1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

صيد اللؤلؤ

الموضوع في 'مختارات نقوس المهدي' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏6/4/11.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جمال العربية
    فاروق شوشة


    شيِّق وشائق

    يخطئ بعض الناس في التمييز بين كلمتين متشابهتين هما: شيِّق وشائق. يقولون مثلا: هذا كتاب شيِّق.. والصواب أن يقال: هذا كتاب شائق، لأن كلمة شيِّق معناها مشتاق.
    تقول لغتنا الجميلة: شاقني الشيء شوقا، واشتقت إليه فأنا مشتاق وشيِّق.
    ويقول الشاعر الطائي:
    من مبلغٌ قومَنا النائين إذ شحطوا
    أن الفؤاد إليهم شيِّق ولعُ
    ويقصد الشاعر بقومنا النائين أى البعيدين، وبقوله: شحطوا أي رحلوا وأبعدوا، وشيِّق في هذا البيت بمعنى مشتاق.
    ويقول المتنبي:
    ما لاح برقٌ أو ترنمَ طائرٌ
    إلا انثنيت ولي فؤاد شيِّق
    ويقول شوقي في قصيدته عن النيل:
    ألقت إليك بنفسها ونفيسها
    وأتتك شيِّقة حواها شيِّقُ
    أما الشائق فهو بمعنى الجذاب المحبب
    تقول لغتنا الجميلة :
    شاقني الشيء يشوقني، فهو شائق وأنا مشوق.
    ويقول العماد الأصفهاني في وصف إحدى القصائد المشهورة: هي أبيات شائقة.
    ويقول أبوالحسن الخزرجي عن أحد الشعراء: وأشعاره كثيرة رائعة، ومعانيه بديعة شائقة.
    إذن فكلمة شيِّق: معناها مشتاق
    وكلمة شائق: معناها جذاب ومحبب


    "الباء التي شغلت الناس"

    الأفعال الدالة على الاستبدال - في لغتنا الجميلة
    - هى: بَدَلَ، بَدَّل، تَبَدَّلَ، أَبْدَلَ، استبدل.
    وهذه الأفعال وما تصرف منها تحتاج دوما إلى شيئين: مستبدل ومستبدل منه، أي إلى مأخوذ ومتروك أو مثبت ومحذوف، وفي أحدهما باء الجر. في مثل قوله تعالى:
    آتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب .
    من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل .
    قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .
    ويلاحظ المتأملون في أسرار لغتنا الجميلة أن هذه الباء ليست لازمة دوما، وليس ضروريا أن تأتي في جميع حالات التعبير عن معنى الاستبدال، فقد جاء في القرآن الكريم تسع وثلاثون آية من آيات الاستبدال وليس فيها هذه الباء، من ذلك قوله تعالى:
    ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا .
    عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها .
    وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم .
    والإجماع منعقد على أن هذه "الباء" متى وجدت فإنها لا تدخل إلا على المتروك أو المحذوف وإلا كان استعمالها خاطئا، ويقولون إن كثيرا من البلغاء والفصحاء لم يسلم من الوقوع في هذا الخطأ وإن من بينهم "شوقي" حين قال:
    أنا من بدل بالكتب الصحابا
    لم أجد لي وافيا إلا الكتابا
    فقد انقلب المعنى الذي يقصده الشاعر - أي ترك الأصحاب وتفضيل الكتب عليهم - إلى ضده لأنه أدخل الباء على الكتب وليس على الصحاب.
    ويقولون إن النقد الذي وجه إلى شوقي هو الذي دفعه إلى إعادة النظر في هذا البيت وتغييره إلى:
    ملت للكتب وودعت الصحابا
    لم أجد لي وافيا إلا الكتابا
    فاستقام المعنى وصح التعبير.
    والطريف أن أحد علماء لغتنا الجميلة المعاصرين - هو المرحوم الأستاذ عباس حسن، عالم النحو، ومؤلف كتاب "النحو الوافي" وعضو مجمع اللغة العربية في القاهرة - كان له رأي مغاير لهذا الإجماع - في دخول الباء على المحذوف والمتروك - ناقشته لجنة الأصول بالمجمع.
    يقول الأستاذ عباس حسن في شرح وجهة نظره والتماس الشواهد لها والبراهين:
    من معاني باء الجر أن تكون بمعنى كلمة بدل بحيث يصح إحلال هذه الكلمة محل الباء، كقوله تعالى: [​IMG] أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى [​IMG] . وقولهم: ما يرضيني بعملي عمل آخر.
    وتدخل الباء على الشيء المتروك كما في المثالين السابقين، ويصح دخولها على المأخوذ، فقد جاء في "المصباح المنير" - مادة بدل - ما نصه:
    أبدلته بكذا إبدالا، أي نحيت الأول وجعلت الثاني مكانه.
    وفي "مختار الصحاح" ما نصه في مادة بدل: الأبدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر.
    وجاء في تاج العروس مادة "بدل" ما نصه: قال ثعلب: يقال أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه. وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتما.
    ومثال آخر لدخول الباء على المأخوذ قول "طفيل" لما أسلم:
    وبدل طالعي نحسي بسعد.

    ***

    لكن مؤتمر مجمع اللغة العربية لم يأخذ بوجهة نظر الأستاذ عباس حسن، من أن الباء تدخل على المتروك والمأخوذ معا، ورأى أنها تتعارض مع الضبط الذي يراد للغتنا الجميلة، والدقة التي يجب أن تتسم بها قواعدها وقوانينها العامة، وإلا أصبح الأمر فوضى، ولم نعد نعرف المحذوف من المتروك في أى كلام يتضمن معنى الاستبدال.
    ويبقى الإجماع في هذه المسألة هو الصواب، متمثلا في أن الباء لا تدخل إلا على المتروك والمحذوف، فإن قلت مثلا بدلت السهر بالنوم.. فالنوم هو المتروك أو المحذوف والسهر هو المأخوذ الذي أثبتته العبارة.


    لوعة وعتاب لأبي فراس الحَمْداني

    تلتمع في ديوان الشعر العربي "روميات" أبي فراس، كما تلتمع "سيفيات المتنبي"، كلا الشاعرين ارتبط بسيف الدولة الحَمْداني - أمير حلب - وعاش في كنفه، على اختلاف في درجة العلاقة وطبيعة الصلة - فالأول ابن عمه وشقيق زوجته، والثاني شاعره الأثير الذي أخمل سائر شعراء بلاطه - وكلاهما سجل في شعره أصداء تلك السنوات العاصفة التي جعلت فيها الأقدار من سيف الدولة - الأمير العربي الوجه واليد واللسان الشجاع القلب والعقل - الصخرة الوحيدة الراسخة التي تتكسر عليها موجات الغزو من جيوش إمبراطورية الروم.
    وكما وجد المتنبي في سيف الدولة ضالته المنشودة، بعد أن قلب البصر فيمن حوله فلم يجد إلا من تعافهم نفسه ويرفضهم حسه العروبي ووجدانه القومي.
    فأصبح سيف الدولة مثله الأعلى، وتجسيد حلمه المفتقد، فقد وجد أبوفراس في سيف الدولة اليد التي امتدت إليه بالرعاية والعناية بعد أن قتل أبوه وهو في سن الثالثة، وهيأ له سيف الدولة - بعد أن استقر له الأمر في حلب - كل أسباب التنشئة على الأدب والفروسية حتى إذا ظهرت مواهبه المبكرة، وتألقت فروسيته ونجابته ولاه ضيعة " منبج" بالقرب من حلب وهو لا يزال في السادسة عشرة من عمره.
    كان أبو فراس في مقدمة الصفوف إلى جوار سيف الدولة، يخوض معه غمرات الحروب، ويُبلي خير البلاء، ويكشف عن معدن بطولته الأصيل، حتى يأسره الروم وهو عائد إلى " منبج" من رحلة صيد، ويحمله جند تيودور إلى " خرشنه" ثم ينقل إلى القسطنطينية مثخنا بالجراح، ويظل في الأسر أربع سنوات، طويلة بطيئة، يذوق فيها ألم الأسر ومرارة البعاد ولوعة الحنين، ويصب هذا كله في " رومياته " التي تعد أروع ما كتبه من شعر، والتي أفسحت له مكانا في ديوان الشعر العربي إلى جوار كبار الشعراء في عصره، باعتبارها أناشيد بطولة وبكائيات حنين ووحشة واغتراب، ودموعا عاتبة يتجه بها أبوفراس إلى سيف الدولة يحثه على المسارعة إلى افتدائه من الأسر، لكن سيف الدولة يبطئ في الاستجابة، لأنه - كما يقول بعض المؤرخين والمفسرين - كان يريد فداء عاما لكل من وقع من المسلمين في أسر الروم وليس لأبي فراس وحده.

    ****

    والقصيدة التي نطالعها الآن إحدى روائع أبى فراس التي أبدعها وهو أسير في بلاد الروم والتي تعد من عيون " رومياته ". يقول لنا ديوانه إنه بعث بها إلى سيف الدولة بعد أن بلغه أن أمه ذهبت من منبج إلى حلب لتكلم سيف الدولة في أمر مفاداته، وأنه ردها خائبة. والقصيدة تقدم صورة نادرة المثال، مفعمة بالشجن واللوعة والحنين، لهذه الأم التي تفتقد وحيدها، والتي خرجت تسائل الركبان عنه، دامعة مثقلة، ثم تمتلئ القصيدة بقطرات من نزف قلبه المطعون، وهو يعاتب سيف الدولة. ويذكره بخصاله وسجاياه وبأقواله المأثورة وأفعاله، حتى للآخرين من غير قومه، فما باله وهو من هو بالنسبة إليه وشيجة قربى وصلة دم ورحم.
    وتكتسب القصيدة أهميتها وقيمتها - بالإضافة إلى هذا الملمح الإنساني المفعم بالشجن والشجى - مما أنسكب عليها من رونق شاعرية أبي فراس سلاسة وتدفقا وانسيابا، وجرسا نغميا داخليا مستكنا يتواءم مع الحالات النفسية التي يتنقل بينها سياق القصيدة، وصياغة محكمة الأسر نافذة التأثير، تشف عن جمال اللغة الشعرية في شعر أبي فراس، وبعده عن كل ما هو حوشي أو مستهجن أو غريب من القول، وامتلاء شعره بتلك النفس العربية الشديدة الاعتزاز بأرومتها وبما تمتلكه من قيم وصفات ومثل عليا، وما تمثله من نموذج عربي نادر وفريد، الشعر فيه والبطولة صنوان.
    يقول أبوفراس الحمداني:
    يا حسرةً ما أكادُ أحملُها
    آخرُها مزعجٌ وأولُها
    عليلةٌ بالشآم مفردةٌ
    بات، بأيدي العدى معللُها
    تُمسكُ أحشاءها على حرقٍ
    تطفئُها، والهمومُ تشعلُها
    إذا اطمأنتْ، وأين؟ أو هدأتْ
    عنَّت لها ذُكرة تقلقِلُها
    تسألُ عنا الركبانَ، جاهدةً
    بأدمعٍ ما تكادُ تهملُها:
    "يا من رأى لي بحصن خرشنة
    أسد شرى، في القيودِ أرجلُها
    يا من رأى لي الدروب شامخة
    دون لقاءِ الحبيب أطولها
    يا من رأى لي القيود مُوثَقَةً
    على حبيبِ الفؤادِ آثقلُها"
    يا أيها الراكبان هل لكما
    في حمل نجوى يخفُّ محملها
    قولا لها إن وعت مقالكما
    وإن ذكري لها ليذهلها:
    يا أمتا هذه منازلنا
    نتركها تارة، وننزلها!
    يا أمتا..هذه مواردنا
    نعلها تارة، وننهلها!
    أسلمنا قومنا إلى نوبٍ
    أيسرُها في القلوب أقتلُها
    واستبدلوا بعدَنا رجالَ وغىً
    يود أدنى علاي أمثلها
    ليست تَنال القيود من قدمي
    وفي اتباعى رضاك أحملها
    يا سيدا ما تعد مكرمة
    إلا وفي راحتيه أكملها
    لا تتيمم، والماء تدركه!
    غيرك يرضى الصغرى ويقبلها
    سمحت مني بمهجةِ كرمت
    أنت، على يأسها، مؤمَّلُها
    إن كنت لم تبذلِ الفداءَ لها
    فلم أزل، في رضاك، أبذلها
    تلك الموداتُ كيف تهملها؟
    تلك المواعيد، كيف تغفلها؟
    تلك العقودُ التي عقدْتَ لنا
    كيف، وقد أحكمت، تحللها
    أرحامنا منك، لمَ تقطعُها؟
    ولم تزل، دائبا، توصلها!
     
  2. شيِّق وشائق


    يخطئ بعض الناس في التمييز بين كلمتين متشابهتين هما: شيِّق وشائق. يقولون مثلا: هذا كتاب شيِّق.. والصواب أن يقال: هذا كتاب شائق، لأن كلمة شيِّق معناها مشتاق.
    تقول لغتنا الجميلة: شاقني الشيء شوقا، واشتقت إليه فأنا مشتاق وشيِّق

    >>>>>>>>>
    ما أجمل لغتنا....و ما أكثر جهلي بها
    ............

    ألف شكر لك سيدي
     
  3. يا أيها الراكبان هل لكما
    في حمل نجوى يخفُّ محملها

    قولا لها إن وعت مقالكما
    وإن ذكري لها ليذهلها:
    يا أمتا هذه منازلنا
    نتركها تارة، وننزلها!
    يا أمتا..هذه مواردنا
    نعلها تارة، وننهلها!
    ...............................
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    تحية سهير
    كم هي جميلة حقا هذه القصيدة ورائعة وتغري بالقراءة لجميل ايقاعها وعميق مرماها واصالة بنائها المحكم

    انها فعلا من اللالئ النادرة

    تحية لك
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جمال العربية
    فاروق شوشة

    " متفرقات "

    من أطرف المناقشات التي دارت بين علماء لغتنا العربية في مستهل هذا القرن، تلك التي كانت حول معنى كل من الفقير والمسكين: أيهما الذي لا مال له، وأيهما أسوأ حالا من الآخر.
    ووجه الطرافة أنهم اختلفوا في ذلك الحين على ثلاثة أقوال:
    القول الأول يرى أن المسكين أسوأ حالا من الفقير، لأن الفقير هو الذي له قدر ضئيل من العيش، أما المسكين فهو الذي لا شيء له.
    وقد استدل أصحاب هذا الرأي بالآية الكريمة: " أو مسكينا ذا متربة " أي المطروح على التراب من شدة الاحتياج.
    وقالوا في تفسير قوله تعالى: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الفقير هو الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه أي أسوأ منه حالا، والبائس أجهدهم أي أشقهم وأتعسهم حالا.
    وفي رأيهم أن هناك ثلاث مراتب تبدأ بالفقير فالمسكين فالبائس.
    ويرى أصحاب القول الثاني أن الفقير هو الذي لا شيء له، وأن المسكين هو من له قدر ضئيل من العيش لا يكفيه، وقد استدل أصحاب هذا الرأي بقوله تعالى: "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " .
    وبأن الله تعالى بدأ بالفقير في آية الزكاة: " إنما الصدقات للفقراء.. " مما يدل على الاهتمام بشأن الفقير في الحاجة.
    كما استدلوا باستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر، مع قوله: " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني مع المساكين ".
    وبأن الفقير مشتق من فقار الظهر، فكأن الحاجة قد كسرت فقار ظهره.
    أما القول الثالث فيرى أن المسكين والفقير من صنف واحد، وإنما ذكرت الصفتان في الآية الكريمة: [​IMG] إنما الصدقات للفقراء والمساكين [​IMG] تأكيدا للأمر.
    وقالوا: إن الفقير هو الذي لا شيء له، وإن المسكين مثله، ويرى بعض علماء اللغة المعاصرين أن المسكين أفضل معنى من الفقير في الماديات والأدبيات والدينيات.

    كما شغل فريق من علماء لغتنا العربية المعاصرين بمناقشة طريفة دارت حول أي الأسلوبين أدل على التواضع وعدم الاعتداد بالنفس: أن تقول وأنت تتحدث عن نفسك: أنا أرى كذا، وأنا أحب كذا، مستعملا ضمير المفرد "أنا" أو أن تقول: نحن نرى كذا، ونحن نحب كذا، مستعملا ضمير الجمع "نحن". وقد كان الظن الشائع أن استعمال المتكلم لضمير الجمع في التعبير عن نفسه فيه تعظيم للنفس، كأن يقول: نحن نرى كذا، ونحن نفعل كذا.

    لكن الطريف أن بعض علمائنا يرون أن استعمال المتكلم المفرد لضمير الجماعة إنما يشعر بالتواضع خلافا للمعهود من أن يكون لتعظيم النفس، وأن إفراد الضمير فيه تأكيد للذات وتعظيم للنفس، عندما يقول القائل: أنا أرى كذا، وأنا أفعل كذا.

    ويرون أن هذا هو ما جرت عليه أساليبنا العصرية، فعندما نقول مثلا: تجيء عندنا ونزورك، تكون مقبولة أكثر من قولك: تجيء عندي وأزورك. كأنهم يستشعرون أن المتكلم لما استعان بغيره أصبح بريئا من الأثرة والأنانية، وأن استعمال المتكلم لضمير الجمع بدلا من ضمير المفرد يدل على إظهار التعاطف مع المخاطب تخفيفا لقسوة التكلم عن النفس، فعندما يتكلم المتكلم في مجال الخطابة أو الحديث إلى الجماهير ويقول: نحن نرى كذا.. فإنه لا يتواضع فقط، بل هو يشرك معه سامعيه في الرأي بدلا من فرضه عليهم.

    هذا الأسلوب البلاغي العصري من أساليب لغتنا العربية مبني على قاعدة نفسية معروفة، هي أن المتكلم يبذل كل جهده لجذب المستمع إلى جانبه، بإشراكه معه في الحكم بدلا من فرضه عليه، فأنت تشرك المستمع معك في الموضوع عندما تقول له: نحن نرى كذا ونحب كذا ونوافق على كذا، وتجانب التواضع عندما تقول: أنا أرى كذا وأحب كذا وأوافق على كذا.

    وفي إطار تأمل ما طرأ على لغتنا العربية - عبر تاريخها الطويل - من تطور، نلاحظ أن كثير من الكلمات قد حدث لها ما يسمى بالتحول المعنوي، وهو أن تكتسب الكلمة معنى جديدا غير معناها الأصلي القديم، ويشيع هذا المعنى الجديد بكثرة الاستعمال حتى لينسى المعنى الأول ولا يكاد يذكره أحد.


    من بين هذه الكلمات كلمة "الكفر" فالمعنى الأصلي للكلمة في اللغة العربية هو التغطية، ثم اكتسبت الكلمة في ظل الدعوة الإسلامية معنى جديدا هو الإلحاد والإنكار

    وكلمة "التوقيع": معناها الأصلي في اللغة هو "التأثير"، ثم أصبحت تطلق على وضع اسم الكاتب على ما يكتبه للدلالة على أنه منسوب إليه.

    وكلمة "المقامة": معناها الأصلي المكان أو المجلس، ثم تحول معنى الكلمة إلى الدلالة على نوع من القصص المسجوع شاع في تاريخنا الأدبي حقبة من الزمان، ومن مشاهير كتابه: الحريري والهمذاني.

    وكلمة "الدولة": معناها الأصلي تقلب الزمان وتغير الحال، ونستعملها نحن الآن للدلالة على الملك أو الحكومة أو السلطة الحاكمة.

    وكلمة "القطار": معناها الأصلي صف مقطور من الجمال، لكنها أصبحت تدل على مركبات السكة الحديدية.

    وكلمة "السجادة": معناها الأصلي ما يسجد عليه وقت الصلاة، ثم اتسع معناها فأصبحت تدل على البساط، دون نظر إلى معنى الصلاة في ذاته.

    وكلمة "النظم": معناها الأصلي جمع اللؤللؤ في سلك، لكنها أصبحت شائعة في معنى "نظم الشعر" أي كتابته.

    وكلمة "النحو": معناها الأصلي القصد أو الجهة، ثم استعيرت الكلمة للدلالة على علم العربية المعروف: علم النحو.

    وكلمة "المضيفة": معناها الأصلي "من" تستقبل الضيوف في المنزل، فأصبحت تطلق على "من" تعتني بركاب الطائرات.

    وكلمة "الحضارة": معناها الأصلي ضد البداوة، ثم أصبح يفهم منها معنى المدنية أو العمران أو التقدم الاجتماعي والعلمي والصناعي.. إلخ.
    وغيرها كثير من الكلمات التي تحول معناها الأصلي وتغير، مكتسبا دلالات جديدة، خاصة في المجالات العلمية والدينية والاجتماعية، وهي دلالات مكتسبة نتيجة لتطور الحياة وامتداد رحلة الإنسان العربي في الزمان والمكان.

    ***
    صفحة شعر
    "عبلة: فتاة الخيام"
    لعنترة العبسي

    يرمز عنترة بن شداد في تراثنا العربي إلى معنيين مكتملين: البطولة والشعر، أما البطولة فقد توج تاجها جبينه المظفر منذ صبح فارس عبس، وحاميها المنشود والدرع التي تتكسر عليها رماح أعدائها وسيوفهم. وأما الشعر، فقد واتاه في طواعية ويسر، متدفقا كالسيل، رقراقا كالنسيم، هادر، صخابا كحميته وفوران نفسه، تلتمع معلقته بين سائر معلقات العصر الجاهلي، ويمتلئ ديوانه بدلائل شاعرية أصيلة، ويتناشد الناس شعره ويتذاكرونه، على مر العصور في مواقف الأنفة والكبرياء، وفي مشاهد البطولة والاقتحام، وفي ساعات الانكسار الإنساني أمام عذابات حب عاصف مقيم.
    واستطاع عنترة بلغة البطولة والشعر أن يكون رمزا للحرية، عندما تمردت قيود "العبد" الذي أنكر أبوه شداد بنوته، لأنه ابن "زبيبة" الأمة الحبشية، وعندما أصبحت الحرية رهانه على حياته، وعلى الارتفاع إلى أفق تشرق فيه شمس "عبلة" وتضيء، وعاش عنترة بكل جوارحه وخلجات وجدانه معركته مع الحرية، ومعركته من أجل الحصول على عبلة، فأصبحت المعركتان معركة واحدة، وأصبحت عبلة في شعره وفي القرار البعيد من نفسه، جناحيه اللذين بهما يحلق، وبهما يتمرد، وبهما يسترد وضعه الإنساني الكريم.
    وتواتيه الفرصة، حين يباغت أعداء "عبس" مضارب القبيلة، وليس فيها إلا النساء والأطفال، والعبدعنترة راعي الأغنام وحارس النساء، ويبلي عنترة بلاءه المشهود، ويصد وحده جيش الغزاة، بل ويدحرهم ويطاردهم إلى غير رجعة، عندئذ يهتف شداد ببنوته، وقد أصبح عنترة الحر رمز فخار وإكبار، جديرا بعبلة، ومكرما لاسم شداد.
    يقول ديوان عنترة:
    "وكان قد خرج إلى اليمن مع نفر من قومه، وعند رجوعه تذكر أهله، وكان قد زاد شوقه إلى "عبلة"، فقال (وهي من الطويل):

    إذا الريح هبت من ربى العلم السعدي
    طفا بردها حر الصبابة والوجد
    وذكرني قوما حفظت عهودهم
    فما عرفوا قدري ولا حفظوا عهدي
    ولولا فتاة في الخيام مقيمة
    لما اخترت قرب الدار يوما على البعد
    مهفهفة بالسحر من لحظاتها
    إذا كلمت ميتا يقم من اللحد
    أشارت إليها الشمس عند غروبها
    تقول إذا اسود الدجى فاطلعي بعدي
    وقال لها البدر المنير ألا اسفري
    فإنك مثلي في الكمال وفي السعد
    فولت حياء ثم أرخت لثامها
    وقد نثرت من خدها رطب الورد
    وسلت حساما من سواجي جفونها
    كسيف أبيها القاطع المرهف الحد
    تقاتل عيناها به وهو مغمد
    ومن عجب أن يقطع السيف في الغمد
    مرنحة الأعطاف مهضومة الحشا
    منعمة الأعطاف مائسة القد
    يبيت فتات المسك تحت لثامها
    فيزداد من أنفاسها أرج الند
    ويطلع ضوء الصبح تحت جبينها
    فيغشاه ليل من دجى شعرها الجعد
    وبين ثناياها إذا ما تبسمت
    مدير مدام يمزج الراح بالشهد
    شكا نحرها من عقدها متظلما
    فوا حربا من ذلك النحر والعقد
    فهل تسمح الأيام يا ابنة مالك
    بوصل يداوي القلب من ألم الصد
    سأحلم عن قومي ولو سفكوا دمي
    وأجرع فيك الصبر دون الملا وحدي
    وحقك أشجاني التباعد بعدكم
    فهل أنتمو أشجاكمو البعد من بعدي
    حذرت من البين المفرق بيننا
    وقد كان ظني لا أفارقكم جهدي
    فإن عاينت عيني المطايا وركبها
    فرشت لدى أخفافها صفحة الخد
    إذا رشقت قلبي سهام من الصد
    وبذل قربي حادث الدهر بالبعد
    لبست لها درعا من الصبر مانعا
    ولاقيت جيش الشوق منفردا وحدي
    وبت بطيف منك يا عبل قانعا
    ولو بات يسري في الظلام على خدي
    فبالله يا ريح الحجاز تنفسي
    على كبد حرى تذوب من الوجد
    ويا برق إن عرضت من جانب الحمى
    فحي بني عبس على العلم السعدي
    وإن خمدت نيران عبلة موهنا
    فكن أنت في أعطافها نير الوقد
    وخل الندى ينهل فوق خيامها
    يذكرها أني مقيم على العهد
    عدمت اللقا إن كنت بعد فراقها
    رقدت وما مثلت صورتها عندي
    وما شاق قلبي في الدجى غير طائر
    ينوح على غصن رطيب من الرند
    به مثل ما بي فهو يخفي من الجوى
    كمثل الذي أخفي ويبدي الذي أبدي
    ألا قاتل الله الهوى كم بسيفه
    قتيل غرام لا يوسد في اللحد
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جمال العربية
    فاروق شوشة

    "من كل بستان زهرة"

    من قديم، وعلماؤنا العرب يحاولون الكشف عن الصلة الخفية التي تربط بين اللفظ ودلالته، أي الكلمة ومعناها، بسبب اعتـزازهم بلغتهم، وإعجابهم بها، وحرصهم على الكشف عن أسرارها. من أطرف ما ذهب إليه بعضهم - في هذا المجال - أن الكلمة مهما قلبناها على وجوهها المختلفة - المشتقة من جذرها الأصلي - تشتمل على معنى عام مشترك.

    مثلا، كلمة (جبر) تتضمن في رأيهم معنى القوة والشدة مهما صنعنا من حـروفها (ج، ب، ر) كلمات ومفردات جديدة. يقال: جبرت العظم، أي قـويته بالمعالجة. وجبرت الفقير: أي قـويته وأعنته بالمسـاعدة. والجبروت: هـو القوة.
    والجبار: الشـدة والقوة والبأس والبطش. والجبر: هو الأخذ بالقوة. ورجل مجرب: أي مارس الأمور فاشتدت قوته ودرايته وخبرته.
    والجراب: إنما سمي بهذا الاسم لأنه يحفظ ما فيـه، والشيء إذا حفظ قوي واشتد. ومثل كلمة (جبر) كثير في لغتنا الجميلة .

    * ويروون أنه لما حملت قطر الندى بنت خمارويه إلى الخليفة العباسي المعتضد ليتزوجها، كتب معها أبوها رسالة يوصيه فيها بها خيرا. فأمر المعتضد وزيره بالجواب على كتاب خمارويه، وكلف الـوزير أحد كتابه بالرد، وغاب الكاتب بعض الوقـت يصوغ رده على الرسالة ثم أتى بنسخة يقول فيها:
    وأما الوديعة فهي بمنزلة شيء انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها وحياطة لها.
    وأقبل الكاتب على الوزير معجبا بحسن ما وقع له من الكلمات قائلا: إن تسميتي لها بالوديعـة، نصف البلاغة.
    فقال الوزير: ما أقبح هذا.. تفاءلت لامرأة زفت إلى صاحبها بالوديعة، والوديعة مستردة!

    * ترى ما الذي يخطر ببالنا، وما الذي نتصوره، عندما نردد كلمة كالفضيلة أو الخير أو الحق أو الصدق أو سواها من الكلمات القليلة الحروف، العامرة بالمعاني الكبيرة. لقد تناول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد بأسلوبه المبني علي الحجة والمنطق موضوع الخير والسعادة، وتساءل: أيهما نتمناه أكثـر: الخير أو السعادة؟ وهل ترانا نرجو أن نوصف بالأخيار أو أن نوصف بالسعداء؟
    ثم يقول: بغير حاجة إلى استفتاء يمكننا أن نؤكد أن السعادة تظفر بأكثر الأصـوات فنحن في الواقع نختار اسما جـذابا حين نختار السعادة، ونحن إذا تصورنا السعادة فصورتها أمامنا صورة فتاة حسناء، تمتع الحس والنفس، وتشبع اللذة والأمل. إن صورة السعـادة صورة أنثوية، حافلة بالإشراق والمتعة والجمال.

    أما الخير، فيغلب على الخيال أن يرسمه لنا في صورة شيخ جليل، مهيب الطلعـة، طـويل اللحية، يجلله الوقار.
    وشتان بين الصورتين.
    * وتتميز لغتنا الجميلة بأسرار شتى في تراكيبها واستعمالاتها، ولا بد من الالتفات إلى الفروق الدقيقة بين هذه الاستعمالات، حتى يكون كلامنا وتعبيرنا صحيحا وجميلا في الوقت نفسه.
    فنحن نقول: دعا له، في مجال الخير. ودعا عليه، في مجال الشر.
    ونستعمل وعد: للخير والعطاء (وعدته بكذا). أما أوعد: فتستعمل في مجال التهديد والوعيـد. ونقول فـرط: ومعناها قصر (فرط في أداء الواجب). أما أفـرط: فمعنـاهـا أسرف وتجاوز الحد (أفـرط في الشراب).
    ونقول: أشار عليه بكذا: في مجال الرأي والمشورة. أما أشار إليه: فتستعمل في مجال الإشارة باليد. ونقول: أشفق منه، بمعنى خاف منه. أما أشفق عليه، فمعناها عطف عليه.
    ومثل هذا كثير في لغتنا الجميلة .

    * ومن الطريف أن بعض الكلمات في لغتنا العربية تستعمل للتعبير عن أشياء متعددة، من غير أن يكـون بين هذه الأشياء علاقة ظاهرة.
    مثلا: كلمة "العين"، المعنى الشائع لها أنها عضو الإبصار لدى الكائن الحي. ومن معانيهـا أيضا: الشمس، وإنما سميت الشمس عينا لأنه من غير نورها لا تبصر العين، والعين، هـو الحارس، وهـو أيضـا الجاسوس، لأن مهمته تعتمد على العين ويقظتها.
    وعين الشيء: نفسـه، يقال: حضر فـلان عينه، للإثبات والتأكيد. وعن الشيء أيضا: خياره وأفضله وأغلى ما فيـه، كما أن عين الإنسان أغلى حـواسه، ولذلك يقال لأشراف القوم أعيان.
    والأب والأم، كل منهما عين لابنه، والجمع: أعيان، ولذلك يقال للإخوة من الأبوين: بنو الأعيان.

    * ومما يؤثر عن العرب القدماء دقتهم في استعمال كل كلمة في موضعها الصحيح، بحيث تنفرد بمعناها ودلالتها، فإذا ما تشابهت كلمتان وجب علينا أن نتحرى الفرق الدقيق بينهما في المعنى وفي مجال الاستعمال. فهم يفرقون بين السامع والمستمع.
    فالمستمع هو المصغي للاستماع المتفرغ له، أما السامع فهو الذي يطرأ عليه الكلام فيسمعه من غير قصد ولا تفرغ.

    ويفرقون بين الهم والغم، فـالهم يكون لأمر يخشى المرء أن يقع، أما الغم فيكون لأمر قدر وقع فعلا. ويفرقون بين التمني والترجي، فالتمني هو طلب ما يمكن وقوعه وما لا يمكن، أما الترجي فمقصور على طلب ما يمكن وقوعه فقط.
    ومثل هذا كثير في لغتنا الجميلة .

    ***
    "ذات الخال"
    لشاعر النيل حافظ إبراهيم

    هو ثاني الأسماء الشعرية الكـبرى التي ترددت في العصر الحديث بعد شوقي أمير الشعراء، وقبل خليل مطران شاعر القطرين، وانفرد هو بتسميته شاعر النيل.
    ولد حافظ بعد فشل الثورة العرابية واحتلال الإنجليز لمصر بعشر سنوات، في الرابع من فبراير سنة ألف وثمانمائة واثنتين وتسعين. وكأنما هيأه القدر - بعد أن عاش أيام بؤس وطنه، وذاق مرارتها، وشارك في الجهاد الوطني بنصيب موفور مدافعا عن قضايا مصر والعروبة والإسلام - هيأه ليكون شاعر الشعب الأول، والمدافع عن حقوقه حتى رحيله في الحادي والعشرين من يوليو سنة ألف وتسعمائة واثنتين وثلاثين.
    ويقال إن مـولده كان في " ذهبية" راسية على شاطىء النيل، حيث كـان والده أحـد المهندسين المشرفين على قناطر ديروط في صعيد مصر، ويعلق الأستاذ أحمد أمين على ذلك بأنه "كان إرهاصا لطيفا، وإيماء طـريفا، إذ شاء القدر ألا يولد شاعر النيل إلا على صفحة النيل ".
    وقد انقسم الناس في عصر شوقي وحافظ فريقين، فريقـا فضل حافظا وآثره عمن سواه وفريقا فضل شوقيـا كمعجزة شعرية مع حبه لحافظ وإعجابه به. والقليل من وقف من الشاعرين موقفا وسطا. ولم يكن عميد الأدب العربي الراحل الدكتور طه حسين بعيدا عن هذا الأمر حين تناوله في كتابه: "حافظ وشوقى " قائلا:
    "وصل شوقى في شيخوخته إلى ما وصل إليه حافظ في شبابه، لأن شوقي سكت حين كان حافظ ينطق، ونطق حين اضطر حافظ إلى الصمت، يالسوء الحظ، ليت حافظا لم يوظف قط، وليت شوقي لم يكن شاعر الأمير قط، ولكن هل تنفع شيئا ليت؟ لقد أسكت حافظ ثلث عمره، وسجن شوقي في القصر ربع قرن وخسرت مصر والأدب بسعادة هذين الشاعرين العظيمين شيئا كثيرا.
    كلا الشاعرين قد رفع لمصر مجدا بعيدا في السماء، وكلا الشاعرين قد غذى قلب الشرق العربي نصف قرن بأحسن الغذاء. وكلا الشاعرين قد أحيا الشعر العربي ورد إليه نشاطه ونضرته ورواءه. وكلا الشاعرين قـد مهد أحسن تمهيد للنهضة الشعرية المقبلة التي لأبد من أن تقبل ".
    ومن أجمل الآثار الشعرية لحافظ إبراهيم قصيدته التي يشكو فيها إلى "ذات الخال " شجونه وأشواقه ومكابداته، وما فعلته العيون بسهامها التي لا ترحم.. ويقول:
    كم تحت أذيـال الظـلام متيم
    دامي الفـؤاد، وليلـه لا يعلم
    مـا أنت في دنيـاك أول عـاشق
    راميـه لا يحنـو، ولا يترحـم
    أهـرمتني ياليل في شرخ الصبـا
    كم فيك سـاعـات تشيب وتهرم
    لا أنت تقصر لي ولا أنـا مقصر
    أتعبتني وتعبت، هل من يحكـم؟
    للـه مـوقفنـا وقـد ناجيتهـا
    بعظيم مـا يخفي الفـؤاد ويكتم
    قـالت: من الشـاكي؟ تسـائل سربها
    عني، ومن هـذا الـذي يتظلم؟
    فأجبنها - وعجبن كيف تجاهلت -
    هـو ذلك المتـوجع المتـألم
    أنا من عرفت ومن جهلت، ومن لـه
    - لولا عيونك - حجـة لا تفحم
    أسلمت نفسي للهـوى، وأظنهـا
    ممـا يجشمهـا الهوى لا تسلـم
    وأتيت يحدوني الـرجـاء، ومن أتى
    متحـرما بفنـائكم لا يحرم
    أشكـو لذات الخال مـا صنعت بنا
    تلك العيـون، ومـا جنـاه المعصم
    لا السهم يرفق بالجريح، ولا الهوى
    يبقي عليـه ولا الصبـابـة تـرحم
    لو تنظرين إليـه في جـوف الـدجى
    متململا من هـول ما يتجشم
    يمشي إلى كنف الفراش محاذرا
    وجلا، يـؤخر رجله ويقـدم
    يـرمي الفـراش بناظـريـه، وينثني
    جـزعا، ويقـدم بعـد ذاك ويحجم
    فكأنـه - واليأس ينسف نفسـه -
    للقتل فـوق فـراشـه يتقـدم
    رشفت بـه في كل جنب سـدتـه
    وانسـاب فيـه بكل ركـن أرقم
    فكأنه في هـوله وسعيره
    واد قـد اطلعت عليـه جهنـم
    هـذا وحقك بعض مـا كابدته
    من نـاظريك، ومـا كتمتك أعظم
    قـالـوا: أهذا أنت! ويحك فـاتئد
    حتـام تنجـد في الغـرام وتتهم؟
    كم نفثـة لك تستثير بها الهوى
    هـاروت في أثنـائهـا يتكلم
    إنا سمعنـا عنك مـا قـد رابنـا
    وأطـال فيك وفي هـواك اللـوم
    فاذهب بسحرك قد عرفتك، واقتصد
    فيما تـزين للحسـان وتـوهم
    أصغت إلى قـول الـوشاة فأسرفت
    في هجرهـا، وجنت علي وأجرموا
    حتى إذا يئـس الطبيب وجـاءهـا
    أني تلفت، تنـدمـت وتنـدمـوا
    وأتت تعـود مريضهـا، لا بل أتت
    مني تشيـع راحـلا لـو تعلم
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جمال العربية

    تجليات بيان لا يغيب
    فاروق شوشة




    كان جمال العربية على ألسنة الناطقين بها ـ منذ أقدم العصور حتى اليوم ـ باباً للخلاص من الشدائد والنجاة من المواقف الصعبة, وكان يكفي أن يتكلم البليغ بما يُحْسنُ, والشاعر بما يُبدع والكاتب بما يجيد, حتى تسترق القلوب والعقول, وتميل النفوس والأرواح, مشربة بأقباس من هذا البيان الجميل والتعبير المحكم والبلاغة الساحرة.

    وبالرغم من تغير الأذواق في نظرتها إلى جمال العربية , من عصر إلى آخر, فإن كيمياء هذه اللغة وسحرها بقي نفاذاً وفاعلاً, مادام اللسان الذي ينطق به, والقلم الذي يخطه, قادرين على أن يمتحا من ماء القلب ليصلا إلى صميم القلوب التي تستمع وتقرأ, وتتأمل وتتذوق, وتحلل وتفسّر, وتلتقي ـ بالرغم من تباعد الزمان والمكان ـ عند جمال العربية , الذي سنطالع تنويعات له في هذه السطور الكاشفة عن مواقف مختارة, وتجليات بيان لا يغيب.

    تميم بن جميل ومواجهة الموت:
    جاء في كتاب (العقد الفريد) لابن عبدربه ـ المتوفى سنة ثلاثمائة وثماني وعشرين ـ تحت عنوان (الحكاية الآتية الدالة على ثبات الجأش):
    قال أحمد بن أبي دُواد: مارأينا رجلاً نزل به الموت, فمـا شغله ذلك ولا أذهله عما كان يحب أن يفعله إلا تميم بن جميل فإنه كان تغلّب على شاطئ الفرات, وأوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة. ودخل عليه فلما مثل بين يديه دعا بالنطع والسيف, فأحضرا, فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئاً وجعل المعتصم يصعد النظر فيه ويصوبه, وكان جسيماً وسيماً. ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره, فقال: (يا تميم إن كان لك عذر فأت به أو حجّة فأدْل بها.
    فقال جميل: أما إذ أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه. يا أمير المؤمنين إن الذنوب تُخرس الألسنة وتصدع الأفئدة, ولقد عظمت الجريرة وكبر الذنب وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك, وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما بامتنانك, وأشبههما بخلائقك. ثم أنشأ يقول:
    أرى الموت بين السيف والنطع كامناً
    يُلاحظني من حيثما أتلفتُ
    وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي
    وأي امرئٍ مما قضى الله يُفلتُ ?
    ومن ذا الذي يُدلي بعذّرٍ وحُجّة
    وسيف المنايا بين عينيه مصلتُ ?
    يعزُ على الأوس بن تغلب موقفٌ
    يُسل عليّ السيف فيه وأسكتُ
    وما جزعي من أن أموت وإنني
    لأعلم أن الموت شيء مُؤقتُ
    ولكن خلفي صبية قد تركتهم
    وأكبادهم من حسرة تتفتتُ
    كأني أراهم حين أُنعى إليهمو
    وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
    فإن عشتُ عاشوا خافضين بغبطة
    أذود الردى عنهم وإن متُّ مُوِّتوُا
    فكم قائل: لا يبعد الله روحهُ
    وآخر جذلان يُسرّ ويشمتُ
    قال: فتبسم المعتصم, وقال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل, اذهب فقد غفرت لك الصبوة وتركتك للصبية.

    من زبيدة إلى المأمون:
    بعد موت هارون الرشيد ـ الخليفة العباسي الشهير ـ دب الصراع بين ابنيه: المأمون والأمين وانتهى بمقتل (الأمين). فبعثت أمه زبيدة بهذه الرسالة الدامية, المتوهجة بروح الأمومة, والمتشحة بجمال البيان إلى (المأمون) تستعطفه وتسترحمه وتدعوه أن يضرب صفحاً عما كان.
    تقول زبيدة: كل ذنب يا أمير المؤمنين وإن عظم, صغير في جنب عفوك, وكلّ زلل وإن جّل حقير عند صفحك. وذلك الذي عوّدك الله فأطال مدتك وتمم نعمتك وأدام بك الخير ورفع بك الشر. هذه رقعة الواله التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر وفي الممات لجميل الذكر. فإن رأيت أن ترحم ضعفي واستكانتي وقلة حيلتي وأن تصل رحمي وتحتسب فيما جعلك الله له طالباً وفيه راغباً فافعل وتذكّر من لو كان حيّاً لكان شفيعي إليك.

    طارق بن زياد وفتح الأندلس:
    هي الخطبة المشهورة التي ألقاها طارق بن زياد ـ المتوفى سنة ثلاث وتسعين هجرية ـ في جنوده المسلمين, وهو يحثهم على الجهاد ويرغبهم في فتح الأندلس, ويكشف لهم عن عظم المهمة وجسامة المواجهة في صدق وصراحة نادرين, ويفعل الكلام في جنود طارق فعل السحر, وتصبح تجليات البيان عوناً على تجليات البطولة والانتصار.
    حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
    أيها الناس أين المفر ? البحر من ورائكم والعدو أمامكم, وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام, وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة وأنتم لاوزر لكم إلا سيوفكم ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً ذهب ريحكم وتعوّضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم. فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة. وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة ولا حملتكم دوني على خطة أرخص متاع فيها النفوس. أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه بأوفر من حظي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة, وقد انتخبكم الوليد بن عبدالملك ـ أمير المؤمنين ـ من الأبطال عرباناً, ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختانا, ثقة منه بارتياحكم للطعان, وسماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان, ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة وليكون مغنمها خالصا لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم, والله تعالى ولىّ إنجادكم على ما يكون لكم ذاكراً في الدارين.

    النابغة الذبياني والنعمان:
    ولقد كان جمال العربية وبيانها الساحر سلاح النابغة الذبياني وهو يحاول التبرؤ إلى النعمان بن المنذر من وشاية دبرها الوشاة, وأوقعوا بين النعمان والنابغة, فالنابعة إذن في موقف من يعتذر ويطلب العفو والصفح, ثم هو ينتهز الفرصة ـ في التقرب إلى النعمان ـ بمدحه وإضفاء هالات الثناء عليه, وعّدته في كل ذلك بيان بليغ وشعر آسر. يقول النابغة:
    أتاني ـ أبيت اللعن ـ أنك لمتني
    وتلك التي أهتم منها وأنصب
    حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
    وليس وراء الله للمرء مذهبُ
    لئن كنت قد بُلغت عني خيانةً
    لمُبلغك الواشي أغش وأكذبُ
    ولكنني كنت امرأ لي جانب
    من الأرض فيه مُستراد ومذهب
    ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم
    أحكم في أموالهم وأقربُ
    كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم
    فلم ترهم من شُكر ذلك أذنبوا
    فلا تتركني بالوعيد, كأنني
    إلى الناس مطلي به القارُ أجربُ
    ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً
    ترى كل ملك دونها يتذبذبُ
    فإنك شمس والملوك كواكب
    إذا طلعت لم يبدُ منهم كوكب

    ابن زيدون وولادة
    ويستوقفنا موقف أخير نؤكد به جمال العربية وروعة تجلياتها ـ خاصة عند الشدائد والأزمات ـ عندما يصبح البيان الآسر سلاحاً والتعبيرُ الجميل شركاً والشعر البديع طباً للقلوب والأرواح, يستميل ويستعطف. من خلال قصيدة شهيرة للشاعر الأندلسي ابن زيدون ـ هي نونيته الذائعة الصيت ـ وأبياتها التي يتجه فيها بالخطاب إلى ولادة بنت المستكفي, مذكراً ومعاتباً, ومستعطفاً ومسترحماً.
    يقول ابن زيدون:
    يا ساريَ البرق غاد القصر فاسق به
    من كان صرف الهوى والود يسقينا
    ويانسيم الصبا بلغ تحيتنا
    من لو على البعد حيا كان يُحيينا
    ويا حياة تملينا بزهرتها
    منى ضروباً ولذات أفانينا
    ويانعيماً خطرنا من غضارته
    في وشي نعمى سحبنا ذيلها حينا
    لسنا نسميك إجلالاً وتكرمة
    وقدرك المعتلى عن ذاك يُغنينا
    إذا انفردت وما شوركت في صفة
    فحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا
    يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها
    والكوثر العذب زقوماً وغسلينا
    كأننا لم نبت والوصل ثالثنا
    والسعد قد غض من أجفان واشينا
    سران في خاطر الظلماء يكتمنا
    حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
    إن كان قد عز في الدنيا اللقاءُ ففي
    مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
    لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت
    عنه النهى, وتركنا الصبر ناسينا
    إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوراً
    مكتوبة, وأخذنا الصبر تلقينا
    أما هواك فلم نعدل بمنهله
    شربا وإن كان يُروينا فيظمينا
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    خطأ مشهور وصواب مهجور

    سعيد الأفغاني*





    لعل من أغلى الحكم التي يتناقلها العامة في مجالسهم وأشباههم في بعض الوجوه قولهم: "خطأ مشهور خير من صواب مهجور"، يواجهون به من يتصدى لإصلاح غلط شائع بين الناس في فعل أو قول أو تصرف ما؛ فيبوء المصلح الناصح المتحمس الغيور بالاستنكار والخجل، ويفوز مرتكب الخطأ بنعت الحكمة والتعقل. وأمثّل بأربع كلمات مما يشيع اليوم:

    1ـ نشر قبل سنوات الشيخ محمد هاشم رشيد الخطيب رسالة في منكر كان شاع جديداً مدة بدمشق وأنهى جملته بقوله ".. فلا حول ولا قوة إلا بالله." على ما يشيع عادة عند أكثر الناس. فعلق الشيخ محمد الكافي من العلماء المقيمين بالشام وتوفي وكان تونسي الأصل:
    "قوله هنا (لا حول ولا قوة إلا بالله) خطأ، والصواب أن يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقوبل قول الناقد بالاستغراب من الجمهور مع أنه هو الصواب، لكن الشيوع جرى بالخطأ.

    2ـ كلما ذكر ذاكر القطر السوري مال لسانه غالباً إلى الخطأ فشدد الياء ولفظها بالألف المقصورة (سوريّا)، فإذا نُبّه إلى الصواب في نطقها بالتخفيف وإبدال التاء بالألف هكذا (سورية) استغربوا قوله.

    3ـ كانت وسائل الإعلام في الشام تقول (ميزانية الدولة) أو (ميزانية المؤسسة) بهذين المصطلحين الواضحين العربيين، فغابا هذه الأيام في بعض المناطق العربية، وحل محلها (كادر وكوادر) الفرنسيتان حين كثر في موظفيها خريجو المدارس الأجنبية.

    4ـ كانت بعض الصحف تحذّر الكتاب من استعمال كلمة (أخصّائي) بدل (اختصاصي في جراحة القلب مثلاً) أو (في الهندسة).. إلخ لأن معناها شنيع رديء فزادت لوحات المكاتب من هذا الغلط، كأن الدعوة كانت إلى استبدال الأدنى بالذي هو خير، ظناً أنهم يتفاصحون... إلخ ما هنالك.
    ***
    ليست كلمتي اليوم في شيء من هذا، بل في زلة سها فيها رواة قدماء فضلاء حين أثبتوا في تآليفهم لكتب النصوص الأدبية المختارة، أخطاء، نقلها خالف عن سالف، صارت هي التي نأخذ تلاميذنا باستظهارها على خطئها، ونُبه بعضهم إلى خطئها فأخذته العزة بالإثم فافتعل تعليلات صناعية لا أساس صحيحاً لها، ولو اعترف بخطئه وبادر إلى التصحيح كان أفضل، اعترافاً بالحق وحماية للغة من الإفساد.
    تلك التي في أكثر طبعات ديوان امرئ القيس، حيث ضَبطتْ مطلعها بالفاء وهو خطأ فاضح:

    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
    بِسقط اللوى بين الدخول فحومل



    وجمهرة المشتغلين بالأدب حتى اليوم يروونها بالفاء خطأً: (بين الدخول فحومل) التي لقنونا [إياها] في الحداثة كما في أكثر النسخ المطبوعة منذ حياة الشيخين الإمام الشنقيطي والزوزني، أول من عُني بطبع شروح المعلقات فيما أعلم. والظاهر أن ما آمن به الاقتصاديون اليوم، أن (البضاعة الرديئة تطرد من الأسواق البضاعة الجيدة) ليس قاصراً على الاقتصاد، بل تسرب إلى ميادين شتى. ومسألتنا اليوم من أشهرها عند أهل اللغة.
    ***
    معروف عن الأصمعي رحمه الله أنه يتحرى في السماع، ولا يعتمد من الروايات إلا ما خلص عنده من الشوائب، ووثق بضبط راويه وعدالته. وهنا نراه مستمسكاً بعلمه وملكته في العربية؛ فقد ابتدأ أولاً بمحفوظه بشأن (بين)، ما طبيعتها اللغوية؟ ما استعمالاتها المختلفة في كلام العرب؟ فلما لم يظفر بشاهد صحيح عنده عن العرب يشبه ما ورد في رواية الفاء لم يقف عندها قط.
    أرجع إلى شروح المعلقات، فأبدأ بشرح المعلقات وأخبار شعرائها للشنقيطي، فقد جاء فيه:
    (... وقولـه "بين الدخول فحومل" على رواية الفاء أنكره الأصمعي، لأنه لا يقال هذا بين زيد فعمرو) وقد صحت الرواية (!) بالفاء وإن كانت رواية الواو أشهر.
    قال ابن السكيت: إن رواية الفاء على حذف مضاف، والتقدير (بين أهل الدخول فحومل)
    وقال خطاب: إنه على اعتبار التعدد حكماً، والتقدير [بين أماكن الدخول فحومل]، وهما موضعان).
    والذين نصروا هذا القول اصطادوا له علة (مفتعلة) لا أساس لها، فزعموا أن (الدخول) مواضع عدّة. ولا بأس بالبدء بنظرة الأصمعي في ردّ رواية الفاء:
    1ـ المعروف المألوف من كلام العرب أن (بين) تفصل بين شيئين أو أشياء متجاورة، وهذه المتعاطفات في هذه الأبيات الثلاثة بالفاء بالترتيب المذكور أسماء لأعلام أماكن معروفة.
    2ـ ومعناها نص على الترتيب المتتابع، والمعطوف بالواو نص على وجود مصحوبها في هذا الموضع فقط.
    3ـ والعطف بالواو نص على وجود مصحوبها في هذا الموضع فقط.
    فظهر أن رواية الفاء لا تصح إلا على تأويل المفرد بالجمع. وأزيد: أنه لا بد ليصح هذا الاحتمال الضعيف أن يكون بيدنا مصور يبين أماكن المواضع التي إلى يمين (سقط اللوى) وأخرى إلى شماله، وهو ما لا سبيل إليه. ولأذكر كلمة الأصمعي بحروفها:
    قال الأصمعي([1]) في كتاب (التصحيف):
    "... تكلم الناس في قوله "بين الدَخول وحومل"، ولا يكون (فحومل) لأنك لا تقول (رأيتك بين زيد فعمرو) وهذا سمعه الزيادي من الأصمعي، فسألت ابن دريد عن الرواية فحكى ما قال الأصمعي ولم يزد عليه، فسألت أبا بكر محمد بن علي بن إسماعيل فقلت: قال الأصمعي: لا يجوز أن يقال: (رأيته بين زيد فعمرو) وكان ينكر (بين الدخول فحومل)، فأملى عليَّ الجواب فقال:
    "إن لكل حرف من حروف العطف معنى، فالواو تجمع بين الشيئين نحو (قام زيد وعمرو) فجائز أن يكون كلاهما قاما في حال واحدة، وأن يكون قام الأول بعد الثاني، وبالعكس. والفاء إنما هي دالة على أن الثاني بعد الأول، ولا مهلة بينهما، فقال الأصمعي ـ وكان ضعيفاً في النحو ـ، غير أنه كان ذا فطنة... انتهى.

    ثم جاء شارح آخر للقصائد العشر (المعلقات) للتبريزي فكان ممن اختار رواية الفاء في مطلع قصيدة امرئ القيس:

    قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل
    بسقط اللوى بين الدَخول فحومل



    ومشى على أذيال من قبله فقال:
    اعتراض الأصمعي على رواية الفاء يمكن أن يجاب عليه بأن (الدَخول) هو عدة مواضع، فسقط([2]) اللوى هو هذه المواضع، وبذلك حُلّ الإشكال!! وقد رُدّ هذا الجواب الذي مر آنفاً ولم يحلّ إشكالاً، ثم جاء شارح آخر فلم يزد شيئاً على أنصار رواية الفاء فعلق على هذا الموضع محاولاً ما حاولوا فقال:
    "مبنى الاعتراض على شيئين: الأول أن (بين) لا يضاف إلا إلى متعدد، وهذا التعدد إما أن يكون بالتثنية، نحو (جلست بين الرجلين) أو بعطف مفرد على مفرد، بحرف يقتضي مصاحبة أولهما لثانيهما أو ثانيهما لأولهما نحو (جلست بين زيد وعمرو).
    الثاني: أن واو العطف قد تقتضي مصاحبة المعطوف للمعطوف عليه وفاء العطف لا تقتضي ذلك.
    الجواب عن هذا الاعتراض التأويل في (الدخول) بجعْلِه ... إلخ فبقي الإشكال حيث هو([3]).
    ***
    ولأذكّر بشيء من مكانة الأصمعي وقيمة حفظه وأمانته عند أهل الحديث خاصة، فقد عرف عنه امتناعه عن تفسير ما يتعلق بهما تورعاً فلذلك ضرورة في مثل بحثنا:
    سأل أبو قلابة الأصمعي عن كلمة (سَقَب) في قول رسول الله "الجارُ أحق بسقب جاره" فقال: "أنا لا أفسر حديث رسول الله" ولكن العرب تقول: (السقب: اللصيق).
    وسئل عن قول النبي e "جاءكم أهل اليمن وهم أبخع نفساً" قال: "يعني أقتل نفساً" ثم أقبل على نفسه كاللائم لها: من أخذني بهذا؟ وما علمي به؟"
    وكان يتقى أن يفسر القرآن على طريق أهل اللغة.
    وأكثر سماعه عن الأعراب وأهل البادية..([4])
    وكان المبردّ يقول: كان الأصمعي أسد الشعر والغريب والمعاني.
    أما المحدثون فقد قال التوّزي: كنا عند الأصمعي وعنده قوم قصدوه من خراسان، وأقاموا على بابه، فقال له قائل منهم: "يا أبا سعيد إن خراسان ترجف بعلم البصرة، وعلمك خاصة، وما رأينا أصحّ من علمك".
    فقال الأصمعي: لا عذر لي إن لم يصح علمي، دع من لقيت من العلماء والفقهاء والرواة والمحدثين، لقيت من الشعراء الفصحاء (فعدّهم...) ثم قال: وأولاد الفصحاء وما عرف هؤلاء غير الصواب، فمن أين لا يصح علمي؟ وهل يعرفون أحداً له مثل هذه الرواية؟" وكان الأصمعي صدوقاً في الحديث. عنده ابن عون وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم، وعنده القراءات عن أبي عمرو ابن العلاء ونافع و و إلخ.
    وسئل عنه أبو داود فقال: "صدوق" بل مذهبه أن من روى حديثاً فيه لحنٌ فقد كذب لأن الرسول لم يكن يلحن".
    ومن قول الشافعي فيه: "ما رأيت في ذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي" وما عبَّر أحد عن العرب بأحسن من قتادة والأصمعي."([5])
    وأخبر أبو أمية الطرسوسي: سمعت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يثنيان على الأصمعي في السنّة ويروون قولته المشهورة: "مَنْ روى لحناً في حديث فقد كذب" وليس بعد هذا التوثق والتشدد احتياط. وزكى الأصمعيَّ من المحدثين خاصة أكابر.
    ولأختم بمجلس قصير كان في حضرة الرشيد بين الكسائي والأصمعي:
    سأل الأصمعي.. إلخ ([6])
    ***
    وبعد، فقد كان هدف هذا البحث الوصول إلى طمأنينة في جزئية ضئيلة:
    هل قال امرؤ القيس في مطلع معلقته (بين الدَخول وحومل) أو (بين الدَخول فحومل) كما يرويه خطأ ناشرو الأخطاء والمتسرعون؟


    * مقال لغوي كتبه الأستاذ سعيد الأفغاني بخطه قبل رحيله عن الدنيا ولم ينشر، وتنشره مجلة " التراث العربي" للمرّة الأولى.

    [1] كذا بخط الأستاذ الأفغاني في مقاله هذا: وهو سهوٌ منه، والصواب "العسكري" وذلك في كتابه "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" والنصّ المنقول منه هو في ص 269 (ط المجمع) وقد رجعنا إليه لتقويم النص الذي اختصره الافغاني اختصاراً شديداً- هيئة التحرير.
    ([2]) شرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي ط دمشق 4/ 21.
    ([3]) أخبار النحويين البصريين ص 59.
    ([4]) مختصر تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 15/210 و206 ط1 دار الفكر بدمشق سنة 1988.
    ([5]) مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر. 15/ 206.
    ([6]) لم يذكر الأستاذ الأفغاني هذا المجلس وكان على نية ذكره


     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    صواب مهجور خير من خطأ مشهور
    د. موفق السراج


    الوقوع في الخطأ اللغوي ليس بدعاً أو جديداً، فما يعرف بـ «الّلحْن» -وهو الخطأ اللغوي- كان أمراً غير خاف على علماء العربية منذ عصر صدر الإسلام وبعده، فنبهوا عليه، واحتاطوا له، وحللوا أسبابه، وذكروا علاجه في مؤلفاتهم... وماوضع قواعد النحو واللغة إلا بسبب شيوع الخطأ على ألسنة العامة ولاسيما الأعاجم الذين دخلوا الإسلام ...

    [COLOR=#0]وقد تجاوز العلماء وضع القواعد والأحكام إلى تصحيح ألفاظ المتكلمين، فرأوا أن مخالطة الخاصة والمثقفين والمتعلمين العامة توثر في لغتهم، وتصيب بعض ألفاظها بالتصحيف والتحريف والخطأ... فبادروا إلى لغة العامة يؤلفون في بيان لحنها، ويصححون ألفاظها... ومن ذلك كتاب «إصلاح المنطق» لابن السكيت، وكتاب «مايلحن فيه العامة» للسجستاني ...الخ. هذه الأمور التي ذكرت معروفة لدى المهتمين بلغتنا الجميلة... وليست هي المرادة من هذه الزاوية اللغوية... ولكن المراد- وأراه لبّ المشكلة - ماتلوكه الألسنة- قاصدة أو غير قاصدة- من أقوال لاندري أول المتكلمين بها، وهي تحمل في حروفها السم الزعاف لما لها من أثر سيء في حياة المجتمع، والأمة. ومن هذه الأقوال قولهم «خطأ شائع مشهور خير من صواب مهجور» وإنني أقول لهؤلاء: الأفضل أن نقول «صواب مهجور خير من خطأ مشهور» وهذا هو قول الغيورين على سلامة لغتنا العربية الجميلة التي نعتز بها أيما اعتزاز، فهي هويتنا، وفكرنا ، وتراثنا، وانتماؤنا لأمة واحدة جزّأها الاستعمار في العصر الحديث. وسوف أذكر الخطأ الشائع، ثم أردفه بصوابه، ومن ذلك قولهم:[/COLOR]
    [COLOR=#0] - معي ضغط في الدم ... والصواب: معي زيادة في ضغط الدم، لأن الضغط موجود، ومن دونه يموت الإنسان. [/COLOR]
    [COLOR=#0]- هذا الأمر مُناط بفلان.. والصواب: هذا الأمر منوط بفلان أي معلق به، أو له صلة به، لأن الفعل هو ناطه به أي وصله، وليس أناط به. [/COLOR]
    [COLOR=#0]- صار خالد عالة على أبيه ... والصواب: صار عائلاً على أبيه، ومعنى عائل أنه يعيش على كسب أبيه، والعالة جمع عائل وهم الفقراء، قال الشاعر: ومايدري الفقير متى غناه [/COLOR]
    [COLOR=#0]ومايدري الغني متى يعيل [/COLOR]
    [COLOR=#0]- فلان لا أخلاق له ... والصواب: فلان سيء الأخلاق، لأن الخُلُق قد يكون حسناً أو قبيحاً. [/COLOR]
    [COLOR=#0]- لازال أخي مريضاً .. والصواب: مازال أخي مريضاً ، لأن هذا الفعل دال على الاستمرار في الزمن الماضي، وينفى بـ «ما» وليس بـ «لا». [/COLOR]
    [COLOR=#0]- شاهدت المرأة سافرة أو سافرة الوجه ... والصواب: شاهدتها سافراً أو سافر الوجه، لأن هذا الوصف خاص بالمؤنث، يقال: سفرت المرأة سفوراً إذا كشفت وجهها فهي سافر وهن سوافر، [/COLOR]
    [COLOR=#0]- يزورنا صديقي في كل آونة... والصواب: يزورنا في كل أوان، لأن آونة جمع أوان مثل زمان وأزمنة. [/COLOR]
    [COLOR=#0]- رأيتُ عَمراً.. حدّثتُ عَمْرواً .. والصواب: رأيت عُمَرَ لأنه علم ممنوع من الصرف لاينوَّن... وحدّثت عَمْراً ... تحذف واو «عَمْرو» في حالة النصب، لأن التنوين علامة تميزه عن «عُمَر» الذي لايقبل التنوين.‏
    [/COLOR]
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. موفق السراج
    قطوف لغوية
    صواب مهجور خير من خطأ مشهور



    في سرد الأخطاء الشائعة، وذكر صواب كل منها، فوائد ودلائل عديدة، ومن تلك الفوائد النص على الخطأ وصوابه لتبقى لغتنا العربية العظيمة بمنأى عن التغريب، والغزو الثقافي الذي يهدد وجودنا من كل ناحية،. ومن دلائل ذلك أيضاً الحرص الشديد ، والغيرة المستميتة على نقاء لغة هي عنوان قوميتنا العربية، وأقوى رابط يجمع شتات أمة واحدة رسم حدودها المستعمرون الغزاة في العصر الحديث.
    [COLOR=#0]
    وكنت ذكرت في الزوايا السابقة أن علماء العربية حاربوا اللَّحْنَ ( الخطأ) الذي تفشّى على بعض الألسنة، فنصُّوا على صوابه، ودوَّنوا قواعد العربية لضبط هذا الأمر. ومما روي في ذلك قول العسكري ( وجَّهَ إلينا عيسى بن موسى ليلاً فصِرْنا إليه، والجند سِمَاطان، وقد امتلأنا رعباً منه فقال: مادعوتكم إلا لخيراً، فزالت هيبته من قلوبنا لقبح لحْنه ) ( الخطأ في هذا النص هو نصب ( خيراً وصوابها الجر ) ويروى كذلك أن والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي - وكان من فصحاء العرب - دخل أحد المساجد ليصلي فإذا به يسمع أحد المصلين يجر كلمة رسوله ( الثانية ) من قوله تعالى ( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولُه.. ) فهاله - أفزعه - الأمر فاستدعى أحد علماء العربية هو الليث بن عاصم وقال له إن الخطب قد استفحل - عظمت المصيبة - علينا .. فما كان من هذا العالم إلا أن ابتدع علامات الإعراب ، ولم تكن موجودة من قبل. وأعود - والعود أحمد لأذكر بعض الأخطاء المتداولة بيننا، ثم أثني بصواب كل منها ، ومن ذلك:

    - تخرّج من معهد كذا .. والصواب: تخرّج في معهد كذا، لأن تخرّج معناه تعلّم وتدرّب، وهو خرّيج ومتخرّج، أما الذي يتعلم في معهد، ويفوز بشهادته فنقول: إنه تخرّج في معهد كذا، وفاز بشهادته.

    - دار في خُلدي .. والصواب : دار في خَلَدي ، بمعنى بالي ونفسي، لأن الخُلد اسم حيوان معروف.

    - هيَّأت الدولة إنتاج ونقل وتوزيع المعدّات الزراعية .. والصواب: - هيَّأت إنتاج المعدّات الزراعية ، ونقلها ، وتوزيعها ، والسبب : إذا أريد العطف على المضاف فلا يعطف إلا بعد استكمال المضاف إليه في الغالب.

    - ركبت على الفرس ، وركبت على البعير.. والصواب : ركبت الفرسَ، وركبت البعيرَ. وذلك أن الفعل ( رَكِبَ ) يحتاج إلى حرف جر إذا دخل على ما
    لا يُرْكَبُ كقولنا : ركبت إلى أخيك ، وإذا كان مما يُرْكَب لم يحتج إلى حرف جر فنقول : ركبت الفرسَ، وركبت البعيرََ.

    - فلان لايملك ديناراً فضلاً عن درهم .. والصواب : فلان لايملك درهماً فضلاً عن دينار ، لأن كلمة (فضلاً ) يكون ماقبلها أدنى أو أقل شأناً مما بعدها. وتقع كذلك بين كلامين متغايري المعنى، وأكثر استعمالها بعد نفي، ومثل ذلك : فلان لايملك بيتاً فضلاً عن قصر ، ويراد من هذا الكلام أنه لايملك بيتاً ولا قصراً.‏‏‏

    [/COLOR]
     
  11. لكن الطريف أن بعض علمائنا يرون أن استعمال المتكلم المفرد لضمير الجماعة إنما يشعر بالتواضع خلافا للمعهود من أن يكون لتعظيم النفس، وأن إفراد الضمير فيه تأكيد للذات وتعظيم للنفس، عندما يقول القائل: أنا أرى كذا، وأنا أفعل كذا.

    ويرون أن هذا هو ما جرت عليه أساليبنا العصرية، فعندما نقول مثلا: تجيء عندنا ونزورك، تكون مقبولة أكثر من قولك: تجيء عندي وأزورك. كأنهم يستشعرون أن المتكلم لما استعان بغيره أصبح بريئا من الأثرة والأنانية، وأن استعمال المتكلم لضمير الجمع بدلا من ضمير المفرد يدل على إظهار التعاطف مع المخاطب تخفيفا لقسوة التكلم عن النفس، فعندما يتكلم المتكلم في مجال الخطابة أو الحديث إلى الجماهير ويقول: نحن نرى كذا.. فإنه لا يتواضع فقط، بل هو يشرك معه سامعيه في الرأي بدلا من فرضه عليهم.

    هذا الأسلوب البلاغي العصري من أساليب لغتنا العربية مبني على قاعدة نفسية معروفة، هي أن المتكلم يبذل كل جهده لجذب المستمع إلى جانبه، بإشراكه معه في الحكم بدلا من فرضه عليه، فأنت تشرك المستمع معك في الموضوع عندما تقول له: نحن نرى كذا ونحب كذا ونوافق على كذا، وتجانب التواضع عندما تقول: أنا أرى كذا وأحب كذا وأوافق على كذا.
    ***
    ما أروعك أستاذ نقوس ..
    كانت قد أرقتني هذه الفكرة أعلاه من ذي قبل وهاقد ألقيت حضرتك الضوء عليها ،شاكرة لك أستاذنا العزيز هذه المقتطفات العطرة من سحر البيان وروعة اللغة العربية
    دمت بخير وسلام أستاذ نقوس

    عبير
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    [QUOTE]

    عبير عبد الواحد
    ***


    ما أروعك أستاذ نقوس ..
    كانت قد أرقتني هذه الفكرة أعلاه من ذي قبل وهاقد ألقيت حضرتك الضوء عليها ،شاكرة لك أستاذنا العزيز هذه المقتطفات العطرة من سحر البيان وروعة اللغة العربية
    دمت بخير وسلام أستاذ نقوس

    عبير
    [/QUOTE]


    تحية المودة والاخاء استاذتي عبير وشكرا لك على تواجدك بهذا المتصفح.. واستسمح في التاخر بالرد وهي عادة مرتبطة بعدم العثور على ادراج جديد في مستوى التطلعات ..

    وتقبلي فائق تقديري الاخوي
     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. ماهر مهدي هلال
    شجاعة اللغة العربية
    عن الصيغ البلاغية في بنية النص
    وقدراتها الظاهرة والمضمرة
    [​IMG]




    يقول قدامة بن جعفر: “لأن بنية الشعر، إنما هي التسجيع والتقفية، فكلما كان الشعر أكثر اشتمالا عليه كان أدخل في باب الشعر وأخرج له عن مذهب النثر” (نقد الشعر/ 90).

    ويقول الرماني: “والتضمين على وجهين: تضمين توجبه البنية، وتضمين يوجبه معنى العبارة من حيث لا يصح إلا به.. فاما الذي توجبه نفس البنية، فالصفة بمعلوم يوجب أنه لابد من عالم” (النكت في القرآن/ 103).

    ويروي ابن خلدون: إن صناعة الشعر تنظر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة، فحدّه: “الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل باجزاء متفقة في الوزن والروي”... (الحاوي على أساليب العرب المخصوصة/ المقدمة/ 1305).

    ونقرأ قول الدكتور صلاح فضل: إن كلمة بنية لم ترد في النصوص القديمة. ويردد القول نفسه مصطفى السعدني. ويعرّف البنية بالقول:
    “وربما كان تعريف البنية عموما بأنها كل مكون من ظواهر متماسكة يتوقف كل منها على ما عداه، ولا يمكنه أن يكون ما هو إلا بفضل علاقته بما عداه” (نظرية البنائية/ 75)

    وينسب مصطفى السعدني هذا التعريف إلى لالاند في معجمه (المدخل اللغوي في نقد الشعر/ 12).

    يستفاد من مجمل الأقوال في البنية: أنها مجموعة منتظمة من الوحدات أو العلامات المنطوقة التي تتفاعل ويحدد بعضها بعضا على سبيل التبادل... في كل يكوّن النص، وعليه فإن وصف النص من منظور البنية يتطلب معرفة وتجديد في أساليب البلاغة، لان متغيرات البنية لإقامة أنظمتها الخاصة تقتضي تغير الأسلوب البلاغي... وستظل الحاجة دائما الى شيء من ذلك.

    فالنص جنس بلاغي تتحقق جنسيته في أبنيته اللغوية الخاصة ودلالتها المجازية (لأن كل ما يصير نصا هو بلاغي، والبلاغة نفسها نص) والنص بتعبير آخر مركب لغوي دال يوسع قدرة اللغة على احتواء المعاني (الحادثة في فكر الانسان) بتراكيب المجاز المختلفة وضروب الاتساع والعدول باللفظ عن ظاهرة الوضعي إلى مؤدى استدلاله العقلي بالنقل من صيغة إلى صيغة، حيث يتفاعل النقل بالعقل ليدل الظاهر على الباطن دلالة وعي وإفهام فيصبح بذلك قول الجاحظ: “لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه الى سمعك اسبق من معناه الى قلبك” موافقا في مؤداه الفني مع الشعرية والأدبية في تماهي الكلام وصيرورته بليغا في ذاته ويطلق الأسلوبيين اليوم على هذه الظاهرة الانتظام النوعي في صلب أجزاء الأثر مما يطبعه الأئتلاف بين هياكل الدوال وهياكل المدلولات.


    البلاغة وعلم النص

    ولما كانت النصوص أشكالا خاصة لاستعمال اللغة فإن “علم النص” يدرس تواشيح الملفوظات اللغوية، والأشكال والبنى المختصة بها؛ التي لا يمكن وصفها بواسطة القواعد اللغوية، من هذه الزاوية يقترب علم النص من علم البلاغة، بحيث يمكن الادعاء بأنه ممثل حديث له، وعلى هذا تؤسس نظرية النص منطلقاتها العلمية على (بنى النص البلاغية) وترتكز هذه البنى على المفهوم الاصطلاحي للبلاغة الذي يحقق “بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدا له اختصاص بتوفيه خواص التراكيب حقها، وإيراد التشبيه والمجاز والكناية على وجهها”، وتتواشج علمية النص والبلاغة برؤية منهجية واضحة لوصف البنية البلاغية في مستوييها التركيبي، الذي خصه السكاكي بمسمى (علم المعاني) والدلالي الذي وسمه بميسم (البيان) ولذلك فإن تأليف الكلام البلاغي يقتضي “مطابقة الكلام لمقتضى الحال” و”مراعاة المقام”، ومقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير يباين مقام التعريف ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام الوصل يباين مقام الفصل، ومقام الايجاز يباين مقام الاطناب، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام. وعليه فإن “بنى النص البلاغية” هي ذات طبيعة وظيفية وتولّد موقفا اتصاليا للإقناع فضلا عن ذلك تنطوي على مضامين إدراكية خاصة توجه انتباه القارئ وتحدد بالتالي (الفهم المعرفي للنص). وهذه المعارف التي تحتويها علوم البلاغة التقريرية يمكن أن تعطي إيضاحات هامة للأدب؛ عن ظروف نشأة النصوص الأدبية، كما أنها تسهل له تحديد علاقة النص الأدبي بالتراث... تلك المعارف التي لها اثر جديد في كل نص. وهذه الاثار مجتمعة تعطي طابع الموضوعية لوصف النصوص باجراءات تجريبية تربطها بخصوصيتها البنائية ومعرفة المؤثرات التي تحكمت في الاختيار الذي تبناه النص. بإقرار الدراسات الأسلوبية، (إن انتاج النص يقوم على اختيار العناصر اللغوية)، وبذلك تتجاوز نظرية النص البلاغية أطار علم اللغة بما ينسجم والتصور الأسلوبي لوصف بنية النص، باعتماد الجانب الإبداعي للغة لا القاعدي والقياسي، فتعطي بذلك طابع الموضوعية في التقويم وربط الخصوصيات البنائية ومعرفة المؤثرات السلوكية التي تحكمت في الاختيار الذي تبناه النص. وهذا يقتضي وعيا معرفيا بالأحكام والمقدمات الخاصة التي تكوّن المقومات البنائية على وفق معايير الصواب القاعدي، او ما يصطلح عليه بالبنية المثالية للكلام، ولذلك تعتمد الاراء الجديدة تحديد مفهوم النص بالنظر الى مكوناته وما تتضمنه عمليا من علاقات سياقية تنهي قصديّة الأديب إلى فهم المتلقي وعليه وُسِم النص البلاغي في بواكير التصور التاريخي بأنه (إحاطة القول بالمعنى واختيار الكلام وحسن النظم) والإحاطة تقتضي “الوعي المعرفي بالاختيار والنظم” ولعل أوضح دليل على ذلك جدلية النقاد والبلاغين في وصف الأبيات المعروفة التي أوردها “ابن قتيبة” في توصيفه أضرب الشعر بين حدّي الجودة والرداءة قال: وضرب من الشعر، حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى؛ كقول القائل:
    ولما قضينا من منى كل حاجة
    ومسح بالأركان من هو ماسح
    وشدت على حدب المهاري رحالنا
    ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
    أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
    وسالت بأعناق المطي الأباطح

    فـ”ابن قتيبة” يرى أنها حسنة الاختيار في مخارجها ومطالعها ومقاطعها ولكن معانيها غير فعّالة في دلالتها. ويرى “ابن طباطبا العلوي” أن هذا الشعر استشعار قائله لفرحه بأداء المناسك وقفوله إلى أهله وحاجته الذاتية لوصف سروره بذلك؛ قال وكأنه يرد على “ابن قتيبة” فهو معنى مستوف مراد الشاعر ونبه إلى جمالية الوصف في قول الشاعر “وسالت بأعناق المطي الأباطح” كما تسيل بالمياه. وشخّص “القاضي الجرجاني” قول الشاعر هذا بأنه من الاستعارات الحسنة في اختيار اللفظ وإحكام الصنعة (البنية) قال: “إذا جاءتك الاستعارة على هذه الشاكلة فقد جاءك الحسن والإحسان وقد أصبت إحكام الصنعة وعذوبة اللفظ”، ووافقه “ابن جنّي” على ذلك بقوله: “ليكون ذلك أوقع لها في السمع، وأذهب بها في الدلالة على القصد” فجمع فاعلية البنية البلاغية، في طرفي الاتصال؛ السمع/ الدلالة/ لاستجابة المتلقي، ولعل “ابن جنّي” كان أدل على بنية الأبيات البلاغية، ومهد “لعبد القاهر” وصف الأنساق الإبداعية الدالة على المعنى؛ قال إن قول الشاعر: (كل حاجة) تعبير يفيد منه أهل النسيب والرقة وذوو الأهواء والمتعة ولا يشاركهم فيه من ليس منهم؛ ألا ترى أن من حوائج “منى” أشياء كثيرة... منها التلاقي، ومنها التشاكي إلى غير ذلك مما هو تال له، ومعقود الكون به. ويرى عجبا في قوله “أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا” وهو معنى يكبره أهل النسيب، لأن فيه وحيا خفيا، ورمزا حلوا، ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون؛ من التعريض، والتلويح، والإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأدمث وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفا، ومصارحة وجهرا. ومن ثم يوافق هذا القول هوى “عبد القاهر” ويأخذ القول من “أطرافه” الذي يدل به على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر والتصرف في فنون القول، وشجون الحديث. وقال: “ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة طبق فيها مفصل التشبيه، وأفاد كثيرا من الفوائد بلطف الوحي والتنبيه؛ إذ جعل سلاسة سير الرواحل وسرعتها كالماء تسيل به الأباطح وقال (بأعناق المطي) ولم يقل بالمطي؛ لأن السرعة والبطء يظهران غالبا في أعناقها، أي أن بنية الأبيات البلاغية مثال لنصرة بعض المعاني الحكيمة والتشبيهية بعضا، “وأن سحر الشعر في تكامل أطرافه واستوائها”.


    أسلبة النص البلاغي

    وتحقق دراسة البنية النصيّة فيما هو أدبي وبلاغي وتحاول ان تجد حدا موضوعيا لنشأة اللسانيات في هذا الميدان ولكن الأسس العلمية لا تلبث ان تلتقي في مناهجها الموضوعية على دراسة مستويات بناء النص، الصوتية والتركيبية والدلالية وتشكل هذه المستويات طبيعة العمل الفني الذي هو موضوع المعرفة، ذاتي التكوين ولذلك يرى رفاتير/ إن النص الادبي صرح مكتمل البناء وهو متفرد دائما ولذلك فإن اختراق هذا الصرح يتم بتتبع سمة الفردية، وهذه السمة هي التي تسمى أسلوبا (وان الأسلوب في الواقع هو النص عينه) وبهذا الاتجاه تكون السمة البلاغية أسلوبية، تتحقق في طبيعة العلاقة الدلالية التي يشكلها النص، فتكون مكمنا يفسره لازم من لوازم اللفظ المختار او مؤدياته السياقية على محور الاختيار/ التوزيع، لان المقصد البلاغي يحقق جنسيته بالتركيب، وانتاجيته الدلالية، فطبيعة البنية في الجناس مثلا تخلق حيزا من الوعي بحيث تفارق الالفاظ معانيها الوضعية الى معان اخرى يكتسبها اللفظ ذاته من متغير البنية التي انتظم فيها كقول الشاعر:
    يا صاح إن أخاك الصب مهموم
    فارفق به إن لوم العاشق اللوم

    فجانس بين لوم/ اللوم، باتفاق اللفظ واختلاف المعنى؛ وكقول زهير:
    كأن عيني وقد سال السليل بهم
    عشية ما هم لو أنهم أمم

    فجانس بين “السليل” اسم واد و”سال” بمعنى جرى؛ فزهير يعرف أن أحبابه إذا ارتحلوا سلكوا هذا الوادي فجعله سببا لبكاه وجريان دمعه، فجاء الجناس تعبيرا طبيعيا عن المعنى بين الحدث وردة الفعل أسلمه إلى التجنيس بتناغم تلقائي بين سال/ السليل. ولعل من أبدع البنيات الأسلوبية التي جرت هذا المجرى قول أبي العلاء في قصيدة حفلت بأنواع الجناس:
    لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا
    ونحن في حفر الأجداث أحيانا
    تقول أنت امرؤ جاف مغالطة
    فقلت لا هومت أجفان أجفانا
    لم يبق غيرك إنسان يلاذ به
    فلا برحت لعين الدهر إنسانا

    فانظر فنية الصوغ البلاغي وتحولات المعنى في تجانس أحيانا/ أحيانا وتفقد الوعي الفني الذي ولّد نسقا جانس فيه جاف/ أجفان/ أجفانا لفظا وغاير المعنى؛ حتى ولأن الأجفان حاضنة “إنسان العين” التي بها مصارع العشاق استدل بها إلى الإنسان ذاته؛ فجانس “إنسان الذات” وإنسان العين فولّد بالمجانسة معادلا موضوعيا دالا على تحول المعنى العام للإنسان إلى خصوصية إنسان العين الذي يدرك العشاق معناه؛ وكأنه بذلك يتمثل قول جرير:
    إن العيون التي في طرفها حور
    قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
    يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
    وهنّ أضعف خلق الله إنسانا

    وانظر بعدها حالك إن كنت ممن تأخذ النظرات لبه وكيف ولّد بتكرار”نون العيون” و”حاء” حور تناغما رومانسيا جعل القتل من أخص معانيه وبُعد مراميه؛ في إيقاع يأخذ الألباب ويسبب الأسباب؛ ولعل من فروض القول وسننه الاستدلال بعد ذلك بقول “عبد القاهر الجرجاني” في أسرار البلاغة “لا تجد تجنيسا مقبولا ولا سجعا حسنا حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا ومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه وأحقه بالحسن وأولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه، أو ما هو بهذه المنزلة وفي هذه الصورة” ويعني بذلك أن بنية الجناس بنية إبداعية عفوية تعتمد تلقائية الإلهام في صوغها البلاغي؛ ومثّل لها بقول “الشافعي” عندما سئل عن النبيذ فقال على السجية: “أجمع أهل الحرمين على تحريمه” فجانس بين القائلين بالحكم وقولهم، في جواب أحكم فيه المعنى وزينه. وكقول البحتري:
    يعشى عن المجد الغبي ولن ترى
    في سؤدد أرَبا لغير أريب

    فجانس بين الأريب وسؤدد الأرب لأن للأريب بصيرة، وللغبي العشو، وكقوله في أروع صورة لضعف أهل الهوى:
    وهوى هوى بدموعه فتبادرت
    نسقا يطأن تجلدا مغلوبا

    فجانس بين الهوى والهوى بدموعه فجعل الدمع دلالة الوقوع والضعف وهو معنى الهوى الثانية. وكقول أبي تمام:
    وأنجدتم من بعد إتهام داركم
    فيا دمع أنجدني على ساكني نجد

    وهو من أبلغ صيغ الجناس ويسمى “الجناس الاشتقاقي” ويعتمد على سعة معجم الشاعر وقدرته تحويل المعنى باشتقاقه من أصل المفردة اللغوية؛ فجانس بين: أنجدتم/ أنجدني/ نجد مستغيثا بالدمع، على من أحب على عكس البحتري الذي جعل مبادرة الدمع غلبة للتجلد والصبر. ولا أدري لعل سجال الدمع والتجلد يحسمه “عباس بن الأحنف” الشاعر الذي كانت تلهج بذكره أستاذتنا المرحومة الشاعرة عاتكة الخزرجي قال:
    يا أيها الرجل المعذب قلبه
    اقصر فإن شفاءك الإقصار
    نزف البكاء دموع عينك فاستعر
    عينا لغيرك دمعها مدرار
    من ذا يعيرك عينه تبكي بها
    أرأيت عينا للبكاء تعار

    فنداء أبي تمام للدمع/ فيا دمع أنجدني/ نداء استغاثة، أبقت النص مفتوحا بين احتمالين. وأما نداء ابن الأحنف/ يا أيها الرجل/ نداء تنبيه مخصص؛ أعقبه بفعل طلبي/ اقصر/ وجانسه بالاسم/ الإقصار/ والفعل الطلبي “حدّه عند البلاغيين: أمر يقتضي التنفيذ حال النطق به” أي يقيّد النص بالتنفيذ الذي يفضي إلى النتيجة التي تتم المعنى/ الشفاء من العذاب، وبعد أن أغلق النص على المعنى المطلوب/ الإقصار/ وهو اسم والاسم يفيد الثبوت؛ تحوّل إلى الماضي/ نزف/ الذي يفيد الثبوت في حدوثه من/ عينك/ ليجانسها مع/ عين/ الآخر الذي لم يبك، على أن حذق الشاعر في إحكام بنيات النص واشج بين الجناس والطباق، فنادى الرجل المعذب وهو الشاعر ذاته وجانس: اقصر/ الإقصار، شفاء، فولّد بهذا الصوغ الفني طباقا بين: المعذب/ الشفاء. ومن ثم بين: نزف/ مدرار، ومن ثم صعّد من أزمته وعبّر بطباق المقابلة بين: يعيرك عينه/ العين لا تعار؛ عن يأسه وقنوطه، وعززه بالاستفهام الذي أفاد التحسر لوقوعه في الجواب المستحيل؛ كيف لا يكون ذلك وحال ابن الأحنف كما يقول:
    هي الشمس مسكنها في السماء
    فعزي الفؤاد عزاء جميلا
    فلا تستطيع الصعود إليها
    ولا هي تستطيع إليك النزولا

    وهل غير البنى البلاغية أحكمت الصورة وولدت معنى “الحب المستحيل” وعومت أمل الشاعر في فضاء البنية أو “الفجوة” على ما اصطلح عليه كمال أبو ديب في شعريته؛ بين: السماء/ الأرض ومتأرجحا بين: الصعود/ النزول ولازمة نفي الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال “فلا تستطيع أنت/ ولا هي تستطيع/ لا الآن ولا في المستقبل. ولا عزاء لعشاق الشمس يا “ابن الأحنف” إن هذه المواجهة بين المتناقضات لا توحدّه إلا بنية الشعر البلاغية أو ما يسميه “جون كوين” منطق التوحد الذي يحكم الوعي الذي “يجده الليل في أحلامه، وتجده القصيدة في كلماتها” لأن بنية الظاهرة اللغوية، جزءا من بنية الكون وعليه فإن الصلة وثيقة بين الكلمات والأشياء، والشاعرية تنتمي إلى الكون انتماءها إلى النص تنقلنا من الأوراق إلى الحياة. وليس جزافا اسكن “ابن الأحنف” حبيبته “فوز” مسكن الشمس، فهي جارية الخليفة، وهو من ساكني “الأرض” وعمر ساكن الأرض لن يطال “الشمس” حتى لو أشرقت من مغربها. وبتحول البنية من التجانس اللفظي إلى سلبه في بنية الطباق؛ تقاوم الألفاظ مفارقة معانيها حتى تتكافأ دلاليا مع ما يقابلها في البنية اللغوية. ولذلك تكون البنية البلاغية صنعة في سياقاتها التعبيرية. وهو تصور له ما يعززه في الدراسات البلاغية، وعلى هذا اصطلح عليها حازم القرطاجني ـ الصنعة البلاغية ـ قال: “يكون النظر في “صنعة البلاغة” من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه، ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في انفسها ومن جهة مواقعها في النفوس من جهة هيئاتها ودلالتها على ما خارج الذهن ومن جهة ما تكون عليه في انفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها” كقوله تعالى في أوضح صيغة من صيغ طباق السلب: (هل يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون) فقيد التحول بالنفي ليولّد معنى متناقضا ليعلمون/ يجهلون ولو صرح بـ”الجهل” لذهبت بلاغة البنية ورونقها. ولعل من أجمل صيغ الطباق المولّد للمعنى المغاير لبنية الطباق التقليدي؛ قول أبي فراس الحمداني:
    علي لربع العامرية وقفة
    يُمل عليّ الشوق والدمع كاتب
    ومن مذهبي حب الديار لأهلها
    وللناس فيما يعشقون مذاهب

    فجعل مكافئ الشوق/ البكاء، وجعل معادل حبه الديار/ ما يعشق الناس طرا في أبلغ صيغ الطباق الذي لم يأخذ حقه في الدراسات التقليدية “التعليمية” والتي بنت تصورها على فهم الطباق: “أنه يعني الشيء ونقيضه” وهو مفهوم عقيم قياسا إلى فهم “قدامة بن جعفر” لبنية الطباق التي تعني توليد تكافؤ بين معنيين وهو أقرب إلى الفهم اللساني والمعادل الموضوعي عند “رولان بارت”، ومن الأمثلة الدالة على ذلك قول “ابن خفاجة”:
    فطال وقوفي بين وجد وزفرة
    أنادي رسوما لا تحير جوابا
    وأمحو جميل الصبر، طورا بعبرة
    أخط بها، في صفحتي كتابا

    ولّد الشاعر نسقا بلاغيا كثّف فيه علاقات البنية بتكافؤ معنيين: استحضار الوقوف على الطلل، وعمّق دلالته بالطول/ الوجد/ وزفرة/ أنادي رسوما/ هذا الحشد المأزوم كافأه بمعنى يقطع نداءه ويديم أزمته بالصمت/ لا تحير جوابا/ وفي البيت الثاني، دلالة معادلة للصمت؛ وهي نفاذ الصبر وتصريفه بعبرة معالمها على صفحتي خديه كالخط في صفحتي الكتاب. يقول شارح الديوان (أخط كتابا) كناية عن أن الدموع فيها الكثير من العبر، أو لنقل إن الرسوم طبعت إجابتها على صفحتي وجهه يعني أنه طابق بين: الصمت/ العبرة/ الخط المعادل للكلام؛ على أني أرى أن الشاعر جعل صمت الرسوم معادلا لمحو الخط وإعادته بعبرة، وهي دلالة على الغياب والحضور الذي يمثله المشهد الطللي عند الشعراء عامة.

    من هنا تترابط الرؤية البنائية للنص بين التصور الذهني والمتغيرات الأسلوبية، وإن ما يسمى بـ(بنى النص البلاغية) يرتبط ارتباطا وثيقا بالبنية الأسلوبية التي اصطلح عليها باسم “صور أسلوبية” وهذه البنى مجتمعة تشكل طبيعة النص وهي تظهر على جميع المستويات النصية الصوتية والتركيبية التي تفضي إلى المدلول، الذي يشكل تلك الصور كمتغيرات أسلوبية، ومن الواضح فإن العلاقات اللغوية هي الرابط العضوي الذي يمنح النص سمته البلاغية ومزيته كما يقول عبد القاهر إذ “لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلّق بعضها ببعض، وتجعل هذه بسبب من تلك” وتحصيل هذه المزيّة بأن تحسن الاسناد والتعلق بين الكلم فتعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا. أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الاخر أو تُتْبع الاسم اسما على أن يكون الثاني صفة للأول. أو تاكيدا له أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام الكلام على أن يكون صفة أو حالا أو تمييزا أو تتوخى في كلام هو لاثبات معنى، أن يصير نفيا أو استفهاما أو تمنيا فتُدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، وأن تجعل فعلين أحدهما شرطا في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الاسماء التي ضُمِّنت معنى ذلك الحرف وعلى هذا القياس... (لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلا بأن يُصنع بها هذا الصنيع).

    ولا يني عبد القاهر في متابعته الخطوط الموضوعية لتشكيل التركيب وخصوصيته البلاغية فيعمد إلى بيان كيفية هذا التشكل الذي يعطي النص مزيته العلمية التي قررها في النظم الذي هو توخي معاني النحو بين الكلم، وذلك بأن ينظر الناظم في وجوه كل باب وفروقه فينظر في الخبر والوجوه التي تراها في قولك “زيد منطلق” و”زيد ينطلق” و”ينطلق زيد” و”منطلق زيد” و”زيد المنطلق” و”المنطلق زيد” و”زيد هو المنطلق” و”زيد هو منطلق” وفي الشرط والجزاء في قولك: “إن تخرج أخرج” و”إن خرجت خرجتُ” و”إن تخرج فأنا خارج” و”أنا خارج إن خرجت” و”أنا إن خرجت خارج”. وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: “جاءني زيد مسرعا” و”جاءني يسرع” و”جاءني وهو مُسرع” أو “وهو يُسرعُ” و”جاءني قد أسرع”، وينظر في الحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصيته في ذلك المعنى نحو إن يجيء بـ”ما” في نفي الحال وبـ”لا” إذا أراد نفي الاستقبال وبـ”إن” فيما يترجح بين أن يكون وأن لا يكون، وينظر في الجمل التي تُسْرَد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ويتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار والإضمار والإظهار فيصيب بكل من ذلك مكانه ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له.


    أسلوبية العدول البلاغي

    ويمكن أن يستدل الباحث من قول عبد القاهر إلى ما اصطلح عليه في الدراسة الأسلوبية بـ(العدول) الذي يمثل الطاقة الإيحائية للغة في وضعها السياقي الذي يمثله النص البلاغي. ومثّل لذلك على ما يحدثه التقديم والتأخير من سبك لبنية النص وتوليد الصورة البلاغية، بقول الشاعر:
    سالت عليه شعاب الحي حين دعا
    أنصاره بوجوه كالدنانير

    فاستعارة السيول من كل الشعاب، لإقبال الناس على الممدوح، حقق جماليتها وحسنها ولطفها، وغرابتها، وضع الكلام بما قدم وأخر على وفق مقتضيات النظم البلاغي الذي هو “توخي معاني النحو بين الكلم” قال: وإن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف فأزل كلا عن مكانه الذي وضعه الشاعر فقل: سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير حين دعا أنصاره. ثم انظر كيف يذهب الحسن والحلاوة، وكيف تعدم أريحيتك التي كانت، وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها ومن هذا الفن موضع يدقّ الكلام فيه، قول سوار بن المضرب:
    بعرض تنوفة للريح فيها
    نسيم لا يروع الترب وان

    “تنوفة” اسم مكان/ قال “وهو لطيف جدا” وإنما لطفه بما قدم وأخر، فقد أخر فيها عن تنوفة، وقدم للريح وأخر وان وهي صفة للنسيم وقدم “لا يروع الترب” وإن شككت فقل: بعرض تنوفة فيها للريح نسيم وان لا يروع الترب؛ لتتبين الفرق بين بنية النص في الحالتين.

    ولعل من أدق صيغ “العدول” البلاغي صيغة “الالتفات” وعدّه “ابن الأثير” خلاصة علم البيان؛ ووسموه بـ “شجاعة العربية” لمخالفته أنساق العربية المألوفة، ومثّلوا له بقول امرئ القيس:
    تطاول ليلك بالأثمد
    ونام الخليُّ ولم ترقد
    وبات وباتت له ليلة
    كليلة ذي العائر الأرمد
    وذلك من نبأ جاءني
    وخُبرته عن أبي الأسود

    فظاهر الحديث يقتضي أن يكون بلسان المتكلم، ولكنه حوله بلسان الآخر لهول النبأ الفاجع الذي جاءه، فجرد ذاته والتفت يتفجع بما يعرفه من مراعاة مقتضى الحال من الآخرين تسرية عن نفسه، وعلى الغم من قدرة الشاعر على ترسيخ قناعته بتصريف أرقه وقلقه بليل الآخر/ ليلك/ لم ترقد/ ودلالة التفاته الأول أن النبأ حيّر عقله وأطار لبه فحوّل الخطاب، ويبدو في البيت الثاني أنه أدرك بعض الإدراك لما جرى له ولكن وعيه ما زال منصرفا لتغييب الحدث، فبنى الكلام على الأول: بات/ باتت له/ ولكن التصريف لم ينفع، فتراجعت قدرته على تغييب ذاته فجعلها طرفا في التشبيه/ ليلة الآخر/ ليلة العائر الأرمد/ هو حتى انصرف عن التشبيه إلى التصريح بالخطاب المباشر/ من نبأ جاءني/ ليوازن الصيغة ويظهر في الصورة. ويعلل الزمخشري أسلوبية العدول البلاغي بأنها “إيقاظ للسامع وتطرية له بنقله من خطاب إلى خطاب” يضعه في أفق الانتظار. ولا شك ان آلية الدلالة العدلية التي قدمها البلاغيون قد سارت في اتجاه بلورة مفهوم إبداعي لا يقيم اعتبارا حقيقيا للأصل المثالي إلا بوصفه وسيلة لقياس (العدول) كما وكيفا ومن هذا المنطلق يمكن القول انهم امتلكوا حسا صحيحا يتحركون فيه من المثال إلى الواقع الاجرائي، حركة منتظمة عن طريق الصيغ الإبداعية التي تعمل على تعليق الصفات لغير ما هي له ومن هنا يكون اعتراض “الآمدي” على قول أبي تمام:
    رقيق حواشي الحلم لو ان حلمه
    بكفيك ما ماريت في انه برد

    غير ذي جدوى، لأن حجته تتقاطع مع نزوع الشاعر الإبداعي الذي ينشده البلاغيون في شواهدهم. وأنه علل اعتراضه بعرف عام بأنه ما علم احد من شعراء الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالرقة وإنما يوصف بالعظم والرجحان والثقل والرزانة ونحو ذلك. وعليه يقرر محمد عبد المطلب القول: “وقد دخل البلاغيون هذه الدائرة التركيبية محملين بكم هائل من العلاقات التي تربط بين المفردات وتنقلها من دائرة العفوية الى مرحلة الوعي الابداعي التي لا تعرف معنى الالتزام التركيبي وانما ترى ان كل تركيب يخلق علاقاته الخاصة وبما انا التراكيب لا تتناهى فان العلاقات ايضا لا تتناهى”، مما يجعل السياق عرضة لمجموعة من الانحرافات البعيدة او القريبة التي لا يمكن قبولها إلا بالنظر في قائمة التحولات التي تنتاب لغة النص وتدفعها من منطقة دلالية إلى منطقة أخرى تعتمد “التخييل والمحاكاة” ولنخرج بالمثال على ذلك من بلاغة النص الشعري العربي المقيد بمقومات عمود الشعر؛ إلى نص شعري مفتوح تتجلّى في بنياته أجمل الصيغ البلاغية، يقول “وردزورث” في قصيدته الرائعة “على جسر وستمنستر” التي اختارها “أ. أ. رتشاردز” مثالا للتجربة الشعرية:
    “هل لدى الأرض جمال أبدع مما تبديه الآن؟
    لقد ارتدت المدينة الآن ثوبا من جمال الصباح
    يا الهي؛ إن البيوت نفسها تبدو ناعسة
    وهذا القلب العظيم قد غفا في سكون”.

    يقول “رتشاردز” إن أول خطرات النص هو وقع جرس الألفاظ على “أذن العقل” والإحساس بالألفاظ وهي تردد في المخيلة، هذان معا يمنحان الألفاظ جسدها الكامل، إذا جاز لنا التعبير؛ أي أن الشاعر يجسّد الألفاظ ويصورها. فالأرض غادة أبدت جمالها البديع/ المدينة امرأة البسها الصباح ثوبا من جماله/ البيوت مأخوذة بهالة الصباح فبدت ناعسة/ والقلب المأخوذ بفتنة الليل والسهر ختم المشهد/ غفا في سكون.
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. ماهر مهدي هلال
    معايير البلاغة..
    كيف تقرأ النص..
    أو كيف تجرّد الأنساق من مكنوناتها ودلالاتها؟
    [​IMG]



    القراءة بناء كما يقول (تودوروف) وأن قارئ النص هو الذي يتيح للبناء أن يتحقق وذلك باستقصاء مجموعة التقنيات اللغوية في مستويات النص الأسلوبية، وأنواع الصور وأنساق تشكيلها لتكوين منظور متماسك للنص، ويدخل مصطلح القارئ/ القراءة في حاق هذه الرؤية بتفاعل تخصصي يبلور معنى النص ودلالته على وفق معايير يقرّها المبدع بوصفها معايير إبداع مشتركة شكلت كتابة نصّه وعلى أساس أن النص أي نص يتوجه إلى القارئ/ المخاطب في سجاله الإبداعي، ويظل المبدع عند أفق الانتظار الذي تشكله استجابة القارئ بمعطيات النص ذاته ومقوماته البنائية والنص هو (مدونة حدث كلامي ذو وظائف متعددة) تتيح للقارئ (فهم كيفية أداء المعنى لوظيفته).

    لأن البلاغة مقوّم الأدب الفني وسمة إبداعه (والأدب مادتها تعلم صنعه وتبصر بنقده) قيل: إن فكرة وجود لغة/ نص بمعزل عن البلاغة هي مجرد وهم ويقرر هذه الرؤية حازم القرطاجني بقوله: (ومعرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة).

    وعليه فالبلاغة هي علم النص الكلي، (لأن الشعر أجوده أبلغه) ولا محيص لأي منظر حصيف من الوعي بتنامي الفعل البلاغي والتحولات المحدثة في أنساق اللغة بوضعها وضعا مجازيا دالا إلى سياقات كلية تولد معاني الشعر وتحقق قصدية الشاعر في ضروب النسيج وأجناس التصوير في صيغ التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل (وكل ما كان فيه على الجملة مجاز واتساع وعدول باللفظ عن الظاهر، فما من ضرب من هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على الصواب وعلى ما ينبغي أوجب الفضل والمزية).

    وهذا يعني أن قيم البلاغة في العملية الإبداعية ليست عارضة وإنما جوهرية لأنها (الإبداع ذاته) وهي خاصية أدركها النقاد في إقامة عمود الشعر وتقرير معايير الشعرية، (فالصور البيانية، وأنواع البديع ليست صيغاً تالية يؤتى بها للتزيين والتحسين، وإنما هي جوهرية في لغة الشعر لا تتحقق اللغة الشعرية إلا بها). وعليه أمكن القول: (البلاغة هي الملمح المميز للغة).


    الحس والعقل

    ذلك لأن لغة النص البلاغي تزاوج بين المقومات الحسية والعقلية لتبني تصور جديد بإقامة علاقات إسنادية تذيب شيئية الجزيئات ودلالاتها المباشرة لتحتويها كلية المدلول النصي التي تقر شرعية توليد العلاقات (بالتوهم) (والتخييل)، وهذا يعني أن الأحكام النقدية التي ارتكزت على معايير البلاغة لتقرير حدي الجودة والرداءة اكتسبت ماهية جديدة حولت ثبوت القياس إلى قياس احتمالي متغير بمتغيرات الأسلوب وتنوعه، فأسس النقد بذلك منحى جديدا يستقرئ النص بمنظور المثال البلاغي وإمكانياته البنائية على توليد أنساق جديدة للغة، على أساس أن ثبوت أحكام النقد بين حدي الجودة والرداءة يكسبها فلسفيا قوة الجوهر، في حين تبني البلاغة فلسفتها الجمالية على المفارقة بين الأنساق المولّدة، وجعل هذا التفاوت قوة لها التأثير في مفهوم القارئ بأن يجعلنا (نبني عالما متخيلاً). فالقيمة البلاغية في حكم النقد كائنة في المتغير النوعي للصورة البلاغية في (التشبيه والاستعارة والكناية) بينما ينظر القارئ إلى المتغير الأسلوبي في النوع البلاغي الواحد كقوة مائزة لتفاوت الشعراء في إحكام الصنعة وقدرة التوليد؛ وهذا ما يقرره عبد القاهر في قراءته الرائدة لقول البحتري:
    بلونا ضرائب مـن قد نرى
    فما إن رأينا لفتح ضريبا
    هو المرء أبدت لـه الحادثا
    ت عزما وشيكا ورأيا صليبا
    تنقّل في خلقي سؤدد
    سماحا مرجى وبأسا مهيبا
    فكالسيف إن جئته صارخا
    وكالبحر إن جئته مستثيب

    فقد عمد إلى فك أسار البنى اللغوية المهيمنة على النص التي شكلت سمته البلاغية التي تجد لها (اهتزازا في نفسك) أي استجابة وفاعلية قال: (فانظر في السبب واستقص في النظر... أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: “هو المرء أبدت له الحادثات” ثم قوله: “تنقل في خلقي سؤدد” بتنكير السؤدد وإضافة الخُلقين إليه، ثم قوله: “فكالسيف” وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ لأن المعنى: فهو كالسيف ثم تكريره الكاف في قوله “وكالبحر” ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطا جوابه فيه؛ ثم أن إخرج من كل واحد من الشرطين حالا على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله “صارخا” هناك “ومستثيبا” هاهنا) ولعل من المفيد في الحال القول: إن هذه القراءة أنتجت النص أو بنته على حد تعبير “تودوروف” بوصف أنساقه كسمات لسانية مائزة شكلت استجابة القارئ/ المتلقي (وهكذا السبيل في كل حسن ومزيّة) وليس بعيدا عن قراءة عبد القاهر يقف حسين الواد في قراءته لأبيات الشاعر كعب بن سعد الغنوي:
    أخي ما أخي، لا فاحش عند بيته
    ولا ورع عند اللقاء هيوب
    هو العسل الماذيّ حلما ونائلا
    وليث إذا يلقى العدو غضوب
    لقد كان: أمّا حلمه فمروح
    علينا وأما جهله فعزيب
    حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت
    حُبي الشيب للنفس اللجوج غلوب

    يمهد الناقد لقراءته بقوله: (يعد الشعر في المفهوم الهيكلاني الألسني، استعمالا خاصا للكلام، الكلام في الشعر بلاغي إبلاغي... وإذا تأملنا هذه الأبيات من خلال المعارف الهيكلانية بدت لنا وحدة تعبيرية متجانسة) وهذا ما يمكنّا من إجمال قراءته وسأقف عند البيت الثاني الذي يتميز بنسق معرفي من أنساق التشبيه/ العسل الماذّي/ خاص بحلاوته ونقائه، وليث/ بشجاعته يقول حسين الواد: (إذا نحن تأملنا البيت كاملا بان لنا أنه بني على التقابل بين صدره وعجزه، ويتمثل التقابل هنا في أن الصفات التي عرّف بها الشاعر “أخاه” في صدر البيت ناقضت الصفات التي أطلقها عليه في العجز، فحلاوة العسل ولينه، تقابلها مرارة الليث وشدته والتحكم في النفس في “حلما ونائلا” يقابله الاسترسال مع قوى الغضب في “غضوب” والإطلاق التام للصفات في صدر البيت يقابله التقييد بالظرف في عجزه “إذا يلقى العدو”... وإذا خرجنا من التركيب إلى الدلالة وجدنا سلوكين فرديين؛ أحدهما داخل القبيلة يرمي إلى الحفاظ على لحمة القبيلة والآخر خارج القبيلة إزاء الأعداء يهدف إلى حماية القبيلة، وهذان السلوكان يجعلان من الذات الفردية في خدمة الذات الجماعية).

    وذلك أمر أوجبته المعرفة في هذه الصناعة وقوانينها البلاغية كما يقول حازم القرطاجني.


    المعنى المشترك

    فالصياغة الشعرية كينونة عامة في الشعر، والتجويد خاصية الشعراء، وحدّه: أن يريك المعنى المشترك في صورة المبتدع المخترع كقول لبيد:
    وجلا السيول عن الطلول كأنها
    زبر تجد متونهـا أقلامه

    فأدى إليك المعنى الذي تداولته الشعراء، ومنه قول امرئ القيس:
    لمن الطلل أبصرته فشجاني
    كخط زبور في عسيب يماني

    وقول حاتم:
    أتعرف أطلالا ونؤيا مهدمـا
    كخطك في رق كتابا منمنما

    وقول الهذلي:
    عرفت الديار كرسم الكتـا
    ب يزبره الكاتب الحميري

    قال القاضي الجرجاني: (وبين بيت لبيد وبينهما ما تراه من الفضل، وله عليها ما تشاهد من الزيادة والشف).

    فالتشبيه الذي أصله (الدلالة على مشاركة أمر لآخر في المعنى) محكوم بمنطق التناظر في الصفات بين المشبه والمشبه به، وأحسن التشبيه كما يقول قدامة: (ما أوقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها) ولكنه وبحكم مغايرة النصوص لمنطق القاعدة يستدرك فيقول: (وقد يقع في التشبيه تصرف إلى وجوه تستحسن... ومن أبواب التصرف في التشبيه أن يكون الشعراء قد لزموا طريقة واحدة من تشبيه شيء بشيء فيأتي الشاعر من تشبيهه بغير الطريق التي أخذ فيها عامة الشعراء... وربما كان الشعراء يأخذون في تشبيه شيء بشيء والشبه بين هذين الشيئين من جهة ما، فيأتي شاعر آخر في تشبيهه من جهة أخرى فيكون ذلك تصرفا أيضا) وهذا يعني أيضاً أن المنظور البلاغي في النقد يوسع من دلالة القاعدة البلاغية ليحتوي المعاني المتداولة بين طرفي التشبيه في النص الشعري، وأخذ القاضي الجرجاني بهذا الاتجاه الأدبي في محاجة من يتوهم أن المعنى بظاهر النص الشعري، لأنه يرى: (أن التشبيه والتمثيل قد يقع تارة بالصورة والصفة، وأخرى بالحال والطريقة) وهي رؤية توسع القاعدة البلاغية بتعدد الطرق التي تصوّر المعنى.
    فإذا قال المتنبي:
    بَليت بلى الأطلال إن لم أقف بهــا
    وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه

    قالوا: أراد التناهي في إطالة الوقوف فبالغ في تقصيره، لأن الوقوف اقترن بالشح، فأولوه بالقصر على الظاهر.

    ولكن القاضي الجرجاني يرى أن المتنبي: (لم يرد التسوية بين الوقوفين في القدر والزمان والصورة وإنما يريد وقوفا زائدا على القدر المعتاد خارجا عن حد الاعتدال، كما أن وقوف الشحيح يزيد على ما يعرف في أمثاله، وعلى ما جرت به العادة في إضرابه وقال: فهذا وجه لا أرى به بأسا في تصحيح المعنى).

    وعليه فأغراض الشعراء في تشبيه الحالات وتمثيلها أغراض خاصة تستمد أوجه الشبه من ملحظ عميق يتعدى ظاهر الأشياء إلى أمر يقع في التصور والتخييل ويتحصل (بضرب من التأول) كقول المتنبي:
    يفضح الشمس كلما زرت الشمـ
    س بشمس منيرة سوداء

    قالوا: الشمس لا تكون سوداء، والإنارة تضاد السواد، فقد تصرف ـ الشاعر ـ في المناقضة كيف شاء.

    وقد أجاب القاضي الجرجاني متناولا وجه الشبه: بأنه لم يكن غرض الشاعر أن يجعل المشبه شمسا في لونه فيستحيل عليه السواد، وإنما أراد المشابهة في العلو والنباهة والاشتهاء قال: (وللشعراء في التشبيه أغراض، فإذا شبهوا بالشمس في موضع الوصف بالحسن أرادوا به البهاء والرونق والضياء، ونصوع اللون والتمام، وإذا ذكروه في الوصف بالنباهة والشهرة أرادوا به عموما مطلعها وانتشار شعاعها... وإذا قرنوه بالجلال والرفعة أرادوا به أنوارها وارتفاع محلها... ولكل واحد من هذه الوجوه باب مفرد، وطريق متميز، فقد يكون المشبه بالشمس في العلو، والنباهة، والنفع والجلالة أسود). وهو تأويل قوّم به بناء العلاقة بين طرفي التشبيه فأصاب الغرض.
    مقاصد البلاغة

    ولابد من الإشارة هنا إلى أن القاضي الجرجاني قد أدار مصطلح النظم في نقده الشعر بوصفه (معيارا من معاييره البلاغية).

    وقيد مفهوم المصطلح في التطبيق بأن أجرى التراكيب البلاغية مجرى قواعد النحو ومعانيه، وهو حد المفهوم الذي قرره عبد القاهر الجرجاني بقوله: اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه “علم النحو” وتعمل على قوانينه وأصوله.. فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا، وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه، إلا وأنت ترى مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله). وبهذا جعل عبد القاهر من النظم مقصدا بلاغيا تتفاعل فيه مقاصد النحو ومجاريه، وتشكل هذه المقاصد في التراكيب اللغوية كينونة مؤتلفة في وضعها الدلالي الذي (يقتضيه العقل) وإن النص الشعري في منظوره النقدي تحكمه الصورة النظمية التي تشكل في سياقاتها التعبيرية تشكلا تكامليا كأضلاع المثلث، تأتلف في تكوينها للصورة وتختلف في قياسها، لذلك عمد في تحليله إلى عزل المكونات التركيبية ودلالاتها لتخصيص قيم النص البلاغية بخاصية النظم وإسناد الكلم بعضها إلى بعض بطريق الاختيار المخصوص، وإن أزيلت هذه الخاصية بتغيير مواضع الألفاظ يفقد النظم خاصيته البلاغية، ومثّل لذلك بقول أبي تمام:
    لعابُ الأفاعي القاتلات لعابه
    وأريُ الجنى اشتارته أيد عواسل

    قال: إن الغرض أن يشبه مداد قلمه بلعاب الأفاعي، على معنى أنه إذا كتب في إقامة السياسات أتلف به النفوس، وكذلك الغرض أن يشبه مداده بأري الجنى على معنى أنه إذا كتب في العطايا و الصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقته عندها وأدخل السرور واللّذة عليها، وهذا المعنى إنما يكون إذا كان (لعابه) مبتدأ “ولعاب الأفاعي” خبرا، فأما تقديرك أن يكون “لعاب الأفاعي” مبتدأ و”لعابه” خبرا فيبطل ذلك ويمنع منه البتة، ويخرج بالكلام إلى ما لا يجوز أن يكون مرادا في مثل غرض أبي تمام وهو أن يكون أراد أن يشبه “لعاب الأفاعي” بالمداد ويشبه كذلك “الأري” به... فإن قدرت أن “لعاب الأفاعي” مبتدأ و”لعابه” خبرا، كما يوهمه الظاهر أفسدت عليه كلامه وأبطلت الصورة التي أرادها فيه.

    لذلك وقف عبد القاهر الجرجاني طويلا عند التشبيه والتمثيل وكأنه بذلك يؤسس منطلقاته النقدية بنسق المنطلقات البيانية التي تعد التشبيه أصلا في الاستعارة، وهو معيار عام في البلاغة والتشبيه كالأصل في الاستعارة وهي شبيهة بالفرع له أو صورة مقتضبة من صورهِ: (وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها).

    وقد يدفع هذا الرأي بمقولة: إن مبنى الاستعارة على هذه الصيغة يضعف صيرورتها اللغوية ويعلق إبداعها على هاجس التأويل بطرفي التشبيه الذي يعرض لمحلل النص الشعري ودارسه.

    وهذا صحيح في عملية النقل المجازي العامي كقولك: رأيت أسدا وأنت تعني رجلا شجاعا “وعنت لنا ظبية” وأنت تعني امرأة و”ابديت نورا” وأنت تعني هدى وبيانا وحجة وما شاكل ذلك، ولأن النص ينتج قيمه ومعاييره البلاغية باختلاف قرائن إسناده، فقد وجد ابن الأثير أن بعض النصوص تحتمل أن تجريها مجرى الاستعارة أو التشبيه المضمر الأداة، واعلم أنه قد ورد من الكلام ما يجوز حمله على الاستعارة، وعلى التشبيه المضمر الأداة معا، باختلاف القرينة، وذاك أن يرد الكلام محمولا على ضمير من تقدم ذكره، فينتقل عن ذلك إلى غيره، ومن ذلك قول البحتري:
    إذا سفرت أضاءت شمسَ دجن
    ومالت في التعطف غصنَ بان

    فلما قال “أضاءت شمسَ دجن” بنصب الشمس، كان ذلك محمولا على الضمير في قوله “أضاءت” كأنه قال أضاءت هي، وهذا تشبيه، لأن المشبه مذكور وهو الضمير في “أضاءت” الذي نابت عنه التاء، ويجوز حمله على الاستعارة بان يقال “أضاءت شمسُ دجن” برفع الشمس، ولا يعود الضمير حينئذ إلى من تقدم ذكره، وإنما يكون الكلام مرتجلا ويكون البيت:
    إذا سفرت أضاءت شمسُ دجن
    ومال من التعطف غصنُ بان

    وهذا الموضع فيه دقة وغموض، وحرف التشبيه يحسن في الأول دون الثاني.

    وفي هذا وجه ابن الأثير تحقق الاستعارة أو التشبيه اعتمادا على عود لازم القرينة وحكم إسناده في نظم الكلام، فالتفت إلى طبيعة تركيب السياق الشعري في إجراء الصورة البلاغية مجرى الأصل والفرع قال: (إذا حققنا النظر في الاستعارة والتشبيه وجدناهما أمراً قياسياً في حمل فرع على أصل لمناسبة بينهما، وإن كانا يفترقان بحدهما وحقيقتهما). فالتقى بذلك مع عبد القاهر الذي كان يرى (إن هذه المعاني التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدهما من مقتضيات النظم وعنه يحدث وبه يكون).


    تفاعل تحريضي

    إن هذا التواشج الاصطلاحي في الأنساق البلاغية يشكل اتجاها متميزاً في دراسة الشعر ويبحث في كينونة المفردات اللغوية دالاً مشحونا بالمعاني المجازية وقادرا على خلق تفاعل تحريضي يصل إلى حد الفعل ورد الفعل في تأويل النص وتوزيع مدلولاته. وهذا يقتضي وعيا معرفيا في (المعجم اللغوي) وتوجيه مستويات التراكيب الدلالية نحو مدلولاتها لتحديد أبعاد الصورة البلاغية التي تعززها القرائن ولوازم الحال. في تحليل أبنية الشعر وتوصيف مكوناته البلاغية، وبذلك يكون القارئ قد تجاوز جدلية الجودة والرداءة التي شغلت النقاد, وبلغ مداه في احتواء فنية النص، وتوجيه أبنية الشعر توجيها بلاغيا، كما في قول أبي تمام:
    فسقاه مسك الطل كافور الندى
    وانحل فيه خيط كل سماء

    قال الصولي: يقول طيب الصبا يجمع الغيم ويجلب الطل. فاستعار المسك والكافور لطيبهما واختلافهما في شدة الحرارة والبرودة، ولا أعرف في وصف كثرة المطر أحسن من قوله، وتشبيهه المطر بخيوط متصلة من السماء إلى الأرض وهو قوله: “وانحل فيه خيط كل سماء” قالوا: لا معنى لقول الصولي: “وتشبيهه المطر بخيوط متصلة من السماء إلى الأرض” وإنما أراد أبو تمام حسن الاستعارة، فجعل لكل مطر خيطا معقودا، ثم جعله منحلا فيه، يعني سقاه كل مطر، كما يقال: حل السماء عزاليه، والعزلاء فم المزادة السفلى، وإنما تكون مشدودة بخيط،..يقول: جاءتنا السماء بمطر كأفواه القرب والعزالي، وقالوا المسك أسود، ويسمى الماء “الأسود”.. كنى بالمسك عن الماء، لأن الماء عند العرب أسود، و”كافور الصبا” سحابة بيضاء ينشئها الصبا، والسماء المطر الوسمي.

    قال أبو العلاء: في هذا البيت ثلاث استعارات: المسك، والكافور والخيط، والطل أضعف المطر، وإنما خصه بالمسك لأن المطر الضعيف إذا أصاب التراب فاحت له رائحة طيبة، فكيف إذا أصاب الروض؟ وجعل الكافور مستعارا للصبا لأنه أراد بردها، وجعلها سببا لمجيء الطل، فجمع بين شيئين متضادين من الطيب، وهما الكافور والمسك، لأن أحدهما بارد والآخر حار. وقيل أراد بهما سحابة بيضاء كالكافور.

    فالصورة البلاغية في هذا كينونة سياقية وليست جزئية محدودة بطرفي التشبيه أو الاستعارة، وعلى هذا حسن توجيه أبنية الأنساق البلاغية في بيت أبي تمام لأنه مهد لها بمشهد كلي للمطر يحتمل تأويل تلك الأنساق، لتضافر عناصر المحاكاة الطبيعية والتخييل في تصويره، حيث قال:
    ومعرّس للغيث تخفق بينه
    رايات كلّ دجنّة وطفاء

    ومعرس الغيث: المكان الذي يمطر به: وتخفق رايات: هذا مثل، أراد به كثرة المطر بهذا الموضع..وشبه البرق بالرايات لأنه يخفق خفقانها ويضطرب اضطرابها عند هبوب الريح. وجعل للغيث معرسا، وهو نزول آخر الليل على الاستعارة،

    قال أبو العلاء: والوطفاء: من صفة الغمامة، يراد بها المتدلية الهيدب، أخذت من الجفن الأوطف، وهو الكثير الشعر الطويل الهدب، ويقال: سحابة وطفاء: “أراد أن لهذه السحابة من دنوها كالأهداب إلى الأرض” وقال: ولا يمتنع أن توصف الليلة بهذه الصفة إذا كانت فيها سحابة ذات وطف، ويكون هذا مثل قولهم: نام الليل، وإنما ينام فيه) وهذا ما يسميه عبد القاهر (بالمجاز الحكمي) قال: وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المغلق، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وإن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا وإن يضعه بعيد المرام قريبا من الإفهام.

    ولأن الليلة موصولة المطر صح وصفها بالوطفاء بحكم السياق، ودلل على هذا التواصل بقوله:
    نشرت حدائقه فصرن مآلفا
    لطرائف الأنواء والأنداء

    قال الصولي: “يعني الحدائق مآلف هذه الأمطار من كثرة ترددها عليه”.
    يقال: نشرت الأرض نشورا: إذا أصابها مطر الربيع فأنبتت، وقوله: فصرن مآلفا: أي مآلف لمعان تثيره فيها).

    وقال الآمدي: أراد أن هذه الحدائق حييت بالغيث الذي ذكره. وقال أبو العلاء: المعروف في الحدائق أن تستعمل في النخل والكرم، واستعار هذا اللفظ لما ينبته السحاب، ولا يمتنع أن يعني بالحدائق التي هي معروفة عند العامة، ثم أضافها إلى الغيث لأنه أمطرها وأرواها، ويروى “نُشرت حدائقه” على أنه فعل لما لم يُسم فاعله. حتى إذا تحددت أبعاد مشهد المطر: سحب ثقال مطبقة بأهدابها على الأرض وبرق يخفق خفق الرايات المضطربة في مهب الريح، عزز المشهد بعناصر صورية مولدة ومنتزعة من واقع الحال فقال:
    فسقاه مسك الطل كافور الندى... (البيت)
    “فجعل نسيم الصَبا كافورا، ورائحة الأنواء مسكا”.

    وبهذا يلتقي قرّاء الشعر وشراحه قديماً وحديثاً على توسل الدلالة في مجريات التراكيب، فعمدوا إلى النص في دراستهم التحليلية لا إلى القاعدة، لذلك تداخلت أنساق التشبيه والاستعارة والكناية حسب صحة التأويل ومقتضيات السياق الدلالية، أي أنهم جعلوا نظم الكلام وقواعد إسناده تبني علاقات المجاز، (بين النصّ ومعناه من جهة، والحقيقة الواقعة خارج النصّ من جهة أخرى) بدلالة القرائن واللوازم على المعنى المقصود، وعلى أساس أن الاتصال الأدبي كما يقول (إيزر): هو (نشاط مشترك بين القارئ والنصّ) وعليه فإن فاعلية العمل الأدبي المستمرة تكمن في إدراك (القارئ) العالم الذي يحيل إليه النصّ.

     
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. هدى قزع
    العانس رجلا وامرأة
    في الأدب العربي والغربي
    [​IMG]


    إذا راجعنا مادة عَنسَ في لسان العرب فإننا سرعان ما نتبيّن أنّها تُطلق على الرجل والمرأة فـ"العانِس من الرجال والنساء الذي يَبقى زماناً بعد أَن يُدْرِك لا يتزوج"، "ورجل عانِس والجمع العانِسُون".

    وهذا يدل على أنّ اللغة العربية لم تتحيز لجنس على حساب آخر، ولكنّ الاستعمال اللغوي رسّخ خلاف الأصل اللغوي فاستقرّ في الأذهان أنّ العنوسة تخصّ النساء فهي عيب طارئ عليهن، يُخرجهن من الحالة الطبيعية والسوية.

    ولم يغفل اللغويون هذا الاستعمال فقالوا: العانس "أكثر ما يُستعمل في النساء"، فعبّروا بذلك عن قيم المجتمع الذكوري ومصالحه.

    فلا غضاضة حينئذ أن وجدنا اللغويين يُسهبون في تعريف العانس من النساء وفي المقابل ألفيناهم يوجزون في تعريف العانس من الرجال. فـ "عانس من نِسوة عُنَّسٍ وعَوَانِسَ وعَنَّسَتْ وهي مُعَنَّس وعَنَّسَها أَهلُها حَبَسُوها عن الأَزواج حتى جازت فَتَاءَ السِّن ولمَّا تَعْجُزْ.. عَنَسَتِ المرأِة فهي عانِس وعُنِّسَت فهي مُعَنِّسَة إِذا كَبِرَت وعَجَزَتْ في بيت أَبويها قال الجوهري عَنَسَتِ الجارية تَعْنُس إِذا طال مكثها في منزل أَهلها بعد إِدْراكها حتى خرجتْ من عِداد الأَبكار هذا ما لم تتزوج فإِن تزوجت مرَّة فلا يقال عَنَسَت... وفي حديث الشعبي سئل عن الرجل يَدخل بالمرأَة على أَنها بكر فيقول لم أَجدها عَذْراء فقال إِن العُذْرة قد يُذهِبها التَعْنيسُ والحَيْضَة وقال الليث عَنَسَت إِذا صارت نَصَفاً وهي بكر ولم تتزوَّج وقال الفَرَّاء امرأَة عانس التي لم تتزوج وهي تترقب ذلك وهي المُعَنَّسة وقال الكسائي العَانِس فوق المُعْصِر".

    والجدير بالذكر أنّ عددا من اللغويين أجازوا فعل "عَنست" المرأة، إذا كانت فاعلة متحكّمة بإرادتها بينما اعترض آخرون فرأوا "أنّه لا يقال عَنست بل عُنّست وعنًّسها أهلها، أي حبسوها عن الأزواج"، بمعنى أنهم حاولوا سلب إرادة العانس، وجعل قرارها بيد غيرها.

    أما في اللغة الإنجليزية فنجد أن لفظ "Spinster" هو الذي يعبر عن العانس فهو يشير إلى المرأة غير المتزوجة، ويتسم تاريخ هذا المصطلح بالتقلب الشديد، فالكلمة أصلاً لا تشير إلا إلى الوضع العائلي، لكنها أصبحت محملة بدلالات سلبية كثيفة حتى ندر استعمالها حالياً وكادت تصبح كلمة مهجورة.

    ويرجع أصل الكلمة إلى الاعتقاد الاقتصادي بأن أي امرأة غير متزوجة، وليس لها مورد مالي غير الزواج، ليس أمامها إلا أن تعول نفسها بالعمل في مصنع للغزل ومن هنا يتضح أن أصل المصطلح ينطوي على تمييز طبقي، وهو ما اشتدت دلالته مع مرور الوقت، حتى صار الاستهزاء من نصيب نساء الطبقة الوسطى أكثر من غيرهن.

    وفي أوائل العصر الفيكتوري كانت الأيديولوجية الأبوية قد نجحت في قصر وجود نساء الطبقة الوسطى على الحياة المنزلية، ولذلك كانت المرأة التي لم تتزوج تظل في بيت أبيها.

    ولكن مع نهاية القرن التاسع عشر بدأت غير المتزوجات يُنظر إليهن على أنهن متطفلات وعبء مالي وأنهن فشلن في القيام بواجباتهن النسائية، حتى أصبحت المرأة غير المتزوجة في عام 1911 توصف بأنها "فضلة".

    ثم جاءت الحركة المعروفة بحركة "المرأة الجديدة" لتوسع من الفرص التعليمية والوظيفية المتاحة أمام الطبقة الوسطى، ولكن في حقيقة الأمر فإن نتائج الحرب العالمية الأولى هي التي مكنت المرأة غير المتزوجة من استعادة مكانتها واحترامها.

    فبدأت النسوية الداعية للمساواة تمحو تدريجياً الوصمة التي ألصقت بالعنوسة، إلى أن أصبح الزواج اختياراً لا فرضاً.

    فإذا انتقلنا إلى تمثلات العنوسة في نماذج أدبية مختلفة من الأدبين العربي والأجنبي فإننا سنجد أن الغيمة السوداء التي أحاطت في هذا اللفظ ظهرت أكثر وضوحًا في نماذج الأدب العربي، وحتى لا يظل الحكم معلقًا دون دليل، سأبين عن بعض نماذج الشعر العربي، وأبدأ بالتساؤل كيف رأى الشاعر العربي المرأة العانس؟ وكيف تمثلها بصور مختلفة؟ وهل يمكن أن نخرج بنمط واحد درج عليه الشعراء في تصوير العانس؟

    إذا نظرنا بنظرة المستكشف في رحاب شعرنا عن لفظ العانس ودلالاته، نجد أن العانس هي المرأة ذات الوجه الكريه، الذي لا يحبب للنظر، وذلك في قول ابن الآبار:
    بِكْرُ الحَدائِقِ والأَحْداقُ شَاهِدَةٌ
    لا عانِسٌ جَهْمَةُ المَرأَى وَلا نَصَفُ

    وهي التي اتصلت في وعي ابن الرومي بتقدم سني العمر، مما دفعه للتعبير عن ذلك بقوله:
    عانسٌ تقهَرُ الشبابَ عجوزٌ
    بنت قَرنٍ من الزمانِ وقَرْن

    إذ صارت العانس قرينًا للعجوز، وما يتصل بهذه الصيرورة من ضعف وعجز وتغير في الجسم والحال غالبًا.

    ولم يقتصر الأمر على هذا، بل باتت هاجسًا مزعجًا، لبعضهم حتى جالت به الرؤية إلى أن يجتمع حال المريض مع حال العانس، وفي ذلك تأكيد على الضعف والعجز، من مثل قول عبيد بن الأبرص:
    تَبَصَّر خَليلي هَل تَرى مِن ظَعائِنٍ
    سَلَكنَ غُمَيراً دونَهُنَّ غُموضُ
    وَبَيتِ عَذارى يَرتَمينَ بِخِدرِهِ
    دَخَلتُ وَفيهِ عانِسٌ وَمَريضُ

    ويلحظ أن عبيدًا حاول إقامة تمييز متعمد بين العذارى والعوانس، فكأنه يشير إلى حال الديار وقد أوحشت بعد أهلها بإقامة صورة موازية وهي خلو بيت العذارى من العذارى، وبقاء العوانس والمرضى، وفي ذلك تعطيل لأهمية المرأة العانس، ومحاولة لتشويه قيمتها الوجودية.

    وقد استخدم لفظ العانس للدلالة على الخمر في أبيات عديدة من الشعر العربي، ولعل إطلاق لفظ العانس على الخمر جاء من قبيل فساد العقل، إذ رأوا فيها أنها امراة ناقصة عقل كذلك، ومن ذلك قول ابن طباطبا العلوي:
    مخدّرة مَكنونة قَد تَكَشَفَت
    كَراهِبَة بَينَ الحِسان الأَوانس
    مُشَعشعة مرهاء ما خلت إِنَّني
    أَرى مثلها عَذراء في زيِّ عانس

    فالعانس في هذه الأبيات بمثابة جرار الخمر "هي زي" والخمر هي العذراء، وجرار الخمر لا قيمة لها فالمبتغى هو الخمر، واللذة في الخمر لا في الجرار، وكل هذه الصور تؤكد خواء داخل العانس فهي مجرد مظهر، ولكنها مفرغة من القيمة الحقيقية في نظر الآخرين ويمكن التخلي عنها.

    وفي أبيات أخرى وظف لفظ العانس للدلالة على النخلة، وهذا التوظيف خارج عن الأصل اللغوي للفظ العانس، إذ إنه من ابتكار الشاعر، على عكس الدلالة على الخمر إذ انها من قبيل الأصل اللغوي، قال معن بن أوس المزني:
    كأَنَّما هِي عَانِسٌ تَصَدَّى
    تخشى الكَسَادَ وَتُحِبُّ النَّقدا
    فهي تَرَدَّى بَعدَ بُردٍ بُردَا

    ويلحظ أن هذا التوظيف جاء لبيان الضعف والهلاك "تردى" واصفرار اللون"الصدى"، والكساد الذي هو عدم نفاق الشيء لقلة الرغبة فيه، وكل هذه الدلالات سلبية، تحاول سلب الحياة التي يمكن أن ينبض بها لفظ العانس.

    وفي بعض الأبيات قد تظهر الفروق اللغوية التي كان يعمد إليها اللغويون، لوصف حال الفتاة من مثل قول ابن رشيق القيرواني:
    أَوحَشنِي الأَوَانِسْ
    هُنَّ الظِّبَا الكَوانِسْ
    وهْو فتاةٌ مُعْصِرٌ
    فيكَ وفيهمُ عَانِس

    فـ "العانس فوق المعصر" على حد تعبير الكسائي،وقد فصل أبو منصور الثعالبي القول " في تَرْتِيبِ سِنِّ المَرْأةِ": في الفصل السابع من كتاب فقه اللغة وسر العربية، فقال :"هِيَ طِفْلَة مَا دَامَتْ صَغِيرَةً، ثُمَّ وَليدَةٌ إِذَا تَحَرَّكَتْ، ثُمَّ كَاعِب إذا كَعَبَ ثَدْيُهَا، ثُمَّ نَاهد إذا زَادَ، ثُمَّ مُعْصِر إذا أَدْرَكَتْ، ثُمَّ عَانِس إذا ارْتَفَعَتْ عَنْ حَدِّ الإعْصَارِ، ثُمَّ خَوْد إذا تَوَسَّطَتِ الشَّبَابَ، ثُمَّ مُسْلِف إذا جَاوَزَت الأرْبَعِينَ، ثُمَّ نَصَف إذا كَانَتْ بَيْن الشَّبَاب والتَّعْجِيزِ، ثُمَّ شَهْلَة كَهْلَة إذا وَجَدَتْ مَسَّ الكِبَرِ وَفِيهَا بَقِيَّة وَجَلَدٌ، ثُمَّ شَهْبَرَة إِذَا عَجًّزَتْ وَفِيها تَمَاسُك، ثُمَّ حَيْزَبُون إذَا صَارَتْ عَالِيَةَ السِّنِّ نَاقِصَةَ القوَّةِ، ثُمَّ قَلْعَم وَلطْلِطٌ إذا انْحَنَى قَدُّهَا وَسَقَطَتْ أَسْنَانُهَا".

    وفي المعاجم اللغوية أشار بعضهم خطأ إلى أن العانس لا تجتمع مع البكر، وقد تنبه ابن قلاقس إلى هذا حين قال:
    لم يُطِقْ هواهُ فَباحا
    عندما رام الخليطَ ورواحا
    عانسٌ بكرٌ وقد قلَدوها
    حين درَتْ من حَبابٍ وشاحا

    ومثله الأعشى الذي ميز بين الطفلة، والعانس، والمهزاق:
    يَومَ قَفَّت حُمولُهُم فَتَوَلَّوا
    قَطَّعوا مَعهَدَ الخَليطِ فَشاقوا
    حُرَّةٌ طَفلَةُ الأَنامِلِ كَالدُم
    يَةِ لا عانِسٌ وَلا مِهزاقُ

    واللافت حقًا في قوله سلبه للحرية لكل من العانس والمهزاق ، ومنحه إياها للطفلة، بل وجعله إياها كالدمية دلالة على الجمال والرقة وصغر سنها.

    وفي مقام آخر، نجد بعضهم يجعل العانس أهلًا للسخرية والتهكم من مثل قول ابن معصوم:
    قُم هاتِها في جُنح لَيلٍ دامسِ
    راحاً حكت في الراح شُعلةَ قابسِ
    زُفَّت إِلى ماءِ السَماءِ فأَصبحَت
    تَهزو بكلِّ مَهاةِ خدرٍ عانسِ

    وقد يتمثل كل القبح في شخص العانس، فما أن تتكلم عن قبح الكلام إلا وتستحضر العانس، وما أن تشير إلى الرائحة المنتنة إلا وتكون العانس هي الحامل لها، وما أن تصف قبح الجسد إلا وتجده في جسد العانس، ولعل ما قاله أبو الحسن بن خروف يدل على بعض هذا:
    أَيا أَسَدَ الأَدابِ عَطفَةَ راحِمٍ
    عَلى نَقَدٍ أَودى بِأَشعارِهِ النَقدُ
    أَتَخُبُ مِنّي كُلَّ لَخناءَ عانِسٍ
    وَكَيفَ وَخُطبانُ الخُطوبِ لَها نَقدُ

    ويكفي أن تراجع لفظ "لخن" في المعاجم لتكشف الدلالات السلبية المشحون بها، ولعل ما حمله هذا اللفظ حملته العانس قهرًا لمجرد أنها عانس.

    ويجزئ بك أن تمر مرورًا عابرًا بشعر أبي العلاء المعري، لتجد أن الفلسفة التي عرف بها لم تعفه من السير مع ركب الآخرين، ومن إصراره على النظرة السلبية للعانس، فهي عجوز اختلط سواد شعرها ببياض، ومع جمال الأبيات في سياقها، إلا أنها تشير إشارة واضحة إلى أن العانس أينما وجدت في الشعر تتخذ موقعًا سلبيًا، يقول المعري:
    مَهَرْتُ الفَتَاةَ الأحْمَسِيّةَ نَثْرَةً
    على أنّ أَقْراني غِضابٌ أحامِسُ
    مُعَنِّسَةٌ إنْ جاءها الرّمْحُ خاطِباً
    سقَتْهُ ذُعافَ الموتِ شَمطاءُ عانِس

    ويؤكد هذه النظرة في أبيات أخرى، فالعانس هي نقيض الأوانس، وهي في مقام الوحوش، وهي عجوز ابيض شعرها، وليته اكتفى بهذا، بل أصر على الإقرار أنه لا خير فيها إذ قال:
    أَيا ظَبَياتِ الإِنسِ لَستُ مُنادِياً
    وُحوشاً وَلَكِن غانِياتٍ مَعَ الإِنسِ
    وَلا خَيرَ في جَونِ الذَوائِبِ عانِسٍ
    إِذا لَم يَبِت فَوقَ الرِحالَةِ وَالعَنسِ

    ولفظ العانس وإن وظف في أكثر الشعر _كما ظهر لي_ للدلالة على الأنثى التي لم تتزوج، فإنه كذلك قد يطلق على الرجل الذي لم يتزوج، ومن ذلك قول الشاعرأبي ذؤيب الهذلي:
    أَلا لَيتَ شِعري هَل تَنظَّرَ خالِدٌ
    عيادي على الهِجرانِ أَم هُوَ يائِسُ
    فَإِنّي عَلى ما كُنتَ تَعهَدُ بَينَنا
    وَليدَينِ حَتّى أَنتَ أَشمَطُ عانِسُ

    ولا يخفى على أحد عدّ العانس نذير شؤم، وأنها شوهاء، بمعنى أنها تصيب الناس بعينها وأنها امرأة عابسة، ومشؤومة، وقَبِيحَةُ الْمَنْظَرِ والوجه، ومتكبرة ومختالة، وهذا ما رآه البحتري في قوله:
    قَدْ قُلْتُ للمَسْدُودِ في عانِسٍ
    شَوْهاءَ، يضحي وهو صَبًّ بها
    إنّ التي سَمَيْتَهَا خِلّةً،
    لَيْسَتْ بأسْمَاءَ، وَلا تِرْبِها
    وَإنّما أُمُّ بَني وَاصِلٍ،
    خِنزِيرَةٌ سَفَسَفَتْ في حُبّهَا
    يَكدُرُ صَافي الرّاحِ في شَدْوِها،
    وَتَنفُرُ الأوْتَارُ مِنْ ضَرْبِهَا

    وقد يخالف الشاعر المألوف فيطلق لفظ العانس على المرأة المتزوجة من باب السخرية والاستهزاء، إذ نرى زوج محمد بن بشير الخارجي العدوانية قد أسنّت، فضربت دونه حجاباً، لما تعرف من رأيه فيها وتوارت عنه، ودعت نسوة من عشيرتها فجلسن عندها يلهون ويتغنين فسمعهن فقال ساخراً:
    لَئِن عانِسٌ قَد شابَ بَينَ قَرنِها
    إِلى كَعبِها وَاِمتُصَّ عَنها شَبابُها
    صَبَت في طِلابِ اللَهوِ يَوماً وَعَلَّقَت
    حِجاباً لَقَد كانَت سَتيراً حِجابُها

    وهو بذلك يريد إثبات العجز والضعف فيها، وأن مظهرها غير محبب لنفسه، وأنها امرأة لاهية، بمعنى أنها سيئة المظهر والجوهر.

    وفي مقابل هذه الصورة السلبية الظاهرة للعانس نجد أشعة باهتة للصورة المقابلة، إذ تظل العانس تحمل حسن الصبا، وكأنها عروس، ولا أدري هل جاءت هذه الصورة عفو الخاطر من الشاعر، أم أنها جاءت كذلك لتدلل على قيمة خمر بابل، فأطلق الحسن على الحامل والمقصود المحمول، أم أنها جاءت في سياق كان الناس فيه سكارى فرأوا خلاف الظاهر، أي اختلطت الصور فباتت العانس عروسًا ، وذلك في قول السري الرفاء:
    ودارَتْ على النُّدمانِ من خَمْرِ بابلٍ
    عَروسٌ حَوَتْ حُسنَ الصِّبا وهيَ عانِسُ

    وفي صورة تمثيلية أخرى يحاول الشريف الرضي أن يبين فيها أن الإنسان قد يسعى لطلب الأشياء المتعبة مع علمه بصعوبتها، فهو قد يتحمل الأذى في مقابل الحصول على ما يريد، والطريف أن العانس تظهر بصورة الفتاة المملوءة بالعلات وهي محبوبة مع هذه العلات، وهذا وضع أقرب للخيال منه للواقع كحال من يتمنى المرأة وهو يعرف أنها معاندة وحادة الخلق وصعبة المراس، وحال من يريد لمس الأنجم مع بعدها، أو حال من يرضى بالعلياء مع الأذى:
    تَمَنّى رِجالٌ نَيلَها وَهيَ شامِسُ
    وَأَينَ مِنَ النَجمِ الأَكُفُّ اللَوامِسُ
    وَلَم أَرَ كَالعَلياءِ تُرضى عَلى الأَذى
    وَتُهوى عَلى عِلّاتِها وَهيَ عانِسَ

    أما نماذج العنوسة فى النثر الانجليزي_ إذ تعذر رصدها في الشعر بالنسبة لي_ فهي تنحصر في أغلبها أن العانس تحمل في وعيها ما يمنعها من الارتباط بعيدًا عن الأسباب الاجتماعية أو الاقتصادية، فهي في الغالب إما أحبت وفقدت من تحب لأسباب مختلفة، وإما تعرضت لحادث ما أفقدها الثقة في الرجل بوجه عام فأصبحت تخشاه عموما، وإما انها مريضة كما في روايات الأخوات برونتي أو في روايات جين أوستن.

    فمثلًا لو أخذنا شخصية أمارنتا "العانس" في رواية مائة عام من العزلة لجابرييل جارسيا ماركيز نجدها فتاة أحبت إلى درجة العشق شخصًا يدعى بيترو كرسبيانو وهو شاب رقيق وغني جاء من إيطاليا ليزرع في "ماكوندو" حب الرقص و الإحساس بموسيقى الآلات، وهو أيضا الشاب نفسه الذي تبادل الحب والعاطفة مع أختها بالتبني.

    ففي بداية الرواية نرى أن أمارنتا كانت فتاة طبيعية جدا غمرها الحب من طرف واحد، وأصرت أن تظفر بهذا الحبيب حتى لو اضطرت لقتل أختها، وتستمر بعد ذلك أحداث الرواية .. فنرى التحول الشديد فى مشاعر الشاب بعد أن هربت حبيبته مع شقيق " أمارنتا" العائد بعد غياب .. فنراه أخيرا يشعر بمشاعرها ويبادلها الحب.. لكنها وياللعجب ترفضه وتنبذ حبه وكل ما يتعلق به، وهكذا ينتحر الشاب فى مشهد مأساوي معلنا عن عجزه التام في فهم المرأة.

    ونرى كيف يقتل إحساس الندم "امارنتا" فتحرق يدها بنار المدفأة وتغطيها بضماد أسود حتى نهاية عمرها .. وربما كان الضماد الأسود هنا يرمز إلى غلاف الازدراء الذاتي الذي أحاطت به نفسها وقلبها لتتحول بالفعل إلى عانس بدأت تفقد الإحساس بأنوثتها ودفء جوانبها .. فتكتفي طوال الرواية بالتطريز و رعاية أبناء أخواتها ورفض كل من يفكر بالاقتراب منها ... وبعد هذا يسقط أخيرًا ذلك الغلاف السميك لكن اتجاه ابن اخيها المراهق!

    وكأن جسدها ذكرها للحظة واحدة متجاهلا كل قوانين الطبيعة أنها بالفعل امرأة أولا وأخيرًا .. وهذا المشهد يذكر كثيرا بقصة "بيت من لحم" لـ "يوسف ادريس" والتي قبلت فيها الأم أن يقوم زوجها بالدور ذاته مع بناتها الثلاث لمجرد إراحة ضميرها المتأجج ولاعترافها الصادق أيضا أن المرأة هي أولا وأخيرا امرأة وتحمل جسد امرأة وليس لمجرد كونها عانس فهي فقدت جزء من تكوينها.

    وكأن الجميع بمن فيهم الأدباء يؤمن بأن العنوسة تقتل الروح وتخنق العاطفة لكنها تنهزم فقط أمام رغبات الجسد، وأنا أختلف كثيرا معهم بنظرتهم تلك الأحادية للمرأة العانس.

    فـ "أمارنتا" التي أحبت حتى العشق وكرهت حتى الحقد وغضبت حتى الجنون تبدو وكأنها هي النموذج الإنساني للمرأة في كل الثقافات.. المرأة التي تظلم نفسها أولًا.. وتظلمها الظروف ثانيا.. ويظلمها الرجل ثالثا.. وتظلمها المرأة داخلها رابعا وخامسا وسادسا.. ويمكنك أن تواصل العد بعد ذلك إلى الحد الذي تتصور معه أن أنفاسك وصبرك قد يبلغه.

    وفي رواية "جوزيف أندروز" لـ "هنري فايلدينج" كانت شخصية العانس تفرغ كل طاقتها في تعلم اللغة لتحسن من طريقة حديثها لكنها كانت تخلط بين الكلمات بشكل مضحك فتقول مثلا insence بدلا من essence وكانت طوال ظهورها فى الرواية تفعل ذلك فتغير معنى الكلام تماما بشكل مضحك.

    والرواية كانت محاكاة طريفه لرواية أخرى وإن كانت ذات مغزى هام في النهاية، يمكن تلخيصه ببساطة فى أن العلم والفضيلة وحدهما لا يكفيا ليعيش الإنسان.

    وفي الأدب الروسي يمكن اعتبار بطلة رواية "حذار من الشفقة" لـ "زفايج " صورة أخرى للعنوسة لكن بأسباب مختلفة، إذ خرج بها عن نمط العانس المعروف وصارت أقرب لأي شخصية عادية.

    أما في رواية الآمال الكبرى لتشارلز ديكنز تتجلى شخصية العانس بعجوز تركها زوجها يوم زفافها فأوقفت الزمن بالمائدة وبكعكة الزفاف وبالشمعدان وبفستان الزفاف.وتلك العجوز هي عمة الفتاة التى أحبها والتي تدعى ستيلا.

    ومن نماذج العنوسة ما نجده في قصة العرافة للكاتب الأمريكي أو هنرى، ورواية أوقات عصيبة لتشارلز ديكينز، تحديدًا شخصية مسز سبارسيت.

    أماجين ماربل، والتي تعرف أيضاً باسم مس ماربل أو الآنسة ماربل، هي شخصية خيالية ظهرت في 12 رواية من روايات أجاثا كريستي البوليسية.

    وهي امرأة عانس عجوز تقوم بدور متحرية مبتدئة، وهي تعيش في قرية خيالية تسمي سانت ماري مييد، وتعتبر الآنسة ماربل من أشهر ابتكارات كريستي. وقد كان من أشهر أقوالها والتي قيلت في أكثر من رواية هي "الشباب يعتقدون أن العجائز حمقى، لكن العجائز يعرفون أن الشباب هم الحمقى".

    أما رواية قطار 4.50 من بادنغتون فهي رواية أخرى لأغاثا كريستي، طبعت للمرة الأولى عام 1957 م باللغة الإنكليزية، وملخص الرواية هو كالتالي: تركب عانس عجوز في أحد القطارات فتنظر من النافذة لترى في القطار الذي يسير محاذيا لقطارها رجلا يقتل امرأة غير انه كان موليا ظهره لها فتذهب إلى الشرطة وتستعين بها لكن لم يصدقها أحد باعتبارها عانس وعجوز وقد تعودوا على أكاذيب العجائز...

    والنماذج عدّة وأكتفي بهذا القدر الذي أبان بما فيه الكفاية، أن نظرة الأدباء التي يفترض أنها لا تنسخ الواقع، بدت محاكية للواقع الاجتماعي والثقافي والمعرفي الذي تعيشه العانس، فبات الأدب المكتوب عن تلك العانس سلاحًا آخر يشهر لقتلها، وإظهارها بصورة غير مقبولة بتاتا أينما توجهت وتحركت.

    بل لقد سارع الأدباء في منحها بما خطوا شهادة الرسوب في القبول المجتمعي، فهي عنصر غير فاعل لا في العمل ولا في الفكر ولا في أي مجال أو نشاط إنساني.

    من هنا فإن هذه المقالة سعت جاهدة لإبانة وحشية النظرات للعانس على الصعيد الأدبي الذي ينبغي أن يكون أكثر رفقًا بالعانس، بل رافضًا لهذا السوء والتحيز ضد تلك الفئة ومشاعرها.




    *كاتبة وأكاديمية من الأردن
     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. ماهر مهدي هلال
    موازين الكلام...
    عن الرؤية النقدية للشعر العربي..
    المعايير والاجتهادات
    [​IMG]




    الرؤية “بنية معرفية” (1) تستقصي التقنيات اللغوية في بنية النص الشعري وأنساق تشكيلها. وتعني الرؤية فيما تعني تصوراً معيناً يستطيع أن يعبر عنه أديب أو ناقد أو فيلسوف متخذاً مواقف معينة من قضايا تشغل عصره، والتعبير عنها بأساليب وطرق مختلفة لها قيمتها الاجتماعية والإنسانية حيث تحقق أقصى حدٍ ممكن من التلاحم بين أجزاء التصور الكلي الذي يجانس العصر (2) فهي تجميع لوجهات النظر المختلفة حول حدث ما (3) يمكن أن تكون ظاهرة أدبية.

    عليه فالنقد في هذا السياق رؤية تستند إلى المعرفة وان علماء اللغة المحدثين يستعينون بتلك الرؤية في تطبيقاتهم على الأدب (4) وشأن النقد الأدبي في استعانته بصنوف المعرفة واستخدام نتائجها هو شأن كثير من رجال الفكر، يقول (إليوت): “إن التأمل النقدي هو كالتأمل الفلسفي والبحث العلمي... ومع ذلك فإننا لا يمكن أن نتوقع من العمل النقدي لأي إنسان أو أي عصر أن يتمثل طبيعة الشعر كلها أو يستنفذ استخداماته المختلفة، لذلك فإن النقّاد يقومون باستجابات خاصة نحو مواقف خاصة” (5) وعلى هذا يمكن القول: “إن الرؤية النقدية تشكل وسيلة عمل للوصول إلى نتائج يطمئن إليها الباحث تجعلنا نفرّق بين ما يعد أساسياً في عمل الشعر وما يعد ثانوياً” (6). وتتميز الرؤية بأنها موضوعية تعتمد الاستقراء والوصف من أجل صياغة القوانين العامة التي تحكم الظاهرة الأدبية فهي أقرب إلى نظرية الأدب أما الموقف النقدي فذاتي يستثمر جانباً من المعرفة للإقناع فهو أقرب إلى النقد الانطباعي الذي يصدر أحكامه من معايير تتصل بالنص الأدبي نفسه فتكون معايير جمالية وأما أنها تتصل بواقع الحياة من خارج النص... التي يرغب الناقد أن تسود (7) وفي هذا السياق يندرج القول في أغزل بيت وأمدح بيت وأهجى بيت وأحكام ابن قتيبة في وضع الشعر بين حدي الجودة والرداءة في اللفظ والمعنى في حين يكون الشعر في منظور الرؤية النقدية كلاً لا يتجزأ إلا في حدود قوانين الرؤية الموضوعية التي تسمح باتخاذ مواقف للوصف والتحليل.


    موقف

    ولعل من أدل الشواهد على تمثل الرؤية النقدية والموقف النقدي ذلك الذي جرى بين الشيخ أبي عمرو الشيباني والجاحظ في نقد قول الشاعر:
    لا تحسبن الموت موت البلى
    إنما الموت سؤال الرجال
    كلاهمـا مـوت ولكن ذا
    أفظع من ذاك لذل السؤال

    فقد ذهب الشيخ إلى استحسان المعنى، وجعله قيمة تدل على جودة البيتين، والمعنى جزء من كون الشعر العام، والجزء لا يشكل قيمة حتى ينتظم في السياق، لأن الشعر بنية لا ينظر في نقده إلى المضمون قبل البنية، ولا إلى المدلول قبل الدال (8). لذلك انبرى الجاحظ يقاطع هذا الموقف برؤية تنتظم فيها العناصر المكونة للبنية الشعرية، وهي العناصر ذاتها التي تحتكم لها الرؤية النقدية، فليس شأن النقد عند الجاحظ استحسان المعنى فحسب، لأن المعاني مشاعة بين الناس “مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية” (9) وإنما الشأن “في إقامة الوزن وتخير اللفظ، وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير” (10). وبذلك تمثل الجاحظ الشعر بنية تقوم على ملاحظة لغة النص الفنية ونظام علاقاتها التي تربط عناصر “النسج والتصوير” في حين “كان النقاد من معاصريه وسابقيه ينظرون إلى الشعر كأنه نتاج فلسفي، النظر فيه إلى المعنى أكثر من النظر إلى البنية الخارجية” (11). وفي ضوء الدراسات الحديثة، يرى الدكتور عبد الملك مرتاض في دراسته “بنية الخطاب الشعري”: “إن الرؤية النقدية للجاحظ هنا حديثة جدا ـ وقد سبقت عصرها بأكثر من عشرة قرون، فالمدرسة النقدية الجديدة هي وحدها الآن التي فصلت في هذه القضية ـ جدلية: هل المضمون أولى في العملية الإبداعية أو الخطاب ـ بعنايتها القصوى بالشكل الخارجي للنص وهو الخطاب” (12) الذي أومأ إليه الجاحظ بـ: (ضرب من النسج) وهذا المصطلح من أقدم المصطلحات النقدية في العربية، وقد تعمد الجاحظ اصطناع (النسج) لأنه تمثل “الكلام بنى وهذه البنى تضاف إلى بعضها لتؤلف نسجاً له سطح وله في ذاته عمق فيكوّن مضموناً، فالنسج هنا يشكل كل خصائص الخطاب الخارجية، وذلك هو موضوع النقد الحديث في النص الأدبي” (13).

    فالشعر في رؤية الجاحظ النقدية (بنية) تحكم أنساقها اللغوية شبكة من العلاقات الدالة على (جنس من التصوير) تمنح الشاعر مزيته الإبداعية. فالنسج من خصائص الخطاب (والتصوير) من خصائص الصورة الشعرية عبر المضمون “فالخطاب عام في سطح الأسلوب، أما الصورة فهي لا تشمل إلا حيزاً معيناً من هذا الخطاب” (13) وإن المدار أبداً على كيفية النسج في الشعر والأدب عامة.


    مصفاة

    ولأن الشعر الذي يفتقد عناصر الرؤية النقدية، لا يمكن إدخاله أو دمجه فيها (14) فقد وجد الجاحظ أن مصفاة الرؤية النقدية تجرد هذين البيتين من سمة الشاعرية، فتطرف في تقاطعه مع موقف الشيباني حتى قرر القول: “إن صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً” (15)، لأنه قاصر على إكتناه بنية الشعر.

    وفي مثل هذا تتقاطع الرؤية النقدية مع كل المواقف التي تنطلق من تصورات مجتزأة تحكم بما اصطلح عليه: أشعر بيت أو أحسن بيت، فقد روى الحاتمي مثلا: إن أحسن ما قيل في وصف الكرم قول امرئ القيس:
    وتعرف فيه من أبيه شمـــائل
    ومن خـاله ومن يزيد ومن حجر
    سماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا
    ونائـــل ذا إذا صحــا وإذا سكر

    وروى قول: أحمد بن عيينة معلقاً على هذا الاختبار: “ظن العرب مثل هذين البيتين كأنهما حديث وليس بشعر” (16). وكأنه في هذا القول قد احتكم إلى رؤية الجاحظ وقصده، فسلك هذين البيتين مسلك النثر. ويندرج في هذا السياق موقف دعبل الخزاعي من شعر أبي تمام فقد كان يقول: “لم يكن أبو تمام شاعراً، إنما كان خطيباً، وشعره بالكلام أشبه منه الشعر” (17) بحجة أن أبا تمام “كان يطلب المعاني حتى اعتقد بعضهم أن شعره من قبيل الفلسفة” (18) على أن قوماً يزعمون أن أبا تمام “أشعر الناس طراً” (19) حتى إذا احتكم الناس إلى (عمارة بن عقيل) في هذا الخلاف قال أنشدوني له، فأنشدوه:
    غدت تستجير الدمع خوف نوى غد
    وعــاد قَتــاداً عندها كل مرقـد
    إلى أن يقول:
    فإني رأيت الشمس زيــدت محبه
    إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد

    فقال عمارة: إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واستواء الكلام – فأبو تمام – أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري (20). وبذلك اختزل الموقف بأن وضع شعر أبي تمام في منظور رؤية نقدية، تترابط فيها عناصر البنية الشعرية بشبكة من العلاقات ـ التي يمكن وصفها لمعرفة قيمتها ـ وهي توافق رؤية الجاحظ وتتواصل معها في احتواء المواقف النقدية وتوجيهها توجيهاً أدبياً بإقرار أن الشاعر والناقد كلاهما في الفضل في خلق (الرؤية الشعرية) وهذا الالتقاء جعل النقد الحديث يعدل عن المفاضلة والحكم بالجزئيات، فلم يعد هم النقد أن يرفع شاعراً أو يضع غيره، وإنما أصبح همّه أن يشرك الشاعر في رؤيته ليقول لنا عن مكامن الجمال في شعره (21)، ويتأتى للناقد هذا السبيل بأن يتمثل النظرية الشعرية ومقومات بنيتها وعلاقات عناصرها اللغوية، فاللغة الشعرية هي: “لغة ضمن اللغة، أي أنها لغة لها شكلها المستقل تمام الاستقلال” (22)، وأوضح مسالك هذه الرؤية النقدية المباشرة فيما قرره قدامه بن جعفر “معرفة حد الشعر الجائز عما ليس بشعر، وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز من تمام الدلالة من أن يقال: لما كانت للشعر صناعة، وكان الغرض في كل صناعة إجراء ما يصنع ويعمل بها على غاية التجويد والكمال... وإذ كان الشعر أيضاً جارياً على سبيل سائر الصناعات، مقصوداً فيه وفي ما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد، وكان العاجز عن هذه الغاية من الشعراء إنما هو من ضعف صناعته”.

    وقد تبلورت الرؤية النقدية بعد قدامة بن جعفر في النقد التطبيقي في موازنة الآمدي ووساطة الجرجاني وذلك بالنظر إلى القصيدة كبنية قابلة للوصف على وفق المعايير الفنية التي اصطلح عليها بـ (عمود الشعر) الذي تترسخ في معاييره المقومات الأسلوبية للقصيدة بوصفها نصاً مختاراً يقبل الوصف في مستوياته: الصوتية والتركيبية والدلالية وفي هذا إيذان بتحول مفهوم ابن قتيبة لبنية القصيدة من مجرد شكل إلى مفهوم يتماهى فيه الشكل والمضمون ويتواشج فيه اللفظ والمعنى والعروض والقوافي والبلاغة. وبذلك كان الآمدي أول ناقد يقيّد نقد الشعر بعموده “وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه فإن الكلام لايكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف” (23).


    تسويغ

    وفي ضوء هذه الرؤية قرر الآمدي: “البحتري أعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل ما فارق عمود الشعر المعروف” وأما أبو تمام فهو “شديد التكلف صاحب صنعة ومستكره الألفاظ والمعاني وشعره لا يشبه أشعار الأوائل ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة” (24).

    ويتمثل القاضي الجرجاني رؤية الآمدي ويحتكم إليها في وساطته بين المتنبي وخصومه، وبذلك أصبح عمود الشعر تشريعاً للنقاد سوّغ للمرزوقي أن يجمع عناصره ويبين معاييرها مستنداً إلى سجلات سابقيه قال: “إنهم كانوا يحاولون: شرف المعنى وصحته/ وجزالة اللفظ واستقامته/ والإصابة في الوصف/ والمقاربة في التشبيه/ والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن/ ومناسبة المستعار منه للمستعار له/ ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما، فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار” (25) ويعلق إحسان عباس على عمل المرزوقي بقوله: “فلو لم يكن عمود الشعر هو الصيغة التي اختارها شعراء العربية لكان في أقل تقدير هو الصورة التي اتفق عليها النقاد... وعلى هذا الأساس لا يخرج من نطاقها شاعر عربي أبداً” (26).

    لقد تماهى عمود الشعر بمقوماته مع القصيدة وقيد مفهومها بمصطلح الشعر العمودي وتحددت سمتها الفنية بوفائها بمعاييره الفنية.

    وإذا كان أول اجتراء على القصيدة بالتحول من البحر إلى التفعيلة فيما اصطلح عليه بالشعر الحر، فقد كان ذلك بفعل الأثر والتأثر. تقول الشاعرة الرائدة نازك الملائكة: “إنما اندفعت إلى التجديد بتأثير معرفتي بالعروض العربي وقراءتي للشعر الإنكليزي” (27) وسوغ لها ذلك اجتزاء البحر بالتفعيلة وما دامت التفعيلة أصلها من البحر فقد أبحر مركب الشعر الحر إلى أفق مفتوح حتى عصفت بأشرعته الرياح فعادت الشاعرة لتقول: “الحق أن الحركة بدأت تبتعد عن غايتها المفروضة منذ سنة 1951”... ومنذ وقت مبكر كان تقويمها لتجربة الشعر الحر بقولها: “أثبتت التجربة عبر السنين الطويلة أن الابتذال والعامية يكمنان خلف الاستهواء الظاهري في الأوزان” (28) ولا شك في أن الغاية التي ابتعد عنها الشعراء هي التمسك بالتفعيلة؛ فسرعان ما تحرر الشعر منها فنثرت التفعيلة على رأس القصيدة لتولد قصيدة يعرفها النثر فيما اصطلح عليه بـ (قصيدة النثر) أو الشعر المنثور كما يسميه آخرون، فكيف هو نثر؟ وكيف هي قصيدة؟ تجيب على ذلك الشاعرة نازك: “إن هناك اليوم أناساً يكتبون النثر ويسمونه في جرأة عجيبة شعراً حتى فقدت كلمة شعر صراحتها ونصاعتها... لأن لفظ شعر قد تبلبل معناه واختلط وضاع” (29) وأوضح أمر قصيدة النثر وأصولها أحد الباحثين بقوله: “إن الثقافة الأجنبية والترجمات شكلت عاملاً أساسياً أسهم في ولادة قصيدة النثر.... (فبودلير) يعتبر جد القصيدة ومؤسسها الأول في العالم” (30).
    وبعد، فالرؤية النقدية التي أعنيها ترصد كل محاولة إبداعية لا لتشكك في قيمتها وإنما لتعنى في وصفها على وفق الأصول المعرفية التي تهيئ للناقد أن ينزّل الأجناس الأدبية منازلها.



    الهوامش:
    1 - نظرية المصطلح النقدي/ د. عزة محمد جاد/ 376.
    2 - الرؤية البيانية عند الجاحظ/ ادريس بلمليح/ 11-12.
    3 - معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة/ د. سعيد علوش/ 107.
    4 - الرؤية النقدية/ محمود الهاشمي/ 6.
    5 - فائدة الشعر وفائدة النقد/ 136-137.
    6 - الرؤية البيانية عند الجاحظ/ 14.
    7 - مجلة الفصول/ 16/ م(1) العدد (5).
    8 - بنية الخطاب الشعري/ عبد الملك مرتاض/ 6.
    9 - البيان والتبيين/ جـ 1/ 76.
    10 - الحيوان/ الجاحظ/ جـ 3/ 131.
    11 - بنية الخطاب الشعري/ 34.
    12 - المصدر نفسه/ 35.
    13 - نفسه/ 16.
    14 - الرؤية البيانية عند الجاحظ/ 14.
    15 - الحيوان/ جـ 3/ 133.
    16 - حلية المحاضرة/ جـ 1/ 362. الحاتمي
    17 - أخبار أبي تمام/ 244. الصولي
    18 - نظريات الشعر عند العرب/ مصطفى الجوزو/ جـ 1/ 217.
    19 - أخبار أبي تمام/ 59.
    20 - نفسه/ 60-61.
    21 - دراسات في الأدب والنقد/ حلمي مرزوق/ 46-47.
    22 - مفاهيم نقدية/ رينيه وليك/ 478.
    23 - الموازنة/ جـ 1/ 400. الآمدي
    24 - نفسه/ 405.
    25 - شرح ديوان الحماسة/ المرزوقي/ جـ 1/ 9.
    26 - تاريخ النقد عند العرب/ إحسان عباس/ 412-416.
    27 - قضايا الشعر المعاصر/ الأعمال النثرية الكاملة/ جـ 1/ 36.نازك الملائكة
    28 - نفسه/ جـ 1/ 61.
    29 - نفسه/ 195.
    30 - قصيدة النثر العربية/ احمد بزون/ 76-79.
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. ماهر مهدي هلال
    الصوت والصدى.. وما بينهما
    حضور الجرس كمكون دلالي في البنية الشعرية
    [​IMG]
    (الخرير) لا يمكن أن يكون فاعل الحدث فيه إلا الماء




    تعد دراسة الأثر الصوتي في اللغة وأنساقها التعبيرية وشيجة استدلال إلى ماهية الصلة بين اللفظ والمعنى لإيجاد بعض التفسير للاندهاش، بفعل اللغة الإنسانية الذي شكل مثيرًا إدراكيًا عميقًا لوعي الحياة الإنسانية منذ نشأتها ولفهم معطياتها المعنوية على مستوى الفرد والمجتمع. وإذا كانت الافتراضات العلمية لنشأة اللغة، والآراء التي قيلت حول طبيعة وجودها، لم تصل في بحثها وتنقيرها إلى قرار علمي للأخذ بواحد من تلك الآراء؛ فإن الموضوعية العلمية قد اقتضت ـ ومنذ وقت مبكر ـ التوجه إلى البحث في الجانب المحسوس من اللغة؛ وهو الصوت، الذي هو وسيط الدلالة في عملية الخطاب والإبلاغ، والقناة الحاملة للمعنى إلى المتلقي بإقرار رولان بارت “إن الدال وسيط مادي للمدلول”.

    يحدد هذا القِران الدلالي مجال الأسلوبية في التحرك باتجاه النص الإبداعي وخواصه التعبيرية: الصوت، أو التركيب أو الدلالة (بحيث تكون دراسة الأسلوب من خلالها قائمة على كونها فنًا لغويًا وأدبيًا في آن واحد) ويتمثل ذلك في رصد الخواص الجمالية في التعبير والكشف عنها في التركيب اللغوي من حيث الربط بين الرمز والمدلول في صور الكلام، ومن ثم ما يتبع التركيب من تنافر الحروف وحسن النظم والتأليف والتعقيد اللفظي والمعنوي وزيادة المعنى لزيادة المبنى. وعلى هذا فقد أولى التوجه الأسلوبي لتحديث الدرس اللغوي الجانب الموسيقي أهمية خاصة، وكان مدار بحث “الشكلانيين” منذ البداية يتجه إلى فنية الشكل الأدبي، وكان اعتمادهم على دراسة التردد الصوتي أولاً بوصفه المستوى التعبيري الأول ومن ثم وحدات الدلالة التي تشير إليها الكلمات في بنية الجملة وتركيبها (والدليل شريحة إصاتية أو بصرية.. ويمكن تصور الدلالة كصيرورة فالفعل هو الذي يوحد الدال بالمدلول). ولأن اللسان إرثٌ دائمًا كما يقول “سوسير” كان اعتماد الألسنية ومن ثم الأسلوبية المستوى الصوتي في وصف اللغة ومظهرها الحسي من خلال الكلام، ولأن أرث العربية في الدراسات الصوتية غزير، أصوله بعيدة الغور، أقرها الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه الرائد “العين” وإن هذا ليشكل حافزاً موضوعيًا للبحث في خصوصية تلك الدراسات على مستوى صوتية المفردات اللغوية وأنساقها التركيبية. “ والصوت هو آلة اللفظ والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظًا ولا كلامًا موزونًا ولا منثورًا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلامًا إلا بالتقطيع والتأليف”. وعلى هذا كان حد اللغة بأنها: “أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”. أي أن الصوت كون معلوم لأغراض كامنة في ذات الإنسان وأن تلك الأغراض معان “موجودة في معنى معدومة”. وأن التعبير عنها يحدد وظيفة اللغة “باستكشاف عالم المعاني وإحيائه”. ولذلك فإن “معنى اللفظ الذي هو جنس للشعر موجود فيه، وهو حروف خارجة بالصوت متواطأ عليها”.


    عن الصلة وأصلها

    وقد شغلت طبيعة الصلة بين الصوت الملفوظ ومعناه أذهان اللغويين كما أنشغل بها البلاغيون والنقاد. أهي طبيعية؟ فتكون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية بمعنى أن كل صوت يرمز إلى معنى، فتكتسب الألفاظ دلالتها من خلال جرس أصواتها. وينشأ ما يسمى بالمناسبة الطبيعية بين الأصوات والدلالات. ويقترن هذا التساؤل بالفرضية الصوتية لنشأة اللغة والتي أقرت بوجود علاقة طبيعية بين اللفظ والمعنى، على أساس من محاكاة الأصوات الموجودة في الطبيعة وأن عملية التحول بالصوت كماهية ملفوظة إلى دال مدرك هي عملية قَصْدية يعمل الإنسان على شَحْنِها بالتوتر الذاتي المتمثل بالتعبير حسب مقتضيات المقام، ويرتكز فعل الصوت في هذا على تغاير الجرس بين الأصوات الذي يشكل مثيرًا إدراكيًا لدى الإنسان، ومنذ القدم كانت الألفاظ تحمل سَمْتها الجمالي في جرسيتها يقول أرسطو: “فأما حسن الاسم فإنه ما يكون في الجرس.. وكذلك القول في قيمه”.

    والجرس في اللغة هو الصوت نفسه ولكن بتنغيم يخرجه عن الصوت المحض، أي أن الجرس هو نغمة الصوت الإنساني، وعلى هذا فالجرس هو الكلام، تقول: جرستُ وتجرّست: أي تكلمت بشيْ وتنغمت به؛ فالجرس هو تنغيم قصدي في أجهزة النطق، لإضفاء قيمة تعبيرية للكلام تتحول إلى قيمة تتحكم في دلالة الصوت ومؤداه المعنوي، ولهذا قيل “إن الجرس يجب أن يكون صدى للمعنى”، ووصفت الكلمة بأنها “جرس صوتي مقطع بنظام”.

    فمصطلح الجرس أدل في مؤداه الوصفي للألفاظ على بلاغة الكلمة وسِمتها التعبيرية بوصفه أثرًا لتناسب المعنى مع الصوت في تخصيص الدلالة، ويستفيد من عمومية مفهوم الصوت في استثمار نتائجه اللغوية.. والجرس أدل على القصد “فصوته نفسه يشعر بمعناه، وهو بعد لفظ واسع المدلول ينضوي تحته كل ما يتعلق بدندنة الألفاظ في البيان الشعري”. ولأن الجرس هو الصورة السمعية الواقعة على أذن العقل الباطنية كما يقول (أ. أ. رتشاردز) وهو فعل الصوت الآني، فقد انتبه القدماء إلى هذا الفعل وكأنه مولّد دال على ذات الشيء في زمانه ومكانه. “وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الضبي، ونحو ذلك”. ومن الكلمات الموحية صوتيا مثل حفيف، صفير، نقيق، رفيف، هديل، رنين، وسواها من الصيغ التي يستغل الشعراء دلالتها الذاتية كدلالة الهاء على الهواء وهبوب الرياح في قول المتنبي:
    وهبت بجسمي هبوب الدبو
    ر مستقبلات مهب الصبا

    وتأمل توالي القاف والضاد والراء لتصوير اصطكاك أسنان الذئب في قول الشاعر البحتري:
    يقضقض عصلا في أسنتها الردى
    كقضقضة المقرور أرعده البرد

    وبمعزل عن دافع المحاكاة الخارجي فإن دافع الإنسان الذاتي يجعل من صوتية التعبير وكأنها صدى للمعنى الذي يعانيه ويعتمل في ذاته، (فاللفظة قبل كل شيء صوت ينطق به الإنسان، وكان من الطبيعي أن يقلد النطق البشري صوتاً حقيقيًا ليفصح عنه لهذا يحافظ الأدب وهو فن لفظي على روابط متينة تربطه بالموسيقى)، وعلى هذه الروابط المتداخلة والمساجلة الإيحائية بين الجرس ومؤداه تُبنى فكرة القدرة الإيحائية للعبارة، فيكون الجرس فيها دالاً ومدلولاً، ويمكن وصفه بالمكون الدلالي في مختلف أساليب التعبير التي اصطلح عليها بـ”التوازي الصوتي” في كلمتين يبدأ بهما البيت يهيمن جرس الراء فيهما ليولد ارتياع الإنسان من الشيب كقول المتنبي:
    راعتك رائعة البياض بمفرقي
    ولو أنها الأولى لراع الأسحم

    ومثله قول الشابي في قصيدته “بقايا خريف”:
    يروعها فيه قصف الرعود
    ويحزنها فيه ندب الزفيف

    ولعل من أروع الصيغ الشعرية التي تستنطق دلالة الجرس الذاتية تلك التي أشاعها بدر شاكر السياب في بكائياته وشجنياته وليس أدل على ذلك قصيدته “أنشودة المطر” التي أصبحت “كمعطف كوكول” للمحدثين من الشعراء والتي استثمر فيها جرس الراء بكل إيحاءاته المولدة للدلالة ومنها:
    “كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم
    وقطرة فقطرة تذوب في المطر
    وكركر الأطفال في عرائش الكروم
    ودغدغت صمت العصافير على الشجر
    أنشودة المطر
    مطر.. مطر.. مطر”.

    وفي قصيدته “النهر والميلاد” يقول:
    “بويب... بويب
    أجراس برج ضاع في قرارة البحر
    الماء في الجرار، والغروب في الشجر
    وتنضج الجرار أجراسا من المطر”.

    ففي ثلاثة أشطر تسمع تردد ثلاثة عشر صوتاً للراء يوحي بإيقاع “كزخات المطر”.


    الجرس دالا ومدلولا

    لعل من المفيد هنا أن أختار تقريرًا حكَّمه عبد السلام المسّدي في مقولة للجاحظ، وهو يبحث في مقاييسه الأسلوبية، مفاده “لا يكون الكلام يستحق اسْم البلاغةِ حتى يسابقَ معناه لفظه، ولفظهُ معناه، ولا يكون لفظُه إلى سمعك أسبق من معناها إلى قلبك”.

    وقد استخلص، من وصف الجاحظ للكلام هذا أول مقياس بُنيت عليه النظرية في تحديد الأسلوب وهو مبدأ “الاختيار”، وذلك بأن جعل “التطابق الآلي بين البنية الخارجية للفظ، وهي البنية الألسنية الصوتية، وبنيته الداخلية ـ أي الألسنية الدلالية ـ بحيث يكون اقتران الدال بمدلوله اقترانًا آليًا لا يفضي إلى أي انزياح زمني أو قطيعة دلالية، ويطلق الأسلوبيون اليوم على هذه الظاهرة الانتظام النوعي في الدلالات”.

    وعليه يستنتج المسدّي اعتماد الجاحظ على الطاقة الإيحائية في الظاهرة اللغوية أكثر من اعتماده على طاقتها التصريحية “المعجمية”، باعتبار ذلك من مميزات لغة الخلق الفني، وبالتالي لغة الأسلوب الأدبي.. إنَّ قوام دلالة الإيحاء هنا هو تداخل شيئية الصوت بمعناه حيث يصبح الأثر الصوتي محفزاً لتصور المعنى: “فهناك نوع من التحفيز يتجه من المدلول إلى الدال مثل حالة ألفاظ المصاقبة”. وبالاشتقاق والنحت اتسعت اللغة “لأن العرب تشتق من اسم الشيء الذي يعاينون ويسمعون ألفاظا توحي بمعانيها” من ذلك قول سوار بن المضرب:
    تغنى الطائران ببين ليلى
    على غصنين من غرب وبان
    فكان البان أن بانت سليمى
    وفي الغرب اغتراب غير دان

    فاشتق كما ترى الاغتراب من الغرب، والبينونة من البان، وبذلك أوحى المعنى إلى ذهن المتلقي ووسع من أفق انتظاره وعلى هذا قيل إن اللغة العربية اتسعت بالمجاز والاشتقاق.”ونظرية الأصوات هذه مما تعده الدراسات الحديثة بأنه أدنى نظريات البحث في اللغة إلى الصحة وأكثرها اتفاقًا مع طبيعة الأمور، وأن أحدًا من اللغويين لم يستطيع إنكارها حتى أولئك الذين غالوا في معارضة فكرة الاتصال العقلي بين الأصوات والمدلولات”. إن القول بالعلاقة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله يشكل محوراً أوليًا. وأصلاً من أصول دراسة الدلالة، وهو مذهب قديم أطراه أفلاطون (انطلاقاً من اعتقاده أن اللغة ظاهرة طبيعية) وتأسس على قوله هذا فكرة المناسبة الطبيعية بين الألفاظ ومعانيها أو بين الأصوات ودلالتها.

    ومما هو متواتر في سياق الدراسات الدلالية ما قرره عباد بن سليمان الصيمري، فقد كان يرى “أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع قال: وإلا لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحًا من غير مرجح”. وعلق السيوطي على مذهب الصيمري هذا بالقول: “وأما أهل اللغة والعربية فقد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني”، لأن الناس تتعارف على تواتر أصوات لا بغيره، فإشارة الصوت تتحول إلى سمة مميزة لها قوة الطبيعية في الدلالة على المعنى “وضم الصوت للتمثل نتاج لترويض جماعي.. وليس هذا الضم والجمع ـ وهو الدلالة ـ باعتباطي بتاتاً بل على العكس من ذلك ضروري”.

    وأسهم الفلاسفة بحديث الصوت والدلالة أيضًا، فتحدث الفارابي عن ذلك في كتاب الحروف، كما ذهب ابن سينا إلى مقابلة الحروف بما يماثلها من الأصوات الطبيعية في كتابه “أسباب حدوث الحروف”، ومثال ذلك قوله: “والكاف تسمعها عن قرع جسم صلب بجسم صلب وعن انشقاق الأجسام اليابسة، والراء عن ارتعاد ثوب معرض لريح قوية.. واللام عن لطم الماء باليد.. والفاء عن حفيف الأشجار وما أشبهها..” الخ..


    مرجعية الجرس الدلالية

    يتأسس على هذا الذي قرره الباحثون بوجود علاقة طبيعية بين الصوت والمعنى، القول: بأن مرجعية الدلالة في الألفاظ المتصاقبة تتكون من التداخل بين شيئية الصوت ومؤداه، وهذا المؤدى يشكل بنسقه الصوتي رمزاً للمعنى، له قوّة العرفية في مرجعيته الدلالية، (فالخرير) مثلاً لا يمكن أن يكون فاعل الحدث فيه إلا الماء، فهو حكاية صوته، ومثله الزئير، والصهيل وكل الأصوات الحاكية لمعانيها.

    أي أن هذه الأنساق الصوتية تحقق للغة وظيفتها لأنها تحفز الذهن وتولد حالة من التوقع والاستدعاء لإسناد الأصوات إلى طبيعة أحداثها، أي إسناد الألفاظ إلى بعضها، وبناء التراكيب التعبيرية. قيل للمنتجع بن نبهان: “ما النضناض؟ فأخرج طرف لسانه وحركه. وقيل له ما الدّلنظى؟ فزحر وتقاعس وفرج ما بين منكبيه”.

    وفي لسان العرب، ونضنضته: إذا حركته وأقلقته، ومنه قيل “الحية نضناض.. وادلنظى: الجمل أسرع”.
    ومثله قول عبد الله بن قيس:
    يَلْحيَنني وألومُهُـنَّ
    بكرت علي عواذلي
    كَ وقد كبرت فقلت إنّهْ
    ويقلـن شيب قـد علا

    أي تأوه وتوجع، ولأن الجرس حكاية صوت اللفظ، فهو موحٍ بمعناه دال عليه. وفي هذا يقول ابن جني: “فأن كثيرًا من هذه اللغة وجدته مضاهيًا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا: قضم في اليابس وخضم في الرطب، وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى والصوت الأضعف للفعل الأضعف”.

    وقد تبنى “ابن جني” البحث والتنقير في إيحاء الجرس اللفظي فقرر بعد تأمل واستقراء القول: فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ونهج متلئب عند عارفيه مأموم، وذلك بأنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها فيعدلونها بها، ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره وأضعاف ما نستشعره. ومن ذلك قولهم: النضح للماء، والنضخ أقوى من النضح قال الله تعالى: “فيهما عينان نضاختان” (الرحمن 66) فجعلوا الحاء ـ لرقتها ـ للماء الضعيف، والخاء ـ لغلظها ـ لما هو أقوى منه. ومن ذلك القدُ طولاً والقط عرضًا، وذلك أن الطاء احصر للصوت وأسرع قطعًا له من الدال فجعلوا الطاء المناجزة لقطع العَرْضِ ـ لقربه وسرعته والدال المماطلة لما طال من الأثر، وهو قطعه طولاً. ووجد من خلال تمعنه واستقرائه صلة بين جرس الحروف والأحداث المعبر عنها، قال: “وذلك أنهم قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها: ترتيبها، وتقديم ما يضاهي أول الحدث، وتأخير ما يضاهي آخره، وتوسيط ما يضاهي أوسطه؛ سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب، وذلك قولهم: بحث، فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض، والحاء لصحلها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث، والبث للتراب، وهذا أمر تراه محسوسًا محصلاً... لكن من وراء هذا ضرب غيره، وهو أن تتقارب الحروف لتقارب المعاني، وهذا باب واسع”. من ذلك قوله سبحانه: “ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تَؤزّهُم أزّا” (مريم 83) أي تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى تهزهم هزا. والهمزة آخت الهاء، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين وكأنهم خصُّوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز لأنك قد تهز ما لا بال له، كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك ومنه العسف والأسف. والعين آخت الهمزة كما أن الأسف يعسف النفس وينال منها، والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف، فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين. فالصيغ الاشتقاقية يتدافع المعنى فيها على أصل واحد، بفعل الترابط الصوتي أو جرسية اللفظ الذي يدل على المعنى ويوحي به.

    يقول “أولمان”: “وقد تؤدي شدة التأثر بالباعث الصوتي على توليد الكلمات أو الأصوات إلى ما يكاد يكون اعتقادًا غامضًا في وجود مطابقة خفية بين الصوت والمعنى”.

    وبعد: فالجرس أدل من الصوت في وصف المفردة اللغوية. “إن جوهر الشعر هو الصوت.. وإنما ينبني على الكلمة في حد ذاتها”، وذاتية الصوت جرسه، وهو القوة المؤثرة التي تتحكم في دلالة الألفاظ مهما تغيرت صيغها الصرفية، فهو قوام المناسبة الطبيعية في الألفاظ بوصفه علامة مميزة للكلام توحد بين الدال والمدلول، والعلامة حسب (سوسير) هي جماع الدال والمدلول، وحسب تعديل “كلود لفي شتراوس”: “الدال والمدلول يثير أحدهما الآخر”. ودراسة الجرس في أنساق الكلام يشكل منطلقًا لدراسة ما تصطلح عليه الأسلوبية (الهندسة الصوتية) على أساس: “إن الشاعر هو مهندس أصوات وهذا يعني أن بعض أبيات الشعر منتظم انتظامًا صوتيًا يرتكز على تكرير الفونيمات المتماثلة والمتشابهة ولكي نتمكن من دراسة البنية الصوتية الشعرية يتوجب علينا أن نحدد شكل هذه التنسيقات التي أقرتها الدراسات؛ كالتنغيم والترديد والمقابلة التي تبنى على تبادل الأنساق كقول المتنبي:
    نصيبك في حياتك من حبيب
    نصيبك في منامك من خيال
    وقول الآخر:
    ومن لو أراه صاديا لسقيته
    ومن لو رآني صاديا لسقاني
    ومن لو أراه عانيا لفديته
    ومن لو رآني عانيا لفداني

    ومن صيغ البديع المعروفة: التكرار والجناس، ولاسيما الجناس الاشتقاقي، كقول أبي حيّة النميري:
    رمتني وستر الله بيني وبينها
    عشية آرام الكناس رميم
    رميم التي قالت لجارات بيتها
    ضمنت لكم ألا يزال يهيم
    ألا رب يوم لو رمتني رميتها
    ولكن عهدي بالنضال قديم

    وليس خافيا التناوب الصوتي بين: رمتني/ رميم... بيني/ بينها... رمتني/ رميتها.

    ويرى الجاحظ أن هذه الأبيات تمثل التلاؤم بين الصوت والتركيب والدلالة، ويرى محمد العمري “إن الأبيات الثلاثة نتاج إيقاعي للكلمة المولدة للدلالة والإيقاع فيه وهي “رميم” وإلى جانب النسق الذي تكونه الوحدات المشتركة هناك وحدات متميزة أبرزها اللام” التي شكلت تناغما بالتواصل، وفي مثل هذا نجد المتواليات الصوتية في جرس الألفاظ في تصريع مطالع القصائد وفي الترصيع أي التسجيع في حشو البيت كقول أبي فراس:
    تبسم إذ تبسم عن أقاح
    وأسفر حين أسفر عن صباح
    وأتحفني براح من رضاب
    وراح من جنى خد وراح

    فقد صرّع ورصّع وكرر في المطلع وعدَل إلى التكرار في البيت الثاني فحقق بذلك تناغما مركبا مكوِنا للدلالة وموحيا بتخييل الصورة، وعليه فالقيم الصوتية المحاكية تبدو “عالية جدًا على صعيد الأسلوب، وبخاصة الأسلوب الشعري الذي يسعى إلى تقديم كل التداعيات الاستطرادية الكامنة بين الشكل الصوتي والمعنى” لأن قيمة الجرس التعبيرية لا تحدد في إثارة حاسة السمع، وإنما في إثارة الجوانب الروحية الكامنة في ذات الإنسان أيضًا.
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الفرق بين "سنة" و"عام"




    (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عـاما ) (سورة العنكبوت) آية 14

    كان من الممكن أن يقول رب العزة : أنهم تسعمائة وخمسون سنه فلماذا ألف سنه إلا خمسين عـاما؟

    أن لفظ سنه تطلق على الأيام الشديدة الصعبة عندما قال: ( تزرعون سبع سنيـــن) سورة يوسف اية47

    ولفظ عام يطلق على الأيام السهلة أيام الرخاء والنعيم

    قال تعالى: "ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس" سورة يوسف أية 49
    وبذلك يكون سيدنا نوح قد لبث ألف سنـة شقاء إلا خمسين عـاما..

    لذا من الأفضل أن نقول: "كل عـــــــام وانتم بخير"
     
  19. جزيل الشكر ،أستاذ نقوس المهدي على

    هذه القطوف الرائعة من فاكهة العربية.

    تحياتي ،أخي و عيدك مبارك سعيد.
     
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    موضوع جد مهم يجمع كل الثوابت الإعرابية بطريقة سهلة
    قواعد اللغة العربية


    1- نكرة + نكرة = نعت مفرد : - هند طالبة مجتهدة.
    2- معرفة + معرفة = نعت مفرد: - يحترم الاستاذ الطالب المتفوق.
    3- نكرة + معرفة = مضاف اليه : - لن يفر المذنب من قبضة القانون.
    4- معرفة + نكرة = حال مفردة: - جاء أحمد راكباً.
    5- اسم اشارة + معرف بأل غير متصرف: بدل مطابق - شاهدت هذا الرجل.
    6- اسم اشارة + معرف بأل متصرف:نعت مفرد. - نجح هذا المجتهد.
    7- اسم اشارة + نكرة = خبر : - هذا رجل كريم.
    8- أيها ، أيتها + معرف بأل متصرف: نعت مفرد - يأيها الناجح
    9- أيها ، أيتها + معرف بأل جامد = بدل مطابق - يأيها الرجل
    10- إذا كانت الجملة الفعلية اسم معرفة + اسم نكرة : يعرب الاسم الثانى حالاً منصوباً. ( جاء الطفل مسروراً).
    11- إذا كانت الجملة اسمية اسم معرفة + اسم نكرة :يعرب الاسم الثانى خبر .( هذا الطفل مسروراً).
    12- حرف نداء + اسم اشارة + معرف بأل = نعت - ياهذا الطالب.
    13- معرف بأل +اسم اشارة = نعت راجع القواعد هذه
    14- علم أو معرفة بأل + اسم موصول = نعت - قابلت الطالب الذى نجح.
    15- نكرة + اسم موصول = مضاف اليه - كل من عليها فان.
    16- إنما + الاسم المعرف = ميتدأ إنما الأمم الأخلاق.
    17- إذا تقدم الجار والمجرور أو الظرف فى أول الجملة الاسمية يعرب خبراً مُقدماً. " من المؤمنين رجال صدقوا ماعَهدوا الله عليه"
    18- الاسم الواقع بعد الكلمات الاتية يعرب مضافاً اليه ( كل – كلا – كلتا – نفس – عين – بعض – سوى – نحو أثناء – خلال – لدى – تلو – أى – عند – مثل – عبر – بين – بن – أب – أخ – فو – ذو – حم – " وفوق كل ذى علم عليم".
    19- الاسم الواقع بعد الظرف ( زمان – مكان ) يعرب مضافاً اليه- قابلت صديقى بعد صلاة العشاء أمام المسجد.
    20- الفعل المضارع ينصب إذا سُبق بأداة نصب ( أنْ – لنْ – كى – حتى – لام التعليل – فاء السببية – واو المعية – لام الجحود – إذنْ ).
    21- الفعل المضارع يجزم إذا سُبق بأداة الجزم ( لم – لما – لام الأمر – لا الناهية) وإذا سُبق بأداة شرط جازمة لفعلين ( إنْ – منْ – مهما – متى – أين – أينما – حيثما – أيان – أى ) - لم ينجح المهمل.
    22- علامات جزم الفعل المضارع هى( السكون – حذف النون – حذف حرف العلة).
    - يجزم المضارع بحذف حرف العلة إذا كان معتل الآخر.
    - يجزم المضارع بالسكون إذا كان صحيح الآخر ولم يتصل به ضمير.
    - يجزم بحذف النون إذا كان من الافعال الخمسة.
    23- الأفعال الخمسة هى كل فعل مضارع اتصلت به واو الجماعة- المسلمون يطبقون الشريعة.
    ترفع الأفعال الخمسة بثبوت النون ألف الاثنين - الساعيان فى الخير لن يندما.
    وتنصب وتجزم بحذف النون ياء المخاطبة - يافاطمة لاتهملى واجبك.
    24- أى ضمير يتصل باسم معرب يعرب ضمير مبنى فى محل جر مضاف اليه
    – أعطيت الطالب حقه حق _ الهاء.
    25- أى ضمير يتصل بفعل يعرب ضمير مبنى فى محل رفع فاعل ماعدا كاف الخطاب
    - هاء الغيبة – ياء المتكلم فتعرب ضميراً مبنياَ فى محل نصب مفعول به – فهمت النحو – فهمنا النحو – شاهدت أمل – فاطمة يحبها الجميع.
    26- اسم تفضيل + اسم نكرة منون منصوب = تمييز منصوب – محمد أعظم خُلقا.
    27- الاسم الواقع بعد الأعداد – كنايه الأعداد – كم الاستفهامية – كم الخبرية – الوزن – الكيل – المسافة = تمييز كم يوماً فى الاسبوع.
    28- الاسم النكرة الواقع بعد فاعل = تمييز - زرعت فداناً قطناَ.
    29- العداد 11:99 تمييزها مفرد منصوب – القرآن ثلاثون جزءاً، وسائر الأعداد تمييزها
    مفرد مجرور أو جمع مجرور - فى الجنيه مائة قرش.
    30- كلمة مع " تعرب ظرفاَ ومابعدها يعرب مضافاَ اليه وكلمة معا تعرب حالاَ منصوب بالفتحة.
    يد الله مع الجماعة - ينبغى أن نقف معاً ضد اسرائيل.
    31- مواقع إعراب كلمة " كيف " أ- كيف + فعل تام = فى محل نصب حال كيف جاء محمد.
    ب- كيف + اسم أوضمير منفصل = فى محل رفع خبر مقدم كيف حالك؟كيف أنت؟
    ج- كيف + فعل ناقص = فى محل نصب خبر مقدم كيف كان محمد؟
    ** تعرب كيف نائب عن المفعول المطلق **
    " قال تعالى ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل" ، .... ألم تر كيف ضرب الله مثلاً".
    32- " مُذُ ، منذ " + اسم مجرور = مضاف اليه - مارأيته منذ يومين.
    33- الجملة الواقعة بعد" إذا ، إذ ، حيث – حين _ يوم " تكون فى محل جر بالاضافة.
    ( جلست فى المسجد حيث يجلس قارىء القرآن)
    34 - الأسماء الآتية تعرب حالاُ أولاً – ثانيا – الخ – مادياُ – سياسياً – عوضًا – بدلاً – سهوًا – عمداً – دائماً – جميعاً – معاً – وحدك – وحده – وحدها – أجمعين – عامة - قاطبة - كافة - سوياَ.
    35- الاسماء الآتية تعرب مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف سبحانه – خصوصًا – عمومًا – أيضًا – مثلاً- حقًا – لبيك – سعديك – شكراً – عفوا.
    36- كلمة حثيثًا ، جدًا – كثيرًا تعرب نائبًا عن المفعول المطلق. كلمته كثيرًا.
    37- ينوب عن المفعول المطلق لصفته – عدده – الاشارة اليه – مرادفه- نوعه – ضميره – كل – بعض – غاية – جميع – كل اسم أضيف الى المصدر .
    " فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلده ".
    38- " خصوصًا – خاصة " يعربان مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف تقديره أخص والاسم الواقع بعدها
    يعرب مفعولاً منصوبًا وإذا جاءت فى نهاية الجملة أعربتها حالاً منصوبه – أحب الرجال خصوصًا الصادقين – أحب الرجال الصادقين خصوصًا.
    39- كلمة بخاصة جار ومجرور فى محل رفع خبر مقدم والاسم الواقع بعدها يعرب مبتدأ مؤخر مرفوع وإذا جاءت فى آخر الجملة تعرب حالاً شبه جملة- أحب الرجال بخاصة محمد. ،
    أحب الرجال الصادقين بخاصة.
    40- الاسم الواقع بعد ( متى – أين – كيف ) يعرب مبتدأ مؤخر وأسماء الاستفهام تعرب خبرًا مقدمًا – أين الكتاب؟
    41- يجب تقديم الخبر على المبتدأ إذا كان فى المبتدأ ضمير يعود على الخبر – فى المدرسة تلاميذها.
    42- الكلمات ( ثم ثمه – هنا – هناك ) تعرب ظروف مكان مبنية فى محل رفع خبر مقدم والاسم بعدها يُعرب مبتدا مؤخر - ثم خلاف بينى وبيتك ، هنا القاهرة.
    43- الاسم الواقع بعد " لولا " يعرب مبتدأ وخبره محذوف وجوبًا تقديره موجود.
    44- الكلمات " لعمرك – لعمرى – يمين الله – أيم الله " وكل مايدل على القسم تعرب مبتدأ وخبره محذوف – يمين الله لآحافظن على الصلاة.
    45- الاسم الواقع بعد ( خلا – عدا – حاشا ) إما أن يعرب اسمًا مجرورًا وهذه الكلمات حروف جر ، وإما مفعولاً به وتكون هذه الكلمات أفعالاً ماضية" – جاء الطلاب من الرحلة خلا أسامة.
    46- الاسم الواقع بعد( ماخلا- ماعدا – ماحاشا) يعرب دائمًا مفعول به منصوب – نجح الطلاب جميعًا ماعدا أسامة.
    47- عند السؤال ب ( ألم – ألن – أما – ألا – أليس ) تكون الاجابة فى الاثبات ب ( بلى ) وفى النفى بـ (نعم ) + أداة النفى : ألم تسافر ؟ الاثبات : بلى أسافر. النفى : نعم لم أسافر.
    48- الفعل + المصدر = مفعول مطلق منصوب ( اصبر يامؤمن صبرًا جميلاً).
    49- المصدر بدون الفعل يعرب حسب موقعه فى الجملة ( الصبر على المكاره واجب ).
    50- حروف الجر الأصلية هى ( منْ – على – فى – الباء – الكاف – اللام ) ومايليها مضاف اليه.
    51- رب + نكرة = مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة منع ظهورها حركة حرف الجر الزائد – رب ضارة نافعة.
    52- الأفعال ( كسا – ألبس - منح – منع – أعطى – ظن – خال – حسب – زعم – جعل – رأى – - وجد – علم – وهب – أخذ– حول) تنصب مفعولين ( جعل الله الجنة دار المتقين).
    53- الجمل وأشباه الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال _ جاء رجل خلقه عظيم – جاء
    الرجل خلقه عظيم ).
    " أهلاً وسهلاً ومرحبًا : تعرب مفعولاً به لفعل محذوف والتقدير حللت أهلاً ونزلت سهلاً.
    54-دائمًا – أولاً – ثانياً – ثالثاً – أخيراً – معاً – خاصةً – عامةً – جميعًا - سهوًا –
    سويًا : تعرب حالاً منصوبة . جئنا معًا – نذاكر سويًا – ذاكرت النحو أولاً.
    56- مواقع اعراب كلمة كل :أ- اسم + كل + ضمير = توكيد معنوى.
    ب- كل + كلمة تدل على الزمن = ظرف زمان ومابعدها مضاف اليه.
    ذاكر النحو كل يوم.
    57- مواضع إعراب التمييز
    أ- ألفاظ المقادير + كلمة نكرة = تمييز ( اشتريت كيلو تفاحًا ).
    ب- ألفاظ الأعداد وكناياته + كلمة نكرة = تمييز. ( سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا)
    ج- كلمة على وزن أفعل + كلمة نكرة ( أعظم البلاد قوة).
    د - أسلوب المدح والندم نعم ، بئس + نكرة = تمييز( نِعمَ خلق الصديق).
    هـ- صيغة التعجب ماأفعل ، أفعل بـ + نكرة = تمييز( ماأجمل القاهرة مدينة ).
    و- كلمة كفى + كلمة نكرة = تمييز (كفى بالله وكيلاً).
    ز- اسم منسوب + نكرة = تمييز ( خالد مصرى أبًا ).
    ح- فعل على وزن فَعُلَ + كلمة نكرة = تمييز. ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم).

    1- الكلمات " اثنان – اثنتان – كلاهما – كلتاهما " اسماء ملحقة بالمثنى فتعرب إعرابه رفعًا ونصبًا
    وجرًا بالياء بشرط اتصالها بضمير.
    2- الكلمات " عالمون – بنون – سنون – أهلون – أولو – ذوو – عشرون – ثلاثون – أربعون – خمسون وستون وسبعون وثمانون وتسعون " أسماء ملحقة بجمع المذكر السالم وتعرب إعرابه رفعًا بالواو ونصًا وجرًا بالياء.
    3- تحذف نون المثنى ومايلحق به وجمع المذكر السالم ومايلحق به عند الاضافة وكذلك التنوين من المفرد وجمع التكسير وجمع المؤنث السالم " يابنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد".
    4- أولات وأخوات وكل جمع مؤنث سالم سمى به المفرد " عرفات – بركات – عنايات " يلحق بجمع المؤنث السالم فترفع بالفتحة وتنصب وتجر بالكسرة.

    5- أسماء الأفعال لها صورة واحدة مع المفرد والمثنى والجمع إلا إذا اتصلت بكاف الخطاب فالكاف تطابق المخاطب
    اسم فعل ماضى " شتان – سرعان – هيهات ".
    اسم فعل مضارع " أفٍ – آه – وها – وى".
    اسم فعل أمر " حى – هلموا – آمين – صه – مه – عليك – مكانك – بله – دونك ".

    6- الممنوع من الصرف لاينون يرفع بالضمة وينصب بالفتحة ولايجر بالفتحة إلا إذا كان مضافًا أومعرفًا بأل.
    7- يمنع من الصرف كل اسم علم مؤنث أو عجمى زائد على ثلاثة أحرف أو منتهى بألف ونون والعلم المركب تركيبًا مزيجًا "بورسعيد" أو وزن الفعل أو وزن فعل فاطمة – إبراهيم – سلمى
    – رمضان – أحمد – عمر – بعلبك"
    8- تمنع من الصرف كل صفة على وزن فعلان أو وزن أفعل عطشان – أعظم – أقوى.
    9- جميع أسماء الأنبياء ممنوعة من الصرف " يوسف – يعقوب – يونس – آدم – اسماعيل " ماعدا
    " محمد – صالح – هود – نوح – لوط ".
    10- صيغة منتهى الجموع وهى كل جمع تكسير أو على ألفه حرفان أو ثلاثه وهى ممنوعة من الصرف " دراهم – مدارس – دنانير – قناديل ".
    11- الكلمات " آحاد – موحد – ثناى – مثنى – عشار – معشر – أُخرج أخرى " ممنوعة من الصرف.
    12- اسم الفاعل من الثلاثى على وزن " فاعل – عامل – قاتل – ناصر " ومن غير الثلاثى مُ + كسر ماقبل آخره " مُطيع – مُستمع".
    13- اسم المفعول من الثلاثى على وزن " مفعول – منصور – مسرور – منشور " ومن غير
    الثلاثى مُ + فتح ماقبل آخره " مًصطفى – مُنتقى – مُرتجى".
    14- صيغ المبالغة خمسة أوزان فعول – غفور ، فعيل ، رحيم ، فعّال : غفار ، مفعال : معطاء ، فَعِل : حذِر.
    15- المقصور اسم معرب آخره ألف لازمة مفتوح ماقبلها " رضا – فتى – كبرى – مصطفى – مستشفى – " ويعرب بحركات مقدره رفعًا ونصبًا وجرًا.
    16- المنقوص : اسم معرب آخره ياء لازمة مكسور ماقبلها " المحامى – الساعى – القاضى".
    17- الممدود : اسم معرب آخره همزة مفتوح ماقبلها " سماء – ضياء – صفاء ".
     

مشاركة هذه الصفحة