من الدارسين ـ ومنهم المستشرق الكبير بروكلمان ـ إلى القول بقدم إيقاع الرجز، وأنه جاء متطوراً من ممارسة السجع في الكلام . وكان بعض الدارسين القدامى قد سعى إلى تبرير المسمى الذي أطلقه الخليل عليه ـ من خلال ما كان عندهم سياقاً متبعاً في تشخيص الطاهرة المعنوية عبر تماثلها في الرؤية مع مادي سابق أو محايث لها ـ فرأى أن التسمية جاءت لأنه مما تتوالى فيه من حركة وسكون يشبه الرجز في رجل الناقة ورعدتها ، وهو أن تتحرك وتسكن ، ثم تتحرك وتسكن، فيقال لها ـ حينئذ ـ رجزاء .
    أما ابن الأثير فتأمل السماحة الصوتية التي يبرز فيها هذا الوزن ، فعنده " إنما سماه رجزاً لأن الرجز أخف على لسان المنشد ، واللسان أسرع به من القصيد".
    ويبقى اللافت في أمر هذا الوزن الشعري أنه وعلى الرغم من بسطه لحضوره الإيقاعي على تلكما المساحتين ـ المؤشرتين آنفاً ـ اللتين يفترض منهما أن تمنحاه والمشتغلين عليه تميزاً ومكانة حضور مزيدة على سواه من بحور الشعر العربي الأخرى فإنه لم يحظ بعين من الاهتمام كافية بل نظر إليه بكثير من الزراية حتى عدّ (حمار الشعر) ومطيته ، ومبررهم لذلك الوصف كثرة مايرد فيه من الكلام الذي لايندرج في مسار الشاعرية ، أو ـ طبقاً لقول الباقلاني ـ لأنه يعرض في كلام الناس كثيراً ، وكأنهم ـ بإزاحته عن النسقية الشعرية العربية ـ يجتهدون في إبعاد (شبهة) الشاعرية عن النبي محمد(ص) وماورد عنه من أرجاز قالها في أكثر من مناسبة .
    ومع تلك النظرة الدونية التي تؤشر توجهات (النخبة) الأدبية ومقاصدها فقد ظل بحر (الرجز) سخياً ، يشرع مساحة تناغمه الإيقاعي لممارسات شعرية عدة ، فكان الفاعلية الإيقاعية المفضلة لأولئك الذين صنعوا المنظومات العلمية والتربوية والسردية (كألفية ابن مالك ، والمنظومات النحوية الصرفية التعليمية الأخرى ، وما اتبعه (إبان بن إياس اللاحقي) من نظمه كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع .
    (2)
    حتى العام 1953م لم يتداول السياب النظم على بحر الرجز ، مع أنه استخدم أكثر من عشرة بحور شعرية في نظم قصائده منذ أن بدأ يعلن عن حضوره شاعراً. وكان المثير في أمر السياب مع هذا الوزن أن تكون أول قصيدة عليه هي الأشهر في شعره كله ، تلك هي قصيدته : (أنشودة المطر) ، لتتوالى قصائده الأخرى على هذا الوزن في الأعوام اللاحقة تلكم اللواتي يمكن الإشارة إليهن وإلى سنوات نظمهن كما يلي : (من رؤيا فوكاي) 1955م . بعض أسطر (في المغرب العربي) 1956م . (غارسيا لوركا) و(النهر والموت) 1957م . مقطع من (جيكور والمدينة) 1958م . (سربروس في بابل) 1959م .(مدينة السندباد) 1960م . أمام باب الله ، مدينة السراب ،الغيمة الغريبة، دار جدي1961م . ذهبت ،الشاعر الرجيم ، الوصية ، سفر أيوب ـ2 في العام1962م . سفر أيوب ـ9 ، سفر أيوب ـ 10، الليلة الأخيرة ، الشاهدة ، القصيدة والعنقاء ، إرم ذات العماد ، أقل من بشر ، أغنية بنات الجن 1963م. (في غابة الظلام) 1964م .
    وبذلك يكون السياب قد نظم على تفعيلة (الرجز) وإيقاعه أربعاً وعشرين قصيدة ، يمكن لها أن تصنع ديوانا كاملاً ومتميزاً عنده .
    لقد رصدت بعض الدراسات النقدية ما قام به السياب من رد اعتبار لإيقاع الرجز، ولاسيما من خلال قصيدتيه المتميزتين (أنشودة المطر) و(النهر والموت)، فعند الشاعرة الفلسطينية والناقدة الدكتورة (سلمى الخضراء الجيوسي) أن اكتشاف الطاقة الإيقاعية الكامنة في الرجز كانت من أهم ما حدث للشعر العربي في حركته الجديدة ، والفضل في ذلك كله يعود ـ طبقاً لرأيها ـ لما فعلته (أنشودة المطر) من انفتاح شعري على هذا البحر.
    وكان قد أشر أكثر من دارس لتلك القصيدة المثاقفة الموسيقية العالية التي كان عليها وعي السياب وذائقته المتفردة ، ولاسيما حين أدرج حساسيته الإيقاعية في إضافات ترنمية استمدها من التلاعب بتفعيلة الرجز (مستفعلن) عبر استنباط وحدات أدائية أصغر مما تواتر لها ، من مثل :(متف = فعل) و(متفع= فعول) ، وكما في هذا المقطع الاستهلالي من (أنشودة المطر) :
    عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
    أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
    عيناك حين تبسمان تورق الكروم
    وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهر
    يرجه المجذاف وهناً ساعة السحر
    كأنما تنبض في غوريهما النجوم
    حيث بنيت أضربها على المراوحة والمزاوجة بين تشكيلتين غير معهودتين في الرجز القديم ، وذلك يعني أننا بإزاء (رجز سيابي) محض . وإذا كان هذا الذي فعله السياب عند بعض الدارسين التقليديين ضرباً من الفوضى الموسيقية فلعل تلك هي الجديرة بأن يطلق عليها وصف (الفوضى الخلاقة) التي صنع السياب من خلالها فتنة نصية مثيرة ، أغرت كثيراً من مجايليه ، من العرب (أدونيس وصلاح عبد الصبور ويوسف الخال) وكذلك من جاء بعدهم (أحمد عبد المعطي حجازي) و(أمل دنقل) ، وكذلك الشعراء العراقيين ، ومن أجيال متعددة بأن يهرعوا إلى استثمار هذا الفضاء الإيقاعي الخصيب الذي نبه السياب الآخرين إليه ، وبشر بطاقته الموسيقية.


    .
     
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبدالجبار العتابي
    بدر شاكر السياب في مجلة المأمون وقصيدة له لم تنشر من قبل!



    صدر العدد الجديد (الثالث) من مجلة (المأمون) الفصلية التي يرأس تحريرها كامل عويد العامري الذي تحدث عنها قائلا: منذ بداية العام الماضي، اخذت مجلة المأمون طابعا وشكلا جديدا، في البدء تشكلت لها سكرتارية تحرير مهنية، ومن ثم البدء بانجازها مجلة ثقافية رصينة.
    واضاف : تكاد تكون المجلة الاولى في وزارة الثقافة العراقية بهذه الرصانة وهذا الشكل...فقد جمعت بين ماكانت عليه مجلة (افاق عربية) التي كانت تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة وتوقفت عن الصدور بعد الاحتلال، ومجلة (المامون) السابقة، في تصديها للثقافات الأجنبية،فاصدرت اعدادا متميزة وملفات مهمة جدا... من بينها اصدار عدد متميز عن (الأستشراق)، واخر عن (السيمياء) وعدد عن (قضايا السرد).
    وتابع : عددها الثالث 2014 الذي صدر الآن فقد احتفى بالشاعر الكبير بدر شاكر السياب، باقلام كبار كتابنا وادبائنا..، الأحتفاء بالساب... جاء لمناسبة اختيار اتحاد الأدباء والكتاب العرب ان يكون عام 2014 عاما للسياب لمناسبة ذكرى وفاته الخمسين... ولذلك بادرة المجلة ان تخصص ملفا خاصة بمنجز السياب الشعري من خلال دراسات معمقة كتبها كبار كتابنا.
    وأوضح : العدد لم يكن كله مكرسا للسياب بالطبع، وانما اخترنا محطات معينة لم يتناولها اخرون، فمثلا كتب الناقد ياسين النصير عن الشعرية المكانية قراءة في قصيدة (في الليل) وكتب الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف قبل رحيله الأبدي دراستين عن علاقة السياب بالتراث الشعبي وعن عروضه، وهناك دراسة اخرى للدكتور جاسم محمد جاسم بعنوان (قراءة في البنى النصية للمتن السيابي) وكتب الناقد على حسن الفواز (قراءة ثقافية، والأثر الشعري ومعطى التحول عند السياب) وكتبت الدكتورة نادية هناوي عن (النزعة الدرامية في شعر السياب) وقدم الشاعر محمد صالح عبد الرضا قصيدة للسياب لم تنشر سابقا عنه انها (قميص الردى) وكتب الدكتور علي حداد (بعد نصف قرن على رحيله مالذي بقي من السياب كي نقرأه) اما القاص عباس لطيف فقد كتب (السياب واشكالية السيرة الذاتية)..، كما احتفت في هذا العدد بالشاعر عدنان الفضلي..في (الذهاب الى هاجس القصيدة) فضلا عن دراسات معمقة اخرى للدكتور طه الهاشمي والدكتور عدنان لازم شبيب والدكتور غازي شريف وجاسم عاصي وكامل العامري ونهضة طه.
    واستطرد العامري في حديثه عن المجلة قائلا : من جهة اخرى وبدءا من هذا العدد تحتفي المجلة بشاعر او مجموعة من الشعراء او بقاص او بعدد من القصاصين والروائيين الجدد ممن شكلوا ظاهرة تجسدت في الوسط الثقافي واثبتت حضورها او التبشير بظواهر ثقافية، علما ان المجلة يدير تحريرها كامل عويد العامري وسكرتارية تحريرها عبد اللطيف الموسوي ونهضة طه.
    واضاف العامري موضحا : صدرت المجلة عام 2005 لأول مرة...وكانت مجلة تعتمد الصورة والمتابعة الثقافية، من دون الخوض بما هو معرفي على نحو معمق...حتى شكلها كان بقياسات توحي الى انها مجلة تعتمد الصورة الملونة...وقد استمر صدورها على هذا النحو حتى العام 2013... حيث انيطت بي ادارة تحريرها..، وقد اخذت على عاتقي الأنتقال بالمجلة من شكلها السابق الى شكل جديد، مستفيدا من تجربتي في رئاسة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية التي كانت تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة.

    قصيدة لم تنشر للسياب

    قميص الردى

    يا طيّب السم في قلبي، وأعراقي..
    ولحمي
    يا جحيماً.. دار رأسي منك،
    يا رمضاء جسمي،
    يا هجيراً في دمي، يا موت،
    يمي في عروقي،
    الأفاعي كلّها التمّت لقمعي،
    والشباب،
    من دمي، أي احتراق من دجى في كل ناب
    يا قميص النار، يا ثوب الحريق،
    يا عدواً كالصديق،
    يا رفيق،
    أيها السهم الذي حاز المنايا،
    من دم العمر... تصيدت الضحايا،
    واغتدى منك الردى في كل زاد،
    فيم تمتص بشدقٍ من فم الأفعى
    فؤادي
    أيها السهم الذي أهدى (لبيموس)
    المنية
    عدت، في هذا القميص النار،
    كالذكرى إليه
    القميص القاني الدامي، دمار
    وانتحار
    القميص القاني المبتل نار،
    خطه (بيموس) فيما سال منه
    من دماء،
    ضم كل السم، كل النار، يا شر الرداء
    كلما حاولت أن أنزعه زاد
    التصاقاً
    كلما حاولت إطفاءً له زاد احتراقاً
    يا نسيجاً لقبور الهالكين
    يا خيوطاً من دموعٍ وأنين
    أنت نور الحلك
    أيها الثوب الذي ضم الأفاعي
    في خيوط منه، يا ثوب الخداع
    أنت إذ تأكل من لحم ذراعي
    وتبث الموت في قلبي..
    قميص من خداع
    يا حريقاً في اتساع
    يا نذيراً بالتداعي
    يا قميص
    سملت عيناي في كل رصيف
    صورة شوهاء، لا بل ألف صورة
    يا سراجاً محت الظلماء نوره
    طعنت بسمتك الصفراء
    والوجه المخيف
    جبهتي بالنار، أدمت أغنياتي
    يا فناء في حياتي
    يا قميص السماء
    لم تجد يوماً علينا بالمطر
    والمساء
    لم يفتح بابه نور القمر
    والحفر
    تبلع الموتى وأفواه الضحايا...


    .
     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صفاء ذياب
    بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيله: عام السياب يغلق أيامه… والعراقيون يعدونه الرائد الأكبر

    [​IMG]

    بغداد «القدس العربي» : في قرية صغيرة من قرى أبو الخصيب جنوب مدينة البصرة العراقية، كتب الشاعر بدر شاكر السياب قصائده الأولى التي جمعها في ما بعد في ديوانه «أزهار ذابلة»، لكن هذا الديوان لم يكن الانطلاقة الحقيقية له في عالم الريادة الشعرية، بل بقي يبحث وينقّب حتى تمكن من كسر العمود الشعري والخروج بقصيدة التفعيلة، ليتمكن من تهشيم الأصنام الشعرية والبوح بما يتناسب مع روح التغيير التي سمحت بها الحقبة الأربعينية من القرن الماضي، فشكَّل مع نازك الملائكة ثنائي المدينة والريف، فالسياب ابن الريف، ونازك ابنة المدينة، ليكونا معاً رائدين حقيقيين للقصيدة الجديدة التي انبثقت عنها؛ فيما بعد، قصائد أخرى لم تكن قصيدة النثر آخرها، ولن تتوقف عند ما يعرف الآن بـ»النص الجديد».
    غير أن هذه الحداثة، حسب ما يرى بعض النقاد، كانت عرجاء أو ناقصة، ليس لأن القصيدة لم تكتمل لدى روادها، بل لأنها كانت أدبية فقط، فما كان القراء يأملونه أن تكون حداثة شاملة، أدبية وفكرية ومجتمعية واقتصادية، لهذا بقيت هذه الحداثة ناقصة ولم تكتمل حتى هذا العام الذي كان بشكل أو آخر عام العودة إلى ثقافة الصحراء والهمجية التي جعلت العالم ينظر للعرب على أنهم ليسوا أمة، بل مجموعة من البشر الذين يعيشون على جزِّ رقاب الآخرين!
    عام 2014، كان عام السياب، فقد أعلنت الجامعة العربية واتحاد الأدباء العرب أن هذا العام سيخصص للسياب بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيله. لكن، ما الذي بقي من السياب؟ وهل ما زال رائداً للحداثة العربية حتى هذا اليوم، على الرغم من مرور خمسة عقود على رحيله، وسبعة عقود على نشره أول قصيدة كسر فيها قيدوم العمود الشعري؟

    تجربة صادقة

    يسرد الشاعر والقاص والروائي عبد الهادي سعدون سؤالاً طرح على أحد الروائيين الإسبان المعروفين «ماذا بقي من الدون كيشوت في الرواية المعاصرة؟» فأجاب وهل كُتب شيء آخر بعدها يتجاوزها. ويضيف سعدون: على الرغم من أن رأيي ليس بهذه الحدة والمباشرة، إنما يقترب منه بشكل أو بآخر، وهذه الحقيقة أكتشفها يومياً من خلال مراجعاتي للحركات الشعرية العربية التي مرت والتي تمر اليوم، ولا أجد شيئاً شبيهاً بعمق تجربة السياب ولا تنوعها ولا تجديديتها، ولا كذلك الهزة والنفضّة الكبرى التي أحدثتها. صحيح أن هناك أسماء فاقته شهرة وتواصلاً مع العالم، إلا أن التجربة الشعرية للسياب في فترة عمرية قصيرة أضافت ونوعت أكثر من تجارب شعرية عَمَرت طويلاً. ويظن سعدون أن تجربة السياب تفوق تجربة عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة ومجايلين آخرين، لأنها أقامت صرحها المتفرد لوحدها من خلال الوصول بالشعرية لأبهى حالة التجلي من دون نسيان المحلية الممكنة لتوظيفها في عمق البيت الشعري، وبالطبع من دون أن يغض النظر تماماً عن التجارب العالمية التي كان على اطلاع كبير ومهم عليها، ساهم بصقل التجربة والخروج بها من كل المستويات القديمة.
    «لعل تجربة السياب نجدها كبيرة ومهمة وما تزال مؤثرة بالشعرية العربية، لكونها تجربة صادقة عميقة وتنهل من مصادر ومشارب مختلفة، كما أنها ساهمت بأن يجد الشعر العربي حداثته وجديده ضمن حركات الشعر العالمي. ومن هذا المنطلق كل منْ جاء بعده أضاف، سواء بنجاح أو فشل للتجربة الرائدة، والإضافة تحسب ولكن لا تتفوق على الأصل الأساسي».

    حامل الأسئلة

    ويؤكد الشاعر والناقد علي حسن الفواز على أن ريادة السياب الشعرية أصبحت جزءاً من التاريخ، ولم تعد مجالاً يتسع لأسئلة الجدل الثقافي والنظر إلى مفاهيم وقيم الحداثة في مرحلتها الأكثر صخباً والأكثر انفتاحاً على حروب ثقافية وسياسية أكثر رعباً وتوحشاً… «لكن تبقى للسياب صورته الأبوية، ويبقى لمعطفه الأثر النفسي في الحديث عن دفء العائلة الشعرية.. صورة الأب السيابي هو صورة للبطل والضحية، ولخطورة مواجهة التحولات الكبرى العاصفة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فهو حامل أسئلة الشاعر والمناضل والحالم، وهذا ما جعله أكثر قلقاً وتوجساً في مواجهة لم يتحمل رعبها النفسي والثقافي والآيديولوجي، لذا غلبت على السياب فكرة الشاعر الضحية/ القربان أكثر من صورة الشاعر القوي الذي سرق بعض نار الآلهة، لكنه لم يكمل الطريق إلى صناعة غابة الأسلحة، تلك الغابة التي استولى عليها في ما بعد مغامرون ولصوص ومحاربون وقراصنة اخذوا بسفن الشعر إلى حديث الجنيات والمتاهة والمغامرة»…
    ويقول الفواز بأن ما تبقى من السياب لا يمكن قياسه بجردة حسابات، بل يعيدنا الحديث عن تموضعه دائماً إلى إعادة قراءة ملفات السؤال الحداثي، الذي لم تشبعه (النقدية العربية) قراءةً وفحصاً، لأن هذا السؤال القلق بات خارج اللعبة الشعرية، وقريباً من مجاورات الوعي الثقافي بكليته، وهنا ما يمنح إعادة قراءة السياب بعداً ثقافياً تاريخياً، وبعداً أخلاقياً، باتجاه خلق ما يمكن تسميته بـ»سوسيولوجيا التراكم» الذي تفتقده ثقافتنا العربية، التي تتوه اليوم في عالم غاطس بالأوهام والطفرات، التي تجعل فاعلية القراءة أكثر صعوبة في تقصي ما هو موجود في صناديقها وخرائطها، وفي تعقيدات أنساقها المضمرة.. نحتاج السياب لإعادة فحص تاريخ تحولات أحلامنا وأزيائنا الشعرية، ومعرفة ما حملته الإرهاصات الشعرية منذ أكثر من ستين عاماً بحثاً عن توصيف دقيق لهوية المغامرة التي كان السياب واحداً من صنّاع أبواقها.

    نكسة وعي

    ويعد الناقد والشاعر جمال جاسم أمين السياب الخطوة الأجرأ في ميدان التحديث وكل ما لحق من هزة كانت تنويعاً في الفضاء الذي افتتحه، بمعنى أنه ما زال حتى الآن حامل ورمز هذه الريادة من دون أن نقلل من انجازات من تبعه. فـ»على مستوى نضج الشعرية لا يمكن أن نهمل أدونيس؛ مثلاً، ولا أن نتغاضى عن الماغوط ولا أجيال الشعرية العراقية التي أضافت ما أضافت»، مضيفاً أن السياب صارية رحلة ظلت متواصلة ولها مثاباتها اللاحقة، مبيناً أن رأيه هذا فني وجمالي وحتى تاريخي، لكن «يبقى في ذهني سؤال ثقافي عن جدوى وأهمية تحديث الخطاب الشعري في ظل ثقافة متخلفة وتالفة، الصوت يصطدم بجدران صدئة، في العراق تحديداً نكسة وعي هائلة، ردة يصبح الحديث في ظلها عن أي حداثة مجالاً للتندر أحيانا أو إثارة سؤال الجدوى كما نثيره الآن»، ويتساءل أمين: في ظل شعبنة الثقافة، أين نضع السياب؟ وأين نضع الحداثة إزاء كل هذا الاستعوام؟ خاصة عندما يتم استدعاء الماضي بكل أشكاله، لا بد أن يتأزم سؤال الحداثة.. «أظن أن هذا المفصل مهم لإنارة الفكرة».

    مركزية شعرية

    ومن وجهة نظر الشاعر مهند يعقوب، فإن مجمل القراءات، وعلى مدى خمسين سنة تقريباً التي عكسها الفعل الثقافي العربي من نقد وتحليل، لم يكن لها بأي حال أن تتجاوز تجربة الشاعر المجدد بدر شاكر السيّاب ذات العمر القصير. سواء كانت هذه القراءات متصالحة مع تلك التجربة بوصفها فعلاً ريادياً ومؤثراً، أو كانت تنظر لها كـ»بروتوكول ثقافي».
    مبيناً أن السياب يبقى مركزية شعرية مغامرة، حتى لو كانت طرق الكتابة الآن لا تعتمد كلياً على التجارب الخمسينية في كتابة النص الشعري. والسبب يعود في ذلك إلى أن مستوى القراءة والاستهلاك يتباين. فمرّة يكون للاستيعاب والدرس والتصنيف، وأخرى للتجريب والتأثر، وتمثيل روح الحياة. وبالتالي عندما نتعقب تمثيلات الريادة والحداثة في تجربة الشاعر بدر شاكر السيّاب، وما الذي تبقى منها الآن. فإننا نستحضر هذا التباين في النظر إلى تلك التجربة، ودرجة التأثر بها لاحقاً. ولا نقصد بالطبع إهمال ذلك الفصل الريادي الشعري أو الحكم عليه بالموت. وإنما لكي نفهم مدى قابليته في التحريض على الكتابة لاحقاً، وكذلك لفهم مناسبات حضوره الزمني.
    ويستمر يعقوب في حديثه: لقد مرت الشعرية العربية خلال نصف قرن بمجموعة من التحولات كان أبرزها حقبة الخمسينيين المتمثلة بالرواد وما تلا هذه المرحلة. وجميعها كانت تعبر عن عافية شعرية وعن تصالح، عبر عنه الناقد الراحل عبد الواحد لؤلؤة «بالتجاور» انطلاقاً من معنى الشعرية، الذي هو طريقة قول وحساسية وذكاء داخل الشعر. في حين أن ظهور أشكال أخرى للكتابة الشعرية لا يعني بالضرورة التجاوز، بقدر ما يعني أن هذا التجريب اللاحق وجد مناسبات حضوره بالتفاعل الشامل والمتنوع والمغامرة. فنتج عن ذلك طريقة قول مختلفة.

    كواليس التحديث

    الناقد بشير حاجم يطرح سؤالاً مفاده: أنّى للشاب بدر شاكر، ذي «القرويّة» الباتّة، أن يكسر «عمود العرب»، منذ المهلهل حتى الجواهري، وليس له من عقود عمره- القصير لاحقاً- سوى عقدين اثنين فقط؟! هكذا أوجد الشاعر السياب ريادته الفنية لـ»الشعر الحر»، مقابل الريادة الزمنية لنازك الملائكة، بنصه «هل كان حباً؟». دخولاً من هذا النص، حيث ديوانه الأول «أزهار ذابلة» 1947، ثم وصولاً إلى نص «جيكور أمي»، حيث ديوانه الأخير «شناشيل ابنة الجلبي» 1964، قائلاً إن السياب مهَّد لإحدى أهمّ سمات «قصيدة النثر»: إيقاعيتها «المحسوسة»، لا العروضية «الملموسة»، أي «الداخلية» تخمينياً، غير «الخارجية» توصيفياً، متحققة للأدائية «الشعرية»، ليست بالأداتية «الوزنية»، حتماً. لكنّ نقدنا العراقي، الذي تماهى مجملُه مع سياقيّات «الشاعر الرائد» من دون نصيّاته، كان «غافلاً»، ليس «متغافلا»، عمّا أحْدثه هذا «التمهيد»! فأقصى ذهابٍ في صدده لـعبدالجبار البصري، وهو من أبرز المتخصصين بـ»الحداثة السيّابيّة»، قوله إنّ السياب لاسيَما في «جيكوريّاته» «خرج عن إيقاع مجمع البحور الذي نادت به الرومانسية»، لذلك قدّمت ضمْن «ملتقى السياب» الماضي، في: مدينة البصرة/ نيسان 2014، ما يردّ الاعتبار لـ»تمهيد» كهذا عبر دراستي «كواليس التحديث السيابي». ولقد خلَصْت في هذه الدراسة، بعد إثبات «تمهيده» بالاشتغال الإجرائي، إلى أن السياب «باقٍ» كلّه على الرغم من مرور خمسين عاماً على «رحيله» وأنه «ما زال رائد الشعر العربي الحديث».

    أسئلة وجودية

    وفي سياق الحديث عن الريادة في جنس من الأجناس الإبداعية، يؤكد الناقد حسن السلمان على أنه ينبغي أن نفهم بأن الريادة لا تعني على الإطلاق صياغة أنموذج تتوقف عنده مجمل الأنشطة الإبداعية ويتخذ بوصفه نسقاً لازماً، بقدر ما تعتبر الريادة محطة تحديثية تعد منطلقاً لتحديثات اطرادية، كون الإبداع في جوهره نشاطاً متجاوزاً لذاته ومتخطياً في الآن ذاته لكل الأنساق والأصول والنماذج. ويستطرد السلمان في حديثه: وما دمنا في سياق الذكرى الخمسين لرائد الحداثة في الشعرية العربية بدر شاكر السياب، فإن السياب يعتبر محطة ونقطة انطلاق مهدت الطريق للكثير من التجارب والمشاريع الشعرية العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص. فبرأينا الشخصي، أن قصيدة النثر العراقية والعربية ما كانت لتولد وتتسع وتترسخ وتصبح النموذج الشعري المتسيد للساحة الشعرية لولا ما قام به بدر شاكر السياب في الإطاحة جزئياً بالشكل التقليدي للقصيدة العربية، ونعني به الشكل العمودي عبر قصيدة الشعر الحر، إذ أبقى على الوزن وتخلى عن القافية شكلياً، إضافة إلى تخليه عن الغرضية على مستوى المضامين من خلال الانفتاح على إشكاليات وثيمات عابرة للإقليمية والذاتية والمحلية الصرفة، كالهموم والأسئلة الوجودية، واتخاذ مواقف شعرية منها، وأيضاً اشتباكه مع ما كان يدور من حراك سياسي محتدم بين القوى العالمية، إذ كان الصراع على أشده أيام السياب بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وبين اليمين واليسار بشكل عام. إذ لم تعد القصيدة على يد السياب مجرد مجال مجازي/ إبداعي لتصريف الهموم الذاتية الضيقة الأفق وتكريسها مناسباتياً بقدر ما أصبحت أفقاً يشمل مختلف القضايا والثيمات والمواضيع والمسائل. و»على يد السياب بدأنا نقرأ القصيدة الواعية المثقفة المكتنزة معارف وعلوم مختلفة المسميات بحكم انفتاح رائد الشعر العربي في الحداثة على ثقافة الآخر والاشتباك معها والإفادة منها، الأمر الذي جعل النص السيابي نصاً غنياً ثرياً عميقاً يليق بالريادة والتأسيس».

    السياب المخلّص

    لكن الشاعر قاسم زهير السنجري يشير إلى أنه بعد خمسين عاماً من وفاة الشاعر المجدد بدر شاكر السياب؛ أجهز التراب على جسده النحيل، فلا يعوي سربروس في الدروب ولا ينبش التراب عن تموز السياب الدفين، تموزه وتموزنا الطعين، السياب الذي غادر هذا العالم بجسده وبقيت روحه وقصائده الخالدة، السياب المنعطف الذي تحول فيه الشعر العربي إلى مناطق جديدة من التعبير والموضوعات التي ما كان لها أن ترى النور إلاّ بالشكل الذي أبدعه السياب، هذا الشكل الذي أطاح بشطري الشعر، وأزال ما تراكم من أحجار أمام مجرى نهره، السياب الذي فتح الباب مشرعاً أمام الجرأة والتجريب الشعري وتخليص القصيدة من رتابتها، فإذا ما كان المسيح مخلصاً للبشر فالسياب المخلّص بالنسبة للشعر العربي المعاصر.
    مضيفاً أن السياب كان وما زال الرائد الأول للشعر العربي، على الرغم من الهزّات والتحولات التي تعرض لها الشعر العربي، وأن هذه الهزّات والتحولات لم يكن مقدراً لها أن تجرّب مجابهتها لعمود الشعر، لولا أن انبرى السياب وتحمل خوض التجربة، في زمن شعري كان يتسم بالكلاسيكية، حيث في العراق الرصافي والجواهري يبحثان عن إمارة الشعر ووراثتها بعد موت أحمد شوقي في مصر، فالسياب كان شاعراً موهوباً يبحث عن الابتكار، ولم يكتفِ بأن يجدد في المعاني أو التراكيب اللغوية في البيت ذي الشطرين، كان يبحث عن أفق واسع للقصيدة لا تحدّه الحدود التقليدية للعروض الشعري.

    من صفاء ذياب


    .
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صالح الرزوق
    الأضداد في شعرية السياب

    [​IMG]

    وقف السياب نسيجا وحده في معترك الفن والحياة، حتى بالنسبة لرموز الحداثة لم يشترك معهم بالخصال نفسها، فقد افترق عن البياتي بنقطة جوهرية، أنه كان شاعر أفكار بينما اقترب البياتي من الأحزاب والأنظمة، وشغل عدة مناصب.
    وكذلك شأنه مع نازك الملائكة.. استمر السياب بموالاته لتحديث الإيقاعات والتراكيب وتبنى فكرة الشعر الإنقلابي والقصيدة التموزية التي تذكرنا بملحمية ت. س. إليوت مؤلف «الأرض اليباب». فقد آمن منذ نعومة أظفاره بمبدأ الأرض المحروقة. وحاول أن يلغي ثم يمهد، بمعنى أنه نظر بعين الشك لماضي فن الشعر ديوان العرب قبل أن يعيد النظر بجدواه وأدواته. بينما كانت زميلته مترددة وتشك بجدوى مبدأ الحداثة ذاته. وربما لهذا السبب اقترنت لديها قصيدتها الأولى بعنوان وبائي هو «الكوليرا»، كأن سادية المرض المعدي الفتاك يكشف عن رهاب التحديث الذي تبشر به.
    لقد أخفت نازك الملائكة خلف استراتيجية التجديد عاطفة تدين بالولاء لمعنى الحدود.. وهو ما عاد للظهور بأجلى صوره، حينما أعلنت عن ندمها ودعت لمحاسبة بداياتنا الشعرية في الحداثة..
    لم يكن السياب راديكاليا في حداثته، لو قارنته ببواكير خير الدين الأسدي في «أغاني القبة» – 1951 حيث الحروف تتفتح كالأزهار، وبطريقة متسلسلة تحمل معنى المنمنمات التي لا غنى عنها في الفن الإسلامي، لأنها تدل على اللاتناهي والتكرار في حكمة الخالق، أو بالمقارنة مع أورخان ميسر في «سريال» 1948، الذي لم يعول على المفردات ولكن الصور الشفافة والرمادية ذات الإيحاء الغامض، كما لو أنها مشاهدات في الحلم. لقد تخلى كلاهما عن القطاعات الواعية من الشعور، وقدما رؤية نفاذة لأفراد الجيل الضائع، الذين أدركوا المعنى الذاتي للقانون في وقت متأخر. أو كما قال أدونيس في معرض كلامه عن ميسر ما معناه: «إنهما شاعران ثوريان. قدما صورة جديدة ليس للإنسان ولكن للشعر واشتركا في الانقلاب، من فهم جديد للإنسان إلى فهم مضاد للكتابة. ولكن هذا لا يمنع أن السياب شاعر دراماتيكي وميلودرامي. وإذا توقف عند إعادة توزيع الموسيقا والنغمات بطريقة الرحابنة في توزيع ألحان سيد درويش وتطعيم حساسيته الشعبية بقليل من ذوق النخبة، فقد وضع الشعرية عند عقدة من الصور والتراكيب. وحرك الكوامن، واختار للمعاني مفردات من الطبيعة، بتعبير آخر حاول أن يختار للمعنى صوتا يدل عليه.
    والمثال المعروف هو قصيدته «أنشودة المطر»، فهي قصيدة تخصيب وخراب.. لقد جمعت الأضداد مصدر النماء والحياة مع سبب الموت والهدم. ورافق ذلك ايقاعات تنهمر بشكل شلال من الأصوات التي تنبه المستمع.
    وأعتقد أن هذه الظاهرة نادرة في الشعر والنثر على حد سواء، فالشعر الصوتي وشعر الصدى (الذي استفاد من تكنيك الإيكو) سرعان ما مات في مهده وحلت محلة القصيدة المرئية. ولا أستطيع أن أفكر بكاتب اهتم بمعاني الأصوات غير الروائي المعروف د. هـ. لورنس مؤلف «عشيق الليدي تشاترلي» ومجموعة «قصائد جديدة».
    ويمكن أن تجد في كتاباته وفرة من المفردات ذات الإيقاع الخلاب، الذي يدل على المعنى، مثل نقرات مفاتيح الآلة الكاتبة أو صوت هبوب الرياح بين أوراق الشجر، غير أنه كان تلازما طبيعيا، يدل على منطق الثورة الصناعية، حيث هدير ونقرات الآلة تنقل معنى الاغتراب وتبعية الإنسان لأدوات الإنتاج، أو أنه يدل على ثورة النفس وعودة الروح للطبيعة. ويمكن أن تفهم ذلك في ضوء تفكيره اليميني والمثنوي الذي أرى أنه تومائية جديدة، تفكك الواقع لنثر مذكر وشعرية مؤنثة. ولكن لم تكن لدى السياب مثل هذه الإرادة في بناء المتوازيات في لاشعوره. بالعكس كان يفتقد للثقة بالنفس، ويشعر بالتبرم والضجر من حالته السريرية ومن وضعه الوجودي كإنسان معتل ومريض وكرجل دميم الخلقة ولا تهواه النساء.
    وقد قاده ذلك لتأمل عملية البروز التدريجية لمفاهيم وهمية في حياة وضمير الإنسان الذي يشعر بأن شخصيته و»ذاته» غريبتان عن العالم الموضوعي، الذي يبدو لناظريه كشبكة من الألغاز وكقوة خفية معادية (بتعبير بوريس سوتشكوف). وأوضح مثال على ذلك صورة البغي التي ترمز لسعادة مزيفة وانفصال نفسي عن عالم الحقيقة، وربما هذا فارق شديد الأهمية بالمقارنة مع لورنس، فقد كان هو الآخر عليلا مصابا بمرض ذات الرئة. ولكن عشق النساء له، ومغامراته الجنسية، وعلاقته مع زوجة أستاذه ويكلي، ثم فراره معها إلى ألمانيا، حيث عاشا حياة ضنك وعوز، كانت مصدر إلهام لا ينضب، أوحى له بأعماله الخالدة مثل «قوس قزح» و»الثعلب» و»العذراء والغجري».
    كانت طاقاته كلها موجهة لتفسير العشقية.. أو المعنى الاجتماعي لليبيدو، لو اعتبرنا العلاقة بين المذكر والمؤنث نوعا من الترجمة الاجتماعية للغرائز.
    وعلى الأرجح هذا الوضع البشري (تدمير الأنا مقابل الاعتداء على الأنا الأعلى) هو المسؤول عن درامية وحكائية شعر السياب أمام الطبيعة التأملية لشعر لورنس.
    والخلاصة أن السياب منسجم مع شعريته، وحاول أن يلعب في حدود نقطة التوازن، فهو لم يرغب في أن يأخذ دور شيطان أدوات، بمعنى أنه لم يقترف مجزرة ضد الشعر العربي واحترم ضرورة الإيقاع كشرط لا بد منه لإطراب المستمع ولإثارة لواعجه.

    ***
    ولكن هذا التهذيب الفني في الأدوات لم يترافق مع تهذيب في الأفكار،
    فماكينة أفكار السياب بلا ضوابط، وأخشى أن أقول إنها اقتربت من الشتائم والسباب أحيانا، ويمكن توضيح ذلك لو نظرت في مدونته المعروفة «كنت شيوعيا». بالتقليب في صفحاتها، وهي سلسلة من المقالات في النقد الذاتي، تلاحظ الحقد الغريب الذي انصب على بواكير حياته السياسية. لقد تفرغ في كل فصول الكتاب لهجاء الحزب الشيوعي، ولم يتوقف عند اتهامه بالعنصرية والخيانة العظمى (فهو حزب مأجور ويتلقى التعليمات من إيران والاتحاد السوفييتي كما ورد على لسانه في أكثر من موضع)، بل وصل به الحنق لاتهام كوادر الحزب بالفجور. وشخّص الأزمة في التنظيم بأنها نتيجة للعقد النفسية والدافع الجنسي، ولم يبق إلا أن يقول: إن الفكرة الأممية هي غطاء للرغبات الجنسية وللمكبوت. وتذكرني هذه الحالة بمشكلة روجيه غارودي في الثمانينات الذي انقلب أيضا على حزبه لأسباب نفسية. وعلى الأرجح بسبب خيبات الأمل وإهانة الكاريزما، ووصول المؤسسة لنقطة افتراق مع الفرد ودوره في صناعة التاريخ.
    لا شك أن اليسار العربي عانى طويلا من الحيف. ولكن مثل هذه الاتهامات، التي تأتي من فوق الإيديولوجيا ونظام الأفكار، ذات منشأ أصولي، وتقف خلفها رغبة مازوشية غريبة ترى أن الخلاص يبدأ من عدم إشباع اللذة، وكأنه يدعو للحرمان ويدافع عنه. وأعتقد أن هذه هي مشكلة السياب… فهو لم يكن نجما محبوبا عند النساء، وكلما نظر في صفحة المرآة يشاهد الخلل التشريحي الذي لا وسيلة لتصحيحه، ناهيك عن تعليمات حزبه المفروضة على الذات الفنية، التي وسعت من إحساسه بعدم الأمان والثقة.
    وهكذا أرى أن ثورته ضد ماضيه السياسي لا تدين بشيء للإيديولوجيا، وكانت مجرد وسيلة للدفاع، مثلها مثل العصاب، نلجأ إليه كي لا نتورط في نوازع تدمير الذات وخيانة النفس ثم التفريط بتماسكها. والدليل على ذلك ما تنطوي عليه كل قصائده من إيمان بالجموع والثورات الشعبية. ومن تفاؤل بالمستقبل، هذا غير النهايات الإيجابية التي تتكسر فيها القيود أو يبزغ فيها الفجر.
    من منا يستطيع أن ينسى قصيدته عن هيروشيما وناغازاكي التي يدين فيها الإمبريالية ويسميها تقريبا بالحرف الواحد (إمبراطورية الشر)، وكأنه لا يزال عضوا نشيطا في الحركة الأممية.

    .
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد السلام الشبلي
    بدر شاكر السياب: متنبئ أوجاع العراق ورائد التجديد الشعري

    [​IMG]


    في ليلة الميلاد قبل خمسين عاما، حمل الشاعر العراقي بدر شاكر السياب أمتعة متاعبه، مغادرا عالمنا بعد رحلة قصيرة، بدأت مع ولادته في 1924 وانتهت بوفاته في المشفى الأميري في الكويت سنة 1964. أربعون عاما عاشها السياب متنقلا بين البصرة وبغداد والكويت ولندن وبيروت، لم تستطع أن تمحي من قلبه حب قريته «جيكور» التي ترعرع فيها، فكانت أمه وحبيبته وصديقته التي قال فيها «أفياء جيكور أهواها /كأنها انسرحت من قبرها البالي/من قبر أمي التي صارت أضالعها التعبى وعيناها /من أرض جيكور ترعاني و أرعاها».

    حياة طويلة بعمر قصير

    يلخص السياب تجربته الشعرية العريقة بقوله: «أشعر بأني عشت طويلاً، رافقت جلجامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، وعشت التاريخ العربي كله. ألا يكفي هذا؟»، فالسياب استطاع بخياله الشعري أن يطرق باب الأساطير القديمة، ويدخل فيها محييا التراث العراقي القيم على طريقته الشعرية، التي أفسحت المجال أمام قرائه للتعرف على العراق وطبيعة حياته في ذلك الوقت، من خلال شعره الذي لخص مآسي العراق، وتجاوز ذلك إلى التنبؤ بأوجاع أخرى، نرى أن العراق قد غرق فيها هذه الأيام، فهو الذي وصف بغداد بالمبغى والكابوس، وتحقق مع مطلع الألفية ما توقعه في العراق التي غرقت بالموت والقتل والبغاء السياسي والتطرف الديني، لتصل إلى قمة المأساة، ويصير في العراق جوع للأمن والسلام، ويتكرر الجوع طويلا ليكون ما قاله الشاعر «ما مر عام والعراق ليس فيه جوع».

    السياب المجدد

    لا يخرج السياب من إطار الجيل الذي حاول كسر طوق الشعر العربي القديم، والتخلص من كلاسيكية القافية، هروبا منها نحو فضاء واسع من التخيلات الممكنة في إطار الشعر الحر، غير المحكوم بضرورة الكلمة ووقع موسيقاها، فالسياب أحد أكثر المتأثرين بالشعر الإنكليزي، وربما يعود ذلك لدراسته اللغة الإنكليزية، إلا أن هذا التأثر خلق مجالا جديدا في الشعر العربي يعتبر السياب أحد أهم رواده، حيث سعى الشاعر دوما لأن يكون مجددا في الشعر، متحررا من نمطيته المعتادة، وهو بذلك يعد أحد الثائرين على اللغة الشعرية القديمة، حيث حاولوا رسم صورة جديدة للشعر العربي، تحاكي واقع العرب الجديد في ذلك الوقت، وتمد جسورا لإمكانية تحقيق انفتاح لغوي على أدب الغرب وأساليبه المتطورة، التي طالما حاول السياب اللحاق بها، إلا أن ذلك لم يمنع في أن تكون ألفاظ السياب جزلة، ذات صور أنيقة، وتحليلات عميقة، امتلأ بها شعره الذي زاده قوة، ما حمله من عواطف متأججة وخيال منطلق، ويتمثل ذلك في قصيدته «ستار»، حيث تظهر تلك التركيبة الإبداعية والانسياب اللغوي في قوله: «في ناظريك الحالمين رأيت أشباح الدموع /أنأى من النجم البعيد تمر في ضوء الشموع /واليأس مد على شفاهك وهي تهمس في اكتئاب/ظلاً- كما تلقي جبال نائيات من جليد/أطيافهن على غدير تحت أستار الضباب /لا تسألي ماذا تريد؟ فلست أملك ما أريد!».

    شريك الحزن والحرمان

    مليئة بالحزن، وافرة بالغربة والحرمان، هكذا كانت حياة السياب التي انعكست على الكثير من شعر، فشاكر فقد والدته وهو في السادسة من عمره، وعاش إلى جانب جدته التي أحبها، إلا أنها لم تكن أمه في طبيعة الحال.
    مضت الطفولة وشب السياب متأثرا بالتيار اليساري، ساعيا إلى التحرر من الاستعمار البريطاني، ما أوصله إلى الفصل من عمله في سلك التعليم، والزج في السجن قبل أن يخرج منه ويغادر بلاده إلى إيران ثم الكويت.
    عاد إلى بغداد في 1954، وعمل صحافيا، إضافة إلى وظيفته في مديرية الاستيراد والتصدير، إلا أن كل هذا لم يزيح حزن السياب عنه في غربته عن البلدة التي أحبها «جيكور» التي التصقت بمخيلته مبعدة صورة أي مكان آخر، ناسجة صراعا وجدانيا داخل الشاعر تمثل في الكثير من قصائده عن جيكور، التي تعددت قصائده فيها مثل: «جيكور والمدينة وأفياء جيكور والعودة لجيكور وجيكور أمي وجيكور شابت» التي يقول فيها: «آه جيكور، جيكور؟/ما للضحى كالأصيل /يسحب النور مثل الجناح الكليل /ما لأكواخك المقفرات الكئيبة/ يحبس الظل فيها نحيبه/ أين أين الصبايا يوسوسن بين النخيل/عن هوى كالتماع النجوم الغريبة؟/أين جيكور؟ /جيكور ديوان شعري/موعد بين ألواح نعشي وقبري».
    ترك السياب خلفه أثرا عظيما تمثل بالعديد من الأعمال والترجمات الشعرية والنثرية التي فاقت العشرين كتابا لعل أهمها «أزهار ذابلة حفار القبور أزاهير وأساطير منزل الأقنان – الالتزام واللاالتزام في الأدب العربي الحديث- ثلاثة قرون من الأدب».


    القدس العربي

    .
     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الياس خوري
    عام بدر شاكر السياب


    في 24 كانون الأول/ديسمبر 1964، مات بدر شاكر السيّاب عن سبعة وثلاثين عاماً. مات صاحب «أنشودة المطر»، التي شكلت مفترق التحوّل في الشعر العربي، حين نُشرت عام 1954، في مجلة «الآداب». وبدل أن يكون هذا العام الذي يغادرنا هو عام الذكرى الخمسين لغياب كبير الشعراء المحدثين العرب، تحوّل إلى عام الأسى الداعشي/الاستبدادي. وبدل أن نعيد قراءة العراق من خلال شعرائه الذين افتتحوا الحداثة، يقوم الاستبداد ونقيضه/ وجهه الآخر الداعشي بمحاولة وحشية لمحو الثقافة وتدمير المجتمعات.
    تعالوا نقرأ حياتنا من خلال مياه بويب، ذلك النهر الصغير الذي جعله السياب مرآة روحه، ونذهب إلى القصيدة التي رسمت بدايات التحوّل، كي نستعيد ذواتنا من هذه اللحظة الهمجية التي تحطّم مرايانا، وتحجّب عقولنا. تعالوا معي إلى جيكور وأبي الخصيب والبصرة وبغداد كما رسمها الشاعر النحيل الذي مات على فراش الألم، كأن جسده المعطوب كان العلامة الأولى لهذا العطب الذي سيصيبنا بعد موته بنصف قرن.
    لا أريد أن أقارن بين جسد الشاعر النحيل بالشعر الذي كان يسيل منه وعجز قدميه وحيرته أمام الموت، بهذا القحط اللغوي الذي بدأ مع الاستبداد العسكري، ثم انتشر كالطاعون في حياتنا، محوّلا بلاد الرافدين والشام إلى أرض خراب.
    نذهب إلى السياب ليس كحنين إلى الماضي، فالشعر ليس ماضيا، إنه حاضر يتجدد في عيوننا ويعيد رسم مشاعرنا.
    نذهب إلى السيّاب كي نعيد اكتشاف أنفسنا، ونمنع هذا الزمن المنقلب من أن يفترس وعينا ويبيد ذاكرتنا، فذاكرتنا الثقافية ليست ملك «فقهاء الظلام»، يعبثون بها، بل هي جزء من البحث عن المعاني، حيث يقف الانسان في مواجهة وحش التاريخ ويروّضه.
    ما يقوم به الشعر والأدب والفن هو ترويض الوحش عبر الصراع غير المتكافئ معه، قد تُهزم الثقافة بسبب عجزنا عن حمل أعبائها، لكن هزيمتها ليست سوى مؤقتة وظرفية، لأنها في النهاية، هي التي تحمي اللغة والشفافية الإنسانية والبعد الروحي للحياة من الاندثار.
    إنه عام السيّاب.
    يجب أن لا ينسينا الألم كيف صنع الشاعر لنا «أنشودة المطر»، وكيف حوّل غربتنا إلى نشيد في «غريب على الخليج»، وكيف صرخ مع أيوب، واحتمى بكلمات قصيدة «شناشيل ابنة الجلبي».
    كانت مهمة السيّاب وأقرانه من شعراء الحداثة بالغة الصعوبة، فهم يعيشون في ظلال شعر تعملق بالإبداع وطرب المعنى: الجواهري، سعيد عقل، الأخطل الصغير، بدوي الجبل… شعراء أعادوا صوغ الشعر كي يكون للشعر أميره مع أحمد شوقي، الذي لن يجد خليفة له رغم الصراع بين أمين نخلة والأخطل الصغير.
    وفجأة تفتحت براعم شعرية جديدة ومختلفة، وتحولت من نثار إلى متن شعري، وبدا الشعر الحديث أو شعر التفعيلة متلعثما بين حروف العطف البياتية ورومانسية نازك الملائكة إلى أن كتب السياب «أنشودة المطر»، فصنع للشعر ايقاعه الخارج من معطف عروض الخليل، محولا العروض إلى جزء من الإيقاع الداخلي، وكان ذلك تمهيدا ضروريا لتفتح الأشكال وصولاً إلى قصيدة النثر.
    الشاعر العراقي النحيل الذي تنقل بين الشيوعية والقومية والليبرالية، كان يبحث عن ذاته وسط ركام المعاني، جاء إلى بيروت فاتحا، يحيط به شعراء مجلة «شعر» منذهلين أمام سيل الشعر الذي ينهمر منه، يمشي كالتائه، يتعثر، يتهدى بأقرانه، ينتشي بشرب العرق الزحلاوي، ويبكي حبه الضائع.
    وعندما اكتشف الأسطورة كوعاء للصورة الشعرية، صنع أسطورته الخاصة وجعل من عيني محبوبته «غابتا نخيل»، ومزجهما بعيني عشتار، ثم حول الدموع إلى مطر من الفقدان وهو يتقمص صوت الطفل الذي يبكي أمه، التي صارت عيناها «شرفتان راح ينأى عنهما القمر».
    «غلام نحيل كأنه قصبة، رُكّب رأسه المستدير كأنه حبة الحنظل على عنق دقيقة تميل إلى الطول»، هكذا وصفه إحسان عباس، وهو يقدّم صورة تفصيلية عن شكل الشاعر. هذا الغلام النحيل سوف ينجح في تحويل الشعر الحديث إلى أناشيد، ويجعل المقامات الموسيقية للعروض تتداخل كي تبني موسيقى جديدة للروح.
    في هذه الموسيقى رسم السياب صورة «المسيح بعد الصلب»، وأخذنا إلى «المغرب العربي» وبنى أسطورتين شعريتين كبريين: الغريب والمطر، وهما أسطورتان تتكاملان لترسما وجه العراق المغطى بالأسى. وطن يبحث عن نفسه في غربة أبنائه وفي مواجهة القهر والجوع. «جلس الغريب يُسرّح البصر المحيّر في الخليجْ/ ويهدّ أعمدة الضياء بما تصعّد من نشيج/ أعلى من العبّاب يهدر رغوه ومن الضجيج/ صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى عراقْ/ كالموت يصعد كالسحابة كالدموع إلى العيون إلى العيون/ الريح تصرخ بي عراق/ والموج يعول بي عراق ليس سوى عراق/ البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما يكون/ والبحر دونك يا عراق».
    صرخة العراق هذه سوف تتصادى مع الحداء الذي يصنعه الشاعر للمطر. هنا يكتمل الإيقاع الجديد باكتمال المأساة، وهنا نعلم أنه «ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع»، وهنا يأتي المطر كي يغسل الحزن بدموع الطفل، وتستعيد الأرض توهجها في عيون الحبيبة – الأم.
    «في كل قطرة من المطر/ حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ / وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة/ وكل قطرة تراق من دم العبيدْ/ فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد/ أو حُلمةٌ توررّدت على فم الوليدْ/ في عالم الغد الفتي واهب الحياة/ مطر…/ مطر…/ مطر…/ سيُعشب العراق بالمطر».
    هل كان سيدور في بال السيّاب يوماً أن قصائده سوف تشكّل عزاء لأبناء جيلنا وأبنائهم، كي ينظروا إلى الحياة من خلال الحزن والأسى نظرة حب وأمل؟ هل كان هذا الشاعر، الذي مات على سرير الألم مستعيرا صورة أيوب، يتخيّل أننا نلتجئ اليوم إلى كلماته نقاوم بها الألم واليأس وغبار الأزمنة الحالكة، معلنين أننا نملك ما نستطيع به قهر العتمة، متطلعين وسط هذا الشجن المأسوي إلى أفق نخرج فيه إلى ضوء الكلمات، التي لن يستطيع الوحش السلفي مثلما لم يستطع الوحش الاستبدادي وأدها.
    اليوم وفي ذكرى موته، نعلن ان عام 2014 كان عام السياب.
    تحية إلى ذكرى هذا الشاعر العراقي الذي صنع لنا ذاكرة لا تمحى وحياة لا يقوى عليها الموت.
    تحية إلى بدر شاكر السياب في ذكراه الخمسين.



    القدس العربي
    December 29, 2014


    .
    .
     
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    نوال ناجي يوسف
    إغتراب السياب بين الأم الغائبة والمرأة المستحيلة



    سأحاول ألا أخلط بين السيرة الذاتية والتاريخ الشخصي للسياب وبين قامته الشعرية، التي ترسخت من خلال عبقريته الشعرية إذ أن شعره ترك بصمات واضحة في التجارب الشعرية الأخرى. وهنا نورد قول الناقد والأديب عبد الجبار البصري "ان جميع الشعراء الحداثيين خرجوا من معطف السياب".
    ان المتن السيابي يمتلك أكثر من ميزة تؤهله للتأثير المباشر في متون لاحقة وفي عمل الشعرية العربية ذاتها..
    - فهو رائد حداثة مبكرة واضحة المعالم..
    - ومنجز نص حديث يتوفر على المخالفة والابتداع..
    - وصاحب رؤى تجسدت بنائياً في تقنيات قصيدته..
    - ومثقف يصهر في نصّه قراءات لا يحدها اتجاه أو زمن أو جهة..
    - ومتانة متنه الشعري ولغته وصوره وإيقاعاته ليست آخر المزايا التي جذبت الشعراء إلى عالمه فوقعوا في دائرة سحره على حسب الدكتور حاتم الصكر
    فإذا ما تتبعنا المسار التطوري لتجربة بدر شاكر السياب الشعرية كما يصنفها الكاتب السوري عماد عبيد سنجدها تتشكل من اربع مراحل أساسية، سواء على مستوى الرؤية الشعرية أو البعد الفني الذي يجسد هذه الرؤية.
    مرحلة البدايات الرومانسية
    وبدا تأثره بجيل علي محمود طه من خلال تشكيل القصيد العمودي وتنويع القافية والتي تجلت في أشعار مغرقة في رومانسيتها وذاتيتها ومغلفة بضباب من الشجن العميق والتفجع.
    مرحلة الانتقال إلى الواقعية
    وهي المرحلة التي اتسم فيها شعره بتناول مواضيع تخص العام من القضايا وغلب عليها النفس الإنساني الشامل وتزحزح قليلا عن الذاتية المفرطة التي اتسمت بها أشعاره السابقة، مع تطور واضح في اللغة الشعرية والأسلوب خصوصا بعد التراكم الكمي لمعارفه في الأدب العالمي وخصوصا الأدب الإنكليزي متأثرا باليوت الى جانب الأدب العربي. وظهرت في هذه المرحلة البراعم الاولى لتجربة الشعر الحر، حيث يعتبر النقاد ان قصيدة "هل كان حبا" هي من أوائل هذا الشكل الجديد من الشعر. ولو ان هذه الأولوية في نظم الشعر الحر لطالما كانت موضع خلاف عند النقاد إلا أن السياب حسم الموقف بقوله:
    "ومهما يكن فان كوني أنا أو نازك أو باكثير أول من كتب الشعر الحر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم؛ وإنما الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه، ولن يشفع له أنه كان أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية؟. أن الشعر الحر أكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت وآخر، انه بناء فني جديد، واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وأدب الأبراج العاجية وجمود الكلاسيكية"
    وقد ظهر أيضاً النفس الملحمي في بعض قصائد هذه المرحلة ، كما في قصائد "الأسلحة والأطفال، حفار القبور" وكانت قصيدتا أنشودة المطر وغريب على الخليج بمثابة فتح جديد في القصيد العربي.
    المرحلة الرمزية أو الأسطورية
    استخدام بدر للرموز الإيحائية والأساطير في شعره كان قفزة أخرى في لغة وتقنيات القصيدة وكانت أيضاً إيذاناً بالانتقال إلى مرحلة جديدة أطلق عليها النقاد مرحلة الواقعية الجديدة التي يحاول بدر فيها أن يوجد تكاملا وانسجاما بين الواقعية والذاتية ويسمو بشعره إلى آفاق جديدة غير مطروقة سابقة، وبذا اثبت ريادته لهذا الشكل الجديد للشعر العربي. ومن القصائد التي تمثل هذه المرحلة "مدينة بلا مطر - النهر والموت - في المبغى- المسيح بعد الصلب - ارم ذات العماد".
    المرحلة الذاتية
    عندما أعيا المرض السياب وكشر الموت له عن أنيابه انكفأ على ذاته ثانية وصار يستقي من الأساطير الدينية ما قد يحمل اليه العزاء. وقد سميت هذه المرحلة من شعره، عند بعض النقاد، بالمرحلة الأيوبية، باعتبار ان السياب حاول ان يجد العزاء في التماهي بأيوب .ومن أشهر قصائد تلك المرحلة "المعبد الغريق ـ منزل الأقنان ـ شناشيل ابنة الجلبي".
    اغتراب السياب الأبدي
    ظلت المرأة هاجسا موحياً ومؤلماً في حياة السياب الشقية، فمنذ طفولته المبكرة عانى الحرمان من الحنان بفقدانه أول وأهم الروافد العاطفية في حياة الصبي، إذ توفيت والدته وهو في السادسة، وكان شديد التعلق بها، وانطبع. إحساس الحاجة الى الحنان في أغوار ذاته، وهي نفس شاعر بالفطرة، بالغة الحساسية. ومما زاد الطين بلة ان أناخ الفقر بكل عسفه على عائلته وعليه، والفقر شكل مع افتقاده لأي ملمح من ملامح الوسامة، شعور عميق بالتغرب عن عالم المرأة والحب.
    يقول السياب:
    " لقد تحدرت من عائلة تملك بستانين للنخيل يشتغل فيها فلاحون يتقاضون الثمن من الناتج."
    وفي قول آخر يتذكر بدر منزل الاقنان الذي كتب عنه الكثير من الشعر وأصدر قبيل وفاته ديوانا باسمه، ومنزل الاقنان هو دار عبيد العائلة في زمان غابر، وذلك يشير الى عز قديم ذهب أدراج الرياح، حيث بيعت أملاك العائلة تدريجياً نتيجة التمركز الإقطاعي في المنطقة. وآذ تتحالف كل الظروف على تحطيم ثقة السياب بنفسه... لم يبق لديه سلاحاً يشهره ضد إحساسه بالقهر سوى الشعر. أما الملجأ الذي كان يفر إليه اثر اخفاقاته المتتالية في الحب والحياة فهو قبر أمه والنخلة الفرعاء التي تظلله.
    وفي تحليل نفسي للباحث احسان عباس يقول:" وهذه صورة تجمع بين الحلم والحقيقة فتجمع بين طرفي العمر، النشأة والموت. ذلك لأنها ليست محض مجاز شعري، يستخدمه الشاعر كما تستخدم الصور في التوضيح والتبيان على نحو تمثيلي، وحسبنا دليلا على ما نزعمه أن نقرنها بفقرة من رسالة كتبها الشاعر إلى صديقه خالد الشواف وهو يقضي الإجازة الصيفية في البصرة عام 1944- يقول فيها: اكتب إليك رسالتي هذه بعد عودتي من سفرة - مضنية ولكنها جميلة - إلى الجانب الآخر من شط العرب؛ لو تراني وقد القاني الزورق على ارض رسوبية نبت عليها القصب والعشب المائي إذ أن ماء الجزر لا يوصل الزورق إلى الشاطئ - لقد خلعت نعلي وسرت في الطين، وانا اشق طريقي بين القصب، ثم وصولي إلى الشاطئ؟ إلى ارض لا اعرف منها غير أسماء بعض ساكنيها. وقفت وقدماي داميتان، ويداي مزينتان بالجراح على الشاطئ المقفر، أتلفت فلا أرى صدى، وأنصت فلا اسمع غير انين الريح، لقد نسج الخيال رواية عنوانها " موت الشاعر " ؟. ولو تحدثت لطال الحديث".
    هذه التجربة الصغيرة التي خرج منها الشاعر "دامي القدمين مزين اليدين بالجراح " ، على مسافة غير بعيدة عن النخلة الفرعاء والقبر الذي يقع على الجهة الأخرى من النهر لم توح له إلا بفكرة " الموت " ؛ وهي نفس الصورة التي استوحاها من قصص الهوى المخفق، كلاهما ؟اعني الحب وهذه الرحلة - سفرة قصيرة المدى، لكنها متشابهتان في نوع الألم والجراح، وما تنزه الأصابع عند تشبث الشوك والحصى بها، لأنهما متشابهتان في البعد عن النخلة الفرعاء والقبر الذي يقع على مقربة منها "قبر أمه" وحين تحيا هذه الصورة نفسها في نفس الشاعر رغم السنوات الطويلة وعوامل النسيان الكثيرة، فمعنى ذلك أن - رحلة الحب ورحلة العمر - كانتا تنكمشان دائما إلى نقطة البداية، فإذا هما دائما عودة إلى الطفولة، إلى تلك النخلة الفرعاء نفسها التي ظلت تؤويه إليها وهو يبحث عن درة بين المحار فلا يجدها، وكل ما تجاوز هذه النخلة وظلها الوارف فهو ليس حبا، إنما هو إخفاق، أو موت على نحو ما؛ ولهذا كان كل حب مخفقا منذ البداية لأنه يمثل تجربة نمو، وكان الشاعر يقاوم هذا النمو دائما، لأنه يعني الانفصام عن جذع النخلة، وحسبنا ان نورد قوله في قصيدة السوق القديم التي كتبها أواسط الخمسينيات من القرن الماضي يضمنها ما يشبه الفلتات النفسية ذات الدلالة العميقة - دون ان يهمنا كثيرا أية حبيبة يعني:
    أنا أيها النائي القريب
    لك أنت وحدك
    غير أنى لن أكون لك أنت
    أسمعها وأسمعهم ورائي يلعنون هذا الغرام
    أكاد أسمع أيها الحلم الحبيب
    لعنات أمي وهي تبكي أيها الرجل الغريب
    في طريق عودة السياب من لندن الى العراق عام ١٩٦٣، مر بباريس وقضى فيها أياما بصحبة بعض الأصدقاء ومنهم سيمون جارحي والصحفية البلجيكية الأصل لوك نوران، التي كان قد التقى بها في بيروت من قبل، وكانت مهتمة بترجمة بعض شعره الى الفرنسية. وقد ساعده سيمون جارحي في استشارة طبيب فرنسي مختص بالأعصاب، ولم يختلف تشخيص الطبيب الفرنسي عن تشخيص الأطباء الإنكليز في ندرة مرض بدر وعدم توصل العلم آنذاك لعلاج له. كان السياب يقضي كل وقته في الفندق لتدهور صحته، وكان محاطا على الدوام بزهور القرنفل ولما اكتشف ان لوك نوران من تترك الزهور له كل صباح، اهتز بعمق، واكبر موقفها هذا، وكتب قصيدة " ليلة في باريس " يصف شعوره اتجاه هذا العطف ويؤكد على وعدها بزيارة البصرة :
    عانقت كفك باليدين إلى اللقاء
    الى اللقاء
    وذهبت فانسحب الضياء
    لو صح وعدك يا صديقه
    لو صح وعدك
    آه لانبعثت وفيقه
    من قبرها
    لعاد عمري في السنين إلى الوراء
    يقول الناقد جبرا إبراهيم جبرا
    "كانت السنوات الثلاث الأخيرة من حياته فترة رهيبة عرف فيها صراع الحياة مع الموت. لقد زجّ بجسمه النحيل وعظامه الرقاق إلى حلبة هذا الصراع الذي جمع معاني الدنيا في سرير ضيق حيث راح الوهن وهو يتفجرعزيمة ورؤى وحبا، يقارع الجسم المتهافت المتداعي، وجه الموت يحملق به كل يوم فيصدّه الشاعر عنه بسيف من الكلمة... بالكلمة عاش بدر صراعه، كما يجب ان يعيش الشاعر، ولعل ذلك لبدر، كان الرمز الأخير والأمضّ، للصراع بين الحياة والموت الذي عاشه طوال عمره القصير على مستوى شخصه ومستوى دنياه معا".
    يقول عبد اللطيف أطيمش :
    "سألت بدرا كيف تستطيع ان تكتب كل هذا الشعر وسط ضوضاء المستشفى وكثرة الزائرين، فبادرني بقوله:" أني انتهز دائماً بعض سویعات الفجر، فأنا لا أنام جیداً بسبب أوجاع جسدي. انا اكتب عند الفجر، حین یكون السكون شاملاً مخیماً فوق ردهات المستشفى، في تلك اللحظات احاول إدخال كیاني وأحاسیسي في عالم آخر، فأحس بنفسي شفافاً، وان اوجاعي هدأت قلیلاً وابتعدت عن مسارب جسدي، تلك اللحظات هي لحظات أحساسي بالشعر، هي لحظات نسیاني لواقعي وآلامي والكتابة عن أحلامي".
    بدا تعلیل السیاب هذا وكأنه رد على تساؤلاتنا المحیرة حول قدرته على كتابة الشعر وهو في حالته البائسة هذه، مریضاً مشلول الحركة. فقد كنا نندهش أنا وعلي السبتي وأصدقاؤنا الآخرون، من روعة تلك القصائد التي یكتبها شاعر مشرف على الموت، كیف استطاع أن یسیطر على لغته وأفكاره وهو یكتب بید مرتعشة لا تقوى على الإمساك بالقلم، وعیناه متعبتان لا تدركان مواضع الأسطر على الورق.
    فارق بدر الحياة في المستشفى الأميري بالكويت يوم الخميس 24 كانون الأول 1964.
    في يوم استمر هطول المطر فيه بدون توقف كأني به يودع إنسانا تغنى به طويلا وأنشد أجمل وأروع قصائده فيه، نقل جثمان بدر الى البصرة بصحبة صديقه الوفي علي السبتي، ووصلت الجنازة العراق في اليوم الذي يحتفل العالم كله بميلاد السيد المسيح، الذي طالما تماهى بدر بسيرته. ووري الثرى في مقبرة الحسن البصري ولم يمش في جنازته الا نفر قليل، إلا أن المطر ظل ينهمر.

    .
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة