1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف بدر شاكر السّياب

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏13/6/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    اشكرك اخي خلدون على ادراجك الجميل لاحدى القصائد العصماء في الشعر العربي المعاصر.. انشودة المطر ملحمة شعرية من زمن الجدب الذي يؤرخ لفترة من زمن العراق.. وقد حملها الشاعر كل ما في نفسه من لواعج ومشاعر وستظل شاهدا على شموخ وخلود السياب وقوة وعظمة شاعريته
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عمر عناز
    غيلان بدر شاكر السياب : والدي أكل نفسه حين دخل المعترك السياسي في العراق.. ولا أدري إن بقي من بويب شيء بعد أن شاب وشابت جيكور.. وذاكرتي تحمل العديد من الأحداث المتعلقة بحياة أبي

    بينما ينهمر بويب ملونا بموجاته ضفتين من شعر يضيء صوتُ السياب قنديلا على شباك وفيقة مشاكسا بارتعاشته شناشيل بنت الجلبي.. السياب الذي مازالت أنشودته الماطرة تنهمر على صحائف قلوبنا لتخضر بنا الآمال وتورق الأمنيات يطل عبر مسافات ضوئية من الشعر حاضرا بيننا .. متهجدا بلغة تختزن سمرة أرض البصرة وبياض قلوب أبنائها، لغة عشقت البلح فمنحها معنى سكّريا، نعم إنه السياب متجليا في ابنه الذي طالما حدثنا عنه عبر قصائد وادعة المبنى دامعة المعنى... إنه غيلان بدر شاكر السياب .. أيقونة تحمل روح الشاعر الكبير ..ابنه الذي ينبض بالكثير منه كما نبض به أبوه ذات شعر، لم تكن مصادفة أن تلتقيه وكالة أنباء الشعر العربي لكنه دأب الذي يسعى جاهدا للاحتفاء برموز الشعر وكل ما يتعلق بهم من شؤون وشجون وابتسامات أورثوها دون الشعر الذي هو ماسة التفرد فكيف إن كان السياب هو الموضوع مصافحا جمهور الشعر بكف فلذة كبده غيلان عبر هذا الحوار...

    -غيلان .. ورد اسمك في قصيدتين من قصائد والدك الشاعر الكبير بدر شاكر السياب.. ترى ماذا يعني لك أن يذكرك شاعر بقامة السياب؟

    أنا أرى معنى أكبر في ذكر أبي لي في قصائده كأب أولا قبل أن يكون شاعرا وشاعرا فذا. تلك القصائد رسائل تجتاز الزمن وأسمع كلما قرأتها رنة صوت أبي وأحس بدفء عاطفته.

    -كنت صغيرا عندما توفي السياب – رحمه الله – ولاشك انك عندما كبرت سعيت للتعرف على شخصية الوالد من خلال والدتكم أو الأقارب والأصدقاء.. لنبدأ بما تذكره أنت وما روته لكم أمكم عن السياب .. ؟

    ما أذكره أضن به جدا وأراه كنزا يخاف عليه صاحبه من العيون الغريبة لا سيما أن حياة أبي وسيرته قد أشبعت بحثا وتحليلا بحق وباطل نالا حتى النوايا أو افترضا نوايا إن تعذر وجود أدلة على حدث ما ولذلك أحب أن أحتفظ بكنزي هذا لنفسي ولأسرتي ولا أجعله مشاعا ؛ فمعذرة لعدم الاقتراب من تلك التفاصيل.

    -في لقاء مع صديق والدكم الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد قال " إن السياب اكل نفسه وأكلته عبقريته " ماتفسيرك لهذا الكلام؟

    هذا وصف جميل ودقيق كما أرى وحسب فهمي أنا له. نعم والدي يرحمه الله أكل نفسه حين دخل المعترك السياسي في العراق وأكلته موهبته التي أحرقت عمره كشمعة أوقدت من طرفيها.

    -يحكى أن السياب كان عاشقا كبيرا حتى لنجد في قصائده أسماء لكثيرات.. ويرى بعض من زملاء السياب أنه لم يكن يملك علاقات عاطفية وأن كل ذاك الغزل ما كانا إلا افتراضا من خياله وحسب .. ماقولكم؟

    ما أعلمه أن الأسماء التي وردت في القصائد كانت لأربع وليست لكثيرات كما ذكرت رغم أني أعتقد بأن كل شاعر لابد أن يكون عاشقا كبيرا بغض النظر عن كون تلك العواطف قد أثمرت علاقات عاطفية أم لم تثمر. حسب الشاعر أن يورق في صدره برعم حب ولا يهم برأيي أن يكون لهذا البرعم ما يماثله لدى المحبوب’. براعم الحب التي تفتحت في صدر السياب هي التي منحتنا رحل النهار وليلة في باريس وسواهما من قصائد حب غاية في العذوبة. أما كون كل ذلك الغزل افتراضا فهذا رأي لا أتفق معه لأن الشعرالعذب الذي أثمرته تلك العواطف لا يعقل أن يكون نتاج خيالات وتهويمات لأن العواطف غير الحقيقية تفضح نفسها بنفسها في الشعر كما هي في الحياة. وأخيرا أعذب الشعر أصدقه لا أكذبه كما أرى أنا.

    -عاصر السياب الكثير من التيارات الفكرية والحزبية التي عشاها العراق .. لأي حزب أو تيار كان ينتمي حسبما تعلمون؟

    أبي انضم للحزب الشيوعي في العراق خلال دراسته الجامعية كما هو معلوم ثم انقلب عليه وعاداه وتحول عاطفيا وفكريا للتيار القومي العربي لكنه لم ينضو لأي تنظيم حزبي والحقيقة أن تجربته السيئة مع الحزب الشيوعي أدت به لتجنب الدخول في أية تنظيمات سياسية أخرى.


    -السياب كان شخصية انفعالية متوترا إلى حد بعيد كما يروي أصدقاؤه .. إلى أي مدى انعكس ذلك على علاقته بزوجته وأبنائه حسبما عرفتم؟

    كون شخصية السياب انفعالية حقيقة لا يجادل فيها من عرفه عن قرب وللتوضيح وحسب ما أذكره أنا وما روي لي ممن عايشوا والدي عن قرب فقد كان شديد التأثر والحساسية وهذا هو المعنى الأقرب لتوصيف شخصيته. كان إذا أحب لا يحب بنصف قلب وإذا استاء لم يستأ بنصف قلب كذلك. أما تأثير ذلك على علاقته بأسرته فلا أذكر أو أعلم أنه كان لهذه الطبيعة تأثير سلبي على علاقته معنا بل كان محبا جدا وعطوفا جدا وصبورا جدا ولكن كانت هناك أمور وحدود لا يتسامح مع من يتجاوزها معه وأذكر أني في طفولتي ذات مرة كنت أعبث بكتبه وأوراقه ولم أستجب لتحذيراته بالتوقف عن ذلك فكان غضبه عارما إلا أنه لم يلمسني بسوء ولم يلبث أن صالحني وأرضاني بعد دقائق من ثورة غضبه تلك.


    - أنت الشقيق لأختين هما غيداء وآلاء .. وكما أعتقد أن تسلسلك الثاني بينهما... هل كان السياب أقرب .. لابنتيه أم وحيده غيلان ؟

    ظني الشخصي بأني كنت الأقرب إليه من أختي غيداء أما بالنسبة لشقيقتنا الأصغر آلاء فهي لم تنعم بصحبة الوالد طويلا لأنها ولدت في مرحلة مرضه وأسفاره العديدة للعلاج وكان عمرها بحدود الثلاث سنين حين توفي يرحمه الله.

    -ما أخبار غيداء وآلاء وأين هما الآن ؟

    هما في العراق مع أسرتيهما. أختي غيداء تعمل مهندسة في شركة النفط العراقية والصغرى آلاء كانت تعمل محاسبة مالية لكنها تركت العمل لتتفرغ لأبنائها.

    -وماذا نسمع منك عن " إقبال " السياب ،، كيف كانت علاقتها بوالدكم وما الذي كانت تشجعه عليه أو تلومه ربما؟

    والدتي , هذه المرأة العظيمة وذات الفضل الكبير بعد الله علي وعلى أختي تقيم في العراق كذلك. وبالنسبة لعلاقتها بالوالد يرحمه الله فقد كانت طيبة كما أذكر فلا تحمل ذاكرتي أي كدر شاب تلك العلاقة ولعلك تذكر وصف الوالد لها في شعره بالزوجة الغالية والصابرة. أما من ناحية التشجيع أو اللوم فلا علم لي بشيء من ذلك.

    -ما مدى اهتمام غيلان السياب بالأدب والشعر .. وما أقرب قصائد والدكم إليكم ؟

    أنا محب للشعر عامة وبالتأكيد لشعر والدي خاصة ويأتي أمل دنقل يرحمه الله على رأس الشعراء الذين أهوى شعرهم. من أقرب قصائد والدي إلي "الوصية" , " أنشودة المطر" بالطبع, و "رحل النهار" و ربما معظم قصائد مرحلة مرضه خصوصا "سفر أيوب" و "من ليالي السهاد".

    - ألم تظهر الجينات الوراثية- الشعرية - للسياب في أحد أحفاده أو حفيداته ؟

    للأسف لم تظهر "الجينات الشعرية" – رغم أني لا أعتقد بأن الموهبة تورث- لدى أحد لكن إبنتي الصغرى "لينة" ذات التسع سنوات لديها ميول موسيقية وإبنة أختي آلاء, "ديمة" لديها موهبة في الرسم.

    - وماذا عرفت من أقارب السياب وأصدقائه عنه .. كيف كان حضوره وتفاعله معهم؟

    بالنسبة للأقارب كان أبي محباً و وصولاً وباراً بكبار السن منهم وأخص بالذكر عماته يرحمهم الله جميعاً بل إن إحدى عمات أبي كانت جزءاً من أسرة الوالد مقيمة معنا أماً ثانية لي ولأختي. ولعل من الظريف أن أذكر لك بأن أبي كان يروي لي ولأختي غيداء قصصاً خيالية أبطالها هم بعض أولئك الأقارب. وربما كانت بساطته مع أقاربه هي ما يميز تلك العلاقة. من ناحية الأصدقاء, فأنا لم ألتق مباشرة بغالبيتهم بعد وفاة الوالد عدا الشاعرالكويتي الأستاذ علي السبتي والسيدة الشاعرة لميعة عباس عمارة وأستطيع أن أقول بأنه كان من الناس الذين لا تملك حين تعرفهم إلا أن تهواهم وتقدرهم.

    -بعد أن لون ضفتيه بقصائد خالدة.. هل مازال بويب يتذكر ملامح السياب؟

    لا أدري إن بقي من بويب شيء بعد أن شاب بويب وشابت جيكور وشاب العراق كله ولكني أظن بأنه إن كان بويب قد بقي وكانت لبويب ذاكرة فإنه بالتأكيد سيذكر شاعراً جعل من نهر صغير معلماً أدبياً خالداً في الشعر وإن لم يكتب له الخلود في الطبيعة.

    - للسياب تمثال خالد في البصرة .. ماذا يعني لك أن يكون لأبيك تمثال في مدينة عريقة هي البصرة؟

    مهما كانت ماهية المعلَم الذي يقام لتكريم أديب أو عالم في بلده أو مدينته فهو أمر جميل وضروري لتعريف من لا يعرف وتذكير من قد ينسى بأن مدينة ما قد أنجبت فلاناً وفلاناً وقدمت هذا الإسهام أو ذاك في تاريخها. والبصرة "ولود" على طول تاريخها في الدين واللغة والأدب ومن الطبيعي أن يسعدني بأن هذه المدينة تفخر بأبي وتتذكره.

    -كان لوكالتنا زيارة إلى بيتكم القديم في البصرة .. وقد رأينا -والصور منشورة على وكالتنا – إهمالا كبيرا لهذا البيت التاريخي الذي ترعرع فيه الشاعر الكبير السياب .. ألم تسع أنت أو أحد أفراد عائلتكم إلى إعادة إعمار هذا البيت .. ألم تفاتحوا الجهات المعنية بحفظ التراث في العراق للعناية بهذا المعلم؟

    البيت القديم الذي ذكرته هو دار جد والدي "مرزوق السياب" ولعلك تذكر قصيدة "دار جدي" التي ذكرت هذا المنزل وهو مكان ولادة الوالد وسكنه مطلع حياته حتى مرحلة دراسته الجامعية التي كانت في بغداد. والدار لم يعد ملكاً لنا منذ مطلع السبعينات إذ ابتاعته وزارة الإعلام حينذاك لترميمه وإقامة متحف للوالد فيه إلا أن هذا المشروع لم ير النور لسبب أو آخر وبقي المنزل طللاً مهجوراً كما هو حتى مطلع الحرب مع إيران حين أصبح مأوى للعائلات التي هجرتها الحرب من أماكنها الأقرب للحدود مع إيران ومنذ ذلك الحين أصبح مشاعاً لكل من شاء مع الأسف حتى أني وجدت في زيارة لي لجيكور عام 2001 بأن البوابة الخشبية الضخمة للباب قد إقتلعت من مكانها واختفت.

    وبالتأكيد ليس هناك الآن من يهتم بإعادة إعمار هذا الطلل بعد أن أصبح كل الوطن طللاً لا يهتم بعمارته أحد.

    -ما السؤال أو الموضوع الذي عاش معك طويلا وودت لو أنك تقوله أو تفهمه من السياب ؟

    هذا سؤال صعب! لا أظن حقيقة إن هناك موضوع واحد ينطبق عليه سؤالك.

    - ألم ينل احد أبنائكم او أختيكم أو عائلتكم شرف حمل اسم " بدر " تخليدا لذكراه الاجتماعية بين أسرته الكبيرة؟

    ابني الكبير أسميته "بدر" وهو الآن في السابعة عشر.

    - ليتك تذكر لنا ثمة مواقف نادرة عشتها أو سمعتها عن أبيك ؟

    ذاكرتي تحمل العديد من الأحداث المتعلقة بحياة أبي الأسرية وعلاقته معنا لكني لا أراها "نادرة" بل هي أحداث حياتية طبيعية. ورغم أني أسأل دوماً عن ذكرياتي عن الوالد إلا أني أفضل الاحتفاظ بهذه الذكريات لنفسي ولأسرتي ولعلها الشيء الوحيد المتبقي من حياة أبي الذي لم يصبح مشاعأ وأحب أن أبقيه كذلك. لا أدري, ربما تتغير هذه القناعة لدي في يوم ما أو ربما ترسخ أكثر.

    -شقيقا السياب عبد الله ومصطفى .. أيهما كان أقرب لوالدك وماذا أخبراك عنه بعد أن كبرت وكيف قرأت العلاقة بينهم وبين شاعر شاب متمرد كان أوسع من أن يحتويه ريف بسيط؟

    أنا أظن بأن علاقة أبي بأخيه الأصغر عبد الله كانت أقرب من علاقته بأخيه الأصغر مصطفى. وبالتأكيد كانت طبيعة والدي الأدبية مختلفة عن طبيعة أخويه العلمية ولعل ذلك انعكس أيضاً على علاقتهم . والحقيقة لا أملك الكثير مما أستطيع أن أفيدك به بهذا الشأن.

    -كان للسياب صداقات أدبية عديدة مع شخصيات لها الآن حضورها على الساحة الثقافية، هل التقيت بأحد هذه الأسماء .. وكيف كان استقبالهم لك؟

    كما ذكرت في إجابتي على سؤال سابق, أنا لم ألتق بغالبية أصدقاء أبي بعد وفاته ولا تنسى بأن أغلب أصدقائه كانوا من بلدان عربية أخرى غير العراق لذا لم يكن اللقاء بهم ميسراً وأيضاً لأني شخصياً أقمت أكثر من خمسة وعشرين عاماً في قارة أخرى تبعد آلاف الأميال عن العالم العربي وكنت معزولاً عنه بدرجة أو بأخرى فلم تتح لي فرصة اللقاء بأولئك الأصدقاء ولكني سعدت بتواصل هاتفي وبريدي مع الراحل الشاعر بلند الحيدري وسعدت بلقاء السيدة الشاعرة لميعة عباس عمارة في الولايات المتحدة وكان لقائي أو تواصلي بكليهما رائعاً وجميلاً.


    * غيلان
    [​IMG]
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد الحجيري
    بدر شاكر السيّاب و«عقدة النساء»

    من يقرأ دواوين الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926- 1964)، لا يستطيع أن يخفي مشاعر الإعجاب بهذا «الشاعر الملهم»، كما لا يستطيع إغفال التجربة العميقة التي يتضمنها شعره. ولكن القارئ (أو المتابع) نفسه يشعر بالحيرة حين يقارن بين سيرة الشاعر الخاصة وقامته الشعرية، كأن كل ما كتبه كان تعويضاً عن نقص في حياته، خصوصاً لناحية المرأة والحب، حتى في مواقفه السياسية فقد كان ضائعاً بين الإنتساب الى مجلة «الآداب» والإلتحاق بمجلة «شعر» بين الولاء للشيوعية وتهمة التعامل مع الاستخبارات الأميركية، يعلق الشاعر السوري محمد الماغوط على تهمة السياب في المخابرات الاميركية ساخراً: «لا استطيع تخيل السياب يجلس على كرسي في مقهى بنظارات سود ويراقب المارة». على أن قراءة متأنية لشعر السياب تبيّن احساسه بـ«الحرمان الجنسي» «و«المرأة»، لعل المقال الذي كتبه الشاعر العراقي فاضل العزاوي (صديق السياب) عنه يشكل مدخلا إلى شخصيته.

    مدينة غير عابئة بوجوده الشخصي
    كتب العزاوي عن ضياع السياب الشخصي داخل مدينة «تعيش غير عابئة بوجوده». هو الآتي من جيكور (القرية) إلى بغداد (المدينة)، كان «يقاوم نظرات نساء بغداد اللواتي لم يكن ليأبهن به كان يدرك تماما أن حوريات البحر في غنائهن العميق لا ينشدن له إطلاقا» (فاضل العزاوي).
    لكن ماذا كان يستطيع ان يفعل رجل مريض في قالب جص شبه محنط باعتراف مرافقه محمد الماغوط أمام رغباته الجامحة. فعندما تخرج السياب في المدرسة الإعدادية في البصرة/ الفرع العلمي عام 1942، كان لا يعرف سوى هذه المدينة التي ليست إلا قرية كبيرة، أما بغداد فتلك عالم آخر وقضيّة أخرى. لقد حلم السيّاب مرّة أنه رأى دجلة في المنام، وكتب رسالة إلى صديقه خالد الشواف في 26/3/1943 يتساءل فيها عما إذا كان «دجلة» كما رآه في المنام. وحين كتب إليه الشواف يطلب منه أن يأتي إلى بغداد أجابه بدر بأن «الصبايا العذارى الريفيات يتشبثن ببقائه». ولم يكن هذا هو السبب الحقيقي، فالصبايا الريفيات كنّ أكثر بعدًا عنه من بغداد، إلا أنه أراد أن يتعلل بـ«الوهم»، وأن يستر عجزه عن الذهاب بخدعة رومانسية. وحين جاء السياب إلى بغداد حمل معه حكاياته عن المرأة، إلا أن عالم المرأة في بغداد عالم جديد، والمرأة موجودة مع السياب على مقاعد الدراسة. لقد كان التعليم مختلطًا منذ سنة أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، ولكن وجود الفتيات على مقاعد الدراسة مع الشباب لم يكن يعني أن المجتمع تجاوز رواسبه وتقاليده وأعرافه. والحال أن الفتى الريفي - العراقي الحالم بات في بغداد على تماسّ مع امرأة من نوع آخر، تتكلم وتبتسم وتقرأ الشعر وتحب الغزل، ولكن. وإذا كانت صلة السياب بالمرأة الريفية صلة الرعي والحياة البدائية، فإن مدخله إلى المرأة المدنية كان الشعر. وأصبح ديوانه ينتقل إلى مخادع العذارى وينام تحت مخداتهن. لكن المرأة في المدينة ظلّت بعيدة عنه، ذلك إن البنات البرجوازيات و«المدينيات» اللواتي كن يحببن أن يتشبّث بهن شعراً وغزلاً وكلاماً معسولاً كنّ يردن أن يكون ذلك مجرد تسلية. كان بدر يبحث عن «حلم ضائع»، حلم بديل عن أمرأة مثالية هي أمه، لذلك ليس غريبًا أن يصرح بعد سنوات طويلة من المعاناة:
    وما من عادتي نكران ماضيّ الذي كانا
    ولكن... كل من أحببت قبلك ما أحبّوني
    ولا عطفوا عليّ
    ويكتب العام 1944 «الى مستعيرات ديوان شعره»: «ديوانُ شعرٍ ملؤه غَزَلُ/ بين العذارى باتَ ينتقلُ/ أنفاسيَ الحرّى تهيمُ على/صفحاتهِ، والحُبُّ والأملُ/ وستلتقي أنفاسُهنَّ بها/ وترفُّ في جنباته القُبَلُ».
    هناك دلائل كثيرة تشير إلى أن السياب وبرغم شعره الغزلي الغنائي الإيقاعي والنديّ والعابق بالصور والمعاني لكنه كان يعيش «عقدة النساء» و«الحرمان الجنسي» و«الحب» تماما كما العديد من الشعراء والشاعرات في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ويعرض السياب في شعره قضية قد أثارها وعمق مأساتها وكأنما اراد أن يجعلها قضية تسويقية ليستجلب عطف كلّ من حوله وشفقتهم ومن بينهم النقاد وهي موت أمه. وحين كان يسأل عنها كانـوا يقولـون لـه «ستعود بعد غد»، والمرأة المثالية بالنسبة إليه هي الأم، وأمه بالذات، فلم تتسع حياة بدر وأمه لأن يكبر وتكبر، فلم تبق منها غير صورة الأمومة الرمزية تحيط بها هالة مقدسة تقابلها عند الشاعر صور الحبيبات والعشيقات الحقيقيات والوهميات. واللافت أن الحرمان كان أبدياً في حياة السياب، كان أشبه بالميتافيزيقي حيث نسمعه يقول: «فقدت أمي وما زلت طفلاً صغيراً فنشـأت محروماً من عطف المرأة وحنانها، وكانت حياتي وما تزال كلها بحثاً عمن تسد هذا الفراغ، وكان عمري انتظاراً للمرأة المنشودة، وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنية». ليس هناك مجال هنا للدخول في بحث مطول حول علاقة السياب بأمه، فقد نود أن نلمح إلى أن هذه العلاقة كان جزءا من محنته الكبيرة وهي علاقته بنفسه وعلاقته بالمرأة عموماً، وكان شعره انعكاسا لشخصيته وألمه ويأسه، فهو النحيل الهزيل في جسمه بينما شعره يتجلى كالمارد لدى القراء وعشاق الأدب، لكن بين سطور أبياته الشعرية نلمح شبح الألم والعذاب والنحيب واللوعة. والراجح ان هزالة جسم السياب انعكست على بعض مواقفه، فلما كتب نصوص كتب «كنت شيوعياً» (صدرت في كتاب عن دار الجمل) ونشرها في احدى الصحف العراقية، لم يتردد في التطرق الى العلاقات الشيوعية والنساء ووصفها بطريقة سخيفة تبرز عقدته النفسية من كل شخص له علاقة حب مع امرأة، كأن الشاعر في الحب يجعله يلقي الاتهامات على الآخرين جزافًا، لم ينتبه السياب أنّه كان يقول:
    يا ليتني أصبحتُ ديواني
    لأفرّ من حضنٍ الى ثاني
    قد بتُّ من حسدٍ أقول له ياليتَ من تهواك تهواني
    يقول «خصوم» السياب ان ماهية هذا البيت معروفة، اذ كان ديوان السياب يتنقل من فتاة الى فتاة في معهد المعلمين حيث كان صاحب «أنشودة المطر» طالباً، وهو لم يستطع البوح لاحدهنّ بأنه هو السياب بشخصه الجالس أمامها، حين أعطت رأيها أعجاباً بالديوان، لأنه كان ضعيفاً وعديم الثقة بنفسه امام النساء. ويرى الناقد إحسان عباس إن السياب «انفق حياته القصيرة منذ أن أدرك الحلم الى أن مات، وهو يبحث عن القلب الذي يخفق بحبه، دون أن يجده. كان في قرارة نفسه واعياً بأن الحب في كل مرة كان من جانب واحد». وقد كان جذر هذا الحضور المأزوم للمرأة هو انطلاقته الأولى يتيم الأم منذ الرابعة من عمره وزواج أبيه المبكر، اذ يقول: أبي منه قد جردتني النساء/
    وأمي طواها الردى المعجل.
    ومن ثم كانت الصدمة المكررة بوفاة جدته أيضا التي ربّته بعد أمه وهو في عمر الثامنة عشرة تقريباً. فخرج السياب إلى ميدان الحياة والشعر وهو يحمل علامة نفسية فارقة ألا وهي احتياجه للمرأة كتعويض وكقصيدة وهي التي «تأتي ولا تأتي» لأن هناك دائما حاجزاً او فاصلاً ما عمرياً وجمالياً وعجزياً بسبب المرض الكامن في الجسد أو وهمياً بانتظار «المرأة الحلم» ولكن كل هذه النساء، نساء الوهم والخيال كان لهن حاضنة نفسية في ذات الشاعر يستدعيها الشعر. ففي قصيدته «شناشيل ابنة الجلبي» يحاول السياب أن يجعل من ابنة الجلبي تلك فتاة حقيقية، فنراه يتغزل بها ويذكرها في شعره، تماماً كما لو كانت تنتمي الى عالم الواقع:
    وأبرقتِ السماءُ.. . فَلاَح حيث تعرّجَ النهرُ،
    وطاف معلَّقاً من دون اسٍّ يلثم الماءَ
    شناشيل ابنة ألجلبي نوّر حوله الزَّهْرُ
    (عقود ندىً من اللبْلاب تسطع منه بيضاء)
    وآسية الجميلة كمّل الأحداق منها الوجدُ والسَّهَرُ
    «ابنة الجلبي» كما يحلو للسياب أن يسميها، ليست امرأة حقيقية، ولا تنتمي إلى عالم السياب الواقعي بل هي من صنع خياله ومن بنات أفكاره، إذ انه كان يرقب من بعيد تلك الشناشيل المزخرفة التي تمثل الثراء والجاه بعين الفقير المحروم عندما كان طفلاً، فتبلورت في ذهن السياب فكرة، مفادها إن وراء هذه الشناشيل، فتاة جميلة، وربما توهم في قرارة نفسه إنها تنظر إليه كما ينظر إليها، وإنها تنتظر لقاءه كما ينتظر، ولعله في نهاية قصيدته، حاول أن يراجع حساباته مرة أخرى، فإذا به يخبرنا بما يشبه الإقرار بالواقع، بأن هذه الفتاة لا أساس لها في دنيا الواقع:
    ثلاثون انقضَتّ، وكبرتُ: كم حبٍّ وكم وجدِ
    توهج في فؤادي!
    غيرَ أني كلما صفقت يدا الرَّعْدِ
    مدَدّتُ الطرف أرقب: ربما ائتلق الشناشيلُ
    فأبصرتُ ابنة الجلبي مقبلةً إلى وعدي!
    ولم أرها، هواءٌ كل أشواقي، أباطيلُ
    ونبت دونما ثمر ولا وَرْدِ!
    فالسياب بعد مضي ثلاثين عاماً من حياته، يعترف إن هذه الفتاة لم تكن في حقيقتها، إلا وهماً عاشه الشاعر، ويتساءل الناقد إحسان عباس، عن حقيقة هذه الفتاة، ومدى ارتباطها بالواقع، فيقول «ترى أكان للجلبي ابنة أم ان أحلام بدر خلقتها». وهكذا فإن كل نساء السياب يقبعن خلف سور نفسي هو المرتع الشعري الخصب حيث يأتي الشعر من بؤرة العذاب حين تكون المرأة قريبة ولكن كفّ الشاعر لا تصل إليها.
    يذكر السياب في قصيدته «أحبيني»(منشورة في ديوانه «شناشيل ابنة الجلبي»، كتبها في 19/3/1963 وهو في باريس في طريق عودته إلى العراق من بريطانيا، بعد أن فشل الأطباء في علاجه هناك). انه أحب قبل محبوبته الأخيرة التي يخاطبها «سبع نساء» ويستدرك قائلا: «ولكنْ ما أحبوني»... الأولى راعية كانت ترعى قطيع أهلها في جيكور (مسقط رأس السيّاب) وهي حبه الأول في الصبا، وعرّفنا الشاعر على اسمها في احدى قصائده المبكرة، وهو «هالة»... وينتهي هذا الحب بأن يعقد أهلها قرانها على رجل من القرية، في غيبة الحبيب الشاعر... ويسرد ببيتين سيرته معها فيقول:
    «... آه... فتلك باعتني بمأفونِ/ لأجل المال... ثم صحا فطلقها وخلاّها»
    وهناك فتاة تعرّف عليها السياب وهو طالب في دار المعلمين العالية ببغداد كانت تكبره بسبع سنوات فأسقط عليها حباً بنوياً وشملته بحب أمومي، لكن هذا الحب غير المتكافئ ما لبث ان انطفأ... يذكر الشاعر ذلك بقوله «... وتلك لأنها في العمر أكبر أم لأن الحُسن أغراها.../ فباعدت الخطى ونأيت عنها/ كان يلقبها الشاعر بـ«ذات المنديل الأحمر» لأنها تحب أن تضع منديلاً على رأسها، وحول عنقها. وفي سجله الغرامي فتاة يسميها «فتاة الغمازتين» تعرّف عليها في دار المعلمين العالية ايضا وخسرها وهو في نفس الدار، لتدخل سجل القصيدة. يقول «وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحرُ/ عيون الفُل واللبلاب/ عافتني الى قصر وسيارة...». ولا ينتهي الأمر في اشكال النساء فيحب واحدة من أصحاب المال بعد انتقاله من قسم اللغة العربية الى قسم اللغة الانكليزية في دار المعلمين العالية، وسوء حظه يكشف له انها ثرية حبابة للمظاهر، وهو فقير وشاعر... فتزوجت من يشبهها. «وتلك وزوجها عبدا مظاهر ليلها سهرُ/ وخمر أو قمار»/ وهناك قصة السياب مع وفيقة والتي تعد من أبرز نماذج «نساء – الحلم» في شعر السياب. (الملاحظ أن المعلومات تتضارب حول أسماء عشيقات السياب بين ما تذكر لميعة عباس عمارة والناقد عيسى بلاطة أو غيرهما).
    يرى عيسى بلاطه، إنّ وفيقة كانت قريبة للسياب فهي ابنة صالح السياب، ابن عم جده عبد الجبار، وكانت صبية جميلة في سن الزواج، عندما كان بدر يحلم بها أحلام المراهقة. وقد كانت علاقة السياب بها طيّ الكتمان، وفجأة في أواخر 1960 وبدايات 1961 وكما يقول الكاتب والمترجم جبرا إبراهيم جبرا، يتذكرها وكانت جارته، وشباكها الأزرق مطل على الطريق الذي هو بمحاذاة بيته، وقد أحبها في صباه، إلا أنها ماتت صبية، فأخذ يتصور إبان تلك المدة أن متاعبه سرعان ما ستتلاشى، وإذا بقصائده عن وفيقة تتبلور عن تلك الذكرى أو المعاناة.
    لقد بحث السياب عن وفيقة بين طيات ذكرياته فوجدها ماثلة أمامه، فأظهرها في قصائده «شباك وفيقة» و«حدائق وفيقة». لقد رآها مطلّة من خلال شباكها الأزرق على العالم على الرغم من احترام الموت لها. وفي قصيدة «شباك وفيقة» الحّ السياب على وفيقة كي تطل من شباكها، وكأنه في إثناء ذلك يحاول جاهداً كبح جماح الألم، بالعودة نحو الماضي، من خلال حضور وفيقة للقائه مطلة من شباكها الأزرق:
    اطلي فشباكك الأزرقُ
    سماء تجوع،
    تبينتهُ من خلال الدموع
    كأني بيَ ارتجفَ الزورق
    إذا انشقّ عن وجهك الأسمر
    كما انشقّ عن عشتروت المحار
    وسارت مع الرَّغو في مئزرِ.


    .../...
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد الحجيري
    بدر شاكر السيّاب و«عقدة النساء»

    تابع

    وسارت مع الرَّغو في مئزرِ.
    يقول إحسان عباس «إن الحديث عن وفيقة إنما كان حديثاً عن أمه (أم السياب) بطريقة ايحائية، فوفيقة تجمع في طبيعة حياتها وموتها بين بدر وأمه، فهي فتاة ماتت أمها وتركتها يتيمة، كما حدث لبدر ثم توفيت في حال وضع وتركت طفلاً يتيماً، فهي في شخصها تمثل مشكلة بدر، وهي في موتها تمثل الأم». واذ كان احسان عباس قد رجح فرضية حديث السياب عن امه فالشاعرة لميعة عباس عمارة (وهي من «عشيقات» السياب) تقول أن وفيقة لا وجود لها في حياة السياب، ولم يذكر اسمها أمامها، وذكرت لميعة بأن بعض صفات وفيقة تنطبق على لميعة نفسها، «ذكر صفات امرأة تلبس الثوب الاسود وتقف على النهر»، ورجحت لميعة عدم بوح السياب باسمها بسبب غيرة زوجته «إقبال».
    والنافل أن علاقة السياب بلميعة عمارة هي من ابرز العلاقات في حياته، فالشاعرة التي عشقها السياب والهمته كتابة العديد من القصائد وكانت من اخلص صديقاته حين بدأت علاقتها به في دار المعلمين العالية التي تخرجت فيها عام 1950 ودعاها لزيارة قريته جيكور وبقيت في ضيافته ثلاثة أيام كانا يخرجان سوية إلى بساتين قريته ويقرأ لها من شعره وهما في زورق صغير. يلتقي السياب بلميعة عمارة، فيحبها. لكن فرّق بينهما الدين، فهو مسلم وهي صابئية، وخصها في قصيدة «أحبيني» بأكبر عدد من الأدبيات: خمسة عشر سطراً يسرد فيها سيرة هذا الحب... الذي كاد يخرجه عن دينه، على الرغم من فشله في النهاية. يقول «... فتذكرني وتبكيني هنالك غير أني لست أبكيها/ كفرت بأمة الصحراء/ ووحي الأنبياء على ثراها في مغاور مكة او عند واديها».
    والغريب في أمر حب السياب كما تقول لميعة عمارة في مقالها «بدر والمرأة» ان ملهمة الشاعر لم تسمع بحبه وشعره لها الا بعد سنوات طويلة من تخرجها. تضيف لميعة كنت ألومه على قسوته. وماذا يريد الشاعر من المرأة التي يحبها غير الالهام؟ وهي تشير إلى قصيدة «اقداح وأحلام» عن حبيبة كانت معه في الصف الأول وقد التحقت بالسفرة الطلابية التي كان فيها السياب. حيث كان الفاصل بينهما كما يراه بدر غناها النسبي وفقره النسبي. يقول سيمون جارجي في كتابه «الرجل والشاعر» ان لميعة كانت ملهمة بدر في اعظم فترة حب في حياته... ولكنها خيبت أمله أيضاً حين اكتشف أنها حلم عابر وأنها ضمن فضاء المستحيل فكتب عام 1948 :
    لست انت التي بها تحلم الروح
    ولست التي اغني هواها
    ويتحدث الكاتب السوري الراحل عاصم الجندي عن لميعة عمارة دون أن يسميها فيقول عن علاقتها بالسيَّاب «ولأنه يوماً ما ذهب في رحلة نهرية مع صديقة، أوجعه حبها كثيراً، وقد استغلته في حياته ومماته، كانت توحي له بميلها إليه ليكتب فيها الشعر، طلباً للإدلال بذلك الشعر الذي قيل فيها وكان ما أسرع ما يلبي النداء ثم استغلته بعد موته. عجنت جسده الموجع بعد رحيله لتصنع منه شهرة سمجة، حتى لبلغ بها التبجّح بحبه لها وشعره فيها أن تقول: كل حبيبات السيَّاب هن من بقاياي». ويعلق الجندي في موضع ثان عن «الليبيدو» الفرويدية عند السيَّاب «وظلت سكين شبقه وحاجته إلى الحنان والحب تعمل في سويداء قلبه حتى الساعات الأخيرة من حياته المعذبة» وقد زعم عبد الوهاب البياتي بحسب الباحث عبد الإله الصايغ أن لميعة عمارة كانت تتغزل به وتعاكسه، وهو ادعاء لا يمكن تصديقه، فالثابت أن السيَّاب توهّم أن حباً يجمع لميعة والبياتي، وهما شيوعيان (كما يظن) فترك الحزب الشيوعي وكتب «المومس العمياء»!! أما عبد الوهاب البياتي فقد هجا لميعة مر الهجاء في ديوانه «ملائكة وشياطين». كان السياب حتى عودته لدار المعلمين «طاهراً» لا يعرف للجسد لذة إلا أن ذلك المجتمع قاده لتجارب الجسد... فزادته الخيانة ألما بل ذهبت به بعيدا لمزيد من الشك والريبة في كل أنثى واتهامها بأنها خائنة. وشاء حظه ان يلتقي بمومس عمياء اسمها (سليمة) فاكتشف من خلالها عالم الليل والبغاء واكتشف اسراراً غريبة واعطانا صورة صادقة لما كانت تعانيه هذه الطبقة من الناس، فكانت قصيدته «المومس العمياء» التي صوّر فيها الواقع الاجتماعي آنذاك وواقع المرأة بصورة خاصة، وتعد هذه القصيدة مرحلة هامه من مراحل حياة السياب يقول فيها: تفاحة عذراء، سوف يطوقان مع السنين
    كالحيتين خصور آلاف الرجال المتعبين
    الخارجين خروج آدم من نعيم في الحقول
    تفاحة الدم والرغيف وجرعتان من الكحول
    إلى أن يقول:
    يا من يريد من البغايا ما يريد من العذارى
    أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح
    دفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح
    السادسة من نساء السياب زوجته وقريبته إقبال طه العبد الجليل. اقترن بها العام 1955 وكانت معلمة من خريجات دار المعلمات الاولية. كان قد ترك الشيوعية... وكتب في إقبال مديحاً وهجاء. يقول لها: «ويا إقبال يا بعثي من العدم». ولكنه يشكو منها ويتهم طبعها الفوّار بهدم اعصابه «ولا زوجتي ومزاجها الفوّار لم تنهد أعصابي» ثم انه يتهمها بأنها قدرهُ وانها سبب مرضه: «... وآخرهن آه زوجتي قدري/ أكان الداء/ ليقعدني كأني ميّت سكران لولاها؟». وعندما عاد إلى بيروت في نيسان 1962 أدخل مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، وبعد محاولات فاشلة لتشخيص مرضه غادر المستشفى بعد أسبوعين من دخوله إليه بعد أن كتب قصيدته الوصية يخاطب فيها زوجته:
    إقبال، يا زوجتي الحبيبه
    لا تعذليني، ما المنايا بيدي
    ولست، لو نجوت، بالمخلد
    كوني لغيلان رضى وطيبه
    كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه
    إقبال زوجة السياب الواقعية الوحيدة التي ساعدته على الوقوف بوجه المرض عكس نساء الوهم والخيال، لكن يجمع الباحثون على أن زوجة السياب الواقعية كانت أيضا أقرب إلى الخيال. فقد ارتبط بدر بإقبال في 19 - 6 - 1956 وفضلا عن الرسالة التي بعث بها السياب إلى صديقه الشاعر مؤيد العبد الواحد التي فيها ما يفشي سر ابتعاد الزوجة عن عالم الشاعر «يا مؤيد، نصيحتي اذا ما اردت الاقدام على الزواج ان تكون رفيقة مستقبلك ذات ميل إلى الادب على الأقل، لكي تفهم مشاعرك وتشاركك احساسك» ثم يصرح عن إقبال بقوله «انها لم تفهمني ولم تحاول ان تشاركني احساساتي ومشاعري انها تعيش غير العالم الذي اعيش فيه .. لأنها تجهل ما هو الانسان البائس الذي يمزق نفسه من اجل الغاية التي يطمح إلى تحقيقها الانسان الذي يسمونه الشاعر»... (من كتاب بدر شاكر السياب - حياته وشعره عيسى بلاطة).
    كل ذلك كان مقدمات فاشلة وموصوفة في الحب والنساء وصولا إلى الحبيبة السابعة... تؤكد معظم الروايات، أن المخاطبة في قصيدة (أحبيني) هي الشاعرة البلجيكية لوك نوران التي يذكر عيسى بلاطة أنه تعرف إليها في بيروت سنة 1960، واهتمت بترجمة بعض قصائده إلى الفرنسية. وكان التقى بها المرة الأولى في مكتب مجلة «شعر»، ثم اجتمع بها على حدة في مقهى «أنكل سام» وسواه في بيروت ليترجم لها شعره إلى الإنكليزية كي تنقله هي إلى لغتها. وقد أعجبه منها ثقافتها ورقتها وذكاءها. لكنه لم يلتقِ بها ثانية إلاّ في باريس، في طريق عودته إلى العراق من بريطانيا (والقصيدة كتبها في باريس ومؤرخة في 19 /3 /1963) وقد مكث السياب في باريس أُسبوعاً قضى معظمه في الفندق، لأنه لم يكن يستطيع المشي ولم يرد أن يعرض نفسه للبرد الشديد في الخارج. فكان أصدقاؤه يزورونه في غرفته. وكانت الآنسة لوك تمرّ على مكتب الفندق كل صباح فتترك للسياب فيه باقة من الأزهار وهي في طريقها إلى عملها، ثم تزوره في المساء. وكان السياب يظن أن الأزهار من صاحبة الفندق. فلما علم انها من لوك أكبر لها هذا العمل، وكتب فيها قصيدة «ليلة في باريس» في تاريخ 18/3/1963. وعندما قرأها عليها مترجمة إلى الإنكليزية ووصل إلى نهايتها حيث يقول: «وذهبتِ فانسحب الضياء (...)/ لم يبق منك سوى عبير/ يبكي وغير صدى الوداع: «إلى اللقاء/ وتركتِ لي شفقاً من الزهرات جمّعها إناء».
    أغرورقت عينا لوك نوران بالدموع، وعانقته وهي تردد: «أأستحقّ أنا كل هذا يا بدر؟» وتوهم في هذا الموقف حباً جديداً، أو دعوة إلى حب ليكتب بعد يوم واحد على «ليلة في باريس» قصيدة أخرى هي «أحبيني» وفيها يخاطب لوك نوران: «وما من عادتي نكرانُ ماضيَّ الذي كانا/ ولكنْ.. كلُّ من أحببتُ قبلكِ ما أحبّوني/ ولا عطفوا عليَّ، عشقت سبعاً كنّ أحياناً/ ترفّ شعورهنَّ عليَّ، تحملني إلى الصين/ (...) فأبحثُ بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغُ منه كالنجمهْ،/ وإذْ تدمى يدايَ وتُنزَعُ الأظفارُ عنها لا ينزّ هناك غيرُ الماء/ وغيرُ الطين من صَدَفِ المحار، فتقطرُ البسمةْ/ على ثغري دموعاً من قرار القلب تنبثقُ،/ لأن جميع من أحببتُ قبلكِ ما أحبّوني». وفي 15 مارس 1963 طار إلى باريس في طريق العودة إلى الوطن تحت إلحاح زوجته ورسائلها التي تصف الحالة المزرية التي ترزح تحت وطأتها العائلة، وفى باريس عرضه أصحابه بلا جـدوى على عـدد من الأطباء الفرنسيين، وفي 23 مارس 1963 غادر باريس على كرسي متحرك من مطار أورلي وقد ذكرت لوك نوران كيف جاءت هي وأدروار طربيه و ماري جورج وسيمون جارجي لتوديع بدر في المطار فبدا بدر لها وكأنه ذاهب ضد الزمن وضد الموت.
    وفي ليلة 21 آب 1964 كتب السياب قصيدة عنوانها «ليلة وداع» أهداها إلى زوجته إقبال وفيها يعبر السياب عن حبه لها وعطفه عليها وشعوره معها في وحدتها ويتمنى لو كان بمقدورها أن تشعر معه ويقول :
    آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دم
    ميت الساقين محموم الجبين
    تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي
    تائها في واحة خلف دار من سنين
    وأنين
    من هنا يمكننا وصف السياب بأنه جسد محنط يشتعل برغبات حول نساء مستحيلات.

     
  5. أحلام المصري

    أحلام المصري شجرة الدر/ مشرفة قصيدة النثر

    نافذةٌ ثرية
    و مختارات و لا أروع
    تحية لك القدير نقوس المهدي
    و تحية لروح شاعرنا الجميل السياب
    احترامي
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مقداد مسعود
    الغصن الحجري في قصيدة (لأني غريب) للسياب

    [​IMG]


    القصيدة:
    لأني غريب
    لأني غريب
    لأن العراق الحبيب
    بعيد وأني هنا في أشتياق
    إليه، إليها..أنادي : عراق
    فيرجع لي من ندائي نحيب
    تفجّر عنه الصدى
    أحسّ بأني غريب المدى
    إلى عالم ٍ من ردى لايجيب
    ندائي،
    وإما هززت ُ الغصون
    فما يتساقط غيّر الردى :
    حجارْ
    حجارٌ وما مِن ثمار
    وحتى العيون
    حجارٌ، وحتى الهواء الرطيب
    حجارٌ، ينديه بعض الدم ِ
    حجارٌ ندائي، وصخر فمي
    ورجلاي ريحٌ تجوب القفار/ بيروت15/4/ 1962 ص164 الاعمال الكاملة)
    القراءة الانتاجية للقصيدة
    تبدأ القصيدة بالغربة وهي غربة جغرافية كما هي غربة صحية ،جغرافيتها مثبتة في نهاية القصيدة ،أعني ان الشاعر كتبها من المستشفى الراقد فيها في بيروت، والغربة الصحية معلنة داخل النص
    (أحس ُ بأني عبرت المدى
    الى عالم ٍ من ردى لايجيب
    ندائي)
    والعاطفة تُختزل كالتالي (وأني هنا في أشتياقٍ ..إليها)..ثم يوظف السياب لقطة ً من طفولتنا كلنّا حين نهز السدرة / شجرة النبق تحديدا لنحصل على الثمرات، فتتساقط ،دائما مع النبق، الأحجار المرمية سابقا على السدرة والعالقة بين الغصون..في القصيدة تغيب السدرة وتحضر الغصون وهي مفردة ٌ مشحونة ٌ بطراوة مملكة النبات ،فما ان أقول مفردة غصون،حتى أراها تنبجس بخضرة زاهية..وفي المواسم يكتمل الزهو بقطوفٍ دانية، لكن في هذه القصيدة نرى التضاد الاتصالي بين الخيالي/ الرمزي
    (وإما هززت ُ الغصون
    فما يتساقط غير الردى :
    حجارْ
    حجارٌ وما من ثمار
    وحتى العيون
    حجار ٌ وحتى الهواء الرطيب
    حجار ٌ، ينديه بعض الدم ِ
    حجارٌ ندائي، وصخرٌ فمي
    ورجلاي ريحٌ تجوب القفار)
    نلاحظ ان مفردة (الغصون) ترد في القصيدة مرة ً واحدة ، لكن الغصون عاقر لايتساقط منها لذيذ الثمر!! وهكذا من كثرةٍ طريةٍ(الغصون) تنبجس ُكثرة مضادة لها في المعنى ، وتحيلني مفردة غصون لتضاد يسبقها في السطر الشعري الخامس :
    (..أنادي : عراق
    فيرجع لي من ندائي نحيب
    تفجر عنه الصدى) نلاحظ التضاد الفيزياوي بين الصوت والصدى، حيث ينعدم التراسل المرآوي بينهما : الصوت/ الصدى فتكون المعادلة بالشكل التالي : عراق ————– نحيب
    وليس : عراق————عرااااااااا ق
    وغياب التراسل المرآوي بين الصوت/ الصدى، سنجد له تبريرا من داخل القصيدة :( أحسّ بأني عبرتُ المدى
    الى عالمٍ من ردى لايجيب
    ندائي)..إذا في عالم الردى لاتوجد غصون ، إلاّ
    (في ظلام العالم السفليّ حقل
    فيه ممايزرع الموتى حديقة/ قصيدة حدائق وفيقة /ص123/ الاعمال الكاملة)..يمكن ان نرى ثمة َ قصديةٌ عاليةٌ بين اكتفاءِ القصيدة بمفردة (الغصون )المعرّفة بألف لام التعريف التي تنبجس منها مفردة (حجار) النكرة ربما للتركيز على مكابدات الجسد المنتهك بالعلل :
    (1) حجار ْ
    (2) حجارٌ وما مِن ثمار
    (3) وحتى العيون حجار
    (4) وحتى الهواء الرطيب حجار
    (5) حجارٌ ندائي، وصخر فمي
    من هذه الإحالة التكرارية الخماسية الحجرية ،يصنع الموت كؤوسا ويحسو هواء حياة الشاعر السياب :


    (وأصغي : أذاك انهيار الحجار ؟
    أم الموت يحسو كؤوس الهواء/ ص432/ قصيدة في لمستشفي/ الاعمال الكاملة) ومن هذا الحجار المتراكم ،يصنّع معولا حجريا
    يتوغل في ماتبقى من حياة انهكتها العلل والاحترابات والأصطراعات السياسية، في وطن تفكر فيه الايدلوجيات بتنظيراتها،لافي وطنيتها ،و(المعول الحجري/ ص446)
    (رنين المعول الحجري في المرتج من نبضي)
    وفي منتصف القصيدة..
    (رنين المعول الحجريّ يزحف نحو أطرافي)..هذا المعول لم يكن فقط في نبض وأطراف السياب ،بل كان في نبض وأطراف الحركة الوطنية العراقية المتطاحنة فيما بينها..
    فيي (لأني غريب) ..نلاحظ ان الحجار، يوسق الموجودات كلها : الثمار/ العيون/ الهواء/ النداء/ الفم….
    بل الحجارهو هذه الكثرة من الموجودات التي تطوّقُ بقية َ الكائن الشعري السياب أيضا: (حجارٌ ندائي، وصخرٌ فمي)
    أعني ان الحجار هو الموت كما في السطر التالي
    (فما يتساقط غير الردى)..


    نلاحظ ان هذه القصيدة القصيرة المسننة كالحجار يمكن اعتبارُها من القصائد الرشيقة الخالية من الزوائد الشعرية
    التي ربما تؤثر سلبا في سيرورة القصيدة ..وهي تتجاور نصياً وعنونة ً مع (غريب على الخليج) المنشورة في (أنشودة المطر)
    وكذلك مع الغربة اثناء كتابة القصيدتين، غريب على الخليج كتبها..1953 في الكويت حين كان مطاردا من قبل النظام الملكي العراقي.. بسبب شيوعيته ..(لأني غريب ) كتبها في بيروت 1962 حين كان الموت يطارده ..وتنماز قصيدة غريب على الخليج بنسيج شعري تركيبي متشابك… ،خلافا لقصيدة (لأني غريب)القصيدة القصيرة المتماسكة.
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    منقول
    السياب

    البداية السريعة على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، وعلى مسافة تقطعها السيارة في خمس وأربعين دقيقة تقع أبو الخصيب التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى من بينها قرية لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة تقع على ما يسمى نهر أبو فلوس من شط العرب تدعى جيكور تسير إليها في طريق ملتوية تمتد بالماشي مدى ثلاثة أرباع الساعة من أبي الخصيب وهي الزاوية الشمالية من مثلث يضم أيضا قريتين أخريين هما بكيع وكوت بازل، قرى ذات بيوت من اللبن و الطين، لا تتميز بشيء لافت للنظر عن سائر قرى العراق الجنوبي.


    فهي عامرة بأشجار النخيل التي تظلل المسارح المنبسطة ويحلو لأسراب الغربان أن تردد نعيبها فيها، و عند أطراف هذه القرى مسارح أخرى منكشفة تسمى البيادر، تصلح للعب الصبيان ولهوهم في الربيع والخريف، وتغدو مجالا للنوارج في فصل الصيف، فكل شخص يعمل في الزراعة ويشارك في الحصاد و الدراس، ويستعين على حياته بتربية الدجاج والأبقار، ويجد في سوق البصرة مجالا للبيع أو المقايضة، ويحصل على السكر و البن والشاي وبعض الحاجات الضرورية الأخرى لكي ينعم في قريته بفضائل الحضارة المادية، وإذا كان من الطامحين إلى (الوجاهة) فلا بأس أن يفتح ديوانا يستقبل فيه الزائرين من أهل القرية أو من الغرباء ليشاركوه في فضائل تلك الحضارة المادية. السياب - دراسة في حياته وشعره


    والبلدة التي ولد الشاعر في إحدى قراها و أكمل دراسته الأولى فيها والتي بقي يتردد إليها طيلة عمره القصير، برز فيها شعراء كثيرون، وان لم يشتهروا كشهرته، لضعف وسائل الأعلام ولخلود أكثرهم إلى السكينة ولعزوفهم عن النشر، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشعراء محمد محمود من مشاهير المجددين في عالم الشعر والنقد الحديث، ومحمد علي إسماعيل، زميل السياب في العالية وصاحب الشعر الكثير، وأبوه شاعر مشهور أيضا واسمه ملا علي إسماعيل، ينظم القريض والشعر العامي، والشاعر خليل إسماعيل توفي في 1961 الذي ينظم المسرحيات الشعرية ويخرجها بنفسه ويصور ديكورها بريشته.

    والشاعر مصطفي كامل الياسين الدكتور و الموظف الكبير في الخارجية وعبد الستار عبد الرزاق الجمعة، وعبد الباقي لفته و عبداللطيف الدليسي وعبدالحافظ الخصيبي ومؤيد العبدالواحد الشاعر الوجدان بالرقيق ومن رواة شعر السياب، والشاعر الأستاذ سعدي يوسف هو من أبناء أبي الخصيب، ظهرت له عدة دواوين شعرية، ونال شهرة واسعة بين شعراء البلاد العربية، اشتهر كالسياب بشعره الحر ونذكر الشاعر الشعبي عبد الدايم السياب، من أقارب الشاعر ولشعره شهرة في المنطقة الجنوبية، والشاعر الشعبي كذلك عدنان دكسن وهو معلم.

    ولد السياب في منطقة (بكيع) بكاف فارسية وجيكور محلة صغيرة فيها وهي كلمة فارسية تعني (بيت العميان) وتبعد عن أبي الخصيب بما يقارب الكيلوين و تقع القرية على شط العرب، وأمامها جزيرة جميلة اسمها (الطويلة) كثيرا ما كان السياب يقضي الساعات الطوال فيها، ونهر (بويب) الذي تغنى به الشاعر كثيرا، يسيل في أملاك عائلة السياب وهو يتفرع من النهر الكبير إنها قرية صغيرة اسمها مأخوذ من العبارة الفارسية (جوي كور) أي الجدول الأعمى وآل السياب يملكون أراضي مزروعة بالنخيل، وهم مسلمون سنيون عرفتهم جيكور لأجيال عدة. وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا من كبار الملاكين في جنوب العراق، فانهم كانوا يحيون حياة لائقة محترمة حسب المعايير المحلية إن أعضاء الأسرة من الذكور لا يزيدون على ثلاثين في الوقت الحاضر مصطفى السياب، في رسالة إلى المؤلف، بيروت 32 نيسان 1966 لكن الأسرة كان أكبر مما هي اليوم في أوائل القرن التاسع عشر إذ كانت تصم عائلة المير لكن كثيرين من أعضائها ماتوا في الطاعون الذي انتشر في العراق سنة 1831 وكان سياب بن محمد بن بدران المير أحد أعضائها، وكان قد فقد جميع أهله الأقربين.

    وكلمة سياب بتشديدها بضم السين أو فتحها : اسم يطلق على البلح أو البسر الأخضر. لكن قصة تروى في العائلة تزعم أنه دعي بهذا الاسم لأنه فقد جميع أقربائه وسيب وحيدا. وهي تلفظ سياب في اللهجة المحلية بتسكين السين.

    وفي عام تزوج شاكر بن عبد الجبار ابنة عمه كريمة، وكانت أمية في السابعة عشرة من عمرها. وأسكنها معه في دار والده على ما تقضي به العادات المرعية. وفي 1926 ولدت له ابنا دعاه (بدرا). وقد طار به فرحا وسجل تاريخ ميلاده حتى يتذكره، لكنه ما لبث أن فقده وبقي تاريخ ميلاد بدر مجهول ولم تكن إدارة البلاد في ذلك الوقت متفرغة لتنظيم تسجيل المواليد، ولا سيما في النواحي النائية. وفي 1928 ولدت له ابنا ثانيا دعاه عبدالله، وفي 1930 ولدت له ابنا ثالثا دعاه مصطفى وكان فخورا بأبنائه الثلاثة، واثقا من أنهم سيكبرون ويساعدونه في عمله لكن أحدا منهم ما ساعده كما كان ينتظر ويأمل
    أما في البيت فقد كان بدر يلعب مع أصدقائه فيشاركه أخواه الأصغران. وكان الأماكن المحببة للعبهم بيت واسع قديم مهجور يدعى (كوت المراجيح) باللهجة المحلية

    وكان هذا البيت في العهد العثماني يؤوي عبيد الأسرة (مصطفى السياب، من مقابلة مع المؤلف، بيروت 14 حزيران 1966) و من هنا أسمه، إذا معنى (المراجيح) المراقيق أي الرقي أو العبيد وقد دعاه بدر في شعره فيما بعد (منزل الأقنان) كانوا يلعبون في فنائه بالقفز على مربعات ودوائر تخطط على الأرض وما شابه ذلك من العاب القفز، واكن يلذ لهم كذلك أن يرووا عنه قصص الأشباح. وقد جعله بدر مقرا لجريدة خطية كان يصدرها مدة باسم (جيكور) تتناقلها أيدي صبيان القرية، ثم تعود في ختام المطاف لتجد محلها على الحائط في غرفة الإدارة وتشمل ذكرياته أقاصيص جده - على نحو مبهم- وقصص العجائز من عمة وجدة وغيرهما، و من أقاصيصهما حكاية عبد الماء الذي اختطف زينب الفتاة القروية الجميلة، وهي تملأ جرتها من النهر، ومضى بها إلى أعماق البحر و تزوجها، و أنجبت له عددا من الأطفال، ثم رجته ذات يوم أن تزور أهلها، فأذن لها بذلك، بعد أن احتفظ بأبنائه ليضمن عودتها، و لكنها لم تعد, فأخذ يخرج من الماء ويناديها ويستثر عاطفتها نحو الأطفال، و لكنها أصرت على البقاء، و أخيرا أطلق أهلها النار على الوحش فقتلوه، أما الأطفال فتختلف روايات العجائز حول مصيرهم كذلك تشمل ذكرياته لعبه على شاطئ بويب، وهو لا يفتأ يذكر بيتا في بقيع يختلف عن سائر البيوت، في أبهائه الرحبة، وحدائقه الغناء، ولكن اشد ما يجذب نظره في ذلك المنزل الإقطاعي تلك الشناشيل، وهي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف و الزجاج الملون غير أن الشاعر حين يتحدث من بعد عن بيت العائلة في جيكور فإنما يعني البيت الذي ولد فيه وعاش فيه سنوات طويلة في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنباته، وهكذا ينبسط اسم (جيكور) على القريتين إذا ليست بقيع في واقع الحال الا حلة من جيكور.

    ولابد لنا من أن نشير إلى أن بعض الصحفيين زاروا هذا البيت في عام 1965 وكان مما قالوه في وصفه : البيت قديم جدا وعال، وقد تحللت جذور البيت حتى أصبحت كأسفل القبر، والبيت ذو باب كبير كباب حصن كتب عليه بالطباشير اسم ؛ عبد المجيد السياب
    وهو الذي يسكن الآن في الغرفة الوحيدة الباقية كان البيت قبل عشر سنين يموج بالحركة والحياة، أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفه" جريدة الثورة العربية، بغداد عدد 184 - 12 شباط 1965
    دخل السياب في أول مراحله الدراسية مدرسة باب سليمان الابتدائية في أبي الخصيب، ثم انتقل إلى المحمودية الابتدائية التي أسسها المرحوم محمود باشا العبد الواحد في سنة 1910 في العهد العثماني، وبقيت تحمل اسمه حتى الآن وتخرج من هذه المدرسة في تاريخ 1-10-1938 ولدى مراجعة محمود العبطة سجلات المدرسة المحمودية ، عثر على معلومات خاصة بالشاعر نقلها من السجل رقم 6 وصفحة السجل 757 والمعلومات هي.
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. إبراهيم خليل
    الوظائف الجمالية للغة والنصُّ السيابي: عن البنى الأسلوبية في أنشودة المطر


    [​IMG]


    لم يحظ شاعر قديم، أو حديث، بمثل ما حظي به بدر شاكر السياب (1926- 1964) وشعره، من دراسة، وتحليل، وتمْحيص ، فسيرته، وأشعاره، ظلا على الدوام موضع اهتمام الباحثين المولعين بتدوين السيَر، وكتابة التراجم، واستقصاء التفاصيل التي تتصل بالمذكرات، وتدوين المعلومات، وتكفي الإشارة في هذا السياق لباحثٍ مخضرم هو الراحل د. إحسان عباس، وإلى كتابه الضخم ' بدر شاكر السياب في حياته وشعره' 1969 الذي قضى في تأليفه سنوات، للدلالة على سعة هذا الاهتمام، وامتداده، وعمقه.
    والذين كتبوا سيرة السياب، بالإضافة إلى إحسان عباس، كثيرون، منهم: محمود العبطة 1965 وعبد الجبار داود البصري 1966 وسيمون جارجي 1966 ومحمد التونجي 1968 ونبيلة الرزاز 1968 وعيسى بلاطة 1970 وحسن توفيق 1971 وريتا عوض 1981.
    أما شعره، فقد جرى تناوله من مداخل عدة، وزوايا نظر كثيرة. فمن زاوية الأسطورة تناوله أسعد زروق 1959 ومن زاوية الريادة عبد الجبار البصري 1968 وهو كتاب غير الذي أشير إليه في السابق. وتناوله يوسف الصايغ من باب الريادة أيضًا في كتاب عن الشعر العراقي الحديث 1978 ومن زاوية المذهب الأدبي تناوله كل من محمد التونجي، والمُطّلبي 1981 ومن وجهة التجديد، والحداثة، تناوله جبرا إبراهيم جبرا 1969 وإلياس خوري 1979 ود. هاشم ياغي 1981 . وخصّصتْ لقصيدته ' أنشودة المطر ' وحدَها دراسات عدة، منها - على سبيل المثال لا الحصر- دراسة عبد اللطيف شرارة في الآداب (تموز 1954) وروز غريب (الآداب : آب - أغسطس 1954) وإيليا حاوي في الآداب ( مايو / أيار 1961) وحسن صعب في الآداب أيضا (1965) وإحسان عباس 1969 وعلي الشرع (ابحاث اليرموك 1985) وحسني عبد اللطيف ( آفاق عربية 1992) ونايف أبو عبيد (أفكار 1981) وأخيرًا خصَّص محمد الخبو من تونس- لهذه القصيدة كتابا مستقلا درسها فيه دراسة جديدة، سمّاها ' مدخل إلى الشعر العربي الحديث ' صدرت عن دار الجنوب للنشر 1995.
    ومع أنَّ المبالغة واضحة جدا في جعل الدراسة معقودة ' لأنشودة المطر ' في الوقت الذي يؤكد فيه أنها مدخل للشعر العربي الحديث كله، إلا أن أحدًا لم ينكر على محمد الخبو مثل هذه الطريق التي سلك، والمنهج الذي اتبع. وكأنه بهذه الطريقة، التي اتخذها في تأليف الكتاب، يغري غيره بتناول القصيدة، أو الديوان الذي يحمل العنوان إياه، بدراساتٍ تتشابه، أو تختلف، فما كان من حسن ناظم من العراق- إلا أن تصدى لهذه المهمة، وانبرى لهذا الغرض. فتناول شعر السياب في الديوان المذكور تناولا جديدا اعتمد فيه التحليل الأسلوبي للقصائد في سعى منه لإبراز الوظائف الجمالية للغة الشعرية في الديوان.
    وخلافًا لطريقة محمد الخبو، الذي مهد لكتابه بمقدمة عن المصطلح المتداول في هذا المقام، وعن الفرق بين الحديث والمعاصر، نجد حسن ناظم يهتم في أوَّل كتابه بتمهيد نظري يفرق فيه بين النهج الذي يسلكه، في قراءة الديوان ' أنشودة المطر ' وغيره؛ فالنهج الذي يسلكه- وهو القراءة الأسلوبية - يحتاج في رأيه إلى تعريف ينطوي على شرح كاف لأبعاد الطريقة المتبعة في الدرس النقدي، فما هي الأسلوبية، وما هو الأسلوب؟ سؤال بذل المؤلف جهدا كبيرًا في الأجابة عنه، غير أنَّ الجواب الذي قدمه في صفحات عدة غير واضح، فقد كان اعتماده في تحديد ماهية الأسلوب على المعاجم، وهو اعتماد لا يخلو من خلل، فطبيعة الأسلوبية من حيث أنها فرع من فروع اللسانيات التطبيقية، لا تسعفنا المعاجم في الكشف عن دلالاتها، فالأسلوبية هي الدراسة اللسانية التي تتغيا معرفة الوظائف الإنشائية للغة عامة، ولغة الأدب خاصة، ومنه الشعر تحديدًا. وهي بهذا المعنى تنتفع من دراسة لغة النثر، والشعر، لإفادة علم اللسان الحديث بالكشف عن العناصر التي تتيح للغة أداء وظيفة أخرى إلى جانب وظيفتها الرئيسة، وهي الإبلاغ، والتوصيل.
    وبطبيعة الحال لا بد من الوقوف على شيء مما يتصل بنشأة الأسلوبية من حيث هي فرع من فروع علم اللسان، وهذا ما لم يتوانَ المؤلف عن القيام به قطعًا، فوقف بنا عند آراء سوسير في العلامة، وآراء شارلز بالي، مسفيدا من الكتاب الذي عربه كاظم سعد الدين عن الأسلوبية والأسلوب للمؤلف البريطاني غراهام هو Hough 1985 مشيرًا لاراء ليو سبتزر، وإلى عناية الباحثين الفائقة بما يسمى الأسلوبية التعبيرية، وهي التي تهتم بدراسة الانزياحات الدلالية، كالذي نجده في العبارة الآتية من مطلع قصيدة لجون كيتس ' يا عروس السكينة البكر ' والعبارة التي استشهد بها نورثروب فراي ' قمَر الحظ القُلّب ' ففي المثالين نجد نموذجا لانزياح المفردة عن المعنى الذي وضعت له لتدل على معنى آخر. ويعرض حسن ناظم عرضًا شائقًا لأنواع أخرى من الأسلوبيّة، كالأسلوبية الإحصائية، منتفعًا من كتاب سعد مصلوح الذي أورد فيه شرحًا وافيا لمعادلة الألماني بوزيمان(نسبة الفعل إلى الصفة) وتطرق أيضا لأسلوبية فريمان، وأنواع الانزياح لديه، وأشكاله التي يتخذها عبر التمثيل البنيوي للتراكيب، وذلك مما سلط جون كوهين الضوء عليه في كتابه المتداول كثيرا ' بنية اللغة الشعرية ' .
    وفي الإطار نفسه يعرضُ المؤلف لآراء رومان ياكوبسون، وغيره من الشكليين الروس، لافتا النظر لما قاله هذا الأخير من تلازم المستويين التأليفي، أو المجاورة، أو الركن الخطي عند زيلغ هاريس، والمستوى الانتقائقي، أو الإبدالي، وانتهى بالكلام على أسلوبية ريفاتير الوظيفية. وهي أسلوبية تختلف عن غيرها من حيث النظر في موقف القارئ (المتلقي) فهو أي المتلقي- في أسلوبية ريفاتير عنصر أساسي، وركن رئيس يُعتمَد عليه اعتمادا مباشرا في تحديد طبيعة الأسلوب، لذا فالأسلوبية الوظيفية، تبعًا لذلك ، أكثر اهتمامًا بعملية التواصل، والتأثير في المتلقي، مما يجعل هذا النوع من الأسلوبية ذا قاسم مشترك مع نظرية التلقي Reception theory وبسبب عناية ريفاتير بتداول النصوص، وتأثيرها في المتلقي، اضطر إلى إحلال السياق محل (المعيار) في النظر الأسلوبي. وفي ذلك ما فيه من تفريق بين الدراسة الأسلوبية على أسس نشوئية أو إحصائية، وبين دراستها من خلال المنظور التداولي، والوظيفي. أما المؤلف سامحه الله- فعلى الرغم من عرضه الشيق المبسط للتيارات الأسلوبية الجديدة ، فإنه ينتقل حين ينتقل من التمهيد للفصل الأول من كتابه البنى الأسلوبية- انتقالا مفاجئا ومباشرًا لدراسة شعر السياب من غير أن يخبرنا أي تيار أسلوبي هو الذي يتبعه في هذه الدراسة، أهو التيار التعبيري، أم الإحصائي، أم الوظيفي، أم الأسلوبي التكويني؟ وكان جل ما جاء في مهاده النظري لا يتعدى كونه استعراضًا لا يستطيع القارئ أن يتبين منه أيَّ الأسلوبيات يختار ويتبنّى.
    فالفصل الأول عنده لا يتناول إلا البنية العروضية، وكنا نفضل ما دام اختار أن يبدأ بتحليل اللغة الشعرية من المستوى الأدنى، منتقلا إلى المستوى الأعلى، أي: من مستوى الصوت إلى مستوى الجملة، والمعنى، أن يكون عنوان الفصل خصائص البنية الصوتية، أو الإيقاعية، لأن الواقع الفعلي الذي تمخض عنه الفصل لا يكتفي بدراسة الأوزان، ولا القوافي، وإنما يتطرق بصفة دائمة للإيقاع، وهو بنفسه- يرفض المساواة بين الوزن والإيقاع، ويعدّ الأول قيدًا، والثاني فضلة يتفاوت بها الشعر الذي من الوزن نفسه.
    وهذه الإشكالية صرفت المؤلف حسن ناظم عن تتبع الإيقاع، إلى تصنيف جداول بالأوزان، والتفعيلات، وما يعتريها من علل وزحافات، وذلك شيء يستطيع أن يقوم به أي طالب جامعي أنهى مساقا واحدا في العروض، وقد أضاف المؤلف لما سبق جداول بما يعتري القوافي من مظاهر صوتية كالإطلاق، والإشباع، والوصل، والترخيم، وسناد الإشباع، والتقييد، والإرداف، والتأسيس. وهذا كله، وإن كان يتطلب إعداده جهدًا غير قليل، إلا أن محصلته ليست كبيرة؛ فما الذي يمكن أن يضيفه المؤلف إلى ما هو معروفٌ وتكرَّر ذكرُه في الدراسات السابقة عن عروض السياب، وموسيقاه؟ فالجداول التي أوردها حسن ناظم نجد مثلها في كتاب محمد الخبو (انظر ص84، 87،90) مع اختلافٍ لا بدَّ من التنويه إليه، والتنبيه عليه، وهو أن الخبو خالف هذه الطريقة بالالتفات مرارًا للإيقاع، واختصار الحديث فيما يتعلق بالقوافي والأوزان ، فيما بالغ حسن ناظم في تتبع الأوزان والقوافي، وفي اشتراك القصيدة الواحدة بأكثر من وزن، وعن اختلاف أنماط القافية من قصيدة لأخرى، وهي مبالغاتٌ خرجت به عن حدود الذوق إلى حشو، وتطويل، يدفع بالقارئ لترك الكثير من الصفحات دون قراءة وتخطيها لما بعدها طمعًا في الفائدة.
    ولم يشأ المؤلف أن ينتقل من الصوت، وهو الأدنى في البنية اللغوية، إلى الكلمة ملتزمًا ما حدده اللغويون من تدرج في طبيعة التسلسل اللساني، وإنما نجده يتخطى الكلمة إلى التركيب. والتركيب يتألف من كلمات أدناها اثنتان. وفي هذا الفصل يسعى للكشف عن تماسك البنى الأسلوبية، واتساقها عبر ما يسمى بالوصل، ومعاينة ' طبيعة هذا الوصل في مقاطع شعرية عدة، وتأثير المواضع التي يفضي فيها الوصل إلى بنى لسانية استطرادية تصريحية، فضلا عن رصد الانزياحات التركيبية التي يرتكبها النصّ السيابي.
    والمعروف أنَّ وضوح الهدف يؤدي بلا ريب لوضوح الإجراء، والمؤلف - ها هنا - يخلط بين دراسة التراكيب وهي دراسة تحيل إلى دراسة الجملة باعتبارها الإطارالذي يلتحم فيه التركيب بآخر، ويندمجان في جملة واحدة، ودراسة أخرى ذات طابع نحوي تعرف باسم قواعد النص text grammar وهي دراسة لسانية تتجاوز الجملة إلى دراسة البنية الكبرى macro structure بتعبير فان ديك Dijk ولهذا نراهُ يشير إلى الحذف، وإلى التماثل التكراري، وإلى علاقات التضامّ، أو التماسك cohesion وإلى ما يسمى بالإحالات، وإلى الفصل والوصل، وتقسيم النص الواحد إلى عدد من البنى الموضعية التي تتفاعل وتتحد في إطار البنية الكبرى عن طريق القواعد الموسومة بقواعد النص.
    وحتى هذا الجانب لم يسلم للمؤلف كله، فهو يستطرد مثلا- من الكلام على ما يعرف بالتمَفْصُل، الذي أطلق عليه فان ديك Dijk تسمية تقابلُ بالعربية ( الفصل) disjunction - وهو شيء يوقع الائتلاف والتماسك فيما هو مختلف ومتفرق متباين- نقول: يستطرد من ذلك إلى الكلام على المكونات النحوية المباشرة للجملة العربية، منتفعًا ببعض ما قرأه عن النحو البنيوي عند بلومفيلد، وعن نظريته المعروفة بنظرية المكونات المباشرة. وهذا شيءٌ يتكرّر في الكتاب مرارًا (على سبيل المثال ص 171 وص172 ) ومع هذا لا ننكر أنَّ بعض ما جاء عنده من تحليل للنصوص قد وفق فيه، بشرط ألا ينظر إليه من زاوية التحليل الأسلوبي المباشر، أو الخالص، وإنما من زاوية الاتكاء على ما يعرف في اللسنيات باسم ' تحليل الخطاب '. ولعل المؤلف نفسه قد أدرك ذلك، واعترف بما في الفصل من مشكلاتٍ، فصرح في ختامهِ، قائلا ' حرصنا على معالجة التركيب في ضوء الإيقاع تارة، وفي ضوء نفسية السياب تارة ، وفي ضوء الدلالة تارةً أخرى '.
    ولا يحتاج الأمرُ مع هذا التصريح المُبين دليلا آخر على تسرّع المؤلف، وبعده الواضح عن اتباع الأسلوبية الدقيقة في قراءة النصوص.
    أما الفصل الثالث والأخير ، فعدا عن أنه مشتركٌ مع مع الفصل الثاني في كثير من الجوانب، ولا سيما الجانب المتصل بقراءة المؤلف التأويلية لبعض الاقتباسات التي أوردها من شعر السياب، فقد جاء أقصر فصول الكتاب 198- 247 مع أنَّ طبيعة الدراسة تتطلب أن يوفي المؤلف هذا الجانب حقه، فغاية الشاعر من شعره هي أن يقول شيئا، وهذا الذي يقوله يتكشف في ما يسمى بالمستوى الدلالي، وقد جاءت معظم شواهدهِ منْ ' أنشودة المطر ' مما يعني أن المؤلف تجاهل أكثر قصائد الديوان، فهلْ كانت دلالات هذه القصيدة من السعة بحيث تغني عن سائر القصائد؟ لا نظن ذلك ! أما التفسيرات والشروح التي أفضى بها لرموز القصيدة، والعلاقة الجدلية فيها بين الدال والمدلول، فعلى الأغلب، والأعم، والأرجح، لا تختلف عن الجم الكثير الذي قيل فيها، وكتب، ولا عن الذي قيل في شعر السياب عامة، وكُتب. وكنا نحسب أن دراسة المؤلف، وهي عن ' البنى الأسلوبية ' في شعر السياب تضيف جديدًا غير القول بأن الحصاد يرمز إلى العطاء والخير، وأن الجوع يرمز للمعاناة والفقر والاستغلال والجشع، وأن الجراد والغربان يرمزان للاستبداد والاضطهاد الطبقي والاجتماعي، وأن التنافر بين العشب والجوع يرمز للواقع، بما فيه من طابع غيرر عقلاني، وصراع عبثي مستمر، وأن الموت والميلاد يرمزان، في نهاية القصيدة، لرؤيا الشاعر في حسم الصراع لصالح الطبقات المنسحقة المقهورة، وهذا كله قيلَ في شعر السياب عامة، وفي هذه القصيدة خاصة، وإذا كانت البنى الأسلوبية لا تضيف جديدًا لما قيل، فما مسوغ وجودها، وما جدوى اعتمادها منهاجًا في النقد والقراءة؟
     
  9. *تحية للأخ نقوس المهدي بكل أياديه البيضاء، ممتعا إيانا بهذه الجولة الرائعة في ضيافة الشاعر العراقي الرائع ومن تضافرت جهودهم لتوضيح معالم حياته الشعرية وإبداعاتها...وبالمناسبة أوجه الشكر للصديق خلدون أميمة الذي أعطانا فرصة إعادة قراءة القصيدة البارعة والبارزة في شعر هذا المبدع الحداثي الكبير، قصيدة "أنشودة المطر" ...
    -أخي نقوس ، إن بدر شاكر السياب أضاف إلى الشعر العربي الكثير من الجماليات والروحيات والوجدانيات والوطنيات والقوميات، دون ان يغترب أو يستلب أو يتناثر في الضياع...لقد حقق شعره التحرر الذي قفز باللغة الشعرية إلى أسمى تعابيرها ومدلولاتها ومصوغاتها...وكل ذلك لم يتأتى له إلا بمعاناة وجلد وصبر على مصاعب جهوده ومصائبها ، مناضلا في غمار التجاذبات التي لم تقنعه ولم تسعفه تياراتها المتضاربة بأي قبس من نورانية ذائقته الجمالية والإنسانية وصدق رسالته النبيلة...بدر شاكر السياب شاعر بحق، داع صيته وشاع من خلال "كلمته" الوضاءة..فقد أغنته عن تسول الشهرة.
    شكرا العزيز نقوس المهدي
     
    أعجب بهذه المشاركة نقوس المهدي
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أغنيةٍ السيّاب "غريب على الخليج للمطربة المغربية سلوى الشودري



    تحية اخي السي العربي الرودالي
    وشكرا على مداخلتك الشائقة عن شاعر كبير ترك بصماته على الشاعر العربي برغم قصر عمره والمشاكل الصحية والسياسية التي عصفت به..
    كل التقدير و المودة
     
    آخر تعديل: ‏25/4/14
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عدي الحربش
    غريبٌ على الخليج

    أكاد أراه، ناحلاً معرورق الصدغين، يخطو كليلاً نحوَ الخليجِ و في يدهِ رواية "عشيق الليدي تشاتيرلي" للورنس. عندما يصل لسان الرمل يجلسُ ممدداً ساقيه الهزيلتين، يتطلعُ في الأفق شمالاً، نحو العراق. ألف فكرة تملأ عقله الثائر و ألف صورة. يتمنى لو يعود إلى العراق و لكنه لا يملك ما يكفي كي يستقل السفينة. يلعن العمل الثوري، و الحزب، و كل ما دفعه كي يهرب من وطنه عقبَ أحداث تشرين. يتذكر كيف تسلل متنكرا في زيّ أعرابي إلى البصرة، يتذكر كيف قطع النهر إلى إيران. يتذكرُ الشهرين اللذين قضاهما في تلك الأرض الأعجمية، ثم السفينة طينية القاع التي كادت أن تصطدم بالفنار فتهلكه و تهلك من معه في طريقها إلى الكويت. يتساءل في قرارة نفسه: و هل هناك فرق كبير بين إيران و الكويت؟ فالكويت -بعد كل شيء- ليست جيكور، ليست محل ذكرياته، ليست حيثُ يجد الأمان و السند، و إن كانت تتكلم نفس اللغة، و تدين بنفس الديانة.

    قصيدة "غريب على الخليج" هي -برأيي الخاص- أفضل قصائد بدر شاكر السياب، و أكاد أقول أنها أفضل قصيدةٍ كُتبت في مجال التوجع على الأوطان. ما يذهلني فيها هو هذا الشعور العارم بالغربة في أرضٍ لها نفس ديانة و نفس لغة وطن السياب! هذا يدفعني دفعاً كي أتساءل عن هوية الوطن و ما يعنيه بالنسبة للفرد. لقد قيل لنا أن الوطن هو الأرض التي تقاسم فيها العيش مجموعة من الناس تشاركك نفس الأفكار و نفس اللغة، و لكن ها هو السيّاب يحسُ بغربةٍ عارمة في الكويت إلى درجة أن يقول:

    ما زلتُ أضربُ متربَ القدمين أشعثَ، في الدروبْ،
    تحتَ الشموس الأجنبيةْ
    متخافقَ الأطمارِ، أبسطُ بالسؤالِ يداً نديّه
    صفراءَ من ذلٍ و حمّى : ذل شحاذٍ غريبْ
    بين العيونِ الأجنبية
    بين احتقارٍ، و انتهارٍ، و ازورارٍ .. أو "خطيّة"
    و الموتُ أهون من "خطيّة"

    هل الوطن إذن هو أرض الأمان و الاستقرار المالي كما تقترح الأبيات السابقة؟ هل هي الأرض التي تجد فوقها الحب و العون؟ لا أظن! إذ أن السيّاب هربَ من العراق خوفاً بعد ثورة تشرين، و صدر الحكم بسجنه و بسجن رفاقه من الشيوعين غيابيا في أرض الوطن، و هو يعلم يقينا أنه سيكون فقيرا هناك كما هو فقير هنا، و أنّ العلاج المجاني في الكويت ليس متوفرا في العراق.

    ما هو الوطن إذن؟ لماذا يشعر الشخص بالحنين الجارف نحوه حين تغرّبه؟ لماذا يضحي الشخص بنفسه من أجل هذا الخليط الغريب من الناس و الأرض و الذكريات؟

    بالأمسِ حين مررت بالمقهى، سمعتُكَ يا عراق
    و كنتَ دورةَ أسطوانة
    هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه
    في لحظتين من الزمانِ، و إن تكن فقدت مكانَه
    هي وجهُ أمي في الظلامْ،
    و صوتها، يتزلقانِ مع الرؤى حتى أنام ْ
    و هي النخيلُ أخاف منه إذا ادلهمّ مع الغروبْ
    فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوبُ
    من الدروب،
    وهي المفلّية العجوز وما توشوش عن حزامِ
    وكيف شقّ القبر عنه أمام (عفراء) الجميلة
    فاحتازها .. إلا جديلة.

    ها هنا بعض إجابة لما تساءلت عنهُ في الأعلى. الوطن هو خليطٌ من أشياء مختلفة: إنه الاسم اللفظي بحروفه الصائتة و الصامتة (بالأمسِ حينَ مررتُ بالمقهى سمعتك يا عراق، و كنت دورة إسطوانة)، هذا الاسم الضروري كجزء من الهوية، حين تقول: أنا عراقي، أو سعودي، أو كويتي، .. إلخ. هو أيضا ذكريات الطفولة، و الصور العزيزة التي نختزنها (هي وجه من أمي في الظلام)، و هو أيضاً التراث الذي يشكّل جزءاً أساسياً من هويتنا، بقصصه و أغانيه: "و هي المفليّة العجوز و ما توشوش عن حزامِ".. هذا الخليط العجيب المتجانس و غير المتجانس من الذكريات و الحروف و الصور و التراث و اللغة و التراب و العلاقات يصنع جزءاً أساسيا من ذات كل شخص، و لذا يدافع الناس عن أوطانهم بالأرواح، إذ أنهم يدافعون عن ذواتهم و عن هوياتهم.

    إني لأعجب كيف يمكن أن يخونَ الخائنون
    أيخونُ إنسان بلادَه؟
    إن خان معنى أن يكونَ، فكيفَ يُمكن أن يكون؟

    قصيدة رائعة في مبناها، بارعة في ألفاظها، مشجية في صورها، عميقة في تعاطيها مع موضوعها. لطالما نظرتُ إلى السيّاب كشاعر ألفاظ و جرس، دونَ عمقٍ في الموضوع و دون محتوى فكريّ كبير. هو لا يجاري مثلا صلاح عبد الصبور من ناحية تعاطيه مع الأفكار الفلسفية الشائكة. و لكن ها هنا، استطاع السيّاب أن ينفذ إلى شيءٍ عميق جداً، ليس عن طريق عقله، و إنما عن طريق قلبه، عن طريق حزنه و لوعته.

    من أراد أن يقرأ عن السيّاب فليقرأ دراسة الدكتور إحسان عباس عن الشاعر و شعره، هي أفضل ما كُتب في هذا المجال.

    الريحُ تلهثُ بالهجيرةِ، كالجُثام، على الأصيلِ
    و على القُلوع تظل تُطوى أو تنشّرُ للرحيلِ
    زحم الخليجَ بهنّ مكتدحون جوَّابو بحارِ
    من كل حافٍ نصف عاري
    و على الرمالِ، على الخليجْ
    جلس الغريبُ، يسرّح البصرَ المحيّر في الخليجْ
    و يهدُّ أعمدةَ الضياءِ بما يُصعِّدُ من نشيجْ
    أعلى من العبّاب يهدر رغوهُ و من الضجيج
    صوتٌ تفجَّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق،
    كالمد يصعدُ، كالسحابةِ، كالدموع إلى العيونْ
    الريح تصرخ بي: عراق،
    و الموج يعول بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق!
    البحر أوسع ما يكون و أنتَ أبعد ما تكون
    و البحرُ دونَك يا عراق
    بالأمسِ حين مررت بالمقهى، سمعتُكَ يا عراق
    و كنتَ دورةَ أسطوانة
    هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه
    في لحظتين من الزمانِ، و إن تكن فقدت مكانَه
    هي وجهُ أمي في الظلامْ،
    و صوتها، يتزلقانِ مع الرؤى حتى أنام ْ
    و هي النخيلُ أخاف منه إذا ادلهمّ مع الغروبْ
    فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوبُ
    من الدروب،
    وهي المفلّية العجوز وما توشوش عن حزامِ
    وكيف شقّ القبر عنه أمام (عفراء) الجميلة
    فاحتازها .. إلا جديلة.
    أحببتُ فيكِ عراقَ روحي أو حَبَبْتُكِ أنتِ فيه
    يا أنتما - مصباح روحي أنتما - و أتى المساءْ
    و الليلُ أطبقَ، فلتشعّا في دجاه فلا أتيهْ
    لو جئتِ في البلد الغريب إليَّ ما كملَ اللقاءْ
    الملتقى بكِ و العراقُ على يديَّ .. هوَ اللقاء ْ
    شوقٌ يخضّ دمي إليهِ، كأنّ كل دمي اشتهاءْ
    جوعٌ إليهِ .. كجوعِ كل دمِ الغريقِ إلى الهواءْ
    شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولاده
    إني لأعجب كيف يمكن أن يخونَ الخائنون
    أيخونُ إنسان بلادَه؟
    إن خان معنى أن يكونَ، فكيفَ يُمكن أن يكون؟
    الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها، و الظلامْ
    حتى الظلام -هناك أجملُ، فهو يحتضنُ العراقْ
    واحسرتاهُ، متى أنامْ
    فأحسّ أن على الوسادةْ
    من ليلِكَ الصيفيّ طلاً فيه عِطرُكَ يا عراق؟
    بين القرى المتهيباتِ خطاي و المدن الغريبة
    غنيتُ تربتك الحبيبةْ
    ما زلتُ أضربُ متربَ القدمين أشعثَ، في الدروبْ،
    تحت الشموس الأجنبيةْ
    متخافقَ الأطمارِ، أبسطُ بالسؤالِ يداً نديّه
    صفراءَ من ذلٍ و حمّى : ذل شحاذٍ غريبْ
    بين العيونِ الأجنبية
    بين احتقارٍ، و انتهارٍ، و ازورارٍ .. أو "خطيّة"
    و الموتُ أهون من "خطيّة"
    من ذلك الإشفاقِ تعصرهُ العيون الأجنبية
    قطرات ماءٍ ..معدنية!
    فلتنطفئ، يا أنتَ، يا قطراتُ، يا دمُ، يا .. نقودُ
    يا ريحُ، يا إبراً تخيطُ ليَ الشراعَ، متى أعودُ
    إلى العراقِ؟ متى أعودُ؟
    يا لمعة الأمواجِ رنحهنَ مجدافٌ يرودُ
    بي الخليجَ ، ويا كواكبَه الكبيرة .. يا نقودُ!

    ليت السفائن لا تقاضي راكبيها عن سِفارِ
    أو ليت أنَ الأرضَ كالأفق العريضِ، بلا بحارِ!
    ما زلتُ أحسِبُ يا نقودُ، أعدُّكنّ و أستزيدُ \،
    ما زلت أُنقِصُ، يا نقودُ، بكنَّ من مُدَدِ اغترابي
    ما زلت أوقد بالتماعتكنَّ نافذتي و بابي
    في الضفةِ الأخرى هناك فحدثيني يا نقودُ
    متى أعودُ؟ متى أعودُ؟
    أتراه يأزِفُ ، قبل موتي ذلك اليوم السعيدُ؟
    سأفيق في ذاك الصباحِ، و في السماءِ من السحابْ
    كِسرٌ، وفي النسمات بَرْدٌ مُشبَعٌ بعطور آبْ
    و أُزيح بالثوباءِ بُقياً من نعاسي كالحجابْ
    من الحريرِ، يشفُّ عمّا لا يبينُ وما يبينْ:
    عمَّا نسيتُ وكدت لا أنسى، وشكٌ في يقين:
    ويضئ لي وأنا أمدُّ يدي لألبسَ من ثيابي
    ما كنتُ أبحث عنه في عَتَمات نفسي من جوابِ
    لم يملأ الفرحُ الخفيُّ شِعابَ نفسي كالضبابِ؟
    اليومَ و اندفَقَ السرورُ عليَّ يفجأُني أعود!
    واحسرتاهُ .. فلن أعودَ إلى العراقِ
    وهل يعودْ
    من كان تعوِزهُ النقودُ؟ وكيف تدّخر النقودْ
    و أنت تأكل إذ تجوعُ؟ و أنتَ تنفق ما يجود
    بهِ الكرام ُ على الطعامِ؟
    لتَبكِينَّ على العراقِ
    فما لديك سوى الدموعْ
    وسوى انتظاركَ، دون جدوى، للرياح و للقلوع!
     
    آخر تعديل: ‏28/4/14
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جهاد فاضل
    السيّاب ورفاقه

    هل كان كبار شعراء الموجة الجديدة في الخمسينيات من القرن الماضي مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبدالوهاب البياتي، وبلند الحيدري، مثقفين ثقافة جيدة، عربية وأجنبية، أم كانت ثقافتهم هذه في حدودها المتوسطة، أو الدنيا؟ وهل اطلع هؤلاء اطلاعاً جيداً على الثقافة الأجنبية في مظانها الأصلية، أي: بإحدى لغاتها، أم كان كلّه، أو أكثر، ما قرؤوه عن طريق الترجمة إلى العربية؟

    من يقرأ دراسة الناقد العراقي الدكتور عبدالواحد لؤلؤي «رواد التجديد في الشعر العراقي» الواردة في كتابه «الصوت والصدى»، يعثر على إجابة وافية إلى حد بعيد على هذه الأسئلة. هذا إن لم نقل إن هذا القارئ سيُصدم عند معرفته ثقافة أكثر هؤلاء الرواد على حقيقتها.

    ولشهادة الناقد العراقي أهمية خاصة، ذلك أنه كان زميلاً لبدر، ونازك، والسياب، زمن الدراسة في «دار المعلمين العالية» في بغداد التي درس فيها هؤلاء الشعراء. فشهادته إذن شهادة من عرفهم عن قرب وربطته صلة مباشرة، وظل صديقاً لهم إلى أن رحلوا.

    فإذا بدأنا بالسياب، وجدنا على ضوء هذه الدراسة أن معرفته الإنكليزية كانت معتدلة أو محدودة، فلؤلؤة، عند حديثه عنه، يقول: «لستُ واثقاً أن بدراً كان يستوعب تماماً ما يقرأ بالإنجليزية من شعر لشكسبير أو لإديث سيتويل، أو إليوت. لكن تضمينه وإشاراته توحي بذلك، وهنا معنى البراعة والموهبة الشعرية الكبيرة.

    لقد كان بدر ذا ثقافة متنامية، وخبرة في الحياة منّوعة، لم تتوفر لكثير من الشعراء في أيامه. لكن موهبته الشعرية كانت أكبر من ثقافته ومن خبرته في الحياة معاً، وهنا سرّ التميّز والإبداع».

    ويضيف في صفحة أخرى أن بدر انتقل من قسم اللغة العربية إلى قسم اللغة الإنكليزية في دار المعلمين العالية في سنته الثالثة، لكنه فُصل في بداية الفصل الثاني لأسباب سياسية، وعندما عاد بعد ذلك إلى نفس القسم، كان غرضه الإطلاع على ما في الإنجليزية من شعر، في محاولة منه لتوسيع آفاقه الثقافية، أو ربما بدافع اللحاق بمن تيسر له مثل ذلك الإطلاع، وربما كانت ثقافة نازك في ذهنه (يشير إلى غيرته منها). ولا يعتبر لؤلؤة أن مثل هذا التحصيل كافٍ للقول إن صاحبه حقق شيئاً ذا شأن على هذا الصعيد: «فأنا شخصياً التحقت بقسم اللغة الإنكليزية في هذه الدار بعد تخرّج بدر، وأعرف مدى ما كنا ندرسة من الشعر الأنكليزي والأدب عموماً. ولم يكن ذلك بالشيء الكثير. لكن بعضاً كان يتوسع بالدراسة خارج حدود المقرر من الكتب». ولكن بدر كان يستعير من جبرا إبراهيم جبرا بعض الكتب ويستفيد في الحديث معه. «كان مأخوذاً بشعر إليوت وايديث ستيويل، لكني أشكّ في مدى ما استوعب من شعر هذين الشاعرين، إلا ما كان من أسلوب الصورية. والإحالات على الأساطير والرموز.

    ولكن هل قرأ بدر تراث العرب الشعري القديم قراءة جيدة؟ حرفياً يقول لؤلؤة: «كان يُشاهد في العطلات الصيفية يقرأ كتب التراث العربي بنهم، وبخاصة في العامين الأولين في قسم اللغة العربية». وهذا التوصيف لقراءة بدر هذه لا يكفي للقول إنه غاص في التراث العربي كما ينبغي أن يغوص من يندب نفسه لمصير عظيم في الشعر والأدب. إن ثقافته بالعربية، استناداً إلى ما تقدم، واستناداً إلى ما تركه من شعر على الخصوص، كانت جيدة عموماً، أو أفضل بما لا يقاس من ثقافته بالأجنبية. ولكن لو توافّرت له ثقافة أرفع باللغتين، لأعطى بلا شك أكثر مما أعطى. فالثقافة تغني الموهبة، في حين أن شحّ هذه الثقافة من شأنه أن يدفع إلى التكرار، والطريق إلى ما يسمّونه بالتجاوز، أوله الانفتاح على سوق الثقافة في العالم.

    ولا شك أن نازك الملائكة كانت أوفر حظاً من بدر في مادة الثقافة، فقد كانت في دار المعلمين العالية طالبة منضبطة، عاكفة على دروسها لا على السياسة، وبعد تخرجها في هذه الدارة أكملت دراستها العليا في أميركا. يقول عبدالواحد لؤلؤة: «ثمة ما يدعو إلى القول إن المهاد الثقافي عند نازك قد أغنى بمحيطها البيئي وبما سعت إليه من الإطلاع على الشعر الأجنبي والقراءة باللغة الإنكليزية. يُؤْثر عن نازك قولُها «إن الشعر الإنكليزي واسع وأنا لا أكف عن القراءة فيه». وقد ازداد اهتمام نازك بالشعر الإنكليزي والفرنسي بدرجة أقل عندما عادت من دراستها الماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكونسن في أميركا في أواسط الخمسينيات، ولا يغادر لؤلؤة إطار الانصاف عندما يكتب عن ثقافة نازك ما كتبه، فمن يعد إلى إرثها يجد أن لها شعراً تشيع فيه الثقافة ويظل شعراً جيداً، كما أن لها نثراً يؤكد تحصيلاً عالياً من الثقافة. من ذلك كتابها النقدي عن الشعر العربي المعاصر، ودراسات نثرية كثيرة دراستها عن الشاعر المصري علي محمود طه. فنازك إذن كانت شاعرة مثقفة بالعربية والأجنبية.

    ولكن الشاعر غير المثقف تمثّل بعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري، عن الأول يقول لؤلؤة إن البياتي كان يحاول الانفتاح على الثقافة الأجنبية، ولكنه «في كل مراحله، وبناء على معرفتي الحميمة به منذ أيام دار المعلمين العالية حتى نزوحه إلى دمش يجاور محيي الدين بن عربي وليدفن قربه، لا أحسب أن تعلّم لغة أجنبية، مع أنه عمل في إسبانيا زمناً ليس بالقصير، وفي موسكو قبل ذلك. لكنه كان يعرف عن الإنكليزية القدر القليل الذي أتاحته له سنوات قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية». ولكن لؤلؤة يضيف أن البياتي كان يستفيد من الآداب الأجنبية عن طريق الترجمات إلى العربية.. زد إلى جانب ذلك، كان البياتي يجتمع إلى عدد من الأصدقاء يتدارسون مخارات من الشعر الفرنسي، والبياتي يُصغي ويستوعب ثم يكتب شعراً من دون وزن ولا قافية، معتمداً على موهبته الشعرية، ويدعو ذلك «ترجمة» بالاشتراك مع أحمد مرسي.. ومن هنا جاءت معرفته بشعراء فرنسيين مثل أراغون وإليوار، إذ راح يحاكي بعض أساليبهم في الشكل».

    طبعاً هذه الصورة عن صلة البياتي بالثقافة الأجنبية ليست بالصورة المشرفة. فالبياتي في واقع أمره كان يعرف من اللغات الأجنبية ما يمكن وصفه «باللغة السياحية» أي: بعض المفردات البسيطة المحدودة التي قد تفيد صاحبها خلال رحلة إلى الخارج، أو خلال جلوسه في مطعم لطلب وجبة طعام، لا أكثر من ذلك رغم أنه أقام سنوات طويلة في موسكو وفي مدريد. ولكن ما لم يشر إليه لؤلؤة هو أن البياتي لم يكن في أحيان كثيرة متمكناً في الصرف والنحو، أي: من اللغة العربية، وإنه لم يكن قارئاً نهماً لتراث العرب، قديمه وحديثه. وهذا ما لمسته بنفسي خلال سنوات طويلة من معرفتي الواسعة به، فكثيراً ما قرأ أمامي نصوصاً كان يخطئ خلال قراءتها بمسائل الصرف والنحو.

    أما الحيدري فلم يكن له، بنظر عبدالواحد لؤلؤة، أساس من دراسة جامعية أو معرفة بلغة أجنبية. «كان قارئاً جيداً، معنياً بفنون الرسم والنحت، كثير الاختلاط بالأدباء والشعراء الذين كانت تزخر بهم بغداد في تلك الفترة. أما إبداعه فإنه يقوم على قدراته الفطرية التي نفذت بقراءات منوعة، وبلغته هو لا بلغة أجنبية».

    هذا ما ذكره عبدالواحد لؤلؤة عن شعراء التفعيلة الكبار في العراق الذين زاملهم وعرفهم عن قرب. فإذا تجاوزنا ما ذكره، وأضفنا إليه ما نعرفه عن بقية الشعراء الرواد خارج العراق، أي: في مصر ولبنان، وسواهما، فتتفاوت الصورة. فخليل حاول كان مثقفاً بالطبع: فهو دكتور في الآداب وأستاذ للأدب والنقد في الجامعة، ويعرف العربية والإنكليزية جيداً. ولكن مشكلته تكمن في لغته الشعرية بالذات. فمن يقرأ شعره يجده شعراً غير مطبوع، شعرياً لديه قدرات نظم ونسج محدودة جداً. وقد لا نكون متجنّين على الحقيقة إذا زعمنا أن خليل حاوي كان قصير الباع في نظم الشعر، وهذا ما يقوله عنه شعراء وباحثون كثيرون. ولعل ذلك قد تأتى من أن خليل حاوي بدأ حياته شاعراً بالعامية، وأنه عندما عاد لدراسة منتظمة فيما بعد، وكذلك إلى كتابة الشعر بالفصيحة، فقد كان قد تقدم في العمر.

    أما رواد الحداثة الشعرية في مصر، وعلى رأسهم صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي، فإن حظهم من الثقافة، ومن معرفة اللغة الأجنبية، كان معقولاً أو مقبولاً. فكلا الشاعرين هذين درسا الأدب في الجامعة، وعرفا اللغة الأجنبية، وقرأا بها، من دون أن نكون بالطبع إزاء شعراء مثقفين ثقافة عالية، وما كتبه هذان الشاعران يفيد ذلك.

    قد يقول قائل إن الشاعر العربي القديم، ونموذجه أمرؤ القيس أو المتنبي أو المعري، لم يكن يعرف لغة أجنبة، كما أن ثقافته لم تكن ثقافة ذات شأن، ومن ذلك فهم من فهم الشعر العربي الباسقة والباقية، وهذا صحيح من حيث المبدأ. ولكن المتنبي وإن لم يعرف لغة أجنبية، وهذا شأن مناصريه بوجه عام، تسرّبت إلى شعره ثقافة ومعارف عصره. وهذا هو ما نلمسه في شعر زملائه الآخرين.

    أما اليوم فإن الثقافة الأجنبية، وكذلك اللغة الأجنبية، باتا تشكلان ضرورة للكاتب المعاصر وللشاعر المعاصر بالذات. ذلك أن القصيدة كما تحتاح من الذات الشاعرة، فإنها تحتاج أيضاً من الثقافة الحديثة والأجنبية قبل سواها. وربّ قصيدة حديثة عظيمة، إنما بحثنا عن أسباب عظمتها وجدناها تكمن في علوم كثيرة مختلفة لا تبدو في الظاهر من مناهل الشعر، ولكن الشاعر نهل منها وتمكن من الاستفادة منها وتوظيفها في شعره، فوهبته كثيرا الذي لقّح به شعره. وهذا ما بات معروفاً ومقرراً في علم الشعر اليوم.


     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    فاطمة المحسن
    السياب عندما يقع أسير محليته

    اعاد إلي كتاب ناصر الحجاج " بدر شاكر السياب / هوية الشعر العراقي" دار العارف، كل ما بدا لي مربكاً في فهم المنحى الجديد في الثقافة العراقية، والمتعين بكيفية تعريف الكتّاب الجدد أنفسهم عبر الانتماء إلى المدن التي ينحدرون منها. ناصر الحجاج من البصرة وهو يكتب عن مدينته في علاقتها بالسياب أو العكس. بيد أن صيغة الانتساب تبدو هنا نتاج ثقافة تحتاج إلى مراجعة، وربما يسعفنا الحظ في التقاط بعض سماتها عبر هذا الكتاب، الذي لا يقتصر النقاش عليه، فهو هدية من مؤلفه الشاب الكيّس المتواضع الذي تعرفت عليه ببيروت ويستحق كل تقدير لجهده. كل مقصدنا هو تسليط الضوء على ما نشهده اليوم في الثقافة العراقية من محاولات لإبراز هويات المدن، وهي ظاهرة صحية من أجل كسر مركزية السلطة التي آل قمعها وجهلها إلى ضياع ومسخ كل الهويات، بما فيها هوية العاصمة، إن كانت لها في السابق هوية ثقافية. ولكن الغريب في هذا النازع ما ينطوي عليه من تفاخر وتضخيم وتنابز بالمدن.

    الكتاب يدور حول محلية شعر السياب، وهذه السمة لم تكن يوما موضع إهمال في أوراق النقد، لا في إطلاق التسمية ولا في تشخيصها، ومحاولة الحجاج ربط شعر السياب بالأغاني والأمثال والترديدات البصرية والمحكية الجنوبية، ليست جديدة على من قرأ المؤلفات العراقية عن السياب، ولكن الجديد فيها هذا الحماس الشبابي الذي يكاد يحرق صاحبه في أتون عصبية تتعدى الغرض الأدبي إلى أغراض أخرى، ليس أقلها الانتقاص من كل من كتب عن السياب من العرب او العراقيين الذين " لم يشربوا الماء الذي شربه السياب" كما يقول المؤلف.

    كتاب ناصر الحجاج يحوي مقدمة وسبعة فصول، وهو رسالة جامعية تقدم بها المؤلف إلى الجامعة اللبنانية. يقول الحجاج في مقدمته " لا نتوقع أن يتمكن أي ناقد من سبر أغوار نص أدبي ينطوي على ثيمات محلية أو لغوية كانت أم اجتماعية أم فولكلورية، ما لم يكن ذلك الناقد واحدا من السكان المحليين، لأن اللغة أية لغة لا يمكن أن تنقل إلى لغة أخرى دون أن تحمل عمقها الدلالي المتداول بين الناطقين بها. وهكذا لا نتوقع أن يتمكن النقّاد العرب من إدراك شاعر كالسياب عاش البيئة العراقية وحمل تعقيدات المجتمع العراقي، وبدأ اول نتاجه بكتابة الشعر الشعبي المحلي متذوقا ومبدعا بريشة اللهجة الجنوبية البصرية " من هذا المنطلق يقول انه يرسم الصورة الغائبة لشعر السياب باعتباره ، أي المؤلف، بصريا.

    وكي يدرك القارىء البصرة مكانا متميزا، عليه أن يعود إلى بدء الخليقة. وهكذا يسير بنا الكتاب في مقدمته، موغلا في الحديث عن المدينة " العصية على الأعداء" أو تلك التي لم تدركها المدن الأخرى لأنها " مدينة الله الأولى، لإنسانه الأول، وهي جنة عدن التي عاش فيها آدم وزوجه، فهي أول بيت وأول أسرة" ثم يسري بنا في رحلته كي نتعرف عبر المدينة على الحسن البصري وابن الهيثم وابن المقفع وسواهم. ثم نعود من الرحلة الطويلة تلك إلى أور وكلكامش وقبر ابراهيم، ومعركة ذي قار بين العرب والفرس.

    حلّق المؤلف في مقدمته بالسياب، ووضعه على بساط سحري، حتى أشفقنا على الشاعر من تلك الحمولة التي ينوء بها. ولعل أسلوب الكاتب وهو يدخل البصرة إلى أبواب المدن الخارقة، فوّت على مدينته جانبا جميلا من حكاياتها التي استذكرها السياب في شعره، من المومس العمياء وأحياء اللذة التي عرفتها البصرة، إلى حفّار القبور وأم البروم، وباعة الدم، والمغني العجوز، والمُخْبرين، وطبول الزنوج ورقصاتهم، وسوق الهنود، وكل ما تمثّله الشاعر، بل كل ما شكّل تاريخ البصرة في زمن السياب، ذلك التاريخ المفعم بالروائح الحريفة والحياة الأرضية الضاجة بالشعر. وهذا لا يعني أن الكتاب لم يتطرق إلى بعضها، ولكن مقدمته التي اقتضاها خطاب الثقافة العراقية الجديدة، تبدو على تناقض مع مادته.

    لعل أقصى ما تمناه السياب وما يتمناه كل أديب، هو ان لا تضيق عوالمه لتقتصر على فهم أهل مدينته، وأتعس ما يلم بالأديب من مصائب، هو المدح الذي يتلقاه من المقرّبين إليه أو الذين خرج من بين ظهرانيهم. والأدب الجدير بالقراءة هو ذاك الذي لم يعد ملك صاحبه ولا ملك أهله أو أبناء بلدته، بل ملك الجماعة التي كُتب بلغتها، أو ملك الإنسانية إن كان الكاتب محظوظا كي يقرأه الناس بلغات أخرى، أو يكتب هو بلغة تلقى الرواج عالمياً. لعل في محاولة الحجاج فائدة مهمة في تتبع الأثر العيني في مرجعيات السياب المحلية، ولكنه يبدو هنا كما لو يسد باب التأويل على من قرأ السياب من النقّاد العرب، ويذكر المؤلف بينهم إحسان عباس الذي كانت محاولته تناسب زمنه ومكانته الكبيرة في النقد يومذاك، وحتى لو أخطأ في التقدير او لم تسعفه ثقافته في معرفة البصرة ، فله ثواب المحاولة.

    جيكور وبويب وصورهما المتبدّلة، رسخت في ذاكرة العرب، عندما أطلقهما السياب من اسار المحلية وجعلهما أمكنة قابلة للقراءات المنوعة وحافلة بالقدرة على التأويل المضاعف، والتأويل عملية إبداعية تخرج النص من زمانه ومكانه المحددين، لتستنبط أبعاده وعلائقه المتحركة في فضاءات فكرية وتأملية، هذا إذا شئنا إهمال نظرية التواصل، ثم نظرية التلقي وبدعة موت الكاتب. ولا نحسب إلى اليوم قراءة مهمة مثل التي كتبتها خالدة سعيد عن قصيدة " النهر والموت" وهي لم تشرب من الماء الذي شربه السياب، ولا أكلت من تمر بلدته. والحق ان جيكور وبويب وأم البروم ووفيقة وبنات الجلبي، كل تلك الثيمات وغيرها، تحولت بفضل رحلتها عبر شعر السياب، من الحيز المحلي الضيق إلى فضاءات تتصل بثيمات الشعر العالمي، ومنجز السياب في جانب مهم فيه، يقوم على الإفادة من اجتهاداته الشخصية في الترجمة وترجمات غيره، والسياب أول من تحدث عن تأثره بأديث ستويل، فلماذا ينكر عليه المؤلف هذه المزية. كما لا يمكننا اهمال تأثيرات لوركا أو إليوت على الشعر العراقي وخاصة شعر السياب. التأثر بالشعر الغربي كان أحد أهم دوافع التحديث في الشعر العربي وظهور موجة الشعر الحر تحديداً، وهذا لا يعد مثلبة، إذا اعتبرنا كل موجات الشعر العالمي الحديثة نتاج ترجمات وتفاعلات بين ابداعات الشعوب والحضارات، ولكن الكاتب يرى في محاولة عودة النقاد إلى تلك الأصول، ما يشكّل انتقاصا أو تهمة بالانتحال.

    لعل الكاتب أراد احتجاز السياب في أفق محدود، دون أن يعي ما يجنيه عليه من تبسيط، هو في النهاية يصب في باب التأكيد على أهمية الهوية الفرعية التي تبدو هنا بيت القصيد.

    ظهور الهويات الفرعية " هويات المدن" في النتاجات العراقية، مثلما في النتاجات العربية بمجموعها، قديم، قدم البحث عن المكان والزمان في مسار كل حركة ثقافية سواء عند من يكتب النتاج او يقرأه أو ينقده. وتبرز الحاجة اليوم إلى معرفة وتشخيص هذه المزية في الثقافة العامة والخاصة، عبر سماع صوت المدن التي أقصيت وهمّشت، وهذا ما يتحقق اليوم في العراق من خلال المطبوعات ووسائل الاعلام وشبكات النت والفضائيات. وفي بلد مثل العراق يعاني من مشكلة التناحر والإقصاءات، لن تظهر سمات الانحياز إلى المدن في منحاها الإيجابي، إلا بنزع طابع الانكفاء والتحزّب والروح القبيلية عنها، فهي في النهاية إعادة اعتبار للمكان العراقي بتنوعه، ومحو سمة التعالي وتبخيس حق المدن التي حُرمت من فرصها في الاقتصاد والتعليم والتطور.

    ولعل كتاب ناصر الحجاج يلخّص نسقا من الكتابات التي يدبجها الجيل الجديد من الكتاب العراقيين، وهي جديرة بالمعاينة والتفرغ خارج هذا الحيز الضيق، ويمكن تعيين خطابها عبر اتجاهات ثلاثة: الحماس للعصبويات المناطقية، وهاجس الأبوة والبنوة الأدبية، إنكارا أو قبولا، وشتم الأيديولوجيات القومية والماركسية.

    المنقلب الثاني للكتاب أو مشترك كتاب الحجاج مع كتابات الكثير من المثقفين العراقيين الشباب، يتخذ نزعة تحاول تطهير كتابات السياب من نزعات العقائد الموجعة، على حد تعبير الشاعر أحمد عبد الحسين. وفي هذا الباب، يمضي المؤلف في الحديث عن معاناة السياب من العقائد التي كانت سائدة، فقد حاربه القوميون ثم الشيوعيون ودفع هو ثمن طهارته. حتى كتاب السياب " كنت شيوعيا" وهو كتاب يخلو من الحساسية الأدبية والإنسانية، لا لكونه يذم الشيوعيين، بل لأنه كتاب ساذج وسطحي ويتناقض مع حداثة خطاب السياب، حتى هذا الكتاب يستذكره المؤلف لأنه يراه دليلا ساطعا على الظلم الذي تعرض له من تلك العقائد. وموضوع العقائد او الأحزاب وتأثيرها على الأدب العراقي، بحاجة إلى قراءة معمقة ومركّبة، كي لا تغدو لدينا عقيدة جديدة تهتف باسم المثقف المستقل، حتى لو كان نتاجه لا يطاول نتاجات أصحاب العقائد. لنتذكر ان عزرا باوند وهو من علامات الشعر الانكلو سكسوني بمجموعه، كان فاشيا.

    استميح المؤلف عذرا عن هذه المادة ، مدركة طيب نيته، وليغفر لي استخدام كتابه في ما ظننته نزعة جديرة بفتح النقاش حول مفهوم المحلي والمناطقي والوطني والعربي والعالمي، وما بين تلك المكونات من شؤون وشجون.
     
    آخر تعديل: ‏28/4/14
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سعدية مفرح
    منزل الاقنان.. ذكرى السياب الخالدة

    "خرائب فانزع الابواب عنها تغد اطلالا
    خوال قد تصك الريح نافذة فنشرعها إلى الصبح
    تطل عليك منها عين بوم دائب النوح
    وسلمها المحطم، مثل برج دائر، مالا
    يئن إذا اتته الريح تصعده إلى السطح
    سفين تعرك الأمواج ألواحه.."

    ومنزل الأقنان هذا الذي غناه، ونعاه الشاعر الراحل بدر شاكر السياب في هذه القصيدة التي حملت عنوان "منزل الأقنان" وصارت القصيدة الابرز في ديوان حمل العنوان نفسه، هو بيت ملحق ببيت أسرة الشاعر في قرية جيكور المطلة على نهر بويب في محافظة البصرة. ولا أعتقد ان قارئاً للشعر العربي الحديث يمكن ان يجهل هذه الاسماء التي احتفل بها السياب كما لم يفعل شاعر آخر مع امكنته الجغرافية الخاصة تقريباً.اما الحدث الذي يعيدنا الآن للسياب - الذي لا ينسى على أية حال - كما يعيدنا إلى منزل الأقنان وجيكور وبويب والبصرة فهو ما عبر عنه خبر صحفي تناقلته قبل ايام قليلة وكالات الأنباء حول اعتزام الجهات الثقافية الرسمية في العراق تنفيذ حملة واسعة لترميم وصيانة منزل الأقنان. وتقول تفاصيل الخبر ان المرحلة الاولى من هذه الحملة تشمل رفع الانقاض من باب البيت وصيانة الجدران وترميمها وتجديد البناء في جميع غرفه وملحقاته، في حين تشمل المرحلة الثانية بناء بيت على شكل متحف خاص يضم ما كتب عن السياب في الصحف والمجلات والدوريات، اضافة إلى صوره الفوتوغرافية ومقتنياته الشخصية في مراحل حياته المختلفة.هل يمكن ان تكون هذه الخطوة صورة من صور السقيا التي تمناها الشاعر لبيت الطفولة وهو يجود بأنفاسه الأخيرة في الكويت التي لجأ اليها بعد ان تكاثرت عليه الامراض المشكلات..؟ ربما ولكنها خطوة متأخرة جداً للدرجة التي تجعلنا نشككك بمغزاها ومدى اخلاصها لذكرى الشاعر الكبير!!.

    لقد توفي الشاعر الراحل في المستشفى الاميري في الكويت عام 1964م بعد فترة قاسية طويلة قضاها يعاني من الامراض التي ألمت به وذوبت جسده النحيل شيئاً فشيئاً للدرجة التي صارت فيها عظامه، كما يروي احد اصدقائه الذين لازموه في المستشفى بالكويت، تتكسر ويتساقط فتاتها على الفراش. وعندما حانت لحظة النهاية لم يجد اصدقاؤه الكويتيون، وعلى رأسهم الشاعر علي السبتي، خياراً افضل من حمل الجسد الفاني لدفنه في جيكوره على نهر بويب. ويقول السبتي انه عندما وصل إلى منزل عائلة الشاعر برفقة تابوته لم يجد أحداً بانتظاره.. كانت زوجة الشاعر مع اطفالها الصغار منشغلين بنقل اغراضهم وحاجياتهم من البيت الذي طردوا منه بالصدفة في نفس اليوم الذي توفي فيه السياب!!

    لم يكن هو منزل الأقنان ولكنه كان منزلا آخر منحته احدى الجهات الرسمية التي كان يعمل فيها السياب له ثم سحبته بعد ذلك، اما منزل الأقنان فقد ظل ذكرى خالدة لا تحتاج صيغة متحفية وكلمة اخيرة لا تنتهي في فم الشاعر المعذب:
    "ألا يا منزل الأقنان
    سقتك الحيا سحب
    تروي قبري الظمآن
    تلثمه وتنتحب.."
     
    آخر تعديل: ‏28/4/14
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد رضا نصر الله
    ليلة مع السياب في داره!
    امتدت يدي الى رف بدا مغبراً في المكتبة.. فقفز من بينه ديوان "إقبال وشناشيل ابنة الجلبي" للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، فتحت الصفحة الأولى فإذا بإهداء من ابنه "غيلان" مع عواطفه الغامرة، موقع بتاريخ 1979/9/23م.

    إذن.. وقتها كنت في دارة السياب.. نسيت الآن مع تقادم الزمن، أين كانت هل في جيكور القرية الخضراء التي طالما تغنى السياب بنهرها.. وهي قرية تابعة لقضاء ابو الخصيب.. أم في البصرة.. المدينة التي أرخ الشاعر معظم قصائد ديوانه الأخير منها..

    أغلب الظن ان البيت كان يقع فيها، وقد زرته مساء ذلك اليوم، للتعرف على عائلة السياب، قبل التوجه لمسقط رأسه، لألتقي هناك بعم السباب، وصهره فؤاد عبدالجليل، وفلاحين جاوروا عائلة الشاعر.. اكتشفت من خلال قراءتي عن العراق في تاريخ الأقطار العربية الحديث للمستعرب الروسي "لوتسكي"، أنها ذات ماض إقطاعي.. إن لم يكن ذلك بالمصطلح الماركسي، فهي من أسرة امتلكت الأراضي الزراعية..

    @ هل لهذا تحركت جينات الشاعر المتصارعة، فكتب ديوانه "منزل الأقنان" يعني فلاحي جيكور.. لقد زرت بيت السياب في قريته، فوجدته فسيح الباحة، كبير المساحة.. بدا متهاوياً، فغدا أطلالاً، يحج إليها الشعراء العرب، ممن يزورون العراق في المناسبات الأدبية.. ليقفوا تحت "شباك وفيقة" إحدى ملهمات الشاعر القروي.

    .. ولأن من طبيعة الشعر الرومانسي المبالغة، والإغراق في التخييل.. فقد هالني مرأى نهر جيكور، فلم يكن سوى نهير، أو قل ساقية ماء! تحوطها أشجار النخيل.. هذه التي شكلت عنصراً أساسياً، في صياغة مفتتح قصيدة السياب الشهيرة "أنشودة المطر" فإذا بعيني حبيبته "غابتا نخيل ساعة السحر، أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر".

    @ عناصر الطبيعة حافلة في قاموس الشاعر.. وفي أول قصيدة من قصائد الديوان المهدى إلي من ابنه.. أسمعه وهو يفضي إلينا بآخر حشرجاته الشعرية، قبل وفاته سنة 1964م في المستشفى الأميري بالكويت.. يقول:

    وأذكر من شتاء القرية النضَّاح فيه النور
    من خلل السحاب كأنه النغم
    تسرب من ثقوب المعزف - ارتعشت له الظلم
    وقد غنى - صيبحاً قبل.. فيم أعدَّ؟ طفلاً كنت أبتسمُ
    لليلي أو نهاري أثقلتء أغصانه النشوى عيون الحور..
    نحدق في ظلال الجوسق السمراء في النهر
    ونرفع للسحاب عيوننا: سيسيل بالقطر
    وأرعدت السماء فرنّ قاع النهر وارتعشت ذرى السعفِ وأشعلهن ومض البرق ازرق ثم أخضر ثم تنطفئ
    وفتحت السماء لغيثها المدرار باباً بعد باب
    عاد فيه النهر يضحك وهو ممتلئ
    تكلله الفقائع، عاد أخضر، عاد أسمر، غصَّ بالأنغام واللهف.
    وتحت النخل حيث تظل تمطر كل ما سعفه
    تراقصت الفقائع، وهي تفجر - انه الرطب
    تساقط في يد العذراء، وهي تهز في لهفة
    بجذع النخلة الفرعاء..

    بعدما قرأت هذه القصيدة أمام ابنه غيلان وابنتيه غيداء، وآلاء ونحن نرتشف "استكانات" الشاي العراقي، أطلعني على قصائد مخطوطة بقلم الشاعر الكبير، وأسمعني صوته الهادئ، وهو يلقي من إذاعة لندن إحدى قصائده.. أظنها "غريب على الخليج"

    .. بعد قضاء أمسية جميلة ..والانتهاء من تصوير فيلم تسجيلي عن السياب في مسقط رأسه، عدت إلى الرياض، ليفاجأني غيلان برسالة رقيقة يطلب وساطتي لقبول تسجيله في كلية البترول والمعادن بالظهران.. هكذا كان اسمها قبل أن تتحول الى جامعة..

    يا ترى لو أفلحت في مسعاي .. ماذا سيكون عليه مستقبل ابن أهم شاعر عربي مثير في منتصف القرن العشرين.. بالتأكيد هو غير المستقبل الذي أصبح عليه، وهو يسلخ سنوات عمره تحت نظام الطاغية.. الذي سقطت يوم التاسع من ابريل كل تماثيله ونصبه في العراق، وبقي تمثال السياب، يستقبلك بترحاب حزين، ووراءه نهرا دجلة والفرات، وقد اختلطت مياههما بمياه الخليج.
     
    آخر تعديل: ‏28/4/14
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سعد الحامدي الثقفي
    تكريم السياب !

    لو قدر للسياب أن يكون في أمة غير هذه الأمة أو بلد غير العراق، لربما كان شأنه غير الذي آل إليه.

    فقد عاش السياب، رائد الشعر العربي الحديث يعاني الم الغربة والمرض في آن، وعندما مات حمل جثمانه أحد أصدقائه من المستشفى الأميري في الكويت إلى قريته جيكور في جنوب العراق (البويب) ودفن وحيدا.

    وكانت المفارقة أن أسرته طردت من منزله بحجة عدم دفع الإيجار في ذات اليوم الذي وصلت فيه الجثة.

    فكان أن دفن وحيدا، بعيدا حتى عن أسرته التي حرمت منه حيا وميتا. ولوكان في بلد غير العراق لربما سميت الشوارع باسمه والميادين، إن لم يوضع نصب تذكاري تخليدا لذكراه كواحد من الشعراء العرب القلائل الذين بقي تأثيرهم الشعري كبيرا ومؤثرا. حتى بعد وفاته بعقود، وسيبقى أيضا.

    وكم من الشعراء العراقيين لاقى ذات المصير فمات بعيدا عن العراق، في المنافي. الوطن الذي حملوا اسمه، وصنعوا له أنجما، وزينوا له سماء غير تلك السماء التي ينام تحتها العراق اليوم وقد تكالبت عليه المحن من كل جانب. والقائمة تضم الجواهري والبياتي والحيدري ولا ندري متى يقف قطارالتغرب والغربة بالمبدعين العراقيين، بل بالشعب العراقي البعيد هناك في المنافي الذي ينتظر متى يجري نهر دجلة مطمئنا بأن مياهه تجري في مجراها الذي يريده !

    وبعد : فلقد طالعتنا الزمان اللندنية بخبر عن السياب يندى له الجبين، فقد قرر القوم تكريمه ولكن بطريقة تدعو للحزن وللأسى. فسطا لصوص على قبر السياب وحاولوا نبشه في وضح النهار. وهذا النبش ليس من أجل الحصول على شيء من جسد السياب (خلية جسدية مثلا) من أجل استنساخه لقناعتهم بأنه من المهم استنساخ السياب، فهو نسخة لن تتكرر، وعلى اعتبار أنه إذا لم ينل السياب الحقيقي التكريم الذي يستحقه، فلتكرم نسخته (الدمية) التي ستستنسخ .

    لكن، ليس هذا مأرب القوم، فلقد كان اللصوص يحاولون الحصول على رفاته من أجل بيعها (لثري) لا يعرف أين يبذر فلوسه، فقرر الحصول على رفات قبر السياب. وهنا يكرم السياب، بنبش قبره ونقل رفاته!!

    تصوروا معاشر القراء، كيف يكون التكريم بعد كل هذه السنين من الإبداع والريادة بنبش القبور.

    وفي قصيدة (الشهادة) المنشورة في مجموعته الشعرية الصادرة عن دار العودة في الجزء الثاني 284تنبأ السياب بشيء مما حدث، فكان أن كتب قصيدته تلك وهو يقرأ حال الزائرين لقبره فكانوا فئات لكن أسوأ هذه الفئات تلك التي قال عنها ( مر على قبري فقال: قبر! وأين من هذا الرميم الشعر) إنها الفئة الجاهلة لاريب، تلك التي لا تفرق بين الأموات كما لا تفرق بين الأحياء. وقد حددها الشاعر جيدا.
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبدالله الجعيثن
    غيلانُ لم أهجرك عن قصد، الداءُ يا غيلانُ أقصاني (السياب)

    وُرد في كتاب (محاضرات الأدباء) أنَّ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حين حضرته الوفاة أخذ ابنه وولي عهده يزيد يبكي فانتفض معاوية انتفاضة الموت وصرخ يزيد:

    أتبكي كالنساء إن أمامك مهاماً جساماً فإذا مت فخذ البيعة قبل أن تقبرني وخذ حذرك من فلان وفلان (وعدد أسماء) أما عمرو بن العاص فإنه سيذهب معك للمقبرة ثم يقول: يا أمير المؤمنين أنا مُتْعَب فاسمح لي بالعودة فقل له: إن أردت العودة قبرتك حياً مع أبي.. فإنه إن عاد إلى القصر قبلك أخذ الملك منك!

    ثم نطق الشهادتين ومات..

    وأخذ يزيد البيعة سريعاً من كبار القوم ثم ذهبوا ليقبروا معاوية، وعلى باب المقبرة قال عمرو بن العاص ليزيد: يا أمير المؤمنين أنا مريض فأذن لي بالعودة!

    فصرخ به يزيد: إن حاولت العودة قبرتك حياً مع أبي.. تعال! فنظر إليه عمرو وقال: هذه والله ليست منك ولكنها من المحمول على هذا النعش!

    قلت: ومهما يكن من أمر هذه القصة فإن لها دلالة، وهي اختلاف الناس عند الوفاة حسب مناصبهم وطبائعهم.. ولكن الموت في النهاية يأخذ الجميع ولا يبقى إلا صالح الأعمال..

    ٭٭٭

    وقد أصيب الشاعر العراقي بدر شاكر السياب بمرض مزمن في رئته (أظنه السُل) فسافر للعلاج في لندن حزيناً، مفارقاً زوجته (إقبال) وابنه (غيلان)وبلدته (جيكور) ونهرها (بويب) وهناك قاسى آلام المرض والغربة وصار ينزف الدم والشعر وهو وحيد مريض في لندن، يتخيل طفله (غيلان) يبكي (ويشره) على أبيه كيف يُخَيله:

    «أسمعُهُ يبكي يُنَاديني
    في ليليَ المستوحد القارس،
    يدعو: «أبي كيف تُخَلِّيني
    وحدي بلا حارس؟»
    غيلان، لم أهجركَ عن قَصْد
    الداءُ يا غيلانُ أقصاني
    إني لأبكي مثلما أنتَ تبكي في الدجى وحدي
    ويستثيرُ الليل أحزاني»

    وليل لندن في الشتاء طويل ثقيل على السائح الطيب فكيف به على المريض المتألم الوحيد ولكن الشاعر يرفع يديه إلى ربه بليل:

    «يا ربَّ أيَّوبُ قد أعيا به الداءُ
    في غربة دونما مال ولا سكَن،
    يدعوكَ في الدُّجَن
    يدعوكَ في ظُلَمات الموت: أَعباءُ
    نَاءَ الفؤادُ بها فارحمه إنْ هَتْفَا
    يا منجياً فُللْك نوح مَزِّق السُّدَفا
    عني، أعدْني إلى داري، إلى وطني..

    ٭٭٭

    أطفالُ أيوبَ من يرعاهُمُ الآنا؟
    ضاعوا ضياعَ اليتامى في دُجى شات
    يا ربِّ أَرجعْ على أيوبَ ما كانا:
    جيكور، والشمس والأطفال راكضة بين النُّخيلات
    وزوجَهُ تتمرَّى وهي تبتسمُ
    أو ترقُبُ البابَ تعدو كُلَّما قُرعَا:
    لعله رَجَعَا
    مشاءَة دونَ عُكَّاز به القَدَمُ!

    ٭٭٭

    في لندن الليلُ مَوتٌ نَزْعُهُ السَّهَرُ
    والبردُ والضَّجرُ
    وغربةٌ في سواد القلب سوداءُ
    يا ربِّ يا ليت أنِّي لي إلى وطني
    عَوْدٌ لتلثمَني بالشمس أَجواءُ
    منها تنفَّستُ روحي: طينُها بدني
    وماؤها الدمُ في الأعراق يَنْحَدرُ
    يا ليتني بينَ من في تُرْبها قُبروا

    ٭٭٭

    أنا قد أموتُ غداً فإن الداءَ يقرضُ غيرَوان
    حَبْلاً يَشُدُّ إلى الحياة حُطَام جسم مثل دار
    نَخَرَتْ جوانبها الرياحُ وسقفُها سيلُ القطارْ
    يا إخوتي المتناثرين من الجنوب إلى الشمالْ
    بين المعابر والسهول وبين عالية الجبالْ
    أبناءَ شعبي في قُراهُ وفي مدائنه الحبيبة
    لا تكفروا نعَمَ العراقْ..
    خيرَ البلاد سكنتُمْ بين خضراء وماء
    الشمسُ، نورُ الله، تغمرها بصيف أو شتاء
    لا تبتغوا عنها سواها
    هي جَنَّةٌ فحذار من أفعى تَدُبُّ على ثراها
    أنا ميِّتٌ، لا يكذبُ الموتى
    وأكفُرُ بالمعاني إن كان غيرَ القلب منبعُها
    فيا ألَقَ النهار:
    اغمر بعسجدك العراق، فإن من
    طين العراق جسدي ومن ماء العراقْ»

    ٭٭٭

    ومما قال: «يا قارئاً كتابي.. ابك على شبابي» وهذا يذكرني بما قاله أبو فراس الحمداني وهو في الأربعين قبل أن يُقتل بشهور كأنما يرثي نفسه:

    زين الشباب أبو فراس
    ولم يُمَتَّع بالشبابْ

    كما يذكرني بشاعر الحكمة صالح بن عبدالقدوس، وكان من شعره:

    لا يبلُغُ الأعداءُ من جاهل
    ما يبلغُ الجاهلُ من نَفْسه

    وكان له حكْمٌ نفيسة في العقل المعيشي، غير أنه عادى واستعدى، وكان الهادي قد أولع بقتل كل من اتُّهمَ بالزندقة، وقيل له إن صالح بن عبدالقدوس فيه زندقة، واستدعاه وهو شيخ فأنكر صالح ذلك، قال المهدي: أنت زنديق ولا بُدَّ من قتلك. قال: يا أمير المؤمنين، إن كنتُ زنديقاً فإنني أعلن التوبة أمامك والتوبة تجب ما قبلها.. فرد المهدي: ألستَ القائل:

    لا يرجع الشيخُ عن أخلاقه
    حتِى يوارى في ثرى رَمْسه

    وأنت شيخ فلن ترجع عن أخلاقك، خذوه فاقتلوه.. وقُتلَ فوراً.. ولله الأمر من قبل ومن بعد..

    ٭٭٭

    وفي مشفى بلندن، بين وحدة ومرض ووحشة، يتعلق السياب باليوم الذي سيعود فيه إلى وطنه وأهله، ويشتري الألعاب لطفله، ويجد زوجته إقبال تنتظره، وتُعدُّ له ما تعرف أنه يريحه:

    «رُبَّ صباح بعد شهر.. بعدما الطبيبْ
    يراه - من يعلم ماذا خبَّأ القَدَرْ؟ -
    سيحملُ الحقيبة المليئة
    بألف ألف رائع عجيب،
    بالحليِّ والحَجَرْ،
    بالُلعَب الخبيئة
    يفجأُ غيلانَ بها. يا طولَ ما انتظرْ!

    ٭٭٭

    وزوجتي لا تُطفئ السراج: «قد يعودْ
    في ظُلمْة الليل.. من السفرْ»
    وتُشْعلُ النيرانَ في مَوْقَدنا: «برودْ
    هو المساءُ وهو يهوى الدفء والسمرْ»

    فزوجته الصابرة تنتظره على شوق، تهتف «قد يعودْ» وكُلَّ ليلة تشعل النيرانَ في الموقد انتظاراً لعودته ليجد المنزل دافئاً فهو يهوى الدفء والسمر..»..

    إن مشاعرنا الإنسانية تفوق قدراتنا بآلاف الأضعاف..

    ٭٭٭

    وفي قصيدة عنوانها «أحبيني» يعترف السياب لزوجته إقبال - وهو مريض بعيد - أنه أحبَّ قبلها كثيراً من النساء ولكنه لم يظفر بحب أي واحدة منهن ويقول لها برقة «أحبيني» «.. وأنت لعله الإشفاقْ» فهو شاكٌ في حبها له يظنه مجرد إشفاق عليه من مرضه وظروفه القاسية فتجاربه الفاشلة مع الحب والنساء جعلته يشك في حب زوجته له ويصرخ من قلبه «أحبيني» وهو طلب صعب على الرجل ولكنه المرض والضعف ورقة الشعور مع رقة الجسد العليل حتى يصبح الشعور شفافاً.. «اليوم ما على الضمير من حياء حارس» كما يقول في هذه القصيدة:

    «من مرضي.. من السرير الأبيض
    من جاريَ انْهَارَ على فراشيه وحشرجا
    يمُصُّ من زجاجة أنفاسَهُ المُصَفِّرة
    من حُلمُيَ الذي يُمدُّ لي طريق المقبرة
    أكتبُها وصية لزوجتي المُنتظرة
    وطفليَ الصارخ في رقاده: «أبي أبي»
    دونَ يقين أن يعودَ في غد لداره
    ما خَضَّهُ النذيرُ والهواجسُ
    كما تَخْضُّ نفسيَ الهواجسُ المبعثرة
    اليوم ما على الضمير من حياء حارس:
    أخافُ من ضبابة صفراء
    تنبعُ من دمائي
    تلفُّني فما أرى على المدى سَواها
    أكادُ من ذلك لا أراها.
    إقبالُ يا زوجتي الحبيبة:
    لا تعذليني ما المنايا بيدي
    ولستُ لو نجوتُ بالمُخَلَّد
    كوني لغيلان رضى وطيبَةْ
    كوني له أباً وأُماً وارحمي نحيبَهْ
    وعلِّميه أن يُلينَ القلبَ لليتيم والفقيرْ»

    ٭٭٭

    وللشاعر سليمان التركي السديري قصيدة مؤثرة يوصي بها ابنه فيصل، قالها الشاعر وهو على فراش الموت، يحس أن الموت جاء يأخذ حقه، والرجل مؤمن بربه، وهو في قصيدته يودع ابنه فيصل وداعاً حاراً، وداعاً لا لقاء بعده، ولا يريده أن يجزع من موت أبيه، فإن الموت حق، قلت وإن الأب بأولاده لرحوم حتى وهو يموت..

    في القصيدة مشاعر إنسانية نابضة، وفيها نصائح صادقة صادرة من قلب أب يموت لابن حبيب:

    «أشوف ديَّاني وَقَّفْ على البابْ
    يبي الوفا مني ويطلب حسابهْ
    يا فيصل اودعك توديع الأحبابْ
    لا تحتري أنه يجي من غيابهْ
    غيبة دهر ما هي شهر عَدّ وحسابْ
    في مَظْلم ينهال فوقي ترابهْ
    أَبيكْ ان تجزع وتفزعْ وترتابْ
    إن جاك من ينعى ويشلع ثيابهْ
    عمر البكا ما فاد حي ولا ثابْ
    لو سر غيرك كان سرّ الندابهْ
    اعزم وشَم واصعدْ من المجد مرقابْ
    واطلبْ لابوك انَّه يخفَّف عذابهْ
    وعليك باخوانك وربعك والاقرابْ
    حقي عليك مَواصَلكْ للقرابه
    ومن بينكم لا ينقل الهرج سبّابْ
    ترِى دمار الدار نقْل السبابهْ
    ومن الرِّجَال الى تخيَّرتَ الاصحاب
    تخيّر اللِّي ما يغيّر جوابَهْ
    مَغلاقْ باب الشر حلاَّل الانشابْ
    زبن الدخيل الى انقضى جنابهْ
    وابعد عن الدوني ولو مرة طابْ
    لزوم يظهر لك مرار عيابهْ
    واصى الرِّجَال الى تخيّرتَ الانسابْ
    كلّ يعوّض به كود النسابهْ
    وانشد عن المرْبى ترى العرق جذابْ
    عرق الردى لا بد يجذب جذابهْ

    ٭٭٭

    يا فيصل اودعك توديع الاحبابْ
    لا تحتري انه يجي من غيابه
    غيبة دهر ما هي شهر عد وحسابْ
    في مظلم ينهال فوقي ترابهْ
    اشوف دياني وقَّفْ على الباب
    يبي الوفا مني ويطلبْ حسابهْ
     
    آخر تعديل: ‏29/4/14
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    حمزة الحسن

    لعنة السيَّاب: حكاية موت معلن
    بما يشبه النعي الوداعي كتب الاستاذ الناقد علي حسن الفواز مقالا بعنوان: ( ما الذي تبقى من السياب؟) في ذكراه السادسة والاربعين كما لو ان السياب قد استهلك اغراضه كشاعر وعليه أن يتوارى أو نبحث في متعلقاته الباقية ونسأل في غرفة جمع الاسلاب: ماذا تبقى من السياب؟ والكاتب الفواز قد بنى فرضيته بناء على مواقف وردات فعل ورسائل للشاعر السياب في زمن محدد وفي ظروف محددة معروفة، لكن وضع كلمات السياب معزولة عن سياقها العام والظرفي وترك الشاعر يتكلم وحده بصورة الظالم والشيطان والعصابي أمام صمت الاخرين (في المقال) وتحديدا الشيوعيين، وغياب مواقف هؤلاء من السياب الانسان والشاعر، لا تندرج في منهج نقدي يفتح بابا أو طريقا نحو اعادة نظر دقيقة بالسياب: الشاعر السياب عاش مواقف حادة وتحديات خاصة ورد عليها بطريقته الخاصة وبصورة سلمية عن طريق تسجيل سيرته مع الشيوعيين، فهل يصح بعد كل تلك العقود أن نحاسبه على ذلك من دون وضع الذات في موقف مماثل، وأن نسعى الى دفن السياب، ميتاً، في لحظة حرجة من تاريخنا تتطلب احياء السياب الظاهرة الشعرية والاخلاقية والادبية، وفكرة المغامرة الابداعية، والحداثة، في هذا الموج الأصفر الكريه كما لو ان فائض الموتى اليوم لا يكفي ولم يبق الا السياب الذي كانت حياته وليمة كحكاية بطل رواية ماركيز( حكاية موت معلن) الذي كان الجميع على علم بساعة مقتله ولم يتحرك احد لمنع الجريمة بل التفرج؟

    لم نقرأ كلمة واحدة ولم نطلع على موقف واحد من المواقف الكثيرة التي قام بها الشيوعيون الادباء وغيرهم ضد السياب في خضم تجربة صعبة في ساعة منعطف ادبية وشخصية في حياة الشاعر والبلاد، كما لو ان السياب، في مقال الاستاذ الفواز، ظهر كشيطان في مواجهة ملائكة، حتى الندم المزعوم في سرير المرض هو ندم ليس على مواقف بل على الاستدارج بالقوة الى مواقف أصغر من قامة السياب حتى لو كان على خطأ أو صواب، خاصة وان السياب على سريره الاخير عرف موقعه في تاريخ الشعر والادب وبدا له الانجرار خلف تلك الخصومات الضحلة والتافهة عملا حزينا، وليس لأنه ارتكب اخطاء في حق الشيوعيين و(ظلمهم) على مواقف باطلة اثبتت الايام ان مواقفه كانت سليمة ونقية حتى لو تطرف بها في الشتم لأن الشتيمة بتعبير سارتر هي سلاح الاعزل.

    ماذا كان يستطيع ان يفعل رجل مريض في قالب جص شبه محنط باعتراف مرافقه محمد الماغوط أمام موجات من الاعتداء والضرب والتشهير وصلت الى دمج السياب في وكالة المخابرات الامريكية ثم سرقة حافظة نقوده الشحيحة المخصصة للعلاج من قبل كتاب وادباء معروفين؟ يعلق الماغوط على تهمة السياب في المخابرات الامريكية ساخرا:” لا استطيع تخيل السياب يجلس على كرسي في مقهى بنظارات سود ويراقب المارة”. كان السياب يحترق بنار ثورة شعرية لم ولن تنطفيء، وكان هؤلاء يجرونه كل مرة نحو معركة خارج تربيته وطاقته الخلاقة واصوله الريفية هو القادم من الغابات النقية البكر الى عاصمة في لحظة تحول ومنعطف ولم يكن يعرف بحكم النشأة والطبيعة والشخصية كيف يتعامل مع هذا الصنف من الابالسة لأن غابات “السيبة” خالية من هذا النوع من الاعداء الملثمين وكان يستطيع عبور ساقية بويب بقفزة واحدة ولكنه صُدم من تماسيح السياسة والثقافة في بغداد.

    هذا هو مصدر ندم السياب على تلك المعارك التي كان ضحيتها واصحابها تواروا منذ صار الشاعر مدرسة شعرية عربية تجاوزت الشعر الى الادب والى نظام الكلام وطريقة الحديث والكتابة ورسائل العشق والحلم والرواية والرسم والمسرح ولذلك لا يصح السؤال عن هذا الشاعر بهذه الصورة (ما الذي تبقى من السياب؟) بناء على مواقف شخصية خارج نطاق الادب والشعر والثقافة لأن السياب موجود في نصوصه وليس بائع عربة وجد ميتا تحت جدار ليلي متهدم في ظلام المطر.

    حين يكون الناقد علي حسن الفواز في مقاله( ما الذي تبقى من السياب؟) قد طرح مثل هذا السؤال، فكان الأمر يتطلب تقديم رؤية نقدية بديلة تكشف لنا عن معنى هذا السؤال أو أن الكاتب قد وصل الى استنتاجات جديدة ومغرية تبرر هذا الطرح، ولكن قراءة المقال لا تدل على ذلك مع الاسف وكنا سنكون سعداء لو ان قراءة نقدية منصفة وعميقة قد حفرت عميقا في عالم السياب تعطي هذا السؤال معنى وتوغل في قلب الشاعر الطفل الذي قرأه الناقد قراءة اجتماعية سياسية حين وضع( العقل) السياسي العراقي في تلك المرحلة في مواجهة( الجنون) السيابي، وهي قراءة من خارج حقل النقد الادبي بل أقرب الى البلاغ السياسي.

    نحن في مرحلة أحوج ما نكون فيها الى اعادة اكتشاف السياب من جديد خاصة في هذا المد الأصفر والكريه. الموتى كثيرون يفيضون عن مساحة الصحراء ولسنا بحاجة الى العودة الى ما تبقى من رموز مضيئة لدفنها من جديد، لأن في السياب الكثير مما يحتاج الى قراءة معمقة ومتروية ومنصفة وبصورة خاصة روح المغامرة الابداعية والشعلة واللهب والحافز نحو التخطي والتجاوز والخلق( أليست هذه أخلاقا؟) وهي شعلة غير قابلة للانطفاء، واصداء الموجة السيابية تتردد لدى اجيال كثيرة عراقية وعربية، كما أن فكرة قلب نظام اللغة والثورة على الشكل التقليدي في مجتمع تقليدي محافظ أبوي، في مرحلة ركود سياسي واجتماعي، هو عمل ابداعي كبير يستحق لوحده التوقير المطلوب، وحياة السياب بما فيها من بؤس وشجاعة ومرض وقوة وارادة تستحق ان تكون درسا بحاجة الى بحث واثارة وسؤال لكي يتقدم النموذج المشع على الطوفان الجارف من جنون الابتذال والزيف والعنف.

    حياة الشاعر القاسية وطبيعة الخصوم(تواروا اليوم، خجلاً) والفقر وظروف السياسة والصراعات كان يمكن أن تجعل منه قاطع طريق أو تصنع منه لصا أو انتهازياً يحاول استرضاء هذا الطرف أو ذاك على حساب كل القيم الادبية والاخلاقية، لكن رد السياب الوحيد على كل تلك الظروف والخصوم والاوضاع كان ردا (سلميا) وهو الكتابة وبصورة خاصة سيرته مع الشيوعيين التي حولها السيد الفواز الى تقرير طبي عن عصاب نفسي خفي: هل نتحدث بالمكشوف ونذكر اسماء الكتاب الذين ضربوه واعتدوا عليه في بيروت وسرقوا حافظة نقوده وهو شبه محنط؟ والذين طاردوه في كل مكان وحرضوا عليه يوسف الخال الشاعر النجيب الذي طلب من محمد الماغوط مرافقته والعناية به، وكان الشاعر الشقي المسكون بنار الشعر والخلق يتجاوز حريق الجسد الى الشعر والكلام حتى ان الماغوط يقول ان السياب كان ينسى كل شيء حين نتمشي ويندمج في الحديث وكثيرا ما يدخل هذا الباب أو ذاك وأضطر الى سحبه من ياقته لأن السياب كان يتصور، في غمرة الكلام والاعياء، ان أبواب المنازل المفتوحة هي مداخل شوارع.

    مثل هذا السؤال لم يُطرح في كل الاداب العالمية عن شعراء وروائيين وفلاسفة كبار بناء على مواقف شخصية وخصوصية وعلى سببل المثال لا الحصر: ديستوفسكي كان مقامرا وسكيرا، التوسير قتل زوجته، نيتشة وحياته الملتبسة، ميشيل فوكو المثلي، دريدا المصاب بالعصاب النفسي، الروائية النمساوية الحائزة على نوبل 2004 الفريدي إلينيك كانت مصابة بفوبيا الخوف من الناس ولم تحضر حفل نوبل، بيكاسيو وزوجاته الخمس أو أكثر؟، شوبنهاور الذي كان لا ينام إلا ويضع مسدسا تحت وسادته ظنا منه ان هناك من يطارده ولا يسكن في طابق ثالث ورابع خوفا من الحريق… الخ: اذا حدث وطُرح ذلك السؤال، فيطرح في سياق الكتابة عن سيرة ذاتية شاملة، منصفة، وموضوعية، من دون بترها عن المنجز الادبي والفكري والشعري وهو الأصل ـ نحن نعجب بنصوص سومرية وبابلية من دون معرفة كتّابها لأن النص هو كل ما يهم القارئ في النهاية.

    بصرف النظر عن سلوك الشاعر اراغون مثلا قبل التعرف على الزا وكان سكيرا وبوهيميا متسكعا في الشوارع أو الشاعر رامبو وصاحبه فرلين وعلاقتهما المنحرفة أو الشاعر بريتون الذي كان يأخذ مجموعة من الشعراء السرياليين الى مقابر الكنائس للتبول على قبور الرهبان، أو الروائي الامريكي ارنست همنغواي السكير والداعر ومصارع الثيران والمقامر والملاكم وزبون الحانات، لم يقل ناقد فرنسي أو أمريكي واحد ولا قارئ ايضا ماذا تبقى من هؤلاء بناء على هذه التصرفات لأن نصوص هؤلاء هي التي تستحق هذا السؤال الموجه نحو السياب بصورة غير صحيحة.

    في دراسة ممتعة للكاتب هاشم صالح(بين العبقرية والجنون) يذكر كثيرا من هذه الحالات نذكر أشهرها:(ـ الشاعر جيرار دونرفال: انتحر بعد اصابته بتهيج دوري كان سبب ابداعه ـ بودلير، هولدرين، انطونيو أرتو،كافكا، لوتريامون، ديكارت، الشاعر الالماني نوفاليس، غوته، فولتير وبلزاك وفلوبير كانوا يشربون أكثر من خمسين فنجان قهوة في اليوم، بودلير مخدرات وكحول، أدغار الان بو، شوبنهاور وعقدة الاضطهاد والمطاردة، جان جاك روسو وعقدة الاضطهاد وكان يغير سكنه من مطاردة وهمية، كونراد، موبسان، البير كامو والانتحار، بيتهوفن والسوداوية والكآبة العميقة، الرسام كلود مونيه والانهيار النفسي والتوتر المستمر، فيرجينيا وولف، الموسيقار الالماني شومان كان جالسا مع اصدقائه في جلسة سمر في بيته وفجأة يترك الزوار ويخرج واعتقدوا انه خرج لقضاء حاجة ولكنه القى بنفسه في نهر الراين لكن صيادين انقذوه( قد يكون تشاجر معهم لهذا السبب) ـ الفيلسوف اوغست كونت كان على حافة الجنون، غوته رغم جنونه الدوري الا انه استطاع ان يجعل بطل روايته ـ الام فارتر ـ هو الذي ينتحر وكالة عنه، فرويد نفسه كان مصابا بالعصاب النفسي، كيركغارد والمرض النفسي، الشاعر ريلكه اعترف انه لم يكتب قصيدة الا من خلال القلق والعذاب النفسي، سارتر اعترف ان الكتابة حررته من الجنون والعصاب النفسي …الخ).

    هؤلاء اليوم جزء من الهوية والذاكرة والحداثة والتقاليد الثقافية والتراث القومي والانساني: من يتذكر او يهتم بليلة الموسيقار شومان والانتحار في نهر الراين وترك الاصدقاء في منزله في حين تصدح مقطوعاته اليوم بابلونز وكرنفال وسمفونية أتيودي في الصالات الاوروبية الكبيرة بكل احترام وتوقير، ومن يهتم لجنون نيتشة اليوم في حين ان كتبه “القدر والتاريخ” و”أفول الاصنام” و”قضية فاغنر” وغيرها تعاد قراءتها بكل الاحترام والاعجاب والدهشة لرجل قال عن نفسه (ان رجلاً يعاد اكتشافه بعد الموت) وقد صدق القول، في حين ان كتّاباً وشعراءً يموتون، أحياءً، ومن يصغي اليوم لحكاية المشاجرة بين ماريا فارغاس يوسا وماركيز واللّكمة من الأول للثاني في حين نقرأ رواية (حفلة التيس) لماريا و( مائة عام من العزلة) لماركيز بمتعة كبيرة؟ ومن يعرف الشاعر السومري المجهول صاحب اول قصيدة في التاريخ( مرثية أور) أو نشيد الانشاد السومري لأننا نتعامل مع نصوص وحسب؟ وماهي قيمة كوابيس شوبنهاور الشخصية ومسدسه الجاهز أو كلبه “أطما” الذي يعني روح العالم أو الروح الكلي الذي عاش معه بلا صديق ولا زوجة لكن لا يمكن نسيان كتابه “الارادة والطبيعة”؟ وماذا تعنينا فناجين قهوة بلزاك الخمسين اليوم ولكن من يغفل عن قراءة الكوميديا الانسانية؟ وماذا يهمنا موت فوكو بالآيدز نتيجة ممارسة منحرفة في السويد أكثر ما يهمنا كتابه المرجعي الكبير( تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي)؟ ومن يتذكر خلاف السياب مع هذا أو ذاك وينسى انشودة المطر وهو تنزل فوق بيوتنا الطينية حتى صرنا ننظر للمطر بفرح؟

    هؤلاء( المجانين) أسسوا للعقلانية الاوروبية وللقوانين والحداثة، وجعلوا المواطن يصنع من النفايات أدوات منزلية لخدمة الانسان في حين حوّل( عقلاء) العالم العربي الانسان نفسه الى نفاية، والتفسير الاخلاقي السريع غير قادر على تحليل تصرفاتهم.كان عالم هؤلاء بعيدا ونائيا وعميقا ومن الصعب فهمه من نافذة قطار سريع أو يُقرأ قراءة اجتماعية وسلوكية، ومن غير الصحيح وضع(جنونهم) في مواجهة( عقل) عصرهم، وأدق تعبير هو قول الشاعر جيرار دونرفال قبل أن يدخل الانهيار الاخير:( أخشى أن يضعوني في بيت العقلاء ـ المصح) لأنه يعتبر ان الناس في الخارج كلهم مجانين: لم يكن السياب مختلفا عن هؤلاء العباقرة المجانين ولكن سوء حظه انه ولد في مناخ شرقي يضع هذا (الجنون) المبدع في مواجهة( العقل) السائد الذي هو التعبير الدقيق عن الخبل.

    يمكن ذكر مئات الاسماء لموسيقيين ورسامين ومخرجين وعباقرة علماء وروائيين كان طراز حياتهم مختلفا( فان غوغ مثلا حاول قتل غوغان في ليلة الميلاد المشؤومة) ومع ذلك فإن أحدا لم يطرح مثل هذا السؤال بناء على ذلك، بل ان الروائي ماريا فارغاس يوسا حين وقف في زقاق الخطيئة في مرسم الميدي جنوب فرنسا حيث ماخور وحانة راحيل عشيقة فان غوغ وسبب كارثة قطع الاذن شعر بالغصة والالم في حين بكى انتوني كوين وهو يجلس على الكرسي المخلع الشهير في غرفة الفنان البائسة خلال التحضير لفيلم عن غوغ . ماذا فعل السياب على هذا المستوى لكي نصفي متعلقاته بهذه الصورة القاسية؟ مقارنة بهؤلاء كان سلوك السياب نقيا ونظيفا ومحتشما وبريئا.

    الانجاز السيابي الذي كان يجب أن يكون محور السؤال الاصلي والاخير، يتجاوز الشعر الى نظام الكلام كما قلنا، وبفضل السياب نتكلم اليوم. لقد غير طرائق الكتابة والكلام والحديث واحدث ثورة في الشكل اللغوي التقليدي، وتجاوز رهبة الجمع بين اللغة والمقدس، وعدّل من طرائق التفكير والحلم والتخيل والامل، وأشعل لهب التجديد وزرع فكرة الحداثة مبكراً، وبعد السياب لم تعد اللغة حقل بحث بل صارت احتمالا، ولم تعد بؤرة بل صارت تشظيا، وصارت وحدة الموضوع انتشارا بعد ان كانت سبيكة متراصة، وبعده أيضا لم تعد الكتابة امكانية تجاوز بل صارت تجاوزا وعبورا، وباختصار: بعد السياب صرنا ننظر الى الكتابة واللغة والشعر والتخيل بطريقة تختلف عن ما قبل السياب وهذا هو الانجاز الادبي والشعري والاخلاقي ايضا للسياب: الابداع الحقيقي هو شكل جوهري من اشكال الاخلاق وهدم الشكل الشعري التقليدي هو هدم لنظام تخيلي ولغوي واخلاقي، أما شعلة التجاوز والتجديد والعبور التي صارت تقليداً في الشعر العراقي خاصة وفي الادب عامة، فهي لوحدها قيمة أخلاقية كبرى اضافة الى قيمتها الادبية المعروفة.

    أما محاولة اختزال السياب في موقف خاص زُجَّ فيه وحُشر فيه، فهو عمل بحاجة الى مزيد من التريث والقراءة والبحث والانصاف. كما ان السياب ليس الشاعر الوحيد الذي وجد نفسه في ورطة الصراع مع الشيوعيين، ومن النادر في مجد الاحزاب الشيوعية ان نجد شاعرا او رساما او روائيا لم يدخل مع الشيوعيين في معركة: الروائي بوريس باسترناك، الشاعر مايكوفيسكي أنهى حياته، منتحرا، بعد صراع مع النخب الحزبية رغم تدخل لينين وطلبه من هؤلاء ترك مايكوفيسكي لأن المناخ الذهني للفنان يختلف عن السياسي، والروائي كافكا كانت رواياته ممنوعة في كل الدول الشيوعية وكذلك اعمال همنغواي وكامو وسارتر ومالرو واعمال بكاسيو وكلود مونيه وسيزان وغيرهم.

    وضع السياب في مواجهة الشيوعيين وحذف الظروف والنظم الثقافية السائدة والصراعات وبدون فتح السجلات كاملة ومن زوايا مختلفة، لا يختلف عن الكلام عن شخص يشتم المارة أو أشباحا يراها هو من دون التطرق ولو من بعيد الى ان هذا الرجل يحترق وهناك من يصب الزيت على جسده وان هذه اللعنات هي انعكاسات لآلام فوق الاحتمال: يبدو ان لعنة السياب مستمرة، وهي ليست طريقة عادلة في كتابة التاريخ النقدي لشاعر كان شعره يتجاوز طاقته الجسدية ويمتصها كما تمتص النحلة الرحيق كما تجاوزت ثورته الشعرية المضيئة العصور كبريق قبة ضريح، تحت القمر، تبرق من حافة صحراء موغلة في البعد.
     
    آخر تعديل: ‏29/4/14
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    ابراهيم خليل
    عن البنى الأسلوبية في أنشودة المطر

    لم يحظ شاعر قديم، أو حديث، بمثل ما حظي به بدر شاكر السياب (1926- 1964) وشعره، من دراسة، وتحليل، وتمْحيص ، فسيرته، وأشعاره، ظلا على الدوام موضع اهتمام الباحثين المولعين بتدوين السيَر، وكتابة التراجم، واستقصاء التفاصيل التي تتصل بالمذكرات، وتدوين المعلومات، وتكفي الإشارة في هذا السياق لباحثٍ مخضرم هو الراحل د. إحسان عباس، وإلى كتابه الضخم ' بدر شاكر السياب في حياته وشعره' 1969 الذي قضى في تأليفه سنوات، للدلالة على سعة هذا الاهتمام، وامتداده، وعمقه.
    والذين كتبوا سيرة السياب، بالإضافة إلى إحسان عباس، كثيرون، منهم: محمود العبطة 1965 وعبد الجبار داود البصري 1966 وسيمون جارجي 1966 ومحمد التونجي 1968 ونبيلة الرزاز 1968 وعيسى بلاطة 1970 وحسن توفيق 1971 وريتا عوض 1981.
    أما شعره، فقد جرى تناوله من مداخل عدة، وزوايا نظر كثيرة. فمن زاوية الأسطورة تناوله أسعد زروق 1959 ومن زاوية الريادة عبد الجبار البصري 1968 وهو كتاب غير الذي أشير إليه في السابق. وتناوله يوسف الصايغ من باب الريادة أيضًا في كتاب عن الشعر العراقي الحديث 1978 ومن زاوية المذهب الأدبي تناوله كل من محمد التونجي، والمُطّلبي 1981 ومن وجهة التجديد، والحداثة، تناوله جبرا إبراهيم جبرا 1969 وإلياس خوري 1979 ود. هاشم ياغي 1981 . وخصّصتْ لقصيدته ' أنشودة المطر ' وحدَها دراسات عدة، منها - على سبيل المثال لا الحصر- دراسة عبد اللطيف شرارة في الآداب (تموز 1954) وروز غريب (الآداب : آب - أغسطس 1954) وإيليا حاوي في الآداب ( مايو / أيار 1961) وحسن صعب في الآداب أيضا (1965) وإحسان عباس 1969 وعلي الشرع (ابحاث اليرموك 1985) وحسني عبد اللطيف ( آفاق عربية 1992) ونايف أبو عبيد (أفكار 1981) وأخيرًا خصَّص محمد الخبو من تونس- لهذه القصيدة كتابا مستقلا درسها فيه دراسة جديدة، سمّاها ' مدخل إلى الشعر العربي الحديث ' صدرت عن دار الجنوب للنشر 1995.
    ومع أنَّ المبالغة واضحة جدا في جعل الدراسة معقودة ' لأنشودة المطر ' في الوقت الذي يؤكد فيه أنها مدخل للشعر العربي الحديث كله، إلا أن أحدًا لم ينكر على محمد الخبو مثل هذه الطريق التي سلك، والمنهج الذي اتبع. وكأنه بهذه الطريقة، التي اتخذها في تأليف الكتاب، يغري غيره بتناول القصيدة، أو الديوان الذي يحمل العنوان إياه، بدراساتٍ تتشابه، أو تختلف، فما كان من حسن ناظم من العراق- إلا أن تصدى لهذه المهمة، وانبرى لهذا الغرض. فتناول شعر السياب في الديوان المذكور تناولا جديدا اعتمد فيه التحليل الأسلوبي للقصائد في سعى منه لإبراز الوظائف الجمالية للغة الشعرية في الديوان.
    وخلافًا لطريقة محمد الخبو، الذي مهد لكتابه بمقدمة عن المصطلح المتداول في هذا المقام، وعن الفرق بين الحديث والمعاصر، نجد حسن ناظم يهتم في أوَّل كتابه بتمهيد نظري يفرق فيه بين النهج الذي يسلكه، في قراءة الديوان ' أنشودة المطر ' وغيره؛ فالنهج الذي يسلكه- وهو القراءة الأسلوبية - يحتاج في رأيه إلى تعريف ينطوي على شرح كاف لأبعاد الطريقة المتبعة في الدرس النقدي، فما هي الأسلوبية، وما هو الأسلوب؟ سؤال بذل المؤلف جهدا كبيرًا في الأجابة عنه، غير أنَّ الجواب الذي قدمه في صفحات عدة غير واضح، فقد كان اعتماده في تحديد ماهية الأسلوب على المعاجم، وهو اعتماد لا يخلو من خلل، فطبيعة الأسلوبية من حيث أنها فرع من فروع اللسانيات التطبيقية، لا تسعفنا المعاجم في الكشف عن دلالاتها، فالأسلوبية هي الدراسة اللسانية التي تتغيا معرفة الوظائف الإنشائية للغة عامة، ولغة الأدب خاصة، ومنه الشعر تحديدًا. وهي بهذا المعنى تنتفع من دراسة لغة النثر، والشعر، لإفادة علم اللسان الحديث بالكشف عن العناصر التي تتيح للغة أداء وظيفة أخرى إلى جانب وظيفتها الرئيسة، وهي الإبلاغ، والتوصيل.
    وبطبيعة الحال لا بد من الوقوف على شيء مما يتصل بنشأة الأسلوبية من حيث هي فرع من فروع علم اللسان، وهذا ما لم يتوانَ المؤلف عن القيام به قطعًا، فوقف بنا عند آراء سوسير في العلامة، وآراء شارلز بالي، مسفيدا من الكتاب الذي عربه كاظم سعد الدين عن الأسلوبية والأسلوب للمؤلف البريطاني غراهام هو Hough 1985 مشيرًا لاراء ليو سبتزر، وإلى عناية الباحثين الفائقة بما يسمى الأسلوبية التعبيرية، وهي التي تهتم بدراسة الانزياحات الدلالية، كالذي نجده في العبارة الآتية من مطلع قصيدة لجون كيتس ' يا عروس السكينة البكر ' والعبارة التي استشهد بها نورثروب فراي ' قمَر الحظ القُلّب ' ففي المثالين نجد نموذجا لانزياح المفردة عن المعنى الذي وضعت له لتدل على معنى آخر. ويعرض حسن ناظم عرضًا شائقًا لأنواع أخرى من الأسلوبيّة، كالأسلوبية الإحصائية، منتفعًا من كتاب سعد مصلوح الذي أورد فيه شرحًا وافيا لمعادلة الألماني بوزيمان(نسبة الفعل إلى الصفة) وتطرق أيضا لأسلوبية فريمان، وأنواع الانزياح لديه، وأشكاله التي يتخذها عبر التمثيل البنيوي للتراكيب، وذلك مما سلط جون كوهين الضوء عليه في كتابه المتداول كثيرا ' بنية اللغة الشعرية ' .
    وفي الإطار نفسه يعرضُ المؤلف لآراء رومان ياكوبسون، وغيره من الشكليين الروس، لافتا النظر لما قاله هذا الأخير من تلازم المستويين التأليفي، أو المجاورة، أو الركن الخطي عند زيلغ هاريس، والمستوى الانتقائقي، أو الإبدالي، وانتهى بالكلام على أسلوبية ريفاتير الوظيفية. وهي أسلوبية تختلف عن غيرها من حيث النظر في موقف القارئ (المتلقي) فهو أي المتلقي- في أسلوبية ريفاتير عنصر أساسي، وركن رئيس يُعتمَد عليه اعتمادا مباشرا في تحديد طبيعة الأسلوب، لذا فالأسلوبية الوظيفية، تبعًا لذلك ، أكثر اهتمامًا بعملية التواصل، والتأثير في المتلقي، مما يجعل هذا النوع من الأسلوبية ذا قاسم مشترك مع نظرية التلقي Reception theory وبسبب عناية ريفاتير بتداول النصوص، وتأثيرها في المتلقي، اضطر إلى إحلال السياق محل (المعيار) في النظر الأسلوبي. وفي ذلك ما فيه من تفريق بين الدراسة الأسلوبية على أسس نشوئية أو إحصائية، وبين دراستها من خلال المنظور التداولي، والوظيفي. أما المؤلف سامحه الله- فعلى الرغم من عرضه الشيق المبسط للتيارات الأسلوبية الجديدة ، فإنه ينتقل حين ينتقل من التمهيد للفصل الأول من كتابه البنى الأسلوبية- انتقالا مفاجئا ومباشرًا لدراسة شعر السياب من غير أن يخبرنا أي تيار أسلوبي هو الذي يتبعه في هذه الدراسة، أهو التيار التعبيري، أم الإحصائي، أم الوظيفي، أم الأسلوبي التكويني؟ وكان جل ما جاء في مهاده النظري لا يتعدى كونه استعراضًا لا يستطيع القارئ أن يتبين منه أيَّ الأسلوبيات يختار ويتبنّى.
    فالفصل الأول عنده لا يتناول إلا البنية العروضية، وكنا نفضل ما دام اختار أن يبدأ بتحليل اللغة الشعرية من المستوى الأدنى، منتقلا إلى المستوى الأعلى، أي: من مستوى الصوت إلى مستوى الجملة، والمعنى، أن يكون عنوان الفصل خصائص البنية الصوتية، أو الإيقاعية، لأن الواقع الفعلي الذي تمخض عنه الفصل لا يكتفي بدراسة الأوزان، ولا القوافي، وإنما يتطرق بصفة دائمة للإيقاع، وهو بنفسه- يرفض المساواة بين الوزن والإيقاع، ويعدّ الأول قيدًا، والثاني فضلة يتفاوت بها الشعر الذي من الوزن نفسه.
    وهذه الإشكالية صرفت المؤلف حسن ناظم عن تتبع الإيقاع، إلى تصنيف جداول بالأوزان، والتفعيلات، وما يعتريها من علل وزحافات، وذلك شيء يستطيع أن يقوم به أي طالب جامعي أنهى مساقا واحدا في العروض، وقد أضاف المؤلف لما سبق جداول بما يعتري القوافي من مظاهر صوتية كالإطلاق، والإشباع، والوصل، والترخيم، وسناد الإشباع، والتقييد، والإرداف، والتأسيس. وهذا كله، وإن كان يتطلب إعداده جهدًا غير قليل، إلا أن محصلته ليست كبيرة؛ فما الذي يمكن أن يضيفه المؤلف إلى ما هو معروفٌ وتكرَّر ذكرُه في الدراسات السابقة عن عروض السياب، وموسيقاه؟ فالجداول التي أوردها حسن ناظم نجد مثلها في كتاب محمد الخبو (انظر ص84، 87،90) مع اختلافٍ لا بدَّ من التنويه إليه، والتنبيه عليه، وهو أن الخبو خالف هذه الطريقة بالالتفات مرارًا للإيقاع، واختصار الحديث فيما يتعلق بالقوافي والأوزان ، فيما بالغ حسن ناظم في تتبع الأوزان والقوافي، وفي اشتراك القصيدة الواحدة بأكثر من وزن، وعن اختلاف أنماط القافية من قصيدة لأخرى، وهي مبالغاتٌ خرجت به عن حدود الذوق إلى حشو، وتطويل، يدفع بالقارئ لترك الكثير من الصفحات دون قراءة وتخطيها لما بعدها طمعًا في الفائدة.
    ولم يشأ المؤلف أن ينتقل من الصوت، وهو الأدنى في البنية اللغوية، إلى الكلمة ملتزمًا ما حدده اللغويون من تدرج في طبيعة التسلسل اللساني، وإنما نجده يتخطى الكلمة إلى التركيب. والتركيب يتألف من كلمات أدناها اثنتان. وفي هذا الفصل يسعى للكشف عن تماسك البنى الأسلوبية، واتساقها عبر ما يسمى بالوصل، ومعاينة ' طبيعة هذا الوصل في مقاطع شعرية عدة، وتأثير المواضع التي يفضي فيها الوصل إلى بنى لسانية استطرادية تصريحية، فضلا عن رصد الانزياحات التركيبية التي يرتكبها النصّ السيابي.
    والمعروف أنَّ وضوح الهدف يؤدي بلا ريب لوضوح الإجراء، والمؤلف - ها هنا - يخلط بين دراسة التراكيب وهي دراسة تحيل إلى دراسة الجملة باعتبارها الإطارالذي يلتحم فيه التركيب بآخر، ويندمجان في جملة واحدة، ودراسة أخرى ذات طابع نحوي تعرف باسم قواعد النص text grammar وهي دراسة لسانية تتجاوز الجملة إلى دراسة البنية الكبرى macro structure بتعبير فان ديك Dijk ولهذا نراهُ يشير إلى الحذف، وإلى التماثل التكراري، وإلى علاقات التضامّ، أو التماسك cohesion وإلى ما يسمى بالإحالات، وإلى الفصل والوصل، وتقسيم النص الواحد إلى عدد من البنى الموضعية التي تتفاعل وتتحد في إطار البنية الكبرى عن طريق القواعد الموسومة بقواعد النص.
    وحتى هذا الجانب لم يسلم للمؤلف كله، فهو يستطرد مثلا- من الكلام على ما يعرف بالتمَفْصُل، الذي أطلق عليه فان ديك Dijk تسمية تقابلُ بالعربية ( الفصل) disjunction - وهو شيء يوقع الائتلاف والتماسك فيما هو مختلف ومتفرق متباين- نقول: يستطرد من ذلك إلى الكلام على المكونات النحوية المباشرة للجملة العربية، منتفعًا ببعض ما قرأه عن النحو البنيوي عند بلومفيلد، وعن نظريته المعروفة بنظرية المكونات المباشرة. وهذا شيءٌ يتكرّر في الكتاب مرارًا (على سبيل المثال ص 171 وص172 ) ومع هذا لا ننكر أنَّ بعض ما جاء عنده من تحليل للنصوص قد وفق فيه، بشرط ألا ينظر إليه من زاوية التحليل الأسلوبي المباشر، أو الخالص، وإنما من زاوية الاتكاء على ما يعرف في اللسنيات باسم ' تحليل الخطاب '. ولعل المؤلف نفسه قد أدرك ذلك، واعترف بما في الفصل من مشكلاتٍ، فصرح في ختامهِ، قائلا ' حرصنا على معالجة التركيب في ضوء الإيقاع تارة، وفي ضوء نفسية السياب تارة ، وفي ضوء الدلالة تارةً أخرى '.
    ولا يحتاج الأمرُ مع هذا التصريح المُبين دليلا آخر على تسرّع المؤلف، وبعده الواضح عن اتباع الأسلوبية الدقيقة في قراءة النصوص.
    أما الفصل الثالث والأخير ، فعدا عن أنه مشتركٌ مع مع الفصل الثاني في كثير من الجوانب، ولا سيما الجانب المتصل بقراءة المؤلف التأويلية لبعض الاقتباسات التي أوردها من شعر السياب، فقد جاء أقصر فصول الكتاب 198- 247 مع أنَّ طبيعة الدراسة تتطلب أن يوفي المؤلف هذا الجانب حقه، فغاية الشاعر من شعره هي أن يقول شيئا، وهذا الذي يقوله يتكشف في ما يسمى بالمستوى الدلالي، وقد جاءت معظم شواهدهِ منْ ' أنشودة المطر ' مما يعني أن المؤلف تجاهل أكثر قصائد الديوان، فهلْ كانت دلالات هذه القصيدة من السعة بحيث تغني عن سائر القصائد؟ لا نظن ذلك ! أما التفسيرات والشروح التي أفضى بها لرموز القصيدة، والعلاقة الجدلية فيها بين الدال والمدلول، فعلى الأغلب، والأعم، والأرجح، لا تختلف عن الجم الكثير الذي قيل فيها، وكتب، ولا عن الذي قيل في شعر السياب عامة، وكُتب. وكنا نحسب أن دراسة المؤلف، وهي عن ' البنى الأسلوبية ' في شعر السياب تضيف جديدًا غير القول بأن الحصاد يرمز إلى العطاء والخير، وأن الجوع يرمز للمعاناة والفقر والاستغلال والجشع، وأن الجراد والغربان يرمزان للاستبداد والاضطهاد الطبقي والاجتماعي، وأن التنافر بين العشب والجوع يرمز للواقع، بما فيه من طابع غيرر عقلاني، وصراع عبثي مستمر، وأن الموت والميلاد يرمزان، في نهاية القصيدة، لرؤيا الشاعر في حسم الصراع لصالح الطبقات المنسحقة المقهورة، وهذا كله قيلَ في شعر السياب عامة، وفي هذه القصيدة خاصة، وإذا كانت البنى الأسلوبية لا تضيف جديدًا لما قيل، فما مسوغ وجودها، وما جدوى اعتمادها منهاجًا في النقد والقراءة؟



     
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    إنعام كجه جي
    لنقرأ السياب بصوت عال

    [​IMG] لم تكن «أنشودة المطر» قصيدة، فحسب، مثل غيرها من النصوص في المنهاج الدراسي المقرر على طلبة المدارس في العراق. إنها نشيد وطني وتميمة حب طالما استعار العشاق اليافعون مطلعها في مناجاة الحبيبات الصغيرات: «عيناك غابتا نخيل ساعة السحر... أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر».

    نأى القمر عنا كثيرا. لكن مسا من زمن اليفاعة يعود ليراود النفس وهي تسمع أن أهل الشعر في العراق يستعدون للاحتفاء، هذا العام، بالذكرى الخمسين لغياب بدر شاكر السياب، صاحب الأنشودة الفذة والشاعر الذي تمرد على عمود الشعر ومضى يحلق في فضاءات التفعيلة. نصف قرن؟ كأن صورته الشهيرة التي تنشرها الصحف ما تزال حاضرة بيننا، بالعينين الساهمتين والأذنين النافرتين والشارب الرفيع والخد الناحل المسند على راحة الكف المفتوحة.

    فتح بدر كفا ساحرة تطير منها بلابل شعر مختلف وغير معهود. كان متمردا تشفع له موهبته. لذلك، استقبله العراقيون، والعرب، استقبال القبائل القديمة التي كانت تحتفي بميلاد شاعر بين ظهرانيها. لكنه كان شاعرا منذورا للرحيل وللغياب. فقد زحف المرض عليه وضمر جسده واكتأبت روحه وتنقل في العيادات والبلدان يطلب تسكينا لآلامه. والأغنية عندنا تقول: «جرحك يا قلب... خزن ولا تسكينة».

    مات السياب، وهو من هو في حركة الشعر العربي الحديث، وحيدا بعيدا عن عائلته، في المستشفى الأميري بالكويت. وحمل صديق كريم جثمانه إلى البصرة، في ليلة شديدة المطر: «مطر... مطر... مطر...»، ليوسده تراب مقبرة الحسن البصري في الزبير، بحضور نفر قليل من المشيعين، ليس بينهم أي من حبيباته الثماني اللاتي خطرن في القصيدة: «وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا، ولكن كل من أحببت قبلك ما أحبوني، ولا عطفوا عليّ. عشقت سبعا كن أحيانا، ترف شعورهن عليّ تحملني إلى الصين».

    كان يتمنى لو عاد إلى أهله سائرا على رجليه. لكن جسده كان قد أصبح «عمود ملح»، كما كتب. وكثيرة هي القصائد التي وصف فيها حلم الرجوع الذي لم يتحقق له إلا ميتا، فعاد ليرقد في تربة وطنه. ولعله الامتياز الوحيد لمن بكر في الرحيل. فقد أغمض الجواهري الكبير، محمد مهدي، عينيه في دمشق ودفن بمقبرة الغرباء عند ضريح السيدة زينب. وهناك أيضا دفن الشاعر عبد الوهاب البياتي. أما نازك الملائكة، ففي إحدى مقابر القاهرة. وبلند الحيدري في لندن. وحتى الأحياء من تلك الشعلة المضيئة من الشعراء أو من جاء بعدهم، يعيشون موزعين في المنافي منذ عقود. سعدي يوسف في بريطانيا، ولميعة عباس عمارة في أميركا، وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي في ألمانيا، ومحمد سعيد الصكار في فرنسا وعيسى الياسري في كندا... وغيرهم كثر.

    أتمنى للسياب احتفالية من نوع مغاير لتلك الندوات المملة التي ترتجلها المؤسسات الثقافية من باب أداء الواجب. احتفالية شعبية، أو «جماهيرية» بلغة هذا العصر، تكون بمستوى محبتنا له وامتناننا للشاعر الذي أضفى على حياتنا الفرح والألق والشجن. وقد قرأت للصديق عبد الرزاق الربيعي مقالا بمناسبة زيارته للصين، تحدث فيه عن عيد سنوي تقليدي يتوقف فيه الصينيون عن العمل ويتوجهون إلى ضفة نهر «ميلو»، إحياء لذكرى الشاعر تشيوي يوان الذي مات غريقا في مياهه. وكان الزوار يأخذون عائلاتهم وأطفالهم لإلقاء الطعام في النهر، لعل الأسماك والتنانين تكتفي به وتعف عن لحم الشاعر.

    لا أدري أي مياه بقيت في نهير «بويب» الذي كان يجري حذو «جيكور»، قرية السياب التي خلدها في قصائده: «حلو الخرير ملاذ كل معذب... ظمي الفؤاد وأنت بعض سقاته». لا أدري إن كانت الأسماك تلبط هناك وتقتات على جسد شاعر يائس. وقد قرأت أن الحكومة المحلية في البصرة (صارت لنا حكومات بدل الواحدة) تعتزم إعادة حفر النهر وترميم بيت الشاعر وتحويله إلى متحف له. كثر الله خيرها. ومن الآن وحتى ينتهي العمل في المشروع، وما دام تقليد الصينيين متعذرا، فلا بأس من تقليد الفرنسيين حين احتفلوا، أخيرا، بمرور 150 سنة على صدور رواية «البؤساء» لفيكتور هوغو. لقد خرج 200 رجل وامرأة من أهالي مدينة تولوز وشرعوا في إلقاء فصولها، بصوت عال، في تلاوة متصلة استمرت ليومين. ولم يكن القراء من الممثلين المحترفين، بل كان بينهم قضاة وفلاحون وعمال وممرضات وربات بيوت.

    دعوة إلى كل الأدباء ومحبي السياب، المقيمين والمهاجرين: اخرجوا إلى النوادي والمقاهي وساحات المدارس وقاعات الجامعات، إلى الشوارع وأسطح البيوت، واقرأوا قصائد بدر بأصواتكم، همسا أو نشيدا، ولتنتشر صوركم على مواقع التواصل الاجتماعي، من البصرة إلى سيدني، ومن صنعاء إلى مالمو وتورنتو، وليرها العالم كله ويعرف أننا شعب يعشق الشعر، لا الدم.
     

مشاركة هذه الصفحة