1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

التصوير والفن في الإسلام - ملف

الموضوع في 'مختارات نقوس المهدي' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏17/7/11.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    التصوير والفن في الإسلام
    ملف
    1..........4


    ص1
    - د. كاظم شمهـود : موقف الإسلام من التصوير

    - برهان شــــاوي : ملاحظات حول مفهوم الصورة في الثقافة العربية الاسلامية
    - عبدالناصر لقاح : عن البعد التصويري في الخط العربي - مقاربة سيكولوجية
    ص2
    - مختار الخلفاوي : العين المضطهدة.. الخروج من ثقافة غضّ البصر
    - د. سعيد بنكـــراد : هناك بعيدا في الأعالي
    - مختار الخلفاوي : الفتوى الحلبيّة في بطلان المسلسلات التركيّة
    - حكمت مهدي جبار : قضية تحريم فن الرسم والنحت في الأسلام
    - حكمت مهدي جبار : قضية تحريم فن الرسم والنحت في الأسلام 2
    ص3
    - تحريم التصوير
    * المقدمة
    * تحريم التصوير - فصل
    * الحديث الثامن
    * الحديث الثامن عشر
    * الحديث الثامن والعشرون فصل
    * الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه
    * وقد قال بعض الفقهاء
    * الثامنة عشرة
    * الثامنة والثلاثون فصل
    * الوجه الثامن
    * من تناقضه أنه زعم أن التقاط الصورة
    * يقال إن المفتي بحل التصوير الضوئي
    * وروى البخاري في كتاب ( خلق أفعال العباد )
    ص4
    - صالح أحمد الشامي : التصوير الإسلامي.. فن متميز
    - د. مراد هوفمــــــان : التصوير والفن في الإسلام
    - محيى الدين اللبــــاد : الخط.. الحرف.. المقدس
    - خالد منتصـر : الاسلام والفن التشكيلى
    - بلند الحيدري : الإسلام وتحريم التصوير
    - صلاح بيصار : في فوائد التصاوير والتماثيل -1
    - صلاح بيصار : في فوائد التصاوير والتماثيل - 2



     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. عبد القادر فيدوح(*)
    البَحث العقلي في الجماليّة العَربيّة


    الحس الجمالي:‏

    لقد أخفقت الجمالية العربية –بعد مجيء الإسلام مباشرة- في استثمار الرؤية الإسلامية التي تعرضت إلى كثير من مظاهر الحسن والجمال في هذا الكون امتثالاً لقوله تعالى: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون((1) وقوله: (إن الله جميل يحب الجمال((2) وأكثر من ذلك فإن الجمالية العربية راحت تتجاوز الرؤية الإسلامية للجمال وتتخطاها، وترى في الشعر الجاهلي القدوة الحسنى والمثل الأعلى، بوصفه نموذجاً كاملاً للجمال، فربطت نفسها بأنساق حسية حرمتها نقلة لها قيمتها المعنوية والروحية ضمن طبيعة التعامل مع المقوم الجمالي للإنسان في تعامله الإنساني، وفي تعاطيه التفكر والتدبر في الخلق والكون.‏

    ولعل عدم اهتمام العرب في هذه الحقبة التاريخية بالوعي الجمالي، يتجسد في عوامل كثيرة أفرزتها أوضاع المجتمع العربي الناشئ. كما أفرزها الفهم المتجدد للشرع، ومخاوف الفقهاء، ويمكن حصر هذه المعوقات في النقاط التالية:‏

    1- الاعتقاد بأن الشعر الجاهلي يمثل النموذج الأكمل؛ على اعتبار أن الاهتمام الأكبر كان منصباً على الجانب الحسي، ومن هنا تمظهر الجمال في التناسب والتناسق والترتيب وحسن الابتداء وحسن التخلص وجمال اللفظ، فصار إدراك الجميل والانفعال به إدراكاً حسياً.‏

    2- تخطي القرآن الكريم وتجاوزه إلى غيره تأثراً بالجمالية الإغريقية، وفي هذا تأكيد للعنصر الأول حيث توافق الشعر الجاهلي بنماذجه مع النظرة الإغريقية للجمال في جميع مجالاته التمظهرية.‏

    3- كون معظم النقاد فقهاء وقضاة. وهنا تولى الشرع مسألة التقويم عندما تدخّل رجاله " بالمنع والتحريم لبعض الفنون، وبذلك عطلوا توجيه الإحساس بالجمال عند المسلمين إلى موضوعات هذه الفنون، بل لقد تعطل إنتاجها تماماً في بعض البلاد الإسلامية في المشرق ونخص منها بالذكر النحت؛ فلقد خيل لرجال الشرع أن صنع التماثيل على هيئة المخلوقات إنما يعد مشاركة للخالق في صنعه. ولكن الواقع أن السبب الحقيقي الذي يكمن وراء هذا التحريم هو مخافة رجال الشرع من أن ينتكس المسلمون إلى عبادة الأوثان، فجاء المنع حتى لا ترتبط شواهد هذا الفن من تماثيل بشرية أو حيوانية، بذكريات العرب في الجاهلية عن أصنامهم، وكأن رجال الشرع يريدون أن يقطعوا الصلة تماماً بين هذا الماضي الوثني والحاضر الإسلامي"(3).‏

    غير أن الحقيقة الكامنة وراء تحريم الشرع لبعض الفنون بخاصة فن التصوير وما تابعه من فنون تشكيلية أخرى إنما مرده تشرّب هذه الفكرة من الديانة اليهودية، وذلك بالرجوع إلى إحدى الوصايا العشر للدين اليهودي، فجاء النص في العهد القديم على النحو التالي: ...لا تضع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة ما، مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض"(4) فنقلت إلى الإسلام تلفيقاً بدافع التشويه ولم يمنع هذا التحريم المسلمين في الأندلس من أن يبرعوا في فن النحت، فتصدر عنهم وحدات فنية رائعة كما نشاهد في تماثيل السباع في قصر الحمراء بغرناطة. أما من ناحية التصوير وعلى الأخص تصوير الأشخاص والحيوانات، فقد كان للمنع تأثيره في بلاد المشرق في أول الأمر ولم يشذ عن هذا سوى الفرس الذين لم يأبهوا كثيراً بتحريم التصوير وذلك انسياقاً مع تراثهم الفني القديم. ولم يلبث المسلمون في العصور المتأخرة أن دخلوا هذا الميدان وخصوصاً فيما يتعلق بالتصوير على النسيج، أو صفحات المخطوطات أو مقابض السيوف وجدران القصور أو المساجد، وذلك على صورة مصغرات تعد من أبرع الأعمال الفنية في مجال الفن الزخرفي، فظهرت أربع مدارس رئيسية هي المدرسة العربية والإيرانية والهندية والمغولية والتركية العثمانية"(5).‏

    وحتى في الحالة التي يكون فيها الشرق قد اعتمد على بعض الأحاديث النبوية الشريفة، فإن سوء الفهم، وخطأ التأويل حاد بهم عن الصواب، ووجههم التوجيه المعاكس بخاصة ما كان يصدر منهم في حجج قراءاتهم للشرع في عهد المتوكل العباسي والذي اعتمد على أحاديث شريفة يؤكد النووي صحتها ومنها قول الرسول لعائشة " يعذب المصورون يوم القيامة" وقد رأى أبو علي القالي أن قول الرسول يتجه إلى منع عمل خطير من مفهوم الإسلام وهو تصوير الله تصوير الأجساد، وإن المنع إنما يقتصر على ذلك، وفي رأيه أن الحديث الشريف إنما يعني: " يعذب المصورون الذين يصورون الله تصوير الأجساد" إلا أن أنصار المنع كان لهم دور كبير في عدم الاهتمام بالتصوير التشبيهي والانصراف إلى الفن التجريدي. وقد تكون المذاهب الدينية قد مارست دورها في تشجيع التشبيه أو في منعه. إذ أن التشبيه الفني في منطقة المذاهب الشيعية لم يكن محرماً بينما كان في المنطقة السنية أقل انتشاراً وأوضح ارتباطاً بالمنع الذي تأكد لديهم من الحديث الشريف(6).‏

    لذلك أخذ مفهوم التحريم حيزه الأوفر عند مفسرينا القدامى الذين ابتعدوا في ذلك عن الفهم الحقيقي للمصادر الأساسية اعتقاداً منهم أن فن التصوير التشبيهي مساس ببيان صفات الله للامتثال الظاهري، فانطبعت النشاطات الفنية بطابع هذه الرؤية الخاطئة. غير أن الحقيقة عكس ذلك من حيث كون الفنون –والتشكيلية منها على وجه الخصوص –تتيح لنا إلقاء نظرة أخرى على الحضارة الإسلامية. فالفن الإسلامي يعرب عن تصور للعالم يحدد بآن واحد مصيره، وصيغه ومفرداته التشكيلية وتقنياته. ذلك أن المفهوم الإسلامي عن العالم لا يحض على التمثيل الواقعي وإن اقترفنا بهذا الصدد خطأ التأويل وزعمنا أن القرآن يمنع تمثيل الكائنات البشرية بينما هو يقتصر على خطر عبادة الأوثان(7).‏

    ومما لا شك فيه أن الفن الإبداعي في حياة المسلمين –خلال هذه الحقبة الزمنية وما تلاها- نشأ شأن كل إبداع إنساني دون أن يهمل تفاعله الحميم مع عقيدته التوحيدية، وينبوع أفكاره الفلسفية –تباعاً- على الرغم مما كان يطبعه من إحساس مرهف قائم على فكرة التجسيد الظاهري في قيم الأشياء فكانت إبداعاته الفنية الزخرفية، مثلاً، رسالة جمالية معبرة عن روح طامحة إلى الكمال والخلود عبر اتصالها –الصوفي- بالخالق المبدع، فاطر الأكوان ومبدع كل جمال، فكان لجوء فناني الزخرفة المسلمين إلى التجريد نتيجة لرقي المستوى الفكري والذهني والإحساس الفني لديهم، وليس لسبب مزعوم من تحريم تصوير الكائنات الحية، أو العاقلة، ولما كان المصدر الوحيد لهذا الفن النفس الإنسانية للمبدع، فقد انطبع مضمونه بطابعها، فكان المضمون دائماً إفصاحاً جمالياً مرهفاً عن عقيدته التوحيدية الراسخة في قلب صوفي تعبدي، تأملي، ناسك، يتجه باطراد إلى إبراز الجماليات الخالدة –وليس العابرة- في إبداعات تتعلق بالجمال المعنوي الروحي في الإنسان، وليس الجماليات الآتية الموجهة إلى الحس أو الغريزة أو الشهوة لديه(8).‏

    أمام هذا التوجه الجمالي للفنانين المسلمين –المترجم لعقائدهم وأفكارهم – كان من الحتمي أن ينشأ عندهم ذوق جديد يستمد مقوماته من الجمال الروحي، لا سيما أن حضور المبدع الأكبر أضحى أقرب مصدر للجمال والكمال لديهم، ولذلك كانت محاولاتهم الفنية هي إبراز الجمال اللامتناهي المتجلي في الذات الإلهية.‏


    جمال القول:‏

    يجد المتتبع لتراثنا العربي آراء مستفيضة في ثنايا الكتب الأدبية بخاصة منها البلاغية على اعتبار أن جمال الفن اللغوي يكمن في بلاغة اللفظ. ولذلك كانت العرب تولي أبحاث جمالية اللفظ اهتماماً بالغاً، ومن هنا كانت " البلاغة العربية هي علم الجمال الأدبي عند العرب، ومن هنا إن مفاهيم البلاغة العربية وأسسها وقواعدها هي مفاهيم الجمالية الأدبية في تراث العرب الفكري، كما تهيأ لهم أن يستخلصوها من روائع شعرهم وأدبهم"(9). ومعنى هذا أن البحث في قيمة المعنى التجزيئي في صورته الخارجية والدلالي يتخذ من مجال علم الجمال الطبيعي أداة يحكم بها على التحام أجزاء النظم التي تكون شخصية القصيدة التي كان سبيلها التأثير والإقناع، وهو أكبر دليل على وجود عناصر جمالية تشكل البذور الأولى من حيث كونها أساساً نظرياً لمشهد الفن في علم الجمال العربي من منظور الرؤية الطبيعية الناتجة عن تأمل الكون المدرك في بساطته، وقد استمر هذا التيار الانفعالي بصوره الحسية. حتى بعد مجيء الإسلام إلى فترة متأخرة من الحياة العربية، كان فيها المبدع والفنان على وجه العموم يولي اهتمامه للخير الضئيل من تصنع الكلام والارتكاز على الملمح الإشاري في حسن أداء اللفظ، فكان " مرماه البعيد أن يرسم النماذج المطلقة المثلى، ولم يكن يصور هذه الحالة الواحدة المعينة أو تلك، من الحالات الجزئية التي يزخر بها تيار الحياة الواقعة، فإذا وصف الشاعر العربي جواداً، أو ناقة، أو ما شاء أن يصف، وصفه كما ينبغي له أن يكون لا كما هو كان بالفعل"(10) وهو ما يؤكد انتماء الفنان العربي في إبداعه إلى الجمال المطلق.‏

    لقد كان لجمال النطق، وحسن الأداء وعذوبة اللفظ وطرافة المعنى أثره البليغ، حتى يخيل إليك أنك أمام لغة الترف والزينة في شكلها المنمق من سجع وبديع، وهو اتجاه ساد معظم أساليب العصر بل حتى الحياة اليومية، حتى عادوا يغربون في حياتهم وتفكيرهم إغراب المهلبي(11) بملاعقه، فبرز ما يسمى بمذهب التصنع والتصنيع الذي يعتمد التحذلق والتكلف في الأداء حتى أصبح جمال الكلمة في ذاته مفتاحاً للأبواب المغلقة يفتح الطريق إلى مناصب الدولة، ويفتح الخزائن بالرزق الغزير. كان يكفي لصد الرجل عن قضاء غايته ألا يكون موهوباً بالقول الجميل، كما يكفي لإقبال الدنيا بكل زخرفها على رجل أن يوهب القدرة على صياغة الكلام.. إن الرجل ليكلمني في الحاجة ليستوجبها فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن، ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها التذاذاً لما أسمع من كلامه(12). هذا جزء من كثير من عنايتهم بتزيين اللفظ ومراعاة تهذيبه وحسن تنقيحه وجزالته وسلاسته، وفي هذا ما يدل دلالة قاطعة على اهتمام العرب بالبيان في جماله اللفظي، ولعل اختلاط مفهوم البيان بالجمال وارد وبوفرة في اصطلاحاتهم اللغوية، فقد قال ابن الأثير: شيئان لا نهاية لهما هما البيان والجمال، ويبدو أن كل ما وضع البلاغيون من شروط في علمي الفصاحة والبيان كان في خدمة الجمال الفني(13) لما فيه من تركيز على سلامة النطق وتنقية الجمال المطبوع من الجمال المصنوع وذلك بالاعتماد على الذائقة الفطرية التي لم تعرف التمويه والتشويه، فالكلمة المسموعة بفصاحتها زخارف الفن العربي، لأن كلا منهما يقوم على البناء الهندسي، وهنا يكمن جوهر التعامل الجمالي المميز في الذهنية العربية، وهذا أيضاً ما يميز الشكل الخاص للوعي الجمالي العربي، ذلك أن مقولة الجمالي في هذا المضمار تعطي التعريف الشامل لحقيقة الوجود العملي الذي تنطوي طبيعته على مبدأ الانسجام والتنسيق والتنظيم بين أجزاء العمل، ومن خلال هذه الإشارة يمكننا القول بأن النقد العربي القديم قد عرف التفكير الجمالي، وعرفه متصلاً بالصياغة الأدبية، وقائماً على التناسب والتناسق، ومراعاة الآثار النفسية المترتبة على مواقع المعاني في المطالع والمقاطع، ومعنى ذلك أن التفكير الجمالي عند النقاد العرب كان شيئاً له سماته الخاصة المتميزة من التفكير اليوناني في هذا الشأن(14) غير أن هذا لا يقلل من شأن الغاية التي توصل إليها نقادنا القدامى بفضل الإضافات التي كانت تستند إلى معطيات مستمدة من البيئة العربية، ومع ذلك فإن في ثنايا كتبهم ما يشير إلى امتلاك الرؤية الجمالية بالقدر الذي مكنهم حسهم المرهف، وذوقهم الطبيعي، كما يتضح من خلال هذه الآراء الانطباعية في أول أمرها، والتي يمكن إدراجها في منظورها السياقي العام، سواء ما كان منها معبراً عن طبيعة الجمال بالتصريح أم معبراً بالتلميح، وقد يلحظ المتتبع ذلك في وقفاتهم الطويلة عند تعرضهم للبلاغة لأهمية هذا العلم عندهم والذي قرنوه بالشعر، من ذلك أنهم كانوا يستحسنون اختيار الألفاظ وأداء التنغيم من خلال ما تقتضيه طبيعة التناسب بين القول والمقول، وهو شيء يمكن استنتاجه مما تحمله آراؤهم من تصورات خفية تلميحية ومن ذلك مثلاً:‏

    عبّر الأصمعي ( ت 217هـ) عن موقفه بأن " الشعر ما قل لفظه وسهل ودقّ معناه ولطف"(15) " فلطف المعنى" تأكيد ضمني لمعنى الجمال في الشعر الذي تستجيب له رغبة المتذوق في استحسان النص، والشعور بالجمال هنا يعطي النص كماله القائم على اختيار ألفاظه وصوره البيانية وهذا ما يبدو أيضاً عند: أبي العباس ثعلب (293هـ) حين يقول بالتحجيل مشترطاً أن تكون مقاطع الأبيات صادرة صدوراً طبيعياً عن مطالعها متناسبة معها وذلك بقوله: " والأبيات المحجلة ما نتج قافية البيت عن عروضه، وأبان عجزه بغية قائله وكان كتحجيل الخيل"(16) وإذا كان ثعلب لم يقل بالجمال صراحة ولا بالتناسب مصطلحاً إلا أنه دلّ عليهما ضمناً، فحين طلب أن تنتج القافية عن العروض فقد طالب بالتناسب وحين ربط تحجيل الأبيات بتحجيل الخيل فقد أشار إلى الجمال ودلّ عليه بمثال من بيئته العربية(17) وفي هذا إقرار يعبر عن سليقتهم وتصورهم الفطري للجمال.‏

    وإذا أردنا أن نقترب من تصور نقادنا لهذه الظاهرة من خلال تعريفهم للشعر فإننا نجدهم –بدون استثناء- قد أفصحوا بشكل أدق عن رأيهم في إعطاء معنى الطبع والتكلف صورتهما الدلالية لتحديد مجال لغة الشعر بالكيفية التي تؤثر في النفوس (جمالياً)، من ذلك أن ظاهرة الطبع قد بسطت سلطانها على الثقافة النقدية، ولعل في رأي المرزوقي ما يبرهن على اهتمامهم بالطبع دون التكلف وربما كان تمسكه بالطبع ناتجاً عن أمرين هامين: أولهما أن الطبع عنده صفة مائزة للتفرقة بين الشعر الجيد والشعر الرديء، والثاني أنه يركز على ما في الشعر من انسجام في التصور، لأن الشاعر والمبدع على وجه العموم لا يعمل جهده الفكري في تصور الشيء بما يقع عليه حسه، وإنما بما تفرضه عليه الأطر الجمالية الفطرية، وذلك كما ورد في قوله مميزاً بين الطبع والتكلف: "والفرق بينهما أن الدواعي إذا قامت في النفوس وحركت القرائح أعملت القلوب، وإذا جاشت العقول بمكنون ودائعها، وتظاهرت مكتسبات العلوم وضرورياتها نبعت المعاني وردت أخلاقها، وافتقرت خفيات الخواطر إلى جليات الألفاظ. فمتى رفض التكلف والتعمل، وخلي الطبع المهذب بالرواية المدرب في الدراسة، لاختياره فاسترسل غير محمول عليه، ولا ممنوع مما يميل إليه، أدى من لطافة المعنى وحلاوة اللفظ ما يكون صفواً بلا كدر، وعفواً بلا جهد، وذلك هو الذي يسمى المطبوع، ومتى جعل زمام الاختيار بيد التعمل والتكلف عاد الطبع مستخدماً متملكاً، وأقبلت الأفكار تستحمله أثقالها، وتردده في قبول ما يؤديه إليها، مطالبة به بالإغراب في الصنعة وتجاوز المألوف إلى البدعة فجاء مؤداه وأثر التكلف يلوح على صفحاته وذلك هو المصنوع"(18).‏

    إن مكانة الأطر الجمالية ماثلة بوفرة في سياق حديثهم عن فنيات التعبير التي تحدد جوهر اللفظ الفني، لذلك كان حديث نقادنا عن مقاييس الصيغة الفنية منصباً على مدى قدرة الشاعر على التصوير وفق الأسس الجمالية التي يتحكم فيها التناسب في بناء العبارة، ولنا أن نستشهد لهذا بكل ما ورد عنهم في أثناء تعرضهم إلى مكانة اللفظ في استحسان صورته السمعية بما تحمله من دلالة قصدية بحيث " يكون إذا ارتسم في الخيال مسموع اسم، ارتسم في النفس معنى، تتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم، فكلما أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه"(19) معنى ذلك أن جميع أبنية اللغة في المنظور النقدي القديم كانت تقوم على أسس معمارية محكمة، لذلك أعطوا مكانة خاصة للذوق بخاصة التفضيلات الفنية للجانب الشكلي، والشاعر عندهم من كان يتمتع بالقدرة على اختيار الألفاظ. وقد تصوره ابن طباطبا (ت 322هـ) كالنساج الحاذق الذي يفوف وشيه بأحسن التفويف وينيرهُ ولا يهلهل شيئاً منه فيشينه(20) إن التركيز على جمالية الأداء التعبيري عند نقادنا القدامى والقائمة غالباً على مفهوم التناسب أو التناسق، كان بدافع وعيهم بأن ذلك يمد الصياغة اللفظية بالدفء والخصوبة، لكون القدرة الإبداعية هي قدرة على توفير هذا المفهوم –التناسب- فقدامة بن جعفر (ت 337هـ) يقسم كتابه تقسيماً ثنائياً؛ فاعتمد أولاً ذكر النعوت الواجبة في الشعر، ثم أتبعها بذكر العيوب، وكأنه بذلك قد حدد الأسس الجمالية التي يقوم عليها الشكل الشعري ببيانه للعيوب التي يجب تلافيها. وإن كان قدامة لم يذكر أيضاً الجمال كمصطلح صريح إلا أنه قنن للصناعة الشعرية من خلال أسس ومعايير تعد من القيم الجمالية. فهو مثلاً يشير في تعريفه لبعض الأساليب البديعية " كالتقسيم" و " المقابلة" و " التفسير" إلى مراعاة عدم الوقوع في المخالفة وضرورة المناسبة بين أقسام هذه الأساليب(21).‏

    إن مراعاة التناسب بين الدال والمدلول في تاريخ الجمالية النقدية يبدو نسقاً بالمعنى، من حيث إن السياق العام كان يفرض عليهم الممارسة التحليلية دون مراعاة التحكم الدقيق في وضع المصطلحات المفهومية التي تستجلي الحمولة المعرفية، والتي شكلت الدلالة اللفظية. لذلك كان شغلهم الشاغل توافر المطلب الجمالي في التنسيق بين الشكل ومضمونه. ونحن بذلك نستطيع أن نطلع على طبيعة هذا التناسق، والنص الإبداعي فيما يراه النقد القديم لا يؤسس وفق هذا المنظور وهو ما أشار إليه أبو هلال العسكري (ت 395هـ) حين تعرض لطبيعة الفاعلية الإبداعية بقوله: " فإذا أردت أن تعمل شعراً فأحضر المعاني التي تريد نظمها في فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزناً يتأتى فيه إيرادها وقافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية ولا تتمكن منه في أخرى، أو تكون في هذه أقرب طريقاً وأيسر كلفه منه في ذلك، ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجيء سلساً سهلاً ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجيء كزاً فجاً، ومتجعداً جلفاً. فإذا عملت القصيدة فهذبها ونقحها، بإلقاء ما غث من أبياتها، ورث ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوي أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها"(22).‏

    إن السياق المعرفي للجمالية العربية يقوم على المدركات الحسية انطلاقاً من انعكاس مواصفات الاستحسان والذوق والجمال من الأشكال على المضامين والجواهر في قوة مشاهدتها الحسية، عبر إيحاء اللفظة من المدلول الحسي إلى المعنوي على حد ما جاء به جورجي زيدان بقوله: " وعندي أن الدلالة الحسية هي الأصل والمعنوية هي الفرع، حملت مجازاً لتشابه في الصور الذهنية لأن المحسوسات أول ما يستلفت انتباه الإنسان، هي سابقة في ذهنه على المعنويات، لأنه في أبسط أحوال عيشه لم يكن في احتياج إلا للمعاني الحسية(23).‏

    وهذا اعتراف ضمني على تغلب النظرة العقلانية للجمالية بخاصة عند ناقدنا عبد القاهر الجرجاني (471هـ) الذي يزن مقدار التلقي الجمالي في الفن، بحمل الشيء على ما يشابهه بما يقتضيه ارتباط الأصل بالفرع (ولن يبعد المدى في ذلك ولا يدق المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشبه بين الأشياء المختلفة فإن الأشياء المشتركة في الجنس المتفقة في النوع تستغني بثبوت الشبه بينها وقيام الاتفاق فيها عن تعمل وتأمل في إيجاب ذلك لها وتثبيته فيها، وإنها لصنعة تستدعي جودة القريحة والحذق، الذي يلطف ويدق، في أن يجمع أعناق المتناظرات المتباينات في ربقة، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة"، لأن ذلك في نظره يحتاج إلى " دقة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر"، ولن يتم ذلك بحسب اعتقاده إلا بتجاوز ما يحضر العين إلى ما يستحضر العقل، ولا يعنى بما تنال الرؤية بل يعني بما تعلق بالودية(24) وهنا يكمن كمال التصور بما يتصل وقدوة الحدس بمعاينة الأجزاء في رؤيتها الجمالية الكلية.‏

    فالجمال عند عبد القاهر قائم على البنية العقلية وفق معطيات وجوب جريان التفاضل في الكلام الفني، بمختلف قيمه الجمالية على مدار مقتضيات البديع، من حيث كون أن الحسن في النص قد يأتيه من جهة اللفظ، وقد يأتيه من جهة النظم، وقد يجمعهما معاً على حد ما جاء في قوله: " وجملة الأمر أن ها هنا كلاماً حسنه اللفظ دون النظم وآخر حسنه النظم دون اللفظ وثالثاً ترى الحسن من الجهتين ووجبت له المزية بكلا الأمرين والإشكال في هذا الثالث، وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه، وتراك قد خفت فيه على النظم فتركته، وطمحت ببصرك إلى اللفظ، وقدَّرت في حسن كان به، وباللفظ أنه للفظ خاصة"(25) وقد استدل على ذلك بالآية الكريمة " اشتعل الرأس شيباً" التي برهن البلاغيون – في نظره- على أن الحسن وقع بوجوب اختيار اللفظ ويقترح لذلك توزيعاً يكون على النحو التالي:‏

    اشتعل شيب الرأس.‏
    اشتعل الشيب في الرأس.‏
    اشتعل الرأس شيباً.‏

    فكان استنتاجه أن الفضل والاستحسان يعود دائماً إلى القدرة على دلالة المبالغة في: اشتعل الرأس شيباً، لما في ذلك من تطابق بين البنية اللسانية والبنية النفسية. وعلى اعتبار أن كل ظاهرة في التوزيعتين الأوليين تشوهان الباطن في حين كانت التوزيعة الأخيرة في حكم القيمة من الكلام الفني وليس للكلام التواصلي، وبوصفها أيضاً –وهذا هو الأساس- بنية لسانية تطابق تمام المطابقة البنية النفسية. لذلك تمثلت في نظره عملية حسن التوزيع على مدار مقتضيات حسن جمال الدلالة عبر مستويات التأثير.‏

    والرؤية الجمالية عند عبد القاهر الجرجاني لا تتوقف عند هذا الحد وإنما تصل إلى مستوى الانسجام والتناغم بين أجزاء العمل. والتناسب في الكلام يبدو أمراً مسوغاً في نفس المتأمل، ذلك أن من البين الجلي أن التباين في فضيلة الكلام ليس قائماً على مجرد اللفظ، وأكثر من ذلك، فهو يستنكر هذا الموقف معتبراً الألفاظ لا تتغير حتى تؤلف ضرباً خالصاً من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب(26) وهذا النوع من التناسب في تفكير عبد القاهر له ما يبرره من حيث أنه انطلق من باب دعم أسس القيم البلاغية "ونحن لا نعدو الحق إذا قلنا إن نظرية عبد القاهر في النظم كانت نظرية في الصياغة الجمالية"(27). وربما كان الدافع لموقفه المنطقي هذا نابعاً من اتجاهه الذي حاول أن يرسي قواعده من خلال اقتران " النظم" بـ " علم النحو" بمستوياته اللفظية والتركيبية. وليس الجمال فيما يتصور إلا بما يتوخاه الدافع المثير للإعراب الذي يحدد مستوى القيمة الفنية لفاعلية التناسق " وهكذا إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب، ذلك أن موضع الاستحسان ومكان الاستظراف والمثير للدفين من الارتياح والمتألف للنافر من المسرة والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى بها الشيئين مثلين متباينين ومؤتلفين مختلفين(28).‏

    وباقترابنا من القرن السابع الذي عاش فيه حازم القرطاجني نكون قد أدركنا اهتمام النقاد في هذه الحقبة الزمنية، بسر صناعة النظم وقد اعتبره الدكتور صفوت عبد الله الخطيب(29) الوحيد من بين المتأثرين بأرسطو الذي نظر إلى العبارة الشعرية من زاوية جمالية ونقدية تعبّر عن قيمتها في البناء الشعري، ويبدو ذلك في تحديده لمنهج دراستها معتمداً قوله: " يكون النظر في صناعة البلاغة من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه، ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيئته ودلالته، ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها، ومن جهة مواقعها من النفوس من جهة هيئاتها ودلالاتها على ما هو خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها، وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس"(30) وفي هذا يقترب من طروحات أرسطو في أهمية شكل المضمون في الاستخدام الحسي لأبنية العبارة الموزونة وهو ما تأثر به حازم بشكل مفصل ودقيق اعتباراً من النظرة الكلية(31) التي تحدد مسار الحركة الإبداعية وذلك بقوله: " ومعرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة الذي تندرج تحت تفاصيل كلياته ضروب التناسب والوضع فيعرف حال ما خفيت به طرق الاعتبارات من ذلك بحال ما وضحت فيه طرق الاعتبار وتوجد طرقهم في جميع ذلك تترامى إلى جهة واحدة من اعتماد ما يلائم واجتناب ما ينافر"(32).‏

    إن سبيل تحقيق الجمال في منظور حازم مبعثه قدرة التحكم في المتعة التي تخلقها الأشياء المتجانسة، وفي التناسب والتلاؤم تظهر قيمة الجوهر الفني في تنظيم شكل وتناسق محتواه وهذا في حد ذاته ينطوي على سلوكات النشاط البشري ومن هنا يتحدد مكمن النشاط الجمالي للمخيلة الإبداعية التي تبرهن على نفسها من خلال إيقاع الكون. فالتناسب –ومن هذا المنظور- هو القوة الخالقة للتصور في جميع النشاطات الاجتماعية والفنية، أو قل في ذلك إنه المنظور الذي يرى أن الكون انسجام في جميع مجالاته بدءاً من مقول الكلام إلى ما يخلقه دوران الأرض في تنظيم حرثها. وهكذا نصل مع حازم إلى كون الانسجام صفة تدخل عالم التوحد بين الأشياء، التي تحددها جميع العناصر الجمالية، معتبراً في ذلك نبض الكلمة إشارة أولية لبدء النشاط التشكيلي في ترنيماته وتحسين استدارة نطقها لأنها تفيض بحركة تناسب حركة خطوات النفس الوثابة في تموجاتها ونحن مأخوذون بسحر الكلمة في انسجامها الخلاق وهو ما عبّر عنه حازم بقوله: " ومن ذلك حسن التأليف وتلاؤمه والتلاؤم يقع في الكلام على أنحاء: منها أن تكون حروف الكلام بالنظر إلى ائتلاف بعض حروف الكلمة مع بعضها وائتلاف جملة كلمة مع جملة كلمة تلاصقها منتظمة في حروف مختارة متباعدة المخارج مترتبة الترتيب الذي يقع فيه خفة وتشاكل ما. ومنها، ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال، فتكون الواحدة في نهاية الاعتدال والأخرى في نهاية الحوشية وقلة الاستعمال ومنها أن تتناسب بعض صفاتها مثل أن تكون إحداهما مشتقة من الأخرى، مع تغاير المعنيين من جهة أو جهات أو تتماثل أوزان الكلم أو تتوازن مقاطعها ومنها أن تكون كل كلمة قوية كالطلب لما يليها من الكلم أليق بها من كل ما يمكن أن يوضع موضعها".‏

    إن حازماً هنا يحث المبدع والفنان على وجه العموم على التمعن في اختيار النطق المناسب لفضيلة الكلام على اعتبار أن ذلك أولى مراحل النشاط الجمالي، وفي ذلك تمرس وترويض للقول على حسن اختيار التوزيع. ومن هنا تكمن قيمة طلب بالشيء وفق الحاجة وإعطاء الأمر ما يستحقه، وبما تقتضيه المكانة اللائقة به " والواقع أن أزهد الأعمال –في نظرنا- له صلة كبرى بالجمال، فالشيء الواحد قد يختلف تأثيره في المجتمع باختلاف صورته التي تنطق بالجمال، أو تنضح بالقبح، ونحن نرى أثر تلك الصورة في تفكير الإنسان وفي عمله وفي السياسة التي يرسمها لنفسه"(33) وفي هذا إشارة تطوير سلوكات البشرية بفضل تمكنها من تحقيق الانسجام وقدرتها على التحكم في نشاط الوعي الإنساني وتماثل نبض الكون وفق جوهر ما يطمح إلى تحقيقه هذا الإنسان في حقيقته النسبية " وهكذا يتسم موقف حازم بالإيجابية في تأثره الجلي بالفلاسفة السابقين عليه في هذه القضية فهو لا يكتفي فقط كما قيل- بتقرير- " أن الجمال موضوعي وأن له أسباباً تلتمس في العبارة الأدبية وأسراراً تجعلها جميلة وأن من الممكن معرفة هذه الأسباب والاهتداء إلى هذه الأسرار والتعليل لها" أقول لا يكتفي حازم بتقرير ذلك ولكنه يضع بناء نقدياً لهذه الأسس ومنهجاً للأخذ بها وتفسيراً لقيمتها الفنية والنفسية، وهذا يبرر القول بإيجابية الموقف الذي وقفه الرجل في تأثره بالفكر الفلسفي اليوناني حيث استقل التنظير في تطوير ما تداوله النقد العربي(34).‏



    الحواشي:‏

    (1) سورة النحل، الآية 6، وانظر أيضاً يوسف، 18 و 83، الحجر 85، الأحزاب 28 و 49، المعارج 5، المزمل 10، إلى جانب مواضع أخرى بمواقف حقولها الدلالية والتي وردت في شكل القرابة المعنوية للآيات السابقة "في معنى الجمال" بالإضافة إلى الخصائص المعنوية للآيات السابقة "في معنى الجمال" بالإضافة إلى الخصائص المميزة للأسلوب التصويري بوصفه أداة جمالية.‏
    (2)جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (() لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر، قال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل، يحب الجمال، الكِبر بَطَر الحق وغمط الناس، الحديث من رواية مسلم وأبي داود والترمذي وقد ورد الحديث بروايات مختلفة نسبياً.‏
    (3)د. محمد علي أبو ريان، فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة، دار المعرفة الجامعية، 1989، ص 21.‏
    (4)العهد القديم –سفر الخروج- الإصحاح العشرون.‏
    (5)ينظر محمد علي أبو ريان، فلسفة الجمال 21-22.‏
    (6)د. عفيف بهنسي: الجمالية العربية: مقال في مجلة الوحدة، ع 24، سبتمبر 1986، ص 25.‏
    (7)ينظر روجي غارودي: حوار الحضارات، ترجمة عادل العوا (سلسلة زدني علماً) منشورات عويدات، ص 171.‏
    (8)لؤي داخل: فن الزخرفة الإسلامية، مقال في مجلة فكر وفن، ع 56.‏
    (9)د. ميشال عاصي: مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، مؤسسة نوفل 1981، ص 25.‏
    (10)د. زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي- دار الشروق 279.‏
    (11)ولعل من الطرف التي تصور ذلك تصويراً أوسع من طريقة ابن الفرات في مأدبة ما انتهى إليه المهلبي الوزير المعروف من تصنعه في تناول طعامه فهم يذكرون أنه "كان إذا أراد أكل شيء بملعقة كالأرز واللبن وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجاً مجروداً، فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة، ثم يدفعها إلى غلام آخر قام من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى، حتى ينال الكفاية لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية. انظر آدم ميتز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ج 2/196.‏
    (12)القول لعمر بن عبد العزيز، ينظر د/ زكي نجيب محمود: "تجديد الفكر العربي" ج 8، 232.‏
    (13)د. جميل علوش: النظرية الجمالية في الشعر العربي والإفرنج، مقال في مجلة الوحدة (المغرب) ص 62.‏
    (*)وقد خصه العرب بمصطلح التناسب في البلاغة العربية على اعتبار أنها في رأيهم تصحيح الأقسام واختيار الكلام وتصحيح الأقسام هو التناسب بعينه. كما ورد عنهم أن أبلغ الكلام ما تمَّ إيجازه وكثر إعجازه وتناسبت صدوره وأعجازه.‏
    (14)ينظر د. صفوت عبد الله الخطيب: نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة 1986، ص 44.‏
    (15)المضفر بن الفضل العلوي: نضرة الإغريض، تحقيق نهى عارف الحسن، مجمع اللغة العربية، دمشق 1976 ص 10.‏
    (16)قواعد الشعر –شرح وتعليق عبد المنعم خفاجي، القاهرة 1948، ص 71.‏
    (17)ينظر د. صفوت عبد الله الخطيب، نظرية حازم القرطاجني، ص 39.‏
    (18)المرزوقي، شرح ديوان الحماسة، نشر أحمد أمين بالاشتراك، القاهرة 1952 ص 12.‏
    (19)التهانوي كشاف اصطلاحات الفنون، دار قهرمان للنشر 1984، ص 284.‏
    (20)ابن طباطبا، عيار الشعر، ص 5.‏
    (21)قدامة بن جعفر، نقد الشعر، ص5.‏
    (22)أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين، ص 145.‏
    (23)جورجي زيدان، الفلسفة اللغوية، دار الجيل، ط1، 1982، ص 97.‏
    (24)ينظر أسرار البلاغة، ص 122-129.‏
    (25)دلائل الإعجاز.‏
    (26)الأسرار، ص 2.‏
    (27)د. أحمد عبد السيد الصاوي، النقد التحليلي عند عبد القاهر، ص 319، (عن نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية).‏
    (28)الأسرار، ص 109.‏
    (29)ينظر نظرية حازم القرطاجني النقدية في ضوء التأثيرات اليونانية، ص 184.‏
    (30)حازم القرطاجني، منهاج البلغاء، ص 17.‏
    (31)وهي نظرية اعتمدتها الدراسات النفسية في القرن العشرين، حين اعتبرت أن الكل يكون سابقاً على الجزء في عملية الإبداع، فالشاعر إذ يبدع القصيدة يتقدم من الكل إلى الأجزاء (الأبيات) غير أن هذه النظرية على الرغم من حداثتها قوبلت بانتقادات. ينظر مصطفى سويف 294-296.‏
    (32)المنهاج، ص 226-227.‏
    (33)مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، ص 92.‏
    (34) صفوت عبد الله الخطيب، نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية، ص 197.‏



    المراجع:‏

    -القرآن الكريم.‏
    -العهد القديم.‏
    -أبو ريان (محمد علي) فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1989.‏
    -بهنسي (عفيف) الجمالية العربية (مقال) مجلة الوحدة (المغرب)، ع 24. سبتمبر 1986.‏
    -التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، دار قهرمان للنشر، 1984.‏
    -ثعلب (أبو العباس) قواعد الشعر، شرح وتعليق عبد المنعم خفاجي، القاهرة، 1948.‏
    -جارودي (روجي) حوار الحضارات، ترجمة عادل العوا، منشورات عويدات، بيروت.‏
    -الجرجاني، أسرار البلاغة، تصحيح وتعليق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت.‏
    -الخطيب (صفوت عبد الله)، نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية، دار نهضة الشرق، القاهرة 1986.‏
    -داخل (لؤي) فن الزخرفة الإسلامية (مقال) مجلة فكر وفن، ع 56.‏
    -زيدان (جورجي) الفلسفة اللغوية، دار الجيل 1981.‏
    -ابن طباطبا، عيار الشعر.‏
    -عاصي (ميشال) مفاهيم الجمالية عند الجاحظ.‏
    -مؤسسة نوفل، بيروت، 1981.‏
    -العسكري (أبو هلال) كتاب الصناعتين، تحقيق مفيد ف / دار الكتب العلمية، بيروت، ط1/ 81.‏
    -علوش (جميل) النظرية الجمالية عند العرب والإفرنج (مقال) مجلة الوحدة (المغرب).‏
    -العلوي (المظفر بن الفضل) نضرة الاغريض، تحقيق نهى عارف الحسن، مجمع اللغة العربية، دمشق، 1976.‏
    -محمود (زكي نجيب) تجديد الفكر العربي، دار الشروق، القاهرة.‏
    -المرزوقي، شرح ديوان الحماسة، نشر أحمد أمين، وآخرين، القاهرة 1952.‏
    -ابن نبي (مالك) شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر.‏



    * باحث من الجزائر –أستاذ في معهد الآداب- جامعة وهران.‏



    مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 63 - السنة 16 - نيسان "أبريل" 1996 - ذي القعدة 1416
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    توفيق البصري
    موقف الاسلام من الفنون


    في الايام الاولى لنجاح الثورة الايرانية دارت مساجلة بين الناقد القبطي غالي شكري والكاتبة المصرية صافيناز كاظم. كتب شكري في مجلة الوطن العربي الصادرة في باريس حول ما اعتبره “حرب” الاسلاميين على الفنون. ووجه شكري خطابه الى المثقفين والاعلاميين العرب داعيا اياهم الى “ وقفة” تجاه ما اسماه بموقف الاسلاميين الرافض للفن والفنون. ثم كتبت السيدة صافيناز كاظم في عدد المجلة التالي مقالا بعنوان “ فلتسقط الوثنية ومعها كل الفنون”. اظهرت عواطفها تجاه ثورة الشعب الايراني معتبرة بنفس الوقت ان الموقف من الفن ليس مقياسا للحكم على لحظات التحول الكبرى في تاريخ الامم والشعوب.

    لقد تداعت هذه الذكريات في ذهني وانا اشاهد احد ايتام عدي ابن الطاغية صدام الذي ظهر على شاشة احدى الفضائيات متكلما عن “ تحريم” الاسلام للفن. ان جملة تحريم الاسلام للفن الواردة على لسان هذا السيناريست تنطوي على مقدار هائل من الجهل والتعمية. اذ ان اطلاق لفظ الاسلام بالعموم وكذلك لفظ الفنون دليل على جهل المتكلم وان كلامه تعبير عن تشنج شخصي لا اعرف اسبابه. فمن الناحية المنهجية خاض الاسلام في عمره الذي يبتدئ بالوحي المقدس وحتى الساعة تجارب تاريخية متعددة عبرت عن تنوع وثراء الثقافة الاسلامية وكذلك الشعوب التي دخلت رحاب الاسلام. والاسلام اليوم يمتد على رقعة تمثل الكثافة فيها هلالا ممتدا من طنجة حتى كابول. اضافة الى جاليات اسلامية مؤثرة وغنية في تعدد تجاربها في بقية دول العالم خارج هذا الهلال. لقد ابتدا الاسلام في الجزيرة العربية ثم فتح العالم القديم بتجاربه الحضارية وبضمنها الفنون ومرت على الاسلام فترات من الضعف والقوة. كان اخصبها فترة القوة في تخصيب الثقافة الاسلامية بانجازات الحضارات الاوروبية القديمة عن طريق الاندلس. ثم هيمنت على الاسلام الى درجة كبيرة الروح العثمانية والمملوكية حتى بزوغ فجر الدولة الحديثة اواخر القرن الثامن عشر.

    ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم تخوض الشعوب الاسلامية تجاربها بنجاحات هنا واخفاقات هناك تعبيرا عن تفاعلها مع الحياة وتوقها الى التحقق الانساني الذي يربط فكرة التوحيد بالسعادة الفردية والجماعية للانسان. وفي كل هذه السياحة في التاريخ والجغرافيا الاسلاميين تباين الموقف من الفنون. على ان الموقف الاكثر جوهرية وتعبيرا عن حقيقة الثقافة الاسلامية هو الاهتمام وحضانة كل ما يمكن ان يؤدي الى سعادة الانسان وتكامله النفسي والبدني والروحي. وياتي الوقف من الفنون تعبيرا عن هذه النقطة المركزية في العقيدة والشريعة الاسلاميتين. اما مسالة التحليل والحرمة فانها تخضع اولا للمنطق العام الذي يحكم اصول العقيدة ثم للاجتهادات التي يراها ممثلو الثقافة والفكر الاسلاميين للتعاطي مع مستجدات الحياة وبضمنها الفنون.
    ان الاصل في الاسلام هو الاباحة في نظرته الى التعامل مع الاشياء. فكل ما يمكن ان يعترض الانسان في حاجاته مباح الا في حد الضرر. والضرر ما تقرره العقول الاسلامية في الزمان والمكان المعينين وهذه مسالة تخص القوانين الداخلية لاية ثقافة متماسكة ومعبرة عن صناعة معنى للوجود الاجتماعي والقيمي للانسان والدولة. ولا اريد في هذه العجالة ان أأصل فقهيا لموضوعة الاباحة والضرر لكن من الضروري الاشارة الى ان الاسلام هو الدين الوحيد الذي يقدم رؤية للعالم تتكامل مع خوض المسلمين تجاربهم الحياتية في مختلف مجالات الحياة. وهذا هو سر قوة وصلابة الاسلام وتمكنه في النفوس وقدرته على البقاء خاتمة للاديان بعد ان استوعبها جميعا سواء بالاعتراف الصريح بها في القرآن الكريم حيث لا يكتمل ايمان المسلم الا باعترافه بالكتب السماوية المقدسة التي سبقت ومهدت للاسلام وبسلسلة الانبياء عليهم السلام الذين جاؤوا وفق معمار الهي للكون يجعل الانسان بمواجهة استحقاقات الاجتماع البشري اخلاقيا “ دينيا” اذ لا انفصال بين الاخلاق والدين على الاطلاق.

    ومبدا الاباحة يخص الفنون كما يخص الاطعمة والأشربه وانواع العلاقات الاجتماعية والقانونية للمسلمين ومجتمعاتهم. ويتقرر حد الضرر بمقدار ما تصيبه هذه الفنون من نجاحات في تحقيق التكامل الانساني او العكس. واعتقد ان الراي الذي يطلقه انواع الجهال والسذج حول تحريم الفنون في الاسلام ينطلق اساسا من عقدة النقص الحضاري ازاء الغرب. فمع كامل الاحترام والتقدير للتجربة الغربية في كل مجالات الحياة الا انها تبقى بالنتيجة النهائية تعبيرا عن اخلاقيات الغربيين وطبيعة نظرتهم الى الحياة. ان هذه النظرة ليست ملزمة لجميع الشعوب ولا هي مقدسة للدرجة التي تجعل تعميمها فرضا يعتبر الخروج عليه كفرا بالحداثة او المعاصرة. لقد شهد تاريخ الاسلام تجارب في الفن عبرت عن ثراء وغنى هذه التجربة وتعدد مصادر واسهامات الفنانين المسلمين. حتى ان الشعر نفسه واحد من الفنون التي عبرت عن الفرد “الشاعر” ازاء المجتمع. ورغم التقييدات التي وضعها الاسلام في بداية الدعوة بسبب الحرب التي شنها “ الجهاز” الشعري ضد ثورة الاسلام المسددة بالوحي فقد انطلق الشعر بعد ذلك الى مديات يعلمها الجميع حتى الان. واذا اردنا ان نعدد الفنون التي مارسها المسلمون بما فيها الموسيقى والتي كتب فيها فيلسوف مرموق مثل الفارابي فسوف نعثر على تعدد في هذه المجالات لم تمنعه من الانتشار بعض الاراء الفقهية المغالية. وحتى فن النحت الوثني بقي يشكل في الثقافة الاسلامية تجربة لشعوب عاشت اما بجوار المسلمين او قاسمتهم ظروف الحياة. ومن الادلة المعاصرة على تنوع وتعدد التفكير الاسلامي ازاء قضية الفنون ما حدث في افغانستان عندما قررت حركة طالبان تهديم تماثيل بوذية عملاقة. فغداة اعلان منظمة طالبان “السلفية المغالية” نيتها تفجير هذه التماثيل العملاقة تحركت اوساط المثقفين والمهتمين المسلمين على نطاق واسع. وقد ابدى كثير من هؤلاء المهتمين شجبهم لهذا الفعل الذي اعتبروه ليس حضاريا ولا مدنيا ولا يعبر اصلا عن حضارة المسلمين وتفاعلهم مع الحضارات التي جاورتهم او عاصرت مدنياتهم الكبرى. والاكثر من ذلك قدمت الكثير من الدراسات والبحوث الخاصة بهذا الموضوع رؤية عن تخلف حركة طالبان عن استيعاب تراث الشعوب غير الاسلامية ثم اسلمة هذا التراث او على الاقل إكسابه مضامين توحيدية استنادا الى عمق التدين الفطري المستند الى ما غرزه الله تعالى في نفوس عباده جميعا على توقهم الى خالقهم. ومضت هذه الدراسات الى تاكيد الترابط بين هذه الفنون باعتبارها نتاجا للبحث عن الخالق والخلود في الاخرة وانها جاءت تعبيرا عن هذه الرغبة وان كان ينقصها التوحيد الخالص الذي اكتمل بالوحي المحمدي. وزيادة على ما فات شكلت منظمة المؤتمر الاسلامي وفدا رفيع المستوى من علماء الاسلام يتكون في اغلبه من علماء الازهر وذهبوا كي يفاوضوا منظمة طالبان قبل ان تفجر هذه التماثيل. قدم هذا الوفد ادلة “عقلية ونقلية” على حلية هذه التماثيل وانها ليست تعبيرا عن عبادات وثنية...الخ. طبعا لم ينفع الامر مع هذه المنظمة التكفيرية التي فجرت التماثيل ومعروفة للجميع تفاصيل ما قامت به هذه المنظمة مع الشعب الافغاني حتى سلم قادتها بثمن بخس الى قوات حلف الاطلسي التي اسقطتها بعد احداث 11 ايلول.

    ان تحريم الاسلام لبعض الفنون ياتي تعبيرا عن قدرة الاسلام على رؤية الصح من الخطا استنادا اولا الى انظمة الوحي الكلية ثم تجربة المسلمين الاجتهادية ممتزجة بتجاربهم التاريخية. واظن ان المراد بعتاولة الحداثة كي يرضوا عن التشريع الاسلامي ان يبيح هذا التشريع فنون الخلاعة والتسيب الجنسي حتى يقولون ان الاسلام يبيح الفنون فعلا. لقد وصل التشوه في اذهان “مدمني” التجربة الغربية حدا ربطوا به بين حرية الفن واباحة المباذل الجنسية. وتشكل عقدة الانسحاق الحضاري لب الاشكال في نظرة هؤلاء الى موقف الاسلام من الفن. والمعروف ان الفن الياباني ما يزال على حاله في الاستناد الى تراث الشعب الياباني القديم وان الفنان الياباني لم ينسحق تحت وطاة هذه العقدة وبقي محافظا على حدود الروح الياباني في التشكيل والسينما والمسرح والموسيقى وغيرها. ولا تخلو الحياة اليابانية ايضا من دعاة الى التغريب الا انهم لا يشكلون الا نسبة ضئيلة جدا بالقياس الى اليابانيين خارج سطوة معايير الغرب.

    ان عنفوان الفن الاسلامي وجدارته بتمثيل امنيات الشعوب وحقها في الحياة والكرامة والسعادة هو في ايفائه لهذه الامنيات دون الحاجة الى مركبات الشعور بالنقص تجاه الغرب ودون الوقوع في الوعظية الساذجة والمباشرة التي تجعل من العمل الفني خطبة “ عصماء” تعطي مجالا لحاخامات الحداثة الغربية من العرب والعراقيين فسحة من الحديث عن عداء وهمي بين الاسلام والفنون.

    ومن الادلة الساطعة على هذا التمازج بين المضمون والشكل البريق الذي احدثته تجربة الدراما الايرانية “ السينمائية والتلفزيونية” التي مزجت بحرفية عالية بين الموضوع ودرق الاداء المهنية أي بين التشويق وسلامة المضامين حتى كسبت جمهورا واسعا جدا شكل حضوره وشغفه احساسا بقدرة الاسلام على اجتراح مفاهيم رفيعة للانسانية “افرادا وجماعات”.
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    هاشم صالح
    الرسوم "المسيئة للرسول"



    بعد 11 سبتمبر و14 مارس(مدريد) وسوى ذلك، أحس الغرب بخطورة التيار الأصولي في العالم العربي والإسلامي. وقد جاء رده على ذلك عسكريا في البداية على طريقة بوش وجماعته ثم ثقافيا أو استفزازيا على طريقة الرسوم الدانماركية وما تلاها من استهزاء بالقرآن والنبي على يد بعض نواب اليمين المتطرف في هولندا والنمسا الخ.

    ومثلما ضرب الأصوليون أميركا على رأسها صبيحة 11 سبتمبر فإن رسامي الكاريكاتور ضربونا على رؤوسنا إذ اختاروا النبي شخصيا كمادة للهجوم والاستهزاء العدواني غير المبرر على الإطلاق.

    كان بإمكانهم أن يضعوا القنبلة في رأس الخميني أو ابن تيمية مثلا للدلالة على عنف الإسلام أو كان بإمكانهم اختيار صورة شيخ عربي أو مسلم لا على التعيين. ولكنهم باختيارهم لشخص محمد بالذات صعقوا الوعي الجماعي لدينا ووجهوا إليه ضربة موجعة. ذلك أن العدوان الرمزي وبخاصة على قدس الأقداس أو على أعظم شخصية في تاريخنا لا يقل خطورة عن العدوان الجسدي المحض.

    ربما كانوا قد أرادوا اختبار ردود فعل العالم الإسلامي كما ذكرتم. هذا شيء غير مستبعد. ولكن ليس بهذه الطريقة الفجّة والمباغتة والمؤذية يدفعون العالم الإسلامي نحو الإصلاح الديني أو التنوير العقلاني. على العكس. هذه طريقة قد تؤدي إلى عكس النتيجة المتوخاة منها على فرض أن نواياهم طيبة.

    ينبغي العلم بأنه حصل تواطؤ في الغرب بين تيارين ضدنا، تيار اليمين المتطرف المسيحي أو الإلحادي وتيار اليمين اليهودي المتصهين. هذان التياران كانا يكرهان بعضهما البعض على مدار التاريخ. ومعلوم أن اليمين المتطرف الأوروبي يكره اليهود وهو المسؤول عن محرقتهم. ولكنهم الآن اجتمعوا مع بعضهم البعض علينا وبخاصة بعد ضربة 11 سبتمبر ثم نظرا لاستفحال الأمور في فلسطين المحتلة.

    أما بالنسبة لحرية التعبير فهي ليست لانهائية أو لا محدودة كما قد نتوهم. مثلا في فرنسا ممنوع أن تهاجم شفهيا أو كتابيا شخصا ما لأسباب عرقية أو طائفية. ممنوع أن تحتقره أو تدعو لإيذائه لأنه ينتمي إلى هذه الطائفة أو تلك أو إلى هذا العنصر أو ذاك.هذه أشياء يعاقب عليها القانون.أما بالنسبة لعقوبة التجديف أو النيل من المقدسات فقد انتهت في أوروبا منذ زمن طويل، ولكن هذا لا يعني أنه يحقّ لهم أن يحتقروا عقائد الآخرين.

    إذا ما هاجمت المسيح أو العقائد المسيحية أمام شخص فرنسي فعلى الأرجح لن يحرك ساكنا ولن تصيب فيه مقتلا، لأن مقدسه لم يعد دينيا كما هو عليه الحال عندنا وإنما أصبح علمانيا. اللهم إلا إذا كان ينتمي إلى الأقلية التي ما زالت مسيحية مؤمنة. ولكن إذا ما شتمت فرنسا أمامه فانك سوف تجرحه دون شك.
    يمكنك أن تستهزئ بالبابا بل وحتى بالمسيح على شاشات التلفزيون بل يمكنك حتى أن تنكر أن المسيح قد وجد تاريخيا دون أن تخشى على نفسك أو أن يصيبك أي أذى. أما إذا استهزأت بالجمهورية الفرنسية ذاتها وبالعلمانية والديموقراطية والتسامح وحقوق الإنسان وأعلنت رفضك للحداثة الأوروبية وقيمها الأساسية فانك سوف تتعرض حتما للمتاعب. وسوف تعتبر إنسانا خطرا على النظام العام.

    هنا يبدو الشرخ عميقا بين مجتمعات مغموسة في الحداثة المادية والفكرية من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها ومجتمعات القرون الوسطى ذات الحساسية الدينية المرهفة جدا والمستعدة للاستنفار في أي لحظة. ولكن بما أن العالم الإسلامي يعيش منعطفا تاريخيا خطيرا فإنه لا يستطيع أن يتحمل كل هذا الترف الفكري. وبالتالي فلا ينبغي جرحه في مقدسه الذي يستعصم به..

    وأقول في هذا الشأن: رب ضارة نافعة. ربما دفعتنا هذه الهجمة على مقدساتنا إلى الانخراط أخيرا فيما لا بد منه: أي في إعادة قراءة التراث وغربلته غربلة صارمة لا هوادة فيها. لا بد من التوصل إلى محمد التاريخي يوما ما وكذلك إلى القرآن التاريخي تحت ركام القرآن الأسطوري ومحمد اللاتاريخي. ولكني واثق عندئذ أن محمدا الحقيقي لن يكون أقل أهمية وروعة من محمد التقليدي السائد حاليا في وعي الملايين.

    وأنا أعتقد شخصيا أن ما أصابته الرسوم الكاريكاتورية السخيفة ليس محمداالحقيقي وإنما الصورة التقليدية الكسولة السائدة عنه في الأوساط المتزمتة والمنغلقة كليا على الحداثة. فمحمد الحقيقي لو ظهر الآن لأدخل العرب في التاريخ من جديد أي في الحداثة ولحل عقدتهم المتأصلة ولعثر على مفتاح التاريخ. وبالتالي فأنا لست خائفا على محمد، ليس فقط لأني تربيت على حبه منذ طفولتي الأولى، وإنما خائف على جماهير المسلمين الغاطسة في بحر من الخرافات والأوهام والاستلاب العقلي الكبير.


    بين المحرقة والرسوم

    أود التأكيد مجددا بأن ما أصابته الرسوم الكاريكاتورية التافهة ليس محمدا الحقيقي وإنما شُبّه لهم نتيجة جهلهم بتاريخ الإسلام الأولي وشخصية النبي الأكرم. والواقع أنهم خلطوا بينه وبين التصور الوهمي والخاطئ الذي يشكله عنه الأصوليون المتزمتون والإرهابيون. فهذه الصورة المشوهة لرجل عربي بعقال وفي رأسه قنبلة تكاد تنفجر ليست صورة النبي على الإطلاق وإنما صورة الزرقاوي أو سواه ممن يمارسون العنف الأعمى والمجاني بشكل وحشي. وحاشا للرسول أن يكون كذلك.

    ولكنهم دفٌعوه ثمن أخطاء أولئك الذين ينسبون أنفسهم إليه زورا وبهتانا. حقا لقد شوهوا صورة الإسلام ومؤسسه بل واختطفوا الدين الحنيف اختطافا، الشيء الذي سمح للآخرين بالهجوم عليه بمثل هذه الطريقة المقذعة. وبالتالي فالمسؤولية تقع علنا أيضا وليس فقط على رسامي الكاريكاتير الدانمركيين.
    هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المحرقة اليهودية تحولت في الغرب إلى مقدّس يفوق المقدسات المسيحية. وكما قلت فبإمكانك أن تنكر وجود المسيح تاريخيا ولكن من غير الممكن إنكار حصول المحرقة اليهودية. وأنا بالطبع لا أنكر حصولها على الإطلاق وإنما على العكس تماما أدين النازية كل الإدانة بسببها.

    ولكن الكثير من المؤرخين والمثقفين الفرنسيين احتجوا على قرار البرلمان الفرنسي بمعاقبة كل من تسول له نفسه أن ينكر حصول المحرقة أو يقلل من حجم الضحايا أو لا يعترف بسقوط ستة ملايين كما تقول النسخة الرسمية المكرّسة. فهذه قضايا ينبغي أن تظل مفتوحة وهي من اختصاص المؤرخين لا اختصاص النواب ورجال السياسة. نعم ينبغي أن يظل ملف المحرقة مفتوحا لكي يكتشفه المؤرخون من كافة جوانبه، ويخوضوا فيه الحديث إلى ما شاء الله تماما كأي موضوع آخر.

    وهناك إجماع في الغرب على تقديس المحرقة اليهودية وتسييجها بالأسلاك الشائكة حتى لا يتجرأ أحد على الاقتراب منها. فالغرب يريد أن يكفّر عن جريمته النكراء بهذه الطريقة. وهذا من حقه بل إنه يشرفه لولا أن الأمر تحوّل إلى نوع من الامتثالية الخانقة والمزايدات المزعجة والمملة فعلا.

    قلت هذا من حقه ولكن ليس من حقه على الإطلاق أن يدفع الآخرون ثمن هذه المحرقة الرهيبة التي ارتكبتها يداه أيام النازية والفاشية. وأقصد بالآخرين هنا الفلسطينيين بالطبع وكذلك اللبنانيين والعرب الآخرين. فهنا أيضا ترتكب محرقة أمام أعيننا كل يوم وكان آخرها محرقة غزة بأطفالها الرضع.

    وأعتقد أن الغرب المنافق المسؤول عن كلتا المحرقتين يستخدم المحرقة الأولى للتغطية على الثانية وتبريرها. وهذا ما دعاه المثقف اليهودي المنصف نورومان فنكلشتاين بصناعة الهلوكوست. نعم لقد تحولت المحرقة إلى صناعة يتاجر بها غُلاة الصهاينة لتبرير قيام دولة إسرائيل على حساب دولة فلسطين. انظر ما يفعله هذا الساحر المشعوذ المدعو إيلي فيزيل الذي فضحه كتاب صناعة الهلوكوست.

    نعم لقد تحوّلت المحرقة إلى أعظم تابو في الغرب وأعظم مقدس، لأن الله لم يعد تابو ولا مقدسا ولا المسيح بالطبع، ولذلك فلا يستطيع أحد أن يسخر من الموضوع ولا حتى أن يناقشه بشكل عقلاني منطقي هادئ. فاللوبي اليهودي يقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه ذلك، ويوجّه إليه التهمة التي ترعب اكبر شخصية في الغرب: معاداة السامية.

    ومادام الصراع على فلسطين مشتعلا فلا يمكن لأحد أن يناقش موضوع المحرقة بشكل علمي. سوف تظل تابو أو مقدسا لأن تأسيس دولة إسرائيل على أنقاض دولة فلسطين يتطلب ذلك. والواقع أنه لولا محرقة اليهود الرهيبة لما تجرّأ الغرب على إعطاء فلسطين لليهود بمثل هذه الطريقة السافرة والتي لا تكاد تصدق. فكارثة اليهود أعطتهم كل الحقوق بما فيها حق اغتصاب أرض الآخرين وطردهم منها. وهذا من أعجب العجب. هذا ما كانوا يدعونه أيام الحكم العثماني المستبد والاعتباطي بحكم قراقوش.

    وبالتالي فهناك أصولية غربية يهودية فيما يخص المحرقة. وهي لا تقل تزمتا وتطرّفا وتعطيلا للعقل والفكر عن أصولية بن لادن. الفرق الوحيد هو أنها أصولية الشعوب المتحضرة التي شكّكت بكل شيء وجربت كل شيء واكتشفت كل شيء، لا أصولية أناس فقراء جهلة لم يطلعوا على نور العلم والفلسفة بعد. وبالتالي فهي معذورة أقل.

    هنا تكمن غطرسة الغرب والجانب الأسوأ فيه. ولكن هذا لا يلغي بالطبع الإنجازات الإيجابية الرائعة لحضارته وحداثته. والواقع أن حضارته ازدواجية الوجه، أو قل ذات وجهين: وجه مضيء جدا ووجه معتم وشرير.والدليل على ذلك ما يفعله بوش وقادة اليمين الإسرائيلي في فلسطين.


    التأويل الأسطوري للقرآن

    بالطبع هناك تشابه بين قصة رشدي وقصة الرسوم الكاريكاتورية. ويمكن أن نضيف إليهما حوادث أخرى أيضا ككتابة بعض الآيات القرآنية على جسد امرأة عارية في هولندا الشيء الذي كلف صاحبه المخرج السينمائي تيو فان غوخ ميتة فظيعة وإجرامية على يد أصولي مغربي جاهل. وكذلك يمكن أن نضيف زلّة البابا غير المقصودة عندما ربط بشكل غير مباشر بين الإسلام والعنف الخ..

    كل هذه الحوادث هي عبارة عن صدمات كهربائية قد تؤدي إلى إيقاظ المسلمين من سباتهم الدوغمائي الطويل. أقول ذلك رغم إدانتي لأي نيل من شخص النبي أو القرآن. ولكن رب ضارة نافعة.

    ربما دفعنا ذلك إلى إعادة النظر في تراثنا وقراءته قراءة جديدة كما يفعل أركون وتقديم تأويل آخر غير التأويل المكرور الراسخ الجذور منذ مئات السنين. هذا هو الرهان الأكبر لما يحصل حاليا. فوراء الأكمة ما وراءها. والواقع انه ما دام تراثنا يُستخدم من قبل الظلاميين المتطرفين كأداة حرب لتبرير المجازر والتفجيرات التي تحصد المدنيين العزّل بالمئات والآلاف، فإنه من المتوقع أن يدفع الثمن عاجلا أو آجلا.

    والآخرون لن يسكتوا علينا إلى الأبد وإنما سوف يطرحون علينا الأسئلة من نوع: هل صحيح أن دينكم يقر أعمال العنف؟ هل صحيح أنه يدعو لقتل كل المسيحيين واليهود كما يقول بن لادن وجماعة القاعدة؟ هل صحيح أنكم تكفّرون كل الأديان الأخرى وتعتبرونها باطلة؟ متى سيحصل الإصلاح الديني عندكم كما حصل عندنا؟ متى ستشهدون مرحلة التنوير وتصالحون بين الإسلام والحداثة؟ متى سيحصل التوفيق بين الإيمان والعقل عندكم فتنتقلون من إيمان القرون الوسطى الذي لا يقبل الاختلاف والتعددية الروحية إلى إيمان العصور الحديثة الذي يقبل بذلك؟ الخ.

    وإذا لم يطرحوا علينا هذه الأسئلة فإنهم سينتقمون منا عن طريق الرسوم الكاريكاتورية وأشباهها من اجل استفزازنا، وبالتالي فالمسألة اندلعت ولن تتوقف عما قريب. لن تتوقف قبل أن تخرج جماهير العرب والمسلمين من فهم بن لادن وأشكاله للإسلام. وهذا يعني أن القصة طويلة ومعقدة فعلا.

    ولذلك أقول بان القرن الواحد والعشرين هو قرن الإسلام. بمعنى أن المشكلة الأساسية المطروحة عليه هي مشكلة الإصلاح الديني في الإسلام. فالإسلام، أو قل الفهم السائد عنه لدى الملايين، أصبح مشكلة عالمية تهم كل الأمم وليس فقط العرب أو المسلمين. وبالتالي فلن يحلوا عنا قبل أن نحل مشكلتنا مع ديننا وتراثنا ونقدم تأويلا آخر لرسالة القرآن وجوهر الإسلام. وهذه هي المهمة الكبرى المطروحة على المثقفين العرب طيلة العقود المقبلة من السنين.

    نحن الآن ندفع ثمن الجمود التاريخي أو "نومة أهل الكهف" والانحطاط المزمن والطويل. نحن ندفع ثمن انتصار الحنابلة على المعتزلة قبل ألف سنة وانتصار الفقهاء على الفلاسفة أي انتصار الغزالي على الفارابي وابن سينا قبل ألف سنة أيضا.

    من يجرؤ الآن على فتح الملفات العتيقة التي أغلقت منذ القرن الخامس الهجري وبالأخص الملف الخاص بخلق القرآن؟ لو فتحناه لاستطعنا تقديم تأويل تاريخي عقلاني مسؤول للقرآن الكريم ولانتهينا من التأويل الأسطوري والغيبي واللاتاريخي والتقليدي المكرور للأصوليين والسلفيين.

    من يستطيع أن يقدم صورة تاريخية عن سيرة النبي أو علي بن أبي طالب خصوصا بالنسبة للوعي الشيعي؟ نقول ذلك ونحن نفكر بما فعله عالم اللاهوت الألماني رودولف بولتمان بالنسبة للمسيحية الأولى وشخصية مؤسسها، عندما فرق بين المسيحية البدائية الأسطورية والمسيحية التاريخية الحقيقية. وكذلك عندما فرق بين المسيح الأسطوري الذي يملأ على المؤمنين أقطار وعيهم من أقصاه إلى أقصاه والمسيح التاريخي، بقدر ما تسمح لنا الوثائق والمعطيات الأركيولوجية أن نتوصل إليه.

    أفكر أيضا هنا بكتاب أرنست رينان عن حياة يسوع عندما نزع عنه هالات الأسطرة والأدلجة وقدم صورة إنسانية تاريخية. عندئذ هاج عليه الحزب الأصولي الكاثوليكي ونزل إلى الشارع هنا في قلب باريس بل ومرّ على بيته وسأل أسرته عنه مهددا ومتوعدا.لماذا؟ لأنه مسّ المعتقدات الأصولية في الصميم. ما الفرق بين ردود فعل المسيحيين آنذاك وردود فعل المسلمين الآن؟ لا شيء. ولذلك أدعو شخصيا إلى تأسيس علم الأصوليات المقارنة أو علم التنوير المقارن سمه ما شئت. عندئذ نفهم بشكل صحيح ما يحصل الآن في العالم الإسلامي من هيجانات واضطرابات.

    اقرؤوا فتاوى بابوات روما في القرن التاسع عشر ضد الحرية الدينية أو الليبرالية أو الديموقراطية أو الفلسفة العقلانية أو حقوق الإنسان أو روح العصور الحديثة كلها واقرؤوا تصريحات الأصوليين الأشاوس عندنا من أمثال بن لادن وعلي بالحاج تجدون نفس الشيء. أحيل بهذا الصدد إلى فتاوى البابا ضد الحداثة عام 1869.

    أعود إلى مسألة سلمان رشدي والصور الكاريكاتورية. ربما كان الفرق الوحيد بينهما هو أن رشدي قدم رواية رائعة من الناحية الفنية باعتراف ناقد خبير بالموضوع هو تزفيتان تودوروف. في حين أن الصور الكاريكاتورية تبسيطية مبتذلة وخالية من الإبداع الفني واستفزازية بالدرجة الأولى. رواية رشدي عميقة خصبة تضج بالتساؤلات الكبرى والمتناقضات. وكانت تستحق مصيرا آخر غير المصير الذي لقيته بسبب فتوى الخميني الهمجية والظلامية.

    ولا أقول ذلك دفاعا عن كل ما جاء فيها وإنما من أجل الإنصاف وحرية التفكير والتعبير، وبخاصة بالنسبة للروائي الذي يستخدم الخيال بالضرورة. وبالتالي فلا ينبغي أن نقمعه أو نأخذ كل ما يقوله حرفيا على محمل الجد لان ذلك يحجم خياله ويقضي على إبداعه.


    أهمية الخطوات الدنماركية في حل الأزمة

    لا ريب في أن تدريس القرآن والتراث العربي الإسلامي في الجامعات الدانماركية الحديثة والعلمانية سوف يكون خطوة ايجابية جدا. ولكن نتمنى أن يتم التدريس من خلال المناهج الحديثة لعلم الأديان المقارنة، لا من خلال المناهج القديمة المعروفة التي لا تقدم ولا تؤخر شيئا. وعلى أي حال فهي متوافرة جدا في العالم الإسلامي، ولسنا بحاجة إلى كليات تقليدية جديدة تضاف إلى كل ما هو موجود عندنا.

    نحن نريد أن يتم تدريس التراث الإسلامي في الدانمرك والغرب كله، حيث تتوافر حرية التفكير والتعبير كما يدرس التراث المسيحي سواء بسواء. نحن لا نطالب بمعاملة خاصة وإنما نطالب بان نعامل بالمثل. فتراثنا أحوج ما يكون إلى تطبيق مناهج العلوم الإنسانية عليه كعلم "الالسنيات" و"السيميائيات" الدلالية وعلم التاريخ الحديث وعلم الاجتماع والأنتربولوجيا وعلم التفسير الحديث الخ. وهذا كل ما نطالب به الغرب، بدلا من تضييع وقته في استفزاز مشاعرنا بشكل مجاني لا طائل تحته.

    ياليت أنه يفتح كليات جديدة لتدريس الإسلام على طريقة المناهج الحديثة التي أثبتت فعاليتها في تحرير العقول من التعصب والدوغمائية مثلما يفتح كليات لتدريس اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي.

    هذا كل ما نطالب الغرب به لأنه الأكثر تقدما وقوة من كل النواحي المادية والثقافية. نريده أن يساعدنا على أن نخرج من هذه الورطة الكبيرة التي وقعنا فيها بدلا من تغطيسنا فيها أكثر وأكثر عن طريق هذه الاستفزازات التي لا تليق به ولا بحضارته.

    وعلى أي حال فهي صادرة عن التيار اليميني المتخلف فيه لا عن التيار العقلاني الحضاري الذي يدين هذه الاستفزازات بالذات. انظر ردود فعل رئيس وزراء النمسا ورئيسها والشخصيات الدانماركية والهولندية المحترمة على هذه الاعتداءات الاستفزازية على مشاعرنا.

    والواقع أن كبار علماء الغرب من مستشرقين ومستعربين يقوم بدراسة علمية لتراثنا الإسلامي. وهم يشكرون على ذلك. وتستحق أبحاثهم أن تُنقل فورا إلى لغتنا العربية. أقول ذلك وأنا أفكر بأعمال الأكاديميين الكبار من أمثال المستشرق الألماني جوزيف فان آيس أو أولئك الذين ألفوا الموسوعة الإسلامية والموسوعة القرآنية. هذه أبحاث علمية رصينة عن التراث وتستحق الإعجاب والتقدير.

    أما فيما يخصّ عقد ندوات ومؤتمرات في الدول العربية عن العلمانية وحوار الأديان والحضارات فأنا معه. وتشكر الحكومة الدانماركية على هذا الاقتراح الجيد. فهم أيضا عانوا من مشكلة الأصولية المسيحية ومحاكم التفتيش في الماضي، ويمكن أن نستفيد من خبرتهم في هذا المجال بدون شك.

    وبالتالي فأهلا وسهلا بالمناظرات الفكرية الجادة بين علمائنا وعلمائهم بين مثقفينا ومثقفيهم. فهذه هي الطريقة الوحيدة لكسر جدار الرعب والجهل القائم بيننا وبينهم والذي يدفع إلى ارتكاب مثل هذه الاستفزازات كالرسوم الكاريكاتورية وسواها.


    إعادة نشر الرسوم والردود الباهتة

    نلاحظ أن إعادة نشر الرسوم التافهة لم تؤد إلى أحداث عنف وتظاهرات غاضبة في الشارع وحرق السفارات كما حصل في المرة الأولى. وهذه نقطة ايجابية تسجَّل لصالح جمهورنا الذي ابتدأ يفهم مغزى هذه الاستفزازات أو قل لم يعد يخاف منها أو يعيرها نفس القيمة والأهمية.

    لقد ابتدأنا ندرك أن الرد عليها بالعنف يسيء لقضيتنا أكثر مما ينفع لأنه يعني الوقوع في الفخ الذي نصبوه لنا. فهم يقولون بأن الإسلام مرتبط أزليا بالعنف. ونحن بتظاهراتنا العنيفة الصاخبة والانفعالية أكثر من اللزوم نصدق على كلامهم أو نثبته بدلا من أن ننفيه.

    ينبغي أن يعلم المسلمون أنه لو كانت هذه الشتائم والإهانات ستنال من نبي الإسلام أو ستقضي على هيبته وحقيقته وعظمته، لكانت قد قضت عليها منذ مئات السنين عندما انهال عليه سيل من الكتابات والشتائم الجارحة منذ الحروب الصليبية والعصور الوسطى وحتى اليوم. كلها مرت وبقيت حقيقة الإسلام ونبيّه صامدة تتحدى القرون. كلها تكسّرت على صخرة الحقيقة التي لا يمكن لأي قوة في العالم أن تهدها.

    ينبغي العلم بأن الأنبياء والمفكرين الكبار ليسوا بحاجة لأحد لكي يدافع عنهم. ولو كانوا بحاجة لأن نحميهم أو ندافع عنهم لما كانوا أنبياء أصلا. تدافع عنهم حقيقتهم ورسالتهم والقيم الأخلاقية العليا التي رسخوها على مدار الأجيال والقرون.

    ومحمد بن عبد الله ليس بحاجة إلى من يدافع عنه ولا كذلك سقراط أو المسيح أو بوذا أو مارتن لوثر أو جان جاك روسو نبي العصور الحديثة أو إيمانويل كانط أو بقية العظماء الذين ضحوا بطمأنينتهم من اجل هداية البشرية إلى طريق الحقيقة والرشاد.

    الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفعله للدفاع عن محمد هو أن ننخرط في بحوث تاريخية كبرى للكشف عن شخصيته التاريخية الحقيقية بقدر ما تسمح لنا الوثائق بذلك. وعندئذ سوف نكتشف أنه كان ذا شخصية عظيمة على كافة الأصعدة والمستويات وأنه لم يحمل السلاح إلا للدفاع عن القضية ولأنه كان مهددا بالقتل. وليس صحيحا أنه كان يحب العنف من اجل العنف على طريقة الزرقاوي والقاعدة، كما يزعم بعض الجهلة والمُغرضين في الغرب والشرق.
    والقرآن نفسه ليس أكثر عنفا من التوراة الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين. فهو يقول بالحرف الواحد عن محمد: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. ولكن ما ذنبه إذا كان بعض أتباعه قد شوهوا رسالته أو فهموا شخصيته خطأ؟

    فهل يسوع المسيح مسؤول عن الجرائم التي ارتكبت باسمه بعد أن انتصرت المسيحية وأصبحت دين دولة وجبروت؟ هل هو مسؤول عن إذلال غاليليو وقطع لسان جيوردانو برينو وبقية محاكم التفتيش التي ذهب ضحيتها ملايين البشر عندما كانت أوروبا لا تزال ظلامية أصولية متعصبة؟

    بل إن العنف في القرآن مشروط دائما وغير مسموح به إلا في الحالات القصوى. وهنا ننتظر أن يقوم أحد الباحثين الكبار بدراسة آيات القتال في القرآن لكي تتوضّح لنا هذه النقطة الحاسمة. ويبدو أن أركون منخرط في هذه الدراسات حاليا، ونحن ننتظر نتائج بحوثه.


    موقع الاوان
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    "الرسوم المسيئة للرسول"
    حميد زناز
    حرية التعبير خير وأبقى

    [​IMG]


    مهما تكن أسباب نشر الرسوم الكاريكاتورية فهي ليست مهمّة، لأنها تبقى مجرد تخمينات وإسقاطات تصل في النهاية ككل مرة إلى أُطروحة المؤامرة والحكم على النّوايا، و هذه خاصية عربية بامتياز. وغياب حرية التعبير والديمقراطية في الوطن العربي يجعل الناس لا يفقهون ما يحدث في الغرب، حيث يعتقد أغلبهم أن الدولة هي التي تأمر و تنهي وأن كل شيء يحدث بإيعاز من المخابرات كما هو الحال في بلدانهم.

    وقيام الجريدة بدورها الإعلامي بنشر رسوم كاريكاتورية أمر عاديّ جدا، حيث حاول صاحبها أن يشير إلى ظاهرة يعيشها العالم اليوم، لم يُعالج الإسلام كدين أو كعقيدة بل عالج الإسلام عندما تحول إلى مشكلة، عندما أصبح بعض المسلمين يمارسون الإرهاب تحت يافطته.

    وفن الكاريكاتور هو غَمَزات، ومَضَات سريعة مركّزة تُفهم حسب قدرة المشاهد المعرفية والتأويلية وليست علما نطلب من الرّسام أن يكون فيه موضوعيا ومتخصصا. وقد حاول الرسام أن يشير إلى ظاهرة الإرهاب الإسلامي، مستخدما حقه في المبالغة الدراماتيكية فرسم ما رسم، وتعبّر الرسوم عن علاقة ما بين العنف والإسلام لا يستطيع أحد أن ينكرها، وهي حرية تعبير يكفلها القانون الدانمركي والباقي افتعال قضايا لإلهاء الرعية.

    بالمقابل، كيف يمكن لجريدة تحترم قراءها أن تسمح لنفسها بنشر رسومات موجّهة مفبركة مؤدلجة (الرسوم الإيرانية حول المحرقة اليهودية)، افتعلها نظام فاشيستي ثيوقراطي لا يحترم أبسط مبادئ حقوق الإنسان والمواطن، تهدف إلى إعادة النظر في مأساة إنسانية تثبتها الوثائق التاريخية.

    وبالتالي هناك فرق أساسي بين رسوم فرد لا يمثل إلا ضميره المهني ورسوم مصدرها نظام لا ديمقراطي، لا يعترف بحرية التعبير أصلا، يمارس التمييز الديني و العنصري والجنسي.. يرجم النساء ويدعو صراحة إلى تدمير شعب.
    من ناحية أخرى أعتقد أن ردود أفعال المسلمين والعرب على الرسوم ليست ردود أفعال عفوية، بل هي من صنع بعض الأنظمة العربية وفقا لأجندة سياسية معينة، بدليل أنها كانت غير متزامنة مع نشر الرسوم.

    والمجتمع المدني هو الذي يبادر إلى تنظيم المسيرات والمظاهرات، فهل هناك مجتمع مدني في هذه البلدان؟ لو كان موجودا لما توقفت المسيرات ضد الأنظمة القائمة المنتهكة لحقوق الإنسان والمحتكرة للسلطة منذ عقود. وكل هذا التضخيم ما هو إلا استغلال لجماهير تم تجهيلها من أجل الضحك عليها وإلهائها وصرفها عن المطالبة بحقوقها السياسية والاقتصادية. كم من هؤلاء رأى الرسوم وكم منهم قرأ ’ آيات شيطانية’؟

    أعتقد أن الأزمة ستزداد عندما يكتشف الدانمركيون حقيقة الإسلام. عن أي حوار بين الأديان يتحدث القوم وعن إي انفتاح؟ يحتقر المسلمون كل الديانات: "من يرتضي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه"، يقول الله والمسلمون الذين مازالوا يعلمون صغارهم أن من تعلم لغة قوم أمن شرهم.

    وأرى أن إعادة نشر الرسوم ليست تضامنا مع الدانمرك وصحافته فحسب، بل هي شعور أوروبي بالخطر الذي يهدد حرية التعبير في الغرب كله. الحل هو عدم التنازل عن حرية التعبير ووجوب الوقوف بشكل جماعي ضد الهجمة الأصولية. على الأوروبيين أن يتضامنوا لأن الخطر بدأ يهدد الجميع، ففي كل أسبوع نسمع عن مسرحية أُلغيت هنا وحفل يُؤجل هناك. على الإسلام أن يتأقلم مع الحرية وليس العكس.
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد صدام
    في مفهوم الحرية والحد من الحرية


    يمثّل التصوير الكاريكاتوري أحد أشكال التعبير التي راجت في الحقبة المعاصرة وشملت تقريبا مظاهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون استثناء. و قد تطور هذا الشكل بصفة منقطعة النظير في البلدان الغربية خاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين ولم تنجُ منه المجالات المقدسة التي تمس المعتقدات الدينية والرموز السياسية و المجتمعية. وفي ما عدا بعض الحالات الاستثنائية لم تعد تثير تلك التعابير الكاريكاتورية أي احتجاج ضدها من قبل المواطنين الغربيين، بل دخلت في تقاليد حرية الرأي و التعبير.

    ولكن لماذا نشهد اليوم اهتماما متزايدا من المصورين الكاريكاتوريين الغربيين بالعالم الإسلامي؟ حسب رأيي يرجع ذلك إلى مفعول العولمة. المستوى الجديد الذي وصلت إليه العولمة قد وثّق عرى الترابط بين المجتمعات الإنسانية، وعمق تداخل قضاياها، وجعل من المسألة الدينية (الإسلامية) التي هي في جوهر أزمة العالم العربي الإسلامي مسألة تقضّ مضجع المجتمعات الغربية، ليس فقط على الصعيد الأمني بل كذلك على مستوى كل الأصعدة الأخرى تقريبا.

    ويتخذ هذا الاهتمام شكلا ساخرا في بعض الأحيان ويبدو أن المراد به هو الإساءة إلى المقدسات الإسلامية، و بالرغم من أنه لا يمكن إنكار وجود بعض المجموعات العنصرية المتطرفة التي تسعى فعلا إلى الإساءة و السخرية التحقيرية والتي تجد داخل بيئتها بعض الصدى، غير أن القضية تبقى حسب رأيي قضية ثقافية بالأساس تتمحور خاصة حول غياب أو وجود تقاليد حرية التفكير و التعبير وحول العلاقات المتباينة والخلافية التي أصبحت تربط المجتمعات الإنسانية مع المقدس . إن اختلاف الرؤى حول المقدسات هو الذي يغذي شعور الإساءة لدى المسلمين و عدم التفهم إلى حد الغرور لدى الغربيين.


    المسألة معقدة بما فيه الكفاية

    أوّلا: مفهوم الإساءة هو مفهوم ذاتي /ثقافي مرتبط بالمعايير التي نحملها. و في غياب تقاليد الحوار النزيه و العقلاني الذي يمكن من التعارف و التعايش السلمي - مثلما هو الحال اليوم بين العالم الغربي و العالم الإسلامي - يصعب الاتفاق على تعريف موحد لمعنى الإساءة، فبعض الغربيين مثلا يعتبرون أن وجود امرأة محجبة بالأسود من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بمكان عمومي بلندن أو بباريس إساءة لهم. ( لا يزال أمامنا إذن مجال فسيح لنفحص ونحلل أنواع الإساءات آلتي يقترفها بعضنا تجاه البعض في الشرق و الغرب، وفي الشمال والجنوب…)

    ثانيا: مفهوم الحد من الحرية هو مفهوم متحرك – شأنه في ذلك شأن مفهوم الحرية – وهو مرتبط به ولا يمكنه الانفصال عنه في كل عملية مجتمعية تضم لفيفا من البشر. المهم هو الوصول إلى نقطة التوازن بين الحرية و الحد من الحرية. ويمكن الوصول إلى هذه النقطة إما عن طريق الإكراه ( تكريس ميزان قوى غير عادل) أو عن طريق التفاوض و تقريب المصالح المتعارضة تعارضا طبيعيا و موضوعيا. غير أن نقطة التوازن هذه يجب أن لا تكون ثابتة في المطلق.

    ومعارك الحجاب والصور الكاريكاتورية في أوروبا معارك مغلوطة حسب رأيي. لأنها تُخاض من منظور رؤيتين لا تسعيان إلى توضيح الإشكاليات المتصلة بتباعد المفاهيم وتعدد المقاربات. ولأن القوى التي تحركها – و تستفيد منها- تستعمل الاديولوجيات النضالية أو الدفاعية لحجب عملية التوظيف السياسي للحساسيات الدينية (الإسلاميون) و للحساسيات اللائكية (بعض الأحزاب و الجمعيات الأوروبية) للتقرب من الجماهير من أجل الوصول إلى النفوذ السياسي.

    أما الرسوم الكاريكاتورية الإيرانية حول المحرقة اليهودية فتشكل بالنسبة لناشر الرسوم إنتاجا نابعا من ثقافة أخرى يضعها موضع التساؤل والنقد، وهو لا يتبنّى الخلفيات المذهبية والفكرية التي تنطلق منها. و تصرفه الرافض هذا (لنشر الرسوم الإيرانية) يماثل تصرّف المسلمين الرافضين للنظرة المقابلة. و من زاوية أخري يبدو أن الرسوم الكاريكاتورية الإيرانية تشكل ردود فعل إسلامية عن الرسوم الدنمارمية أي أنها إجابة كاريكاتورية على ما يعتبره المسلمون هجوما كاريكاتوريا على مقدساتهم. إذن هجوم بهجوم.

    في الوضع الراهن الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي يمكن اعتبار ردود الفعل (حول الرسوم) تلك طبيعية جدا. ففي وضع جمّدت فيه الأنظمة العربية كل حركة فكرية وأجهضت المحاولات الإصلاحية التي قامت بها أجيال من النخب العربية والإسلامية – بالخصوص طيلة النصف قرن الماضي – بقيت الذهنية العربية الإسلامية غير مدركة لتحديات الحداثة. من الطبيعي إذن أن تكون ردود الفعل من تلك الدرجة.

    ونحن بعيدون عن إدراك أن التعبير الكاريكاتوري له طبيعة مغالية (وهذه فارقة ثقافية) فهو لا يعترف بلطائف التعبيرات الكلامية أو النصية. فالكاريكاتور يُسقط - موضوعا و معنى - جملة و تفصيلا على الورقة التي يرسم فوقها . ( من هذه الناحية فهو لا يعترف بالمحرمات)

    ويريد العالم العربي و الإسلامي أن يستثني المقدس من المجال الكاريكاتوري. حسنا. إذا ما فعلنا ذلك لماذا لا نفتح باب الاستثناءات في المجالات الأخرى؟ فنحجر مثلا القنوات الفضائية أو الإنترنت بدعوى الإساءة إلى الهوية و اللغة و الدين و العائلة و التواصل الاجتماعي التقليدي…؟

    أما وجه الشبه مع الأزمة التي أثارها كتاب " آيات شيطانية" فهو واضح كذلك. إن كتاب سليمان رشدي يمثل نوعا من الأدب الذي يقتبس مواضيعه و شخصياته من كل المصادر المقدسة وغير المقدسة التاريخية والرمزية وغيرها ويطوّعها حسب أهدافه. وهو أدب عالمي من إنتاج الحداثة وما بعد الحداثة حسب رأي بعضهم. فهل لأن البعض من المتشددين لا يفهمون أو لا يتذوقون هذا الأدب وهذه التعبيرات والأساليب المجازية والمناوشة، بل يقرؤونها قراءة عقائدية وسطحية، يجب علينا أن نلغي هذا الأدب؟ تذكرنا هذه المواقف بمحاولات المتزمتين بالأمس مع أبي العلاء المعري و رسالة الغفران.

    عموما، أنا لم اطلع على الخلفية السياسية التي بنت عليها الحكومة الدانمركية الإجراءات التي اتخذتها لحل الأزمة. غير أني أميل إلى الاعتقاد أن طبيعة هذه الأزمة تتجاوز الحالة الدنمركية وتتطلب تنسيقا أوروبيا أشمل. فالجالية الإسلامية في هذه القارة أصبحت تتفاعل أكثر فأكثر – إن تلقائيا أو بإيعاز من بعض الحركات الأصولية – مع مثل هذه الأحداث وتتطور علاقاتها مع المجتمعات الأوروبية بطريقة مزدوجة أي حسب محورين متبابنين: محور الاندماج المدني (المواطني) في هذه المجتمعات ومحور الانزواء (ghettoïsation) والتشكل الطائفي على غرار العديد من البلدان العربية. إنه من الهام رصد تطور هذه الظواهر و دراستها عن قرب.

    فنحن نعيش فترة لا زال فيها التجاذب والتنافر بين القوى التي تدفع في هذا الاتجاه أو ذاك لم يبلغ حده الأقصى أو نقطة التوازن.

    من جهة أخرى أنا لا أعطي لهذا الحدث (إعادة نشر الرسوم) أهمية قصوى لأنه في اعتباري حدث "دائري" وموسمي وسوف يتكرر مستقبلا وإن بأشكال جديدة. الصحف الغربية تتجاذبها العديد من التيارات وهي تعيش أزمة جوهرها تعميق الديمقراطية وتطوير النموذج الديمقراطي في البلدان الغربية، وإعادة نشر الرسوم يعكس اضطرابها تجاه هذه الأزمة.

    ويمكن تفسير توقيت إعادة نشر الرسوم ببعض العناصر السياسية و الاقتصادية (مثل التهاب أسعار البترول ودخولها مرحلة ازدياد غير محدود - الأحداث في غزة - قرب موعد الانتخابات الأمريكية….) وهذه المسألة تتطلب تحاليل و دراسات معمقة.

    أما ردود الفعل الباهتة من قبل المسلمين فكانت أيضا منتظرة بعض الشيء لافتقاد الحدث لطابعه الفجائي، و لكن هذا لا يعني أن العنف قد زال تماما من ردود الفعل المتعلقة بإعادة نشر الرسوم في المستقبل.

    هل من حل ؟ لا توجد هناك حلول آنية و سحرية لهذا النوع من المشاكل. لكن توجد بالمقابل مواقف مسؤولة يتعين أن يتبناها كل مواطن و كل مسؤول و كل تنظيم وكل مجموعة لها نسبة دنيا من الوعي بخطورة الأوضاع. وأدنى درجات المسؤولية تتمثل في عدم "إلقاء الزيت على النار" كما يقال، وفي اختيار موقف التهدئة بدل موقف الإثارة وفي العمل على إرساء جسور للتواصل والتخاطب وبداية فهمنا للآخر والعمل على تحسين فهم الآخر لنا. وهذه المنطلقات والممارسات هي التي تمكننا من بناء الحلول لمشكلتنا الحضارية المشتركة.



    * ملف الاوان حول الرسوم "المسيئة للرسول"
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أيمن رمزي نخلة
    مَن السبب في إهانة رسول الإسلام؟



    خلق الله الحقيقي الإنسان على أحسن تصوير. ومَن يهين الإنسان فهو ليس بإنسان. لكن التدبر في ذات الإله والتفكير فيها هو قمة الحرية الإنسانية التي وهبها الإله الحقيقي للإنسان. تتجلى قيمة الإنسان العظمى ونضوجه في استخدامه العقل في النقد والتحليل والتفكير في ما يسمى بالرسائل السماوية والفروض الإلهية، حتى عندما يؤمن برسالة ما ـ أو لا يؤمن ـ يكون حراً في إتباع تعاليمها دون ضغط ولا إرهاب ولا رعب.

    الأستاذ سيد علي في جريدة الأهرام يوم السبت 2ـ3ـ2008 في فكرته المسماة ببساطة كتب فكرة صغيرة جداً، لكنها معبرة جداً عن كل ما كُتب في صحف كثيرة. كتب قائلاً: "أكبر إساءة للرسول يمارسها المسلمون يومياً بالتخاذل والتكاسل والتطرف والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف".

    ولي حول هذه الفكرة مجموعة من الأسئلة:

    • حين يصدر عمل أدبي أو فني في أي دولة غربية تؤمن بحرية الإبداع والمبدعين، تقوم جماعات التدين الظاهري وإرهابيو الفكر والإنسانية في بلادنا العربية بمحاربة كل ما لا يتفق مع أهوائهم وميولهم ومعتقداتهم حتى لو كانت هذه المعتقدات فاسدة وتحض على عدم التفكير والقتال والعبادة بالرعب.

    • الحديث مع أصحاب الأعمال الأدبية أو الفنية في الخارج يكون عن طريق مقالات وأعمال عنف يوجهها الإرهابيون في الدول الإسلامية والعربية نحو شركاء الوطن في الداخل وكأن شركاء الوطن المختلفين في العقيدة أو الدين هم السبب في إهانة المقدسات الإسلامية. أعمال العنف هذه ضد شركاء الوطن المختلفين في العقيدة أو الفكر تعطي رسالة إلى العالم أجمع أن أصحاب هذه العقيدة التي قامت بأفعال إرهابية تتبع تعاليم رسولها.

    إن مسلمي العالم العربي ـ الذين قاموا بأعمال إرهابية مقصودة ضد المختلفين معهم في العقيدة أو المذهب ـ هم الذين أعطوا الرسالة الحقيقية للعالم الخارجي بأن رسولهم إرهابي من خلال أعمالهم، فالعالم الخارجي لا يعرف رسول أي دين إلا من أفعال أتباعه التي تعبر عن مدى تغير أخلاقياته نحو الأفضل والأخلاق الحميدة هي التي تعكس التعاليم التي غيرت الطبيعة الحيوانية للإنسان. لكن الأفعال الحيوانية الإرهابية تعكس مدى إرهابية التعاليم التي رضعها الإرهابيين، اقتل، وارهب، وكفّر، وأُمرت أن أُقاتل الناس جميعاً، وغيرها الكثير من التعاليم والتفسيرات والتأويلات للتعاليم الإرهابية.

    • عندما ينظر لنا العالم الخارجي ويرى أن أولي الأمر والفقهاء المسلمين وشيوخ الأزهر الشريف وغيرهم من مشايخ الجوامع الكبرى في الدول التي تتخذ الشريعة الإسلامية شريعة ودستوراً لدولهم، حين نرى هؤلاء لا يعترفون بالآخرين المختلفين معهم في الدين أو حتى المذهب، بل وبصراحة يحاربونهم ويرهبونهم كما يحدث في العراق بين السنة والشيعة واضطهادهم لليزيديين ـ أو محاربتهم أخيراً للمسيحيين وقتلهم للمطران الكاثوليكي ـ وكما يحدث في مصر من المسلمين ناحية المسيحيين والبهائيين والشيعة وغيرهم من أصحاب العقائد الأخرى. وقتها لابد من أن يهين الآخرون في العالم الخارجي الرمز الأعظم للمسلمين وهو رسولهم الكريم الذي يعظمونه باعتبار أنه ـ في نظر العالم الخارجي ـ صاحب تعاليم الإسلام التي لم تستطع أن تُغير من أخلاقيات الغابة التي يمارسها الإرهابيون ـ تحت شعار الإسلام ـ ضد المختلفين معهم.

    • بصراحة شديدة ـ حتى لا ندفن رؤوسنا في الرمال كما تفعل النعامة ـ لابد أن يفيق المسلمون المستنيرون بالتحديد ويتبرؤوا من أفعال الإرهابيين التي يمارسوها متخذين أشكالاً ومتعاونين مع حكوماتهم ورؤساء دولهم. لابد أن يهب العاقلون الذين يريدون أن يدافعوا عن رسولهم من خلال الدفاع عن المضطهدين والمهضومة حقوقهم في البلاد الإسلامية، حتى لا يتسبب صمتهم في إهانة رسول الإسلام.

    • الحل ينبع من داخلنا كمسلمين وعرب بجميع مذاهبنا ومعتقداتنا وأدياننا بأن نزيد مساحات الحرية الحقيقية للمختلفين معنا في العقيدة والإيمان دون أي شكل من أشكال الإرهاب الفكري أو المعنوي أو المادي.

    • رسول الإسلام ليس بهذه الطبيعة التي شوهه بها مفتي الديار المصرية الذي قال أن الصحابة كانوا يتبركون "بفضلات الرسول"، ولا أريد أن أعلق فكثيرة هي التعليقات التي نالت من رسول الإسلام وأهانته في عالمنا العربي بسبب هذه التصريحات التي قالها مفتي الديار المصرية.

    • والتشوه العلمي القرآني أو المنسوب إلى أحاديث البخاري ومسلم ، يشوه العلم الحديث وفي زمن العلاج بالمستحدثات الكيماوية والإشعاعية تجد علماء ينسبون لرسول الإسلام بل ويطالبون ويحرصون ويزيد تأكيدهم على قيمة العلاج ببول الإبل، أو أن الشفاء في أجنحة الذباب ـ مثلما يخرج علينا كل فترة الدكتور زغلول النجار مرة في القنوات الفضائية و مرة في الجرائد الأرضية ـ وكأن هذا عظمة الإسلام ورسوله. أية إهانة لرسول الإسلام أكثر من هذه التي يفعلها المدعوون علماء بحث في الإعجاز العلمي للقرآن والأحاديث النبوية؟؟؟؟؟

    • وهذا الأستاذ الجامعي رئيس قسم الحديث في جامعة الأزهر الشريف الذي يستخرج حديث رضاعة الكبير ويؤكده. وما يزيد الطين بلة ويشوه أكثر صورة رسول الإسلام ،أن تجد علماء مسلمين آخرين يؤيدون قيمة أحاديث رضاعة الكبير بناء على أحاديث أخرى لزوجته السيدة عائشة، وكأن كل ثورة تاريخ الفكر الإسلامي الذي أنار العالم يوماً ينحصر في فكر رضاعة الكبير وقيمته لحل المشاكل الاجتماعية والأخلاقية والصحية والإنسانية.

    • وما يهين رسول الإسلام أكثر بعد أن يخرج رئيس قسم الحديث بهذا الأحاديث المشكوك في صحتها وتجد أساتذة آخرين يؤيدوه، تجد قمة الإهانة للرسول في الإرهاب الفكري الذي وقع على الأستاذ بأن قامت الجامعة بطرده وعزله من منصبه. هكذا يرى العالم الخارجي أننا لا نحترم البحث العلمي ولا نقدر قيمة الرأي والرأي الآخر.

    ما هو الحل في إعادة الهيبة لرسول الإسلام؟

    • إتاحة الفرصة كاملة أمام كل إنسان ليمارس إنسانيته دون إرهاب أو عبادة بالرعب.

    • مقاطعة منتجات العالم الخارجي لن تضرهم في شيء، لكن نحن الذين نخسر أكثر منهم، لذا علينا بالإنتاج الصناعي والعمل الجاد بإخلاص وليس مجرد شعارات واهية.

    • تقدم الأمة لن يأتي برفض الآخر، لكن بالتوافق والقبول الحقيقي، وليس مجرد مجموعة من الشعارات الجوفاء التي تقال في المحافل الدولية وبعدها يتم عمل أفعال تهين الإنسان وتهدم حقوقه الإنسانية.

    بصراحة كفى غيبوبة ولنفق من غفلتنا ونعرف ـ لكي نصحح ـ أن المسلمين بأفعالهم المحلية والعالمية هم السبب الرئيسي لإهانة رسول الإسلام.
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد كوحلال
    إعادة النظر في العقيدة الإسلامية
    ضرورة عقد لقاء بين المسلمين لمناقشة أمور دينهم


    أعتقد أنه في الغرب، لا سقف ولا حدود تقيد حرية الإعلام, بمعنى آخر ليست هناك فواصل ولا نقاط، فحرية الرأي مقدسة. بالمقابل هناك إعلام عربي منكمش مريض بعقدة التابوهات والعقائد، أضف إلى ذلك مقص الرقابة و تلك هي الطامة الكبرى, بالإضافة إلى السلطة الدينية و السياسية والخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال.

    من جانب آخر أرى أنه لا يستطيع أي كاتب أو رسام كاريكاتير، مهما كانت جنسيته, الاقتراب من الهولوكوست أو المحرقة اليهودية, لسبب بسيط هو أن اللوبي الإعلامي الإسرائيلي قوي، وجذوره منتشرة في كل بقاع المعمورة وحتى داخل الوطن العربي، أضف إلى ذلك دور المثقفين اليهود الذين ألّفوا مئات المراجع حول المحرقة اليهودية، و جلبوا تعاطفا دوليا بسبب قوتهم الثقافية وأسلوبهم الواقعي في إقناع العالم, و كانت ألمانيا أول من دفع الثمن سياسيا واقتصاديا.

    وبشأن رد فعل الشارع العربي حول نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول فقد جاء بإيحاء من جهات سياسية أكثر منها دينية، كما كان الأمر عليه في المرة الأولى، حيث نشرت الرسوم المسيئة للرسول محمد مدة ثلاثة أشهر, ولم ينتبه أحد للأمر، فقامت إيران بتحريك الشارع الإيراني للتنديد بتلك الرسومات، وذلك وفقا لأجندة سياسية إيرانية، وانتقلت العدوى لتصيب الشارع العربي من شرقه حتى غربه، مع أن المواطن العربي لم يشاهد تلك الصور إطلاقا، لان الإعلام العربي لا يمكنه أن ينشر مثل هذا النوع من الإبداع.
    وبرأيي أن الخطوات التي قامت بها الحكومة الدنمركية, لا تعدو كونها مجرد مسكنات أو ذر الرماد في العيون، ليس إلا، لأنه من الصعب إقناع عقليات غربية منفتحة بالعدول عن قناعاتها في ممارسة حقها في انتقاد الأديان و المقدسات، لأن التاريخ يبين بوضوح الحرب الشرسة التي دارت بين المثقفين و رجال الدين في أوروبا، وكان الانتصار حليف الأقلام الحرة العلمانية، فالغرب يعتبر حرية الرأي كنزا ناضلت من أجله نخبة المجتمع الأوروبي.

    وقد رأيت تلك الرسومات و أحتفظ بها في خزانتي الإلكترونية, بعد أن نسختها من منبر إعلامي عربي في واشنطن، والغريب بالنسبة لي أنه ليست هناك أي إساءة أو تجريح لشخص الرسول محمد، ربما هناك صورة للرسول رفقة نساء ملثمات، وربما يريد الرسام أن يبلغنا أن حياة الرسول لم تكن فقط من أجل الدعوة و نشر الدين، وبأن الرسول محمد كان عاشقا للنساء، وهذا صحيح، فحتى الإسلام يُعتبر دينا يطفو على جانبيه عامل الجنس.

    فالإسلام هو المِلّة الوحيدة التي أجازت للرجل الزواج بأربع نساء، والأمر يطول شرحه، حيث تمت تبرئة القمع الذي مورس على القوافل التجارية لغير المسلمين واغتصاب نسائهم، وثمة أمور كثيرة أيضا في هذا المجال، ويمكن لكل متعطش لمعرفة التاريخ الإسلامي أن يقفز على صفحاته دون استعمال عكاز العقيدة، بروح رياضية وعين مجردة و عقل متعقل، و ليس في الأمر عيب، فالدين الإسلامي لا يختلف عن باقي الديانات السماوية، من حيث أنه قابل للمناقشة مع إبطال منطق الغيبيات, و إحضار العقل كشمعة تضيء سبيل كل متنوّر همّه معرفة عقيدة الإسلام.

    لكن الأمر في اعتقادي يتخندق داخل خندق المستحيلات، حيث أن غالبية المسلمين, بعلمائهم و أتباعهم و مناصريهم، سيرفضون مناقشة العقيدة الإسلامية، بل و حتى مراجعة بعض أحاديث رسولهم المشكوك في مصدرها و الآيات المتناقضة، و هنا بيت القصيد، فنظرة على المذاهب الإسلامية تكفي أن نعلم أن هناك إسلاما في نسخ كثيرة.

    والحل في نظري هو عقدُ لقاء بين مسلمين من كل الأطياف المذهبية, لمناقشة الإسلام على ضوء المتغيرات المناخية التي يجهلها العالم، بعيدا عن الفوضى المذهبية و سوق الفتاوى، ويجب على كل علماء الدين أن يشمّروا عن سواعدهم, لبناء صرح إسلام قوي متماسك يساير العصر، بعيدا عن الزوبعة أو رجم الكافر والملحد.



    الاوان
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    خالد السليكيّ
    من إساءة المقدس إلى تقديس الإساءة



    إن الحديث عما أصبح يسمى بقضية " الرسوم المسيئة للرسول" يحتمل عدة مقاربات، منها السياسي - الإيديولوجي، وهو الشكل أو الزاوية الأكثر شيوعا، إذ أن الاحتجاجات التي تعم الشارع العربي/الإسلامي تكشف عن هذا التأويل، وهو بكل ما عليه من مؤاخذات يظل مقبولا ومشروعا ومبررا. ولكن أن يصبح كبرى القضايا التي ينتفض من أجلها الشارع العربي/الإسلامي، فهنا تصبح المسألة تحمل دلالات " الكارثية" وتكشف عن مآزق العقل العربي الإسلامي، بل وبؤسه أيضا. ولفهم بعض جوانب هذه الاختلالات التي صارت جزءا من بنية العقل العربي/الإسلامي، فإننا نرى أنه ينبغي البحث فيها انطلاقا من النقط التالية: في دواعي نشر الرسوم قد يكون السبب من وراء نشر تلك الرسوم هو اختبار رد فعل العالم الإسلامي ودرجة تعلقه بالمقدس الديني، ومن ثم فهو يشكل محرارا لتشبثه بالدين الإسلامي وحقيقته. كما يمكن أن يكون السبب في ذلك هو حرية التعبير داخل المجتمعات الغربية، وما تقتضيه أدبيات حريات الرأي داخل القوانين الوطنية والدولية. غير أنه مهما كانت الدواعي من وراءهذا النشر فإن ما يظل مثيرا، حقا، هو هذا الرد الجنوني الذي يقوده الإنسان المسلم داخل الشوارع. لذا وجب البحث في الحيثيات الثقافية التي وردت فيها هذه الإساءة.

    إن الدال الموظف في هذه الإساءة هو رسوم، ونوع الرسوم هو الكاريكاتير. وهذا الفن من أهم خصائصه هو السخرية التي تكسر حاجز الواقعية. والهدف من هذا الفن، الذي يخضع لأوليات وقيم فنية لها مقوماتها وضوابطها، هو إبلاغ رسالة مّا تتسم بالشحنة والقوة التعبيرية لدى المتلقي لها.

    ويقسم النقاد هذا الفن إلى ثلاثة أنواع:

    - الكاريكاتير الاجتماعي الذي يكشف عن التناقضات التي يعاني منها الواقع الاجتماعي، وهو يتسم بالسخرية اللاذعة والتهكم الشديد، لكن تأثيره يظل محدودا.

    - الكاريكاتير السياسي، وهو الأكثر انتشارا ويكون الهدف منه نقد الواقع السياسي بنوعيه المحلي والعالمي، وإذا كان المحلي يصلح أن يشفع بتعليق، فإن العالمي يقتصر على الرسم فقط حتى يضمن تداول الخطاب وانتشار دلالته وإن اختلف السياق الثقافي والسياسي والاجتماعي.

    مُؤدى ذلك كله، أن الرسوم الساخرة، ليست هدفا في ذاتها، وإنما هي دال يحمل دلالات ما تكون هي المقصودة، وهنا لابد لنا من النظر إلى المسألة من زاويتين، علاقة العربي/المسلم بالرسم أو الصورة بشكل عام، ثم علاقة الغربي بالصورة ونظرته للآخر:

    أ- إن علاقة العربي/المسلم بالفنون كلها مشوبة باللبس والغموض، فهو مُحرّم في العديد من الأوساط، ومنبوذ في أخرى ومهمش عند البعض. والسبب في ذلك يعود إلى عدة اعتبارات، لكن الديني منها يقف على رأس الأسباب.

    وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن فن الكاريكاتير غالبا ما يشتغل على التحريف في الملامح الرئيسية للشخص، أو يتم الاستعاضة عن الملامح بأشكال الحيوانات، فإن الكاريكاتير سيكون هو الشكل التصويري الأكثر نبذا من لدن المسلمين الذين يرون في ذلك تشويها للخلقة التي تؤول في النهاية إلى السخرية من " صنيع/خلقة" الله. هذا ويضاف إليه العنصر السياسي، على اعتبار أن أغلب الأنظمة العربية تحرم التعرض للسخرية من شخص الحاكم على اعتبار أنه "شخصية مقدسة"..

    ب- في حين أن الكاريكاتير، وباقي فنون الرسم والصورة، تجد حقلها الخصب في المجتمعات الغربية، وأن الصورة ترعرعت ونضجت في رحم الكنيسة، بل إن النهضة الأوربية كانت في البداية فنية بالدرجة الأولى قبل أن تشتعل وتشيع في كل مجالات المعرفة.

    ولذا ففي ظل المساحات الديمقراطية التي تنعم بها المجتمعات المتقدمة الغربية، يبقى الحكام في الخيال الاجتماعي مجرد أفراد/بشر، ومن هنا ندرك انتشار الرسوم الكاريكاتيرية التي تسخر من الشخصيات السياسية والحكام، بل إن السخرية تتخذ من المسؤولين السياسيين مادة لها، والحال أن المجتمعات العربية لا تتخذ من موضوعاتها سوى المستضعفين الذين هم المتلقي وموضوع هذا التلقي. صفوة القول إن اللبس الحاصل في علاقة الإنسان العربي/المسلم بالصورة يجعله أكثر تأثرا بالخطاب المصور، لأن الخاصية التي يتميز بها، والتي تتسم بالسطحية تجعله يتفاعل وينفعل أكثر أمام ما هو فني ومحسوس.

    وهنا نجد سدنة الدين وفقهاءالظلام ينصبون أنفسهم فقهاء في النقد الفني والأدبيوالسياسي، فمثلا تشكل الأعمال الفنية والأدبية » وليمة لأعشاب البحر« و »الخبز الحافي« و »آيات شيطانية« أعمالا أدبية وفنية لها قيمتها، وقد نشأت كما ترعرعت في حقل أدبي، في حين يتم إلحاقها بالواقع الواقعي لتسهل محاكمتها وفحصها: إنهم أشبه بقاطع الطريق اليوناني بروكس.

    لعل هذا التعامل السطحي، الذي يهيمن على العقل العربي/الإسلامي، راهنا، هو السبب في كل الخلافات التي تحصل، بل وتزداد ضراوة مع الانغلاق على الهوية والتقوقع على الذات، خصوصا أن المسلمين يسعون إلى دفع الآخر إلى فهمهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في الخلفيات الثقافية والفنية والسياسية الحقيقية التي ينطلق منها الآخر.

    وعليه، فسواء تعلق الأمر بحرية التعبير أو اختلاف الثقافات، فإن المشكلة تظل في البدء والمنتهى ذات صلة بالخلفيات المرجعية والثقافية التي ينطلق منها العربي/المسلم والمتسمة بكراهية الآخر، على اعتبار أن العالم كله يجتمع ويتحد من أجل محاربة عدو واحد يخشون نهضته هو " العالم الإسلامي".. في حين أنهم يسقطون في الفخ الذي ينصب لهم، دون وعي منهم، بسبب التسطيح الخطير وهو »إلهاؤهم« عن كبرى القضايا، لأن المشكلة لا تكمن في الإساءة للمقدس، وإنما في تضخيم القضايا الصغرى والتافهة، إنهم يقعرونها وتصير أكبر مما هي عليه، ومن هنا يصبح الأمر أقرب إلى " تقديس الإساءة". حرية التعبير وحرية الإساءة

    من الصعب أن نجزم بأن ما أقدمت عليه الصحف الدانماركية من نشر للرسوم بأنه مجرد صدفة، أو مجرد تعبير عن حرية في الرأي، خصوصا أنها المرة الثانية التي يعاد فيها نشر الرسوم، وبشكل أكثر انتشارا، بمعنى أن الذين أقدموا على ذلك هم مدركون لخطورة الأمر، بل إنهم يتحسبون نتائج ذلك، خصوصا أن الانهيارات التي تواجهها المجتمعات الإسلامية لا تزيدها إلا تشبثا بمقدسه الديني ورموزه التراثية الدينية.

    فالاحتماءبالتراث والعودة إليه في ظل واقع مظلم ومليء بالإحباط لا يمكنه إلا أن يزدهر وتزدهر معه أوجه الدفاع عنه. إنه البحث عن مختلف أشكال العنف للرفع من درجة الصراع والرفض. وهنا تجب الإشارة إلى أن الغرب قد تفطّن، بعد أن كان في السابق ملجأ للعديد من المنفيين والمعارضين الدينيين، إلى أهمية وحجم الجالية الإسلامية المتزايدة التي صارت تشكل تهديدا لمستقل ثقافاته، ومستقبل القيم الاجتماعية التي ناضل الغرب من أجلها والمتمثلة في قيم الاختلاف والحرية بما تتضمنه من حرية الفكر والاعتقاد.

    إذ أن المسلم في الغرب يعتبر نفسه، دائما، حاملا لمشروع حضاري إسلامي ينبغي له أن يقوم بواجبه على أحسن وجه، عن طريق المحافظة على قيمه وتقاليده، وأن يشيع هذه القيم بالدعوة إلى نشر الإسلام. والحال أنه في كل ذلك ينفي كل مبادئ اختلاف الهوية والثقافة، وينفي أن يكون الآخر على جانب من الصواب وعلى درجة من الحقيقة، مهما قلت.

    إن العديد من المهاجرين المسلمين، الذين استقروا في أوربا وأمريكا، هم ذوو درجة ضعيفة معرفيا، وهم في غالبيتهم أيد عاملة، لم يتمكنوا من الاندماج بسبب ضعف الآليات الثقافية التي يحملونها، وهو ما يقوي من الصراع ويدفعهم إلى العيش بعيدا عن الحياة العامة واختلافاتها لذلك نراهم يشتغلون على شكل جمعيات أو مؤسسات خيرية هدفها هو نشر الدين والدفاع عن حقوق ممارسة الشعائر وبناء المساجد.

    من خلال ذلك كله، نفهم لماذا امتنع عن نشر الرسوم الإيرانية حول المحرقة اليهودية، لأن هذا المنطق الذي ينطلق منه المسلمون هو علىاختلاف بيِّن مع الخلفيات التي كانت من وراء نشر الرسوم المسيئة للمقدس الديني الإسلامي، وهنا نستحضر واقعة تاريخية مثيلة حدثت في غزو الكويت، حيث طالب آنذاك صدام حسين الأمم المتحدة بأن تدفع إسرائيل إلى الانسحاب من أراضي فلسطين إذا أراد المجتمع الدولي أن ينسحب هو من الكويت، نفس المنطق يتكرر، في حين أنهم ينسون الخلفيات الثقافية والحضارية والسياسية المتحكمة في العديد من القضايا اليوم.

    فإذا كان المسلمون يرون أنفسهم هم المستهدفين فلأنهم يعلنون عن الصراعات بعدد كبير من الأشكال. فهم لم يروا في القانون الفرنسي الذي يقضي بمنع الرموز الدينية إلا منعا للحجاب ومحاربة الإسلام، والحال أن المنع شمل كل الديانات. كما أن المسلمين، لم يدركوا بعد، بأنهم يمارسون أنواعا عدة من العنف الثقافي والفكري. فهم يهاجرون إلى الغرب ويريدون أن تكون المجتمعات الغربية كما يريدون هم أن تكون، يريدون الاستفادة من التقدم والرفاه المحقق في هذه المجتمعات، مع المحافظة على قيم " البداوة" و" العصبية" والاعتداد بمطلق الحقيقة التي يتوفر عليها. إنهم يتراوحون بين الأخذ بمنجزات التكنولوجيا الغربية، وفي الآن نفسه يحقدون على من أنتجها. من النص إلى الرسم

    لعل ما يثير الانتباه، أن العديد من الذين يحتجون في الشوارع الإسلامية، اليوم، لم يتمكنوا من الاطلاع علىالرسوم الكاريكاتيرية، فأحرى أن تكون لهم أدوات فنية يحللون بها ويفهمون الخطاب الذي تنتجه، وهذا أمر يتكرر في كل مرة، إذ ما تزال ذكرى " آيات شيطانية" حاضرة بقوة في الذاكرة الإسلامية، علما أن الملايين من الذين ينبذونها لم يقرؤوا منها حتى العنوان.

    إذن فالأزمة التي أثيرت في السابق مع صدور رواية سلمان رشدي، أخفت قيمتها الفنية ولم نعد نعرف عنها شيئا، وإنما صارت تابوها محرما، في حين أن هناك كتبا تراثية أثارت بشكل مباشر قضايا النبوة، وناقشت النص القرآني، وما تعرض له من تحريف وتعديل وإبدالات، دون أن يتعرض أصحابها للقتل ولا للشنق، وحتى ما حدث على مر التاريخ الإسلامي لم يكن من ورائه سوى الخلفيات السياسية والصراعات السياسية بالدرجة الأولى، أما الدين فكان لخدمة السياسة.

    والملاحظ، اليوم، أن الأزمة تزداد تضخما بفعل الخواء الفكري، والانهيارات العقلانية التي تتوالى، والحصاد الفكري الغث الذي يُحصد حضاريا في المجتمعات الإسلامية، لذلك فإن هذه الردود ستزداد وستتضاعف ما دام الفقر الفكري والمعرفي يتضاعف أمام التطور العقلاني والحضاري الذي تعرفه المجتمعات المتقدمة.


    بين نص المصحف وتدريس القرآن

    إن ما أقدمت عليه الحكومة الدنماركية من حلول للأزمة لن يضع حدا لمثل هذه النعرات. فما يعتبر اليوم، داخل المجتمعات الإسلامية، مكسبا بفعل إقدام الدانمارك على توزيع المصاحف وتدريس القرآن في جامعاتها وعقد مؤتمرات، هو في الواقع يجعل المجتمعات الإسلامية أمام تحدٍ آخر… إنه سؤال النص وسؤال المعرفة.. وسؤال التأويل… فالآخر لن تقنعه التفاسير والشروح التي تتجمل بمفاهيم " الإعجاز العلمي" و" الإعجاز القرآني" و " البيان" وغيرها من المفاهيم التي يتم تداولها.. لأنه سيفهم وسيؤول وسيحلل انطلاقا من خلفية ثقافية ومعرفية، مع وجود مقارنات… قد تكشف عن أشياء لم تكن متوقعة.
    وهكذا سيصبح النص هو المنطلق في أي حوار أو صراع، سيكون الجدال من الداخل، من داخل ثقافتنا نحن، لأن المسلم يتصور التاريخ العربي الإسلامي بمثابة خط هادئ وسكوني، وأن المعرفة واحدة كلها تدور حول حقيقة وحيدة، والحال أنه تاريخ مليء بالاختلالات والصراعات والاختلافات، منها السمين ومنها الغث، لذلك فالمسلمون في حاجة إلى العودة إلى تاريخهم وإعادة النظر فيه والبحث عن الاختلافات التي تتساكن داخله وتتعايش بهدف تنمية معرفية قوية.

    عود على بدء

    لا تمثل إعادة نشر الرسوم حدثا استثنائيا، في ذاته، بقدر ما تكشف عن درجة حضور الصراع الثقافي والهوة الساحقة التي تفصل بين المجتمعات الغربية ومثيلتها الإسلامية، إذ لا يمكن أن يتصور المسلم فصلا بين المعتقد والذات، لذلك فإن أي مسّ بالمقدس يعتبر مسّا به هو كذات وككيان، وأي مسّ بشخص ولو كان فردا، فإنه يعتبره مسّا بالهوية وبالفرد كانتماء ديني، وأي مسّ سياسي يعتبره مسّا بالمعتقد الديني، بحيث اختلطت لديه كل المكونات وصار من المستحيل الفصل بينها، وهذه الصورة هي التي لا يتوانى المسلمون في تصديرها للآخر بكل الوسائل المتاحة، وهو ما جعل الآخر/الغرب يكون صورة عن المسلم، وخاصة العربي المسلم، وهي صورة وإن اتسمت بالتعميم في بعض مناحيها، فهي تكشف عن الصورة المهيمنة.

    لذا مادامت هذه الصورة النمطية هي المهيمنة والمروجة عبر وسائل الإعلام، فإنه يبقى من الضروري التوقف عندها وإعادة النظر فيها. لأن المسؤول عنها ليس المتلقي (الغرب) وإنما المنتج لهذه الصورة، بل ينبغي الوقوف عند الخلفيات المرجعية المسؤولة عن إعادة إنتاجها. وهنا نعني المرجعيات الدينية ذات السمة الفقهية الظلامية التي تعيد إنتاج مجموعة من السلط الرمزية المتحكمة في مفاهيم " الحقيقة المطلقة"… إذ ليس أمام المجتمعات الإسلامية من خيار سوى العودة إلى الذات ومساءلتها، واجتراحها، وإسقاط الطابع الأسطوري عن كل الرموز التي اكتست طابع التقديس بفعل المسافة الزمنية التي تفصل الحاضر عنها، وتمييز الأحداث التاريخية عن تلك الدينية، ثم الرفع من مستوى القيمة المعرفية للدين، بحيث ينبغي ألا يترك الدين في إطار مغلق يتغذى من ثقافة قديمة واجتهادات انتهت بانتهاء ظروفها وسياقاتها الثقافية والتاريخية.

    إن الاحتجاج على الرسوم أو النصوص الإبداعية، أو الأعمال الفنية لن يزيد إلا تعميق المآسي والكوارث المعرفية، وتوسيع الهوة بين المسلمين وبين باقي الجماعات الدينية والثقافية، إذ ينبغي إحلال قيم إنسانية بما تحمله من رصيد التحاور والتعايش، لأن الدين، كيفما كانت طبيعته، لا يهدف إلا إلى ترسيخ قيم الإنسانية وتعزيز مكانة الفرد، وتعزيز الاختلاف.

    جُماع ذلك كله يجعل المجتمعات الإسلامية (العربية) أمام ضرورة تعزيز مكانة العقل داخل النسيج الفكري بالبحث في الطبقات العقلانية التي نشأت في مراحل من تاريخ الحضارة الإسلامية، مع التحلي بالشجاعة بهدف تحطيم العديد من " الأصنام" التي نحتها العقل الإسلامي وصار يعبدها، ولم يستطع أن يتخلص من تبعيته لها. إنها باختصار ضرورة »نقد العقل الإسلامي«…



    الاوان
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عماد يوسف
    أثر العولمة وإسقاطاتها في ثقافة قبول الآخر



    تواجه البشرية اليوم أكثر من أي وقت مضى أزمة عميقة في مسألة قبول الآخر،وفي قضايا أخرى تتمثل في رفض الثقافات النقيضة، والروحانيات الفردية والجماعيةالتي يعتنقها الكثير من التجمعات البشرية في مختلف بقاع المعمورة .

    يعود ذلك إلى حزمة كبيرة من الأسباب التي أوصلت الصراع في المستوى البسيكولوجي للبشرية على هذا النحو، فالمسألة اليوم، ليست مرتبطة بالرسوم المسيئة إلى النبي محمد فقط، بل هناك قضايا كثيرة مطروحة في مسألة الصراع الإنساني على المستويات الثلاثة، السوسيولوجي ، البسيكولوجي، والأبستيمولوجي " إذا صح التعبير".

    فما يحصل في بقاع كثيرة من العالم من نزاعات دينية مثل كشمير على سبيل المثال، وإثنية مثل دارفور، وطائفية مثل العراق، ولبنان وغيرها، وثقافية في المستوى العالمي كما يحصل بين الشرق والغرب في عالم اليوم، يعكس الانطباع على حرب حقيقية كانت البشرية في زمن ما قد تجاوزت ضروراتها، والآليات التي توصل إليها، أو العوامل المسببة لها، ولو أن هذه الحروب كانت تأخذ أشكالاً أخرى، كحرب الاقتصاد، والنفوذ السياسي، والثقافي وغيره، ولكنها اليوم تحولت إلى حرب مباشرة، تمتلك أدواتها الخاصة، وثقافتها التي تؤمن لها المشروعية، وآلياتها التي تنتشر بين الأفراد لتشكل المبررات العملية بأشكال عديدة.

    يفيض الحديث في ما سلف ذكره وما هو مطروح هنا، حتى أن سطوراً كهذه لا تتسع مساحتها لتفسير واقع الحال، ولكن، في ذات الوقت يمكن الحديث عن تحولات جذرية أصابت الإنسانية منذ عقود، كانت تباشيرها قد بدأت مع بداية حرب الخليج الثانية عام 1991، عندما تفردت أمريكا بنسبة كبيرة في حكم العالم، والسيطرة على ثقافته، ومقدّراته العلمية، والتكنولولوجية.

    ويمكن القول؛ بأن هذه الفترة بالذات، أي حقبة التسعينات، هي التي أسست لنظام عالمي جديد، شكلّ قطعاً مفصلياً ثابتاً، ومتنوعاً، ومستمراً مع ما بنته البشرية، وما راكمته من قيم إنسانية في المستويات كافة، وخاصة في قضايا احترام الشعوب، وتقديس حق الحرّيات، الدينية، الثقافية، السياسية، والتعبيرية، وغيرها من قيم كرّستها أوروبا ذاتها، منذ بداية عصر التنوير الأوروبي مع بدايات القرن السادس عشر، وبداية نهوض الفكر التنويري الأوروبي.

    إن ثقافة العولمة اليوم، هي التي تنتج قيم العالم المعاصر، فإلغاء الآخر، سحقه، تهميشه، وجعله تابعاً يدور في فلك مصالح الطرف الأقوى، صاحب النفوذ الاقتصادي والسياسي، هي القيم التي تبنى عليها الأجيال الجديدة من الإنسانية، وفي الوقت ذاته، ليس هناك مؤسسات، تستطيع التصدّي لهذه القيم التي تطرحها منظومة العولمة، وإن وجدت فهي تواجه بأقسى الأدوات لكم أفواهها، وتدمير ثقافتها التي تقوم على التعايش مع الآخر في المستوى الأدنى ضمن البعد الإنساني الواحد ، وما نشاهده، ونعرفه عن منظمة مناهضة العولمة وغيرها من المنظمات الإنسانية، يكفينا دلالة على ما نصبو إليه من قول أو معنى.

    مما لا شك فيه، أن مجتمعاتنا الإسلامية عموماً، والعربية خصوصاً، هي النموذج الأكثر تأثراً بالانعكاسات السلبية للفكر الإنساني المعولم اليوم، بسبب الضعف الاقتصادي والعسكري، وضعف التأثير السياسي على الساحة الدولية، والاستلاب الثقافي الذي تعيشه هذه المجتمعات عموماً، فهي بالنهاية متأثرة وليست مؤثرة، وغير فاعلة في رسم السياسات الدولية والعالمية اليوم، على الأصعدة كافة، الاقتصادية منها، السياسية، والعسكرية، وحتى الثقافية، ففي إحصاء في العام المنصرم عن عدد الكتب التي يصدرها الوطن العربي سنوياً، كانت النتيجة أن الوطن العربي برمته، يصدر ما يقارب التسعين ألف عنوان، وهو نفس العدد من الكتب الذي تصدره أسبانيا لوحدها.

    وكونه من الطبيعي أن يكون الضعيف دائماً في موقع التأثر وليس التأثير كما تعلّمنا قوانين الفيزياء، لذلك نجد أن أكثر المجتمعات تأثراً بالتحولات العالمية الجديدة، هي مجتمعاتنا العربية، وبناء عليه تكون هي الأوفر حظاً في تلّقي ضربات، وانعكاسات الترّدي العالمي في منظومة القيم التي راكمتها البشرية عبر مئات السنين من الصراع الدموي، حتى وصلت إليه، وليبدأ صراع من نوع آخر، إثني، ديني، فكري، سياسي، إيديولوجي، ولكن بأشكال ربما أكثر تمدناً ولكنها في الصميم، لا تختلف من جهة الفكرة، أو من جهة تكريس النزعة العصبوية البشرية الفوقية، التي تتمثل بالتعالي على باقي الشعوب، والنظر إليها بدونية سافرة.

    إن حرّية الرأي والتعبير التي أسس لها مفكرو أوروبا، وتعاليم الثورة الفرنسية في العام 1789، التي حملت مفاهيم الأخوة، والعدالة والمساواة بين الناس دون ذكر لدين أو انتماء سياسي أو فكري، ونظرية الليبرالية التي لاحت مع بدايات القرن السابع عشر في أوروبا، هذه العوامل مجتمعة، حملت معها مفاهيم عظيمة في قيم الحرّيات الشخصية، والانتماءات الدينية، والفكرية والسياسية، وكانت العلمانية، التي تؤكد على فصل الانتماءات الدينية "دون تحديد لهذه الانتماءات" فصلاً كاملاً عن التأثير في الحياة السياسية والمجتمعية للناس، ورأوا في ذلك ضرورة حتمية لاستمرار التعايش النوعي، والكمّي بين أفراد المجتمع الواحد من جهة، وبين الأمم الأخرى من جهة ثانية.

    ولم يكن في يوم من الأيام، التهكم على المعتقدات الدينية، والروحانيات الفردية، أو الجماعية عنصراً أو مبدأً من مبادئ الفكر الإنساني الذي توّج روح المجتمع المدني، وحقوق الديمقراطية، والحرّيات العامة، وحقوق الإنسان بوصفه إنساناً مهما كان انتماؤه، ومفاهيم بنيان الدولة الحديثة، منذ بدايات القرن الثامن عشر .

    وقد كانت أوروبا في القرن العشرين أفضل حالاً بكثير مما هي عليه اليوم، ويعود ذلك إلى ما سلف ذكره من ثقافة التهميش، ونزعة الأنا الفردية التي كرّستها، وروّجتها مفاهيم العولمة المعاصرة دون أن تجد من يتصدى لها.
    من هنا، تبرز إلى السطح، وتطغى، نزعات فردية، شوفينية، مستلبة، لترى في الآخر نقيضاً لها، ومشاركاً في حقوقها، مما يستدعي توظيف عامل الإلغاء النفسي أولاً، والثقافي الفكري، والسياسي ثانياً، لدى هذا الكائن ضدّ هذا الآخر الذي يتحول إلى مستضعف، وكائن غير جدير بالحياة، أو بالارتقاء لمماثلة ذاك الكائن.

    إن الحرية الشخصية قضية مقدّسة، شريطة ألا تتعارض مع حرّيات الآخرين، الخاصة والعامة، وإنه من دلالات القطع الحضاري بين الشعوب أن يتم التعدّي من شعب، بجزئه، أو كله على مقدّسات شعوب أخرى، جماعية أو فردية، فهذه قضايا تخالف القيم الإنسانية السامية، في إمكانية التعايش، والمقدرة على تحقيق انسجام حضاري وثقافي بين الشعوب.

    لقد بالغ المسلمون في ردّة الفعل تجاه الإساءات للنبي محمد، وقد عبروا بطريقة ما، عن روح قَبلية، ثائرة، تائهة، وغارقة في أَتون الظلمات الروحانية ذاتها. وأثبتت أنها لا تمتلك أدواتها المعرفية والثقافية، التي تستطيع من خلالها أن تدحض، وأن تنفي ما نسب إلى الرسول من تشابيه، بل على العكس تماماً، لقد قدم البعض من خلال حرق السفارات، وتعميم العنف على بعض الفعاليات الدنماركية والأوروبية، قدّموا نموذجاً لرؤية طرحها الغربيون، وأثبتها المسلمون أنفسهم.

    إن ما اتّخذته الحكومة الدانمركية من إجراءات، بتوزيع نسخ القرآن، والتدريس في الجامعات لعلوم الدين الإسلامي وغيرها، هو دليل قاطع، و"بيّتة" كبرى، على البنية العقلية التي تحكم طرفي النزاع، فالعقل الجدلي، الواعي، المتمدن، الموضوعي والحيادي، هو الذي وجد الحل الأنجع في الردّ على ما حصل من إساءات، في الوقت الذي انطلق فيه العقل الآخر، المسلم، فانبثق من عقاله ليعود إلى بنيته القبلية، ومكوناته الفطرية والطبيعية الأولى، ليرى في الصراع نموذجاً لصراع الأديان، ومحاولة للقتل العمد، والدافع لإطلاق رصاصة الرحمة على حوار الحضارات.

    ولكن الصورة هي غير ذلك تماماً، وحتى لا نقع في مستنقع التضاد، والتناقض في معرض حديثنا، نعود للتذكير بأن الحالة، قد بدأت فردية، ولكنها أيقظت دوافع في مكنونات أشخاص كثيرين، تبنّوا الفكرة واندفعوا في سبيلها، ويمكن أن تتطور الفكرة إلى أبعد من ذلك، وتأخذ حيزاً أكبر من الصراع، وتتسع إلى مجموعات كبيرة من البشر، لأن الاستعداد الفطري موجود لدى هؤلاء الناس، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى ثقافة العولمة المعاصرة التي تحتلّ عقول البشر يوماً بعد يوم، بنفس الأدوات، وبذات المضمون والفكرة.

    تكشف قصة الإساءة إلى النبي مدى جهالة العالم الإسلامي وبُعده الحضاري عن الواقع العالمي المعاش، كما تفضح هذه المشكلة، نضوب وافتقار المؤسسات الإسلامية الكبيرة، كالأزهر وغيره، إلى العقل النقدي البنّاء والموضوعي في معالجة تحدّيات راهنة ومستقبلية، ويأتي هذا بسب غياب العقل الإسلامي الجدّلي، المبدع، الذي يتبنى الاجتهاد العلمي والثقافي السليم في مواجهة متغيرات عالمية أكبر وأعقد بآلاف المرات، مما كانت عليه المجتمعات الإسلامية منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام خلت.

    فهل يُعقل أن يبقى التلفزيون مثار جدل واجتهاد بين علماء المسلمين؟! أو أن دخول الحمام بالقدم اليمنى أو اليسرى هو الشغل الشاغل لعقول بعض علماء الدين الإسلامي، وهل يُعقل أن تكون السعودية بنظامها الجاهل، هي مرجعية لملايين المسلمين في العالم ؟؟!! أليس هذا أحد أهم أسباب ودوافع وقوع المجتمعات الإسلامية في زاوية الاستضعاف، وموقع السخرية من بعض المتشددين والمتزمتين، وأين هي الصورة الحضارية التي يقدمها الإسلام إلى العالم اليوم ؟!

    وإذا كان القياس والإجماع من أهم مراجع الدين الإسلامي، فلماذا لا نجد مؤسسات لها وجه حضاري مدني معاصر تستطيع أن تقيس على نظم المعرفة والتقدم العلمي والتكنولوجيا المتطورة في عالم اليوم، لتقدّم من خلالها قوانين لدين يجب أن يكون سمحاً، سلساً، متساهلاً ومتسامحاً.

    فأين هو التسامح في قضية الدنمارك ؟؟ إذا كان التسامح من أهم قيم الإسلام ؟!! وهل يحتاج النبي محمد إلى من يدافع عنه، أوليس الله بجلالته قادراً على الدفاع عن نبيّه المصطفى ؟؟! ولو اعتبرنا أن الموقف مغاير، وسخر بعض المسلمين من السيد المسيح، فهل كانت ردّة الفعل ستكون متشابهة، واحدة، أم مختلفة كلياً ؟!

    هناك الكثير من الأسئلة المطروحة على الذات، ورغم ما طرحناه حول ثقافات العولمة التي تقتل الآخر في صميمه، ورغم الانحسار الكبير لمفاهيم، مثل الحرّيات، والأخوة، والتعايش وغيرها، والتي نفتقدها جزءاً وكلاً في عالمنا العربي المأزوم، فإننا دوماً نعالج الخطأ بأخطاء أكبر منها، ويجب أن تكون قضايا الإساءة إلى النبي محمد فرصة توقظنا من سُباتنا الذي طال وامتد. ومناسبة لمراجعة الذات، وقراءتها، ونقدها نقداً موضوعياً، علمياً، بالتشارك مع الجميع دون استثناء.




    الاوان
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    التصوير والفن في الإسلام
    ملف

    1..............5


    ص1
    - د. كاظم شمهـود : موقف الإسلام من التصوير
    - برهان شــــاوي : ملاحظات حول مفهوم الصورة في الثقافة العربية الاسلامية

    - عبدالناصر لقاح : عن البعد التصويري في الخط العربي - مقاربة سيكولوجية
    ص2
    - مختار الخلفاوي : العين المضطهدة.. الخروج من ثقافة غضّ البصر
    - د. سعيد بنكـــراد : هناك بعيدا في الأعالي
    - مختار الخلفاوي : الفتوى الحلبيّة في بطلان المسلسلات التركيّة
    - حكمت مهدي جبار : قضية تحريم فن الرسم والنحت في الأسلام
    - حكمت مهدي جبار : قضية تحريم فن الرسم والنحت في الأسلام 2
    ص3
    - تحريم التصوير
    * المقدمة
    * تحريم التصوير - فصل
    * الحديث الثامن
    * الحديث الثامن عشر
    * الحديث الثامن والعشرون فصل
    * الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه
    * وقد قال بعض الفقهاء
    * الثامنة عشرة
    * الثامنة والثلاثون فصل
    * الوجه الثامن
    * من تناقضه أنه زعم أن التقاط الصورة
    * يقال إن المفتي بحل التصوير الضوئي
    * وروى البخاري في كتاب ( خلق أفعال العباد )
    ص4
    - صالح أحمد الشامي : التصوير الإسلامي.. فن متميز
    - د. مراد هوفمــــــان : التصوير والفن في الإسلام
    - محيى الدين اللبــــاد : الخط.. الحرف.. المقدس
    - خالد منتصـر : الاسلام والفن التشكيلى
    - بلند الحيدري : الإسلام وتحريم التصوير
    - صلاح بيصار : في فوائد التصاوير والتماثيل -1
    - صلاح بيصار : في فوائد التصاوير والتماثيل - 2
    ص5
    - د. عبد القادر فيدوح : البَحث العقلي في الجماليّة العَربيّة
    - توفيق البصري : موقف الاسلام من الفنون
    - ملف الرسوم المسيئة للرسول
    * هاشم صالح : الرسوم "المسيئة للرسول"
    * حميد زناز : حرية التعبير خير وأبقى
    * محمد صدام : في مفهوم الحرية والحد من الحرية
    * أيمن رمزي نخلة : مَن السبب في إهانة رسول الإسلام؟
    * محمد كوحلال : إعادة النظر في العقيدة الإسلامية
    * خالد السليكيّ : من إساءة المقدس إلى تقديس الإساءة
    * عماد يوسف : أثر العولمة وإسقاطاتها في ثقافة قبول الآخر



     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    ملف الرسوم المسيئة للرسول

    عفاف مطيراوي
    ضرورة تجاوز ثقافة الرفض والإقصاء

    من البداهة القول إنّ لكلّ مجتمع ثقافاته وقيمه وعاداته وتقاليده ورموزه الدينيّة المختلفة بالضرورة عن ثقافات وقيم وعادات وتقاليد ورموز الآخر، ومن البداهة أيضا القول بأنّ للآخر مُطلق الحريّة في التعبير عن نفسه وعن آرائه في الآخر، ولكن شرط أن لا يَمَسّ إنسانيّة الآخر أو يهين كرامته كإنسان أوّلا وآخرا.

    وأظنّ أنّ المشكلة الأساسيّة في أزمة الرسوم المسيئة للرسول محمد تكمن في الخلط بين الرسول الإنسان والرسول الرمز، أي الخلط بين الكائن البشري الذي كان يخطئ ويصيب ككلّ البشر وبين الأب الروحي المعصوم عن كلّ خطل أو زلل

    والمسلمون لا يرون في الرسول غير الرمز الّذي لا يخطئ، الرمز المتعالي عن أيّ دراسة أو فهم أو نقد، فما بالك بالسخريّة منه أو رسمه كاريكاتوريّا أو تجسيده في صور تشبه البشر أو غير البشر؟ فالذات المحمديّة في تعاليها تكاد تشبه الذات الإلهيّة وهكذا يراها المسلمون.

    وكما لا يمكن تجسيد الذات الإلهيّة أو دراستها لا يمكن تجسيد الذات المحمديّة
    فالعالم الإسلاميّ يرفض البتّ في رموزه الدّينيّة ويغلق دونها الأبواب، سواء كانت هذه الرموز بشريّة مثل الرسول أو أثوابيّة مثل الحجاب.

    وحريّة التعبير أو حريّة إبداء الرأي حقّ مشروع ومطلق ما لم يتضمّن الحَطّ من إنسانيّة الآخر أو المسّ بكرامته. وهذا الآخر الّذي نرفضه ولا نقبل ثقافاته وقيمه نرى أنّه يحاول الفصل بين الدّينيّ والثقافيّ والسياسيّ والأدبيّ ولكنّنا لا نزال نعجز عن ذلك.

    وأعتقد أن " آيات شيطانيّة" أثارت حميّة العالم الإسلاميّ لأنّه وقع الخلط فيها بين النّصّ الأدبيّ والنصّ الدّينيّ، كما وقع الصهر بين سلمان رشدي الأديب وسلمان رشدي المسيء للأديان، ووقع الدمج بين الخيالي وبين الواقعي.

    أما الصور المسيئة للرسول فقد أشعلت فتيل الحرب في المجتمعات الإسلاميّة واستفزّت مشاعرها لأنّها شعوب تعجز عن كبح جوامح مشاعرها، شعوب من السهولة بمكان استفزاز مشاعرها. وكأنّنا بالآخر يتعمّد دفع مجتمعاتنا إلى دراسة رموزها الدينيّة ومقدّساتها دراسة تضع مسافة نقديّة ضروريّة بين الذات الدارسة ورموزها الدينيّة كمؤثِّثات أو جزء من تلك الذات، أي الذات وهي تدرس نفسها كموضوع بعيدا عن التقديس و التمجيد.

    والعالم الإسلامي يرفض دراسة مقدّساته و يراها تابوهات لا يمكن أن تُدرس، فهي مؤثِّثات لهويّته ولكنّها ليست مواضيع للدراسة.

    وتلك الرسوم الكاريكاتوريّة ليست غاياتها تعبيريّة أو تدخل ضمن حريّة التعبير في تصوّرنا، بقدر ما هي غاياتها استفزازيّة تهدف إلى دفع العالم الإسلاميّ إلى ضرورة تَقبّل قيمة حريّة التعبير وإن كانت مواضيعها دينيّة أو مقدّسات دينيّة أو رموزا دينيّة.

    جدليّة الأنا والآخر، الشرق والغرب، الإسلام وغيره من الأديان.

    ولا يمكن الحسم في هذه الجدليّات ما لم نتجاوز ثقافة الإقصاء والتهميش والرفض إلى ثقافة قبول الآخر واحترامه.

    قد نتّفق على أنّ العالم الإسلاميّ لا يحترم الآخر داخل فضائه، فما بالك بالآخر خارجه، الآخر المرأة على سبيل المثال، وحتّى في موقفه من المرأة يميّز بين المرأة المتحجّبة والمرأة السافرة، المرأة الولود والمرأة العاقر، المرأة المتزوّجة والمرأة العانس، المرأة العاملة والمرأة حبيسة الأبواب. كما أنّ السنيّ يرفض الآخر الشيعيّ و الشيعيّ يقاسمه عين الرفض. والمتديّن يُقصي غير المتديّن، ومعروف النسب يرفض من لا نسب معروفا له وهكذا دواليك.

    فما لم نتجاوز ثقافة الرفض والإقصاء لن نستطيع التواصل والتحاور والتصالح مع الأنا ومع الآخر.



    الاوان
     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    ملف الرسوم المسيئة للرسول
    يوسف محسن
    تمركز ديني ضد الآخر،
    وتحريف للصراعات الحقيقية


    الأسئلة التي طرحتها هيئة تحرير الأوان لا تعالج مسألة الرسوم الدنماركية وطبيعة الهيجان الإسلامي ، إنها أسئلة أقرب إلى الحقل الإعلامي، ولا تنتمي إلى الحقل السيوسيولوجي العميق الذي يعالج العقدة الملتبسة بين مجتمعات الحداثة ومجتمعات ما قبل الحداثة. وأعني هنا بمفهوم الحداثة. التنوع والاختلاف ووضع المفاهيم والمقولات والسرديات الكبرى والصغرى والشخصيات الكارزمية تحت حقل التداول النقدي شرط أن يأخذ البعد القيمي مكانة في التاريخ.

    فالمسألة ككل ليست (أزمة) بين علامتي تنصيص يمكن حلها عبر توزيع عدد كبير من المصاحف أو تدريس القرآن وإنما صراع بنيات وذهنيات وقوى وتيارات سياسية وتفاوتات اقتصادية وثقافية ومجتمعات كولونيالية وإسلام تخيّلي سياسي وأصوليات وهنا تكمن جذرية المشكلة.

    حين نشرت صحيفة بولاندس بوستن في 30 أيلول 2005 رسوما كاريكاتورية، خلقت هذه الرسوم دوامة من العنف وانتشارا واسعا لخطاب الكراهية ضد الغرب، وأدت إلى إدخال العالمين العربي والإسلامي في سيرورة تمركز ديني ضد الآخر، وتحريف للصراعات الحقيقية التي تدور في عالمنا المعاصر، إضافة إلى تهييج هذه المجتمعات والتلاعب بمصيرها التاريخي والجماعي (هيجان إسلامي شرس، وقف التعاملات الاقتصادية. تجميد العقود. مقاطعة البضائع الدنماركية. اقتحام السفارات. حرائق هنا وهناك. تدمير الممتلكات. القتل) كانت أغلبية هذه المظاهرات منظمه بشكل رسمي ومحمية من قبل الشرطة والأمن الوطني للدولة الاستبدادية العربية والإسلامية.

    المدخل الأولي (لبحث المشكلة) يتطلب رسم الخطوط العامة للحقل الثقافي للمجتمعات الأوروبية بصدد الخطاب المقدس والزعامات الدينية الكارزمية في تاريخية هذه المجتمعات. حيث أن هذا النظام الثقافي الأوربي وضع الحقل المقدس كله في زوايا معتمة من تاريخه الحديث، نتيجة للتقدم التقني الميتا-صناعي والميراث الفلسفي والفكري الهائل، وبروز العلمانية كفضاء للحراك الاجتماعي والسياسي والفكري، ما أدى إلى الانهيارات المتتالية للخطاب المقدس وتغيير النسق المعرفي لهذه الخطابات.

    وتمت أنسنة الخطاب المقدس وحذف مرجعياته المافوق - طبيعياتية ، وتحويله إلى مجال الإرث الثقافي، إضافة إلى ما تملكه فئة الانتلجستيا الأوروبية من رؤية مشوشة وغامضة عن الإسلامية المعاصرة (حيث تم تكوين صور تركيبية من خلال مجموعة من الوقائع التاريخية: "الأنظمة السياسية الاستبدادية التي تتخذ الإسلام آديولوجية سلطوية، أحداث 11 أيلول الكارثية، التهديد المستمر للوجود الأوروبي من قبل التطرف الإسلامي").

    داخل هذا الفضاء الفكري والسياسي والثقافي تم بث الصور الكاريكاتيرية.أما الحقل الثقافي للمجتمعات العربية - الإسلامية فقد تم تأسيس الخطاب المقدس والزعامات الكارزمية كمفهوم هوياتي تداولي يتداخل في مجال العلوم الطبيعية والسحر والنصوص المعرفية والفلسفية وفي حقل الثقافة والمجال الأنطولوجي.

    وأصبح التمركز حول المقدس في المجتمعات العربية والإسلامية جزءا من السيرورات البسيكو - اجتماعية لتشكيل الهوية الجماعية ضد الآخر/ الغرب/ أوروبا عندما تتعرض هذه الهوية لإخلالات أو رسوم أو تلاعب بالنصوص المقدسة أو تجديف تشكل هذه العمليات خرقا للهوية الجماعية وتؤدي إلى ردود فعل فورية.

    نكتشف نقطة جوهرية : أن المقدس يكمن داخل فضاءات المتخيل التاريخي للجماعات البشرية وليس خارج هذا الفضاء. حيث أن الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية زعزعت الرمزاتية الدينية التي يتعلق بها ملايين المسلمين الفقراء والمهمشين والمحرومين من قبل تاريخ أعمى لا يرحم وحتى لو كان الرسام كما يقول أركون (فعل ذلك في عمل من الخيال الفني أو الأدب فان ذلك لا يغفر له. لقد حشد هذا العمل عن وعي أو غير وعي مجموعة ضخمة من القوى الراغبة في الانتقام ودخل في دوامة المصير التاريخي لهذه المجتمعات).

    إضافة إلى أن هذه الهيجانات الإسلامية ذات طبيعة سياسية بحتة أكثر منها دينياً، ومن الضروري تحليل رهانات المعنى السياسي والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية وكذلك الأنساق الفكرية والتضخم السكاني وانهيار خطط التنمية البشرية التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية. للوصول إلى العوامل الأساسية المؤدية إلى هذا الهيجان العنيف فهذه التظاهرات ليس موجهة نحو الرسوم وإنما لكون هذه الرسوم أصبحت تمثل الرأسمال الرمزي لكل الاعتداءات والإشكالات والغزوات الفكرية والعسكرية التي تعرضت لها المجتمعات العربية والإسلامية من قبل الغرب وأوربا.

    يضاف إلى ذلك طبيعة الدول الوطنية في هذه المجتمعات وهي امتداد للعقلية الاستعمارية القديم التي أدت إلى البؤس والإحباط. والتفاوت الاجتماعي والقمع والاستبداد والتهميش الفاشي وتفاقم اللامساواة والفشل في ولوج عصر الحداثة والحرية والديمقراطية.

    حيث أن فتوى الإمام آية الله خميني عام 1989 ضد الكاتب سلمان رشدي تمثل أول تمظهر للتصادم مع الغرب بسبب روايته (الآيات الشيطانية)، ثم جاء مقتل المخرج السينمائي ثيوفان جورج لتسليطه الضوء بقوة حول مفهوم حرية التعبير عن الرأي داخل المجتمعات الأوروبية.

    وكان من الضروري أن يطرح الغرب والمجتمعات الأوروبية مناقشات جادة حول مشروعية التسفيه الفج والعنيف لثقافة الآخر ودين الآخر.




    * عن الاوان
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الرسوم "المسيئة للرسول"

    غسان المفلح
    بين النفاق الأوروبي وفوبيا الإسلام



    ليس هنالك مصدر واحد قادر على إعطاء الصحف قرارا بنشر أو بعدم نشر هذه الرسوم (الكاريكاتورية) أو غيرها في الدانمرك، وهذا أمر يحتاج إلى قانون واضح يمنع أو يسمح. تماما كحال التعاطي مع تاريخية الهولوكست وما يترتب عليها. هنالك قانون في هذا الأمر. وهذا يبرر امتناع الصحف عن نشر الرسوم الإيرانية عن المحرقة اليهودية.

    لهذا لا بد من القول إن إعادة النشر مجددا للرسوم في كل الصحف الدانمركية أتى ليعبر عن تضامن الصحافة في الدانمرك مع الرسام، بعد الكشف عن محاولة اغتيال للرسام نفسه من قبل متشددين إسلاميين، يعيشون في الدانمرك.

    لنتعامل مع الموضوع في سياقه المباشر كما وضحته أولا، ومن ثم إذا كانت هنالك مؤسسات أو جهات من مصلحتها تسعير هذه الهستريا فهذا أمر جائز وموجود. وهنا بودي في هذه المناسبة أن أطرق موضوعا أراه مهما في هذا السياق، إن ردة الفعل الأساسية على الرسوم أتت من مؤسسات إسلامية متواجدة في الدنمرك أولا وفي العالم الغربي ثانيا.

    وهذا يحيلنا على أن الموضوع ليس شرقا وغربا أو عالما إسلامي وعالماغير إسلامي.هذه المؤسسات تستفيد من حرية عملها في الغرب لتجيره لصالح صراع معين في بلدانها، والذي يتعلق أساسا بنظرة الشعوب الإسلامية للغرب، وتكريسها كنظرة متخلفة في أن الغرب كافر أولا ويريد القضاء على إسلامنا ثانيا، وبالتالي علينا النظر في دور تلك المؤسسات وخلفياتها الأيديولوجية والسياسية الراهنة. وهذا برأيي علينا البحث فيه في أوضاع بلدان العالم الإسلامي أولا.

    لديهم في الغرب من يرفض الثقافة الإسلامية جملة وتفصيلا، كما هو الحال بالنسبة لنا أيضا، لدينا من يرفض ثقافة الغرب جملة وتفصيلا أو بشكل انتقائي، الفارق أن هذا الطقس المعادي للغرب عندنا تحميه السلطة في البلدان الإسلامية وتحاول تعزيزه منعا للتلاقح الحضاري وإبقاء للخصوصية الاستبدادية.

    بينما هناك في الغرب هو ليس أكثر من تيار يتقدم ويتراجع تبعا لحركة تلك المجتمعات وتنافس معطياتها السياسية، والثقافية. حيث أنه لا توجد سلطة غير سلطة حرية الرأي من جهة، وسلطة القانون من جهة أخرى. وهل لزاما على أي صحفي غربي أن يفهم الآخر قبل أن يتفاعل مع حدث عالمي ما؟
    وأي آخر؟ هل يفهم الآخر الإسلامي المنفتح؟ أم الإسلامي المعتدل؟ أم المتشدد؟ أم المواطن العادي في بلداننا الذي لا حول له ولا قوة؟ أم إنه لزام عليه التعايش معه وفق قانون معطى؟ لماذا لا تحدث هذه "الهمروجة" في الغرب عندما يتم تناول دياناته وثقافته بطريقة أكثر تجاوزا من تلك الرسوم؟ لهذا علينا النظر للموضوع من خارج هذه الزوايا التي تشير على أن الخلل هو في حرية التعبير، وهذا غير صحيح.

    وكما أسلفت أعتقد أن منع نشر الرسوم المتعلقة بالمحرقة له سبب قانوني من جهة، وسبب يتعلق بأصحاب المؤسسات الإعلامية في سؤال بسيط: هل هذا مربح أم لا؟ وهل له مردود على تلك المنابر الإعلامية أم لا؟

    نأتي الآن لمعركة الحجاب، السؤال: لماذا فقط بعد أحداث 11 أيلول 2001 تحول الحجاب إلى جاهزية سياسية تلتصق بالإرهاب؟ لماذا لم تنبثق جاهزيات المنع والسماح للحجاب قبل هذا التاريخ؟ مع العلم أن أمريكا الطرف الأكثر تضررا من قضية الإرهاب تلك، لم تطرح فيها قضية الحجاب، مطلقا كقضية سماح أو منع إلا على نطاق ضيق وفيما بعد لم تعد قضية رأي عام كما حدث في فرنسا.

    وفي أوروبا علينا أولا البحث في أن قضية الحجاب تأتي في سياق التشدد في سياسات الهجرة، هذا أولا، وثانيا الإسلام فوبيا كان لها تأثير في الغرب الأوروبي أكثر من أمريكا، كما أنه ليس له تأثير في بلدان المعسكر الشرقي كروسيا وبولونيا وهنغاريا..الخ حتى التي انخرطت مؤخرا في الاتحاد الأوروبي.

    ألا يدعو هذا للتساؤل؟ لنلاحظ أن قضية الحجاب أكثر ما أثيرت كمنع أو سماح أثيرت من اليمين الفرنسي ولازالت، وأعتقد أن هذه القضية يجب فهمها في سياق سياسات اليمين الفرنسي تجاه قضايا الأجانب في فرنسا. لأنه عندما يتحول موقف سياسي ما ضمن إستراتيجية سياسية محددة إلى قانون في دولة ما كما تحول منع الحجاب في المؤسسات العامة الفرنسية، فإن علينا البحث في متطلبات هذه الدولة داخليا أولا. وفيما بعد يمكننا مقاربة أسباب أخرى. وهذا الأمر ينطبق تماما على المثال الفرنسي، رغم أن الحجاب ممنوع في تركيا منذ عقود طويلة ولم تثر هذه المعمعة.

    من المؤسف في قضية سليمان رشدي، ألا نرى دورا للسلطات في البلدان الإسلامية وخاصة فتوى الأمام الخميني بقتله كانت واضحة في هذا المجال. من الطبيعي جدا أن تكون هنالك ردود فعل من نخب وتيارات وقطاعات شعبية على أية سياسة وتكون متباينة أيضا، ولكن حتى يتم التعبير عن ردود الأفعال هذه يلزمها طرق مؤسسية للتعبير عنها ولقياس حجمها، ولدوره في صياغة مواقف الدول والسلطات وفيما بعد الشعوب.

    أعتقد أنه لا يمكن فهم ردود الأفعال على قضية الرسوم هذه دون التوقف عند استراتيجيات السلطة في البلدان الإسلامية. أليس سليمان رشدي مسلما؟ من يحق له إصدار فتوى بقتل مسلم آخر مهما كان رأيه؟ لهذا التشابه في القضيتين يتعلق أيضا بأنه لا يستطيع أحد أن يفتي بقتل مسيحي من سكان دولة أوروبية، إلا مشايخ تنظيم كتنظيم القاعدة أو بعض من مشايخ الوهابية، أو بعض من الملالي. على أي راهن تاريخي بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى يمكننا فهم هذا التشابه والتفارق؟

    هذه الخطوات هي تعبير عن أن هنالك في المجتمع الدنمركي تيارات أخرى أولا. غير التيارات التي تساند الرسوم، مع التمييز بين مساندة حرية الرأي وبين مساندة الرسوم، في المجتمع الدنمركي.

    الغرب الأوروبي بشكل خاص مازال يمارس نفاقا في هذا الموضوع. تورط في سياسات هجرة محددة، أدخلته في نفق الخوف على مجتمعاته، وبدأ يكافحها بطرائق بعضا منها خاطئة. سؤال مهم هل فعلا تدعم الدول الأوربية بشكل حقيقي ثقافة التنوير في المجتمعات الإسلامية؟ وهل مطلوب منا أن نتعامل مع جرعة داعمة للعلمانية بسبب مأزق داخلي في دولة من الدول؟

    أعتقد أن دعم هذه الثقافة ومؤسسات التنوير يتطلب استراتيجية مؤسساتية وليس قرارا ارتجاليا ناتجا عن أزمة عارضة أرادتها بعض السلطات في المنطقة العربية، أزمة متحركة حسب ما ترى هي، وهذه الإستراتيجية مازالت غائبة عن استراتيجيات السياسة الأوروبية. وهل نعتقد نحن أن الحكومة الدنمركية بإجراءاتها الأخيرة تسترضي الشارع الإسلامي- أين هو- أم تسترضي أصحاب القرار فيه بمقاطعة البضائع الدنمركية؟

    أما الحل، فأنا لا أرى مشكلة مباشرة تستدعي الحل أنا أرى أن على العالم الأوروبي أن يتخلص من علاقاته المشبوهة بكل ما من شأنه أن يثبت هذه الثقافة ومؤسساتها التي تمنع التنوير والعلمانية، وإعادة صياغة علاقات جديدة مع نخب المجتمعات الإسلامية في المنطقة، وتحقيق خروقات مهمة من أجل قيام مؤسسات تنويرية حقيقية. وهذه قضية تتطلب استراتيجيات مغايرة، للتي يتم العمل فيها الآن. هذا من جهة ومن جهة أخرى أن تعيد رسم استراتيجيات جديدة بشأن سياسات الاندماج للأجانب في المجتمعات الغربية.



    * ملف الاوان
     
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    بلال عبد الهادي
    خيط حبر أحمر
    على رقبة منمنمة
    [​IMG]



    هناك من يظنّ ان الرسم حرام، وان النحت اعتداء، وأنّ التمثيل بالتماثيل يقرّبه الى الله زلفى، وأنّ قصّ رؤوس الصور واجب شرعيّ، هذا ما لاحظه الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو في قسم المخطوطات الشرقية في المكتبة الوطنية في باريس إذ لاحظ خطا أحمر على إحدى منمنمات الواسطيّ التي تزيّن مقامات الحريري. أثار حشريته الموضوع الى ان استنتج ان احد المؤمنين بتحريم التصوير وتجريم المصوّرين بسبب ان " المصوّر" اسم من اسماء الله الحسنى، وعليه يكون المصور بمثابة من يعتدي على اسم من اسماء الله الحسنى. وليبطل مفعول الرسمة قام بجزّ رقبة الصورة بقلم أحمر. صار لون الحبر نزيفا، اراد ان يصفّي دم الصورة ليرتاح ايمانه.

    الجاحظ رضي الله عنه كان يعتقد ان تحريم التصوير مرهون بوقت. وكان الفقيه الاندلسي ابن حزم قد ذكر في كتابه البديع" طوق الحمامة" ان حمّامات الاندلس كانت تزدان بالتصاوير الآدمية. وهو من هو علوّ كعب في الفقه !

    وقرأت ايضا في نصّ للعلامة محمد عبده شيخ الأزهر، ومحقق نهج البلاغة للإمام عليّ ان العرب ارتكبوا خطأ حضاريا بمنعهم النحت، لأننا خسرنا من وراء هذا المنع أرشيفا حضاريا كان يمكن ان يساعدنا في قراءة ماضينا وتراثنا.

    فنّ النحت أرشيف من حجر يمكن ان يقاوم عبث الزمان بخلاف الورق الهشّ.
     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    التصوير ومحاولة البحث عن أسس: نحو فلسفة فوتوغرافية عربية
    محمد حنون

    ما الذي يحدد ملامح ما يمكن تسميته بـ «فلسفة فوتوغرافية عربية»، بحيث تكون لها قواعد ورؤية محددة، وكذلك هوية مستقلة تعكس روح المعطيات الثقافية والتاريخية الشرقية العربية؟ وهل نحتاج لإعادة الارتباط بالمنجز الثقافي والفكري العربي والشرقي؛ لكي ننحت هوية فلسفية فوتوغرافية عربية خاصة بنا، لاستحداث تَيار فوتوغرافي أو تيارات فوتوغرافية تتكئ على أسس أصيلة، تَحْمل مَلامحنا وليس ملامح تجربة الغرب، من حيث الفلسفة الفوتوغرافية والنقد الفوتوغرافي، وكذلك من حيث المنجز والذائقة؟ ليس هناك ما يمنع التأثر بالمنجز الفوتوغرافي في الثقافات الأخرى، بل هو أمر طبيعي وإنساني، على أن يتبلور هذا التأثر في نهاية الأمر لشيء خاص ومستقل، وأن يتم التطوير والإضافة عليه، للخروج بتوجهات تُحاكي حاجات الواقع الفوتوغرافي العربي ومتطلباته، وتحاكي كذلك إرهاصات حركة التاريخ وتحولاته الفكرية والثقافية والسياسية.

    النقد وواقع الفوتوغراف

    في النقد الفوتوغرافي، ولسنوات، استعنت بالمدارس النقدية والفلسفية الغربية، ليس فقط لتفوقها في الأمر، وإنما لغياب المدارس الخاصة بنا، وهو ما جعلني أدرك مع الوقت بأنه لا تزال ثمة فجوة ما بين الحراك الفوتوغرافي العربي ومعطياته وواقعه، والنقد الفوتوغرافي الغربي، بدون عزله عن أسباب نشأته وتعريفاته وأدواته. وهو النقد الذي تشكل وتقولب نتيجة معطيات ثقافتهم ومنظوماتهم الأخلاقية والفكرية، بالإضافة للخط البياني التصاعدي لمنجزهم الفوتوغرافي التقني والجمالي والتجريبي. كان توجهي للاستعانة بمدارس النقد الفوتوغرافي الغربي، هو توجه يحتاج للتهذيب والغربلة والمراجعة، كما أنه يحتاج حتما للنقد الذاتي وللتنقيح، كما يحتاج للتدعيم بسياقات جمالية وفكرية عربية وشرقية، تنتمي لمنطقتنا وروحها.

    الفلسفة الغربية والفوتوغراف

    المدارس النقدية والفلسفية الفوتوغرافية في الغرب، هي مدارس تَأثَّرتْ بكثافة وزخم المنجز الفني منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر، وتأثرت بهامش الحريات الفكرية لديهم، ولكنها تأثرت كذلك بالتيارات الفلسفية الجمالية، كالظاهراتية (الفيمينولوجيا)، مرورا بالتيارات الفكرية كالسيميولوجيا (علم العلامات) والبنيوية، وما بعد البنيوية، بالإضافة للتفكيكية والوجودية في مواجهة اليقين اللاهوتي والميتافيزيقي، التي تــــم تطبيق أدواتها في مواجهة المسلمات في الفن والفكر والأدب واللسانيات. هذه المدارس الفكرية والفلسفية أسست لمداخل نقدية في عدة مجالات، تراوحت بين الفن واللغة والأدب والاقتصاد والسياسة والطب والتاريخ والاجتماع والأخلاق والإنسان، وغيرها الكثير.

    غرفة بارت المضيئة

    استخدم رولان بارت البنيوية كأساس في قراءة الأعمال الفوتوغرافية، من خلال ثلاث منهجيات فكرية نشأت في الغرب لأغراض فكرية ولغوية تحليلية بحتة، ولكنه قام بتطويعها في النقد الفني الفوتوغرافي، وهي السيميولوجيا والفيمينولوجيا، وبالأخص الوجودية، وهو ما نجده جليا في كتاب بارت حول فلسفة الصورة الفوتوغرافية «الغرفة المضيئة»،‬ حيث كتب بارت أسفل عنوان الكتاب «وَلاءً لخيال سارتر» في إشارة لكتاب سارتر «الخيال»، كعرفان له على تمهيد الطريق للدراسات الفنية النقدية بمنهجيته الفكرية الوجودية المعاصرة. ثمة أمثلة كثيرة أخرى في حقول فكرية وفلسفية أثرت في عملية نشوء النقد الفني بشكل عام، والفوتوغرافي بشكل خاص، وصولا لفلسفة فوتوغرافية في الغرب، والدعوة والتنظير لها، وهو ما فعله الكثيرون، وكان أكثرهم مباشرة، في أواخر القرن العشرين، الفيلسوف التشيكي فيليم فلوسر، في كتابه «نحو فلسفة فوتوغرافية»، متكئا على ذات المنهجيات التي نشأت لأغراض فكرية وفلسفية، ولكنها استخدمت لاحقا باتجاه نحت مفاهيم جمالية فوتوغرافية نقدية وفلسفية من قبل العديد من الكتاب والكاتبات، مفاهيم تتماشى مع روح ثقافتهم وحراكهم الفني الفوتوغرافي، وصولا لإنشاء طيف واسع من المفردات والمصطلحات النقدية الفوتوغرافية، التي من خلالها تم ترسيخ وعي وذائقة بصريتين، سواء في الحراك الفوتوغرافي العملي، أو مدارسه النقدية، وكذلك عند المتلقي والمهتمين بهذا الفن البصري.

    الفوتوغراف
    والفلسفة العربية

    هذه المراجعة النقدية لا تعني بالضرورة التخلي عن المدارس الجمالية الفلسفية والنقدية الفكرية الغربية، بل توظيفها وتوظيف منجزها الراسخ والمتغير للتعامل مع المنجز والذائقة الفوتوغرافيتين العربيتين نقديا وفلسفيا، ولكن بالاستناد إلى القراءات الجمالية والفلسفية النقدية الفنية والأدبية والاجتماعية، التي نشأت في ثقافتنا العربية والشرقية قبل سنوات طويلة من نشأتها في الغرب. فعلى سبيل المثال وليس الحصر تزخر فلسفة ابن رشد بمنهجيات تقارب «التفكيكية» و»ما بعد البنيوية»، خصوصا في كتابه «تهافت التهافت» الذي جاء كرد على كتاب الغزالي «تهافت الفلاسفة»، وهو ما يجعل ابن رشد سابقا لحراك فلاسفة الغرب في تأسيس وانتهاج هذه الآليات الفلسفية بقرون طويلة، من أمثال دريدا وفوكو بعد تأثرهما بـ»ظاهراتية» هوسرل. ثم نجد في جذور «البنيوية النفسية» عند فيلهلم، التي إنبثقت عنها البنيوية الأنثروبولوجية، والبنيوية الفلسفية النقدية، نجد عند ابن سينا أساسات هذه المنهجية، من خلال فلسفته الطبية حول فهم البناء النفسي عند المريض، وتأثيرها على العلاج الجسدي، سابقا بذلك أيضا فيلهلم وتيتشينير بقرون طويلة. وفي فلسفة جلال الدين الرومي نجد ملامح أنطولوجية «علم الوجود»، حيث قدم ضمن فلسفته أفكارا راسخة عن وحدة العقل والجسد والروح، وتوحدها مع عناصر الكون، سابقا بذلك سبينوزا ومقولته الفلسفية عن وحدة العقل والجسد؛ في سياق معارضته لفلسفة ديكارت حول ثنائية العقل والجسد وانفصالهما، وسبينوزا هو الفيلسوف الهولندي العقلاني الذي تأثر عميقا بأفكار وفلسفتي ابن رشد وابن طفيل. أما في «الوجودية» وهي الفلسفة التي أنشأها بشكلها المعاصر، الفيلسوف الفرنسي سارتر، متأثرا بفلسفات متعددة، من أهمها الفلسفة «الوجودية» الأولى عند مؤسسها الفيلسوف الهولندي كيركجارد، وهو الذي تأثر بما يمكن تسميته بالـ»وجودية الإيمانية» عند الفيلسوف العربي المسلم الكندي، وتقديم ذات التوصيفات الوجودية الإيمانية مع اختلاف في الخلفيات الثقافية والمجتمعية. على الرغم من تأثر سارتر بكريكجارد إلا أنه ثار فلسفيا ضد الإيمان اللاهوتي في وجوديته، حيث كان سارتر بذلك متأثرا بشكل جذري بفلسفة الشك عند ديكارت، وديكارت كان قد تأثر بدوره بعدة فلاسفة عرب مسلمين وشرقيين في الحضارة العربية الإسلامية، من أهمهم ابن رشد وابن سينا. فالقارئ للجدليات والأفكار في كتابات الفلاسفة والمفكرين العرب والشرقيين في العصور الذهبية العربية والإسلامية، – وإن لم تسم بهذه المسميات آنذاك – لوجد تأسيسا جليا لغالبية المنهجيات والفلسفات الغربية المعاصرة، المتأثرة بالفلسفات والتيارات الفكرية العربية والشرقية، وهو ما أدى لنشأة العديد من الحقول النقدية والفلسفية الفنية والأدبية، بما فيها الفوتوغرافية.
    والسؤال .. لماذا لا نعود للجذور الفكرية للفلسفات العربية التي تأثر بها الكثير من فلاسفة وكتاب الغرب، الذين أثرت أفكارهم وفلسفاتهم على نشأة فلسفة ونقد فوتوغرافيين فــــــي الغرب؟ نحتاج لإيجاد آليات في البحث عن المحرضات، وضرورات الهدم بوصفه أول البناء والتأسيس، للوصول إلى فلسفة فوتوغرافية من حيث المُنتج الإبداعي والنقدي، فلسفة تحاكي التحولات التاريخية والثقافية العربية والشرقية، منذ دخول فن الفوتوغراف لبلادنا وحتى يومنا هذا.

    ‫٭ ‬فوتوغرافي فلسطيني – إردني/بودابست
     

مشاركة هذه الصفحة