1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

دراسات انثربولوجية

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏22/4/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صامولى شيلكه(*)
    Samuli Schielke
    ما الشعبى فى المعتقدات الشعبية ؟
    ت :إبراهيم فتحى

    [​IMG]


    مدخل:

    هناك ممارسات وآراء وخطابات دينية كثيرة فى مصر يقال إنها تمثل المعتقدات الشعبية أو الدين الشعبى. وليس من الواضح إطلاقا مع ذلك ما الذى يجعلها بالفعل "شعبية" وفى مصر يستخدم لفظ "شعبى" لتصنيف ظواهر اجتماعية متنوعة. فهو يدل على ممارسات دينية تختلف عن الممارسة الصحيحة، وعلى الفولكلور، وعلى السكن العشوائى، والطعام التقليدى المصرى، والصحافة الصفراء، والسجائر المحلية الرخيصة وسط أشياء أخرى. وعلى الرغم من أن لفظ "شعبى" ـ عند النظرة الأولى ـ يبدو كأنه يشير إلى مجموعة من الناس هى بالتحديد الطبقات الدنيا؛ فإن نظرة فاحصة تحول فئة الأشياء الشعبية إلى فئة من الصعب جدا الإحاطة بها.

    وفى هذه الورقة سأدل على أن الشعبى مقولة بُنيت أساسا على العلاقات الرمزية بين الثقافة "الرفيعة"و"الهامشية" ولا يمكن الاقتصار فى وصفها على مقولات البنية الاقتصادية والاجتماعية وحدها. ولتحليل هذه العلاقات الرمزية سوف أستخدم مفهومات بيير بورديو Pierre Bourdieu عن البنى الرمزية للحيز الاجتماعى، عن الاستعداد الجسمى والتطبع habitus للطبقة، والعلاقة بين الطبقات الاجتماعية والأحكام الجمالية .

    إن الطبقة الاجتماعية ـ عند بورديو ـ ليست مجموعة ذات وجود جوهرى، بل هى تصنيف منطقى مشروط مبنى على سمات مميزة متنوعة. ومفهوم التطبع فى هذا السياق مركزى وهو الاستعدادات المميزة، والمخططات السابقة للمفهومات التى هى أساس الحس بالتمايزات الطبقية:

    "التطبع هو فى الوقت نفسه المبدأ التوليدى للأحكام القابلة موضوعيا للتصنيف، ونسق تصنيف (principium divisionis) هذه الممارسات. ويتأسس العالم الاجتماعى الممثَّل أى حيز أساليب الحياة فى العلاقة بين القدرتين اللتين تحددان التطبع: القدرة على إنتاج ممارسات وأعمال قابلة للتصنيف، والقدرة على تمييز هذه الممارسات والمنتجات (الذوق) وتقديرها(1)".

    وكما أدخل بورديو التطبع والجماليات وأسلوب الحياة فى مفهومه للطبقة، وسع مفهوم رأس المال إلى أبعد من مجال الاقتصاد. فالأفراد يستطيعون توظيف أنواع مختلفة من رأس المال: الاقتصادى والاجتماعى والتعليمى والرمزى. وفى أعمال بورديو كلها لا يوجد اختلاف قاطع بوضوح بين البنى الموضوعية والتمثيلات. فالتصنيفات هى عمليات موضوعة وهى نفسها جزء من الواقع الاجتماعى. وأنا أرى ذلك على الرغم من إصرار بورديو فى بعض المناسبات على البنى الموضوعية فى خاتمة المطاف(2)، لأن إحدى ميزات نموذج بورديو المهمة بوجه خاص تتمثل فى أنه يسمح بتحليل بعيد عن النزعة الاختزالية، يتجاوز"البداهة الذاتية المزيفة للفهم المباشر،"(3) لمقولات الإدراك الحسى التى تشكل بنية المجتمع.

    وسأركز فى هذه الورقة على مسألة المعتقدات الشعبية فى السياق الإسلامى لمصر المعاصرة. وستكون مداخل أخرى ممكنة. فمن المستطاع العثور على مفهومات مماثلة للتدين الرسمى والشعبى فى معظم الديانات وفى جــميع الأرجـاء. ويمكن لمدخل تاريخى أن يكشف عن نشوء مفهوم "الشعبى" الذى ـ كما يجب أن نتذكر ـ لم يكن مستعملا فى العالم العربى قبل القرن التاسع عشر.

    مداخل إلى الدين الشعبى:

    تستخدم مصطلحات المعتقدات الشعبية والدين الشعبى وغيرهما مثل التدين الشعبى، وفى الدراسات الغربية: "الإسلام الشعبى"، كمقولة علمية فى المعتاد(4) تغطى عددا من المعتقدات بما فيها التصوف وتقديس الأولياء والاحتفالات والطقوس الزراعية وشعائر الشفاء والخصوبة والسحر والحركات الكاريزمية بين أشياء أخرى(5). وعلى أى حال لا وجود لإجماع واضح حول ماذا يكون الدين الشعبى على وجه الدقة.

    ووفقا لدارس الانثروبولوجيا المصرى محمد حافظ دياب(6) قدمت الدراسات العربية المتخصصة ثلاثة مداخل رئيسة لوصف المعتقدات الشعبية أو الدين الشعبى. أحدها يركز على التراتب الاجتماعى مثل علاقات المركز ـ الهامش، وعلاقات السلطة السياسية وأهم من ذلك كله التمايزات الطبقية. ويبنى المدخل تعارضا بين المعتقدات الشعبية للطبقات الدنيا ودين النخبة الرسمى. ويركز مدخل ثان على الفاعلين الدينيين. ويفرق بين العلماء بوصفهم ممثلين للدين الرسمى من جهة والمتصوفة بوصفهم ممثلين للدين الشعبى من جهة أخرى، والمدخل الثالث يعكف على الخطاب الدينى ويفرق بين التدين النصى والخطاب الشعبى المنقول شفاهيا العملى المفتوح حول الدين، وهذا الخطاب يتميز بطابعه التفويضى عسير الضبط وميله لثنى القواعد التى يضعها الخطاب الدينى النصى وتطويعها(7).

    وينقد دياب المداخل الثلاثة جميعا من ناحية ثنائتيها المفرطة التى تعوقها عن الوصف السليم لتعددية الدين الشعبى. وفى الحقيقة تعانى المداخل الثلاثة الملخصة هنا من نواقص فادحة. إن الدين الشعبى فى مصر المعاصرة قطعا له علاقة بالفوارق الطبقية، ولكن أى نوع من الفوارق الطبقية؟ سيكون من الخطأ اختزال الفوارق الطبقية فى البنية الاقتصادية، أو مجموعات معطاة ذات وجود ملموس. كما أن الصورة التى تقدمها عادة وسائط الإعلام ويقدمها المثقفون هى أن المتصوف النموذجى أو المشارك فى مولد، أو الزائر لمقام الولى هو شخص فقير أمى ريفى. ولكن ما أقل نصيب هذه الصورة من الأساس الإمبريقى. فالاشتراك فى الطقوس الدينية التى توصف بالإجماع بكونها "شعبية" لا تنبئ إلا بتضايف هزيل مع الدخل والتعليم ومكان الأصل(8).

    أما وصف الدين الشعبى من خلال التعارض بين العلماء والمتصوفة الذى ما يزال يتمتع برواج ملحوظ وسط الدارسين المسلمين والمستشرقين على السواء؛ فتكذبه الشواهد التاريخية. وتشير الدراسات الحديثة فى التاريخ الإسلامى إلى أنه على الرغم من وجود توترات فى أغلب الأحوال، فإن قسمة ثنائية واضحة بين العلماء والمتصوفة نادرا ما حدثت، بل على العكس. كان المتصوفة والعلماء كثيرا ما تربطهما صلات وثيقة وظلوا كذلك حتى اليوم(9).

    ويبدو المدخل المتجه إلى الخطاب واعدا بدرجة أكبر. وإن كان يواجه فى الممارسة مشكلة المدخل المتجه إلى الطبقة نفسها. فطبقات "الشعبى" و"الرسمى" معرفة مسبقا، ولا يمكن استنباطها من النموذج نفسه. وعلى الرغم من هذا القصص ففى رأيى أن هذا المدخل جدير بالاهتمام بما يكفى للاحتفاظ به فى الذهن لاستخدام لاحق.

    وكبديل لهذه المداخل، يرسم دياب خطوط نموذج للدين الشعبى باعتباره أرضا وسطى بين الدين والعرف: "التنافذ المتبادل بين الدين والمعتقدات الشعبية، هو ما يعين إطار الدين الشعبى ومادته بالنظر إلى أن هذه المعتقدات (..) تقترب من تكوين دينى اعتقادى بوصفه نظامًا لصيقًا للدين"(10). والدين الشعبى ـ عند دياب ـ تكوين مستقل لصيق للدين يرتكز أولا على التقليد النوعى للممارسات التوفيقية، وثانيا على الجماعات (مثل الطرق الصوفية والحركات المهدية) التى تحمل وتنشر هذه الممارسات، وثالثا على رأسمالها الرمزى النوعى. أى الممارسات والاستعدادات والمعرفة الثقافية التى تشكل نسقا لصيقا للدين(11).

    وعلى الرغم من أن هذا المدخل قد يثبت أنه جدير بالاهتمام فى دراسة استمرارية ممارسات معطاة؛ فإنه يترك مشكلة مركزية بدون حل، فما الذى يجعل كل ذلك "شعبيا" ولماذا هو متميز عن الدين؟ وفى الواقع يقوم دياب بشئ معهود لدى معظم منظرى الدين الشعبى؛ فهو يأخذ فئة الأشياء الشعبية باعتبار مدلولها مسلما بصحته ويلتزم بفهم الإدراك العام لما يعنيه أن يكون شئ أو ممارسة أو مفهوم، أو شخص "شعبيا".

    وتصير التناقضات الناجمة عن الاستعمال العلمى لهذا اللفظ الراجع إلى الإدراك العام(12) واضحة حينما ننظر إلى الممارسة الدينية الفعلية. فالناس لا يفرقون واقعيا بين ممارسة ارتياد الموالد وممارسة صلاة الجمعة باعتبارهما تنتميان إلى نسقين فرعيين مختلفين. فمن وجهة نظرهم أنهم يمارسون شعائر الإسلام. وعلى الرغم من هذه الحالة؛ فالمولد شعبى وصلاة الجمعة ليست كذلك وإن مارسهما معا عدد كبير من الشعب المصرى. وتتميز كل تعريفات "الدين الشعبى" و"المعتقدات الشعبية" .. إلخ بأنها مفصولة عن ممارسات كثيرة محورية بالنسبة للممارسة الدينية من جانب المسلمين العاديين(13). إنهم يتوجهون إلى صلاة الجمعة ويوفرون المال للذهاب إلى مكة للحج ويؤمنون بيوم القيامة والجنة ولكن لسبب ما لا يعد شئ من ذلك شعبيا.

    نطاق الأشياء الشعبية:

    مشاكل أى محاولة لكشف ما يكونه الدين الشعبى فى الواقع عسيرة، وهى معروفة جيدا فى الوقت نفسه ولا عجب أن المفهوم ذاته تعرض للهجوم(14). وينكر آرماندو سلفاتورى Armando Salvatore على سبيل المثال أن "الإسلام الشعبى" يمكن أن يكون كيانا ثقافيا قائما بذاته، ويدلل على أن دائرة الدين الشعبى معرفة فى المحل الأول من خلال استبعادها أو تهميشها فى المجال العام.

    "إذا كان هناك أى شئ يشبه الإسلام الشعبى فى بيئة عاصمة كالقاهرة، فلن يوجد إلا بوصفه إنشاءً افتراضيًّا من جانب الفاعلين فى الإسلام العمومى لكى يتيحوا له أن يمارس وظيفته، أى أن ينشر أطواء طاقته الحضارية، فالإسلام الشعبى هو الوجه الخلفى للإسلام العمومى، يضفى عليه أولا طابعًا رومانسيًّا ثم يرفض ويعاد إنتاجه فى وسائط الاتصال الرسمية من خلال غيابه المرموق أو على سبيل التخيير من خلال حضور متحجر مستأنس والإسلام العمومى هو بعد كل شئ هو الإسلام الوحيد الذى يمكننا النفاذ إليه نتيجة للكم المتزايد من الدين الذى يجرى توصيله علنا. وإذا كانت هناك ممارسات هامشية أو "شعبية" للدين فإن عين عالم الانثروبولوجيا (سواء من أهل البلد أو الأجنبى) هى التى تعزلها وتروجها وتدمجها فى لعبة تعريف ماذا يشبه الإسلام وهى اللعبة العمومية المتبحرة العابرة للثقافات. " (15)

    ولا يذهب سالفاتورى أبعد من ذلك فى تحليل هذه العلاقة؛ فهو مهتم بالدين فى المجال العمومى ويكفيه أن يبرهن على سبب اعتباره أن دراسة ما يسميه المستشرقون الإسلام الشعبى بلا فائدة فى هذا السياق. وعلى أية حال ينبغى علينا أن نحاول توسيع تلك النقطة. ومن الواضح أن الإجابة عن سؤال ما الشعبى فى المعتقدات الشعبية، لا تقع فى طبيعة الأشياء بل فى معالجتها من حيث الخطاب.

    وهكذا تقل جدوى البحث من معايير موضوعية وصفية للمعتقدات الشعبية حيث لا وجود لأى منها. وبدلا من ذلك ينبغى أن تجذب انتباهنا ـ على وجه الدقة ـ فكرة الإدراك العام عن فئة الأشياء الشعبية. أو بعبارة أدق: إن المعالجة الخطابية من جانب الإدراك العام للظواهر والممارسات الاجتماعية هى التى يجب أن تكون موضوع التحليل لأنها على نحو مضمر تعبر عن التمايزات الاجتماعية والدينية والثقافية التى تشكل بنية الحيز الاجتماعى والتى تبرز موقع الاحتفالات الشعبية ـ على سبيل المثال : احتفالات الموالد ـ داخله. وسيكون السؤال إذن هو: ماذا يعنى "الشعبى"؟ وأين تقع "المعتقدات الشعبية" فى المجتمع المصرى؟

    إن تصنيف "الشعبى" له بطبيعة الحال صلة بالشعب، ذلك الكيان الجمعى الذى ليس محددا بأى حال دون مواربة. ويرتبط الازدواج المتناقض (الالتباس) لتصنيف "الشعبى" بالازدواج المتناقض الأساسى لتصنيف "الشعب" الذى يعنى ـ فى الوقت نفسه ـ الجسم الجمعى للأمة و"الناس العاديين".

    وهكذا تستخدم الصفة "شعبى" فى سياقات متنوعة وفى أغلب الأحوال على نحو ملتبس؛ فهناك معتقدات شعبية، أو دين شعبى. وعلى مستوى العرف يستطيع المرء الكلام عن تقاليد شعبية. وهناك أمثال شعبية، والمجال الكامل للثقافة الشعبية وهو مصطلح غالبا ما يكون مرادفا للفولكلور. وفى هذه الحالات يبدو أن "شعبى" تدل على الثقافة التقليدية السابقة للثقافة الحديثة (الريفية أساسا).

    إن التجمعات السكنية العشوائية التى لا تمتلك (فى أفضل الأحوال) إلا مرافق بدائية، وهى ذات كثافة سكانية عالية وأزقة ضيقة ومستوى من المعيشة منخفض عموما تعرف بأنها أحياء شعبية. وهناك مطاعم شعبية رخيصة تبيع أطباقا تقليدية مصرية تعرف باسم الطعام الشعبى. ويمكن استعمال لفظ "شعبى" لوصف عدد من السلع اليومية الأخرى: الصحف المسلية تعرف باسم المجلات الشعبية، والسجائر المحلية الرخيصة تعرف باسم السجائر الشعبية. هنا تدل صفة "شعبى" أيضا على ثقافة معاصرة هابطة الكيف والمستوى (تنتمى فى الأغلب إلى المدينة).

    وتخصيص شئ ما بأنه "شعبى" معناه ربطه بنمط خاص من التطبع habitus. ويمتلك الشخص تطبعا شعبيا إذا كان يعيش فى حى شعبى أو فى قرية ويتكلم لهجة ريفية أو لهجة الطبقة الدنيا، ويكشف عن قيم جماعية تقليدية فى حياته ويرتدى ملابس مصرية تقليدية ويشترك فى طقوس مثل احتفالات الموالد.

    والازدواج المتناقض للتطبع الشعبى يصبح واضحا إذا قارناه بمقولة تتصل به هى: ابن البلد أو بنت البلد. وابن البلد هو الذى يمارس طريقة حياة تقليدية تنتمى إلى المدينة. وقد اكتسب تصنيف" بلدى" معناه من خلال التضاد عريض الخطوط بين طريقتى الحياة المصرية التقليدية والنخبوية الحديثة (التى يسميها ابن البلد أفرنجية) ويمنح ذلك ابن البلد درجة ثابتة من الأصالة، لا باعتبارها وصفا ذاتيا إيجابيا فقط بل من خلال استعمال المصطلح فى الخطاب الحداثى بمعنى المادة الخام للثقافة القومية الرفيعة(16).

    وعلى الرغم من أن المفهومين: شعبى وبلدى مترادفان فى بعض الحالات؛ فإن هناك اختلافات واضحة فى استعمال المصطلحين. وتتميز تسمية أشياء بأنها شعبية بازدواج متناقض قوى وصفى ومعيارى معا. فالأشياء الشعبية قــد تكــون تقــليدية ولكن ذلك ليس ضروريا. ولنأخذ ـ كمثال ـ عشوائيات القاهرة الحديثة، إن مثقفة فى القاهرة ترى" أنها أحياء شعبية، بمعنى شعبى سئ وليس حسنا (كويس) بمعنى أبناء البلد"(17). إن شخصية ابن البلد تمثل هنا النموذج المثالى لابن جماعة الحارة الأصيلة الودود المرحة. وعلى أى حال يتضمن لفظ "شعبى" كلا من هذه الصورة الإيجابية لابن البلد ومن الجوانب السلبية للحياة اليومية فى هوامش المدينة مثل الفقر والتحرش الجنسى والجريمة وافتقاد المرافق الضرورية.

    ليس دينا بالتمام:

    إن فئة الأشياء الشعبية توضع فى نسق اجتماعى ثقافى مركب من الإحداثيات: فليس لها قوام محدد أو قيمة معيارية ثابتة كما أنها لا تمتلك نظيرا مقابلا مثل الذى يمتلكه لفظ "بلدى". ويدل تصنيف "شعبى" على وضع رمزى معين فى المجال الاجتماعى. وعلى الرغم من أنه مترابط بوضوح مع ثقافة الطبقات الدنيا فإن الأشياء الشعبية تصنيف منطقى قائم بذاته مبنى على مخطط عام لثقافة "رفيعة" سائدة أصولية "قويمة" فى تعارض مع ثقافة مسودة، مغايرة (هرطقية) "هابطة" أو هامشية(18). وبالتالى تكون "المعتقدات الشعبية" هى فئة كل الممارسات والتصورات الدينية التى تدرك باعتبارها فى موضع فرض عليه التهميش وعدم الشرعية فى مواجهة المعايير السائدة لما يكون عليه الدين.

    وفى الممارسة تمثل "المعتقدات الشعبية" مقولة مركبة مبنية على عدد من التمييزات التخطيطية. أولا: من المتوقع أن يكون للفقراء معتقدات شعبية ولا ينطبق ذلك على الطبقات الوسطى والأغنياء. وهذا التمييز الذى يبدو بدهيا ليس شرطا كافيا أو ضروريا مع ذلك. فغياب رأس المال الاقتصادى لا يصبح مهما إلا حينما يتصل بسمات مميزة أخرى. (لنفكر على سبيل المثال فى طلبة الجامعة الذين قد يعيشون فى شروط بائسة للغاية ولكن تدينهم لا يكون شعبيا).

    ثانيا: إن الناس الذين يمتلكون رأس مال تعليميا ضئيلا تكون لهم معتقدات شعبية. وبسبب افتقارهم (المزعوم) إلى التعليم النظامى والمعرفة بالكتاب فى فهم الدين فإن الأشخاص المشتركين فى احتفالات الموالد على سبيل المثال يوصفون غالبا "بالبسطاء". وهذا لفظ شديد التكرم الاستعلائى يدعى أن هؤلاء البسطاء يتسمون بغياب الحكم العقلانى والتفكير(19). وفى كثير من الخطابات الثقافية يقام تضاد بين معرفة غير المثقفين اللانظامية الشفاهية فى الأغلب، والمعرفة "الحقيقية" النظامية المشروعة وبهذا يحط منها لتستوى مع الجهل البحت(20). إن التقاليد الشفاهية وكذلك التفسيرات المغايرة لنصوص الكتاب تكون فى الأغلب شعبية نتيجة لضآلة رأسمالها الرمزى فى تقابل مع النظام التعليمى الراسخ (العلمانى مثل الدينى) والنماذج المرشدة الشرعية لقراءة الكتاب. وتسترعى النظر هنا الحركات العقلية فى التصوف التى لا تعد شعبية على الرغم من أن الكثير من الممارسة الصوفية يعد كذلك(21).

    ثالثا : ليست المعتقدات الشعبية حديثة، وبعبارة أدق، ليست حديثة كما يحب الحداثيون أن تكون. والوسط الاجتماعى النموذجى للمعتقدات الشعبية هو وسط قرية أو مدينة قديمة سابقة للمدنية الحديثة أو تجمع سكنى عشوائى حديث، ولكل منها أسلوب حياة وبنية مكانية.والاستعداد الجسمى للممارسات الشعبية ملتبس وعاطفى ولا يعبر عن الاستعداد الحداثى أو الإصلاحى الذى يحاول أن يقيم حدودا قاطعة الوضوح بين المقدس والدنيوى، بين الحقائق العميقة والكلام العادى، بين عناصر الحياة السامية والوضيعة، وفى مقال صحفى نقدى ـ على سبيل المثال ـ تعقد مقارنة بين فوضى محطة أتوبيس رمسيس فى القاهرة؛ فهى شديدة الازدحام وعدم الانتظام، ومأهولة بالباعة الجائلين والبلطجية،واحتفال مولد انتقل من أعماق ريف مصر العليا إلى قلب القاهرة(22). والمولد فى هذه الحالة ـ وهو نموذج أصلى بحق للدين الشعبى ـ مرتبط بالحوارى الضيقة والقمامة والأصوات الصارخة والزحام الفوضوى لحى شعبى. وتتعارض هذه الصورة مع النموذج المثالى السائد للوسط الحضرى (وإن لم يكن فى الواقع واسع الانتشار) الكولونيالى وما بعد الكولونيالى. ووفقا لهذا النموذج المثالى ينبغى أن تمتلك المدينة الحديثة مبانى ضخمة متميزة وظيفيا على جانبى ميادين واسعة نظيفة. وينبغى أن يقطنها مواطنون مهذبون يسلكون بطريقة عقلانية منضبطة(23).

    رابعا : من المحتمل بدرجة أكبر أن تكون الممارسات النسائية للدين شعبية أكثر من ممارسات الرجال. ومصر مجتمع مازال فيه نسبيا تمييز قوى بين الذكور والإناث، وكثير من الممارسات الدينية له طابع ذكورى غالب (الصلاة فى المسجد، تلاوة القرآن) أو طابع نسائى غالب (زيارة الأضرحة، طقوس الشفاء والخصوبة). ولأن العلم الدينى والقيادة الدينية ومن ثم إنتاج الحقيقة الدينية حدث أن كانا مجالين للرجال، فإن الممارسات النسائية النموذجية أصبح الاحتمال الغالب لها أن تكون مغايرة للممارسات "القويمة"(24).

    خامسا: وهذا هو التعارض الأكثر جوهرية. إن المعتقدات الشعبية (أو الدين الشعبى) مغايرة هرطقية لا بالنسبة إلى "الدين الرسمى" بل إلى الدين ذاته. ويعنى "الدين الشعبى" دائما (تقريبا) "ما ليس دينا بالتمام". ويتحدث محمد حافظ دياب ـ فى تعريفه الذى سبق الاستشهاد به للدين الشعبى ـ عن التنافذ المتبادل بين الدين والمعتقدات الشعبية(25). وذات مرة شرح لى صحفى مصرى أن الموالد "لا علاقة لها بالدين"(26). وفى الخطابات الثقافية والدينية السائدة فى مصر المعاصرة، يُفهم الدين باعتباره شيئا محددا بوضوح، له حدود ومعانٍ ثابتة. والاعتقاد مهما يكن راسخا والشعائر مهما تكن مقدسة لا يكفيان لتشكيل الدين. فالدين نسق متماسك وعقلانى مبنى على مصادر يقينية ملزمة، يتألف من عبادات محددة وسلوك دينى مبنى على وازع محدد بدقة ومذهب حول الكون والأخلاق، والسياسة (إمكانا). ويتم استبعاد البدع وعدم الاتساق والتوفيقات. ويتطابق هذا المفهوم التفسيرى للدين بدقة تامة مع ما يصفه بورديو بصحيح الاعتقاد (الاعتقاد القويم):

    "وفى الحقيقة لا يتشكل نسق المخططات التصنيفية، بوصفه نسقًا متموضعًا مؤسسيا للتصنيف إلا حينما يكف عن العمل كحس بالحدود بحيث يجب على حماة النظام المستقر أن يعلنوا مبادئ إنتاج هذا النظام الواقعية والممثلة ويضفوا عليها نسقا وتقعيدا لكى يدافعوا عنها ضد الهرطقة (الآراء المغايرة) وباختصار يجب عليهم أن يؤسسوا العقيدة السائدة بوصفها التفسير القويم (صحيح الدين)، الأصولية الحقة"(27).

    ووفقا لذلك لا يكون الدين دينا بحق عند بعض الناس فى مصر المعاصرة إلا إذا كان من الممكن له الإفصاح بلغة التفسير القويم (أو التفاسير القويمة بما أن هناك أنساقا متنافسة للتصنيف ذات طابع مؤسسى). ويجب إبطال مفعول التوفيقات والتجديدات (البدع) والتشوشات التى لابد أن تحدث فى كل دين حى. وقد تبقى غير منعكسة فى شكل عقيدة، وقد تبقى محتجبة بواسطة العلم الدينى، وقد تدفع إلى الهامش بتسميتها شعبية أى مغايرة، دينية بعض الشئ ولكنها ليست دينا بالتمام.

    ويجرى تعريف الدين الشعبى دائما وفقا لمقياس مركب متعدد الأبعاد. فلكى تصبح ممارسة دينية ما شعبية يجب عليها أن تبدى عدة سمات مميزة مترابطة مثل التغاير المعتقدى ورأس المال التعليمى الضئيل أو الاشتراك النسوى الغالب (على الرغم من أنها تفتقر إمكانا أو فعلا إلى بعض هذه السمات).

    وهذا هو السبب فى أن كل المعتقدات المغايرة ليست شعبية. فالإلحاد ليس شعبيا وكذلك العلمانية وكل المذاهب المغايرة التى تركت وراءها بالقطع الأساس العام للإسلام. ويرجع ذلك أولا إلى حقيقة أن للدين الشعبى دائما علاقة حميمة وإن تكن غير شرعية بالدين القويم. إنه ليس بالتمام جزءا منه ولكنه ليس منفصلا متميزا عنه أيضا من خلال وحدة الممارسة الفعلية (ويجب أن نتذكر مرة ثانية أن الأشخاص أنفسهم الذين يحضرون الموالد وحفلات الزار يذهبون إلى صلوات الجمعة ويصومون رمضان).ويرجع ذلك إلى أن المعتقد الشعبى المغاير متميز عن الهرطقة العلمانية العقلانية على سبيل المثال لأن المثقفين العلمانيين قد يكونون مغايرى العقيدة ولكنهم ليسوا بالقطع مثل بنات البلد الأميات فى حى شعبى.

    واتباعا للمنطق نفسه لا تكون المعتقدات الشعبية مطابقة لتدين الفلاحين، وفقراء المدن، والنساء، أو الأميين. فإلى المدى الذى تتبع فيه ممارستهم الدينية نظام الاتجاه الشرعى السائد ـ كما هى الحال فى أغلب الأحوال ـ فإنها الدين الصراح وليست دينا شعبيا، واتباعا للمنطق نفسه سنرى أيضا أن شخصا ما إذا كانت لديه معتقدات شعبية وكان يزاول الأمور على نحو شعبى ولديه تطبع شعبى فإن ذلك غالبا ما يكون كافيا لجعله (أو لجعلها) ينتمى إلى الطبقات الشعبية. وهذا هو سبب أن اشتراك أشخاص ذوى رأسمال اقتصادى أو تعليمى عالى القيمة اشتراكا فعليا فى ممارسة شعبية لا يرفع بالضرورة من قيمة رأسمالها الرمزى. فمن خلال الوسط الشعبى للممارسة يستولى المشاركون من الطبقة الوسطى أو العليا بالفعل على تطبع شعبى.

    والميزة التصنيفية للقول "بمعتقدات شعبية" أو "دين شعبى" مهمة. فهى حل لمشكلة أساسية جدا فى النظام المنطقى للمجتمع، مشكلة أن "الدين" أى الدين الصحيح، ليس فى الأغلب ما يمارسه المتدينون. ولكن بمجرد أن يقسم المرء ما يمارسه المؤمنون إلى فئتين متميزتين فإنه يستطيع أن يتكلم عنهما على نحو يبدو موضوعيا. وهكذا يستطيع المرء أن يدرس المعتقدات الشعبية دون أن يضطر إلى أن يقلق كثيرا حول وضعها المشكوك فيه بالنسبة إلى الدين كما يستطيع المرء دراسة الدين دون أن يضطر للقلق حول حدوثه فى الواقع. فالدائرتان تمثلان تيارين موضوعين من الحدوث الواقعى للممارسة الدينية.(28)

    ومن المهم جدا ملاحظة أن لفظ "شعبى" فى استعمالها الأصلى داخل الإدراك العام تدل فقط على العلاقة النوعية لممارسة ما بالممارسات الاجتماعية السائدة وبالتالى ليست المعتقدات الشعبية فى الأصل مجالا أو نسقا، فهى ليست إلا فئة الأمور التى تشترك فى تطبع مماثل وفى وضع مماثل داخل البنية الرمزية للحيز الاجتماعى. ولكن بمجرد أن ننتقل من الإدراك العام إلى الخطابين العقلى والعلمى نكتشف أن ميلا إلى تشيئ هذا التصنيف ينبثق وهنا يصير الاختلاف بين "المعتقدات الشعبية" و"الدين الشعبى" اللذين يستخدمان فى الأغلب بوصفهما مترادفين ذوىدلالة. فعلى حين لا تعنى "المعتقدات الشعبية" فى الأغلب إلا فئة المعتقدات التى يمكن من خلال موقعها فى الحيز الاجتماعى أن تسمى شعبية، فإن "الدين الشعبى"، نسق، مجال له منطقه الخاص. وعلى الرغم من أن لا أحد يمارس بالفعل الدين الشعبى ممارسة متميزة ذات منطق متميز (منفصل)؛ فإن المصطلح مع ذلك واسع الاستعمال بسبب موضوعيته الظاهرية. فالدين الشعبى هو شئ "واقعى" يمكن الكلام عنه والتعامل معه سواء كان مشكلة تتطلب حلا، أم تقليدا يتطلب توثيقا، أم وجودا بالقوة يتطلب تحقيقا بالفعل .(29) وتلك هى نقطة الانطلاق المضمرة لدراسة الدين الشعبى دراسة علمية(30).

    وفى هذا السياق من المهم إبراز أن لفظ "شعبى" عموما وتعبير "معتقدات شعبية/ دين شعبى" خصوصا، على الرغم من أنهما يستعملان لدى كل طبقات المجتمع المصرى، هما تصنيفان أنتجتهما الخطابات السائدة. فالذين يدرسون ويصنفون ويصفون الثقافة الشعبية ليسوا من "الطبقات الشعبية" إنهم صحفيون ومثقفون وانثروبولوجيون وعلماء دين وسياسيون..إلخ. وبالنسبة إليهم يكون الدين الشعبى آخر ثقافيا واجتماعيا. وغالبا ما يتعاملون مع هذا الآخر الثقافى والاجتماعى على نحو منفصل (ولنتذكر على سبيل المثال فئة "الناس البسطاء"). ولا تظهر الثقافة الشعبية كدائرة متميزة إلا من خلال هذه النظرة الجازمة المعتمدة من موقع مسيطر.

    والفولكلور هو حالة جديرة بالاهتمام لهذه النظرة الجازمة المعتمدة من أعلى. فالموالد ـ لكى نتوقف عند حالة نموذجية ـ هى مصدر مهم للبحث الفولكلورى. فالأشعار والملاحم المأثورة، وتمثيليات العرائس والأغانى والآلات الموسيقية القديمة يجرى جمعها وإعادة عرضها لجمهور لا يذهب إلى الموالد ولكنه يذهب إلى المسرح وقاعات الموسيقى. ولكن تلك الملاحم والأغانى والتمثيليات فى سياقها الأصلى هى جزء من عرض متكامل: ولا تنفصل قيمتها الجمالية عن مضمونها الدينى والأخلاقى فى الحكايات المروية فى الطقوس المغروسة فيه أو عن حياة المشاركين. وكفولكلور يجرى اختزالها ورفعها إلى مستوى فن (31). وحينما تصير فنا يمكن للمرء تقييمها كمفردات جمالية ( تم إعلاؤها من خلال وعى سياسى معين بها باعتبارها الثقافة الأصيلة للشعب المصرى) دون إلزام بتقييم الطقوس والحيوات والأخلاقيات التى كانت وثيقة الارتباط بها فى الأصل. وهى بوصفها فنًا تفقد أيضا التأثير المزعج المهدد (بالكسر) على نحو ما تحدثه الحياة الواقعية داخل الأحياء الشعبية فى أعضاء الطبقات العليا. وبطريقة ما يمثل الفولكلور استراتيجية لمعالجة اللبس (الازدواج المتناقض) المميز لكل الأمور "الشعبية" فهو فى لحظة أصيل وفاتن وفى اللحظة التالية مبتذل ومهدد (بالكسر).

    وهذا الازدواج المتناقض (الالتباس) هو نتيجة مباشرة لمنطق تصنيف أشياء بعينها باعتبارها "شعبية". ويكشف بورديو عن قوة الموضعة التى يمكن للتصنيفات أن تمتلكها: "إن فرض اسم معترف به هو فعل اعتراف بوجود اجتماعى مكتمل يقوم بتحويل طبيعة الشىء المسمى. فهو لم يعد يوجد بمجرد الأمر الواقع كممارسة غير قانونية أو غير مشروعة جرى التسامح معها بل وظيفة اجتماعية أى :رسالة[…] ومهمة [..]" (32).

    وهذه النقطة على الرغم من أنها تشير أصلا إلى مهن وألقاب تعليمية.. إلخ ـ مفيدة جدا لفهم إبهام الدين الشعبى (ازدواجه المتناقض)، فعلى الرغم من أن تعريفه فى أول الأمر جاء من خلال علاقته بالدين القويم السائد ثقافيا (صحيح الدين) سرعان ما صار شيئا مستقلا، مكانا فى الحيز الاجتماعى. وهكذا اكتسب الدين الشعبى طاقة كامنة من الأصالة تتحقق بالفعل على سبيل المثال فى أبحاث الدين الشعبى والفولكلور وفى الإنشاء الافتراضى من جانب الخطاب اليسارى والقومى للثقافة الشعبية بوصفها ثقافة مضادة صادرة من الأعماق (مصرية حقا أو بروليتارية حقا أو الاثنين معا وفقا لوجهة النظر السياسية). ويصبح محتوى "الشعبى" نفسه محلا للتنازع، فقسم يحاول أن ينشئه باعتباره مجال الثقافة الأصيلة التقليدية، وقسم آخر يأخذ على عاتقه إعادة تعريفه بوصفه ثقافة الكتلة الجماهيرية على حين يعرف قسم آخر وعيه النخبوى الخاص فى مواجهته(33).

    ويفسر الازدواج المتناقض "للدين الشعبى" لماذا لا يستعمل المصطلح فى الخطاب الأكثر معارضة للممارسات الدينية "الشعبية". وكلنا نعرف أن الإسلاميين يناهضون الدين الشعبى (أو الإسلام الشعبى كما يفضل المؤلفون الغربيون تسميته). فالإسلاميون المعاصرون يذهبون على أى حال إلى أنه لا وجود لشئ مثل الدين الشعبى. فهناك بدع ومنكرات وجهل وشرك وحتى كفر. ولكن لا وجود لمعتقدات شعبية أو دين شعبى(34).

    ويكمن سبب ذلك فى التصور المحدد لدى الإسلاميين عن التراتبات الدينية، ويجب أن نتذكر أن المعتقدات الشعبية ليست هامشية فحسب، بل يتم التسامح معها وحتى الاعتراف بها طالما تبقى فى الهامش. فالإسلاميون يتبعون مدخلا كليا صارما فى مجال الممارسة الدينية، فهم ينكرون وجود تراتبات طبقية فى الدين ويدعون أن تفسيرهم الصحيح للدين سيكون المبدأ الكلى لتنظيم المجتمع. وفى مثل هذا التصور للدين فى المجتمع لا إمكان لوجود أشكال هامشية للدين ولا لممارسات لا تكون إسلامية بالتمام. فليس من المستطاع وجود أى مجالات دينية داخل المجتمع الإسلامى شبه مستقلة وحتى أصيلة إمكانا(35).

    وإن الازدواج المتناقض المعيارى "للدين الشعبى" هو الذى يجعل ذلك التصنيف غير ملائم لوجهة نظر الإسلاميين إلى المجتمع. فللفظ "شعبى" الكثير جدا من المعانى الضمنية التكميلية الإيجابية إمكانا، والإسلاميون بعد كل شئ يصورون أنفسهم غالبا بوصفهم حركة شعبية من أسفل مناهضة للنخب الفاسدة. وهكذا فبدلا من استعمال مثل هذا التصنيف الملتبس فإن خطاب هذه الجماعات حول الممارسات المغايرة ـ التى تمثل بطبيعة الحال عقبة كبرى أمام تحقيق مجتمع إسلامى كلى متجانس يجب إزالتها ـ يصنفها بوصفها سلبية بوضوح بحيث لا يترك مجالا للشك فى خطئها أو مكانا لثقافة مضادة ممكنة.

    نتائج :

    ونختتم التحليل بأن فئة المعتقدات الشعبية ليست شيئا موضوعيا تمكن دراسته بوصفه كذلك وإن تكن تصنيفا واقعيا حقيقيا يمتلك قوة للموضعة. لذلك فعلى الرغم من أننى أعتبر الدراسة التى لا تحلل منطلقاتها "للدين الشعبى" أو "الإسلام الشعبى" مشروعا إشكاليا لأقصى مدى، فإننى لا أجد سببا للتخلى بالكامل عن المقولة. إن فئة المعتقدات الشعبية تومئ إلى التوتر الواقعى الموجود بين ممارسات وخطابات دينية مختلفة فى مصر المعاصرة.

    وأعود إلى قضية أرماندو سلفاتورى القائلة إن الإسلام "الشعبى" هو "الوجه الآخر" للإسلام العمومى(36). ويبدو لى أن الإسلام العمومى بعد كل شئ ليس الإسلام الوحيد الذى يمكننا النفاذ إليه بالدراسة: فهناك بالفعل خطابات مهمشة أخرى عن الإسلام موجودة وتعبر عن نفسها. وهنا من المفيد الرجوع إلى مدخل عصام فوزى إلى الخطاب الشعبى حول الدين(37). لأن هذه العلاقة المتوترة بين الإسلام العمومى والخطابات والممارسات الإسلامية المتناقضة المتفشية المتنوعة فى المجتمع هى على وجه الدقة التى يمكن تسليط الضوء عليها بواسطة دراسة التصنيفات التى تنتج فئة المعتقدات الشعبية ولكننا يجب أن نتخلى عن أى اتجاهات تقوم بتشيئها وإضفاء طابع الجوهر عليها، ويجب كذلك أن نكف عن اعتبار الخطاب الشعبى حول الدين باعتباره الخطاب المحدد جوهريا لجماعة محددة جوهريا. وبدلا من ذلك ينبغى علينا أن نوجه اهتمامنا نحو العلاقات بين أشكال مختلفة من الخطاب الدينى والممارسة الدينية والتطبع الدينى. وعندئذ قد يصير تحليل الخطابات المتنافسة حول الدين مفيدا تماما فى فهم صراعات وتوترات حول الإسلام فى مصر المعاصرة.

    الهوامش:ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) Bourdieu, Pierre, Distinction. A Social Critique of the Judgement of Taste, London etc.: Routledge, 1984, p. 170, cf. also pp. 101 f., 466f.

    (2) E.g. Bourdieu, Pierre, Outline of a Theory of Practice, Cambridge: Cambridge Univ. Press, 1977, pp. 3, 21; Distinction, p. 467.

    (3) Bourdieu, Distinction, p. 22.

    (4) على الرغم من وجود بعض الاختلافات بين هذه المصطلحات فإن تحليلها هنا يعتبرها مقولة واحدة. وبعد ذلك سأتناول المعانى الضمنية المختلفة "للمعتقدات الشعبية" و"الدين الشعبى".

    (5) راجع مثلا محمد الجوهرى: علم الفلكلور ج 2: دراسة المعتقدات الشعبية، القاهرة، دار المعارف 1980.

    Waardenburg, Jacques, “Popular and official Islam; Contemporary developments with special reference to Iran”, The Arabist: Budapest Studies in Arabic, vol. 13-14 (1995) pp. 313-341; Gellner, Ernest, Muslim society, Cambridge etc: Cambridge University Press, 1981.

    (6) محمد حافظ دياب "الدين الشعبى.. الذاكرة والمعاش"، سطور عدد 30, مايو 1999 ، ص 16 ـ 18.

    (7) ما يتمثله دياب من مدخل متجه نحو الخطاب هو فى الأغلب عمل باحث واحد.

    عصام فوزى: "آليات الهيمنة والمقاومة فى الخطاب الشعبى"، قضايا المجتمع المدنى العربى فى ضوء أطروحات غرامشى، القاهرة، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، 1992 ، ص 122 ـ 135.

    عصام فوزى: "أنماط التدين فى مصر، مدخل لفهم التفكير الشعبى حول الدين"، إشكاليات التكوين الاجتماعى والفكريات الشعبية فى مصر، نيقوسيا، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، 1992 ، ص 214 ـ 248.

    (8) من الغريب قلة البحث الكمى فى الموضوع. فالأرقام الوحيدة المتاحة لى تتعلق بأعضاء طريقتين صوفيتين فى القاهرة. راجع: عمار على حسن: الصوفية والسياسة فى مصر، القاهرة: مركز المحروسة، 1997 ، ص54، 157، 233.

    (9) Th. Emil Homerin, “Sufis and their detractors in Mameluk Egypt. A survey of protagonists and institutional settings”. de Jong, Frederick/ Radtke, Berndt (eds), Islamic Mysticism Contested. Thirteen Centuries of Controversies and Polemics, Leiden etc.: Brill, 1999, pp. 225-247; Zeghal, Malika, Gardiens de I’islam. Les oulémas d’Al Azhar dans l’Egypte contemporaine, Presses de Sciences Po, Paris 1996, p.320.

    (10) محمد حافظ دياب: "الدين الشعبى"، ص 16.

    (11) المرجع السابق، ص 18.

    (12) Cf. Bourdieu, Distinction, p.169.

    (13) Cf. Waardenburgh, “Popular and official Islam”, pp. 317f.; Shoshan , Boaz, Popular Culture in Medieval Cairo, Cambridge. Cambridge Univ. Press, 1993, pp. 67 ff.

    محمد حافظ دياب: "الدين الشعبى"، ص 96 ، محمد الجوهرى: علم الفلكلور، ص29. شحاتة صيام: الدين الشعبى فى مصر: نقد العقل المتحايل، الاسكندرية، رامتان، 1995، ص9. على فهمى: دين الحرافيش فى مصر المحروسة، القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات، 1999، ص17.

    (14) لنقد إمبيريقى راجع :

    Abu-Zahra, Nadia, The Pure and Powerful. Studies in Contemporary Muslim Society, Berkshire, Ithaca Press, 1997, pp. 277 ff.

    (15) Salvatore, Armando: “Staging Virtue: The Disembodiment of Self-Correctness and the Making of Islam as Public Norm”, in: Stauth, Georg (ed.), Islam – Motor or Challenge of Modernity (Yearbook of the Sociology of Islam, Vol.1) , Hamburg: Lit Verlag, 1998, pp. 87-120, here p. 116.

    (16) Armbrust, Walter, Mass Culture and Modernism in Egypt, Cambridge: Cambridge Univ. Press, 1996, pp. 25 ff.; el Messiri, Sawsan, Ibn al-Balad. A Concept of Egyptian Identity, Leiden: Brill, 1978, pp. 54 f., 104 f.

    (17) حوار شخصى مع كاتبة مصرية فى القاهرة، يونيو 1999.

    (18) Cf. Bourdieu, Distinction, pp. 168 ff.; Theory of Practice, pp. 15 ff.

    (19) على فهمى : دين الحرافيش ص 48.

    Wielandt, Rotraud, “Die Bewertung islamischen Volksglaubens in ägyptischer Erzählliteratur des 20 jahrhunderts” Die Welt des Islam, Vol. 23-24 (1984) pp. 244-258.

    (20) جمال سالم وموسى حال: "كرامات أم خرافات الأولياء: دروشة.. تقبيل الأعتاب.. البكاء أمام أثر النبى.. وركوب الخيل فى مولد البدوى!!"، عقيدتى 29/6/1999، ص8 ـ9. أنور الجندى: الشبهات والأخطاء الشائعة فى الفكر الاسلامى، القاهرة، دار الاعتصام، 1995، ص214.

    (21) راجع مثلا جمال بدوى: "التصوف المصرى من الفلسفة إلى الدروشة"، الوفد 25/7/1996؛ عماد الغزالى: "التصوف جوهر الاسلام ولا علاقة له بالخزعبلات وموالد الأولياء"، الوفد 31/1/1998.

    (22) " بعد أن اختلط الحابل بالنابل"، فوضى فى ميدان رمسيس، الأهرام، 20/7/1999.

    (23) Armbrust, Mass Culture and modernism, pp. 37 ff., 190 ff;. Mitchell, Timothy, Colonising Egypt, Cambridge: Cambridge Univ. Press, 1988, pp. 63 ff.

    (24) راجع مثل: مجدى السيد إبراهيم: بدع وخرافات النساء، القاهرة ، مكتبة القرآن، 1992.

    (25) محمد حافظ دياب: "الدين الشعبى"، ص16.

    (26) حوار شخصى مع صحفى مصرى فى القاهرة 29/6/1999.

    (27) Bourdieu, Distinction, p.480.

    ويعنى بورديو بالعقيدة الاستعدادات والفهم العام للعالم الاجتماعى وهما "غنيان عن القول" يبدوان من الوضوح بحيث لا يحتاجان إلى وضعهما فى مفهومين يتخذان شكل "عقيدة قويمة".

    (28) فى هذه النقطة أتجه نحو تحليل فوكو للموضوعات باعتبارها منتجات حدوث واقعى لممارسات خطابية.

    Cf. Foucault, Michel, The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language. New York: Pantheon Books, 1972, pp. 40 ff.

    (29) Bourdieu, Distinction, pp.47 ff., Foucault, Archaeology of Knowledge, pp. 40 ff.

    (30) واستغلاله السياسى ولنأخذ استعمال لفظ "الدين الشعبى" فى خطاب "الوحدة الوطنية" كمثال: فهناك دعوى تقول إن الدين الشعبى يمثل شيئا يشبه شكلا توفيقيا وسطيا بين الإسلام والمسيحية. ومن المؤكد أن النزعة التوفيقية واسعة الانتشار فى ممارسات دينية كثيرة داخل مصر. ولكن من الخطأ الشديد تجاهل حقيقة أن كل الممارسات الدينية داخل مصر تتميز بأنها مسيحية أو إسلامية. والموالد الإسلامية والمسيحية على سبيل المثال تشترك فى عدد من السمات المشتركة، ولكن لا توجد موالد مختلطة. فهى دائما تكريم إما لولى أو قديس ولكنها لا تكون لهما معا فى الوقت نفسه.

    (31) وهنا نجد ما يسميه بورديو الاستعداد الجمالى فاعلا

    Cf. Bourdieu, Distinction, pp. 28 ff.

    (32) المرجع السابق، ص 480.

    (33) Cf. Armbust, Mass Culture and Modernism, pp. 184 ff.

    (34) راجع مثلا مجدى السيد إبراهيم: بدع وخرافات النساء؛ إبراهيم الجمل: بدع ومنكرات يجب أن تزول ليس من الإسلام، القاهرة: مكتبة العلم، 1993 طلعت زهران: احذر! أقوال وأفعال واعتقادات خاطئة، الإسكندرية: دار العقيدة، التراث 1995.

    (35) أنور الجندى: الشبهات والأخطاء، ص 214.

    (36) Salvatore, “Staging Virtue”, p. 116.

    (37) راجع عصام فوزى: "أنماط التدين فى مصر".

    (*) يشكر المؤلف عصام فوزى، وإفيسا لوبن Ivesa Lübben لما قدماه من نقد واقتراحات على الورقة الأصلية.


    * فصول؛ العدد 60 (صيف-خريف 2002)؛ ص 166-176


    .
     
    آخر تعديل: ‏24/10/14
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    د. عبدالله حمودي
    كرنفال في المغرب العربي
    حول كتاب «الضحية وأقنعتها»
    ترجمة: محمد أسليـم


    من سوء حظ الإثنوغرافيين المتمسكين دوما بإنتاج خطاب حول المجتمع الذي يلاحظونه أنهم لا يعثرون دوما على خطاب يكونه هذا المجتمع عن نفسه ويرفقه بشرحه (ص. 24). ويعد الكتاب الذي نشره مؤخرا الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي نموذجا متميزا على قدرة ثقافة من الثقافات على صياغة خطاب في منتهى الجلاء عن نفسها وتقديمه لمن أراد الإنصات إليها.

    في إحدى القرى الأمازيغية المغربية اسمها إيمين تاسانت، لكن أيضا في العديد من مناطق المغرب العربي، يتم تخليد احتفال سنوي ذي مظهرين متناقضين في الظاهر: يوم عيد الأضحى يذبح القرويون أضحيتهم مثلما يفعل مسلمو العالم بأسره في هذا اليوم، لكن ما أن يحل الزوال حتى ينطلق تقنع (mascarade) جامح سغير لمدة عدة أيام جميع القواعد السائدة والمعتادة. أي صلة تربط عيد الأضحى بالتقنع؟ ! يقوم مشروع الكتاب على إظهار كيف أن هذين المظهرين المتناقضين ظاهريا إنما هما متلاحمان في العمق تحت علامة التناقض الوجداني (l’ambivalence).

    يبدأ هذا التناقض من تاريخ الاحتفال نفسه؛ ففيما يندرج العيد الإسلامي في التقويم القمري ويتنقل في السنة الشمسية يتأصل التقنع في إيقاع شمسي، وبالضبط في وقت نضج الذرة، وهذا طبيعي لأنه يستدعي الخصوبة الطبيعية. إلا أنه بالتحامه مع العيد الأضحى سيجد نفسه قد انتقل إلى التقويم القمري.

    يصف الكتاب الاحتفال بالعيد الأضحى بعناية متناهية، التحاق جماعة المصلين بالمصلى، إلقاء خطبة العيد، إقامة الصلاة، ثم قفول الجماعة إلى القرية وأخيرا ذبح الأضحية في كل منزل. كما لم يفت الكتاب تسجيل، وبعناية كبيرة أيضا، خصوصيات العادة الأمازيغية وكذا عدة نقط متعالقة مع التفسير الذي سيسوقه لاحقا. غير أن الأمر هنا لا يتعلق سوى بالجانب الكوني في ممارسة إسلامية. أما الموضوع المركزي في الكتاب، فهو أساسا مزاوجة هذه الممارسة بتقنع، هذه المزاوجة التي ستتخذ كمواد أولية فراء الحيوانات التي تمت التضحية بها في الصباح.

    كم هي كثيرة حقا الممارسة التي ستلي احتفال العيد، والتي أعاد المؤلف بناءها بعناية موظفا أداتين دفعة واحدة: الملاحظة المباشرة، ثم شهادات الإثنوغرافيين القدماء (مولييراس، دوتيه، لاووست، ووسترماك) الذين لم تفتهم ملاحظة هذه الممارسة وتفسيرها، كما سنعود على ذلك بعد قليل. لنحاو لالآن أن نلخص الخطوط الكبرى لهذا التقنع الذي ستحرَمُ الأجيال المقبلة دون شك من الاستمتاع بمشاهدته.

    أودع المؤلف وصفه للتقنع ف يأربع «علب» ليفي ستروسية (نسبة إلى ليفي ستروس). تتضمن العلبة الأولى التي، تحمل اسم «تحركات في الكواليس»، وقائع الاستعداد للاحتفال التي تجري في ملحقة المسجد، حيث يتم تعيين شخصيات التقنع الأساسية وتنكيرها. ويعد بلماون، وهو شبه حيوان فاحش ذو قائمتين، الشخصية الرئيسية. يتنكر بفراء الحيوانات المنحورة في الصباح، ويتقمصه عادة رجل من القرية: «يتجرد من جميع ملابسه باستثناء السروال القصير، ثم يرتيرتدي الفراء مباشرة على لحمه دون أن تغسَلَ أو تنظف، تخاط عليه أولا الفراء التي ستشكل سرواله.

    ثم يلصق وراءه جيبا خصيتي الحيوان وقضيبه، بحيث يتدليان فوق عجيزته. وبعد ذلك، يُخاط على أعلى جسمه فرون آخران يغطيان نصفه العلوي ويتصلان بالسروال على امتداد القامة. كما تغطى ذراعاه ويداه أيضا. ويشد إلى يده اليمنى عنزا بواسطة حبل متين ووسط صدر بلماون يتدلى نهد واحد ضخم... (ص. 112-113). أما رأسه، فهو رأس أضحية ذات قرنين. ونظرا للطبيعة الفاحشة لهذه الشخصية، فإنها ستشدد طوال مراحل التقنع على تعرية الأوصاف الجنسية. أما باقي الشخصيات، فتتكون من أربعة يهود، ضمنهم حبر واحد، يحملون أقنعة مشنقية ويرتدون بذلات متجانسة، ثم عبد الواحد. وستشكل هذه الشخصيات حرَس بلماون.

    أما العلبة الثانية، ويسميها المؤلف «تطواف»، فتتضمن تسكعا احتفاليا في طرقات القرية، حيث تضاعف الشخصيات مناوشاتا وإثاراتها الجنسية للمارة عن طريق الكلمات والحركات. وبذلك يضطر الجميع إلى الدخول في اللعبة. يلج موكب بلماون المنازل (مجال النساء) التي يكون الرجال قد غادروها قسرا بهذه المناسبة، ثم يتعاطى فيها لإثارات كلامية (على شاكلة: «اسفري يابنة العاهرة»، «أترغبين في أن أضاجعك؟ !» (ص. 119)، ويستلم من النساء هبات طعامية كمقابل. وفوق سطوح المنازل تحاكى مشاهد الجماع...

    وتوازي المرحلة المركزية في العلبة الثالثة، المسماة «الأشكال والايام»، بين عرض الإعداد للحرث (تحديد سكة المحراث) وعرض كاريكاتور لزواج بلماون – امرأة حيث يتم الاحتفال بالخصوبة في سخرية. تنشد متتالية تتخللها اللازمة: «اللهم اجعل العام جيدا». أما العلبة الرابعة، وتحمل اسم «المجلة»، فهي تحاكي الوقائع المحلية التي شكلت أحدوثة سكان القرية في السنة المنصرمة.

    لا يمكن استنفاد مختلف جوانب كتاب كهذا في مجرد عرض. ومن المؤكد أن مؤلفه قد وجهه إلى زملائه الأنثروبولوجيين قبل كل شيء، وقراءته من قبل قارئ عادي تعد مجازفة، إذ قد ينال همة قراءته فتور، بل وحتى تيه وسط الجهاز المعرفي الذي يعرضه المؤلف (لكن هذا هو ما سيبتهج له أهل المهنة). من ذلك، لكي ندخل في صلب الموضوع، هذا العناد لدى المؤلف في نقض تحليلات سابقيه للعادة التي يصفها. فهؤلاء، سواء تعلق الأمر بدوتيه أو لاووست أو ووسترماك، يميلون إلى التمييز داخل هذه الممارسة بين تقليدين متعارضين: تقليد إسلامي أورتذكسي ممثلا في الأضحية وبقية أو مخلفة (survivance) تقليد وثني سابق عن الإسلام، يرجع إلى عبادات طبيعية، عبادات الخصوبة تحديدا. هكذا، فبعدما يؤدي هؤلاء البربر الطيبون م تستوجبه إحدى قواعد الإسلام، ينصرفون إلى إحياء شياطينهم القديمة، شياطين الجاهلية، الذين لازالت فعاليتهم في الطبيعة على الأقل مضمونة، معتقدين أنه من المسموح لهم بذلك. ضد هذا المنظور، يحتج عبد الله حمودي بقوة، ومن هذا المكان بالضبط يشيد مشروعه البنيوي الكبير. ووجهة نظره هي أن التقنع والأضحية يشكلان جزءا من كل واحد، وبذلك يجب تناولهما مجتمعين. أما طبيعتهما المتناقضة، فهي بالعكس مدعاة للتأمل والتفكير. إنها تدل على التعارض الوجداني الذي يميز كبريات الظواهر الإنسانية، كما تدل على أن ما هو مطروح في الممارستين معا هو مشاكل أساسية. وهن اتكمن خصوبة التحليل وطابعه التجديدي.

    بتناول الأضحية والتقنع مجتمعين يتضح أنهما يطرحان في الواقع مسالة تعايش القاعدة والانتهاك (ص. 9). بناء على ذلك يظهر المؤلف بالملموس كيف أن كلا المصطلحين ليس «واحدا»، وإنما ينطبع هو نفسه بالتعارض الوجداني العام. فالأضحية رسميا هي احتفال إسلامي ذكوري، لكنها تتضمن طقوسا (حشو خليط من الشعير والملح والحناء في فم الكبش قبيل نحره، ثم جمع دمه بعد النحر) تتم بتدخلات أنثوية. والتقنع وإن كان يسخر الرجال والكهول وسط احتدام جنسي لتهييج النساء والشباب، فإنه لا يفلت في كل لحظة من مراقبة أولئك الذين يتحدى مكانتهم ووضعهم الاعتباري.

    إنه خطاب يكونه المجتمع عن نفسه، وتمثل بقيمه عن واقعه كما يحاول استخدامه. كيف يضمن إعادة إنتاج النسب مع الإبقاء على النظام الأبوي؟ كيف يفهم تعايش الأضحية عند الرجل والهبة عند المرأة؟ كيف يكون الفرد نفسه وآخرا غيره؟ كيف يستخدم تقويما قمريا وآخر شمسيا؟ كيف يحترم القانون الإلهي مع ضمان حماية الجن؟ إن هذا التوفيق الصعب هو ما تخرجه الأسطورة والشعيرة عبر لغة تتكون من عناصر ملموسة كالشعير والحناء والملح والدم، والتي يحلل المؤلف رمزيتها على نحو عجيب.

    وفي حقل الدعابة، كدرجة لسمو الفكر، يزهر هذا التعارض الوجداني، كيف لا يمكن للمرء أن يندهش أمام أحد مشاهد تقنع كهذا؟ ! «في غمرة ابتهاج عام، ووسط صراخ سكان القرية وتشجيعاتهم، يطأ الثور البقرة، وفي اللحظة التي يلجها يأخذ اليهود في قراءة سورة الفاتحة...» (ص. 131). إلا أن هذه الدعابة لم تعد مطلقا ترضي في عين المكان نفسه المسلمين النقائيين ولا الحداثيين... أما في مجتمعاتنا المعاصرة، فإنها أصبحت تبدو يوما عن آخر غائية بشكل تراجيدي، سواء تعلق الأمر فيها بمجتمعات آيات الله المتشددين أو بمجتمعات إداريي اللياقة والأدب.


    [*] Abdellah Hammoudi, La victime et ses masques, ed. du Seuil, 1988, 254 p.


    نشر العرض الحالي بلغته الأصلية في
    La quizaine littéraire, n° 534, 16-30 juin 1989
    ونشرت ترجمته إلى العربية في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، الأحد 9 يوليوز 1989، العدد: 285.


    .
     
    آخر تعديل: ‏24/10/14
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    حسني إبراهيم عبد العظيم
    الجسد الأنثوي بين المعتقد الشعبي والمعتقد الديني: رؤية أنثروبولوجية




    ثمة تصورات عديدة عن الجسد الأنثوي في المعتقد الشــعبي العربي – وفي معظم المجتمعات التقليدية – أحد هذه التصورات وأوسعها انتشارا هو الاعتقاد بأن الجسـد الأنثوي جسد مدنس، بعيد عن عالم القداسة والطهر والسمو.

    لا بد أن نقرر مبدئيا – اتفاقا مع الباحث الأنثروبولوجي المغربي المتميز رحال بو بريك في دراسته القيمة التي حملت عنوان الجسد الأنثوي والمقدس المنشورة في المجلة العربية لعلم الاجتماع – أن القداسة والدناسة لا جنس لهما، ولكن بمراجعة النصوص الدينية يختلف الأمر، إذ نجد أنفسنا أمام نصوص وتمثلات تجعل المرأة في حالة دونية بسبب عدم طهارتها أو فتنتها الجسدية، فهي دائمة التأرجح بين حالة الطاهر Pure والنجس Impure على عكس الرجل.وهذان المفهومان أساسيان في المنظومة الدينية وعالم القداسة. كما أن المرأة تظل مصدر الفتنة الشيطانية من منظور المعتقدات الدينية السائدة.

    وقد أوضحت الدراسات الأنثروبولوجية المتنوعة أن الذكور في ثقافات كثيرة يعتقدون أنهم روحياً أعلى مقاماً ومنزلة من الإناث، وأن الإناث كائنات خطرة ونجسه وضعيفة، وأنهن غير جديرات بالثقة، ونتيجة لذلك تظل الأنثى خاضعة ومستعبدة، وتقبل غالباً المبررات التي يسوغها الذكور للمحافظة على ذلك الوضع.
    والحقيقة أن تلك النظرة للمرأة ككيان دنس ترتبط ارتباطاً مباشراً بالظواهر العضوية التي تكابدها كالحمل والولادة والحيض والنفاس، وقد لاحظت الأنثروبولوجية «ماري دوجلاس» Mary Douglas بعد فحصها لثقافات مختلفة أن الحيض يوحي بالموت والدنس والخوف: الخوف خصوصاً مما يمثله الحيض من توقف الخصوبة أو انتهائها، من هنا تأتي ضرورة أن تبتعد الحائض عن كل ما يمثل التكاثر أو الاختمار.

    إن جسد المرأة هو الأكثر خضوعا لمسألة الطهارة، مقارنة بالرجل، إذ أن تكوينها البيولوجي يجعلها في حالات تدنيس يدعوها إلى التطهر كي تصبح جديرة بممارسة طقوسها الدينية، وتعتبر المرأة مدنسة مؤقتا نظرا إلى الدم الذي يسيل منها: دم الحيض، ودم الاستحاضة ودم النفاس، وهذه كلها مخصوصة بالمرأة.
    وقد حثت المعتقدات الشعبيةعلى تجنب أماكن الدم، وسواء أكان الدم آدميا أو حيوانيا، فهو مصدر لقوى غيبية شريرة، ويعتبر الدم الآدمي ذا حمولة رمزية أسطورية أكثر من غيره، فالدم قرين بالحياة والموت، ورؤيته لاتدع أحدا في موقف الحياد، وتعكس الأساطير والتمثلات حول الدم في الثقافات الإنسانية كلها قيمة هذا الدم الرمزية الخطيرة، فنلاحظ أن الدم حين يتعلق الأمر بالرجل فهو مرتبط بالشرف والقرابة الأبوية والتضحية وعقد العهود، أما حين يتم الحديث عن دم النساء فإنه يحيل مباشرة إلى عالم الدنس.

    إن عدم إحاضة المرأة في موعدها الشهري يعد إيذانا بالخصوبة والحياة عبر الحمل بمولود جديد بالنسبة إلى المرأة المتزوجة، بينما يكون الأمر عكس ذلك في الحالة الأخرى، إذ أن استمرار حيضها يعني أن الدم السائل عقيم، وهو دليل على فشل عملية الإخصاب الطبيعية؛ لأنه دم لم يحمل ، فهو لذلك يعتبر دما فاسدا. وعلى المجتمع أن يعمل على إبعاد المرأة – التي يؤشر دم حيضها على أنه دم فاسد ومدنس – عن ممارسة حياتها العادية، بالاختفاء عن الأنظار وانتظار طهارتها، إذ يجب سجنها في مكان بعيد وإبعادها عن الجماعة كي لا تدنسها، ولا تعود إلى ممارسة نشاطها إلا بعد أن تصبح كائنا اجتماعيا من جديد، وكانت المجتمعات التقليدية وبعض الحضارات القديمة تبعد المرأة الحائض عن الناس بإرغامها على العيش في أكواخ ومناطق معزولة تسمى (ديار الحائضات) تجنبا للاختلاط بالآخرين، كي لا تدنسهم أو تجلب لهم الشر، لأن دمها بحسب اعتقادهم، يحمل أرواحا شريرة، كما أنها تصبح جسدا باردا ذا طباع تنعكس سلبا على صحة جسدها وصحة الآخرين.

    ففي قبائل «الفوري» Fore التي تقطن هضاب غينيا الجديدة يتم عزل النساء في فترة الحيض في أكواخ صغيرة خاصة، وتتولى نسوة أخريات إحضار الطعام لهن؛ وذلك اعتقاداً منهم أن زيارة المرأة الحائض لحدائقهم سوف يجلب الآفات للمحاصيل، كذلك لا ينبغي عليها أثناء فترة العزل تلك أن تعد طعاماً لزوجها، حيث يعتقد أن تناول الطعام الذي تلمسه يؤدي إلى إصابته بالوهن والضعف وأمراض الشيخوخة، إن عملية العزل تلك – كما يقرر هاريس Harris- دليل على الوضع «نصف الوحشي» للمرأة الناتج عن الوظائف الطبيعية لجسدها.

    وفي دراسة لإيفون فردييه Yvon verdier حول التقاليد التي بقيت حية في قرية «مينو» الصغيرة بمنطقة «بورجوني» الفرنسية، قدمت فيها تحليلاً للفسيولوجيا الرمزية للمرأة، ولاسيما أثناء دورتها الشهرية، فخلال هذه الأيام القليلة لا تنزل المرأة إلى القبو الذي تخزن فيه المؤن الغذائية للأسرة كاللحم المملح والمخللات والنبيذ .. الخ، وذلك لأنها ستفسد الأطعمة التي تمسها بطريقة لا يمكن معالجتها، ولنفس الأسباب لا يذبح الخنزير مطلقاً أثناء الفترات التي تكون فيها المرأة بتلك الحالة. إن التأثير المتلف للدم الذي ينزف منها يمتد أيضاً للمهام التي تقوم بها عادة في المنزل، فقد أعلنت امرأة لفيردييه: «أنه من المستحيل صنع الحلويات والكريمات، كما لا يمكن للمرأة أن تصنع المايونيز أو تركب البياضات النظيفة، فهذه المهام لن تستقيم».

    إن ثمة صلات رمزية وثيقة تنسج بين جسد المرأة وبيئتها، وتؤثر على العمليات الطبيعية أو على أعمالها المعتادة، كما لو كان للجسد الحائض القدرة على الانتشار خارج حدوده، لكي يغير أيضاً ترتيب أمور الحياة: «خلال دورتها – تلاحظ فيردييه- أن المرأة لكونها غير خصبة، فإنها تعطل كل عملية تحوّل تستدعي الاخصاب»
    وقد كشف العديد من الدراسات الأنثروبولوجية في المجتمعات العربية أن الجسد الأنثوي – وفقاً للمعتقد الشعبي- هو جسد مدنس Profane وترتبط تلك الدناسة بدخول الأنثى مرحلة النضج والبلوغ، وما يرتبط بذلك من ظواهر عضوية متعلقة بالدم كالحيض والنفاس. أما الجسد الأنثوي قبل تلك المرحلة -الطفولة- وبعدها- وهو ما يعرف بسن اليأس- فهو جسد طاهر نقي برئ. فكأن الدناسة مرتبطة بدم الحيض والنفاس، فالمعتقد الشعبي لا يرى ذلك عرضاً طبيعياً، وإنما يراه مصدراً للنجاسة.

    واستناداً إلى ذلك، فإن ممارسة المرأة – أثناء فترة الحيض- لأنشطة معينة، وفق المعتقد الشعبي، تؤدي إلى فسادها، ولذلك لا ينبغي للمرأة الحائض أن تمارس تلك الأنشطة، بل يجب أن تعزل تماماً عن فضاءات تلك الأنشطة:
    فلا يجب على المرأة أن تقترب من صناعة المربى – مثلا – لأنها ستسبب عدم تخمرها؛ لأن وجودها يستدعي مخلوقات «جنية» -شيطانية- تفسد إتمام العملية، كما عليها ألا تجلس في الحديقة أو حتى تمر عليها؛ لأنها ستعرض المزروعات للتلف والتدمير، إنها ستفسد كل الخضروات والفواكه التي تمر بها، وتترك الحديقة خاوية على عروشها،ولا ينبغي للمرأة أن تجلب المياه من البئر؛ لأن المياه سوف تجف، أو على الأقل ستفسد حيث يمتلئ البئر الديدان.

    كما تمنع المرأة من حلب البقرة أو غيرها من الحيوانات؛ لأنها قد تسبب انقطاع اللبن من البقرة، ولا يجب أن تصنع القشـــدة؛ لأنها ستمنع تخترها (اختمارها وتحولها إلى زبدة)،ويجب ألا تحضر لحظة ختان الصبي، ولا ينبغي لها أن تنظر إلى مكان الختان، لأنها تضاعف آلام الصبي، وتؤخر شفاء مكان الختان،كما لا ينبغي لها أن تقترب من شعر البنات الصغيرات ، فلا تغسله، ولا تقوم بتمشيطه وتضفيره، لأنها ستؤذي الشعر وتتسبب في تساقطه، ولا يجب على المرأة أيضا أن تستخدم الحناء في شعرها أو في يديها أو قدميها، لأن الحـــناء في المعتقد الشعبي رمز للطهارة والنقاء، في حين أن جســد المرأة في تلك الفترة «نجس».

    إن القراءة المتعمقة لمجموعة «المحرمات» السابقة تكشف عن وجود أفكار راسخة في الوعي الشعبي تدور حول دناسة الجسد الأنثوي، وامتداد تأثيره إلى ما يحيط به، حيث يفسد كل ما يلامسه، وله القدرة على تغيير طبائع الأشياء.
    والحقيقة أن تلك الصورة النمطية للجسد الأنثوي – كجسد نجس- لا تقتصر على المجتمعات العربية بطبيعة الحال، وإنما تنتشر في كل الثقافات التقليدية، بل إنها كانت سائدة في المجتمعات الغربية حتى القرن الثامن عشر، وبدايات القرن التاسع عشر، حيث ساد اعتقاد بأن النساء يشكلن خطراً وتهديداً للرجال في فترات الحيض.
    الملاحظ إذن أن اعتبار دم الحيض ودم النفاس من المدنسات هو ظاهرة كونية،بغض النظرعن تنوع المجتمعات واختلاف المعتقدات الدينية السائدة فيها،وقد حاول الباحثون في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا تفسير تلك الأفكار المتعلقة بنجاسة الجسد الأنثوي، والبحث عن مصادرها، وكشف معظم الدراسات أن هذه الأفكار ترتد في جانب كبير منها إلى تعاليم «تـوراتـيـة» تعود بدورها إلى «ميثولوجيا» وأفكار بعض الحضارات القديمة التي عاصرها بنو إسرائيل.

    يعتقد «تيرنر» (Turner 1997: 104) أن بعض الإشكاليات المعاصرة للجسد تمثل ميراثاً للخطاب اليهودي المسيحي المتعلق بالجسد، فالمعروف أن «اللاهوت البولسي» Pauline Theology (نسبة إلى بولس الرسول) قد جعل الجسد الإنساني – وخاصة الأنثوي- رمزاً للخطيئة والشر والضعف مما أدى إلى سقوط آدم وخروجه من الجنة.

    ونتيجة لذلك يقرر «تيرنر» في موضع آخر (Turner 1992: 19) إن ميراث التعاليم الجنسية المستمد من المسيحية الكلاسيكية ينظر إلى أجساد النساء باعتبارها مصدراً للنجاسة، وبالتالي فقد أصبح «ضبط» الجسد الأنثوي Regulation جزءاً مهماً في تدريب رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى.ولقد ذهبت المعتقدات المسيحية في الغرب إلى حد اعتبار أن دم الحيض يجلب الشر، ويقضي على المحاصيل الزراعية، ويجفف ينابيع الماء، وارتبط كذلك في هذه المعتقدات باستعماله في السحر والشعوذة. وهي كلها معتقدات عملت الكنيسة المسيحية منذ العصور الوسطى على نشرها وتكريسها وتبريرها دينيا، وهو بطبيعة الحال ما كان له انعكاس على وضعية المرأة باعتبارها كائنا ناقصا.

    ويعتبر المؤرخ الفرنسي ميشيليه Michelet الذي عاش في القرن التاسع عشر أن الديانتين المسيحية واليهودية كانتا السبب الرئيسي في جعل المرأة كائنا سيئا، فهي الساحرة والمشعوذة وحاملة اللعنة الأبدية، وهي كلها نتائج لـ (الخطيئة الأولى) التي حملتها الكنيسة لحواء.

    لقد أدان العهد القديم المرأة أبشع إدانة، فقد حملها المسئولية كاملة عن تلك الخطيئة وعاقبها على ذلك أشد العقاب، جاء على لسان الرب في سـفر التكوين – الإصحـاح الثالث:(وقال للمرأة تكثيرا أكثر ألامك،بالوجع تلدين أولادا،إلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليكي).

    كانت تلك أول إشارة إلى حادثة الولادة باعتبارها عقابا للمرأة، وكانت اخر إشارة أيضا، فقد تفادت الأناجيل ذكرها كلية، ومدح القرآن المرأة من أجل ذلك، واعتبر الولادة من النعم التي أنعم الله بها على البشر، ومن الواضح أن التوراة قد أدانت المرأة بصورة نهائية، وقررت عقابها على المعصية الأولى بأن تكون (تابعة) للرجل، وقد تمثل ذلك العقاب في النهاية عندما بدأت التوراة تحدد فرائض الزواج وفرائض الاغتسال على اليهود، فأشارت إلى المرأة باعتبارها أكثر نجاسة من الرجل، وحددت طهارتها على نحو متشدد.

    يرتبط دم الحيض إذن بخطيئة المرأة – الخطيئة الأولى – التي أصابها على إثرها عقاب إلهي، والخطيئة نجاسة لابد من التطهر منها بالتوبة، وكان الحيض عقابا إلهيا على خطيئة المرأة، ستظل تحمله بحسب المنظور المسيحي إلى الأبد ، فالحيض لعنة ستظل تنتقل من إمرأة إلى أخرى، فستنقله الأم إلى إبنتها، والإبنة ستنقله لذريتها من النساء، لقد أخطأ آدم لكن حواء كانت السباقة إلى الخطأ، وهي التي دفعته إليه،وهي بذلك تتحمل مسئولية الخطيئة الأولى بالدرجة الأولى.

    إن القراءة المتأنية لبعض نصوص العهـــد القديم تكشف عن ارتباط وثيق بين النجاسة ودم الحيض باعتبار أن الحيض يمثل عقابا إلهيا للمرأة على خطيئتها الأولى، لنقرأ: «كلم الرب موسى قائلاً إذا أحبلت المرأة وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام» «وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين كما في طمثها، ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم تطهيرها» (العهد القديم، سفر اللاوبين، الإصحاح الثاني عشر) وفي موضع آخر يقول: «إذا كانت المرأة حائضاً فسبعة أيام تكون نجسة في طمثها، وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء، وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجساً، وكل ما تجلس عليه يكون نجساً، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء، ويكون نجساً إلى المساء، وكل من مس متاعاً تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم ويكون نجساً إلى المساء»( سفر اللاوبين، الإصحاح الثاني عشر…وأنظر كذلك الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر).

    وحرمت التوراة على المرأة دخول المعبد أثناء فترة النفاس، فالإثم طبقا للتوراة يظل دنسا بصورة عامة حتى أيام الكفارة، وفترة النفاس الطويلة تظل فترة غير طاهرة رغم انقطاع الدم كلية، فالأمر لا يقاس بما يحدث داخل الجسد نفسه، وإنما بما يحدده النص الديني تبعا لقرار الإدانة، وذلك يعني أن المرأة مسئولة عن الخطيئة الأولى، وأن عقابها تحدد في نقطتين:
    الأولى أنه قد حكم عليها بـ(واجب الولادة) ثم اعتبر ذلك الواجب نفسه نجاسة يجب التطهر منها حسب نوع المولود.
    الثانية أن تظل محكومة من جانب الرجل، وتحدد التوراة الرجل بالزوج أو الأب أو ولي الأمر. وقد تحدد خضوع المرأة لسلطان الرجل بطريقة مشددة، وقد نصت التوراة على أن المرأة لايحق لها حتى أن (تأخذ على نفسها نذرا) إلا إذا وافق الرجل المسئول عنها.

    من الواضح أن اعتبار المرأة كائنا غير طاهر ليس محددا بدم الحيض والنفاس فقط، بل مرتبط أيضا بجنس المولود، فباب التحريم في اليهودية لم يتوقف عند منع المرأة من دخول أماكن العبادة وتدنيسها كل ما لمسته، بل تعداه إلى وضع شروط تختلف مدة النجاسة فيها باختلاف جنس المولود، فإذا كان المولود ذكرا فالمرأة تعتبر غير طاهرة لمدة أربعين يوما وإذا كان أنثى تعتبر المرأة غير طاهرة لمدة ثمانين يوما، فالأنثى تدنس أكثر من الذكر، وهو ما يعني ضمنيا أيضا كونها نجسة، حتى وهي تخرج إلى العالم. وعموما يعتبر الحيض في التصورين اليهودي والمسيحي أصل الخطيئة ومصدرا لكل قوى الشر، وكل اقتراب من الحائض هو تدنيس للذات والمرأة حتى وهي تمنح الحياة، فلأنها مدنسة فهي تدنس من يقترب منها من البشر، وتدنس الأشياء التي تلمسها.

    ومن الجدير بالذكر في هذا الإطار أن كل الأفكار المتعلقة بنجاسة المرأة في الفكر الإسلامي قد تسربت إليه من نصوص العهد القديم، ولا أساس لها في الإسلام. فالقرآن الكريم – وهو النص المهيمن في الفكر الإسلامي – لم يقر مطلقاً فكرة نجاسة المرأة، ويصف الحيض بأنه «أذى» أي مسألة عضوية بها بعض الأضرار المادية لأن المرأة قد تكون عرضة في تلك الفترة لبعض الميكروبات، أما الجسد الإنساني بصفة عامة – سواء أكان ذكراً أم أنثى – فهو وفق التصور القرآني جسد طاهر نقي، لأن به نفحة من روح الله تعالى، فقد ورد في الذكر الحكيم «وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» سورة ص: الآيتان 71- 72، وجاء في سورة الحجر “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ”الآيتان (28 – 29).

    وانطلاقا من ذلك التصور القرآني للحيض كعملية عضوية طبيعية – لا علاقة لها بالطهر والنجاسة- فإن كل ما ينسب للنبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام من تهوين من شأن المرأة ، أو وصفها بما لايليق كفكرة النجاسة التي نحن بصددها، هو محض افتراء لا أساس له، لأن النبي لا يأتي بشئ يعارض القرآن الكريم.

    وتأسيسا على ذلك يجب إثبات تميز الإسلام عن الديانات السماوية الأخرى فيما يتعلق بقضية الحمل والولادة والحيض، فقد قرر القرآن أن قيام المرأة بمهمة الحمل يوجب طاعتها على باقي أفراد الأسرة، ووصف الحمل نفسه بأنه مهمة نبيلة لتجدد الحياة قي طريق أكثر صلاحا. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) ثم قرر النص القرآني أن فترة الحيض ليست نجاسة، ولكنها أذى، وتلك نقطة فاصلة، فالأذى يحدث في الجسد، أما النجاسة فتحدث في الروح والجسد معا. وقد قال القرآن (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) فالأمر باعتزال النساء يشمل التحذير من الأذى الجسدي الذي تسببه المادة المفرزة، وهو أذى يصيب المرأة والرجل على السواء، دون أية إشارة خاصة إلى حالة النجاسة التي تعتبرها التوراة سببا في وجوب التطهر.

    وفكرة التطهر ذاتها فكرة فاصلة أخرى بين النصين المقدسين، فبينما ترتبط الطهارة في التوراة بالزمن( سبعة أيام فيما أكثر) وبالاغتسال (الذي يشمل الجسد والملابس) وبتقديم القرابين( حمامتين على الأقل) تظل تلك الفكرة في القرآن شيئا بالغ التجرد والسمو، لا يرتبط بالزمن ولا بالاغتسال ولا بالقرابين، بل يخضع لشيئ واحد جوهري في القرآن كله، وهو النية في التطهر، وقد تمثل ذلك في فكرة (التيمم) التي انفرد بها القرآن دون سائر النصوص المقدسة، فالغسل بالماء واجب حيثما كان ذلك ممكنا، ولكن التطهر لايرتبط بالغسل وحده لأن تجرده يقع فوق نطاق مادة الماء، ولذا فقد جاء في القرآن: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فمن الواضح أن التيمم مجرد تجسيد للنية ذاتها، وأن المرأة لم تستثن لأي سبب يختص بطبيعتها كإمرأة، بينما حددت التوراة فرائض التطهر بالنسبة لها على هذا الأساس وحده. إن النص القرآني يعامل المرأة – فيما يختص بمسألة التطهير – باعتبار وظيفتها الإنسانية، فيما يعاملها العهد القديم باعتبار أنها مخلوق ذو حاجة أكثر للتطهر.

    ويجب إثبات تميز الإسلام كذلك عن الديانات السماوية الأخرى فيما يتعلق بأحكام الحيض، وهو ما ظهر بإلحاح منذ بداية سن الأحكام الدينية الإسلامية في المدينة – وهي المعروفة بوجود قبائل اليهود فيها – وكانت أحكامهم شديدة الصرامة على الحائض على النحو الذي بيناه منذ قليل، وهناك حديث نبوي يبين كيف خفف النبي صلى الله عليه وسلم من أحكام اليهود على الحائض، ( فاليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اصنعوا كل شيئ إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه).

    فالحائض في الإسلام لا تعزل ولا يمارس علها حصار مثل ما هو سائد لدى اليهود، فهي ليست كائنا يجب عدم لمسه والابتعاد عنه وإبعاده، فهي ليست نجاسة تنجس كل من حولها. ففي الإسلام يجوز للحائض أن تغسل رأس زوجها ورجليه، وأن يتكئ في حجرها، بل إن العلاقة الجنسية ليست محرمة بالكلية، فالإسلام يحرم فقط الجماع في الفرج في هذه الفترة.ومع أن الإسلام يمنع الحائض من بعض الطقوس الدينية كالصلاة والصيام والطواف، إلا أن مجال المنع أضيق بكثير جدا مما تمليه نصوص العهد القديم.

    لقد ذكرت في مكان سابق من هذا البحث أن معظم الدراسات كشفت عن أن الأفكارالمتعلقة بدونية المرأة ونجاستها ترتد في جانب كبير منها إلى تعاليم «تـوراتـيـة» تعود بدورها إلى «الميثولوجيا» الموجودة في بعض الحضارات القديمة التي عاصرها بنو إسرائيل.

    فنلاحظ أن الديانات الفارسية – الزرادشتية والمانوية والمزدكية – رغم أنها لم تلق بتهمة الخطيئة الأولى على المرأة، ألا أنها اعتبرتها كائنا غير مقدس، عليها أن تربط عصابة على فمها وأنفها كي لا تدنس أنفاسها النار المقدسة، ثم تحولت عصابة الأنف والفم في المجتمعات الفارسية إلى جلباب تلبسه المرأة من رأسها إلى قدميها، لكنه كان خاصا بالحرائر وعليـة القوم، ولا يجوز للإماء ونساء العوام ارتداؤه. أما الديانات الهندية – الفيدية والبراهمية والبوذية – فقـد اعتقدت أن المبدع الإلهي حين خلق المرأة خلقها من قصاصات وجذاذات المواد الصلبة التي زادت لديه بعد عملية خلق الرجل.وأوجبت على الزوجة أن تخدم سيدها (زوجها) كما لو كان إلها، وحرمت المرأة من دراسة كتب الحكمة والفلسفة والدين، فقد ورد في نصوصهم: (إذا درست المرأة كتاب الفيدا( وهوكتاب مقدس لديهم) كان هذا علامة الفساد في المملكة.

    أما الحضارة المصرية القديمة فيجب إثبات تميزها عن الحضارات الأخرى فيما يتعلق بوضع المرأة ومكانتها،فقد كانت لها منزلة خاصة رفيعة في المجتمع، تختلف عن منزلتها في باقي المجتمعات القديمة، فكانت تملك وترث، وتنزل إلى الأسواق لتمارس التجارة، ولم يكن غريبا والحالة هكذا أن نجد في النقوش التاريخية أسماء كثيرة لنساء مثل كليوباترا ونفرتيتي وحتشبسوت، وأن نجد رمسيس الثالث يتباهى بالمرأة في مملكته (فهي تذهب حيث تشاء مكشوفة الأذنين فلا يتعرض لها أحد) كما لم يكن غريبا أن يعلق ماكس ميللر على ذلك قائلا:(ليس ثمة شعب قديم أو حديث رفع منزلة المرأة مثلما رفعها سكان وادي النيل).

    لقد أذهلت المرأة المصرية القديمة المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت لنشاطها ومشاركتها الرجل في جميع مناحي الحياة: في البيت والتجارة والزراعة والأسواق والسياسة، حتى أنها وصلت إلى أعلى المناصب السياسية عندما حكمت البلاد بمفردها أو مع زوجها. ويقول ديدور الصقلي : (إنها كانت تنال من السلطة والتكريم أكثر مما ينال الملك، ويرجع ذلك إلى الذكرى المجيدة التي خلفتها في مصر الإلهة إيزيس) وكانت الزوجة جليلة القدر حتى أن زوجها لا يكاد يصور مع الآثار إلا مع زوجته، بل كان أغلى قسم عند إخناتون أن يقسم بنفرتيتي زوجته، التي لم تنجب له سوى البنات، ومع ذلك رفض الزواج بأخرى لينجب الولد، ولم يكن ذلك قاصرا على الملوك الفراعنة أو الطبقة العليا في المجتمع، بل كان كذلك في جميع الطبقات: (كانت النساء يحضرن الحفلات العامة مع أزواجهن، وهذا مظهر لم يعهده العالم القديم، ولا الشرق الحديث، فالمصري كانت امرأته بجانبه أينما وجد، ولم يكن من الأدب المرعي الفصل بين الزوجين، فالزوج المصري وزوجته يجتازان الحياة واليد في اليد، كما نرى في الصور المنقوشـة على القبــور).

    ونلفت الانتباه في هذا الصدد إلى أن ثمة مصدر مؤثر أسهم بقوة في تهميش دور المرأة وانتقاص مكانتها وقيمتها، هذا المصدر هو (المعلم الأول) أرسطو، فقد زعم أرسطو أن المرأة من الرجل كالعبد من السيد، وكالبربري من اليوناني، والمرأة رجل ناقص، تركت واقفة على درجة دنيا من سلم التطور، والذكر متفوق بالطبيعة، والمرأة دونه بالطبيعة، الرجل حاكم والمرأة محكومة، وهذا المبدأ ينطبق على جميع الجنس البشري، إن المرأة ضعيفة الإرادة، وبذلك فهي عاجزة عن الاستقلال في المرتبة والخلق، وأفضل مكان لها هو حياة بيتية هادئة، تكون لها السيادة المنزلية بينما يحكمها الرجل في شئونها الخارجية، يجب ألا تتساوى النساء مع الرجال كما في جمهورية أفلاطون، ولا بد من زيادة الفوارق بينهما. لاشئ أشد جاذبية من الاختلاف، ليست شجاعة المرأة متماثلة مع شجاعة الرجل، كما افترض سقراط، شجاعة الرجل في القيادة وشجاعة المرأة في الطاعة،أو كما يقول الشاعر صمت المرأة مجد لها.

    ولا يكتفي أرسطو بهذا القدر من الانتقاص من المرأة، بل يضيف إليها عدم قدرتها على ممارسة الفضائل الأخلاقية المختلفة على نحو ما يفعل الرجل، وعدم قدرتها على شغل أي منصب اجتماعي أو ثقافي، أو حتى قيادة المنزل، إن مهمتها تقتصر فقط على الإنجاب، بل إنها مسئولة مسئولية كاملة عن إنجاب الأنثى، والرجل هو المسئول عن انجاب الذكور، وهي فكرة كانت وربما ما زالت شائعة جدا في مجتمعنا العربي.

    ويعتقد أرسطو أن من الطبيعي أن يأمر الزوج، وأن تطيع الزوجة (لأن جنس الذكر أصلح للرئاسة من جنس الأنثى، ومن ثم فتسلط الرجال على النساء مسألة طبيعية جدا) ويرجع أرسطو أسباب هذا التسلط إلى الفارق في القدرة العقلية بين الرجل والمرأة، وسيطرة الجانب العاقل من النفس على الجانب غير العاقل عند الرجل، ويرجع كذلك لأسباب بيولوجية، كسلبية المرأة باعتبارها الهيولي، وإيجابية الرجل بوصفه الصورة، ومن الأسباب كذلك الفارق في السن، لأن أرسطو كان يساير التقاليد اليونانية في أثينا التي تجعل الفتاة تتزوج من رجل في ضغف سنها، فلا يكون بينهما تقارب في السن أو في المستوى العقلي. والغريب أن أرسطو كان يرى أن ذلك التفاوت في عمر الزوجين، يرجع لأسباب بيولوجية،فسن الزواج ليس أمرا يخضع لأمزجة الناس وأهوائهم، بل هو أمر تقرره الطبيعة، فإذا كانت الطبيعة قد حددت سن السبعين كحد أقصى لقدرة الرجل على الإنجاب، وحددت سن الخمسين كحد أقصى عند المرأة، فإنه ينبغي علينا أن نرجع لهذا الأصل، ونحافظ على هذه النسبة نفسها في تحديد أفضل سن للزواج، أي لابد أ يكون الفارق بين سن الرجل وسن المرأة عند الزواج عشرين سنة كما حددته الطبيعة.

    أن خطورة أرسطو تكمن في أنه نظَّر ووضع الأساس الفلسفي لامتهان المرأة واحتقارها، فقد بذل جهده ليضع نظرية فلسفية عن المرأة يستمد دعامتها الأساسية من الميتافيزيقا، ثم راح يطبقها في مجال البيولوجيا أولا، والأخلاق والسياسة بعد ذلك، ليثبت فلسفيا صحة الوضع المتدني للمرأة الذي وضعتها فيه العادات والتقاليد اليونانية.
    وكلنا يعرف مدى التأثير الذي تركه أرسطو على الفكر الإنساني، فقد ظل مهيمنا على ذلك الفكر قرابة عشرين قرنا، بل أن الكنيسة الكاثوليكية اعتبرت أن كل من يخالف أفكار أرسطو يعد مهرطقا، ولذلك فقد اضطهدت كل العلماء والمفكرين الذين جاءوا بأفكار مخالفة لأرسطو كما حدث مع كوبر نيكوس وجاليليو وغيرهما.

    الخلاصة من كل ما سبق أن فكرة نجاسة الجسد الأنثوي قد تم تأسيسها استنادا على أفكار توراتية قديمة مستمدة من ميثولوجيا بعض الحضارات القديمة، وتم تأصيلها فلسفيا على يدي فيلسوف اليونان الأكبر أرسطو، ثم تسربت الفكرة للوعي الشعبي الذي تأثر بالموروث التوراتي تأثرا كبيرا. وقد أسهم اعتماد المسيحية للعهد القديم كنص مقدس ملزم، واعتماد الكنيسة فكر أرسطو بصورة لا تقبل النقد إلى زيادة انتشار الأفكار المرتبطة بنجاسة المرأة ودونيتها، وبالتالي تدني وضعيتها الاجتماعية في معظم المجتمعات.

    واتضح من هذا البحث الموجز أيضا تميز وضع المرأة في المجتمع المصري القديم، وكذلك تميز التصور الإسلامي للمرأة النابع من نفي القرآن كلية فكرة – أو بالأحرى تهمة – النجاسة عن المرأة، في حين ألصق العهد القديم النجاسة بالمرأة وكأنه جزء من بنيتها العضوية والنفسية، وهو ما أسهم في النهاية في إقصاء المرأة وتهميشها في كافة الفضاءات الاجتماعية.
    ـــــــــــــــ
    أهم المراجع:
    • إمام عبد الفتاح،أرسطو والمرأة،سلسلة الفيلسوف والمرأة، مكتبة مدبولي، القاهرة،1996.
    • ديفيـد لوبروتون، انثروبولوجيا الجســد والحداثـة، ترجمة محمد عرب صــاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشـر والتوزيع، بيروت،1997.
    • رحال بو بريك، الجسد الأنثوي والمقدس، المجلة العربية لعلم الاجتماع (إضافات) العدد 13،شتاء 2011.
    • زينب المعادي،الجســد الأنثوي وحـــلم التنمية: قراءة في التصـــورات عن الجسـد بمنطقة الشـاوية،غير مبين دار النشر،2004.
    • الصادق النيهوم، الحديث عن المرأة والديانات، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت،2002.
    • مارفن هاريس، الأنثروبولوجيــا الثقافية، ترجمة الســيد حامد وآخرين، دار الثقافة العربية،القاهرة، الطبعة الثالثة 2006.
    • محمد شحرور، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي: فقه المرأة، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق،2000.
    • وول ديورانت، قصة الفلسفة من أفلاطون إلى جون ديوي، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة السادسة،1988.
    .Turner, B., Regulating bodies :Essays in medical sociology,
    Routledge, London and New York,1992.


    - عن موقع الأستاذ درنوني


    .
     
    آخر تعديل: ‏24/10/14
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صامولى شيلكه(*)
    ما الشعبى فى المعتقدات الشعبية ؟
    ت :إبراهيم فتحى

    تابع -4-

    خامسا: وهذا هو التعارض الأكثر جوهرية. إن المعتقدات الشعبية (أو الدين الشعبى) مغايرة هرطقية لا بالنسبة إلى “الدين الرسمى” بل إلى الدين ذاته. ويعنى “الدين الشعبى” دائما (تقريبا) “ما ليس دينا بالتمام”. ويتحدث محمد حافظ دياب ـ فى تعريفه الذى سبق الاستشهاد به للدين الشعبى ـ عن التنافذ المتبادل بين الدين والمعتقدات الشعبية(25). وذات مرة شرح لى صحفى مصرى أن الموالد “لا علاقة لها بالدين”(26). وفى الخطابات الثقافية والدينية السائدة فى مصر المعاصرة، يُفهم الدين باعتباره شيئا محددا بوضوح، له حدود ومعانٍ ثابتة. والاعتقاد مهما يكن راسخا والشعائر مهما تكن مقدسة لا يكفيان لتشكيل الدين. فالدين نسق متماسك وعقلانى مبنى على مصادر يقينية ملزمة، يتألف من عبادات محددة وسلوك دينى مبنى على وازع محدد بدقة ومذهب حول الكون والأخلاق، والسياسة (إمكانا). ويتم استبعاد البدع وعدم الاتساق والتوفيقات. ويتطابق هذا المفهوم التفسيرى للدين بدقة تامة مع ما يصفه بورديو بصحيح الاعتقاد (الاعتقاد القويم):
    “وفى الحقيقة لا يتشكل نسق المخططات التصنيفية، بوصفه نسقًا متموضعًا مؤسسيا للتصنيف إلا حينما يكف عن العمل كحس بالحدود بحيث يجب على حماة النظام المستقر أن يعلنوا مبادئ إنتاج هذا النظام الواقعية والممثلة ويضفوا عليها نسقا وتقعيدا لكى يدافعوا عنها ضد الهرطقة (الآراء المغايرة) وباختصار يجب عليهم أن يؤسسوا العقيدة السائدة بوصفها التفسير القويم (صحيح الدين)، الأصولية الحقة”(27).

    ووفقا لذلك لا يكون الدين دينا بحق عند بعض الناس فى مصر المعاصرة إلا إذا كان من الممكن له الإفصاح بلغة التفسير القويم (أو التفاسير القويمة بما أن هناك أنساقا متنافسة للتصنيف ذات طابع مؤسسى). ويجب إبطال مفعول التوفيقات والتجديدات (البدع) والتشوشات التى لابد أن تحدث فى كل دين حى. وقد تبقى غير منعكسة فى شكل عقيدة، وقد تبقى محتجبة بواسطة العلم الدينى، وقد تدفع إلى الهامش بتسميتها شعبية أى مغايرة، دينية بعض الشئ ولكنها ليست دينا بالتمام.

    ويجرى تعريف الدين الشعبى دائما وفقا لمقياس مركب متعدد الأبعاد. فلكى تصبح ممارسة دينية ما شعبية يجب عليها أن تبدى عدة سمات مميزة مترابطة مثل التغاير المعتقدى ورأس المال التعليمى الضئيل أو الاشتراك النسوى الغالب (على الرغم من أنها تفتقر إمكانا أو فعلا إلى بعض هذه السمات).

    وهذا هو السبب فى أن كل المعتقدات المغايرة ليست شعبية. فالإلحاد ليس شعبيا وكذلك العلمانية وكل المذاهب المغايرة التى تركت وراءها بالقطع الأساس العام للإسلام. ويرجع ذلك أولا إلى حقيقة أن للدين الشعبى دائما علاقة حميمة وإن تكن غير شرعية بالدين القويم. إنه ليس بالتمام جزءا منه ولكنه ليس منفصلا متميزا عنه أيضا من خلال وحدة الممارسة الفعلية (ويجب أن نتذكر مرة ثانية أن الأشخاص أنفسهم الذين يحضرون الموالد وحفلات الزار يذهبون إلى صلوات الجمعة ويصومون رمضان).ويرجع ذلك إلى أن المعتقد الشعبى المغاير متميز عن الهرطقة العلمانية العقلانية على سبيل المثال لأن المثقفين العلمانيين قد يكونون مغايرى العقيدة ولكنهم ليسوا بالقطع مثل بنات البلد الأميات فى حى شعبى.

    واتباعا للمنطق نفسه لا تكون المعتقدات الشعبية مطابقة لتدين الفلاحين، وفقراء المدن، والنساء، أو الأميين. فإلى المدى الذى تتبع فيه ممارستهم الدينية نظام الاتجاه الشرعى السائد ـ كما هى الحال فى أغلب الأحوال ـ فإنها الدين الصراح وليست دينا شعبيا، واتباعا للمنطق نفسه سنرى أيضا أن شخصا ما إذا كانت لديه معتقدات شعبية وكان يزاول الأمور على نحو شعبى ولديه تطبع شعبى فإن ذلك غالبا ما يكون كافيا لجعله (أو لجعلها) ينتمى إلى الطبقات الشعبية. وهذا هو سبب أن اشتراك أشخاص ذوى رأسمال اقتصادى أو تعليمى عالى القيمة اشتراكا فعليا فى ممارسة شعبية لا يرفع بالضرورة من قيمة رأسمالها الرمزى. فمن خلال الوسط الشعبى للممارسة يستولى المشاركون من الطبقة الوسطى أو العليا بالفعل على تطبع شعبى.

    والميزة التصنيفية للقول “بمعتقدات شعبية” أو “دين شعبى” مهمة. فهى حل لمشكلة أساسية جدا فى النظام المنطقى للمجتمع، مشكلة أن “الدين” أى الدين الصحيح، ليس فى الأغلب ما يمارسه المتدينون. ولكن بمجرد أن يقسم المرء ما يمارسه المؤمنون إلى فئتين متميزتين فإنه يستطيع أن يتكلم عنهما على نحو يبدو موضوعيا. وهكذا يستطيع المرء أن يدرس المعتقدات الشعبية دون أن يضطر إلى أن يقلق كثيرا حول وضعها المشكوك فيه بالنسبة إلى الدين كما يستطيع المرء دراسة الدين دون أن يضطر للقلق حول حدوثه فى الواقع. فالدائرتان تمثلان تيارين موضوعين من الحدوث الواقعى للممارسة الدينية.(28)
    ومن المهم جدا ملاحظة أن لفظ “شعبى” فى استعمالها الأصلى داخل الإدراك العام تدل فقط على العلاقة النوعية لممارسة ما بالممارسات الاجتماعية السائدة وبالتالى ليست المعتقدات الشعبية فى الأصل مجالا أو نسقا، فهى ليست إلا فئة الأمور التى تشترك فى تطبع مماثل وفى وضع مماثل داخل البنية الرمزية للحيز الاجتماعى. ولكن بمجرد أن ننتقل من الإدراك العام إلى الخطابين العقلى والعلمى نكتشف أن ميلا إلى تشيئ هذا التصنيف ينبثق وهنا يصير الاختلاف بين “المعتقدات الشعبية” و”الدين الشعبى” اللذين يستخدمان فى الأغلب بوصفهما مترادفين ذوىدلالة. فعلى حين لا تعنى “المعتقدات الشعبية” فى الأغلب إلا فئة المعتقدات التى يمكن من خلال موقعها فى الحيز الاجتماعى أن تسمى شعبية، فإن “الدين الشعبى”، نسق، مجال له منطقه الخاص. وعلى الرغم من أن لا أحد يمارس بالفعل الدين الشعبى ممارسة متميزة ذات منطق متميز (منفصل)؛ فإن المصطلح مع ذلك واسع الاستعمال بسبب موضوعيته الظاهرية. فالدين الشعبى هو شئ “واقعى” يمكن الكلام عنه والتعامل معه سواء كان مشكلة تتطلب حلا، أم تقليدا يتطلب توثيقا، أم وجودا بالقوة يتطلب تحقيقا بالفعل.(29) وتلك هى نقطة الانطلاق المضمرة لدراسة الدين الشعبى دراسة علمية(30).

    وفى هذا السياق من المهم إبراز أن لفظ “شعبى” عموما وتعبير “معتقدات شعبية/ دين شعبى” خصوصا، على الرغم من أنهما يستعملان لدى كل طبقات المجتمع المصرى، هما تصنيفان أنتجتهما الخطابات السائدة. فالذين يدرسون ويصنفون ويصفون الثقافة الشعبية ليسوا من “الطبقات الشعبية” إنهم صحفيون ومثقفون وانثروبولوجيون وعلماء دين وسياسيون..إلخ. وبالنسبة إليهم يكون الدين الشعبى آخر ثقافيا واجتماعيا. وغالبا ما يتعاملون مع هذا الآخر الثقافى والاجتماعى على نحو منفصل (ولنتذكر على سبيل المثال فئة “الناس البسطاء”). ولا تظهر الثقافة الشعبية كدائرة متميزة إلا من خلال هذه النظرة الجازمة المعتمدة من موقع مسيطر.

    والفولكلور هو حالة جديرة بالاهتمام لهذه النظرة الجازمة المعتمدة من أعلى. فالموالد ـ لكى نتوقف عند حالة نموذجية ـ هى مصدر مهم للبحث الفولكلورى. فالأشعار والملاحم المأثورة، وتمثيليات العرائس والأغانى والآلات الموسيقية القديمة يجرى جمعها وإعادة عرضها لجمهور لا يذهب إلى الموالد ولكنه يذهب إلى المسرح وقاعات الموسيقى. ولكن تلك الملاحم والأغانى والتمثيليات فى سياقها الأصلى هى جزء من عرض متكامل: ولا تنفصل قيمتها الجمالية عن مضمونها الدينى والأخلاقى فى الحكايات المروية فى الطقوس المغروسة فيه أو عن حياة المشاركين. وكفولكلور يجرى اختزالها ورفعها إلى مستوى فن (31). وحينما تصير فنا يمكن للمرء تقييمها كمفردات جمالية ( تم إعلاؤها من خلال وعى سياسى معين بها باعتبارها الثقافة الأصيلة للشعب المصرى) دون إلزام بتقييم الطقوس والحيوات والأخلاقيات التى كانت وثيقة الارتباط بها فى الأصل. وهى بوصفها فنًا تفقد أيضا التأثير المزعج المهدد (بالكسر) على نحو ما تحدثه الحياة الواقعية داخل الأحياء الشعبية فى أعضاء الطبقات العليا. وبطريقة ما يمثل الفولكلور استراتيجية لمعالجة اللبس (الازدواج المتناقض) المميز لكل الأمور “الشعبية” فهو فى لحظة أصيل وفاتن وفى اللحظة التالية مبتذل ومهدد (بالكسر).

    وهذا الازدواج المتناقض (الالتباس) هو نتيجة مباشرة لمنطق تصنيف أشياء بعينها باعتبارها “شعبية”. ويكشف بورديو عن قوة الموضعة التى يمكن للتصنيفات أن تمتلكها: “إن فرض اسم معترف به هو فعل اعتراف بوجود اجتماعى مكتمل يقوم بتحويل طبيعة الشىء المسمى. فهو لم يعد يوجد بمجرد الأمر الواقع كممارسة غير قانونية أو غير مشروعة جرى التسامح معها بل وظيفة اجتماعية أى :رسالة[…] ومهمة [..]“ (32).

    .../...
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صامولى شيلكه(*)
    ما الشعبى فى المعتقدات الشعبية ؟
    ت :إبراهيم فتحى

    تابع -5-


    وهذه النقطة على الرغم من أنها تشير أصلا إلى مهن وألقاب تعليمية.. إلخ ـ مفيدة جدا لفهم إبهام الدين الشعبى (ازدواجه المتناقض)، فعلى الرغم من أن تعريفه فى أول الأمر جاء من خلال علاقته بالدين القويم السائد ثقافيا (صحيح الدين) سرعان ما صار شيئا مستقلا، مكانا فى الحيز الاجتماعى. وهكذا اكتسب الدين الشعبى طاقة كامنة من الأصالة تتحقق بالفعل على سبيل المثال فى أبحاث الدين الشعبى والفولكلور وفى الإنشاء الافتراضى من جانب الخطاب اليسارى والقومى للثقافة الشعبية بوصفها ثقافة مضادة صادرة من الأعماق (مصرية حقا أو بروليتارية حقا أو الاثنين معا وفقا لوجهة النظر السياسية). ويصبح محتوى “الشعبى” نفسه محلا للتنازع، فقسم يحاول أن ينشئه باعتباره مجال الثقافة الأصيلة التقليدية، وقسم آخر يأخذ على عاتقه إعادة تعريفه بوصفه ثقافة الكتلة الجماهيرية على حين يعرف قسم آخر وعيه النخبوى الخاص فى مواجهته(33).

    ويفسر الازدواج المتناقض “للدين الشعبى” لماذا لا يستعمل المصطلح فى الخطاب الأكثر معارضة للممارسات الدينية “الشعبية”. وكلنا نعرف أن الإسلاميين يناهضون الدين الشعبى (أو الإسلام الشعبى كما يفضل المؤلفون الغربيون تسميته). فالإسلاميون المعاصرون يذهبون على أى حال إلى أنه لا وجود لشئ مثل الدين الشعبى. فهناك بدع ومنكرات وجهل وشرك وحتى كفر. ولكن لا وجود لمعتقدات شعبية أو دين شعبى(34).

    ويكمن سبب ذلك فى التصور المحدد لدى الإسلاميين عن التراتبات الدينية، ويجب أن نتذكر أن المعتقدات الشعبية ليست هامشية فحسب، بل يتم التسامح معها وحتى الاعتراف بها طالما تبقى فى الهامش. فالإسلاميون يتبعون مدخلا كليا صارما فى مجال الممارسة الدينية، فهم ينكرون وجود تراتبات طبقية فى الدين ويدعون أن تفسيرهم الصحيح للدين سيكون المبدأ الكلى لتنظيم المجتمع. وفى مثل هذا التصور للدين فى المجتمع لا إمكان لوجود أشكال هامشية للدين ولا لممارسات لا تكون إسلامية بالتمام. فليس من المستطاع وجود أى مجالات دينية داخل المجتمع الإسلامى شبه مستقلة وحتى أصيلة إمكانا(35).

    وإن الازدواج المتناقض المعيارى “للدين الشعبى” هو الذى يجعل ذلك التصنيف غير ملائم لوجهة نظر الإسلاميين إلى المجتمع. فللفظ “شعبى” الكثير جدا من المعانى الضمنية التكميلية الإيجابية إمكانا، والإسلاميون بعد كل شئ يصورون أنفسهم غالبا بوصفهم حركة شعبية من أسفل مناهضة للنخب الفاسدة. وهكذا فبدلا من استعمال مثل هذا التصنيف الملتبس فإن خطاب هذه الجماعات حول الممارسات المغايرة ـ التى تمثل بطبيعة الحال عقبة كبرى أمام تحقيق مجتمع إسلامى كلى متجانس يجب إزالتها ـ يصنفها بوصفها سلبية بوضوح بحيث لا يترك مجالا للشك فى خطئها أو مكانا لثقافة مضادة ممكنة.


    نتائج :

    ونختتم التحليل بأن فئة المعتقدات الشعبية ليست شيئا موضوعيا تمكن دراسته بوصفه كذلك وإن تكن تصنيفا واقعيا حقيقيا يمتلك قوة للموضعة. لذلك فعلى الرغم من أننى أعتبر الدراسة التى لا تحلل منطلقاتها “للدين الشعبى” أو “الإسلام الشعبى” مشروعا إشكاليا لأقصى مدى، فإننى لا أجد سببا للتخلى بالكامل عن المقولة. إن فئة المعتقدات الشعبية تومئ إلى التوتر الواقعى الموجود بين ممارسات وخطابات دينية مختلفة فى مصر المعاصرة.
    وأعود إلى قضية أرماندو سلفاتورى القائلة إن الإسلام “الشعبى” هو “الوجه الآخر” للإسلام العمومى(36). ويبدو لى أن الإسلام العمومى بعد كل شئ ليس الإسلام الوحيد الذى يمكننا النفاذ إليه بالدراسة: فهناك بالفعل خطابات مهمشة أخرى عن الإسلام موجودة وتعبر عن نفسها. وهنا من المفيد الرجوع إلى مدخل عصام فوزى إلى الخطاب الشعبى حول الدين(37). لأن هذه العلاقة المتوترة بين الإسلام العمومى والخطابات والممارسات الإسلامية المتناقضة المتفشية المتنوعة فى المجتمع هى على وجه الدقة التى يمكن تسليط الضوء عليها بواسطة دراسة التصنيفات التى تنتج فئة المعتقدات الشعبية ولكننا يجب أن نتخلى عن أى اتجاهات تقوم بتشيئها وإضفاء طابع الجوهر عليها، ويجب كذلك أن نكف عن اعتبار الخطاب الشعبى حول الدين باعتباره الخطاب المحدد جوهريا لجماعة محددة جوهريا. وبدلا من ذلك ينبغى علينا أن نوجه اهتمامنا نحو العلاقات بين أشكال مختلفة من الخطاب الدينى والممارسة الدينية والتطبع الدينى. وعندئذ قد يصير تحليل الخطابات المتنافسة حول الدين مفيدا تماما فى فهم صراعات وتوترات حول الإسلام فى مصر المعاصرة.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الهوامش
    ما الشعبى فى المعتقدات الشعبية ؟ | موقع Anthropos للأستاذ درنوني سليم
     
  6. الأستاذ الغالي نقوس
    إستقراء رائع ماورد حول مفهوم المعتقدات الشعبيه ..رائع ما أدرجت
    لك كل الحب التقدير الخاص
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله
    كيف تطور الطب والصيدلة بالمغرب



    إذا كان الطب قد عرف بالعالم الإسلامي عامة، وبالمغرب خاصة، نوعاً من القداسة جعلت منه طرفاً من العلوم الإسلامية، فإن أول مجال ازدهر فيه تدريس علم الطب هو المسجد الذي يرمز إليه في بلادنا بجامع القرويين وباقي جوامع المملكة. وقد كان الإمام الشافعي يقول: »لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب«. وكان يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب ويقول: »لقد ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى«.

    إن هدفنا من هذا البحث المقتضب هو محاولة رسم صورة واضحة عن تعليم الطب ومناهجه في جامعة القرويين، وذلك من خلال تطور مختلف مراكز الدراسة والبحث والتدريس من معاهد ومستشفيات وعيادات فردية وجماعية، عامة أو تخصصية؛ وأخيراً دكاكين العلاج التي أمست آخر ملجإ لتطبيقات فقدت الكثير من مقوماتها العلمية الصحيحة. وسنحرر هذه النظرة بتحليل عنصرين أساسين هما: أصناف الأمراض والعاهات التي عرفها هذا الجزء من العالم، وكذلك أنواع الاختصاصات التي واجهت هذه الأمراض مع ما تسلحت به من أسباب الوقاية وسائل العلاج.

    ولعل من آكد ما وجب تعرُّفُه قبل هذا وذاك، الملابسات والظروف التي كيفت البيئة الإسلامية والتي جعلت منها مسرحاً لاختيارات وتوجهات كانت أساسية للمفاهيم الطبية ومميزاتها وتطوراتها.

    نعم، إن التنظير بين تعاليم الإسلام ديناً وسلوكاً اجتماعيّاً، وبين الطب علماً وقواماً حيويّاً في المجتمع ليبرز لنا هذا اللون من المعرفة الإنسانية بصفتها بنية جوهرية تكيف هيكلة المجتمع وتسهر على سلامته المادية التي تعزز سلامة الروح الموكولة هي أيضاً إلى علماء الدين؛ بل إن المنهج الرئيس الذي طبع تعاليم الإسلام هو المبدأ الذي يعطي الأسبقية لحفظ الأبدان على حفظ الأديان. فلهذا نجد الكثير ممن تخصص في العلوم الدينية قد عززها بالمشاركة في الطب وما يتصل به من نفسيات وصيدلانيات. وإن تاريخ الفكر الإسلامي ليحفل بهذا الحجم المتصاعد من جهابذة المعرفة الذين نهلوا من المنبعين لضمان التوازن بين عنصري المادة والروح. فمن صميم الفكر الإسلامي ما انتظم في القرآن والحديث من مبادئ حول نظام التغذية والوقاية الصحيحة ومكافحة الغوليات (الكحوليات) والمخدرات، مع العمل الدؤوب المتوازي من أجل تربية النفس التي تشكل دعامة ومنطلقاً لأمراض عصبية دلت الإحصاءات على أنها تمثل في العصر الحديث في مناطق متطورة نحو تسعة أعشار الإصابات البشرية. ونحن نلمس فعالية وجدوى هذه التعاليم في نطاق منهج استقرائي يحلل تطور الإنسان منذ تكوينه في الرحم إلى أن يكتمل وينمو ويترعرع، ثم يهرم وينهار مع ما يتخلل ذلك من ظواهر وأحداث مما يشكل العمود الفقري لمنهاج الدراسة الإنسانية في كل مجالاتها واختصاصاتها. ونحن نتجاوز الآن ـ نظراً لضيق المجال ـ التحليل العلمي الدقيق لمحتويات القرآن والحديث في هذا الصدد، مركزين أكثر على كشوف ومعطيات تحددت في ظل الإسلام من خلال تجارب علماء الإسلام شرقاً وغرباً. وإذا كان الفكر المنطقي في مجراه العلمي ومجالاته الجامعية لم يطبع الحركة العلمية الطبية بأوربا إلا في القرن التاسع عشر مع ظهور كلود بيرنار (Claude Bernard) الذي وضع أسس منهجية الطب التجريبي في العصور الحديثة، فإن المجتمع الإسلامي قد عرف منذ القرن الثالث الهجري أو التاسع الميلادي، أي قبل ذلك بألف عام، منهجاً تجريبياً في مختلف العلوم، وخاصة الطب.

    وقد شكلت المساجد، وفي طليعتها جوامع الزيتونة والأزهر والقرويين، معاهد أولى للطب انطلقت في تدريسها مما يسمى بالطب النبوي الذي بلغت أحاديثه المتعلقة بالأدوية والأدواء (أي الأمراض) ثلاثمائة تبلورت في ستة مؤلفات نقل بعضَها بيرون إلى الفرنسية وحلل بعضَها الآخر ريسك في رسائله الطبية وكانبي في "حياة محمد"، حيث رسم فكرة سامية عن علم الرسول عليه السلام([1]). غير أن محتوى هذه المصنفات لم يكن ـ في نظري ـ سوى مجموعة تجارب قبلية استقاها الرسول عليه السلام ـ حسب زوجته عائشة ـ من الوفود التي كانت ترد عليه. أما الأحاديث النبوية الصحيحة التي لها مفهوم طبي، فإنها لا تزيد على العشرة معظمها وارد في الصحاح كحديث الغسل والكلب([2]) والذباب([3])، وهو ما حلله مؤتمر للأطباء انعقد عام 1930 م بلندن فأيد وجهة نظر الرسول r وكذلك حديث فعالية العدوى الوارد في "صحيح مسلم": »لايورد ممرض على مصح«. وحديث الحجر الصحي: »إذا كان الطاعون في أرض، فلا تخرجوا منها ولا تدخلوها«، وحديث الطبراني الذي حل منذ أزيد من أربعة عشر قرناً مشكلاً استطاع الفكر الطبي الحديث اليوم أن يتعرف عليه بعد تجارب موصولة حول مراحل تطور حياة الجنين التي تبدأ بإشعاع روح خلوية (âme cellulaire) نص الحديث المذكور على بروزها منذ الأسبوع الأول من علوق النطفة. ولذلك حظر الإسلام كل نوع من أنواع الإجهاض منذ اللحظة الأولى لهذا العلوق (conception).

    إلا أن بيوت العلماء كانت أيضاً مسرحاً لدروس خصوصية في شتى مجالات المعرفة كمواد التفسير والحديث والطب وغير ذلك، وقد انبثقت هذه الدروس المزدوجة عن مزيد اهتمام بالمبادئ العامة للإسلام الذي اهتم بالطهارة بما هي علاج وقائي للجسم والروح؛ كما دعا إلى الإيمان بالله تعوذاً من الخوف والقلق واليأس مع الابتعاد عن الخمور والمخدرات والميسر والقمار لطرح أسباب القلق. وقد أبرز الأستاذ إيرنيست أدولف الطبيب الجراح في جامعة سان جون (St. John) الأمريكية هذا الشرط في دعم العلاج الطبي الحقيقي.

    وفي الوقت الذي فسح الإسلام المجال للدراسات والأبحاث والتجارب فازدهر الطب والتداوي عند العرب كما يقول ولتر في "مختصر التاريخ"، »كان الأوربيون يجهلون هذا العلم ويحتقرون أربابه، إذ أن الكنيسة حظرته عليهم، وحصرت التداوي في زيارة الكنائس والاستشفاء بذخائر القديسين، وبالتعاويذ والرقَى التي كان رجال الدين يبيعونها؛ وكان الأوربيون يستنكفون النظافة، لأنها تشبه الوضوء عند المسلمين«.

    ومعلوم أن علماء ألمانيا هم الذين استطاعوا أن يكونوا لأنفسهم نظريات سليمة حول تاريخ الطب العربي، ومنهم: ويستفلد الذي كتب ثلاثمائة ترجمة لأطباء عرب، وفيزبيش الذي درس الكتب اليونانية المعربة أو المنقولة إلى السريانية والآرامية والفارسية([4]). وقد أرجع لوكلير في باريس ما يوجد فيها من كتب طبية عربية يتراوح عددها بين مائتين وثلاثمائة([5]).

    وإذا رجعنا إلى المصادر التي استقى منها العرب، نلاحظ أن دراسة الطب في الإسكندرية كانت على أساس مجموعة من ستة عشر كتاباً لجالينوس (Galienus) قد استعرضت في ثلاثة مصنفات هي: "فهرست" ابن النديم وكتاب "الحكماء" للقفطي و"طبقات الأطباء" لابن أبي أصيبعة. وقد عرب حنين معظم كتب جالينوس؛ إلا أن الفكر الإسلامي بدأ يبتكر، إذ قرر المجتمع الطبي الأولوية لجالينوس وابن سينا عام 1340 م، وفي عام 1500 م حكموا بالسبق لابن سينا في خمس محاضرات من أصل عشر ولجالينوس في أربع ولأبقراط (Hippocrate) في واحدة([6]).

    نعم، في ظل الإسلام الذي شجع العلم وبجَّل العلماء ظهر أبو بكر محمد بن زكرياء الرازي الذي هو في الحقيقة أبو الطب العربي، »وأفضل أن نقول الطب الإسلامي، نظراً لكون الكثير من الأطباء المسلمين غير عرب« والذي ألف ما يناهز مائتي كتاب ترجمت جميعها إلى اللاتينية. وقد وصف الجدري والحصبة؛ كما أنه أول من استعمل الفتائل في العمليات الجراحية والأنانيب التي يمر منها الصديد والقيح والإفرازات السامة، وكان طبيباً أخصائياً. ألف كتاب "أمراض الأطفال" و"تجارب المارستان"، فكان منزله عيادة تخصصية تابع فيها تلامذته دروسهم وزاولوا تجاربهم.

    وقد شعر المسلمون منذ القرن الثاني للهجرة بأهمية علم الصيدلة في التجارب الطبية، كما اقتنعوا بأن معرفة الكيمياء أساسية في البحوث الصيدلية، حيث أكد برتيلو في كتابه "الكيمياء في القرون الوسطى" أن كتب جابر بن حيان في الكيمياء هي غاية ما وصل إليه العقل الإنساني من الابتكار. وقد سبق العرب الأوربيين إلى تجهيز المخابر بآلات، وفي طليعتها الأواني الزجاجية المحتوية على السوائل الملونة، والتي كانت من أول ابتكارات العرب، وكانت مدرسة النظامية في العراق ومدرسة نيسابور وراء النهر، ودار الحكمة بالقاهرة الفاطمية وكليات قرطبة مراكز بارزة، خاصة في الآونة التي ظهر فيها ابن سينا (Avicenne). فكان أعظم مصنفاته الطبية بعد "القانون" أرجوزته المعروفة عند الأوربيين بـ"كانتيكوم"، وكان كلاهما أسيسة للتجارب المارستانية والعيادية والجامعية في بحبوحة القرن الرابع الهجري، حيث كان جامع الأزهر وجامع القرويين وربما جامع الزيتونة مسارح لدراسة الطب بصفته حصة في مناهج العلوم الإسلامية. وكانت هذه الجوامع تعتمد على كتاب "القانون" لابن سينا و"الحاوي" للرازي وكتاب علي بن عباس، وكلها تشكل أعظم عناصر الموسوعة الطبية التي أنتجها العرب([7]). بل إن هذه الكتب ظلت ستة قرون ـ إلى القرن العاشر الهجري أو السادس عشر الميلادي ـ مرجعاً أساسياً لكليات الطب الأوربية كما ورد ذلك في قرار جامعي مؤرخ بعام 1617 م، يدل على أن كتب الرازي وابن سينا أساس التعليم الطبي في جامعة لوفان التي أسست عام 1425 م([8]).

    ولعل من فعالية تعليم الطب في الحقل الجامعي منذ القرن الثالث الهجري قيام المقتدر العباسي بتنظيم تدريس الطب وصناعته حرصاً على مصلحة الجمهور، حيث ولي الخلافة عام 295 هـ، ففرض تأدية امتحان بلغ عدد المتخرجين منه في جانبي بغداد عام 319 هـ 860 رجلاً سوى من استغني عن امتحانه لمهارته (القفطي، ص. 130). أما الصيادلة، فقد أجري لهم امتحان أيام المعتصم عام 221 هـ.

    وقد برزت الدراسات الطبية بالأندلس في نفس الفترة، حيث كان عدد الكليات أربعاً وعشرين في أرباض قرطبة عاصمة الأمويين. وفي هذا العصر عرف الطبيب محمد بن علي (المتوفى عام 391 هـ) والذي عالج موضوعاً طريفاً في رسالته "فطرة الطابع في سعة الطبائع" (نسخة مخطوطة في المكتبة العامة بالرباط عدد 1486)؛ كما ظهر أعظم طبيب عربي هو أبو القاسم بن عباس الزهراوي صاحب كتاب "التعريف لمن عجز عن التأليف". وقد وصفه أحد الجراحين الغربيين بأنه أعظم طبيب في الجراحة اعتمده واستند إلى بحوثه جميع مؤلفي الجراحة في العصور الوسطى. وكتابه هو اللبنة الأولى في هذا الفن، وهو أول من ربط الشرايين ووصف تفتيت عملية حصاة المثانة واستخرجها بعملية جراحية وعالج الشلل، وأول من استعمل خيوط الحرير في العمليات الجراحية. ولذلك اعتبره لوكلير (ج 1، ص. 334) أكبر نموذج لعلم الجراحة في المدرسة العربية، ولا سيما أن بحوثه وتجاربه الجامعية والعيادية قد عززت بوسائل إيضاحية([9]).

    وقد أفاد الشرق من تجارب الغرب الإسلامي منذ القرن الرابع الهجري، إذ دخل محمد بن عبدون القرطبي بلاد الكنانة والبصرة، فدبر مارستان مصر وعاد إلى الأندلس عام 360 هـ (نفح الطيب، ج 1، ص. 444). على أن الشرق عرف مختصراً في الطب لعبد المالك بن حبيب السلمي القرطبي المتوفى عام 238 هـ. (توجد نسخة منه في المكتبة العامة بالرباط)، وأول من أدخل الطب إلى المغرب إسحاق بن عمران وأحمد بن إبراهيم المعروف بابن الجزار (ت. 395 هـ)، صاحب "زاد المسافر" (يوجد الجزء الأول منه في المكتبة العامة بالرباط) وكذلك "مختصر كتاب الاعتماد في الأدوية المفردة" لابن الجزار أيضاً مرتباً على الحروف وصاحب "الاختصار" مجهول ولعله إسحاق بن عمران.

    وقد شهدت المغارب الثلاثة في هذه الفترة جملة من الأطباء المهرة، حيث روى القفطي في "أخبار الحكماء" أن المعز الفاطمي كان مرفقاً إلى الكنانة بفوج من هؤلاء الحكماء. على أن حركة الترجمة في إفريقية تأسست منذ ظهر (قسطنطين) التونسي الصقلي، مؤسس مدرسة سالرنة (Salerne) بإيطاليا، وهي أول مدرسة من نوعها في أوربا. فكانت مبعث أنوار الطب الحديث في أوربا. وقد ولد قسطنطين بتونس حوالي 400 هـ، وترجم إلى اللاتينية أهم كتب الطب العربي كـ"زاد المسافر" وكتب الرازي. وألف نحواً من أربعة وعشرين كتاباً منها: "قانون الطب" في اثني عشر مجلداً. وقد أقرأ يونس العربي الفاسي بمدرسة سالرنة هذه (اللسان العربي، ج 5). إلا أننا لا نعرف بالضبط متى ازدهر الطب في المغرب الأقصى، وإن كان لوكير يؤكد (ج 1، ص. 334) ابتداء ازدهاره خلال القرن العاشر الميلادي (أي الرابع الهجري)، ملاحظاً أن المغرب أشد بلاد الإسلام عمقاً من الناحية العلمية (ج 1، ص. 407). وقد أشير إلى وجود مدرسة طبية بفاس في هذا العصر حسب "شهيرات المغرب" للكانوني العبدي، وإن كنا لم نجد ما يؤكد ذلك. وقد أسس جامع القرويين عام 245 هـ (أي قبل جامع الأزهر بقرن تقريباً)، ولكن نشاطه الجامعي لم يبدأ إلا منذ القرن الخامس الهجري، وقد اعتبر باديا ليبليش (Badia Leblich)، المعروف بعلي باي العباسي، فاس بمثابة أثينة أفريقيا. كما وصف دلفان في كتابه عن القرويين جامعة فاس بأنها أول مدرسة في الدنيا (ص. 12). وردد الدكتور رينو القول بأن مدينة فاس التي جلبت طلبة العالم كانت تدرس فيها جميع العلوم والفنون والآداب (الطب القديم بالمغرب، ص. 17)، ولاحظ دوكامبو (Decampou) في كتابه "المغرب المعاصر مملكة تنهار" (باريس، 1886، ص. 12) أن هذه الجامعة كانت ملتقى الأجانب من مختلف الجنسيات والأديان. وأشار كَابريال شارمس (Gabriel Charmes) في كتابه "سفارة إلى المغرب" (ص. 254) إلى أن العلوم والفنون كانت تنتشر منها إلى أوربا، بل إن كل مدارس فاس كانت أولى مدارس العالم (ص. 297) يوم كانت فاس مركز القوة العربية، ورثت مكانة قرطبة والقيروان، ومنها انبثق ما يسمى بالحضارة العربية التي أشع نورها ـ كما يقول أيضاً ـ في إسبانيا، فأضاء جوانب أوربا المتوحشة. وقد نهل من معينها جيربير (Gerbert) الذي اعتلى أريكة البابوية عام 999 م باسم سيلفستر الثاني ((Sylvestre.

    وقد أكد رينو أن علم الطب كان يدرس في جامعة القرويين بواسطة كتب أبقراط وجالينوس وديوجينوس المعربة وأرى أن احتواء خزانة القرويين على جملة مؤلفات لأطباء مسلمين دون أخرى يدل على نوعية الدراسات الطبية المنتقاة في القرويين، وإن كان الكثير من مخطوطات الجامعة قد ضاع أو نقل إلى الإسكوريال في قصة المولى زيدان بن المنصور السعدي، فأبرز الكتب التي كانت ـ على ما يلوح ـ منطلق التعليم الطبي بالقرويين هي:

    1 ـ "عمل من طب لمن حب" لابن الخطيب (خق 40/ 607 ـ 160 ورقة خق 201/ 40) ([10]) حبسه السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل (خع 3477) عام 1156 هـ. وهو في جزءين، يعدد الأمراض الخاصة ببعض الأعضاء من الرأس إلى القدم، مع تعريف لكل مرض وأعراضه وأنواع العلاج؛ وله أيضاً "الوصول لحفظ الصحة في الفصول" (جزءان خع 652 د (100 ورقة)/ 1570 د/ خق 50 ـ الخزانة الحسنية 979).
    2 ـ "شرح أرجوزة ابن سينا" (خق 342/ خق 1970) (95 ورقة) الأزهر، 475.
    3 ـ "تذييل أرجوزة ابن سينا" لمحمد بن زاكور الفاسي (المتوفى عام 1120 هـ/ 1708 م).
    4 ـ "الأدوية المفردة" لأحمد أبي جعفر الغافقي (المتوفى عام 560 هـ)، جزءان في خق: ق 155، الجزء الأول في خزانة تمكروت.
    5 ـ "التيسير في المداواة والتدبير" لابن زهر، خق: ق 195.
    6 ـ "الأرجوزة في الطب" لابن طفيل المتوفى بمراكش عام 581 هـ/ 1186 م، نسختان في: خق 3158/ 50 ل ـ خق ل 40/ 3158.
    7 ـ "مختصر في الطب" لابن حبيب صاحب كتاب "الواضحة في السنن" (الفقه) المتوفى عام 238 هـ/ 886 م. توجد قطع منه في مكتبة جامعة القرويين.
    8 ـ "الاستقصا والإبرام في علاج الجراحات والأورام"، لمحمد بن علي الشفرة القربلياني الطبيب الجراح بمراكش 761 هـ. (توجد نسخة منه في خزانة القرويين منسوبة لمحمد بن فرج المعروف بالشنفرا (هكذا) في ثلاثة أجزاء.

    وقد استمر التعليم الرسمي للطب في جامعة القرويين وباقي مساجد المغرب إلى القرن الماضي (رينو، ص. 77). وقد أشار دلفان (Delphin) في كتابه حول جامعة القرويين إلى اعتناء الطلبة بجملة من الكتب الطبية مثل ما ذكرناه، بالإضافة إلى "زبدة الطب" للجرجاني و"التذكرة" للسويدي و"تذكرة الأنطاكي" و"كليات" ابن رشد و"مفردات" ابن البيطار و"كشف الرموز" لابن حمادوش الجزائري في شرح العقاقير والأعشاب يحتوي على ألف عشبة مرتبة ألفبائياً.

    إلا أن دراسة الطب تهلهلت في الواقع، وأصبحت لا تتجاوز المبادئ الصحيحة العامة والعلاجات التطبيقية بالأعشاب. فأصبح بعض الفقهاء والمحدثين يؤلفون في الطب مثل ابن قنفذ (المتوفى عام 810 م) صاحب "الأرجوزة في الأغذية والأشربة" التي توجد نسخة منها في الخزانة الحسنية بالرباط رقم 515 ، وتحتوي على 282 بيتاً. وقد انصب التأليف خاصة حول "تذكرة الأنطاكي" التي كان الفقيه أحمد الحضيكي يحفظها عن ظهر قلب كما يحفظ كتاب الزهراوي ويسردهما في دروسه للطلبة مع تعليق على شرح ابن رشد لأرجوزة ابن سينا. ولم تسلم هذه الكتب من النقد العلمي البناء. وقد انتقد المؤرخ القادري في كتابه "نشر المثاني" (ج 2، ص. 123) كتاب "التذكرة"، ملاحظاً أن الأنطاكي أودعها غثّاً وسميناً. وكذلك رسالته الأخرى المسماة "النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة" (توجد نسخة منها في المكتبة العامة بالرباط) وقد لاحظ القادري أنها أكثر تحريراً وأسلم إيراداً. وقد اقتصر البعض على مجرد اختصار "تذكرة" الأنطاكي مثل إبراهيم بن أحمد التادلي المتوفى عام 1311 هـ، وهي "التذكار لما في التذكرة من الطب مع الاختصار".

    وكانت دراسات طبية في القرويين تكلل بشهادة تخول للطبيب. فقد أشار رينو في كتابه (ص. 121) إلى اجتماع عقده أربعة من علماء فاس في ثامن شوال 1310 هـ/ 1896 م لامتحان طبيب مغربي، فشهدوا، بعد استفساره، بتضلعه من الطب وقوانينه وتطبيقاته، ومعرفته بتركيب الأدوية وتقاسيم الشرايين ووظائفها وعددها، وعدد العظام، وتمييزه بين أنواع العصب والعضلات في الجسم ومعرفة النباتات والأزهار والأعشاب الطبية وخواصها وأسمائها وطرق إذابتها في الوقت الصالح والأوقات المناسبة لوصفها للمرضى. وبعد المداولة بين العلماء، خولوا الطبيب إجازة (licence). وقد حصل على نفس الإجازة في الطب الكحاك عام 1832 هـ ففتح دكاناً للعلاج بفاس.

    غير أن التعليم بدأ يتهلهل بسبب تأزم القضية السياسية وتدخل أوربا في شؤون المغرب بعد توقيعها على معاهدات سرية عام 1906 م. فاقتصرت دراسة الطب على مصنفات عامة كمقالة "حفظ الصحة" لابن رشد (الإسكوريال 887/ 7) و"تدبير الصحة" لأحمد بن الحسن القضاعي المتوفى بمراكش عام 598 هـ و"أرجوزة في حفظ الصحة" لعبد الكريم بن مومن بن يحيى وزير المنصور الموحدي.

    وقد شمل هذا التقلص سائر مساجد المغرب، وإن كانت الصحراء وجنوب المغرب قد أنجبت أمثال الشيخ ماء العينين المتوفى عام 1328 هـ/ 1910 م صاحب "شفاء الأنفاس فيما ينفع الأسنان وخصوصاً الأضراس" و"منظومة في علم الطب"، وكذلك طبيب تافيلالت عبد الله بن هاشم العلوي البلغيتي المتوفى عام 1304 هـ الذي درس الطب عن عمه بالصحراء وعاد إلى فاس ليفتح بها دكان علاج.

    وهذا النقص هو الذي حدا بالمولى الحسن الأول إلى إرسال بعثات طلابية إلى الشرق أو الغرب، حيث تخرج جملة من الأطباء، منهم: شاكر السلاوي الذي درس الطب في الكلية العثمانية عام 1323 هـ، وأحمد الطنجي التمسماني الذي درس الطب بأوربا وفتح دكان علاج بفاس عام 1347 هـ/ 1928 م (الطب العربي للكانوني، مخطوط شخصي، ص. 121)، والشريف عبد السلام العلمي الذي تلقى تعاليمه بالأسبطالية المصرية بالقاهرة وفتح مصحة صغيرة قرب الحرم الإدريسي بفاس حتى توفي عام 1323 هـ، وصنف كتابه "الضياء" حيث وصف بعض الأمراض الباطنة وعلوم التشريح العضلي والكيمياء والمستحضرات الصيدلية وطب الرمد والأمراض الجلدية والزهري وأمراض النساء والأطفال، إلخ.

    وقد تابع في العهد الحسني زيادة على أولئك ستة أطباء تمارين في المستشفى الإسباني بطنجة، ولاحظ رينو أن ثلاثة منهم أصبحوا يمارسون في طنجة ومراكش داخل الجيش وقد استفاد الناس من تجاربهم (ص. 60).

    والواقع أن هذه الدراسة التي توبعت في الجوامع والمساجد التي اقتصرت أحياناً على شرح بعض الكتب المبسطة للطلبة وجمهور العوام قد ساعد على ضمان نوع من التوعية للحفاظ على السلامة الجسمية.

    نعم إن بساطة العيش والحمية الاضطرارية واللجوء إلى الطبيعة وأعشابها هي التي قلصت الأدواء والعاهات والأوبئة وويلاتها، وذلك بالرغم مما أصاب العلوم الطبية والصيدلانية من نكسات بدأت بالغزو الإيبيري على المغرب حيث استولى البرتغاليون على سبتة عام 818 هـ ثم قصر الحجاز (القصر الصغير) عام 862 هـ وطنجة عام 869 هـ وأصيلا وأنـفا في حدود 876 هـ والجديدة عام 907 هـ والعرائش عام 912 هـ وأزمور عام 914 هـ والمعمورة (المهدية) في حدود 920 هـ. فطويت هذه العلوم في شمال المغرب على أثر سقوط سبتة التي ازدهرت فيها الفلسفة والطب، وقد ألفت فيها مصنفات في العهد المريني منها "بلغة الأمنية وقصد اللبيب فيمن كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب".

    وكان الطبيب ابن زهر على سنن والده أبي العلاء يقوم شخصياً بتحضير الأدوية غير مستعمل الخمر على خلاف جالينوس والرازي. وبذلك تتأكد الصلة الوثيقة بين الطب والصيدلة، وبفضل هذه العبقرية وحد عبد الملك بن زهر الصيدلة والجراحة والطب العام (ص. 27). على أن الطبيب لم يكن يركب الدواء بنفسه، وإنما يسند إلى أعوانه الأعمال اليدوية كالفصد والكي وفتح الشرايين وغيرها اللهم إلا عبد الملك بن زهر نجل أبي العلاء، فإنه كان ولوعاً بالمباشرة اليدوية في الصيدلة وتجربة الأدوية والتوصل إلى قيمتها وتركيباتها.

    وفي الشرق بدأ عصر الانحطاط العلمي في القرن الثامن وبداية القرن التاسع على أثر هجمات جنكيزخان وتيمورلنك حتى قال لوكلير (ج 2، ص. 258) بأنه لم يمكن في هذه الفترة تسجيل أكثر من أربعين عالماً نصفهم من الأندلس لا يوجد بينهم طبيب مشهور لقلة الطرافة والاكتفاء بالجمع والتأليف. وقد أكد رينو (الطب القديم بالمغرب، ص. 75) أنه لم يذكر أي طبيب مغربي في المصنفات الكلاسيّة من عهد المرينيين إلى القرن الثامن عشر، وإن كان ليفي بروفنصال قد لاحظ في كتابه "مؤرخو الشرفاء": »نهضة المغرب من الوجهة الأدبية مؤكداً أن من الغريب أن لا نجد مثل هذه النهضة في العلوم الطبية«. غير أن وجود بادرات نادرة في هذا الحقل لا تبرر ـ في نظري ـ وصف المغرب بالاستمرار في هذا المجال. وقد أشرت في كتابي "الطب والأطباء بالمغرب" إلى عشرات من هؤلاء الرجال الذين حاولوا ربط الماضي بالحاضر الموصول حتى ظهر أمثال أبي القاسم الوزير الغساني (المولود عام 960 هـ)، صاحب "حديقة الأزهار في شرح ماهية العشب والعقار"، الذي قال عنه الدكتور رينو في نشرة معهد الدروس المغربية العليا (ج 18، ص. 195) إنه كتاب يمتاز بمنهاجه الواضح في الوصف النباتي المتسم غالباً بالأصالة والطرافة مع محاولة جريئة لوصف الأعشاب والمواد الصيدلية بفاس وترتيب ثلاثي يدخل عنصراً جديداً في وصف أعشاب المدرسة الصيدلية الشرقية، ومنهم أيضاً الطبيب عبد الوهاب طبيب المولى إسماعيل ومحمد بن سعيد المرغني المتوفى عام 1089 هـ، والذي كان ينظر في قوارير البول، ومحمد العياشي.

    وقد لاحظ الحسن الوزان (ليون الإفريقي) عقم فن الصيدلة نسبياً في القرن العاشر الهجري، لأن العقاقيريين بفاس ـ في عصره ـ لم يكونوا قادرين على تركيب الأشربة والأدهان طبقاً لما يصفه الأطباء، فكانوا يجتمعون كلهم لتركيبها ثم يرسلونها إلى دكاكينهم لتوزيعها حسب الوصفات. وهذه ظاهرة تنم عن إخلاص للمهنة.

    ومن أبرز ما عرفه المغرب في العهد الحسني مصنفات أحمد بن محمد بن حمدون بن الحاج الذي تحدث عنه رينو (الخطاب، ص. 8) بصفته أنموذجاً أخيراً للطبيب والعالم العربي الكامل، وله مؤلف اسمه "الدار الطبية المهداة للحضرة الحسنية" في ثلاثة أجزاء (يوجد الجزء الأول في خع 402 ص). والقسم الأول من الجزء الأول خاص بمبادئ الطب والطبائع، والثاني في ضروريات الحياة "الهواء والأغذية والأشربة"، والثالث في الأدوية المفردة، والجزء الثاني للأمراض وطرق علاجها، والثالث في الخواص الطبية لبعض الأسماء. وقد لاحظ رينو أن ابن الحاج أعطانا للمرة الأولى في تاريخ المغرب تقسيماً فنياً للأدوية.

    ومن الأطباء الصيادلة الذين اعتمدهم الطبيب الفاسي عبد السلام العلمي في كتابه "ضياء النبراس" (ص. 80) أبو الفضل محمد العجلاني صاحب "تحفة الأريب عند من لا يحضره الطبيب" (لوكلير، الطب عند العرب، ج 2، ص. 317)؛ وكذلك كتاب "الأشربة والمعاجين وتركيب الأدوية" (مخطوط في خع).

    ومن المؤلفات في هذا المجال:

    ـ "الصيدنة في الطب" لأبي الريحان محمد بن أحمد البيروني (ت. 440 هـ)، (كشف الظنون، ج 2، ص. 1434).
    ـ "الصيدنة أعرف من الصيدلة... والصيدلاني أعرف من الصيدناني" (جامعة بغداد، 48) (432 ورقة).
    نسخة أخرى في المتحف العراقي ـ بغداد، 1911 (273 ورقة).
    ـ "مساهمـة في دراسة الصيدلة المغربية التقليدية" (جاك موري، الأمراض وعلاجاتها في المغرب، 1954).

    وقد أجري أول امتحان للصيادلة أيام المعتصم (عام 221 هـ/ 835 م). وقد جاء في "نهاية الرتبة في طلب الحسبة" لعبد الرحمن الشيرزي أن المحتسب كان يحلف الأطباء الصيادلة لعدم إعطاء دواء مر أو تركيب سم أو ذكر دواء يسقط الأجنة لدى النساء أو دواء لقطع النسل عند الرجال.

    وقد تحدث أبو مروان عبد الملك بن زهر في كتاب "التيسير" عن يمين أبقراط التي كان يطالب بها جميع من يدرس مصنفاته، ويقتضي منهم إلزام تلاميذهم بها. وقد ذكر أن والده أبا العلاء تلقى اليمين منه عندما كان لا يزال طفلاً لدى ابتدائه دراسة الطب وحكى أن أحد الثوار طلب منه سماً فأبى معرضاً نفسه للخطر، ثم سقط هذا الثائر مريضاً. وبدلاً من أن يقضي الطبيب عليه، عالجه بإخلاص طبقاً لمبادئ أبقراط (الطب والأطباء، عبد العزيز بنعبد الله، ص. 29).

    وقد استبدل قسم الطبيب العربي بقسم أبقراط، عندما كان الطبيب يُقْبَلُ عضواً في مهنة الطب يلتزم بتكريس حياته لخدمة الإنسانية بالقسم الآتي:
    "سأعامل أساتذتي بالاحترام والممنونية اللذين يستحقونهما.
    وأمارس مهنتي بضمير وكرامة وسيكون هدفي الأول هو الحفاظ على صحة مرضاي. ولن أفشي الأسرار المؤمنة عندي.
    وسأحافظ بجميع ما لدي من وسائل على شرف المهنة الطبية وتقاليدها النبيلة.
    الأطباء يكونون إخواني.
    ولن يحول بين واجبي ومريضي أي اعتبار من الدين أو الجنسية أو السلالة ولا أي اعتبار سياسي أو اجتماعي.
    وسأحافظ بدقة على احترام الحياة الإنسانية منذ النفخ في الجنين.
    ولن أستعمل أبداً ولو تحت التهديد معلوماتي الطبية بكيفية منافية للنواميس الإنسانية وألتزم بذلك بحرية وعلى شرفي".

    والواقع أن علوم الحكمة انتقلت من الأندلس إلى مراكش منذ أواخر العهد المرابطي، فكان لذلك أثره في تبلور هذه العلوم وظهور تخصصات وتفريعات جديدة بالعصور الحديثة. وهذا لم يمنع من كون هذه العلوم فقدت روحها التجريبية وأمست مجرد تطبيقات آلية بإزاء مستشفيات كانت أقرب إلى ملاجئ للمجانين مثل سيدي الغازي بالرباط وسيدي ابن عاشر في سلا.


    إخصاءات طبية

    طب الأطفال: "تدابير الأطفال" لابن الجزار (خح 1044).

    وإسحاق بن عمران هو الذي أدخل الطب إلى المغرب. وكذلك ابن الجزار صاحب "زاد المسافر وقوت الحاضر"، وهو أحمد بن أبي خالد (395 هـ/ 1004 م) يوجد الجزء الأول منه في (خع)؛ وكذلك كتاب "الاعتماد في الأدوية المفردة".

    الطب التخصصي: ذكر رينو في كتابه "الطب القديم في المغرب" (ص. 122) أن بعض الأطباء المغاربة كانوا متخصصين، بعضهم في الأوجاع وبعضهم في أمراض العيون وبعضهم في الحميات. وقد وصف الطبيب الفاسي عبد السلام العلمي في كتابه "ضياء النبراس" بعض الأمراض الباطنة وعلوم التشريح العضلي المفصلي والعصبي والكيمياء الطبية والمستحضرات الصيدلية وطب الرمد والأمراض الجلدية وداء الزهري وأمراض النساء والأطفال.

    الطب التطبيقي: كتاب "التيسير" المنسوب لابن رشد، وهو غير "تيسير" ابن زهر. وهو يعالج الطب التطبيقي في وصف عيادي لأمراض، منها جرح المنصفي (pericaditis mediastinal) الذي كان مصاباً به وترك لنا وثائق حول الأعراض الشخصية التي أحس بها. وهذا الكتاب غير معروف باللغة العربية. وقد نشر عدة مرات باللاتينية:

    Haddad, «Arabian Contribution to Medicine», Anna. med/ Hid., 1942, T. 3, pp. 60-72.

    الطب التقليدي البدائي: ذكر بنسيمون (Bensimon) في بحث حول الطب والأطباء بالمغرب قبل الحماية (مجلة المغرب الطبي، شتنبر 1951) أن الطب التقليدي كان يستعمل، في عدة حالات، أنواعاً من العلاج لم يعد نزاع في جدواها. فمن ذلك أن المريض المصاب بالحصبة، أي الحميرة (بوحمرون)، كان يجعل في غرفة يكسى فراشها وجدرانها وأغطيتها بلون أحمر وهذه الطريقة في العلاج ما زال يستعملها الدكتور شاطينيير الذي لا حظ أن إليها يرجع الفضل في تخفيف تفجر الحميرة والحمى وتدارك الاستعصاءات.

    الطب الروحي: قال ألِكْسِيس([11]) كارييل (Alexis Carel) الطبيب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الطب والجراحة: »لقد سجلت آرائي على ما رأيته من تأثير الصلاة في الحالات الباتولوجية على المرضى الذين برئوا على الفور من أمراض مختلفة متعددة كالتدرن والبريتوني والتهاب العظام والجروح القائمة والسرطان. وتمتاز معجزة العلاج الروحي بسرعتها في عمليات الإبراء العضوي. ولا شك في أن التئام الجروح بالعلاج الروحي أسرع من العلاج العادي. والشرط الوحيد الذي يمكن الاستغناء عنه حدوث ظاهرة الإبراء هو الصلاة. وهذا يثبت الأهمية المحسوسة للمناشط الروحية التي يهمل بحثها علماء الصحة والأطباء والمربون والاجتماعيون، مع أنها تفتح للإنسان دنيا جديدة«.

    طب العجائز: قال المنصور للكاتب محمد بن علي الفشتالي وقد مرض له ولد، فلم ينجع فيه دواء طبيب: »إن أمراض الصبيان قلما ينجع فيها إلا طب العجائز ولا كعجائز دارنا. فابعث من يسألهن« (الاستقصا، ج 3، ص. 95).

    طب العيون: يحتوي كتاب "ذهاب الكسوف ونفي الظلمات" في علم الطب والطبائع والحكمة لعبد الله (بلا) بن عزوز المراكشي على دراسة مفصلة لأمراض العين نقلاً عن مذكرات حسين بن علي. وقد ترجمه لوكلير إلى الفرنسية (لوكلير، ج 2، ص. 309) (خع 480 د ـ 173 د/ خع 5774 ـ 5799 ـ 5880).

    طب الفقراء والمساكين: عنوان كتاب الجزار (كشف الظنون، ج 2، ص. 1095) (نسخة في المتحف العراقي 2102) (14 ورقة).

    طب المشائخ: عرف هذا الطب في المغرب ولابن الجزار أيضاً رسالة بعنوان "طب المشائخ وحفظ صحتهم" (دار الكتب 5636 ل طب).

    الطب النبوي: يهتم المغاربة كثيراً بالطب النبوي. وقد ذكر حاجي خليفة في "كشف الظنون" ستة مؤلفات في الطب النبوي وكتب عنه كثير من الأوربيين مثل كانيي وريشك وبيرون. وللسيوطي مصنف في الموضوع وكذلك أبو الحسن نور الدين علي ابن الجزار المصري "السر المصطفوي في الطب النبوي". ولجلال الدين أبي سليمان داود كتاب ترجمه بيرون إلى الفرنسية، وهو ينقل عن ابن البيطار. وتوجد رسالتان في الطب النبوي لمؤلفين مجهولين حلل إحداهما ريشك في رسائله الطبية، والثانية كانيي في "حياة محمد" مبرزاً سمو هذا العلم النبوي:

    1 ـ "شرح الكلم النبوية في الحكم الطبية" لأحمد بن سعيد بن حلوان الطبيب ابن العالمة (المتوفى عام 652 هـ) (طبقات الأطباء، ج 2، ص. 265؛ الزاوية الحمزاوية بالمغرب، 135) (84 ورقة).
    2 ـ "الطب النبوي" لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق (ت. 430) (الإسكوريال 1619) (142 ورقة).
    3 ـ "الطب النبوي" للشيخ عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (ت. 629 هـ)، يعرف بالطب من الكتاب والسنة (كامبردج 904) (97 ورقة).
    4 ـ "الطب النبوي" لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت. 748 هـ) (آية الله الحكيم العامة، النجف 922) (101 ورقة)؛ نسخة أخرى ناقصة من آخرها قدر صفحة في المتحف العراقي ببغداد 548 (61 ورقة).
    5 ـ "الطب النبوي" لابن قيم الجوزية (ت. 751 هـ) (الحرم المكي 2 طب) (107 ورقة).
    6 ـ "المنهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي" لجلال الدين السيوطي خم 734 (80 ورقة) (مكتبة الأوقاف ببغداد 600 و8965، دار الكتب المصرية 991 (طب)/ الظاهرية، 8410/ مكتبة الأزهر 204 (5074)).
    7 ـ "الشفا في الطب عن المصطفى": طلعت (515 طب).

    الطب النفساني الجسماني: طبق بعضه في المغرب (انطلاقاً مما أشار إليه ابن زهر من القوة الباطنية. فمنذ حوالي 2900 قبل الميلاد، كان للطب الصيني خمسة أسس في نطاق دورة الطاقة المسماة »العروق العجييبة«:

    1 ـ معالجة الروح على الصعيد الماورائي للإنسان؛
    2 ـ معرفة تغذية الجسم، أي تنظيم طاقاته من خلال الأطعمة؛
    3 ـ وصف الأدوية التقليدية؛
    4 ـ استعمال الإبرية (acupuncture)؛
    5 ـ التفكير في الجراحة (chirurgie).

    ـ التيفوس (typhus) مرض معد يتسبب القمل في نقله، فتظهر بقع حمراء على الجلد أو انهيار عميق خلال الحمى، وهو منتشر في إفريقيا والهند.

    ويوجد نوع آخر يصيب البقر يعرف بالوباء البقري أو الطاعون البقري (peste bovine). وقد زعم لوكلير أن ثلاثة ملايين نسمة توفيت عام 1295 هـ/ 1878م بالتيفوس والكوليرا، وهو تعداد مفرط يصعب تصوره، ولا سيما أن وسائل الإحصاء لم تكن تسمح بذلك.

    H.P.J. Renaud, « Le typhus exanthématique au cours de l’histoire du Maroc ». Communication faite à la 7ème réunion de la Fédération des Soc. des SE. Méd. de l’Afrique du Nord-Alger, 1937 (reprod. in Maroc médical, 15 nov, 1937, pp. 413-434).

    ـ الجدري (variole) مرض معد طفحي وبائي يتسبب عن وجود »فيروس« يمتاز بظهور تبثرات على الجلد في شكل بقع حمراء، وهو مرض مميت في خمس عشرة حالة في المائة. وعند الشفاء يترك ندبات لا تنمحي. وقد ألفت فيه مصنفات منها "هز السمهري فيمن نفى عيب الجدري" للطبيب عبد الوهاب ابن أحمد أدراق (خح 9213).

    وكان الجدري يظهر في المغرب كل سبع سنوات تقريباً ويعمد بعض الناس إلى التلقيح ضده بحقن جراثيم بثور ودماميل العجل أو الناقة، بينما يستعمل آخرون الكبريت والملح ويخلدون إلى الراحة في مكان مظلم. وقد عرف البربر منذ عهود سحيقة حقن جراثيم الجدري: كانوا يستعملونها لتحصين المصاب (كودار، وصف وتاريخ المغرب، ج 1، ص. 239؛ كتاب ماثيو دوليسيبس (Mathieu de Lesseps) والد فرديناند مؤسس (قناة السويس) زار المغرب عام 1972 م ونص في رحلته على الحقن ضد الجدري عند البربر. ولعل طريقة التطعيم هذه قد نقلت إلى البلاد الإسلامية من الصين والهند، حيث كانوا يطعمون السليم بمادة مستخرجة من بثرة الجدري نفسه في بداية اليوم الثامن (راجع رسالة ماري منتاغو زوجة سفير أنجلترا في البلاد العثمانية عام 1717 م: "اللب في الإسلام والطب" لشوكت الشطي، ص. 182).

    ـ حارة الجذمى: كانت مخصصة للمجذومين وتتكون من نحو عشر نوالات محاطة بسور من الطوب الجاف، ولم تكن تتحمل إيواء أكثر من أربعين شخصاً. وكانت القبيلة كلما شعرت بإصابة أحد أعضائها بجذام أو مرض يشبهه، أرغمته على الإقامة في الحارة. فإذا رفض، أخبر القائد؛ فيلزمه بذلك. وكان المرضى ـ كما هو الحال في حارة مراكش ـ يلبسون قبعة واسعة الأطراف تسمى »تارازة«. وكانت نفس الحارة أيضاً في الجديدة (Doulté, Marrakech, p. 241). وورد في "زهرة الآس" أن المرضى كانوا يسكنون وراء أسوار فاس منذ عهد المولى إدريس الثاني حتى يحمل روائحهم ريح الغرب (الغربي) دون أن تمر بفاس وحتى لا يستعمل المرضى الماء إلا بعد خروجه من المدينة، فلا يبقى خطر من ذلك على الناس.

    وهذا فهم وجيه لنظر الإسلام الصحيح حيث حرم الرسول عليه السلام ذلك كما ورد في "صحيح مسلم" »لا يورد ممرض على مصح«. وقد أقر عليه السلام فكرة »الحجر الصحي«، حيث قال: »إذا كان الطاعون في بلد، فلا تدخلوه. وإذا كنتم فيه، فلا تخرجوا منه حتى لا تنقل العدوى أو يعرض المرء نفسه للعدوى« (الدوحة، ص. 62؛ الاستقصا، ج 1، ص. 188) (راجع "حارة الجذمى بدكالة" E. Doulté, Marrakech, fasc. 1, p. 242). وحارة الجذمى بالرباط هدمت في عهد المولى سليمان.

    وقد زار الدكتور ليريدو حارة مراكش عام 1292 هـ/ 1875 م، فشاهد وجود مسجد وسجن وسوق، بل وملاح لليهود. وكان أهلها يتاجرون ويفلحون، ومنهم من سكن الحارة ثلاثين سنة. وربما يرجع أصله لسوس أو حاحة أو حتى الصحراء. ولم يكن يسمح للمجذومين بالدخول إلى مراكش، ولكن المراكشيين كان يسمح لهم بزيارة الحارة. وقد أشار رينو إلى وجود هذه الحارة قرب باب دكالة وكذلك على بعد ساعة من الجديدة. وكان يوجد قبل 1317 هـ/ 1899 م »دوار المجاذمة« يحتوي على نحو مائتين من المصابين، ولكنهم تشتتوا. ولاحظ دوفردان في كتابه "مراكش" (ص. 241) وجود »حارة القصر« التي كانت عبارة عن مستشفى قديم (المستندات المغربية، ج 2، ص. 23). وقد ابتلى مبارك بن المختار السباعي بالجذام في الصحراء وهو سيد قومه، فنقل إلى مراكش لحارة الجذمى (الإعلام، ج 3، ص. 281، ط. 1975).

    أما وسائل العلاج، فقد ذكر رينو (ص. 155) أن أعضاء بعض الحيوانات كانت تستعمل بالمغرب لمعالجة الأمراض، وهي طريقة تستعمل بأوروبا. ولم يكن أطباء المغرب يجهلون جدوى اللحوم غير المطبوخة. وقد أشار الشيخ عبد الرزاق بن حمادوش، صاحب "كشف الرموز"، إلى خواص بعض أعضاء الحيوانات لمعالجة »داء الكلب« بمثقال جرام من كلية الكلب العقور بمجرد قتله. ويؤيد هذا النوع من العلاج ما ذكره رينو (ص. 157) من أن الدكتور فرانتزان نشر بحثاً في "الأسبوع الطبي" (14 مايه 1316 هـ/ 1898 م) ذكر فيه أن مرارة لكلب العقور تحتوي على مادة مضادة لجراثيم داء الكلب ويستعمل الكحالون (oculistes) المغاربة أعضاء حيوانية، خاصة في أمراض العيون، من ذلك مستخلص الكبد والأكياس الموجودة فوق الكليتين. وقد استعملها باطيس في نيويورك ضد التهاب (القرنية) والملتحمة وكذلك ضور في ليون ودراي في باريس (رينو، ص. 160).

    وكان أبو العلاء زهر بن زهر، طبيب البلاط الموحدي بمراكش، يستعمل في العلاج تحليل البول والنظر إلى قواريره (الطب والأطباء، عبد العزيز بنعبد الله، ص. 25).

    وكان الأطباء يجرون عمليات جراحية. وقد لاحظ رينو (ص. 138) أنهم استطاعوا، خاصة بمراكش والدار البيضاء، إجراء عمليات قيصرية لإخراج الجنين من بطن أمه.

    ـ السيكران، وهو عشب مخدر. وقد ذكر رينو (ص. 131) أن جراحاً مغربياً توصل إلى تركيب دواء من »السيكران« والكبريت وغيرهما يكون البخار المتصاعد من طبخة بمثابة مخدر يستمر تأثيره أربعاً وعشرين ساعة.

    ـ السل: لاحظ رينو (الطب القديم بالمغرب، ص. 141) أنه بقدر ما كان داء السل منتشراً في الصغار، كان يقل لدى الكبار. وبالرغم من الحياة في الهواء الطلق، فإن قلة وسائل الدفء، خاصة في البادية، كان من شأنه أن يثير السعال وداء المفاصل (الروماتيزم). ولكن المغاربة كانوا يكثرون من المعاجين والأدهان الساخنة (ص. 142).

    ـ السن (مرض...). كان أطباء الأسنان بالمغرب يقلعون السن المسوسة بأدوات خاصة. ذكر رينو (الطب، ص. 135) منها مجموعة، بعضها مصنوع في المغرب وبعضها مجلوب من أوربا. ومن الأطباء من كان يضمخ السن بمركب من الثوم والملح والحريف (وهو الفجل الوحشي أو الحرف)، ثم يملأون السن المسوسة بجذر جوز ريان بعد غمسه في اللبن ويغطى الكل بالصمغ. وقد اقترح ابن رشد في شرحه لابن سينا ما يصفه الأطباء اليوم، وهو تبديل الهواء في الأمراض الرئوية. وقد أشار إلى جزيرة العرب وبلاد النوبة بصفتها مراكز شتوية (جوستاف لوبون، حضارة العرب، ص. 531 الطبعة الفرنسية).

    ـ العظام (جبر...). كان الأطباء المغاربة يعمدون في جبر الأعضاء المنكسرة إلى طريقة الدلك التي سبق بها المغاربة ـ كما يقول رينو (ص. 134) ـ اكتشاف لوكاس شامبيونيير. وكان مما يعطي الطبيب لمن كسرت عظامه »إيلان«، وهو حب يكثر في ناحية مراكش غني بمادتي الفوسفاط وكاربونات الجير. وقد مهر أفارقة هاجروا إلى أمريكا منذ قرون في جبر العظام (محاضرة للدكتور Roger Dalet، المركز الطبي بإنزكان حول المعالجة بالإبر [acupuncture]).

    ـ العين (مرض...). كانت أمراض العيون تشكل مع الزهري ثلثي أمراض أفريقيا الشمالية. وكان للكحالين، أي أطباء العيون، المغاربة أساليب مفيدة لمعالجة أنواع الرمد، ولهم فيه مهارة وكذلك في الجزائر. وكانوا يزيلون غشاوة العين بمهارة لإعادة البصر، من عمليات أخرى أصعب (رينو، الطب القديم في المغرب، ص. 136).

    ـ الدمعة. هي مرض العين السائلة (الرحمة في الطب والحكمة للسيوطي، ص. 52).

    H.P.J. Renaud, «Le trachome dans la médecine arabe marocaine», Rapport présenté à la 8ème réunion de la Féder. des Soc. médic. de l’Afrique du Nord, Tunis, Avril, 1938 (7 pages);

    T. Sarnelli, A propos du nom berbère «Tizri», «guide oculistique» de l’arabo-espagnol Mohamed Al-Gafiqi (XIIè siècle), traduit par M. Meyerhof, Actes du XXIè Congrès des Orientalistes, 1948.

    ـ الفتق (داء...). بروز عضو أو جزء منه خارج التجويف الذي يكون فيه عادة، وكان أطباء المغرب يوقفون الفتق بآلات من جلد أو ثوب محشو بالصوف (رينو، ص. 134).

    ـ المعدة (مرض...). كان كثير الانتشار بالمغرب (رينو، ص. 142). ويوجد كتاب حول "مرض المعدة" للزهراوي [Abulcassis] (مكتبة كلية ابن يوسف بمراكش، أربع نسخ في خح 134 ـ 8354)، وآخر بعنوان "طب المعدة" لابن الجزار (الظاهرية 3166/ المتحف العراقي ببغداد 2103).

    والواقع أن الجهاز الهضمي كان موضوع اختصاص ابن مروان عبد الملك ابن زهر الذي تحدث عنه في كتاب "التيسير"، واستعمل أنبوبة مجوفة من القصدير لتغذية المصابين بعسر البلع؛ كما استعمل الحقن المغذية. وكان سر نجاحه اعتباره أن الطبيعة قوة داخلية تدبر شؤون الجهاز البشري، وهي كافية وحدها في الغالب لعلاج الأدواء (كوستاف لوبون، حضارة العرب، ص. 530، الطبعة الفرنسية).

    ـ النقرس: توفي به في مراكش أبو الحجاج يوسف موراطير طبيب المنصور والناصر والمستنصر.

    ـ الطاعون والوباء: يظهر أن الطاعون كان له مفهوم غير مفهوم الوباء، إذ أكد ابن خلدون أن الطواعين أمراضها مخصوصة بالرئة (م 1، ق 3، ص. 544). والفرق بين الطاعون والوباء ـ كما يقول محمد بن أبي العاص الأندلسي ـ صاحب "الرسالة في تحقيق الوباء": »أن الطاعون مصحوب دائماً بذبيلة، أي عقدة عصبية ملتهبة؛ في حين أن الوباء قد لا يتمخض عن أي التهاب من هذا النوع ولكنْ كلاهما قاتل« (عبد العزيز بنعبد الله، الطب والأطباء، ص. 64).

    والطاعون (peste): مرض معد ينتشر مثل الوباء (épidémie). إلا أنه أشد خطراً منه. وقد ظهر »الطاعـون الأسود الأكبر« الذي هلك فيه ـ كما يقول رينو ـ »ثلث سكان المعمور. وقد صنف بعض الأطباء المغاربة مؤلفات في علل هذا الداء وطرق علاجه« (رينو، الطب القديم بالمغرب، ص. 47). وقد أشار ابن خلدون إلى:

    الطاعون الجارف الذي نزل بالعمران شرقاً وغرباً في منتصف المائة الثامنة وتحيف الأمم وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية في مداها، فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهى من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر، فخربت الأمطار المصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه (الاستقصا، ج 3، ص. 144).

    وقد وصفها المؤرخون الغربيون بأنها تفشت في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، فجرفت بالقارة الأسيوية وأودت بحياة خمسة وعشرين مليون نسمة في أوربا. وقد ظهرت طواعين أخرى في لندن (عام 1665 م) ومرسيليا (عام 1720 م) والشرق الأدنى (عام 1799 م)، وخاصة بمصر. وكثيراً ما تجرف دورياَ بالشق الأوسط والشرق الأقصى (خاصة الهند)، وكذلك أمريكا اللاتينية. وهنالك أصناف، منها الطاعون الرئوي.

    وكان المغرب قد عرف (عام 571 هـ) طاعوناً أصاب مراكش هلك منه لدى مقدمه من قرطبة الشيخ أبو حفص الهنتاتي جد الملوك الحفصيين أصحاب تونس وإفريقية، فدفن بسلا (الاستقصا، ج 1، ص. 61).

    وقد نصح المنصور السعدي ولده في رسالة وجهها إليه باستعمال الدواء إبان الطاعون الذي طرأ في عهده في وصفات تدل على براعة المنصور في الطب. ومن جملة ما أوصاه به عدم فتح الرسائل إلا بعد غمسها في الخل القوي ثم تنشيفها. وهذا يدل (كما قول رينو، ص. 79) على أن المغرب كان يعرف إذ ذاك أن عزل المرضى أصلح وسيلة لدرء المرض، ولا ينبغي الخلط بين الطاعون والوباء فالفرق بينهما كما يقول محمد بن أبي العاص الأندلسي صاحب "الرسالة في تحقيق الوباء" أن »الطاعون مصحوب دائماً بذبيلة، أي عقدة عصبية ملتهبة؛ في حين أن الوباء قد لا يتمخض عن أي التهاب من هذا النوع، ولكن كلاهما قاتل«.

    وقد لاحظ رينو أن »الموت الأسود« الذي هجم من الصين على الهند وروسيا وأوربا من عام 1334 م إلى عام 1350 م لم يوجد له أثر بالمغرب، وكثيراً ما ينشأ هذا المرض عن المجاعة والتلوث. وقد لاحظ رينو أن المجاعة طرأت بالمغرب، خلال المدة المتراوحة بين 867 هـ و1325 هـ، أي طوال أربعة قرون ونصف، ست عشرة مرة. ومنذ هذا التاريخ، أي أزيد من ثلاثة قرون، لم يقع قحط بالمغرب سوى ثماني مرات، أي كل خمس وثلاثين سنة تقريباً (ص. 76). وقد وقعت هذه المجاعة إبان الحماية الفرنسية حوالي 1940 م، بالرغم من الوسائل الوقائية الحديثة ووفرة المواصلات.




    المراجع

    ابن الخطيب، مقنعة السائل عن المرض الهائل، الإسكوريال، 1785، مدريد 269.
    رسالة في أحكام الطاعون (خح 1854 هـ، مكتبة تطوان 555).
    ابن مبارك أحمد اللمطي (تلميذ سيدي عبد العزيز الدباغ)، جواب عمن حل ببلادهم طاعون هل يجوز الخروج منه فراراً أم لا؟ (خع 1348 د).
    محمد بن عبد القادر الصبيحي، تقييد في الوباء (خح 5323).
    أبو حفص عمر المالقي، مقالة في أمر الوباء، راجع نصها في: أزهار الرياض، وزارة الأوقاف المغربية.

    «La peste de 1799-1818, d’après des documents inédits-Renaud», Hespéris 1, 1921, 2è trim. III, 1er trim. V, 1925, 1er trim.
    H.P.J. Renaud, «Recherches historiques sur les épidémies du Maroc, Les «pestes» des XVè et XVIè siècles, principalemen d’après les sources portugaises», in Mélanges Lopes-Cenival, Lisbonne - Paris, 1945. (vol. VI de collection portugaise, Lisboa).
    «Sur une épidémie de la pulmonaire autochtone (pneumonie pesteuse primitive) au Maroc occidental», Bull. soc. path. exotique, T. XVII, (n° 9), 1924.
    «Un nouveau document marocain sur la peste de 1799», Hespéris, 1er trim., 1925.
    «Aperçu sur l’épidémiologie du Nord Marocain», Bull. de l’enseign. public du Maroc, 1926, n° 71 (Rif et Jbala).
    «Les pestes du milieu du XVIIIè siècle», Hespéris, 4è trim, 1939.

    تاريخ زمني للأوبئة في شمال إفريقيا (Guyon. J.L.G., 1855).
    ([1]) لوكلير، تاريخ طب العرب (مجلدان)، ط. بيروت، وأعادت طبعه وزارة الأوقاف المغربية، ج 2، ص. 513.
    ([2]) وهو قوله علي السلام: »إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب«.
    ([3]) وهو قوله عليه السلام: »إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء«.
    ([4]) لوكلير، تاريخ طب العرب، المصدر السابق، ج 1، ص. 4
    ([5]) المصدر نفسه، ج 1، ص. 9.
    ([6]) كازيط المستشفيات عدد مارس 1932، محاضرة الأستاذ فوكس.
    ([7]) لوكلير، تاريخ طب العرب، المصدر السابق، ج 1، ص. 470.
    ([8]) كوتيي، أعراف المسلمين وعاداتهم، ص. 245. وهذه الجامعة توجد في بلجيكا وكانت قد ألغيت عام 1791 م، ثم أعيدت عام 1835 م بصفتها جامعة كاثوليكية.
    ([9]) توجد في المكتبة العامة بالرباط في مخطوط عدد 1428 د، حيث ورد في المقالة الثامنة من كتاب "التعريف" مقالة تحتوي على 28 صورة جرائد الكي والمكاوي التي تختلف حسب العضو المريض من الرأس إلى الأذن إلى الرحم والمثانة، إلخ.
    ([10]) خ. ق: خزانة القرويين. وخ. ع: الخزانة العامة بالرباط.
    ([11]) عبد الرزاق نوفل، طريق الله، القاهرة، 1381 هـ/ 1962 م.



    .
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد أبرهموش
    المجاعات والأوبئة : دراسة في تاريخ العقليات



    يعتبر تاريخ الاوبئة والمجاعات من ابرز المباحث التي تولدت في خضم "الحراك" الذي عرفه علم التاريخ مع مدرسة الحوليات في القرن 20، عندما رفعت افق البحث في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، في هذا السياق يندرج هذا الكتاب: "المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين"، ل"برنار روزنبرجي وحميد التريكي" ، ترجمة عبدالرحيم حزل من اللغة الفرنسية الى اللغة العربية، عن دار الامان، الرباط، الطبعة الثانية 2010.

    يتكون هذا الكتاب من حوالي 300 صفحة من الحجم المتوسط موزعة الى 13 محورا، بالإضافة الى تمهيد المترجم والمقدمة ثم الخلاصة وبعض الملاحق، التي تضمنت وثائق مهمة عن المجاعات والأوبئة في هذه الفترة. وقد حاول المؤلفان في متن هذا السفر مقاربة الكثير من المجاعات والأوبئة مابين القرنين 16 و17؛ ابرزها الاعوام الاخيرة من القرن 15 والأولى من القرن 16، من خلال تعداد اهم الاوبئة والمجاعات التي عرفتها هذه المرحلة، وأثارها على البنية الديمغرافية، خصوصا ان المؤلفين اشارا في التمهيد الى غياب الدراسات التاريخية التي تناولت الديمغرافية التاريخية للمغرب. وبالتالي من الصعوبة بما كان انجاز دراسة ديمغرافية كمية دقيقة للمغرب، وما يزيد الامر تعقيدا في هذه الدراسة غموض القرنين 16 و17، بحيث لم يصيبهما حظهما من الاهتمام، اذا علمنا "ان الازمات الغذائية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بلغ عددها ثمان وثلاثين أزمة ، لكن استطاع المؤلفان تجاوز هذه الصعوبة بالارتكان الى كتب المناقب التي حبلت ببعض الاشارات للأوبئة والمجاعات وانعكاساتها على نفسية المجتمع المغربي؛ في شكل ممارسات تعبدية للتكفير عن الذنوب، او الاصابة باليأس والخوف، اعتقادا منهم ان الافات الاجتماعية والطبيعية غضب الهي وعلامة على ابتعادهم عن مضمون الدين الصحيح.

    انتقل المؤلفان الى مقاربة اغلب الافات (المجاعات والأوبئة ) التي عرفها المغرب خلال القرنين 16 و17، في شكل "تعداد" كمي تاريخي تسلسلي وتركيبي، ينطلق من ازمات "الاعوام الاخيرة من القرن 15 والأولى من القرن 16" وصولا الى اواخر القرن 17. بالتركيز على ازمة 1521ـ 1522، لما لها من دور بارز في تفسير اسس قيام الدولة السعدية من الدرجة الأولى خصوصا ان "تردد المجاعات في المغرب لم يكن ناتجا فقط عن الجفاف وهجمات الجراد، والاكثر من ذلك يلاحظ نيكولا ميشيل ان السرعة التي تتدحرج بها الساكنة نحو الخصاص تشير الى عجز المدخرات عن تأمين القوت لسنة كاملة" . ودون الخوض في حيثيات المجاعات والأوبئة التي عرفها مغرب القرنين 16 و17 تبقى المنهجية المقارنة بين الوباء والمجاعة اهم مواضيع هذا الكتاب، مما اكسبه قوة منهجية ومعرفية تصبو الى تحقيق العلمية، عندما تطرق لانعكاسات هذه الجوائح الاجتماعية على مستوى الذهنية المغربية بصفة عامة، والكيفية التي تمظهرت فيها على شكل تمثلات ومواقف ذهنية عقلية، شكلت ظاهرة الاولياء والزوايا "تيمة" مميزة لها، في البوادي والقرى بشكل كبير، حيث عم الخوف والتشاؤم في نفوس "الرعايا"، مما جعلها تفسر الكوارث الطبيعية بالقدر الالهي او سخطه ؛ فارجع اغلب الناس تلك الجوائح الى اثم القادة السياسيين او الدينين، بالإضافة الى ظاهرة "المهداوية" كأثر نفسي عميق كان يبحث في الخلاص من قفص الهلاك، بأي وسيلة ولو كانت "اسطورية".

    تكمن اهمية هذا الكتاب في كشف الستار عن جوانب غامضة ومهمة في تاريخ المغرب، اذ يمكن لهذا الدراسة ان تقدم الجديد في جانب اسباب قيام الدول وانهيارها، خصوصا اذا كنا نعلم ان هذه الفترة موضوع الدراسة تنصرف على الدولة السعدية من قيامها الى افولها ثم بدايات الدولة العلوية. وسيساعد هذا الامر على القيام بمسح ديمغرافي لسكان المغرب في هذه المرحلة، والى اي حد تعتبر الكوارث الطبيعية بصفة عامة عامل فاعل في سيرورات الدول. بالتالي تكمن اهمية تاريخ المجاعات والأوبئة في ازالة الستار عن عوامل مضمرة في المتون التاريخية، ساهمت بطريقة او بأخرى في قيام الدول، بحيث "مع كل وباء كانت سلطة المخزن تهتز اهتزازا؛ فالقحوط تكون سببا في اندلاع اعمال العنف والفوضى... تفضح اوجه العجز التي تدَاخل الدولة". انها مقياس مهم لدراسة فترات قوة السلطة المركزية وفترات ضعفها، والدليل على ذلك؛ الدول المعاصرة الحالية التي تعيش في ازمات المجاعات والأمراض، وما يترتب عنها من صراعات سياسية وأزمات اجتماعية واقتصادية، أهمها: دول افريقيا جنوب الصحراء، بهذا تساهم الازمات في تفسير " الحدث" التاريخي او "بعبارة اخرى، فقد يكون الحدث نقطة ملاحظة ملائمة لإدراك البنية، او مؤشرا لها، او انعكاسا لها، او عامل تحولها، حيث يهدم بنيات تقليدية ويؤسس مكانها بنيات جديدة" .

    تجدر الاشارة الى ان الكتاب ارتكن في معطياته الكمية، على جانب بيبليوغرافي مهم ووازن، تأرجح بين المصادر الدفينة وكتب المناقب والمدونات التاريخية، على شكل تقارير وشهادات ثم الدراسات سواء المحلية او الأجنبية، كما لم يغفل الاشارة الى الوضعية العالمية، التي كانت تعرف تحولات عميقة في القرنين 16 و17 اهمها: ضعف الامبراطورية العثمانية، ثم الهيمنة الاوربية على البحار؛ وبالتالي تحول طرق التجارة نحو الساحل بدل الصحراء، كما تم تنظيم شكل البيبليوغرافيا بطريقة علمية وسلسة في الاستعمال. باستثناء بعض النقط التي لم يفصل فيها اكثر أهمها انعكاسات المجاعات والأوبئة على البنية العقلية للمغاربة في الفترة المدروسة، لان التمثلات الذهنية والمواقف العقلية تلعب دورا فاعلا في وصف وتحليل "الحدث التاريخي"، بطريقة تستحضر "اللاوعي الجماعي" ، الذي يعد مرآة عاكسة وحقيقية للواقع التاريخي في اغلب الاحيان. فإذا كانت المصادر التاريخية اوردت جملة من المعطيات الوصفية تبرز بما لا يدع مجالا للشك ازمات نفسية سقط فيها المجتمع المغربي نتيجة "الفعفعة" التي احدثتها نتائج الجوائح الاجتماعية في تفكير وهموم عموم الناس؛ فإنها ظلت حبيسة الوصف والتعريف، دون ان تكلف نفسها عناء في البحث عن المكانيزمات الحقيقية في بروز وانتشار ظواهر اجتماعية نفسية مثل: ظاهرة "المجاديب والبهاليل" التي تشكل علامة واضحة على تأثر الانسان المغربي ب"الميثولوجيا الدينية" ، عند ارجاعه كل الازمات الى قدر الهي لامفر منه، وليس له من رد سوى تقديم "صكوك الغفران" في شكل ممارسات تعبدية متنوعة تمزج بين رموز دينية عديدة، يعود البعض منها الى العصور القديمة، وأحيانا اخرى في البحث عن مشروعية سياسية في انقاض الاموات والقحوط، تقود الى كسب الرهان السياسي، اذ " ليس من الغريب في شيء ان تصير موازين القوة بين الاطراف المتصارعة على السلطة يوجهها المكون الغذائي والكفة تميل لجهة من يستطيع في تلك الظروف ان يوفر للناس الطعام. امر نراه صارخا في التأمل في بداية السعديين وكيف استفادوا من مجاعة 1521ـ 1522 الرهيبة". وبالتالي تتجلى اهمية هذه الدراسة في "كشف معيش الناس في مغرب طابعه الندرة في الموارد وتخلف النشاط الاقتصادي عامة والفلاحي خاصة"، مما سيفتح المجال امام "قراأت" وتأويلات جديدة اكثر علمية اعتمادا على البعد السوسيوأقتصادي؛ اذ يجب الانتقال بالوباء والمجاعات من طبيعتها المحسوسة في شكل مرض فتاك او ازمة مهولة، الى تمثل وموقف ذهني، يفصح عن المستوى المعرفي والطبي للمجتمع المغربي خلال العصر"الحديث"؛ لان هذه الجوائح خلفت جملة من العواقب الاقتصادية والاجتماعية ثم السياسية، تمثلت عموما في اقتصاد الندرة او القلة حسب "احمد توفيق"، والفقر ثم الأموات و"انشطارات" سياسية، بحيث "هلك كثير من الاعيان والأطر الادارية... وأبيدت اسر عن بكرة أبيها".

    قصارى القول يشكل هذا الكتاب لبنة اساسية لدارسة الديمغرافية التاريخية، والاقتصاد ثم الحياة اليومية والتمثلات الذهنية... في مغرب ما قبل الاستعمار؛ اذ لامناص للباحث في التاريخ من الاعتماد على المعطيات التي حينها المؤلفان على شكل اجتهادات وتأويلات، تسلحت كثيرا بالمصادر التاريخية المتنوعة.


    بقلم: محمد ابرهموش.

    [1] - حبيدة محمد، كتابة التاريخ قراءات وتأويلات، دار ابي رقراق، الرباط، الطبعة الاولى 2013، ص 142.

    [2] - حبيدة محمد، نفسه، ص 114.

    [3] - للإطلاع على هذا الموضوع اكثر نشير الى فصل بعنوان: "النتائج السوسيوثقافية للغزو البرتغالي لسواحل المغرب"، لأحمد بوشرب، في كتابه: "مغاربة في البرتغال خلال القرن 16"، منشورات كلية الاداب والعلوم الانسانية، الرباط.

    [4] - ادريس ابو ادريس: "مساهمة في تاريخ العقليات: العقلية وأشكال التفكير والممارسة في مجتمع المغربي خلال القرنين 17 و18"، في: قضايا في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والاكولوجي للمغرب الحديث، ق 16 و17 و18، مطبعة سجلماسة، مكناس 2008.

    [5] - السبتي عبد الاحد، التاريخ وازمة الحدث، منشورات كلية الاداب والعلوم الانسانية- الرباط، سلسلة محاضرات مركز دراسات الدكتوراة، رقم 8، ص 11.

    [6] - لمزيد من التفاصيل، نشير الى مقال: "تاريخ العقليات هل ثمة لاشعوري جماعي؟"، لمشيل فوفيل في: "من اجل تاريخ اشكالي، ترجمات مختارة"، محمد حبيدة، منشورات كلية الاداب والعلوم الانسانية- القنيطرة، ص 149.


    .
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سعيد يقطين
    الذاكرة الثقافية

    [​IMG]


    التراث الثقافي ملك للأمة أو للشعب، أما فهي ملك للأفراد في مجال جغرافي وزماني محدد. أو لنقل إنها تتصل اتصالا وثيقا بالجيل. ولذلك نجدها تتغير وتختلف من جيل إلى آخر. فلكل جيل ذاكرته الثقافية التي تتصل بالأحداث الكبرى التي عاصرها، وبالنصوص التي تلقاها سماعا أو قراءة، وبالصور التي عاينها في عصره. وبما أن هذه الذاكرة تتحدد من خلال ما هو عام ومشترك لدى جيل كامل، فإنها تختلف أيضا بما يشكل ذاكرة خاصة ترتبط بالبيئة الضيقة التي يعيش فيها الفرد. فالجيل لذي عاش جزءا كبيرا من حياته إبان الاستعمار، تتباين ذاكرته الثقافية عن الجيل الذي ولد مع الاستقلال. كما أن من ولد في المدينة من أحد الجيلين ليس كمن وجد نفسه في الضواحي أو في إحدى القرى النائية. إن الذاكرة تتشكل في الزمان والمكان، من جهة، وفي العصر، من جهة ثانية. ولكل زمان رجال.
    إن الجيل الذي ولد مع الاستقلال وجد نفسه، يعايش طموحات جديدة للبناء والتقدم، فنهل من أحلام الحركة الوطنية، وحركات التحرر العربية والإفريقية وأمريكا الجنوبية. كما استفاد من الازدهار الثقافي الذي كانت مصر تحتل فيه مكانة هامة. فتشكلت ذاكرته المشتركة من المطالعة والسينما والأغنية. كانت «اقرأ» بوكماخ القراءة التي كنا نحفظ نصوصها، ومنها نتبادل الشتائم بتحويل بعضنا البعض إلى «سروال علي»، أو نعت إحداهن بأنها «سعاد في المكتبة». كما أن نصوص جبران والمنفلوطي والعقاد وسلامة موسى، ولقيطة وأرض النفاق، وذهب مع الريح والبؤساء كانت تشكل الخلفية المشتركة لقراءاتنا قبل الانتقال إلى كتب دار التقدم، والطليعة والفارابي،،، وكانت السلسلة اللبنانية «المناهل» تقدم منتخبات من الأدب العربي القديم، وسلسلة اقرأ المصرية، ثم كتابك، ومجلة العربي،،، الكتب التي نقبل على شرائها، أو الحصول عليها من مكتبة المدرسة. وفي مجال الأغنية كانت الميولات تتوزع بين فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب أو عبد الحليم حافظ،،، قبل ناس الغيوان والشيخ إمام ومارسيل خليفة،،، وكانت «الأزلية» (سيرة سيف بن ذي يزن الإذاعية) مسلسل الخيال المجنح الذي نطير فيه مع الجان، ونلاحق سقرديس وسقرديون،،،
    هذه المشتركة هي التي جعلت هذا الجيل ينخرط في الحياة الثقافية والسياسية، يحب الكتاب، ويعشق السينما والأدب، ويحلم بالتغيير الذي يتجاوز حدود الوطن، لأنه يعانق الإنسان. ومن هنا صارت القضية الفلسطينية مركز جذب واهتمام لدى هذا الجيل. فكانت «سجل أنا عربي»، تحتل في الذاكرة ما تحتله القصائد والمحفوظات المشتركة بين الجميع. وظلت فلسطين تجسيدا لحلم التغيير والتطور… كما كانت لصور غيفارا، ولحية ماركس، أو لحيَّة لينين، من ناحية، أو ترك الشعر والسروايل الواسعة من الأسفل، من ناحية أخرى، رموزا لذاكرة، وتمثيلا لجيل، بقدر ما نجد جزءا منه منخرطا في الحياة، نجد آخر يفضل، من المنظور نفسه، أن يعيش على هامشها.
    لم تتشكل هذه الذاكرة فقط لأنها اتصلت بما بعد هزيمة 67، وبفضاءات الوطن العربي المختلفة التي كانت تبحث لها عن أفق. كانت هذه عوامل مساعدة. لقد ساهم الفعل الثقافي عبر انخراط المثقفين والفنانين في الحياة العامة أثره العميق في ذلك. وكان لدور النشر، وللمدرس العربي والأجنبي الذي يؤمن بالتغيير، أثره في طبع جيل كامل بما صار يشكل ذاكرته الثقافية.
    وعلى هامش هذه الذاكرة، كانت محاولات تشكيل ذاكرة ثقافية أخرى لدى الجيل نفسه، والتي ستظهر مع الجيل الذي يليه. أي أن الصراع الثقافي يسهم بدور كبير في تشكيل الذاكرة. ومع سقوط جدار برلين، كانت الذاكرة النقيض مهيأة لملء الفراغ.
    تزامنت مع تحول الذاكرة مع الجيل الجديد تغيرات كبرى طرأت على المستوى العالمي والعربي. وكان لاحتلال التيارات الإسلامية الساحة محل اليسار دوره الكبير في تشكيل ذاكرة جديدة. ساهم الكتاب الإسلامي، وأشرطة الدعاة، قاعدة هذا التحول. ثم ظهرت العشرات من القنوات الدعائية، وكان للتشجيع الرسمي دوره في محاولة العمل على محو آثار تلك الذاكرة، وتعويضها بأخرى جديدة. وساهمت عوامل أخرى، مع تطور الوسائط المتفاعلة، في تشكيل ذاكرة جديدة تختلف كل الاختلاف عن سابقاتها. وكان طبيعيا أن تتجسد هذه الذاكرة التي تربت على كتب حوى وسيد قطب وعزام،،، وسماعيات كشك، فهيمن الحجاب واللحية والمسواك، ولباس الأفغان،،، وكما كانت «الثورة» لسان حال الذاكرة السابقة، صار «الجهاد» محلها. وكما كان التمييز بين الناس يتم حسب «الرجعي» و»التقدمي»، صار الآن بين «المسلم» و»الكافر». فكان التكفير، وها داعش تستنفر الأمم؟ وكما تعايش إلى جانب الذاكرة السالفة «الهيبيون» الذين يعبرون عن رفضهم للواقع بترك الشعور، ولباس المرقعات، وإدمان المخدرات، ها نحن أمام «المشرملين» الذين يتباهون بالماركات المسجلة، وحلاقة الرؤوس على غرار نجوم كرة القدم، وطبعا إدمان المخدرات.
    من المسؤول عن صناعة الذاكرة؟ وهل لصناعها استشراف لما ستحمله؟ حين لا يتم الربط بين الذاكرة والتراث الثقافي الوطني والعربي والعالمي، في أبعاده الإنسانية، لا يمكن سوى تشكيل ذاكرة تقوم على التطرف الديني أو التعصب الإثني.



    .
    القدس العربي
    October 7, 2014
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    منقول
    رحلة "شارل دوفوكو" للمغرب
    المغامرة’ العلمية’الإيديولوجية.




    نبذة موجزة عن شارل دوفوكو

    ولد شارل دوفوكو سنة 1858 بستراسبورغ ، ينحدر من عائلة أرستقراطية ، عاش يتيما منذ أن بلغ عمره ست سنوات تتلمذ على يد جده الكلونيل دمورلي ، وكان يعيش في ظروف متميز بالحرية، تلقى تربية دينية لكنه في سنة 1974 سيعرف العديد من التحولات الفكرية التي ستغير من حياته شارك مع الجيش الفرنسي في إخماد التوراة المسلحة ضد بعمامة ( 1881 ) ، لكنه رفض المشاركة في الجندية فيما بعد خاصة بعد اكتشافه للخروق التي كان الجيش الفرنسي يرتكبها ضد الجزائريين لذلك قرر ترك الجيش .

    لقد ساهم دوفوكو بدراساته القيمة في استكشاف خصائص المجتمع المغربي من خلال كتابه " استكشاف المغرب " الذي أنجزه حول المغرب سنة 1883 ، وتعتبر هذه الدراسة الاثنوغرافية الأهم خلال أواخر القرن التاسع عشر إذ كانت بمثابة الركيزة الأساسية التي فتحت شهية العديد من الباحثين المتعطشين لمعرفة المزيد من الأسرار حول هذا البلد ، بحيث جاء من بعده العديد من الباحثين إلى المغرب ناهجين نفس أسلوبه خاصة الحذر من مغبة اكتشاف أمره إذ تنكر في زى يهودي طيلة بحثه هذا وهو الشأن نفسه الذي اعتمده العديد من الباحثين الآخرين أمثال : LE MARQUIS DE SEGONZA (1).

    الأسباب الذاتية والموضوعية لمجيء دوفوكو إلى المغرب:

    يعتبر شارل دوفوكو من الضباط الفرنسيين الذين استجلبتهم السلطات الاستعمارية إلى الجزائر للقيام بمهمة الجندية ، وكان بمعية العديد من الشخصيات البارزة في الجيش الفرنسي أمثال ليوطي ، ولقد سمح وجوده في الجزائر في المشاركة في الانتفاضة التي عرفتها بعض القبائل بحيث شارك في إخمادها مما سمح له التعرف على العديد من التجاوزات والخروق التي يمارسها القمع الاستعماري على القبائل الجزائرية ، مما أثار حفيظته خاصة وأن متطلبات الجندية لا تتلاءم ومزاجه المتميز بحيث أبدى شارل دوفوكو عدم اقتناعه بالخدمة العسكرية (2 )، وبعد أن انتهت الحرب قرر التخلي عن الخدمة العسكرية بالجنوب الوهراني ، لكن المؤسسة العسكرية رفضت تحقيق مطلبه بعدم إعطائه رخصة للقيام بالسفر إلى الجنوب الجزائري، لكن فطنته ودهائه جعلته يحقق مطلبه بحيث تعرف على محافظ الخزانة العامة بالجزائر الذي سهل عليه عملية القيام برحلته إلى المغرب بحيث اقتنع دوفوكو بفكرة HENRI DUVERIER رئيس جمعية الجغرافية بباريس بالقيام برحلة إلى المغرب على حساب هده الأخيرة. وكان "ل" HENRI DUVERIER الفضل كذلك في تعرف دوفوكو على مردوشي أبي سرور وهو يهودي مغربي الذي سيرافقه في رحلته إلى المغرب بحيث سيساعده بجمع العديد من المعلومات .

    مغرب دوفوكو

    كما سبقت الإشارة فلشارل دوفوكو عوامل ذاتية وموضوعية حفزته بالقيام برحلة إلى المغرب مع العلم أنه على بينة من المخاطر والعواقب التي ستعترضه في حالة اكتشاف أمره . وفي هذا الصدد اعتبر شارل دوفوكو أن المغاربة لا يحقدون على المسيحيين بالقدر الذي يحقدون على ما يسمونه بالجواسيس الذين يقومون بمهمة تسهيل عملية الاستيلاء والهيمنة ، لأنه وكما أشار أن رفض الأجنبي لا يرجع إلى التعصب الديني وإنما يرجع إلى الخوف المستمر من الاستعمار ومغبته، وما يميز هذه الرحلة التي قام بها شارل دوفوكو إلى المغرب أنها وان كانت تعج بالعديد من المعطيات الأساسية حول المغرب إلا انه يجب أن نتفطن بأن شارل دوفوكو مهما يكن فهو من البعثات التي جاءت لاستكشاف المغرب ليس بهدف سياحي أو بمحض الصدفة بل حاجة الأوساط الاستعمارية الفرنسية إلى معطيات حول هذا البلد من اجل السيطرة عليه وبأقل تكلفة مستفيدين بذلك من درس الجزائر . لذلك فطن المستعمر الفرنسي لدراسة هذا البلد قبل استعماره ، وما يميز المعلومات التي حاول شارل دوفوكو أن يجمعها أنها غالبا ما تكون معلومات طبوغرافية جغرافية بحيث استطاع جمع معلومات حول الارتفاع تم كذلك الطرق علاوة على المسافات وتحديد الأماكن(3). ويعتمد شارل دوفوكو على الدقة فيما يخص جمع المعطيات وهذا ما أكدته الدراسات التي تم انجازها من طرف الخبراء العسكريون الفرنسيون بعد احتلال المغرب .

    ولقد حضيت هذه الرحلة التي قام بها دوفوكو إلى المغرب باهتمام كبير في الأوساط الاستعمارية خاصة وأنها تظم معلومات مهمة تفيد المستعمر الفرنسي استخدامها في السيطرة على البلاد لان دراسته هذه تكشف عن أسرار البنيات الاجتماعية في المجتمع المغربي خاصة أنه عاش في المجتمع المغربي لمدة سنة وعايش من خلالها العديد من الأحداث التي تعرف من خلالها على ثقافة المجتمع المغربي خاصة ثقافة اليهود المغاربة الذين عاشرهم وتعرف من خلالها على ثقافتهم وسلوكا تهم . غير أن شارل دوفوكو على الرغم من الاهتمام والاستقبال الذي نعم به من طرف اليهود المغاربة إلا أن ذلك لم يمنعه من فضح بعض سلوكا تهم إلى درجة التعصب والعنصرية التي يبديها تجاه اليهود لكن السبب غير واضح (4). إذ قد يرجع إلى المعاشرة التي تمت بينه وبين اليهود أو لأسباب أخرى متعددة، لكن على العموم استطاع وبزيه اليهودي أن يجمع العديد من المعطيات التي تعتبر من خلال كتابه " استكشاف المغرب " أهم مميزات المجتمع المغربي إلى درجة إعجابه ببعض المدن والقرى المغربية التي سبق له أن زارها، هذا بالإضافة إلى اكتشافه لظروف عيش القبائل والنظام السياسي السائد وعلاقة القبائل بالنظام المخزني، كذلك خصائص النظام الاجتماعي للبربر . كل هذه المعطيات وان كانت ذات صبغة استعمارية وإيديولوجية استكشافية إلا أنها في الحقيقة تكشف لنا بعض المعطيات المهمة حول خصائص مغرب ما قبل الحماية.

    بلاد المخزن وبلاد السيبة

    لقد ركز العديد من الباحثين الانثروبولوجيين خلال هذه الحقبة بثنائية بلاد المخزن وبلاد السيبة لكن إذا انتقلنا إلى مستوى العلاقات العامة ما بين المخزن والقبائل كما طرحها أولا باحثون وسوسيولوجيون فترة الحماية فإننا سنجد مجموعة من التصورات والأوصاف التي لا تستجيب لمتطلبات الملاحظة المضبوطة والبحث النزيه ، ففي سياق حديثه عن " بلاد المخزن " كنقطة واقعة ضمن دائرة النفوذ السياسي للمخزن و " بلاد السيبة " حيث لا سلطة إدارية للمخزن بل اعتراف بالبعد الديني لأمير المؤمنين ، وفي هذا الإطار يلاحظ " ميشوبلير " خاصة في منطقة جبالة التي تحتل موقعا وسطا بين هذين القطبين، إذ يصعب أن ندرجها ضمن نظام معين فلا هي بقبائل خاضعة تماما لسلطة المخزن، ولا هي بمنطقة مقطوعة الأواصر مع الجهاز المخزني، بحيث نجد أنها قائمة بين هذا وذاك. فإذا كانت بلاد المخزن خاضعة لسلطة الدولة بأبعادها الدينية والسياسية والمالية حيث ينهض السلطان بنفسه بمهام تعيين الموظفين الساهرين على أحوال القبيلة من قياد وشيوخ وأبي مواريث ونظار، وإذا كانت الضرائب في نطاقها تؤدى بلا أدنى اعتراض فإن قبائل جبالة لم تصل عموما إلى درجة رفض ممثلي جهاز المخزن ، بل اقتصرت فقط على الحد من سلطتهم عن طريق التعلق " بالجماعة " والاحتكام إلى الأعراف المرتبطة بها كما أن الجبايات لم تكن تستخلص لدى الجبليين بنفس السهولة واليسر . وإذا كانت بلاد السيبة تعترف فقط بالمكانة الروحية للسلطان فإن القبائل الجبلية تجاوزت ذلك إلى التعامل مع الإدارة المخزنية . وفي نفس السياق وفي سنتي 1883- 1884 أي في نفس الحقبة قام شارل دوفوكو بزيارة استطلاعية إلى المغرب فنزل أولا بطنجة على أساس أن تكون منطلقه نحو تفقد أوضاع القبائل والمدن المغربية ، ولم يمكث بها طويلا حتى قرر أن يغادرها إلى تطوان وفيما يخص الطريق التي ستربط بين المدينتين أبدى " شارل دوفوكو " . الملاحظة التالية " عربات صغيرة كانت تنطلق من طنجة ، الطريق كانت آمنة ولم تكن هنالك حاجة إلى حرس " . ولا غرابة في ذلك ما دامت المنطقة في نظره تندرج ضمن ما سماه " بلاد المخزن " على أن الأمان المخيم في النهار ينتهي مع الغروب حيث تشتد الحراسة على أبواب المد اشر تحسبا لهجوم محتمل على المزروعات والمواشي. وأثناء مقامه بتطوان فكر طويلا في الطريق التي سيختارها للذهاب إلى فاس وسنأتي بعد قليل لتفصيل هذه الرحلة. ومهما اعتبرنا أهمية هذه الدراسات حول ثنائية بلاد المخزن وبلاد السيبة فإننا لا ننسى مدى فعاليتها في توسيع الهوة بين المخزن وبين القبائل فهذه الدراسات مكنت السلطات الاستعمارية من معرفة خصائص كل من هذه الأنظمة لتدخل كوسيط في آخر المطاف خلال فترة الحماية ، خاصة تضعضع الجهاز المخزني وعجزه بسط كل نفوذه على جميع القبائل مما سمح للمستعمر هضم هدا النظام وتسخيره لطموحاته الاستعمارية ، هذا من جهة أما من جهة ثانية والتي تخص بالأساس النظام القبائلي فهو كذلك لم يكن في حالة يحسد عليها بل العكس ، ففي غياب سلطة عليا وتواجد بعض القبائل المتمردة وندرة بعض الموارد بالنسبة للقبائل أدى إلى نشوب صراعات بين بعض القبائل فيما بينها مما أدى إلى انعدام الأمن وانتشار القتل والخوف . ويشمل ذلك الغني والفقير ، إذن كل هذه الظروف التي تعيشها العديد من القبائل خلال هذه الفترة ساهمت في تسهيل عملية تغلغل الجهاز الاستعماري الذي سيحل محل الجهاز المخزني خلال فترة الحماية ( 5 )، وهذا ما حاول العديد من الباحثين شرعنته من خلال دراساتهم. وفي هذا الإطار نجد شارل دوفوكو من خلال كتابه " استكشاف المغرب " يركز على مسألة الأمن بحيث كررت غير ما مرة قضية انعدام الأمن بلاد السيبة إلى درجة انه " كتب انه سمح المسلمون وهم يقولون متى سيدخل الفرنسيون ليريحوننا من غياتة وننعم بالسلم مثل أهالي تلمسان.

    السفر من طنجة إلى مكناس

    إن ما يميز رحلة شارل دوفوكو هذه أنها مليئة بالشوق والمغامرات، فهو يحكي عندما كان متوجها إلى مدينتي طنجة وتطوان ما صادفه من مناظر نالت إعجابه خاصة الجبال الخضراء التي تحيط بالطريق التي كانت تسلكها القافلة تجاه طنجة ، ومن المؤكد أن شارل دوفوكو استفاد من دعم السلطات الاستعمارية المشروعة خاصة الخدمة التي قدمها له المقيم العام بطنجة " اورديكا " الذي تسلم بدوره رسائل من المقيم العام بالجزائر لتسهيل رحلة دوفوكو بالمغرب وهذا ما تحقق ، بحيث صاحبه مع يهودي مغربي يسمى أبي سرور المرد وشي الذي كان بمثابة اليد اليمنى لشارل دوفوكو هذا إلى جانب تخفيه بالزى اليهودي لكي لا يفتضح أمره (6).

    ويحكي شارل دوفوكو كذلك ما شهده وهو في الطريق " شاهدت عند غروب الشمس الفرسان الخيالة مدججين بالسلاح،يأخذون مواقعهم عند أبواب القرى قرب قطعان الماشية على ربوات يراقبون المحاصيل الزراعية من فوقها ..." إذا كان شارل دوفوكو وهو يشاهد الطبيعة المغربية ويبدي انبهاره بها فانه في نفس الوقت لم يكن متهاونا في التدقيق في تسجيل المعلومات التي جاء من اجلها وهذا ما يتضح في تحديده للعلو وللاماكن ولخصائص الطرق وغيرها من المعطيات المهمة (7).

    كانت رحلته إلى تطوان كذلك مهمة بحيث انبهر بجمالها وخاصة بجبالها العالية والمتميزة بالإضافة إلى إعجابه بالمدينة المتواجدة في تطوان ( الملاح ) الذي قال عنه " يوجد بالمدينة ملاح كبير أجمل وأحسن مبنى رايته في المغرب يقدر سكان المدينة ما بين 20.000 و 25.000 نسمة من بينهم 600 يهودي تقريبا. ولقد أقام شارل دوفوكو في مدينة تطوان 10 أيام ولم تكن ضمن برنامجه كما أشار ، بحيث أن رحلته إلى فاس كانت صعبة لان الطريق لم تكن آمنة . وبالتالي كان مضطرا للمكوث في مدينة تطوان لهذه المدة . وللإشارة هنا فشارل دوفوكو توجه إلى العديد من الجهات من اجل المساعدة لكنه لم يفلح في ذلك لان أهل مكة أدرى بشعابها كما يقول المثل ، بحيث أن القبائل أنداك تعرف مغبة عبور هذه الطرق التي لا يسلم من أمرها (8).

    فالطريق التي كان يريد أن يعبرها كانت لا بد من يمر عبر أراضي الأخماس وبني زروال – بني حامد- رهونة - شراكة – فاس ، وجدير بالذكر أن في هذه المرحلة كان الصلحاء والشرفاء يلعبون دورا أساسيا في مسألة الوساطة لكن مع ذلك لم يستطيعوا تقديم مساعدة لشارل دوفوكو . وفي آخر المطاف اضطر ليسلك الطريق العادي مرور بالقصر وكانت له الفرصة للقيام بجولة في الشاون التي انبهر بجمالها . ولقد كتب قائلا عنها " تنبع عيون من جميع الجهات وفي كل لحظة تعبر جداول تتدفق على شكل شلالات بين الخنجاروالدفلى وأشجار التين والكروم التي تنبت من تلقاء نفسها على الضفاف ، لم أرى في أي مكان أخر مشهدا أكثر مسرة ولا مظهر غني ولا أرضا أكثر عطاء ولا أناسا أكثر اجتهادا في التحصيل ، مثلما هم عليه هنا "(9) . وفي سياق أخر يشير شارل دوفوكو إلى علاقة المغاربة - خاصة منطقة الشاون التي زارها الأجانب - كانت سلبية ويقول في هذا الصدد انه سمع الناس وهم يقولون " لازال يحكي الناس فيما بينهم ما لقيه الاسباني السيئ الحظ من عذاب ، الذي أراد قبل عشرين سنة خلت أن يدخل المدينة ، وحتى اليهود الذين يسمح بوجودهم معرضون لأقبح المعاملات بحيث يعيشون في ملاحهم ولا يمكنهم مغادرته دون أن يهاجموا بالحجارة ويقول كذلك " عبر طول أراضي الأخماس لم يمر احد بجواري دون أن يحييني بسبه " الله يحرق بوك اليهودي " .

    ومن جانب أخر فإن دراسة شارل دوفوكو تعكس صورة المجتمع المغربي خلال هذه المرحلة حتى وان كانت دراسته هذه ذات طابع إيديولوجي ، إلا أنها تقدم لنا بعض الصور المهمة ونذكر منها على سبيل المثال طريقة اللباس التي كانت سائدة أنداك ، ويقول في هذا الصدد " بالنسبة للناس ذوي يسر ، سروال ضيق ينحصر فوق الركبتين قميص قصير بدون أكمام من صوف ابيض يصل إلى منتصف الفخذ وأخيرا جلباب داكن وبلغة صفراء وطربوش حمراء..." أما النساء فلا شيء خاص يذكر بحيث يلبس ما كانت النساء في التل الجزائري يلبسنه وهو الصوف والقطن الأبيض لا تلبس النساء حجابا ، وللعمل في الحقول يلففن حول ساقيهن قطعة سميكة من الجلد الأشقر معقودة في الأمام بإبزيم (10).

    إقامة بفاس

    لقد كان مجيء شارل دوفوكو إلى فاس جيدا لان السيد بن شمعون أوصى عليه احد التجار الرئيسيين بفاس بحيث تم استقباله أحسن استقبال . ولم يكن شارل دوفوكو يريد أن يمكث طويلا بفاس لأنها حسب ما عبر عنه أنها اكتشفت سالفا من طرف كشافة ، وما كتب عنها كافي إذ كان يرغب في الوصول إلى المغرب المجهول الذي لم يتم اكتشافه بعد ، لكن صعوبة الطريق التي سيسلكها للمغرب المجهول حسب تعبيره لم تكن سهلة خاصة وانه لم يجد من يصاحبه إلا رجلا من الشرفاء بحيث كان يعرف الطريق جيدا، لكن هذا الأخير يفكر السفر إلى أبي الجعد وهي المنطقة التي يريد شارل دوفوكو أن يزورها لكن ليس في الوقت الذي يريده دوفوكو بحيث يريد التعجيل بالأمر ، لان هذا الشريف الذي يعرف الطريق لن يسافر إلا في نهاية شهر رمضان مع العلم أن رمضان لم يكن إلا في أيامه الأولى وهذا ما لم يرق دوفوكو، لكنه مع ذلك اضطر للبقاء منتظرا هذا الشريف إلى أن يفوت رمضان ، ولكي يستفيد من وقته استغل الفرصة لزيارة تازة . وكعودة إلى فاس كتب دوفوكو بعض مواصفاتهم قائلا " لسكان مدينة فاس المسلمين بشرة شديدة البياض وهم على العموم ذوو جمال كبير ملامحهم جد رقيقة بل متأنثة في بعض الأحيان وحركاتهم كلها نعومة، يقضون وقتا كبير في الحمام . لأكثريتهم وحتى للفقراء منهم تلك النظافة الهائلة التي تميز مسلمي الحواضر " (11).

    قبائل غياتة في تازة

    لم يغفل شارل دوفوكو العلاقة التي كانت قائمة بين قبائل غياتة وبين مدينة تازة تلك العلاقة القائمة أساسا على النهب والسطو على كل ما هو موجود في المدينة وذلك بالعنف الذي تستعمله هذه القبائل ، فهم وحسب تعبير دوفوكو يعاملون هذه المدينة معاملة الأراضي المحتلة ، فيسلبون عنوة كل ما يروقهم ، ويسفكون ساعتها دماء من لا يمتثل لأوامرهم عن طيب خاطر . الأبعد من ذلك أن قبائل غياتة تفرض حصارا على أهل المدينة بحيث لا احد يتجرأ مغادرة المدينة (12)، أما فيما يخص المياه فأهل المدينة لا يستطيع احدهم أن يستفيد من مياه واد تازة لان غياتة يقومون بجلب الماء إلى المدينة لبيعه . إن هذه الصورة التي حاول شارل دوفوكو أن يبلورها حول علاقة قبائل غياتة بمدينة تازة تجسد فكرته حول بلاد المخزن وبلاد السيبة ، بحيث تندرج هذه المناطق ضمن ما يسمى بلاد السيبة ، لان المخزن لم يستطع أن يسيطر على الوضع الأمني وبالتالي عدميته على مستوى الساحة لخلق الأمن والاستقرار إلى درجة أن الناس الذين يعيشون في هذه المناطق ينتظرون بفارغ الصبر دخول الفرنسيين لتحقيق الأمن وتخليصهم من قبائل غياتة .

    من مكناس إلى بجعد .

    سوف لن نخوض هنا في رحلة شارل دوفوكو إلى بجعد لكن يستوقفنا هنا مسألة الأولياء ودورهم في الحياة الاجتماعية خلال هذه المرحلة . ففي منطقة تادلة بصفة عامة وكما يقول السكان " هنا لا سلطان ولا مخزن ، لا احد آخر إلا الله وسيدي بن داود "(13) إذن هذه العبارة كافية لفهم النظام القائم في هذه المنطقة التي يمكن أن ندرجها من خلال هذه العبارة ضمن " بلاد السيبة " كما جاء بذلك شارل دوفوكو لكن ألا يمكن أن نقول أن القبائل المنضوية تحت هذا الولي الصالح بأنها تنظم نفسها بنفسها ، صحيح أن صراعات عدة تنشب بين هذه القبائل لكن توحدها أتناء الصراع مع الأجنبي يفند فكرة بلاد السيبة ، فالصراع قائم دائما من اجل البقاء خاصة وأن ندرت الموارد داخل هذه القبائل غالبا ما يكون السبب في نشوب الصراعات (14)، وكعودة إلى الولي الصالح سيدي بن داود نسجل أن الزوار يأتون من كل فج عميق بحثا عن تبريكات " السيد " ، يأتون ومعهم الهدايا، وغالبا ما تكون من القمح أو البعير، وللإشارة هنا أن الزوار يكثرون يوم الخميس. ص 52 لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق . ما هو أصل هذا السيد ؟ فهو بعيد عن كل ما نسمعه من أصل ونسب الأولياء لكن لا يقل أهمية إذ ينتمي إلى سلالة عمر بن الخطاب بحيث استقر أجداده بالمغرب منذ 3 قرون ونصف فحصلوا بسرعة نظرا لمزاياهم الأخلاقية وأيضا لأصلهم المعروف والشريف على التوقير والاحترام الذي يتمتع بهما السيد سيدي بن داود .

    حركة السلطان في تادلة سنة 1883

    كان السلطان مولاي الحسن يقود حملات ضد قبائل قوية جدا فيتعذر إخضاعها لسلطته ولكنها في نفس الوقت شديدة الضعف أو التفرقة ، فالسلطان يسعى إلى بسط السيطرة على بعض من قبائل تادلة وإخضاعها لكن تحركاته هذه ليست بالضرورة ايجابية ففي بعض الأحيان لا يستطيع أن يحقق مبتغاة خاصة عندما يتعلق الأمر بقبائل ذات عصبية قوية وذات نفوذ واسع وهو شأن قبائل غياتة التي لم يستطع السلطان أن يهزهما ، ولا يختلف الأمر عن بعض قبائل تادلة خاصة منهم الرحل الذين اكتفوا بجمع خيامهم وابتعدوا من جبل ايت سري إلى جبا ل زيان ، حيث أصبحت في مأمن ليبقى السلطان وحيدا مع جيشه يتجول وسط السهل الخالي فباءت حركته هذه بالفشل . لكن ما يميز سياسة السلطان خلال هذه المرحلة هي عملية تجديد الحركات والاعتماد على القياد الذين يسهلون عملية جمع الضرائب، فإذا كان السلطان فشل في محاولته الأولى في جمع ما يكفي من الأموال من قبائل تادلة الرحل فانه استطاع من هزم وصد مقاومة بعض القبائل الأخرى وتتمثل بالأساس في البراكسة هذه الفخدة التي رفضت أداء أية مساهمة مالية . فقامت الحرب بينها وبين السلطان فانتهت بانهزام فخدة البراكسة والاستيلاء على قصبتهم وهدم أسوارهم، وقطعت رؤوسهم وادخلوا السجون (15).

    إن الدعم الذي يتلقاه السلطان من طرف القبائل الخاضعة والمنضوية تحت بلاد المخزن ساعدته في إلحاق الهزيمة على العديد من القبائل ، لكن الملاحظ أن القبائل التي تكون مدعمة للمخزن هي نفسها تنقلب تارة أخرى عليه ويرجع ذلك إلى نفاذ صبرها من اللاهتمام التي تحضى به ، علاوة على الضغط الذي يمارسه المخزن عليها من ثقل في الضرائب وعدم نعمهم بالأمن الأبعد من ذلك سلطة القياد ، كل هذه العوامل ساهمت في خلق نوع من التمرد لدى هذه القبائل .

    الخاتمة:

    لقد كان للرحلة التي قام بها شارل دوفوكو العديد من المزايا، خاصة انه زار مناطق لم يتم دراستها بعد من طرف باحثين سابقين مما أعطى لدراسته هذه نكهة خاصة ، إذ استطاع بفضل ذكائه أن يربط العديد من العلاقات سواء مع شرفاء من الزوايا أو مع أشخاص عاديين لهم من الجاه ما ينفعه لتسهيل أمره . هذا إلى جانب الخدمة التي قدمها اليهود المغاربة خاصة المرد وشي ، بحيث رافقه في أطوار هذه الرحلة ، ولقد حاول شارل دوفوكو أن يعكس المجتمع المغربي على ضوء منهج الملاحظة بالتعايش بحيث سمحت له الفرصة أن يتعايش مع المغاربة على الرغم من انه لم يكن مقتنعا بإمكانية ذلك ، خاصة ما تعرض له من شتم وسب اثر مروره ببعض المناطق لكنه اكتشف فيما بعد أن المغاربة لا يحقدون عليه باعتباره رجل مسيحي أجنبي و لكن باعتباره جاسوس المستعمر الفرنسي الذي يريد الهيمنة على منطقتهم ، لكن مهما كان هذا وذاك فشارل دوفوكو المتأثر بإيديولوجيته الاستعمارية من جهة والمعتقدات المسيحية من جهة ثانية شكلت نقطة تقاطع بين اعتباره أن المغاربة متعصبون دينيا خاصة عند تعرضه للسب والشتم إلى جانب المعاملة التي كان اليهود المغاربة يعاملون بها ، ثم اعتباره المغاربة متسامحون ويرغبون في دخول فرنسا لحمايتهم عندما سمع مسلمون وهم ينتظرون فرنسا أن تحقق لهم الأمن مثلما فعلت في تلمسان .

    إذا، لا نخفي اديولوجية شارل دوفوكو التي حاول غير ما مرة أن يسقطها على دراسته هذه وعلى سبيل التأكيد نجده وعلى غرار ثنائية بلاد المخزن وبلاد السيبة يرد غير ما مرة مسألة الأمن والتجزؤ الحاصل بين القبائل والصراع القائم بين المخزن والقبائل إلى غير ذلك من الملاحظات التي يستشف منها اديولوجية استعمارية يرمي من ورائها شرعنت أو للتهيئ إن صح التعبير ، لأرض خصبة للتغلغل الفرنسي وإيجاد منافذ سهلة للسيطرة على المغرب . نسجل كذلك أن شارل دوفوكو في مساره كان يقوم بتسجيل العلو الذي تمتاز به الجبال والطرق التي كان يعبرها ثم مناطق الأنهار وتحديد الأماكن والجو المحيط بها و هدا دليل على الأهداف الاستعمارية من وراء دراسته هده.

    ما يعاب على الدراسة كذلك أنها دراسة اثنوغرافية لم يكون لها إطار نظري حتى تكون دراسة بكل المعايير فاكتفاء شارل دوفوكو بالملاحظة المعايشة لم يمكنه من الإحاطة بالبنيات التقليدية التي تشكل النواة الأساسية للتنظيم القبلي .

    وبالمقابل لا يمكن أن ننكر قيمة هذه الدراسة لما حاولت أن تقدمه من معطيات حول المجتمع المغربي خلال فترة ما قبل الحماية والتي تنقل لنا صورة مميزة على المجتمع المغربي الخ . إلى درجة أن شارل دوفوكو انبهر بجمال بعض المناطق التي جعلته يغني بها بعبارات شعرية . وهذا الانبهار يرجع إلى 1883.

    فهل يا ترى تحافظ المدن والقرى المغربية بهذا الجمال مع مرور قرن من الزمان لعلنا نكتشف ذلك في المستقبل القريب.



    المراجع:


    1) الدهان ، محمد ، العلم و الاديولوجية في الأنتروبولوجية الاستعمارية بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في علم الاجتماع 1992/1993 غير منشورة ص 16
    2) نفس المرجع السابق ص 17
    3) Charles de foucouldt, reconnaissance au Maroc parais 1988 P, 4
    4) العلم و الاديولوجية : نفس المرجع السابق ص 23
    5) مجموعة باحثين ، الأنتروبولوجيا و التاريخ حالة المغرب العربي ترجمة محمد السبتي وعبدالله الفلق الطبعة الثانية 2007ص 123
    6) Charles de foucouldt, reconnaissance au Maroc parais 1988 P, 5
    7) Charles cde foucouldt : نفس المرجع السابق ص : 6
    8) Charles cde foucouldt : نفس المرجع السابق : 7
    9) Charles cde foucouldt : نفس المرجع السابق : 8
    10) Charles cde foucouldt : نفس المرجع السابق : 13
    11) Charles cde foucouldt : نفس المرجع السابق : 19
    12) Charles cde foucouldt: نفس المرجع السابق : 32
    13) Charles cde foucouldt: نفس المرجع السابق : 43
    14) Charles cde foucouldt: نفس المرجع السابق : 42



    .
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    raymond bastide
    السوسيولوجية القروية
    الجزء الأول

    انجاز الطلبة الباحثين:
    عبدالزهر بامحمي
    ياسين يسني
    عصام الرجواني
    يونس الحياني


    مدخل

    تعتبر القرية وحدة تنظيم لا يمكن عزلها تماما عن الظروف العامة التي يعيش جزء هام منها داخل نسق كلياني مرتبط بالاتجاهات العامة للثقافة الكلية السائدة في المجتمع الذي عرف بدوره العديد من التحولات البنيوية على كافة المستويات انها تحولات كمية و كيفية تؤشر على سيرورة التغير الاجتماعي في المجتمع؛ فالقرية والمدينة نسقين مترابطين سواء على المستوى المفهومي أو على المستوى العملي، خاصة بالنظرالى النصف الثاني من القرن 20 لكن هذا لا يعني أن التساؤلات المطروحة حولا العلاقة بين القرية والمدينة بالجديدة، حيث أن المطلعين بالفكر القديم يصرون منذ وقت طويل على إزالة كل اختلاف بين الواقعين، خاصة منه ما هو ذو طبيعة جغرافية، أو اقتصادية فماركس مثلا يرى في العمل الفعل الذي عبره ينتج الناس أنفسهم، بتحيينهم لجميع قدراتهم والفصل بين العمل اليدوي والعمل الذي يعتمد على الفكر، وكذا بين الأنشطة الصناعية والزراعية وهو أيضا فطن لأسس تقسيم المجتمع إلى طبقات وبالتالي حاجيات الناس ووظائف المجموعات، في حين يرى البعض الأخرأن زحف المدن على القرى، يشكل تهديدا لـ " واقع " القرية نفسها و على التقافة المحلية بالنسبة لكل القرويين و هو الشأن نفسه بالنسبة للزراعة والصناعة داخل المنطقة القروية . فهدا التمازج بين القرية والمدينة، أصبح مترجما للضغط المتولد عن اللحظة التي تم فيها الغزو لصالح جهة على حساب أخرى، بحيث نتج عنه تعظيم التقدم التقني لهذه، وإبراز الطابع الجامد للنشاط الزراعي لتلك ، اما بالنسبة لأنماط العيش والمواقف و التنظيمات الاجتماعية؛ فكلها تتجه الى تعظيم التقافة الجديدة والاحساس بالدونية تجاه التقافة التقليدية.

    الفصل الأول

    La représentation rurale de la ville​

    القرويون لهم تمثلاتهم الخاصة للواقع الحضري ،فهم يعرفون المدينة ادواتيا أي أنهم يعرفونها إنطلاقا من نشاطاتها ومنفعتها .هذا التمثل الاجتماعي للمدينة مرتبط بعلاقة الهيمنة التي تجمع بين القروي والحضري، هيمنة الحضري على القروي التي تتمظهر في صراعات صور وقيم ،هذا ما يفسر رفض أو قبول القروي مجموعة من التحولات.

    I. L’image sociale de la ville​

    ماذا تعني المدينة بالنسبة للقروي؟. واقع مؤلف وغامض.
    مميزات المدينة بالنسبة للقروي مجال للنشاطات الاقتصادية والاستهلاك ولربح الأموال.
    الحياة اليومية في المدينة صعبة
    مجال ثقافي
    تميز المدينة بالحرية، والتطور.
    تعلم المهنة.
    الأراء العفوية:
    القرويون يتـأرجحون ما بين تمثلهم للمدينة بين ما هو نفسي وإقتصادي.
    المدينة مكان للتعليم:المدينة بالنسبة للمجتمع القروي لها ميزتين أساسيتين التعلم والعمل.
    تمثل القروي للمدينة يتمحور حول مفهومين:

    * المدينة إنسانية:
    التنوع المهني/الفكر المنفتح.
    الراحة في السكن / قلة الأخطار.

    * لا إنسانية:

    العزلة /أزمة السكن/ التفكك الأسري/الضجيج/الأخطار الصحية.

    II. les fonctions replies par l’image​


    - القرويون يعتبرون أن المدينة تفتقد للحرية والراحة النفسية.

    -صورة المدينة يمكن تلخيصها في العمل والتعليم اللذان ساهما بشكل كبير في تغيير الثقافة القروية.كما أنهما يحيلان على فكرة بحث القرويين على تنظيم جديد لمجتمع مختلف.الإنفتاح الفكري،قلة الإنعزال والحوار.

    - المجتمع القروي يعرف إنطلاقا من التمثلات المبلورة حول المجتمع الحضري ونتيجة ذلك نظرة مؤلفة للمجتمع القروي ،الصورة التي يكونها القرويون حول المدينة هي صورة نفسية وإنتقائية.

    النساء والشباب هم من يتقبلون سيرورة التحضر على إعتبار أن هذه الفئات المتهورة.والأقل إشباعا لحاجاتهم.

    - هذه سيرورة التحضر للمجتمع القروي يعني ذاته ويعترف بأنها دونية مقارنة مع المدينة وهذا الوعي مرتبط بحاجات القرية المشبعة خاصة العمل والتعليم ،المجتمع يتحضر عندما تنتج عنده صورة حول المدينة والتي يستعملها كدليل يوجهه نحو إتجاهات وسلوكات معينة.ففهم القرية مرتبط بفهم المدينة.

    الفصل التاني :

    L’évolution de travail agraire

    في خضم التحولات والاستقرار فالعمل يحتل مكانة مركزية داخل المجتمع القروي وتحت تأثير التصنيع ولتحفظ المزارعين يرفضون بعض الممارسة المهنية كما أنهم يعملون على تغير بعضها أو بلورة تمثلات جديدة للعمل أو قبوله بطريقة لطمئنة بعضها.

    بالنسبة للقرويين وخاصة الشباب منهم ،المدينة تعتبر مجالا مهنيا بامتياز فالطابع المهني للمدينة بالنسبة لهم هو أول العوامل المفسرة للنزوح القروي فصورة المدينة لدى القرويين أعاد النظر في الفهم التقليدي للانشغالات المهنية داخل المجال القروي،وهذا طابع أساسي مميز لسيرورة التحضر التي تعرفها القرية لكن ورغم المعيقات الجغرافية الطبيعية المرتبطة بالأرض وكذا المعيقات الاجتماعية الناتجة عن نزوح الشباب والاقتصادية الناتجة عن ضعف المردودية الزراعية فالقرويون لا زالوامتشبتين بالعمل الزراعي كما أنهم يستشرفون له مستقبلا زاهرا هذه الرؤية المتفائلة للعمل الزراعي راجعة بالأساس لنوع من المقاومة التي تتمظهر في تشبت الجيل الأول وكذا عدد المزارعين الكثيرين بالعمل الزراعي.

    I. La libération du temps​

    بالنسبة للقرويين ،المدينة مجال منتج لفرص العمل كما أنه عمل يترك للعامل هوامش الحرية عكس الاعمال القروية التي تشغل حيزا زمنيا مهما.لكن القرويين يبدون رغم ذلك تفضيلا مهما للعمل القروي حيث لا مراقب ولا مدير يمارس عليهم سلطتهم فهم المسؤولون عن أعمالهم وساعات عملهم ومن هنا يمكننا استنتاج إتجاهين قرويين متعارضين حول العمل في طبعته الحضرية.


    1- le travaille est (personnage) omniprésent ​


    المجتمع القروي في خطاباته وممارساته يتمثل العمل الزراعي كشخص دو سيادة يفرض ويتحكم في كل الامور وهو يحتل في الحياة اليومية مكانة مركزية فكوجيطو القروي" أنا أعمل أنا موجود " فالعمل بالنسبة للقروي هو هدف في حد ذاته ففي إقتصاد الكفاف يعرف نفسه كعامل ومستهلك لكل منتوجه الزراعي.

    أما بالنبسة للنساء العمل المنزلي والعمل الزراعي هما وجهان لعملة واحدة أي يحملان نفس المشاق و الإلزامية فالمجتمع القروي يفضل المرأة العاملة ، ففي الزواج غالبا ما يتم إختيار المرأة إنطلاقا من معيار قدرتها على العمل وتروثها الارضية لكنها ورغم دورها المحوري في العمل الزراعي لا تتمثل نفسها كعاملة بل كربة بيت بالدرجة الاولى بينما يحتكرالرجل كل العلاقات المتعلقة بالعالم الخارجي كالمسؤوليات الاجتماعية . من هنا تنطلق تمثلات المرأة للعالم الحضري فالمدينة بالنسبة لهن مجال يضعف فيه إحساس بالوحدة مقارنة مع القرية كما أنه من السهل على المرأة الخروج إلى المجال العام كزيارة المحلات والتحدث مع الأصدقاء .


    Un travaille qui est du Bricolage-2​


    سيرورة التحضر غيرت تمثلات بعض المجموعات القروية للعمل الزراعي من قيمة اجتماعية ذات خطوة إلى هذا التمثل يجد جدوره في مردودية بعض المشارات الضعيفة والتنوع الزراعي في الاعمال البسيطة كزراعة القمح ،تربية الماشية والدواجن...هذه الأزمة التي يعرفها المزارع نجدها حتى في علاقاته الاجتماعية بين مجموعتين:مجموعة تعبر عن إرادتها في التغيير وأخرى تعبر عن المحافظة ومن هنا يمكننا فهم النظرة السلبية التي أضحى المزارع يرى بها عمله ،هذا الوعي يفدي مرحلة أساسية في صيرورة لتطور العمل في المجال القروي حيث أن أهداف هذا الاخير أضحت تتجاوز الوسائل والادوات المتاحة.

    3- Temps et travail​

    يعرف المجتمع القروي الزمن بالعمل فطبيعة العمل ومشاقه هي مقياس ساعات العمل اليومي. يرى القرويون أن الطبيعة هي من تحدد أوقات عملهم وليس رب العمل كما هو الحال في المدن كما أن القروي يرفض الخضوع للزمن، رفض يعبر عنه مثلا في حرصه على الوصول متأخرا في كل لقاءاته واجتماعاتهم إنه رفض اجتماعي للزمن فهم يرفضون العصرنة لانها تحمل معها تقنيات تقضي على العمل وتشجع على الكسل كقنينات الغاز التي عوضت حطب الخشب . فالتاريخ أو الماضي له قيمة أكبر من الزمن فهو يختزن الذاكرة الجماعية.


    4- la contrainte de les expérience​



    القرويون يتمثلون المستقبل كواقع يفتقر لضمانات لدى فعلاقتهم به هي علاقة حيطة وحذر فالمرور من الحاضر إلى المستقبل أو رفضه يتم في حالة من الاضطراب والحيطة من كل أشكال المغامرة لكن الواقع الذي تعيشه القرية في إطار علاقتها بالمدينة وسيرورة التحضر الذي تعرفه يجعلها تتقبل بطريقة تدريجية مفهوم المخاطرة فالقرية اليوم أكثر من أي وقت مضى منفتحة عن المثيرات القادمة من المدينة والتي تأخذ شكل رغبات وحاجات . كالرغبة في التمدرس ،السياقة ،الصحافة والمذياع . قبول المخاطرة بالنسبة للقرويين خطوة مهمة من أجل تحقيق تحولات عميقة ويمكن إجمال هذه المخاطرات في:

    التخصص ،البطالة،المهنة،التمدرس،التكوين المهني .إرادة التغيير هذه تصطدم بمقاومة شديدة من طرف الثقافة القروية السائدة خاصة عند المزارعين. المهن الجديدة التي ستغزوا القرية والعلاقات ستساهم بشكل كبير في خلق تراتبية جديدة داخل القرية قائمة على اللامساوة وبهذا فالمساواة التي تعمل الثقافة القروية على الحفاظ عليها ستترك مع سيرورة التحضر مكانها للفوارق الاجتماعية،أما الجماعات داخل القرية. وبفعل هذه المهن الجديدة المستوردة من المدينة سيتخلون عن علاقاتهم الشخصية لحساب علاقات موضوعية.


    III. du travail pour le travail au travail pour l’argent​


    في خضم حركتها وبحثها عن هوامش حرية أوسع عن طريق قبول مفهوم اللاعمل سيعطي المجتمع القروي للعمل منحا اخرى وغايات اخرى فالعمل اضحى غايته ربح المال. وبهذا سيتخلى العمل داخل القرية عن هدفه الاسمى الا وهو العمل من أجل العمل،إلا أنه وجبت الاشارة الى أن العمل من أجل العمل من أجل ربح المال ليس بالشيء الجديد لكن الجديد في الامر هو أن يصبح المال في حد ذاته رمزا للحرية والحضوة الاجتماعية والثروة الاقتصادية والاستقلال عن العائلة وعن استقلالها ونسج علاقات جديدة مع السلف وخاصة الاباء. أهمية التعامل النقدي ستترجم الى مجموعة من الامثال الشعبية كنحن نعرف مالديك ولا نعرفك انت.

    La représentation monétaire de produit de travail-1​


    المال لم يعد خاضعا لمنتوج العمل فقط بل كذلك للمرحلة الزمنية التي سيربح فيها ففي الماضي كان الهدف من ربح المال هو تخزينه كما أن استعماله كان محدودا لكن ومع التحضر الذي يعرفه المجتمع القروي خاصة ظهور اعمال منتجة لبضائع أو مهن مأجورة فالقروي يتخلى عن اقتصاد الكفاف المميز للمجتمع القروي بينما المدينة هي من يتكلف بصك ( إنتاج ) النقد،فكون المدينة منبعا للنقد فهي محفز قوي لنزوح القرويين. الرغبة في ربح المال تأخذ عدة أشكال داخل المجتمع القروي كالبحث عن العمل المأجور، إن الاجرة عامل بإمكانه خلخلة المجتمع القروي فهي بالنسبة للقرويين تعني ضمانة إجتماعية هذا يعطي بالنسبة للقرويين أفضلية العمل بالمدينة فإلى جانب الأجرة القارة هناك أوقات حرة تقاعد ،الضمان الاجتماعي ،التأمين الصحي.


    2- Les nouveau modes de pensé économique​


    العمل الحضري و الأجرة لا يغزوان العالم كنقيض للعمل الزراعي بل تعزز وجود هما كالمحاسبة أما غيابهما عند المزارعين يمكن تفسيرها انطلاقا من طبيعة عملهم المرتبطة بالأرض كما أنهم يؤكدون أنهم ليسو في حاجة إليها فمعرفتهم حدسية و تقريبية إن رفض المحاسبة يجب فهمه كذلك كمقاومة لكل ما يمكنه أن يعكس ضعف مرد ودية العمل الزراعي , و بدلك تقوية الإحساس بدونية العمل الزراعي و من تمت دونية المزارعين الاجتماعي ما قلناه عن رفض المحاسبة يمكن تعميمه كذلك على الاقتراض كممارسة حضرية دخيلة على المجتمع القروي فالاقتراض بالنسبة للقروي معناه التشكيك في مرد ودية العمل الزراعي في قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي.


    IV. Du travail agraire du métier ​


    فالمهنة هي استقلال الجماعة فهي بالنسبة للشباب القروي اختيار حر لكن ورغم هذه الرغبة الجامحة في امتهان عمل ذو طبيعة حضرية أو النزوح إلى المدينة بحثا عنه . يصطدم الشباب بضعف تكوينهم المهني وهذا ما يفسر الاستمرار القوي للعمل الزراعي داخل المجتمع القروي .

    ضعف معدلات التمدرس داخل المجال القروي يمكن فهمه كمقاومة وكرفض للتغيير على مستوى الخلية الأسرية والتوزيع التقليدي للمجتمع بين الذكور والإناث كما أن التمدرس يهدد الثقافة القروية السائدة حيث إن الرغبة في المهنة خاصة لدى الشباب والنساء هو أولا وقبل كل شيء رفض للثقافة السائدة وللعمل الزراعي .

    V. travail agraire et échec social ​

    فعندما تنتقل المدينة للقرية صورة العامل الأمثل فإننا ندخلها مرحلة تثاقفية حاسمة حيث أنها تنقل لها نسقا اجتماعيا واقتصاديا غريبا عنها وغير مكيف مع واقعها أي أنها تجعلها في حالة أزمة .

    وأقصى درجات هذه الأزمة هو رفض العمل الزراعي والبحث عن التكوين المهني بحيث يمكن من امتهان حرف جديدة ومن هنا تأتي ضرورة التمدرس داخل المجال القروي .


    الفصل الثالت

    Ecole et urbanisation​

    المجتمع العصري يربطه بشكل وثيق العمل بالتمدرس فجوهر التنمية محكوم بتطبيق ما هو علمي في عملية الإنتاج وعلى هدا الأساس فالتعليم هو العامل وشرط من شروط التقدم والرقي الاقتصادي والاجتماعي ولهدا فالمجتمع القروي كمجتمع يعرف تأخر ملحوظا فيما يخص التقدم والتنمية مقارنة بالمجتمع الحضري فهو يسعى لاستثمار هده العلاقة الوثيقة التي تجعل التعلم بالتقدم .

    1- culture sociale et mobilité​

    التعليم الثانوي والتقني يدمج القروي في سيرورة حراك مهني ثقافي ومجالي معقد فالتحضر يضع أولا اختلافا عميقا بين العاملين والمتمدرسين،ثانيا يدفع القرويين لتقليد الحضريين في سلوكاتهم لكن ورغم سيرورة التحضرهذه فالقرويون يولون اهتماما ضعيفا للتمدرس وهذا ما يتمخض عنه أولا الدخول المبكر لعالم الشغل ثانيا قبول بطالة الشباب. ان ضعف التمدرس هدا يمكن فهمه كرد فعل اجتماعي وكمقاومة من طرف المجتمع القروي للتحضر حفاظا على العمل الزراعي يعني المساهمة في إعادة إنتاج نفس النظام الاجتماعي وكذا إضعاف الحراك الثقافي المجالي المهني وبما أن المدينة هي المنتج الأول للمهن فالتحضر يحاول تطوير توجهات مهنية متماهية ومكيفة مع مشاريع المجتمع القروي المستقبلية .

    II. Le risque d’un échec essentiel : celui du projet professionnel​

    إن المجتمع القروي يمنح العمل أهمية قصوى وهذا ما يفرض على الشباب إطارا مرجعيا يقومون من خلاله ببلورة مستقبلهم والصورة التي يحملونها عن أنفسهم إلا إن مشاريعهم المهنية غالبا ما تنحصر في مهن متخصصة في البناء أو الزراعة وغالبا ما يختص القرويون في مهنة ذات طبيعة عصرية فالمهن التي تقوم على أساس نشاطات فكرية بالنسبة لهم ليست عملا وهي نوع من الكسل. إن العمل الزراعي في مقاومة مستمرة للتمدرس عن طريق توجيه شباب القرية نحو الحرف اليدوية المرتبطة إما بالبناء أو الأرض كما أن هذا الاختيار المهني يفسر لنا ارتباط القرويين بالطبيعة عن الاهتمام بالعمل اليدوي الزراعي ورفض المهن التي تقوم على أساس النشاطات العقلية والمرتبطة بالثقافة.

    III. l’enseignement est acculturation ​

    التمدرس القروي يعني انفتاح على ثقافات حضرية و المدرسة ببرامجها التربوية والتعليمية ذات الطبيعة الحضرية بالدرجة الأولى تعكس سلوكات وتمثلات سكان المدينة ،إن العلاقة التي يسجلها القروي بالمدرسة هي علاقة مع الأخر الأجنبي إن المدرسة بالنسبة للقروي تجربة اجتتات ثقافي لشخص دوني اجتماعيا مقارنة بالحضري إن ضعف مردودية المدرسة الابتدائية القروية يمكن أن ترجع إلى مجموعة من العوامل أهمها عدم توافق مناهج المدرسة البيداغوجية مع المجال القروي.

    Les modèles d’existence urbaine effuses par l’école​

    رغم ما تتميز به المدينة من غنى اقتصادي فهي تفتقر للغنى النفسي الفسيولوجي الذي يتمتع به القرويين داخل المجال القروي ، إن الارتباط بالأرض تشبت واعي بالأهل والعائلة والعادات و بالعمل الزراعي خاصة بعد تفاعل القرويين مع المدينة وخاصة من خلال إغراءاتها الاقتصادية فالأهمية التي يعطيها القروي للحرفة هي محاولة توفيق بين الغنى الاقتصادي للمدينة والغنى السوسيوعاطفي للقرية إن اهتمام القروي بالحرفة سيغير تمثله للزمن كما أنه سيتخلى عن الزمن الزراعي من خلال الاهتمام بالمستقبل.


    الفصل الرابع

    Une expression de la société urbaine : le journal​

    داخل المجتمعات الحضرية تتبوأ الصحافة مكانة مهمة فالجريدة مثلا بالنسبة للقروي هي حضور يومي للمدينة، إلا أن القروي يهتم أكثر بما يحصل داخل جماعته ومحيطها وكل ما ابتعدت المعطيات الصحافية كلما قل اهتمامه بها لكن ورغم جغرافية ذلك تبقى الجريدة عادة حضرية بامتياز فقراءة الجرائد تبقى عادة هامشية داخل القرى خاصة بالنسبة للمزارعين وهذا ما يفسر لنا عدم حاجة القرويين للتواصل وكذا ضعف فاعلية وسائل الإعلام داخل المجال القروي وكذا قدرة القرويين على التجريد واهتمامهم أكثر بما هو ملموس ، حيث من الصعب على القروي فهم خبر مجرد عن طريق الكتابة.

    I. Les formes de transmission du message urbaine​

    من خلال الجريدة تظهر المدينة كمجال ذو أفضلية مقارنة مع القرية فهي تعرف عن نفسها وتتواصل من خلال الكتابة أي عن طريق ما هو مجرد إنها مختلفة عن القرية. إن عدم القدرة على فهم ما هو مجرد يفسر لنا لماذا تعتمد الجريدة القروية على الصورة كأفضل وسيلة لتبرير خطابها ومعلوماتها داخل المجال القروي فحتى غرابة الأحداث التي تقدمها الجريدة للقرية عن المدينة تدفع بعض الصحفيين لتبسيطها وتسهيل فهمها من طرف القروي من خلال الاعتماد على الصورة كما أن القرية بالنسبة للمدينة هي أولا وقبل كل شيء واقع مجالي. تقدم القرية من خلا ل صورة يحيلنا أيضا على فهمها كمجال اقتصادي أي كمعطى تجاري حضري وهذا ما يفسر لنا اختلاف كمية المعلومات وغزارتها حسب شهور السنة حيث تصبح القرية وجهة سياسية نظرا للتساقطات التلجية التي تعرف خلال هذه الفترة والتي تستثمر في النشاطات الرياضية كالتزلج. بينما تتراجع أهميتها وغزارة المعلومات حولها خلال شهر شتنبر وأكتوبر أي خلال الدخول المدرسي والرياضي المرتبط بالمجال الحضري.

    II. l’action de la société urbaine a travers la presse​


    المدينة أولا وقبل كل شيء سوق تجارية يجب أن تنظم نفسها بنفسها وتخلق لها زبناء لدى فهي تقدم نفسها بنفسها من خلال الصحافة كمجال لاستهلاك منتوجاتها وخدمتها هذه المهمة التي تنيطها الصحافة بالإشهار. وإذا كان هذا الأخير ضرورة اقتصادية بالنسبة للمدينة فهو غائب عن القرية كمجال لبيع منتجاتها.

    فالسينما لا تلقي اهتماما داخل المجال القروي نظرا لعائقين اثنين الأول فسيولوجي عدم قدرة القروي متابعة الأفلام حتى نهايتها بسبب (النوم ) والعائق الثاني هو عائق فطري عدم قدرة فهم القروي لقصة الفلم ، أما في ما يخص الإعلانات التجارية فهي تخص الحياة اليومية الحضرية .وهي بعيدة كل البعد عن الحياة اليومية القروية فمن خلال الصحافة اليومية تنشر المدينة داخل القرية ثقافة بعيدة كل البعد عن الثقافة الاستهلاكية السائدة داخل المجال القروي والمتميزة بالكتمان وقلة المصاريف إلا أنه وبشكل تدريجي استطاعت الجريدة أن تثير لذى القرويين الرغبة في الاستهلاك وهذا ما يدفع بعض القرويين للتزوج أو تغيير المهنة .

    2-un besoin social : consolider l’individualité de chacun ​

    الاستهلاك يعني إشباع رغبات متزايدة ذات طابع فرداني لدى فالمجتمع الحضري يكلف الصحافة بمهمة فردنة القرويين فهي تعطي لكل قروي فرصته في الشهرة حيث تخبر عن الوفيات وعن حفلات الزواج والتكريم والحوادث والأعمال البطولية والخبرية هي أخبار ذات طابع ذكوري .

    La presse facilite l’association volontaire.3​

    الجمعيات التطوعية هي ظاهرة حضرية بامتياز كما أن الصحافة تهتم بنشاطاتها وخاصة منها الرياضية كما أن المدينة تعير اهتماما أكبر للجمعيات التطوعية مقارنة بالقرية نظرا لأعداد منخرطيها رغم ذلك فالجمعيات التطوعية تلعب دورا مهما داخل المجال القروي حيث أنها تساهم في الزيادة من وثيرة تحضر القرية عن طريق نقل الثقافة الحضرية عن طريق المدينة .

    4- la connivence entre la ville le sport et la presse​

    تخصص المدينة في التعريف بنفسها مكانة مهمة للهوايات والوقت الثالث فالصورة التي تقدمها المدينة عن القرية تمنح الأولوية للرياضة فهناك علاقة وثيقة بين الرياضة والمدينة إنها علاقة حب قوي وولوج الرياضة إلى المجال القروي عن طريق الجريدة سمح لمجموعة من المفاهيم بالاندماج داخل الثقافة القروية كالمنافسة- حلاوة الربح، مرارة الخاسر، الروح الرياضية، احترام قوانين اللعب التي تحاول المدينة نقلها للقرية عبر الصحافة هي ذات طابع ذكوري ،كما أنها تعبر عن تمركز اثني حول المجتمع الحضري فالقرية ليست سوى محتضن لبعض النشاطات الرياضية.


    III. le journal provoque des mutations anthropologie​


    مهمة الجريدة هي رفض علاقة دائمة بين المدينة والقرية وتقريب ثقافتي هذين المجتمعين بعضهما البعض إلا أن المدينة هي من تهيمن في هذه العلاقة حيث أنها عن طريق الجريدة ترسم وجها آخر للقرية ،وجها على مقايس حاجاتها كما أن الاهتمام المتزايد بالجريدة من طرف القرويين يفسر لنا حاجاتهم للتواصل والإعلام وتبعيتهم للمدينة ، فالجريدة عامل مساهم في تفسير سلوكات خطابات القرويين لكي يتكيفوا مع المجتمع الحديث مجتمع استهلاكي كما أنها تساهم في ثورة الشباب وتخليهم عن العمل الزراعي.



    .
     
    آخر تعديل: ‏17/10/14
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    raymond bastide
    السوسيولوجية القروية
    الجزء الثاني


    انجاز الطلبة الباحثين:
    عبدالزهر بامحمي
    ياسين يسني
    عصام الرجواني
    يونس الحياني



    الفصل الخامس

    Un nouveau type d’urbanisation : le tourisme​


    ان ما ما يميز المجتمع القروي هو ارتباطه الوثيق بالمدينة و كل مجالاتها التي تأثر في نمط عيشهم خاصة التثاقف الذي يحصل عند انتقال بعض الأنماط الحضرية الى القرية عن طريق الاحتكاك و في هذا السياق يمكن الحديث عن السياحة كمناسبة للاحتكاك بين القرية و المدينة فالسياحة خاصة منها الجماعية بالنسبة للقرويين تحمل دلالات مهمة فهي بالنسبة لهم حدث اجتماعي أولا و قبل كل شيئ، فمن خلالها يستغلون الفرصة في الاطلاع على أنماط جديدة للحضريين من جهة ، و الاستفادة على المستوى الاقتصادي من جهة تانية ، هذا بالاضافة للعلاقات المتبادلة التي لا يمكن عزلها عن مجموع تطورات المجتمع الكلياني،اذن ، فالسياحة في هذا السياق بحاجة الى تنظيم مؤسساتي و كذلك موضوع للسياسة الاقتصادية و مع هدا التزايد و الاقبال على السياحة ، كان لابد من تدخل السلطة السياسية لاقتراح مخطط يوازي هدا الاقبال مما من شأنه التشجيع على خلق " المقاولة الصناعية" لإرضاء الحاجيات الأساسية بالنسبة للسياح ومما لاشك فيه أن هذه الظاهرة لها آثار على المجتمع القروي . فعلى المستوى المرفولوجي تخضع البوادي لنظام معماري جديد لأنها ملزمة على تلبية حاجيات و وظائف جديدة ، الى جانب انصياعها لمتتطلبات المدينة ، فمن خلال هدا الانصياع تظهر العديد من التحولات داخل البنيات التقليدية للمجتمع القروي خاصة على المستوى المهني حيث بروز حرف جديدة و مهن دات الطابع الخدماتي بالخصوص مما تمخض عنه ولادة طبقة متوسطة داخل البوادي .

    و بالمقابل فان الغزو الحضري على القرية سيفقدها العديد من مكتسباتها عل اعتبار أنها بعد أن كانت تمثل مورد مهم للحضريين فيما يخص توفيرها للمواد الفلاحية أصبح مجالها خاضعا لرساميل الحضريين الدين يستولون على أراضيهم . و هذا ما يبدي نوع من التخوف لدى للقرويين اتجاه هذا التحضر الذي "يقصيهم " مما يثير ردود أفعال أمام تجريد ممكن لطرق وجود هم ، على اعتبار أن الثورة الفكرية التي يتميز بها الحضريين لا ترافق الوعي بالوسائل الضرورية و لا الثقافة الجديدة المركبة للقرويين.


    I. Dans le tourisme, la société urbaine propose une alternative à la société rurale​


    يحتل العمل الزراعي لدى القرويين مكانة مرموقة سواء من حيث التمثلات الاجتماعية أو على المستوى المؤسساتي ، اذ يسعى دائما الى الحفاض عليها من خلال نمط معين ينهجه القرويون يتماشى و متطلبات الحياة القروية ، و على هذا الأساس تواجه التقافة الحضرية نوع من المقاومة هذه الأخيرة التي تطال حتى بعض المشاريع التي يمكن أن تبوء بالفشل اتر هذه المقاومة. فالعلاقات بين القرية و المدينة تتمظهر من خلال العلاقات الاجتماعية و مدى تحولها لأنها تمثل نقطة حاسمة للتنمية خاصة بالنسبة للقرية.


    1. un modèle pour l’avenir​



    تشكل الهجرة الجماعية للحضريين شكلا مميزا بالنسبة للقرويين ، فالانتقال من القرية الى المدينة من شأنه أن يؤثر من جهة على نمط العيش الجديدة التي يستجلبها الحضريون و كذلك الاصطدام بالأشكال التقليدية المرتبطة بالحياة الزراعية للقرويين ، الذين يصطدمون هم كذلك بالأشكال الفردانية ، و بعض السلوكات المختلفة عن سلوكاتهم بحيث تبدو " غريبة " اذن فمجيئ مثل هذا النسق الجديد سيطرح أمام المجتمع القروي اختيارا غير متجانس في الحاضر قد يؤدي الى اعادة تنظيم مجموعة النسق الاجتماعي، يحاول من خلاله القرويون التوفيق بين تقافتهم و معتقداتهم التقليدية و بين الأنماط الحضرية الجديدة الا أن ما يميز هذه العملية أنها تسير وفق مصالح القرويون و تقاليدهم . و كعودة الى موضوع السياحة يمكن القول أن الأهمية الأساسية الذي يلعبه هذا الميدان في القرية ، هو خلق مهن للنساء أمام صعوبة المجتمع الزراعي.



    2. L’ambiguïté d l’activité de complément et sa fonction​


    لقد أدت التغيرات التي عرفها المجتمع القروي الى ضرورة إعادة التنظيم داخل المجوعات الاجتماعية المهنية المتخصصة، على اعتبار أن المهن الجديدة لم تكن في السابق و بالتالي محاولة تكيفهم مع الواقع الجديد. فالسياحة القروية ستعمل على ارضاء الرغبة المحلية للترابط مع المجتمع الشمولي لأنها لا تنعزل عنه حيث أنها في اتصال مباشر أو غير مباشر مع المدينة، و من و جهة نظر أخرى يسعى القرويون الى محاولة التوفيق بين معتقداتهم والتقافة الجديدة و هذا ما ينتج عنه التناقض في بعض السلوكات . لكن التحضر الذي تعرفه القرى يساهم بشكل كبير في توسيع و اعادة تأهيل الماضي الجماعي ، رغبة منهم لمنافسة الأنشطة التقليدية من أجل ضمان المساواة مع المهاجرين هذا من جهة، و من جهة أخرى فالقرويون و مع تزايد المنافسة الحضرية لهم ، يحاولون الابتكار كمفهوم يخفي الغموض الذي يشير إلى لحظة في المجتمع القروي قادرة على المبادرة التنموية السياحية لمواءمة الأنشطة القديمة و الجديدة أو على الأقل مراقبة التطورات الحالية. لكن المشكل الذي يهدد القرويون هو أنه عندما يدخل التحضر في مرحلة يصبح فيها النموذج الوحيد للتنمية فإنه ينطوي غالبا على التخلي عن النسق الزراعي و هذا ما لا يطيقه القرويون، فالتركيز على التنمية في المجال السياحي يؤدي الى اهمال المجال الزراعي و بالتالي خلق التعارض بينهما .



    II. L’urbanisation crée de nouveaux groupes sociaux​


    من النتائج الأساسية للسياحة أنها خلقت مهن جديدة التي تستوجب بدورها تقسيم العمل و التخصص مما من شأنه بلورت دينامية جديدة للتعايش، لكن سرعان ما تنكشف بعض التعارضات بين القيم المحلية و القيم الناتجة عن التحولات في البنية القروية ، و بتعبير أخر بين الأهداف و القيم القروية ،حيث تنتقض قيمة المحلي و إعادة التنظيم داخل المجتمع في تحول البنية. و نسجل في هدا الصدد أن السن و الجنس يلعبان دورا أساسيا في اختلاف المواقف اتجاه السياحة اذ نجد لدى الشباب أكثر اهتماما لأن قطيعتهم سهلة مع الماضي الجماعي. و العكس بالنسبة لكبار السن . أما في ما يخص النساء فهي المناسبة التي تدعمن فيها مصلحتهن لأنهن في حاجة الى تغيير وجودهن بفضل مهن جديدة تعوضهن عن عملهن الزراعي،هذا بالاظافةالى تكسير العزلة القروية.

    فالتحضر الناتج عن السياحة بالخصوص يؤدي الى التضاد في البنية الشخصية للقرويين فهم من جهة يحسون بالوعي بالدونية و في نفس الوقت تحت مقاومة غامضة تحاول الحماية ومن جهة تانية تسعى للانسجام داخل اقتصاد جديد لاسيما مضاربات الأراضي، و في نفس السياق فالتغلغل الحضري في القرى يخلق نوع من السلطة الاقتصادية التي تميل الى تجريد القرويين من سلطتهم السياسية .

    إن المحطة السياحية بالتأكيد لها حدود إيكولوجية معينة، وترابها الخاص يعتبر بمثابة الحامل للاختلافات الكونية، فلها أيضا تقسيم خاص ممتد في المجال داخل المجتمع الفردي هدفه الأساسي هو وضع تركيز بشري مؤقت يقوم بأنشطة متعددة، لكن طبيعته المؤقتة تجعل من المستحيل قيام تنظيم حضاري مستقل بالمقارنة مع المدينة. لقد نتج عن هذا الانتشار الحضاري داخل المجال القروي تهديم لنظام العلاقات القديمة مع المجال ومع الأسرة ومع القرويين أيضا، إذ لم تعد العائلة تسكن داخل الضيعة ، كما حدثت تغيرات أيضا على مستوى تصميم المساكن التي تأثرت بشكل كبير بالمعمار الحضاري. فالتغيرات لم تنحصرفي المجال المعماري فحسب بل شملت كذلك تقاليد و طقوس الزواج ثم كذلك في حركة التبادلات الاقتصادية، ففي ما يخص الزواج مثلا اختفت العلاقات القرابية في الزواج وحل الزواج الأكزوكامي محل الأندوكامي الأبعد من ذلك أنه أصبحت الزيجات عبارة عن تبادلات بين القرية والمدينة .

    لقد أصبح للسياحة القروية دور مركزي في تدبير الزمن القروي واستغلال دورات الطبيعة. فمثلا تم تفضيل حضاريا فصل الخريف على عكس الزمن الفلاحي الذي يقلل من قيمه لأنه لا يقدم شيئا باعتباره "موت فلاحي"، ثم إدخال مفهوم العطلة والراحة كضرورة شرعية من أجل إنتاج أفضل. إن الجماعات القروية التي عرفت تحضرا شكلت طبقة تلعب دور الوسيط بحيث تشكل نقطة تقاطع بين البدويين والمدنيين، ومن خصائص هذه الطبقة أنها تتبنى نفس أهداف ومعايير الطبقة المتوسطة الحضرية، وفي نفس الوقت تشترك مع العمال لكن لا يحكمها رابط عضوي مع البروليتارية الصناعية، وفي جميع الحالات هي فئة اجتماعية متميزة عن الفلاحون ولها وظائف اجتماعية وسلطة اقتصادية أيضا. إن القرويين الذين اندمجوا في حركة التمدن عبر السياحة لا يمثلون الا أقلية بحيث اشتغلوا كعمال قبل أن يشتغلوا في الفنادق السياحية. كما أن هذه الطبقة الوسائطية تمتهن حرفا متعددة حسب الفصول بحيث تجمع بين العمل السياحي والعمل الفلاحي وبين أشغال البناء.

    III. L’importance culturelle des sports D’hiver​

    تمثل القرى المتميزة بالتساقطات الثلجية المهمة بمتابة المحطة الأساسية لرياضة التزحلق على الجليد بحيث تساهم السياحة القروية في خلق ثقافة جديدة قادمة مع المتحمسين و المفوقين في الرياضة الجليدية. و السؤل الدي يطرح في هذا السياق هو ما الجديد الذي قدمته السياحة الرياضية؟ فمستقبل القرية أتر هده السياحة سيشكل مركزا للتلاقح بين العديد من الفئات التي تتعايش فيما بينها ( الرياضيون والصناعون والصحفيون والقرويون أيضا.)

    1. le ski est recherche d’une poésie du corps.​

    فالتزحلق لم يعد رياضة فحسب وإنما أصبح نشاط أو مجال للمجهود الجسدي، ولعبة لها قواعدها وتظاهرة ومهنة أيضا، وأصبحت تقام حفلات وطقوس خاصة على شرف هذه الرياضة وبالتالي أصبحت هذه الأخيرة تقوم بوظيفة ثقافية واجتماعية داخل المجتمع القروي وفي نفس الوقت تساهم في تحضره، فمن خلال الحفلات والطقوس الثقافية التي تقام حول هذه الرياضة يتم اتخاذ بعض الأيام كعطلة للترويج عن النفس والترفيه والبعد عن ميدان الشغل. إن الجماعة القروية تستقبل هذا النوع من الترفيه كرياضة تندرج في سيرورة معاصرة يتداخل فيها الجسدي بالاجتماعي، وتصبح لرياضة التزحلق تأثير على الإنسان وجسده بالخصوص وهذا ما يعطي للجسد مكانة جديدة داخل المجتمع، وبالتالي أصبح للساقين أهمية كبرى عوض الأيادي في العمل الفلاحي كما أن المدنيين يبحثون عن قدراتهم الجسدية من خلال هذه الرياضة وفي نفس الوقت الترويح عن نفسه و تكسير العمل الروتيني.

    2. L’organisation social f’un bonheur temporaire.​

    ان اعجاب السكان القادمين من المدينة بحياة القرويين جعلهم يسعون لخلق رفاه اجتماعي داخل المجال القروي أي مجتمع متجانس و عقلاني ، و بالمقابل فالقرويون خاصة منهم الجماعات المستقبلة يسعون هم كذلك لخلق جو ملائم لزبنائهم السياح المدنيين لذلك نجد بأن و ظيفة الاستقبال هذه تتأرجح بين التقنية واللاتقنية بين الفردانية والاجتماعية. و انطلاقا من هذا يمكن القول أن الرياضة خاصة منها المرتبطة بالسياحة الجليدية من شأنها أن تشكل مرتكزا أساسيا للتحضر بالمقارنة مع ما تقدمه الصناعة. إن محطة الرياضة الثلجية ترمز إلى ثنائية تحولية : المجتمع والطبيعة وفي نفس الوقت لها أبعاد رمزية فبياض الثلج يوحي بالفرح، أعياد الميلاد، الحفلات التنكرية،فهي اذن مناسبة لتحقيق السعادة و المتعة و لو بشكل لحضي . إن ما يميز بعض الطقوس المرتبطة بالرياضة التلجية أنها تمثل حدث من خلاله يتم رفض الشيوخ لشيخوختهم وتساهم في الإندماج في مرحلة الشباب. كما تساهم كذلك رياضة التزحلق في خلق سعادة متبادلة القرويين باعتبارهم محطة استقبال: اقتصاديا وثقافيا ورياضيا وبالنسبة لسكان المدينة باعتبارهم مناسبة لتفريغ المكبوثات الت ساهم في تكريسها العمل الروتيني في المدينة. إن الترفيه والحاجة إلى الطبيعة، المتعة التي يحققها الجسد والروح والمنظر الرياضي الذي يساهم في نشر ثقافة داخل المجتمع القروي، كل هذا سوف يخلق جماعات تختلف عن الجماعات الفلاحية، بأهداف وقيم، ومؤسسات مندمجة في المجتمع الصناعي. وهذا التفاعل سوف يمنح مستقبل جديد للمجتمع القروي لكن بالمقابل سيخلق طبقات مهمشة لم تستطع أن تواكب التطور.

    الفصل السادس

    La Réorganisation sociale de l’espace​

    بالنسبة للسوسيولوجيا المجال ليس شيء في حد ذاته، إنه ليس مجال مادي أو اقتصادي إنه مجموعة من العلاقات، تتفاعل داخل مجموعة من الظواهر، ومن خلاله تنتظم المجموعة.ولا يكفي التركيز عل المكان للتعبير عن تلاحم الأفراد بل يجب العتماد كذلك على المساحة من خلال قواعد وعادات استدمجتها المجموعة ويتحدد من خلالها إطار الاندماج.

    ولسبر أغوارالتغيرات التي يعرفها المجال القروي ينبغي استحضار ذلك في العلاقات المتبادلة في المجتمع و كذلك بعض الاختلافات الجوهرية المرتبطة بالأساس في التوظيف المجالي بين المجتمع القروي و المجتمع الحضري على اعتبار أن هذا االاختلاف تنتج عنه صراعات في الأهداف ،كما أن التمثلات الاجتماعية غير متجانسة وتبدوا في حالة مواجهة وهذا ما يفسر فشل التتاقف وعدم فعالية السياسات التنموية في بعض المشاريع .

    I. Les transformations de l’espace agraire en espace touristique​


    المجال يطرح فكرة تأثر المجموعة مع التقنيات و الأدوات الخاصة و المجال الجغرافي والتي تنعكس على تصوراتهم وقيمهم وبالتالي على البناء الاجتماع ككل. فالسياحة في هذا الاطار تعتبركإمكانية للانتقال الموسمي للاستهلاك داخل المجال القروي و الاستمتاع الحضري بالوقت.

    1. L’espace domestique de la famille rurale​

    المجتمعات القروية تنتظم في مجال محدد ووفق تصميم تماشى مع المتغيرات الجغرافية و الاجتماعية، كما يبدو المجال المعاش كانعكاس للأسرة و العلاقات الاجتماعية و الأسرية. فجميع تختلف الأنشطة الذكورية و الأنثوية انطلاقا من المنزل الأنشطة تتوزع حسب المجالات و (السكن، الاستثمار، الملكية المالية للفرد أو الجماعة...).

    L’espace urbain du loisir .2​

    تعتبر معظم التغيرات التي تحدث في العالم القروي انعكاس المرتبط بالانجذاب الذي يتم عبر التواصل الموجود بين البوادي و المدن. فعملية التمدين السياحي قد تكون تلقائية أو ربما داخلية ويمكن أن تكون راديكالية من الخارج عبر التصنيع و التخطيط.

    لقد حقق المجتمع القروي العديد من التغيرات التقنية التي كانت سبب في التطور الفكري، اد ساهمت في منح للعائلة القروية نوع من الاستقلال الذاتي ،كما ساعدت على خلخلة النظام التقليدي الذي أصبح بالامكان التخصص في العمل و تجاوز الخضوع للمعطيات الطبيعية.

    و هذا يشي بعملية تهييئ المجال خاصة السياحي و خلق موقف سياحي مساهم في التنمية بالاضافة الى قطع العزلة الاقتصادية من أجل وضعها في علاقة مع المجال الوطني وكذلك الدولي و هذا من شأنه أن يساهم في خلق قيم جديدة في العالم القروي. فالمجتمع القروي يسعى دائما الى التكيف مع الظاهرة السياحية كمحاولة للتوفيق بين تمثلاته و بين القيم الجديدة بدون ربطها بنيويا مع نظامه الاجتماعي الخاص الذي قد يؤدي إلى تزايد تفكك بنياته التقليدية ، فالتزايد الكبير للتمدين يسقط المجتمع القروي في سلسلة من التناقضات بين الحديث و التقليد و بين المجموعات المتمايزة الأولى مندمجة بينما الأخرى في التدبدب لأنها تسعى الى الحفاض على العمل الزراعي من جهة و الأخد بالمهن الجديدة من جهة تانية . لأن استبدال الجال السياحي محل المجال الزراعي من شأنه أن يغير في وظيفة المجال ، ثم كذلك احدا تغيرات جدرية في المجتمع القروي خاصة في النظام الاقتصادي الذي يخضع للتبادل النقدي الى جانب الأنظمة المهنية التي ترتبط بحقائق اجتماعية أخرى متجاوزة الأنظمة المرتبطة بالزراعة .

    II. Les changements dans la représentation collective de l’espace​

    تتشكل صورة المجال القروي و الحضري بحسب طبيعة العلاقات الداخلية القائمة بين المجموعات وبين المجموعات الأخرى. فاستمرارية التواصل بين المدينة و البادية يدمج المجال القروي في مجال اجتماعي جديد مؤسس بمجموعة من الظواهرالجديدةالتي تعتبر المدينة كمصدر اقتصادي ومهني، ثقافي و كذلك السياسي.

    أما فيما يخص المجال السياحي فهو يحدد كمجال اقتصادي هدفه الأساسي الانتاج خاصة في المناسبات الأساسية التي ترتفع فيها استهلاك الحاجيات الأساسية بالنسبة للحضريين و يخص هدا في مناسبات الرياضات الثلجية.

    المجال أولا و قبل كل شيء بالنسبة للقرويين و حتى الحضريين ثقافي، فعندما يخلق التمدين مجال مؤسس حول العلاقات الاجتماعية تجعل من تواصل المجموعات يتحدد بوظائفهم المختلفة، كما تتغير الصورة المغلقة للمجال الزراعي حيث ان بروز قيم جديدة يخلق نمط جديد للعلاقات الاجتماعية ، وفي سياق التمدين كذلك تتغير ميكانيزمات التكيف من وظائف المجال، وتعدل من التمثلات

    III. Remembrement et nouvel espace agraire​

    مفهوم التجمع جد مركب، يشتمل أولا على إرادة جماعية لمصلحة عامة،كما تهدف إلى تطوير استغلال الزراعي للأرض.

    التجمع يهدف إلى الحصول على تكتل أجزاء صغيرة عقلانية وموسعة، تتمظهر من خلال التملك

    التجمع هو تبادل من أجل الانتاج ، بمعنى قدرة على تقوية الانتاج انطلاقا من العلاقات المتبادلةمفهوم التطوير أساسي في التجمع، وتعكس الأهمية المعطات لوضعية التملك من طرف المجتمع

    1. la notion de remembrement​

    - تشكيك القرويون بامكانية التجميع و دو رها في تطويرظروف الحياة

    - نادر ما تحدث التغيرات العميقة داخل النسق الثقافي أو في نظام الاستغلال اتر هدا التجميع.

    - القرويون يحاولون تفكيك خطة التجميع و ذلك بإقصاء سياسات التدبير العقاري وتحطيم منطق عقلانيته . فالخطة توقع فعال للمستقبل، بينما المجتمعات القروية تخضع لإكراهات خبرات الحاضرأو الماضي.

    - عدم توقع المزارعين من التجميع الرفع من الإنتاجية ولكن فقط تراجع من مظاهر تركز العمل بربح الوقت وتسهيل وسائل النقل الجديدة.

    -أهمية التجميع بالنسبة لهم تعيد جمع الأجزاء بدون قلب الأوضاع الحالية، بدون نقل أشكال الإنتاج، وبذلك يتم تطوير فقط الأنظمة الزراعية القديمة.

    2. une révolution dans le statut de propriétaire​

    - طبيعة الصراع بين الفقراء و الأغنياء متمثلة في الصراع على الملكيات و ما تحدته من شرخ على مستوى العلاقات.

    - مقاومة صغار الملاكين مرتبطة بسلسلة من الظواهر التي تحدد في علاقاتها الاجتماعية بالمجال الزراعي.

    - مساهمة التبادل في انتاج تغير في النسق الفكري و الاجتماعي والتقافي لا يمكن أن تتم بتدخل القوة الخارجية فحسب بل هناك عوامل داخلية كذلك.

    - التجميع بالنسبة للقرويين يساهم في خلق ثروة على المستوى النفسي: حيث يتم انتقال المجتمع القروي من تمثل اجتماعي، تقافي للمجال إلى تمثل تقني.

    3. Les effets inattendus du remodelage spatial​

    - معانات المجتمع القروي من التفاوتات الجديدة الناتجة عن التقدم التقني ، و يتجلى ذلك بالأساس في الاستعمال العام للمجال المنزلي، قيمة التبادل، العقلانية الاقتصادية، خطة إعادة النمدجة الوظيفية.

    - هذا التطور يوازيه تغيرات على المستوى السلوكي و كذالك في الموقف و التصورات.

    - تماسك النموذج الثقافي القروي المركز حول المجال انتهى إلى إعادة تصور النموذج الرسمي وقوته كما هي مقدمة من طرف المشرع.

    - تحول المساحة مشروط بابتكار المجتمع ،حيث تختلف المجموعات من حيث الفهم و الذكاء و التي تعتبر من مميزات الحداثة.

    - اعطاء الأولوية للأشكال المكانية للعلاقات مع العالم أو بين المجموعات يقلص من معناه، ويعدل العلاقات الزمنية. وتغيير المواقف القروية بالنسبة للزمن يصبح أيضا محدد مهم في صيرورة التمدين.

    الفصل السابع


    La pression de l’avenir sur la société rurale​


    - من مميزات المجتمع القروي أنه يعيش في خطاطة زمنية أحادية ،حيث يكون الماضي والحاضر والمستقبل في تفاعل مستمر.

    - زمن الذاكرة هو خلاصة تواجد الاستغلال والاستثمار العائلي حيث تقسم المدة إلى دوائر طبيعية: سنوية أو فصلية، الشهور والأيام، حيث يخضع كل هذا للعمل والاقتصاد الذي عن طريقه يتم قياس الحياة الاجتماعية.

    - يشكل المستقبل بالنسبة للمجتمع القروي مصدر قلق بحيث يتم تمثله دائما كمتغير أساسي في حياتهم خاصة في أثناء العملية الانتاجية ، فعلى سبيل المثال ،بين الحرث والحصاد مسافة زمنية قلقة.

    - مضمون المستقبل ليس هدفا مثبتا بشكل واعي، وبالتالي فالمجتمع القروي يتأخر في سيرورة بناء المستقبل.

    - مبدأ الضرورة هو الداعي الوحيد للتفكير في العلاقة بين الحاضر والمستقبل أي أنها مسألة نفعية، وبالتالي فالذكاء القروي لا يستطيع أن يخضع الزمن بشكل واعي حتى يتحرر من حتمياته. وعند التفكير في إحداث تغيير ما فذلك يتم من خلال منطق ماضوي اي أن المستقبل لن يكون سوى ما قد تحقق في الماضي أي أن المستقبل هو تكرار للماضي والحاضر.

    -التحضرساهم في أدخال مفاهيم جديدة للزمن حيث طرحها بطريقة مختلفة خاصة مع المجتمع الصناعي، بصفة عامة لقد وضع التمدين المجتمع القروي إزاء رؤية جديدة للمستقبل.


    I. Une nouvelle attitude a l’égard du temps​


    -كما هو الأمر بالنسبة للمجتمع الصناعي، يحاول المجتمع القروي ضبط التغير مما يستلزم تشكيل رؤية واضحة حول المستقبل وبالتالي السيطرة عليه.

    -الأفق الزمني الذي شيده المجتمع القروي غير متجانس، لأن بناءه يخضع لعدة محددات ثقافية وسيطرة النظم الدينية والسياسية، وأنماط الأنشطة الاقتصادية وكذلك درجة انفتاح المجتمع القروي على المجتمع العام.

    -القرويون يختلفون في تمثلهم للمستقبل من حيث مشاريعهم وثقافتهم وتمثلاتهم للزمن.

    -إن إلغاء استمرارية الزمن تساهم في خلق فوضى مجتمعية، حيث يصبح المجتمع مهمشا في ارتباطه بمحيطه. وهذا هو جوهر التعارض بين حالة الطبيعة وحالة المجتمع حيث يصبح الزمن الاجتماعي مصدر الإكراهات.

    -بالنسبة لإنسان البادية فإنه يعتبر نفسه أنه هوالإنسان الحقيقي لعدم خضوعه للتشويشات الحضرية. وتترسخ هذه القناعة لديه كونه تتماهى فيه صفة المالك والعامل والمستهلك مما يلغي التمايزات الموجودة في العالم الحضري.

    -الحاضر ماهو إلا امتداد للماضي، هذا الاعتبار يؤدي إلى التفكك الثقافي على مستوى المجموعات القروية، لأنه بباسطة ليس هناك مستقبل

    -كما هو الشأن بالنسبة "للثورة الفرنسية" ينبغي استحضار فكرة "قتل الأب" لتحقيق القطيعة مع الماضي. وهذا التماهي مع الماضي يرجع لطبيعة التماهي بين العمل والأسرة، وأي مفهوم جديد للعمل هو اصطدام مع الآباء ومع الماضي.

    -تقوم هذه المجتمعات بخلق مؤسسات للحفاظ على الماضي. على اعتبار أن هذه المجتمعات هي متمردة ومقاومة لكل شيء. فالتمدين بالنسبة لها هو تحول سلبي يهدد نمط العيش القائم وفي هذا تشبث بالماضوية. فالماضي بالنسبة لها هو الأفضل وكل ما يرتبط به من أنماط العيش( يتم اعتبار الزراعة أفضل من الصناعة والتجارة).

    -التمدين يجبر القرويين على الارتباط والتعامل مع حاضرهم وعدم التمسك بأوهام ماضية أو مستقبلية


    2- L’invention des modèles d’avenir​


    -للقرويين أحكام قيمة اتجاه الحياة، فهم يبحثون عن نماذج تطبيقية للمستقبل، ويحسبون المسافة الزمنية، عبر قيمتها الاقتصادية التي تفصل بين اتخاذ القرار وتحقيق الهدف، وبالتالي فهم يقاربون المستقبل بمنطق نفعي.

    -يتم توقع المستقبل إما كحل لمشاكل الحاضر أو بالعكس كتضخم لهذه المشاكل، لأن هناك ارتهان لتجربة الماضي، وغياب أي قدرة على تقييم العقبات والمراحل الواجب قطعها. وبالتالي فهذا الذكاء الاجتماعي يرتبط بما هو واقعي طبيعي ملموس وبالتالي فهو يفتقد إلى حد ما.

    -التفاعلات القروية مع المستقبل تتغير حدتها حسب النموذج المستقبلي مبدعا كان أو تقليديا.

    -المجتمع القروي يعتبر المستقبل كامتداد للمكتسب الحاضر الذي يتراكم بشكل دوري نحو حالة أفضل.


    3 - préparation de l’avenir et pouvoir extérieur​


    المجتمع القروي يقوم بتقييم ذاتي إيجابي لإيجاد مستقبله ولكن بالمقابل لديه وعي حاد بالعوائق التي تعترضه مما يستدعي وجود سلطة خارجية تذوذ عنه (السلطة المحلية، الغرباء، الدولة).

    -المجتمع القروي ينظم سلطته خصوصا عبر مؤسسة البلدية بهدف السيطرة أساسا على الزمن الاجتماعي عبر توجيه أو تسريع، وأد، أو ظهور هياكل جديدة.

    -السلطة المحلية تمثل المجتمع القروي عند المجتمع الشامل وتحميه.


    4- La rareté des institutions de prévision​


    -استشراف المستقبل مسألة حيوية بالنسبة للجانب الأكثر تمدينا في المجتمع القروي، كون التوقع واستشراف المستقبل هو وليد المجتمع الحديث.

    -بالنسبة للمزارعين حدود استشراف المستقبل هو تصريف المنتجات الفلاحية والمراهنة على ضمان الأثمان

    خاتمة

    فالمجتمع الحضري في عمقه يعرف العديد من التغييرات ، فهوبالأساس يطور و بشكل متسارع مجاله الترابي على حساب مجال آخر، وهو في بحث دائم على تزايد اليقين في المستقبل لدى أفراده الذي يشوبه الخوف و التردد، وبالتالي إيجاد الأبعاد التي يستطيعون من خلالها اتخاذ القرارات التي تعنيهم. أما فيما يخص المجتمعات القروية فقد عرف اقتصادها كذلك تغيرات عميقة، حيث استفادت من مهن جديدة، ساهمت في خلخلة ثقافتها التقليدية، التي ستأثر بدورها على نمط العيش في القرية و جدير بالذكر أن هذا التأثير متبادل بين القرية و المدينة لأن الفاعلين في هذه التحولات هم أيضا قرويون كما هم مدنيون، فقد راكموا التقنيات الحديثة والثروة، وإمكانيات المعرفة، لكن هذا لا يخفي الصراع القائم في القيم والمواقف، مما يؤدي إلى ميلاد طبقات اجتماعية جديدة.

    و في هذا الاطار يتقدم التمدين كدينامية يتداخل فيها الاقتصادي والاجتماعي والفكري وكذلك الوجداني ، إنه تغير ثقافي عام لا ندرسه إلا من وجهة نظر قروية، وفي هذا التحول نوع من تقليد المدن على الأقل في البداية، لهذا جاز لنا القول بأن هذا التمدن ما هو في الحقيقة الا ثتاقف بين القرية و المدينة، أي التداخل بين ثقافتهما الفرعية، عبر اتصالات مباشرة كانت أو غير مباشرة، مستمرة أو مرحلية. وما دام أن الثقافة مجموع السلوكات والمواقف والقيم والقواعد المتبناة والمنظمة ضمن نسق خاص من طرف كل مجتمع، فالمجتمعات القروية لها أنماط عيش خاصة بها تتشكل عبر معارف خصوصية في طرائق التفكير ومؤسسات وتقنيات؛ ذات ارتباط أصيل بالمقارنة مع تلك المتواجدة بالمجتمع الحضري. ومن الؤكد أن التواصل قائم بين كل من المدينة والقرية، غير أن هذا التثاقف من المجتمع القروي إلى المجتمع الحضري متميز بنوع من اللاتساوي الاجتماعي بينهما، حيث هناك دائما نوع من السيادة و الهيمنة بالنسبة للمدينة.




    .
     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    [​IMG]
    لويس برينو كان وزيرا للتعليم فى المغرب ابان الحماية وكتب جملة من المؤلفات عن المغرب منها هدا الكتاب الذى يتكلم عن المغاربة وتعلم اللغات



    ***
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    الطوائف الدينية في المغرب بعيون أجنبية 28 : 5 طائفة هداوة
    حسن بحراوي




    تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة..
    وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا.
    (عن كتاب «رهبان الإسلام المتجولون» 1955، روني برونيل)



    ***

    الأنشطة السياسية لطائفة هداوة
    يشار كذلك إلى أن كبار قياد تلك الحقبة كانوا يستقطبون إلى محيطهم المباشر أعضاء من أتباع طائفة هداوة. ومن ذلك أن قائد عبدة الشهير سيدي عيسى بن عمر كان من عادته أن يستقبل في قصبته القديمة بالتمرة وفودا من بوهالة يبعثها المخزن المركزي للقيام بعمليات استطلاع للأوضاع بمناطق الجنوب. ويذكر سي أحمد، ابن القائد سي عيسى، بأنه رأى أكثر من مرة الهداويين الشهيرين الشليّح ومولاي أحمد المصلوحي بصحبة والده..
    وكان قائد حاحا قد استفاد من خدمات مخبرين بوهاليين هما الحاج سعيد الزلتاني وإيدر أولحسن الباعقيلي خلال مواجهته مع الفرنسيين سنة 1912، ومثله صار مع قائد سوس عند استيلائه على تزنيت الذي ما كان له أن يتمّ لولا المعلومات التي قدمها له هداوة ذوو المعرفة الكاملة بالمنطقة. وأخيرا فقد كان القايد سي الطيبي الكندافي لا يتردد هو كذلك في التقرب من أعضاء هذه الطائفة لتحقيق مآربه المختلفة.
    هذا فيما يتعلق بالماضي، أما خلال إقامة الحماية على المغرب فقد لعب أتباع الطريقة الهداوية أدوارا مؤكدة تحتاج منا أن نكشف عن بعض مظاهرها رغم قلة المعلومات المدققة..سواء بين حركات التمرد والمخزن، أو لدى الزعماء البربر أمثال موحى وحمو الزياني..وما يمكن تأكيده دون تردد هو أن قواد المناطق المتاخمة لبلاد البربر أمثال المدني الكلاوي وسي بوجمعة صاحب بني ملال وبوشتى البغدادي باشا فاس قد لجؤوا إلى استخدام هداوة كجواسيس لمراقبة حركة تمرد البربر والسعي الحثيث إلى تقسيمهم ومحاربتهم..وقد نجح في ذلك آل كلاوة خلال تهدئة منطقة الأطلس، وباشا فاس في حملته على الريف..
    ولاشك أن الثوار بوعودة وبوحمارة والهبة قد استغلوا في الفترة الحديثة تطلّع هداوة إلى لعب دور سياسي فجنّدوا من بينهم عناصر تمدّهم بالأخبار وتمهّد أمامهم السبيل إلى مقاومة خصومهم..وإذا نحن صدّقنا المعلومات المستقاة حول هذا الموضوع سيتبيّن كذلك أن الريسوني ومربّيه ربّو وخاصة عبد الكريم الخطابي لم يكونوا أقل إفادة من الآخرين في توظيف تلك العناصر الانقلابية المتحمّسة في تأمين مشاريعهم السياسية وتأهيل مخططاتهم الحربية.
    ومن ذلك أن مثير القلاقل الريسوني خلال حملاته العنيفة ضد الإسبان كان يوجد في خدمته ثلاثة بوهالة هم بّا محمد السوسي وبابا أحمد السكوري وسي محمد المكناسي، بل إن هذا المتمرد نفسه كان قد اتخذ شعكاكة على طريقة هداوة الذين كان يكنّ لزاوية شيخهم سيدي هدي تشريفا واعتبارا كبيرين ويبعث لهم كل موسم بهدية رفيعة. وربما كان السبب في ذلك أنه كان ينتسب إلى عائلة مشيشية..
    لكن الزعيم الريفي عبد الكريم هو الذي فطن خلال حربه مع إسبانيا ثم مع فرنسا إلى المزايا التي تتضمنها إقامة رابطة قوية مع زاوية سيدي هدي وأقدم على الاستعانة بعدد مهم من البوهالة. وقد كان الهداوي المدعو عبد السلام الكتاني هو الذي أوكل إليه الزعيم مهمة تجنيد جواسيسه..وقد جرى اختيار أربعة عشر هداويا تمّ نقلهم إلى قصبة السنادة وعزلهم داخل غرفة لضمان انقطاعهم التام عن العالم الخارجي، وبعد ذلك نقلوا إلى قصبة بني بويحيى حيث جرى تقديمهم واحدا واحدا لعبد الكريم الذي تعرّف على أسمائهم واستخبر عن أصولهم قبل أن يتبادل معهم العهد على خدمة القضية الريفية..وانطلاقا من ذلك اليوم أصبح هؤلاء البوهالة عملاء للزعيم الريفي. وقد انضم إليهم بعد ذلك عدد آخر من هداوة تحت تأثير الطمع وروح المغامرة حتى جاوز عددهم العشرين في وقت قصير. وقد صار "كور" هداوة يتبع عبد الكريم في جميع تنقلاته وكان يكلّفهم تارة بنقل الأوامر إلى قادة الحركة، وتارة بحمل رسائل إلى قواد القبائل أو بعبور الخطوط الفرنسية للاتصال بالشخصيات المغربية التي كانت تسانده. وفي أقل الأحوال كانوا يكتفون بمراقبة الجبهتين الفرنسية والإسبانية وإعلام زعيمهم بما يطرأ عليهما. وقد قام هداوة بهذا الدور بكل اقتدار، وفي المقابل وضع عبد الكريم رهن إشارتهم خيمة كبيرة الحجم قادرة على إيوائهم جميعا، وأمر جزّاره المسؤول عن تموين محيطه المباشر بتمكين هداوة يوميا من حصة نصف خروف، وقد بلغ الزعيم الريفي من الأريحية أنه كان يمدّهم بكميات من الكيف الكتامي الذي كانوا يدمنون عليه.
    وعندما وضع عبد الكريم السلاح، تواعد هداوة على اللقاء بمدينة طنجة داخل ضريح سيدي بوعراقية وهناك أقسموا على عدم إفشاء أسرار زعيمهم ثم تبادلوا العهد من جديد وافترقوا بصورة نهائية حيث عاد كل واحد منهم إلى سابق سياحته في أرض الله الواسعة.
    نستخلص من هذه المعطيات التي تمّ جمعها بعد جهد جهيد بأن هداوة يتميزون بميل خاص إلى ممارسة أعمال الجاسوسية، وأن حالتهم المزرية كانت هي جواز مرورهم النموذجي إلى مخادعة الرقابات والتسلل عبر مختلف الحدود..وهم يستغلون المناسبة لتناقل الأخبار المزيفة ونشر الإشاعات المغرضة وإعمال حاسة المراقبة والملاحظة وترويج الخرافات التي يبرعون في نسجها..
    ولكن سيكون من غير الصواب القول بأنهم كانوا يشكلون معارضة شرسة للوجود الاستعماري مثل طائفة درقاوة، بل كانوا يكتفون بدور المساعدين الذين لا يبادرون إلى إثارة القلائل وبث الشغب ولكنهم يجعلون أنفسهم في خدمة المتمردين والمخزن على قدم المساواة وبنفس الحميّة نظير ما ينالونه من الاثنين من متاع الدنيا وتواب الآخرة..
    وعلى المستوى الروحي، ظل تأثير عقيدتهم الهداوية ثانويا بل منمحيا مقارنة مع العقيدة المشيشية ذات الجذور الجزولية الضاربة في تاريخ الغرب الإسلامي، ومن هنا قنعوا بدور الكومبارس التابع الذي يبحث له عن مكان تحت شمس الجبل المقدس ويعيش على فتاب موائد الشرفاء.
    (ملاحظة المترجم: فات الكاتب روني برونيل أن يعلم أن قوات من أعضاء المقاومة وجيش التحرير قد عمدت أواسط الخمسينات إلى تدمير زاوية سيدي هدي تدميرا كاملا بحيث محتها نهائيا من خريطة جبل العلم وذلك للاشتباه في الدور الملتبس الذي ربما قام به هداوة في المعركة من أجل الاسقلال...)


    .
     
    آخر تعديل: ‏20/10/14
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أنثربولوجيا الطعام داخل المجتمعات المحلية العربية
    محمد تركي الربيعو



    تشكل طرق التعامل مع الطعام نسقا منظما في كل ثقافة من الثقافات. ولغة تنقل المعاني من خلال بنيتها ومكوناتها. وتسهم في تنظيم العالم الطبيعي والاجتماعي. ذلك أن الطعام ليس مجرد مجموعة من المنتجات يمكن استخدامها في الدراسات الإحصائية أو الغذائية بل تعد مجال أولي لنقل المعنى، لأن تناول الطعام نشاط سياسي يتكرر باستمرار. كما يؤدي وظيفته بشكل فعال بوصفه نسقا من أنساق التواصل، لأن الناس من جميع أنحاء العالم ينظمون طرق تعاملهم مع الطعام في نسق يخضع لنظام مواز للأنساق الثقافية الأخرى ويبث فيها المعنى.

    في هذا السياق ، كان الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي شتراوس قد أكد على أن الطعام والمطبخ يقفان بين الطبيعة والثقافة ويتوسطان بينهما، وأنهما يعدان وسيلة من وسائل التعبير عن الغنى الثقافي والاجتماعي ، ومؤشرا على التحولات السوسيوتاريخية ، ا لأمر الذي دعا المؤرخة الفرنسية بريجيت مارينو في كتابها المهم ” حي الميدان” إلى أن تولي اهتماما كبيرا بهذه النقطة ، أثناء تتبعها لتاريخ الديناميات الاجتماعية التي أخذ يشهدها المجال العام الدمشقي في القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر ، عبر دراسة مستفيضة لسجلات المحاكم الشرعية الخاصة بتلك الفترة . حيث تبين لها من خلال الحفر في هذه السجلات أن نسبة ضئيلة من بيوتات حي الميدان كان تضم حجر للطبخ في بدايات القرن الثامن عشر ، الأمر الذي فسرته بدورها باعتباره يشير للخلفية الريفية لقسم كبير من سكان ذلك الحي في تلك الفترة ، بحكم الهجرات التي حدثت من سهل حوران تجاه أطراف مدينة دمشق ، بينما لاحظت ارتفاع نسبة هذه الحجر في بدايات القرن التاسع عشر ، الأمر الذي كان يؤشر الى بروز تمظهرات ثقافية جديدة ذات طابع مدني داخل الحي ، والى تبدلات عميقة على صعيد الاقتصاد السياسي للمدينة ، نتيجة لولادة نخب تجارية ودينية جديدة من أبناء حي الميدان ، أخذت تزاحم النخب الدمشقية السابقة على مواقعها الإدارية والدينية ، و التي كان يتمركز ثقلها داخل فضاءات المدينة القديمة ( داخل الأسوار ) .

    ولذلك بات الطعام يمثل بحسب الدراسات الأنتربولوجية مرونة رمزية ثرية غير معتادة، فهو وسط يمكن من خلاله عرض أيديولوجيات ثقافية شديدة التنوع وتتكون قواعد التعامل معه وفق تعبير غرامشي من ” لغة ” تحتوي على مفهوم محدد للعالم.

    ومن هنا سنسعى في هذه المقالة الى الإحاطة ببعض الجهود المهمة والنادرة التي أنجزت في السنوات القليلة الماضية حيال التاريخ الثقافي للطعام داخل الفضاءات الاجتماعية العربية، والتي لم تعد مخبرا ثقافيا للدارسين الغربيين فقط، وإنما أخذت تشمل جهود باحثين أنثرولوجيين محليين أو ” أصليين” حسب تعبير الأنثروبولوجي المغربي حسن رشيق، الأمر الذي قد يحفز القراء على مزيد من التفكير في أن الطهي، وتناول الطعام (وهي أنشطة كثيرا ما نأخذها أمرا مسلما به) باتت تحدد هوياتنا وعلاقتنا في هذا العالم.




    الطعام وعودة احياء الهويات المتخيلة الجديدة:


    يرى سامي زبيدة في الكتاب الذي حرره قبل سنوات مع الباحث الأنثروبولوجي ريتشارد تابر وتمت ترجمته للعربية تحت عنوان ” مذاق الزعتر: ثقافة الطهي في الشرق الأوسط”، أن الطعام يعد علامة ثقافية بارزة حيال الحدود الاجتماعية، فقبل ظهور القوميات السياسية بمعناها الحديث، كانت هذه الحدود هي التي تميز بين الجماعات العرقية أو الدينية أو الجهوية. المهم أن ما يلفت النظر في رؤية زبيدة، أن هذا التمييز عاد في العقود الماضية ليغدو معبرا عن أزمة الهوية داخل الدول الشرق الأوسطية الحديثة بشكل عام.

    وهو الأمر الذي تنبهت له الباحثة الأنتربولوجية السعودية مي يماني في كتابها ” مهد الاسلام: البحث عن الهوية الحجازية ” الذي سعت من خلاله الى تتبع تزايد شعور الحجازيين بالانتماء المحلي الذي أخذ يتعزز أكثر فأكثر في التسعينات نتيجة للعولمة من ناحية، وتقهقر الهوية السعودية من ناحية أخرى.

    فعلى مر القرون، جذب الحج الى مكة مسلمين من مختلف الثقافات، مما أخضع نمط عيشهم وعاداتهم الغذائية لتأثير الثقافات الأخرى، بحكم أنها نقطة التقاء لحركات الشعوب عبر العالم الإسلامي، وموقعا للتبادل الثقافي الغني، خاصة في مجال الطعام، الأمر الذي أدى الى تميز المطبخ الحجازي عن المطبخ النجدي البدوي.

    بيد أن غياب وهج الحجاز مع تزايد سلطة ونفوذ جيل جديد من الخبراء النجديين الذين يهيمنون اليوم على أعلى المراكز في الحياة العملية والادارية والدينية والعسكرية في المملكة، أدى الى جانب الدور الذي لعبته المؤسسة الدينية في اخفاق الحوار والمناظرات الاجتماعية، الى خلق شعور بالخوف واليأس لدى الحجازيين. وفي ظل هذا الجو تحديدا، برزت ظاهرة العودة الى الطقوس والرموز التي تؤكد تميز الهوية الحجازية وخصوصيتها، وهو ما برز على مستوى عادات الطعام، عبر التأكيد على أهمية المطبخ الحجازي كمؤشر حضاري ومدني لمكانة العائلة الحجازية وللخصوصية الثقافية الحجازية المشتركة التي أخذت تتعزز بشكل كبير أثناء مرحلة القبلنة التنافسية، خاصة بالنسبة الى الحجازيين الذين يدعون التحدر من أصول مكية أو مدنية.

    ولذلك أخذت طريقة طهو الطعام – برأي يماني – وتقديمه وتناوله تساهم في تعزيز حس بعض الجماعات بالهوية الحجازية الواحدة ، وسط قوم يزدادون وعيا لتلك العوامل الثقافية التي تفرق بين افراده ، كما باتت كمؤشر للمكانة الاجتماعية الحضرية على مستوى تاريخ السعودية ، وخاصة أن الفورة النفطية كانت بمثابة أداة للتساوي الاجتماعي ، ما دفع الحجازيين الى التقاليد من أجل تمييز أنفسهم على المستوى الثقافي بسبب الهامشية التي بات يشعرون بها تجاه الثقافة النجدية السائدة في أروقة السلطة ، الأمر الذي بدى بشكل واضح في تغير الهندسة الذوقية للمأدبة ، من خلال التشديد على النوعية(ثقافية، حجازية) أكثر منها على الكمية( نجدية ،فقيرة على مستوى التنوع) ، فاذا كان طبق ما يعتبر ” مكيا” أصيلا، ي بات تم ابرازه في المأدبة الزاخرة بأشكال متعددة حتى ولو كان شعبيا ورخيصا ، بحيث يدل على تنوع ثقافة الحجازيين

    من جانب اخر، حاولت الباحثة الهولندية انوك دي كونينغ في كتابها ” أحلام عولمية: الطبقة والجندر والفضاء العام في القاهرة الكوزموبوليتانية” البحث في جغرافية الترفيه الراقي في القاهرة حيثما يتواجد المهنيين من الطبقة الوسطى العليا، والتي أخذت تروج لنمط جديد من الأطعمة مع نهاية التسعينات في القاهرة، عبر تقديم لوائح طعام غربي مثل سلطة سيزر وشطائر كلوب ساندويتش.

    فقد أخذت محال الكوفي شوب والمطاعم الجديدة تنطوي على ادعاء بالانتماء الى العالم الأول. فتصميمها وقوائم الطعام فيها اتخذت من نظائرها في أميركا نموذجا لها، وبذلك أصبح الذهاب الى مطعم مثل تشيللر خبرة جسدية حميمة تشير الى انتماء للطبقة الوسطى العليا، كما أخذت هذه المطاعم والكافيات تعيد رسم خرائط المتعة والاسترخاء وخطوط السير الحضرية التي تتأسس على هذه الخرائط.

    ومن هنا أصبح الفول والطعمية، وهما طعام الإفطار للأغلبية الساحقة من المصريين يوميا، مجرد ” إفطار شرقي”، بعكس المطاعم الجديدة التي باتت تقدم عبر قائمة الطعام الجديدة نوعا جديدا من رأس المال الثقافي الذي يسهل الوصول إليه.

    وضمن نفس السياق، تقدم الباحثة مقارنة غنية للغاية بين هذه الجماعات الذوقية الجديدة العابرة الحدود، وبين رؤية الأنثروبولوجي البريطاني بندكت أندرسن للجماعات المتخيلة.

    حيث يرى الأخير بأن المجتمعات المتخيلة تتخلق عبر اختلاط الخرافة بالحقيقة، فيما تؤمن الحياة اليومية الدليل على التحقق الفعلي للمجتمع. ولذلك تؤمن الكوفي شوب والمطاعم الجديدة مادة غزيرة لمثل هذا التحقق من حيث أنها ترحب بجمهور حصري نسبيا لديه رأس مال كوزموبوليتاني في أجواء غالبا ما تكون كوزموبوليتانية على نحو صارخ. وقد ساعدت الحياة اليومية المنعزلة اجتماعيا التي يعيشها كثير من أفراد الطبقة المتوسطة العليا، على نحو مماثل، في تأكيد القبول بأساليب الحياة والرغائب والتوقعات الخاصة بالطبقة المتوسطة العليا كشيء طبيعي يجري تأمينه بالانغلاق الاجتماعي، عبر خلق حواجز مادية وثقافية تضمن الأداء الذي يتواصل دون مقاطعة لحياتها.

    وبذلك غدت محلات الوجبات السريعة والكوفي شوب التي تقدم أنواع مختلفة من الأطعمة والأشربة، مع نهاية التسعينيات في القاهرة، كفضاءات مؤسسة لجماعات متخيلة جديدة داخل المجتمع المحلي المصري، بشكل أخذ يرسم خرائط جديدة على مستوى التالف والانتماء، ذلك ان الانتماء الكوزموبوليتانية ذا الأساس الطبقي في هذه الأماكن نشأ عنه تشكيلات جديدة للقرب والبعد أدت الى تشريح وتشظية المشهد الاجتماعي القاهري.


    طعام الولي والمجتمع السياسي المحلي:


    من جانب اخر، تفيدنا العديد من الدراسات الأنتربولوجية، أنه داخل المجتمعات التي لا تعرف الكتابة، أو حيث الكتابة ممارسة هامشية يمر جزء من معرفة الناس التنظيمية حيال بيئتهم الاجتماعية عبر توزيع الذبيحة (الطعام القدسي) المصاحب للطقوس الدينية، وذلك لأن العلاقة بين المقدس والسياسي تبرز بشكل أكبر داخل الجماعات المحلية الصغيرة، ولأن الطقوسي لا يختزل دائما في وجود فعل قدسي، بل أنه يمتزج في غالب الأحيان، برهانات سياسية واقتصادية.

    ولذلك سعى الأنثروبولوجي المغربي حسن رشيق في كتابه ” سيدي شمهروش: الطقوسي والسياسي في الأطلس الكبير”، الى معاينة طريقة توزيع الأضاحي المقدمة لسلطان الجن سيدي شمهروش لدى سكان قبيلة ايت ميزان، وذلك باعتبارها أفعالا تحددها بشكل أساسي الدينامية السوسياسية للقبيلة، ولا تحددها الاعتبارات الطقسية الا بشكل خافت.

    حيث تبين لرشيق، أن الشخص العازب داخل القبيلة والذي يطلق عليه محليا اسم “أفروخ ” وهي كلمة مشتقة من كلمة ” فرخ” لا يحصل على نفس حصة رب الأسرة. وهكذا تعتبر منزلته، في هذا السياق الطقوسي على الأقل، دون منزلة الرجل الكامل. ولذلك فان التمييز بين ” أركاز”(الرجل الكامل) و” افروخ ” لا يقف عند المستوى الطقوسي، بل نلاحظه حتى في المستوى السياسي، أي على صعيد تيسير الدوار. فالذي يعتبر ” افروخا” لا يمكنه حضور تجمعات الدوار، ولا يقوم بأداء الواجبات الجماعية، ولا يساهم في إيواء ضيوف الدوار في الاحتفالات. ف” افروخ” لا ينتمي الى الجماعة لأنه قاصر على الصعيد السياسي وليست له شخصية قانونية لأنه خاضع للقانون الجماعي، وحتى لو تزوج الشخص العازب فان هذا الشرط لا يعد كافيا للمشاركة في الحياة السياسية للقبيلة، لأن للأمر مسائل أخرى تتعلق بتواجد الأب الأكبر للعائلة. فالحصول على حصة من الذبيحة واكتساب صفة مشارك في تدبير الشأن العام، يرتبطان بوفاة الأب، أو في الحالات التي تتشكل فيها وضعية تنافسية ومزاحمة داخل العائلة ، بسبب ولادة بيت جديد داخل العائلة ، الأمر الذي يدفع القبيلة الى تقبل هذه الوضعية اما على حساب الأب وتعليق نشاطه السياسي داخل القبيلة ، أو بالتواطؤ معه لأسباب عديدة ، الأمر الذي نعثر عليه بشكل واضح مثلا في دوار البجارية داخل مدينة القامشلي السورية ، حيث فرضت الظروف الاقتصادية الصعبة مشاركة سياسية لأي ابن من أبناء العائلة حالما يمر بطقس العبور المتمثل بالزواج (بالعامية يقال استلم دفتر العائلة) ، الأمر الذي يترتب عنه واجبات جديدة تجاه الجماعة وتجاه المشاركة في طعام العزاء .

    كما أن ما يؤكد – بحسب رشيق-من أن المنطق السياسي هو من يتحكم في التوزيع بدلا عن المنطق القدسي للذبيحة، أن هناك صنف اخر من أرباب الأسر الذين توفي اباؤهم، لا يحصلون على حصة من الذبيحة، حيث برزت أثناء الوزيعة مكانتان اجتماعيتان: ابن البلد والأجنبي. وهذا الأخير، شأنه شأن الشخص المبعد يعيش على هامش الجماعة، واذن على هامش السياسة: فهو لا يساهم في الواجبات الجماعية، لأنه لا يحصل على حصة من الذبيحة، ولذلك فان وضعيته الهامشية يتم التذكير بها بشكل دوري.


    كاتب سوري

    المصدر: جريدة القدس العربي

    .
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    Souvenirs d’un médecin colonial
    Adnan Sebti​



    Le mémoire en médecine du capitaine espagnol Ignacio Iribarren Cuartero, qui a observé une tribu du Rif dans les années 1930, nous livre un précieux témoignage sur le mode de vie et la santé de nos aïeux.

    Nous sommes en mai 1940. Le monde est entré dans une conflagration générale. Comme durant la Première Guerre mondiale, l’Espagne est un pays neutre. Dans la capitale espagnole, un médecin militaire, le capitaine Ignacio Iribarren Cuartero, présente devant l’Université centrale de Madrid (ancienne appellation de l’Université complutense de Madrid) son mémoire de doctorat. Le travail, qui englobe les années 1930, n’est pas très volumineux. Une quarantaine de pages tout au plus, dont quasiment la moitié est constituée de graphiques, de plans, de reproduction d’étranges morceaux de textes arabes manuscrits et de photos, beaucoup de photos.

    Un mémoire en médecine, quoi de plus banal ? Sauf que des mémoires comme celui-là, il n’y en a pas beaucoup. Si le protectorat français a produit une assez importante littérature médicale coloniale sur le Maroc sultanien, la partie espagnole, le Maroc dit khalifien, est resté très pauvre en la matière. On connaît seulement trois mémoires de ce type. Autant dire qu’ils sont rares pour une période de protectorat qui a pourtant duré 44 ans. Sobres et succincts, ces mémoires sont néanmoins de précieux documents qui nous permettent aujourd’hui de posséder une copie conforme de la vie sociale de nos grands-parents, et surtout de redécouvrir les maux dont ils souffraient.

    Une vie rude

    Le capitaine Iribarren a choisi d’intituler sa thèse Travaux d’un médecin militaire dans le Rif. Il a pris comme modèle une tribu qu’il connaît bien pour y avoir exercé pendant quatre ans, celle de Beni Saïd. Les photos de ses patients qu’il publie dans son mémoire sont peut-être banales à l’époque, surtout pour un médecin colonial confronté aux tares de la guerre et à la destruction de vies humaines, mais aujourd’hui elles sont d’une extraordinaire bestialité. Une terrible réalité qui nous révulse, mais qui est alors le pain quotidien de ces populations abandonnées à leur sort dès avant le protectorat, un peu moins durant. Ces photos sont absolument horribles : des chairs humaines décomposées, des visages – si on peut encore les appeler ainsi – rongés et détruits par la maladie et, surtout, même si le docteur Iribarren ne le voit pas, un effarant sentiment de fatalité dans le regard des malades. Ces maladies, éradiquées ou mieux soignées depuis, ne le sont pas à l’époque. Depuis, elles ont presque été gommées de notre mémoire collective.

    La tribu des Beni Saïd, qui est située aujourd’hui dans la province de Nador, est bordée au nord par la mer Méditerranée. Elle est limitrophe des tribus Temsamane et Beni Oulichek à l’ouest, de Metalsa au sud et de Beni Sidel à l’est. C’est une tribu assez représentative de la population rifaine de l’époque par son mode de vie et sa vie sociale. L’eau, élément essentiel de la vie, n’est pas très abondante sur son territoire, si l’on exclut quelques affluents du fleuve Kert, qui sépare les Beni Saïd des Beni Sidel. A Beni Saïd, comme dans tout le Rif, la force de l’aridité de la terre et le manque d’eau sont légendaires et ont contribué à la formation du caractère spartiate et indomptable du Rifain. S’adapter au climat et vivre avec peu, très peu, telle a été la vie et la devise des Rifains pendant des siècles.

    Le médecin colonial Iribarren note que la construction des maisons et des villages est régie par un critère de « défense guerrière ». Les maisons ne sont pas bâties pour la commodité de leurs occupants mais pour se défendre d’un ennemi extérieur, souvent local ou peu éloigné. Des murs constitués de plantations de figues de barbarie ceinturent la maison, tandis que portes lourdement cadenassées et petits labyrinthes à l’intérieur des demeures sont censés retarder le visiteur indésirable avant qu’il n’arrive au patio central. La maison traditionnelle de Beni Saïd est une authentique « forteresse », s’exclame Iribarren.

    En fait, ce dernier décrit sommairement ce que précisera quelques années plus tard l’anthropologue américain David Montgomery Hart, qui vivra durant une décade parmi les Aït Ouriaghel, la grande confédération de tribus située plus à l’ouest. Beni Saïd compte alors 20 559 âmes, dont 4852 femmes et 5370 hommes. La natalité y est déjà explosive : 10 337 enfants. En matière de culture et d’instruction, le dénuement est total. « Les habitants de Beni Saïd sont peu instruits. Leurs connaissances se réduisent à quelques versets du Coran, appris d’une manière monotone à force de les répéter en regardant une table qu’ils finissent par déchiffrer. A force de répéter jusqu’à l’infini les sourates du Coran, ils arrivent à en apprendre quelques-unes de mémoire », signale Iribarren.

    Magie, folie et médecine

    La croyance en la magie et la sorcellerie occupe une grande place dans la société rifaine, chez la femme en particulier. Le port d’amulettes contre le mauvais sort est généralisé. Le docteur Iribarren décrit comment les Rifains pratiquent la saignée une fois par an, durant le printemps de préférence, afin de débarrasser leur organisme du mauvais sang chargé des « mauvaises humeurs de l’hiver ».

    Il observe que, dans la vie de « l’indigène », il n’y a pas d’alcoolisme et que son système nerveux est « complètement au repos, libéré de toutes les commotions provoquées par la vie moderne ». Il remarque également qu’il y a très peu de malades mentaux et que les Rifains croient que la cause de la folie est une malédiction envoyée par Allah ou par le diable, c’est selon. Si le fou est calme, c’est Dieu qui lui a infligé ce mal ; s’il est agité, c’est qu’il est possédé par le diable. Les fous sont laissés en liberté. Faute de pouvoir s’en occuper, les familles de certains d’entre eux les déposent à côté des marabouts où ils sont nourris grâce à l’aumône des pèlerins. Certaines zaouïas les prennent aussi en charge, tentant à force d’incantations et de prières d’expulser le mauvais génie qui les habite. D’autres malades s’isolent volontairement au sommet des monts considérés comme sacrés. Sont-ils fous ou simplement ermites ? Le docteur Iribarren opte pour la première option.

    Comme il fallait s’y attendre, la « concurrence » des gardiens de marabouts et des zaouïas est féroce. L’introduction de la médecine moderne dans des terres et des mentalités habituées à la prééminence du fqih ou du s’hour est souvent considérée comme une « agression », une entorse à l’ordre naturel des choses. A quoi bon lutter contre la maladie si le mektoub en a déjà décidé autrement ? Pour amadouer les populations réticentes à s’ouvrir à l’étranger, au nasrani, l’occupant essaye souvent de se rapprocher des hommes de religion. Contre quelques prébendes, on parvient à désarmer quelques animosités.

    Des populations hostiles à la médecine

    Nous sommes à la moitié du mémoire et c’est à ce moment que le docteur Iribarren aborde pleinement l’exercice de sa profession dans le milieu hostile décrit plus haut. Il explique la difficulté pour un médecin de campagne à faire accepter à des populations privées de tout et ayant vécu durant des siècles en autarcie une campagne de vaccination censée les protéger contre les épidémies qui les déciment. Il donne un exemple, celui de la vaccination antivariolique. Pour vacciner la population, les Espagnols imitent une méthode instituée par le général Lyautey pour pacifier le Maroc : la « tache d’huile qui s’étend ». On ouvre un dispensaire et on commence à soigner des populations méfiantes et inamicales. Là où le guérisseur a échoué, le médecin réussit à remettre sur pied le moribond. Ainsi, les malades soignés et leurs parents ébahis se chargent de faire connaître le miracle à des lieues à la ronde. Ce qui accroît le prestige de la France auprès des populations indigènes.

    Pour lutter contre la variole, le docteur Iribarren se déplace personnellement à l’intérieur de la tribu. C’est une campagne de prévention ambulante. Mais il ajoute une « motivation » : il promet une petite pièce de dix centimes à chaque enfant qui se fait vacciner. Au bout d’un certain temps, il se retrouve entouré de dizaines d’enfants venus, non pas pour se soigner, mais pour recevoir l’argent. « Ah, le pouvoir de l’avidité ! », soupire-t-il. Autre difficulté : mener des campagnes de vaccination auprès des adultes sans provoquer la méfiance des populations. La vaccination, selon les gens de Beni Saïd, a pour but de détecter les hommes en bonne santé pour les enrôler dans l’armée. Et même quand ils acceptent de se faire vacciner, il faut trouver un lieu neutre. Les haines séculaires entre familles font qu’elles ne peuvent se croiser sans risque de voir le sang couler.

    Les maladies qui frappent les Beni Saïd, leurs pathologies, ne sont pas très différentes de celles de l’Europe. Il n’y a pas de maladies tropicales puisque la flore et la faune du Rif sont quasiment les mêmes qu’en Espagne. On y trouve ainsi les mêmes maladies que dans la péninsule ibérique. Maladies infectieuses, oculaires, tumeurs, troubles des différents appareils : respiratoire, digestif, urinaire, etc. Rien de nouveau, rien de distinct de ce qui existe en Europe, explique Iribarren. La seule différence qu’il souligne est l’évolution de la maladie. Abandonné à son sort et faute de tout, le Marocain du protectorat espagnol, qui n’a pas accès aux soins, succombe à des maladies qui ne sont plus mortelles.

    Les ravages du paludisme et de la syphilis

    Mais d’autres maladies, par leur agressivité et l’étendue de la contagion et de l’épidémie, ravagent la tribu des Beni Saïd. Ainsi que tout le Rif, précise le docteur Iribarren. Il s’agit du paludisme et de la syphilis. De véritables fléaux, deux problèmes majeurs de santé publique. La principale source d’infection du paludisme se trouve dans l’eau, celle des puits, des retenues et des bassins. Comme tout le monde utilise ces points d’eau pour se désaltérer, un bilan s’impose : rares sont les Rifains qui ne sont pas ou n’ont pas été infectés par cette maladie. Outre la prévention, c’est-à-dire la désinfection des eaux et la surveillance des principaux points d’eau, appliquer un traitement pour soigner les malades ou les personnes à risque est une tâche particulièrement ardue : après avoir pris de la quinine, ceux qui se sentent un peu mieux arrêtent leur traitement et rechutent. Une partie de la population se montre carrément hostile aux campagnes de désinfection, craignant un empoisonnement général et délibéré des musulmans par les chrétiens…

    Cependant, la grande maladie à laquelle se dit confronté le docteur Ignacio Iribarren durant son séjour au Maroc, c’est indubitablement la syphilis. Une véritable calamité dont on n’a aucune idée aujourd’hui. « Il suffit de jeter un coup d’œil hâtif dans un souk pour qu’immédiatement votre attention soit attirée par quelques hommes ou femmes qui se voilent le visage avec un chiffon et laissent entrevoir uniquement leurs yeux en ectropion, la plupart souffrant des troubles oculaires. (…) Si vous dévoilez ces visages, vous vous retrouverez avec l’aspect le plus répulsif. Gommes de la face, syphilides ulcéreuses avec des caries des os. Syphilis associée au lupus qui donne au visage un aspect monstrueux. Le nez disparu, la face élargie d’une manière apparente, les lèvres serrées contre les maxillaires laissent entrevoir des dents mal implantées. Le tout est un cataclysme. (…) La syphilis marocaine est implacable. Elle détruit les téguments, corrode les os, laissant ses traces impérissables ». Et Iribarren d’ajouter : « C’est à se demander s’il existe une famille ou un individu libre de la syphilis. (…) Ici, c’est un pays où la diffusion de la syphilis inonde totalement la masse, c’est extraordinaire ».

    Si le docteur Iribarren a choisi la tribu des Beni Saïd, c’est qu’il est arrivé à la conclusion, sans pour autant en donner les raisons, que comparativement avec d’autres tribus rifaines, le paludisme et la syphilis frappent ici avec une inusuelle intensité. Sur une période de quatre ans, il constate que 85,3% des cas de paludisme concernent des hommes et 7,1% des femmes. Pour la syphilis, le taux chez la femme est sensiblement plus élevé (43,7%) et celui de l’homme moindre (25%). « Le reste des chiffres correspond aux enfants », conclut-il sans plus de détails. Manque de prévention chez la femme, réticences des Rifaines à se rendre dans les dispensaires, le docteur Iribarren se lamente que des enfants puissent souffrir de la syphilis.

    Un travail et une époque oubliés

    Le mémoire du capitaine Ignacio Iribarren Cuartero est publié en 1942 par l’Institut Général Franco pour la recherche hispano-arabe. Puis il tombe dans l’oubli. De son auteur on ne sait rien, hormis quelques très rares références dans des articles de revues scientifiques. Si la plupart des maux qu’il décrit dans son travail ont décru considérablement grâce à la médecine moderne, il reste que le paludisme n’a pu être éradiqué qu’en 2010.

    Quant à la syphilis, si elle est devenue rare, elle reste encore de nos jours imprévisible. L’action curative de la pénicilline est certes efficace et il n’y a plus de pandémie, mais de temps à autre, des experts notent une recrudescence atteignant les proportions de l’ère pré-antibiotique. En somme, si la syphilis qui ravageait la santé des habitants de la tribu des Beni Saïd n’est plus ce qu’elle était, elle est toujours là. Soixante-dix ans après avoir été décrite par le docteur Iribarren




    Zamane​
    .


    .:​
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة




    Un bon pour la misère
    Année du bon
    PAR SAMI LAKMAHRI



    Communément appelé am el boune, la période de la seconde guerre mondiale est marquée par un rationnement drastique des produits de première nécessité au maroc. Une terrible famine marquera longtemps les corps et les esprits

    Les anciennes générations parlent de am el boune ou l’année du bon. En réalité, ce n’est pas une mais sept années de rationnement qui ont touché les Marocains entre 1940 et 1947. A cette période, l’argent n’a de valeur que pour se procurer ses fameux coupons, seul moyen de subvenir aux besoins les plus élémentaires. La politique du rationnement imposée par le Protectorat entraîne une catastrophe humanitaire de grande ampleur. Un comble pour un régime qui se définit lui-même comme un « protecteur ». Derrière les discours et la falsification des chiffres morbides, la France n’a d’objectif que sa propre survie, dans un conflit qui ébranle fatalement ses colonies. La population marocaine n’échappe pas à « l’invitation » à participer à l’effort de guerre. Outre les tirailleurs engagés sur le front, l’ensemble de la société est concerné par le rationnement. Nul ne peut s’y soustraire. Le doute s’installe. L’anarchie le suit. Le système de rationnement est un facteur important de la transformation sociologique du Maroc. Les habitants ruraux, ultra majoritaires en cette moitié de XXe siècle, migrent en masse vers les centres urbains. L’historien Daniel Rivet parle de la fin d’un Protectorat « courtois ». A la fin de la guerre, les Marocains comprennent que la France ne leur veut pas que du bien. De quoi alimenter la pensée nationaliste au cours de la dernière grande famine que le pays ait connu.
    Le règne du « boune »
    En 1939, l’atmosphère européenne est viciée par l’odeur de la poudre. La France, sûre de sa force et du soutien de ses colonies, se prépare à affronter la redoutable armée allemande. Le 24 juin 1940, la bérézina française se solde par le traité d’armistice. La défaite est politique, militaire, mais également économique. Le gouvernement vichyste est asphyxié et peine à nourrir sa propre population. Bien que la moitié sud de la France demeure « libre », le pouvoir est perdu dans sa zone nord, principal moteur économique du pays. En métropole, les pénuries s’aggravent et le rationnement est imposé. Néanmoins, les autorités n’ont plus d’autres choix que d’accélérer l’exploitation des richesses de leurs colonies. Dans l’urgence, des mesures s’abattent d’abord sur les territoires les plus proches, à savoir ceux d’Afrique du Nord. Dès l’été 1940, le décret du système de rationnement au Maroc tombe comme un couperet. Afin de faire passer la pilule, le Protectorat sollicite immédiatement l’appui du sultan Mohammed Ben Youssef, qui exhorte sa population à contribuer, sans conditions, à l’effort de guerre. Le professeur Boujemaâ Raouyane, un des rares à avoir étudié la quotidienneté marocaine pendant la Seconde Guerre mondiale, affirme l’existence d’une preuve de l’implication directe du Makhzen. « Nous avons récemment retrouvé une lettre signée de la main du sultan Mohammed Ben Youssef datée de l’été 1940 dans laquelle il s’aligne totalement en faveur de la politique coloniale. Il y est stipulé que tous les Marocains ont l’obligation de faire des sacrifices pour soutenir l’effort de guerre français. Cette lettre était lue dans toutes les mosquées du pays ». Prise de court, la population n’a d’autres choix que de se plier rapidement à un nouveau mode de vie. Cela implique que l’achat des besoins élémentaires ne peut s’opérer sans la présentation d’un ticket de rationnement, le fameux « boune ». Pour les classes les plus défavorisées, les produits concernés sont extrêmement limités. Il s’agit – quand il est possible d’accéder au bon – de pouvoir se procurer principalement du blé, du thé, de l’huile et du sucre. Les Français du Maroc sont également soumis à des restrictions, mais la palette de produits à pourvoir est plus large, comme le cacao par exemple. Tous les mois, les journaux réactualisent les produits soumis au rationnement et la quantité disponible dans chaque localité. Ce sont les moqadems et les caïds qui sont chargés de la distribution du précieux sésame. Naturellement, mieux vaut être dans leurs petits papiers au risque d’être tout bonnement privé de nourriture. Dans ce cas, le salut arrive souvent du marché noir qui fait exploser l’économie souterraine en ce début des années 1940. Les Marocains s’adaptent tant bien que mal jusqu’à l’imminence d’une pénurie tragique.
    La famine et les épidémies
    L’Histoire incombe la grande famine des années 1940 à une sécheresse ravageuse. Un alibi qui convient parfaitement au Protectorat, soucieux d’embellir son image au chevet du peuple marocain. La réalité est différente. D’après le professeur Boujemaâ Raouyane, la pluviométrie enregistrée en 1940, 1941 et 1942 atteint des records. La production céréalière est à son apogée. L’année 1941 est même restée dans les mémoires comme celle du « rat » : am el far. Un signe d’opulence car la population de rongeurs se multiplie dans les champs lorsque les récoltes sont abondantes. Malgré cela, les producteurs n’en profitent pas puisque la grande majorité des produits sont envoyés directement en métropole. Le Maroc, plus que toute autre colonie, devient le grenier de la France. Seulement, la combinaison du système de rationnement et de la rareté des ressources disponibles au Maroc mène le pays à la catastrophe. Le manque d’hygiène et de nourritures sévit d’abord dans les campagnes où apparaissent rapidement les trois grands fléaux que sont la peste, le typhus et la fièvre. L’historien Daniel Rivet décrit les « grappes de morts » partout dans le pays. Les archives françaises évoquent des Marocains « presque nus » du fait de la rareté du textile. Les linceuls des cadavres sont même régulièrement pillés pour en faire des habits pour les vivants. Le phénomène se développe au point qu’apparaissent, en 1943, des linceuls échangeables gratuitement contre un bon. La situation est tellement grave que les Français tentent de masquer la réalité en minimisant l’impact de la famine et des épidémies. Les chiffres officiels font état de 200 000 victimes. Pour notre chercheur, la seule année 1945 déplore plus de 300 000 morts. L’un des rares recours est de migrer vers des régions davantage épargnées telles que les zones de débarquement américain où les soldats offrent des provisions à la population. Leurs poubelles sont visitées par les Marocains, et un marché destiné à la revente des vivres et objets récupérés, s’est ouvert à Casablanca. A l’approche de l’année 1945, tous les voyants sont au rouge et la sécheresse s’invite au drame. Paradoxalement, la France prépare sa délivrance et n’hésite pas à lancer une souscription pour collecter « le milliard de la libération ». Incroyable scénario dans lequel la propagande lance un appel à aider « les enfants de France » dans un pays en plein chaos. La période de « am al boune » subsiste par voie de transmission orale et à travers des chansons populaires. Pour le reste, circulez il n’y a rien à voir… ni à manger




    ..

     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    امتلاك الجن للإنس كشكل للمقاومة الثقافية بالمغرب
    محمد معروف

    [​IMG]






    يحتضن المشهد المارابوتي اليوم على امتداد البوادي المغربية العديد من المراقد المارابوتية المقدسة التي لا تزال تمثل خطا حدوديا يسيج حرمات تتخلل المناظر الطبيعية، مرصعة بجدران خارجية بيضاء، وأشكال هندسية مقببة، تترد فيها أوراد المريدين وأناشيدهم، و رقصات المتوسلين، مشربة بالعطور والأبخرة. وتعتبر الطقوس المارابوتية التي تشمل عملية صرع الجن، ورقصات الحضرة، شكلا من أشكال التعبير والتواصل المقبول اجتماعيا، حيث تعمل على ترويض النوازع العدوانية، و الإحباطات الناتجة عن القهر والغبن والتعاسة، وضنك العيش وهمومه، فتلبي حاجيات الذات الاجتماعية، النفسية منها والعاطفية، وتخلصها، ولو بشكل مؤقت من عتمة المصير، وتزرع الأمل بداخلها، مؤكدة أن الإغاثة والفرج قادمان لامحالة، كما أنها تستجيب لاحتياجات المجتمع العاجلة، من خلال العلاج بالوهم (Placebo)، والخلاص السحري، و محاولة التخفيف من عبء مشاكل المرض، و الضيق الاقتصادي و الاجتماعي، والحفاظ على التماسك الاجتماعي.

    تزدهر الموسيقى الشعبية العلاجية بفضل مجموعة كبيرة من العوالم الروحية المارابوتية، و الإيقاعات الموسيقية التي تتخللها رقصات الجذبة والحضرة، و عمليات طرد الجن. وتظل الأسس المعرفية لهذه الممارسات الثقافية غريبة عن بعض الشرائح المتمدرسة التي قد تسترشد بالمعتقدات التجريبية المادية، فتلاحقها الحيرة، وقد تعتبر هذه الطقوس هرطقة ثقافية، بدلا من أن تنظر إليها كشكل من أشكال التصوف الشعبي الموجود على أرض الواقع، والذي يجب دراسته وفهمه في نهاية المطاف، أضف إلى ذلك انتشار الفكر الديني المتمذهب، الذي يخطئ هذه الثقافة بجميع أشكال تدينها، وعلى خلاف ذلك، يجب تفكيك رموزها الثقافية، و قراءتها قراءة علمية، فرفضها واعتبارها إسلاما خاطئا ، لن يغير من واقع الأشياء.

    نحن نجادل على أن ثقافة الامتلاك الجني المارابوتية لازالت على قيد الحياة، و تعمل بشكل فعال، إذ يمكن من خلالها تسليط الضوء على ما يشعر به معظم المغاربة تجاه نظامهم السياسي و الاقتصادي الحالي، و كذلك على كيفية مقاومتهم للهيمنة السياسية و الاقتصادية، إذ يبدو أنه في عمق هذا المنطق الثقافي، يتم توظيف طقوس الامتلاك والحضرة بوصفهما شكلا من أشكال المقاومة الثقافية ضد الهيمنة.

    هناك العديد من المسارات لأطروحتنا، فمن الناحية النظرية، يفترض امتلاك الجن للإنس نفاذية الجسد، إذ أن القوى الخارجية المهيمنة التي لا يمكن استيعابها في أشكالها التجريدية، قد تدخل جسم الإنسان على شكل أرواح، وأشباح، وجن، وسحر، ولها قدرة على السيطرة والتحكم في الذات الاجتماعية، ولا ينظر إليها على أنها ملتحمة بالجسد، بل إنها منفصلة ومستقلة عنه، ومختلفة اجتماعيا، فهي تنتمي إلى مجموعات، وجندريات، وأعراق غريبة، لكنها تظل معروفة ومألوفة بطريقة أو بأخرى، وقادرة على بعض العطاءات، وتوجد داخل العالم اليومي. تعتبر هذه العملية برمتها وسيلة لاستشعار القوى الهيكلية الكبرى الماكروية التي لا يمكن فهمها بشكل مجرد، من طرف الأعضاء الاجتماعين الرابضين في أسفل الهرم الاجتماعي، كما لا يمكن إدراكها مباشرة عبر اصطلاحات ثقافية محلية ملموسة.

    نحن نرى أن هناك أشكال تحدّ كثيرة ترتع في هذه التربة الصوفية الخصبة، و يمكن نقل أغراسها إلى تربة مآزق حديثة وشتلها من جديد، فعلى سبيل المثال، لما تنعقد المحكمة الطيفية الأسطورية خلال محاكمة الجن، ببويا عمر، أوابن يفو، أو سيدي شمهاروش، على الأقل داخل هذا النوع من المحاكم ينصت إلى المتوسلين، ويحصلون على قسط من القصاص ولو بشكل وهمي، وهذا أكثر مما يحصلون عليه في واقعهم المعيش لمجابهة ضنك الحياة الاجتماعية، ومظالمها الاقتصادية والسياسية العديدة.

    يمكن الامتلاك الجني الوسيط البشري المضيف من إظهار بعض القدرات المتساوية أمام نظيره الجني، ولا يزال هذا الأخير حتى الآن قوة غير مفهومة بالنسبة للعضو الاجتماعي، بالرغم من شخصنته في صفات آدمية، فإن الامتلاك الجني، ليس سحقا لحشرات دون لون أو خيال بشري، إذ أن الذات الاجتماعية المضيفة قد لا تستطيع السيطرة على مصيرها، ولكن على الأقل تستطيع الابتلاع المحتمل لكثافة من القوى الهيكلية الغريبة و المخيفة حقا، من خلال تجسيدها في كائن جني أكثر أنسا، وبالرغم من أنه قد يكون مؤذيا، فإنه على الأقل قابل جزئيا للتحاور و السيطرة.

    إن ابتلاع القوى الاجتماعية على نطاق واسع وهضمها، باعتبارها سكنا داخليا، يعترف على الأقل بأهمية التوسع البشري من خلال احتضان قوى غير شخصية ، وعلاوة على ذلك، فإن الاحتلال المزدوج للجسد (آدمي وجني) على الأقل يطرح عمليا إن لم يكن فلسفيا موضوعا حول كيف يفترض أن تكون الذات الاجتماعية المستقلة، وما نوع الخطاب الذي من المفترض أن ترقص عليه، وهذه جميعها ملفات مغلقة في السجل الحاكم المهيمن، إذ لا يعرف كيف من المفترض أن تتحول الذات الاجتماعية المقهورة إلى ذات رافضة معارضة و محتجة.

    في الواقع، إن السياسة المارابوتية للمقاومة محاصرة في حلقة مفرغة من السلطة التي اشترت ولاءاتها مقدما، ولهذا تظهر الذات المارابوتية كذات نفاذية مدربة على التحدي، و إعادة النظر الرمزيين في السلطة، لكن دون اختراع أشكال احتجاجية جديدة لفائدة الذات الاجتماعية، أو زعزعة استقرار الأشكال الراسخة للوجود والمعرفة.

    و في هذا السياق، تدور المقاومة المارابوتية في دوامة من العلاقات السلطوية الثابتة، والمقفلة مسبقا من قبل المؤسسة المارابوتية، إذ تسود مظاهر مكافحة الهيمنة في شكل طقوس، ورقصات الحضرة، وعمليات طرد الجن، لكن دون أن تستطيع الذات الاجتماعية من خلالها الهروب من وضعها الاجتماعي، وذلك بالرغم من أنها تستطيع أحيانا التملص من التقاليد والأعراف المحيطة بهذا الوضع. وقد تصبح الذات الاجتماعية بطريقة أو بأخرى حرة على المستوى الرمزي، تتحدى و تتجاوز القواعد والقوانين الاجتماعية على الأقل لفترة من الوقت، وهذا قد يعتبر نوعا من الخلاص السحري الذي لا يمت بصلة إلى التحرر الاجتماعي المنشود. وقد ينظر إلى هذا على أنه حيلة من السلطة للترخيص للذات المحتقنة بتفريغ نوازعها وشحنتها الحاقدة وتخفيف توتراتها حتى تعود مستعدة للقبول برتابة الحياة الاجتماعية، و تسلسلاتها الهرمية، لكن تظل تلك المعاني البديلة كامنة في كل وقت، ويمكن أن تطفو على السطح من جديد في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية المناسبة، لأن التدين الشعبي أبقى بذور المقاومة على قيد الحياة، حيث يمكن زرعها من جديد في تربة ثقافية مختلفة.

    و عموما، يعتبر استمرار إحياء طقوس طرد الجن ورقص الحضرة بين العوام بمثابة جمود هذه الفئة سياسيا، إذ أن أي تحرك ملموس نحو التحرر الاجتماعي، لم يحدث بعد، ويمكن أن ينظر إلى هذا الشكل من المقاومة الثقافية كنشاط تحويري وهمي، يقوم من خلاله المستضعفون بطرد الخطر في الخيال دون أي جرأة على إدراك خطر الظالم الحقيقي ومواجهته. إن الخطر القسري والخوف الملهم القادم من الحقائق الاجتماعية، أو القوى مجهولة الهوية، قد يتمثل في الخيال على شكل مرئي-خفي من الجن أو الشر، و يرمز إليه بالاسم والصورة والسلوك الاجتماعي، فاليهود، على سبيل المثال، الذين لم يتمكن العرب من هزيمتهم في الواقع، يتمثلون ثقافيا كجن و مردة لا تقبل الهزيمة في الأساطير المغربية، حيث هناك إجماع واضح بين المعالجين والمرضى على حد سواء على قوة الجن اليهودي التي يصعب تجاوزها، ويعتقد أن يكون الصنف الأكثر ضررا من الجن، تماما مثل نظرائهم الإنس، ويعتقد أنهم كذابون، ويقومون بتعذيب الجسد الذي يمتلكونه، ويوهمون المعالج أثناء عملية صرعهم بالخروج، إذ يتمردون و يتحايلون عليه عبر إعطائه العهود ونقضها.

    يعتبر السلطان الأسود (السلطان الكحل) شخصية أسطورية أخرى سكنت المخيلة الشعبية المغربية لعدة قرون، فهي رمز للحاكم الذي يمارس الإرهاب والقمع في المخيال الشعبي، وهو لا يقهر لا في الواقع ولا في الخيال على حد سواء، وقد لاحظنا أن المرضى الذين يزعمون أنهم تحت سيطرة الأسود (الكحل) لا يسعون إلى طرد الجني، ولكن يعمدون إلى مجرد تهدئته عبر طقوس، مثل رقصات الحضرة، وذبح القرابين لعقد تسوية سلمية مع أوامره، وإبرام عقدة هدنة إلى حين. لقد كان السلطان الأسود (السلطان الكحل)، تاريخيا، كنية أطلقها العوام على أبي الحسن المريني أو مولاي إسماعيل، ربما بسبب سواد لون بشرتهما، و اشتهر المولى إسماعيل بقسوته التعسفية القمعية العنيفة، و التعذيب اللأخلاقي، وقطع الرؤوس في الأماكن العامة، وتهدف هذه الممارسات إلى إرهاب قلوب الناس وملئها بالرعب والفزع. ووفقا لتراجم الأولياء وسيرهم، لا يمكن لأي سلطة أن تقف ضد جبروته سوى بركة الأولياء، ولا يجب أن ننسى أن الحاج التهامي الكلاوي الذي شغل منصب قائد بمنطقة الحوز لقب هو الأخر بالسلطان" الكحل ".

    وتوجد في الأساطير المغربية هوية جنية أخرى تدعى عائشة قنديشة (وهذا اللقب، هو تشويه صوتي لللقب التشريفي البرتغالي "كونديسسة" [السيدة النبيلة])، وهي شخصية أسطورية قوية عنيفة، لكنها تختلف عن النموذج السابق لكونها مناهضة للهيمنة. وتتمثل في المخيلة الشعبية كمصدر خوف يلازم البرية والبحر وعالم الظلام. تاريخيا، كانت عائشة قنديشة محاربة خلال الحقبة الاستعمارية البرتغالية في المغرب، وتميزت بتكتيكات حرب العصابات، وأبرزت نهجا وتكتيكا قتاليا غير عادي عن طريق استدراج الجنود إلى البرية، وقتلهم، والتنكيل بهم عن طريق تقطيعهم وتشويه جثثهم. وقد زرعت عمليات القتل الوحشية والتشوهات التي أحدثتها في جثث العدو الرعب في قلوب السكان الأصليين إلى درجة أنهم بدأوا يشككون في ما إذا كانت عائشة إنسية حقا، فالأهوال الأسطورية التي نسجت حولها، رمت بالتأكيد إلى إضعاف معنويات العدو وإرادته وقوته. و يمكن أن تكون هذه المحاربة الشجاعة قد توفيت في الواقع، لكنها عاشت في الخيال الشعبي كأميرة جنية، تصول و تجول دون رادع في البرية عند حلول الظلام.

    ونستدعي مثالا آخر من عالم الجن، فنتأمل كلمة (باشا)، حيث تعزى إلى الجني المسمى الباشا حمو، و كلمة باشا لفظ لغوي يموضع الجني في الزمان والمكان، إذ يشير إلى لقب تشريفي إداري مغربي خلع على عالم الجن، وهذا مثال يضاف إلى الأمثلة السابقة عن كيفية إسقاط المغاربة لخوفهم الوهمي من القمع على عالم الجن. ويبدو مجتمع الجن مشابها تماما للمجتمع المغربي، حيث يشتمل على السلاطين، والقياد، والباشاوات، والقوات المساعدة (المخازنية)، وهذه جميعها شخصيات توراتية (archetypal) تمثل صورا مصغرة من القمع والترويع اللذين تختزنهما المخيلة الشعبية.

    ووفقا للفقهاء المعوذين الذين قابلناهم خلال قيامنا بمشاريع بحثية في الموضوع، يعتبر الباشا حمو واحدا من ملوك الجن، وهو جني لا يقهر يتردد على المذابح والمسالخ (نحيرات)، وهو جزار يحب الدم، فالجثة ( الخشبة) التي يدخلها تحب رقصة الحضرة، و ممارسات ضرب الأطراف، وجلدها، وشقها، وتجريحها، وبالنسبة للنساء، فإنه يتسبب لهن في النزيف. وهذه الخصائص تساعد على الإسقاط اللاواعي الجماعي للباشا الحقيقي، تلك الشخصية القمعية التي ملأت قلوب الناس بالرعب.

    إذن، في الأساطير المغربية، يعكس عالم الجن العالم الاجتماعي، فكثير من الجن هو بمثابة إسقاطات لصور الهيمنة التي مارستها شخصيات تاريخية مستبدة تركت على الكرامة الجماعية الشعبية ندوبا أسطورية لا تمحى، وخير دليل في هذا الصدد، هو المثال أعلاه للجني الباشا حمو الذي يعتبر بناء أسطوريا خياليا للباشا التاريخي الحقيقي. في الواقع، كان هناك بالفعل اثنان من القواد التاريخيين الحقيقيين الذي مارسوا القمع، و كلست أسماؤهم السجلات التاريخية المغربية: هناك الباشا حمو بن العباس (1875-1975)، الذي حكم منطقة دكالة بقبضة من حديد خلال الحقبة الاستعمارية، و لازالت الذاكرة الشعبية في دكالة تحتفظ بروايات حول أحكامه الصارمة، لكن المنصفة أحيانا، إذ حمل مؤيدوه شعار أن له قفطانا بلون الكبريت، وأن حكمه ينطق بالحقيقة: "قفطانو كبريتي وحكاموا فيريتي"، و هناك الباشا حمو، الذي توفي في عام 1900، ودفن في مقبرة سيدي و سيدي بتارودانت، والذي اشتهر بقطع الرؤوس إلى درجة أن الروايات التاريخية تحدثت عن عدد الرؤوس المبتورة والمعلقة في الساحات، والتي تفوق عدد شرفات أسوار المدينة.

    ونود أن نجادل هنا على أن التطابق الدقيق بين الشخصيات التاريخية وتمثلهم الأسطوري لا يهمنا في هذا النقاش، لأن تمثل الباشا حمو لا يمكن على أي حال تمييزه من الصورة الاجتماعية للسلطان الأسود، فكلاهما من الجن الذي قد يكون تجسيدا أسطوريا لمشاعر الخوف والإرهاب التي طبعت الثقافة المحلية، من قمع، وهيمنة السلاطين والمسؤولين الذين حكموا القبائل بطريقة وحشية، وغير إنسانية في تاريخ المغرب.

    إن الأنغام العيساوية القادمة من مدينة مكانس، عاصمة الحكم الإمبراطوري فيما مضى، و كذلك الممارسات السادية المازوخية لطائفة حمادشة التي تتميز بضرب الرؤوس وشقها، كلها ذكريات شعبية تؤرخ بشكل درامي لمقاومة السلطان الأسود، وحكمه الاستبدادي الأسطوري، أضف إلى ذلك تمثيل دراما الباشا حمو، مصاص الدماء (الشارب دمو)، الراقصة و الملطخة بالدماء، وتجسيمها الاجتماعي. إذن، فالتعذيب الرمزي والوهمي الذي يمارسه السلطان الأسود الجني، و شق الجسد الذي يمارسه الباشا حمو— على الرغم من تباعدهما في الزمن التاريخي— يتجلى في استحضارهما في الزمن الأسطوري معا في أشكال درامية دموية تتألف من طقوس رقص الحضرة، يؤديها مجموعة من الوسطاء وأتباع الطوائف، بشكل دوري يتم من خلالها استدعاؤهما لحضور محاكمتهما الأسطورية، ويتم إعادة تمثيل الجرائم والمظالم والعدوان وسوء المعاملة التاريخية للذات الاجتماعية في طقوس و تمثيليات صامتة لاواعية تتسم بالرقص والهذيان. ويمكن اعتبار مثل هذه النماذج الثقافية من الرقصات و الحضرة، على حد تعبير فانون، "جهودا ضخمة لا شعورية يبذلها مجتمع يحاول جاهدا أن يروض مشاعر خوفه، وإحباطاته، ويحاول أن يفهم ذاته لتحريرها من قيود الهيمنة."

    بالرغم من أنه من السهل إدماجه في النظام الاجتماعي، يرمز التمثل الثقافي للرعب في شكل الأرواح والجن بالمخيلة الشعبية المغربية إلى أن المقاومة الثقافية، من خلال عمليات طرد الجن، ورقصات الحضرة، لا تزال ممارسة ثقافية نابضة بالحياة، وتضمن مساحة رمزية للجماهير، لممارسة بعض السلطة على الرغم من عدم تغيير الأوضاع، أو القيام بتحدّ قد يزعزع العلاقات الثابتة للسلطة. ولا يزال الامتلاك الجني يظهر جوانب من المقاومة والأنا الظاهراتية التي قد تفضح السلطة الحاكمة وتقوضها، إذا تغيرت الظروف الاجتماعية، وتسرب خطاب التوعية الثقافية إلى ثنايا الطبقات الدنيا في المجتمع، وحتى الآن، أضفت هذه الممارسات شرعية على التسلسلات الهرمية الاجتماعية، و علاقات القوة غير المتكافئة، عن طريق تنشيطها و تمثلها في الطقوس، ولكن الاحتواء لا يعني الهزيمة.

    إن بذور التمرد والتطبع على مكافحة الهيمنة، لا تزال كامنة تحت هذه الرموز الصوفية، إذ نصر أنها لازالت جاهزة دائما كأدوات ثقافية ملحقة قد ترتبط بأشكال احتجاجية حديثة في ظل ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة. ولا تزال المقاومة و الأنا الظاهراتية موارد لأنواع بديلة من التعبير تحت أشكال جديدة وضمن أزمات جديدة.



    * هذا المقال عمل مشترك بين د. بول ويليس، حاليا أستاذ بجامعة بكين –الصين

    * أستاذ بجامعة شعيب الدكالي – الجديدة


    .
     
    آخر تعديل: ‏18/4/15
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    صعود المثقف العنكبوتي في المغرب
    محمد معروف



    في كتابه المثقف و السلطة [1996/ كما ترجمه محمد عناني2006]، يعتقد إدوارد سعيد أن المثقف سواء كان بوهيميا أم مرتبطا بمؤسسات رسمية، فإنه ينتج عمله وفق تمثُل اجتماعي لذاته، تمثل يستبطنه المثقف من خلال تفاعله مع الجمهور. هناك مثقفون يبيعون أفكارهم، و هناك من يؤمنون بقيمة حقيقة الفكر الذي ينقلونه الى طلبتهم، و هناك من يدافعون عن وجهات نظر غريبة لكنها تتسم بالاتساق. إن مهمة المثقف بالنسبة لإدوارد سعيد هي أن يقول كلمة الحق في وجه السلطة؛ فالمثقف ليس شكَّاء بكَّاء لا يعرف الابتسام، بل إنه شخص قد يستعمل، لكسب انتباه الجمهور، بعض الدعابة التي يسعى من خلالها الى زعزعة خصومه. ليس للمثقفين مكاسب و لا ممتلكات لحمايتها. أسلوب التهكم من الذات و التعبير المباشر هما الأكثر انتشارا بينهم و الأكثر إثارة للقلق. يؤكد سعيد أن واقع أواخر القرن العشرين أنتج مثقفا مهنيا،أي مجرد فرد كفء ينتمي الى طبقة معينة و يزاول عمله فحسب. يمثل هذا المثقف بالنسبة لسعيد مهنيا مجهول الهوية. يعتبر سعيد المثقف بالأحرى ناقدا معارضا يطرح علنا أسئلة محرجة و يقدم تمثُّلات و مفاهيم ووجهات نظر و فلسفات يمكن أن تساهم في تحقيق تغيير اجتماعي. المثقف هو شخص "يصعب على الحكومات و المؤسسات استقطابه والذي يكون مبرر وجوده هو تمثيل الأشخاص و القضايا التي عادة ما يكون مصيرها النسيان أو التجاهل و الإخفاء"[سعيد 2006/ 1996: 43-44]. إذا كان هذا هو تمثل سعيد للمثقف، فإنه يصبح نوعا من المثالية الرومانسية في الواقع الفعلي بالمغرب. لن أقول إنني لم أشاهد قط نماذج من هذا النوع من المثقفين على أرض المغرب، لأنهم تواجدوا دائما و مازالوا يتواجدون و لكن و لأسباب معينة يبقى هذا النوع بشكل ملحوظ من العيار غير المألوف. التقيت كذلك نماذج أخرى من المثقفين تشبه ما يسميه سعيد بالمهادنين أو بناة التوافق، لكن ظهر مؤخرا نموذج اجتماعي في الوسط الأكاديمي و الذي أسميه متهكما "نوعا مستنسخا من العناكب"، نموذجا هجينا للمثقف المهني الذي يجمع بين بناة الإمبراطورية و المهادنين الاجتماعيين، أكاديميا غير مناسب لم يسبق أبدا التنبؤ بظهوره من قبل.

    ظهر هذا النوع المستنسخ من الأساتذة الجامعيين في السنوات العشر الأخيرة في الوسط الأكاديمي المغربي بعد انقراض المثقفين الذئاب حسب مفهوم غيلنر (Gellner) للذئب و الذي نتبناه لوصف النخبة في المغرب. ظل الأستاذ الذئب في السلطة حتى نهاية القرن الماضي لأن المناخ السياسي كان استبداديا و لأن بنيات الجامعة كانت تُستعمل لاستقطاب النخبة التي كانت تُظهر الولاء للسلطة الحاكمة و تُرَوج لإيديولوجيتها. عندما كنت على التوالي طالبا فأستاذا في تلك الحقبة، تطور تطبُّعي[الهابتوس] الأكاديمي داخل هذا المناخ الذي ساد فيه عمداء و رؤساء شعب متسلطون، يُعيدون إنتاج نموذج الشيخ و المريد. نشأ الرجل العنكبوت، إذا جاز التعبير، و الذي كان زميلا معاصرا لي، وسط هذا المناخ السياسي و تمت تنشئته الاجتماعية، بالمعنى الفوكوي، وفق هذه الخطاطات الثقافية. لقد تم بناء هذا النوع المستنسخ ثقافيا ليتوفر فقط على قدرات عنكبوتية مهادنة و سهلة الانقياد. لكن لِمَ لم تظهر الذئاب ثانية ؟ مع التغيير الاجتماعي الذي شهده المغرب في إطار العهد الجديد الذي عمل على تأسيس مؤسسات ديمقراطية و ربط تحمل المسؤولية بالمحاسبة، أصبح الذئب غير قادر على الاستمرار لكنه لم يختف نهائيا، بل غيَّر شكله و خُططه. لقد ساعدته قدراته المكتسبة على تحويل نفسه إلى عنكبوت بشبكة ضخمة تمكنه من الاستمرار في السلطة.

    بما اننا منتجات ثقافية، فإننا نتصرف وفق ذخيرة و مهارات ثقافية تدربنا عليها و بها. عادة نكون نحن المثقفين واعين بعملية التنشئة التي نخضع لها و نحاول أن نعدل المهارات و الخطاطات و التقنيات و الأفكار و الخطابات التي لا تتلاءم و متطلبات رفاهية المجتمع. لسوء الحظ فإن الرجل العنكبوتي لا يفكر بالطريقة نفسها، رغم أن شخصية الرجل العنكبوتي التخييلية (Spiderman) تتميز بحبها للعدل. ان عقلية الريع الثقافية تشكل رؤية العالم لمثل هؤلاء الأكاديميين. عندما يستولون على السلطة، يشرعون في تنشئة العنكبوت الوحش بداخلهم لبناء الإمبراطورية. فحسب العقلية الثقافية التي يشتغلون بها تصبح المسؤولية المنوطة بهم غنيمة و تتشكل العلاقات المصلحية التي يقيمونها وفق نموذج العلاقات العشائرية التي تمت تنشئتهم عليها. تتحول الجامعة تبعا لذلك إلى قبيلة و تتحول ميزانياتها و ثرواتها الى غنيمة. يا لها من كارثة لو بقي الأستاذ العنكبوت في السلطة مدة أطول مما هو متوقع!

    في سعيها الى امتلاك نفوذ كبير كنظرائها السياسيين، تخطط نخبة المثقفين العناكب لعملها عبر بناء إمبراطورية، حسب تعبير بورديو. بعبارة أخرى، يتحول الأستاذ الجامعي إلى أستاذ بانٍ للإمبراطورية. يُراكم رأسمالا اجتماعيا من خلال مشاركته في لجن اختيار و توظيف الأساتذة المساعدين، والإشراف على أطروحات الدكتوراه، وتقييم مشاريع التأهيل، و احتلال ثلاثة مناصب أكاديمية أو أكثر في بنيات التسيير بالجامعة. تكون قيمة عمله عادة ضعيفة لأن هدفه الأسمى ليس الوصول الى الجودة في العمل، بل بناء شبكة من العلاقات لاستغلالها لقضاء مآرب شخصية؛ يتوق باستمرار للحصول على نصيب من الغنيمة الأكاديمية. يتمتع بامتيازات كالتعويضات، والترقية السريعة، وتذاكر الرحلات الجوية، ومصاريف الإقامة بالفنادق، وعلاوات، وعطايا، وبدلات، وحصص الربح، و مبالغ إضافية تُقدم له على أساس استحقاق زائف. على المدى البعيد يصبح جشعه للسلطة أكثر حدة لدرجة أن المدينة التي توجد بها الجامعة تبدو له كأرض للغزو حيث بإمكانه الحصول على بعض الغنائم. يصبح بإمكانه، بهذه الطريقة، استعمال رأسماله الاجتماعي لاختراق دواليب السياسة المحلية ولانتزاع نصيبه كعنكبوت بالتعاون مع عناكب أخرى قادمة من قطاعات أخرى للسيطرة على المجالس البلدية.

    حكاية نشأة

    خلال الفترات التي هيمن فيها الذئب حتى حدود سنة 2000، كانت تحكم العديد من الأساتذة في الجامعات الخطاطات الثقافية للخوف و الخضوع لمن يمتلكون السلطة. كنت واحدا منهم. كنا نعتقد أن العميد نموذج مصغر للحاكم و أن الجامعة مزرعته الخاصة. كان يُشغِّل أفراد قبيلته و يحكم بقبضة حديدية. مازلت أتذكر أن العديد من الأساتذة كانوا يرتجفون في حضوره و يعتبرون كلامه أوامر. كان قادرا على تدمير مشوارهم المهني و كانوا يعرفون ذلك. و كان بإمكانه التسلل حتى إلى حياتهم الاجتماعية. لكن يبدو غريبا الآن مثلا أن تطلب من أستاذ حديث التوظيف أن يسكن بالمدينة التي توجد بها الجامعة. خلال فترة هيمنة الاستاذ الذئب، كان الأساتذة الذين يتنقلون بين المدينة التي توجد فيها الجامعة وبين مدنهم للتدريس مطالبين بتقديم شهادة السكنى بالمدينة التي تحتضن الجامعة إذا كانوا يطمحون للحصول على الترسيم في الأستاذية. لم يكن الذئب متسلطا طول الوقت بل كان حاميا و سلطويا على السواء. كأب لنا جميعا، كان الذئب سيدا. تنافس معه الأساتذة العناكب الكبار، و الذين بدأوا هم كذلك في اعتبار أنفسهم تدريجيا كآباء، و اعتبروه مهددا لمصالحهم. بالتأكيد لم يُعبِّروا أبدا عن قلقهم بهذه الطريقة المباشرة بل ألبسوا مصالحهم الشخصية رداء القيم النضالية و المثل و تبعناهم. كانوا نجوم المعارضة في الجامعة و احتلوا مواقع قيادية في نقابات الأساتذة.

    التَفَّ بعض الأساتذة المناضلين حول أنفسهم و كونوا مجموعة صغيرة يجتمع أعضاؤها كل مساء بمقهى بوسط المدينة. على هذه الخلفية الاجتماعية انبثقت أرضية لتناسل العناكب. تدربوا جيدا على تدبير المكائد و المؤامرات. يشاركون في الاجتماعات بجدول أعمال مُعد مسبقا. يختارون مسبقا زعماءهم في النقابات و ينظمون انتخابات صورية لإعطاء ذلك الانتخاب شرعية ديمقراطية. في الاجتماعات يصرخون بأعلى صوتهم لإرهاب البعض و لإزاحة آخرين عن مواقع المسؤولية؛ كانت أصواتهم تهز جدران المدرج الذي يكون نصف ممتلئ بجمهور منبهر. رغم أن العناكب صامتة طبيعة، و عملها سري للغاية، فإن العناكب الإنسانية طورت لنفسها أصواتا جهورية. كانت نبرة أصواتهم علامة على الثقة. و أقنعَنا عرقهم و تنفسهم العميق أنهم قادة المستقبل. كل العناكب، عزيزي القارئ، تدربت في هذا المناخ، و من هنا ندرك الاختلافات التي تميزهم عن الذئاب الذين تلقوا تنشئة اجتماعية مختلفة. دخل الأساتذة الذئاب بنيات السلطة في الجامعة بفضل رأسمالهم الاجتماعي. تسلموا مسؤوليات في البنيات الأكاديمية ليس نتيجة لعملهم و لكن لولائهم للنظام التقليدي للدولة [المخزن].

    لنرجع الى مرحلة تكوُّن الأستاذ العنكبوت حين شهدت الجامعة تغييرات في القوانين و المساطر، و بدأت الذئاب في الاختفاء و طفا العنكبوت على السطح: من الجوانب المظلمة للمقاهي إلى الأضواء في مواقع المسؤولية بالجامعة. فقدوا جهورية الصوت و تحولوا إلى عناكب أليفة لكنهم احتفظوا بترسانة أسلحة المؤامرة. لبسوا البدلات الآن و أصبحوا يتحملون المسؤولية. لا يكتفون بتقلد مهمة واحدة بل يتم انتخابهم لعدة مناصب. سأطلعكم على طريقة تمكنكم من التعرف على العنكبوت في الجامعة المغربية. أي أستاذ يتحمل أكثر من مسؤولية، اعلم أنه عنكبوت. لا يجيد عادة عمله و يتوق فقط للحصول على التعويضات و الغنائم. سأسرع هنا لأوضح أنه لا يمكنكم الخلط بين العناكب والأساتذة المناضلين الذين يحتلون مواقع داخل بنيات السلطة. أسماء الفئة الثانية و أعمالها تدوي في كل الأرجاء. المثقفون العناكب بارزون للعيان، هم دائما مشغولون و ووقتهم لا يكفي على الإطلاق؛ لا تتوقف هواتفهم عن الرنين و شفاهم في حركة دائمة. أنصحك زميلي العزيز أن تحْذر السقوط في شبكة العنكبوت لأنها موجودة في كل مكان. إذا وقَعْت، ستشهد تآكلا تدريجيا لهويتك الثقافية التي تميزك بفضل الفكر الاكادمي الذي اكتسبت.

    بالتأكيد لقد أطاح هؤلاء العناكب بالذئب من زعامة الوسط الأكاديمي. نجحوا لكنهم كوَّنوا مجموعات مصالح وشيدوا شبكات اجتماعية تواقة إلى الهيمنة عبر شبكات الجامعة. أصبحت الجامعة الآن تحت سيطرتهم. ما لا تعرفونه هو أن العنكبوت لم يشيد شبكاته فقط للاستمرار في السيطرة و حماية الامتيازات التي يتمتع بها بل خطط لتعاقد على أساس الاستنساخ. تقَوّت العناكب و كوّنت قبيلة كبيرة عبر الإجراءات التي حدَّدها المؤسسون الأوائل لهم للترقي. تساعد شروط الترقي كما هي معمول بها بالجامعات على إعادة إنتاج نموذج الأستاذ العنكبوت. لتصعد السلم الوظيفي بالترقي السريع كما يسمونه، يجب أن تكون عنكبوتا. لست بحاجة الى نشر أطنان من المقالات لتربح المنافسة، كما يجب على أي أستاذ أن يفعل.لا تفعل، ستحصل مقالاتك على نقط ضئيلة. يجب أن تكون عنكبوتا. يجب أن تحتل مواقع سلطة مختلفة في الجامعة، هذا ما يعطيك الرخصة للترقي. من حدد معايير الترقي؟ إنهم الآباء العباقرة للعناكب. أرادوا أن يضمنوا بذلك استمرارية النوع الذي ينتمون إليه.

    إذا ما تمت مأسسة هذا التطبع [الهابيتوس] العنكبوتي في الوسط الجامعي، فليرحم الله الأجيال القادمة لأنها إما أن تتحول إلى عناكب وإلا سيتم ابتلاعها من طرف هذه الكائنات المفترسة. توجد مؤسستنا التربوية، مثل باقي المؤسسات العمومية، في أزمة. يبدو أن الخطاطة الثقافية للبحث عن الغنائم التي مازالت موجودة في ثقافة و خطاب الريع تهيمن على البنيات السلوكية لبعض الأساتذة. تُصادف في الوسط الجامعي أساتذة مدربين بتطبع عنكبوتي مُؤسَّس على تكتيكات الخداع كمهارات جسدية تحظى بتقدير عال [موفي : ابحث عن مصلحتك] ،[زطَّط: تجاوز الصعوبات]، [لَوعورية: مهارات عالية]، [لَقوالب: حيل]، [ خَرَّج راسك: انقد نفسك]. كل هذه تعابير ثقافية شعبية تُستعمل في السوق و نُقلت إلى المؤسسة الجامعية في أوقات لتُستعمل في عبارات تلطيفية أو حتى في اللغة الازدرائية لتُعبر عن مجموعة من الاختيارات الممكنة بالنسبة للأستاذ العنكبوت. لازلت أتذكر تعليق أحد الأساتذة المتأثرين بالنموذج الثقافي للعنكبوت عندما حصلت على الترسيم الوظيفي: " الآن نكحت الإدارة، قضيبك بداخلها". عندما ناقشت أطروحة الدكتوراه و حصلت على دكتوراه الدولة، واجهني ثانية بنفس الاستعارات:" كانت خصيتاك متدليتين بالخارج. الآن أصبحت كل أعضائك التناسلية بالداخل". يتم تصوير الإدارة في هذا الخطاب الأسطوري كامرأة تدفع لك أجرا مقابل معاشرتها. تُظهر الاستعارة الجنسية الإدارة كمغفل ثقافي، امرأة ضعيفة سهلة المنال، و نحن، هيئة التدريس، أقوياء و فحول نلعب بأعضائها التناسلية لأغراض مادية – تظهر عقلية الغنيمة والريع بوضوح تام في هذا المثال.

    يقوض التطبع العنكبوتي روح الرأسمالية التي تقدس العمل. التغيب و البحث عن رخص للغياب هي أشياء يتعلق بها هذا النموذج الاجتماعي للأساتذة. هناك أساتذة يتلقون أجورا من الدولة مع أنهم يعيشون في بلدان أخرى. يحضرون الى الجامعة مرة كل شهرين أو يتغيبون مدة أسدس كامل. يجب فقط أن يكونوا محميين من طرف زملائهم العناكب و ذلك من أجل أهداف لها علاقة بالغنائم. تكفي الإشارة إلى أن الإدارة تعج بالأشباح و الموظفين العناكب. الأشباح هم موظفون يتلقون أجورا دون أن يقوموا بأي عمل مقابل ذلك. إنهم يعيشون من عرق الآخرين. ارتفعت العديد من الأصوات مؤخرا في وسائل الإعلام احتجاجا على هذا النوع الاجتماعي لكن عبتا. يحتاج العنكبوت الى الشبح لتوسيع مجال رأسماله الاجتماعي لأن الشبح يتوفر على علاقات قوية تغطي على غيابه عن العمل. أين هي الوطنية هنا؟ ماذا فعلت الدولة لعلاج هذه المشاكل و تنشئة المواطنين على الإخلاص و التضحية من أجل الجماعة؟ بكل صدق، أعتقد أن المغرب مازال بدون شك بعيدا جدا عن الاستثمار في ثقافة المواطنة لملأ الفراغات التي تركها تراجع الدين من الحياة العامة. لا يوجد حضور قوي للدين في تربيتنا. بدأ التمييز بين الحلال والحرام يتآكل مع شروط تطبيق الرأسمالية. ما نسميه تربية إسلامية هي أيضا هجينة، خليط من القيم غير المتناسبة، سلفية و شعبية ، و التي ندعي أنها متجذرة في الإسلام. لا تسيئوا فهمي، فأنا لا أطالب بإرجاع الدين الى المعادلة أو إخراجه منها. ينبغي أن يُؤسَّس المشروع الثقافي في المغرب على الدين لكن مع توسيعه ليشمل القيم الأخلاقية العلمانية التي يمكن أن تشكل منافسا للروح الإسلامية في الاقتصاد و السياسة. صدقوني، إذا لم نستثمر في الأجيال القادمة عبر دعم ثقافة المواطنة و دمقرطة الحياة العامة لقطع الطريق على ثقافة العنكبوت، سيكون المستقبل مظلما.

    علاج

    لأنني متفائل و واثق جدا من أن هناك مناضلين في السلطة، أعتقد أن الوقت مازال غير متأخر إذا ما أردنا أن نشن حربا ثقافية حقيقية. أكد الملك مؤخرا على الترياق عبر تأكيده في خطاباته على إعطاء الأولوية للرأسمال الثقافي في السياسة الوطنية و المحلية. أظن أن الوقت قد حان! أينما نظرتُ حينما أكون داخل جامعة مغربية أو أي مؤسسة عمومية –لا حاجة لذكر المؤسسات الخصوصية- لا أرى إلا حملانا و معزا رابضين في الزوايا، عمالا منصاعين منعزلين يعتريهم شعور بالحقد الاجتماعي، و بقية من الذئاب تتمشى في الردهات، و عشيرة متنامية من العناكب في كل مكان. لا يجب أن أنسى أن أقول لكم بأن هناك كلابا مثلي تنبح بأنغام مختلفة لكن لا تهاجم أبدا. كيف نستطيع أن نحارب العقلية الثقافية للعنكبوت، خصوصا إذا كان العنكبوت الآن مربِّيا، الأمر الذي يسهِّل له نقل خطاطاته الى الجيل الصاعد من العناكب الفتية التي هي في طور التكوين. نحتاج أن يَرْشح الحل الذي نقدمه إلى كل الميادين و إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية حتى نضمن تثبيت مفهوم المواطنة.

    المواطنة ليست برنامجا دراسيا يتم تلقينه في المدرسة. إنها طريقة حياة يجب تدريب المواطنين المغاربة عليها. يجب أن يوجد تصميم سياسي غير متردد لتوحيد المجتمع حول هذا المشروع. يجب أن تتوافر مجموعة كبيرة و كاملة من الموارد الثقافية والسياسية والاقتصادية للنضال من أجل هذا الهدف المثالي. ليس هذا الأمر مهمة خاصة بأجهزة الدولة الإيديولوجية، بل يجب حتى على الأجهزة القمعية أن تشارك في نشر مثل هذه الإيديولوجية. لنأخذ كمثال على ذلك الدور الذي تقوم به الشرطة في بعض الدول الغربية و كيف تساعد مؤسستها في تنظيم العمل داخل المدارس. وكمثال آخر نذكر استدعاء الطلبة للخدمة العسكرية لمدة و جيزة و العمل التطوعي الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني في دول أخرى – لا داعي لتذكيركم بالدور الإيديولوجي لمنظمات المجتمع المدني. لن أقدم هنا لائحة للمتدخلين لأننا نعرفهم لكن أود أن أثير انتباهكم لتفصيل يمكن أن نكتشف من خلاله العمل الضخم الذي يمكن للثقافة أن تقوم به إذا ما وُجِّهت وسائلها. يمكن أن يكون الطبيب الذي تلقى تكوينا مهنيا خبيرا في تخصصه لكنه يحتاج لبعض الغذاء الروحي ليصبح رجلا محبا لأعمال الخير. لا أؤمن بالطبيعة البشرية، أو بوجود ميول إنسانية قبلية تجعل الإنسان أصلا اجتماعيا و أخلاقيا. كل شيء من فعل التاريخ. نُطْبع بالتاريخ و هوياتنا محددة اجتماعيا.

    لا يمكن للطبيب الذي أُنشِئ على قيم المواطنة و الذي يقرأ الأدب أن يتجاوز الحدود التي تفرضها الأخلاق الاجتماعية. عادة ما يلجأ الاطباء الى المخزون الديني لتأصيل فعل الخير لكن و كما أشرت سابقا فإن درع الإيمان بدأ في التصدع أمام رمح الرأسمالية المادية. يعتبر الخطاب الديني عنصرا أساسيا في نظامنا التربوي لكنه أصبح اليوم غير قادر على مقاومة النموذج الجديد لمكدولنة [من ماكدونالد] مجتمعاتنا. لن يستطيع الخطاب التقليدي حول الدين أن يتعامل مع تعقيدات الحياة المعاصرة. لا يمكننا حاليا أن نستمر في العيش بإيديولوجية القبيلة و الغنائم. نحتاج أن نصوغ ولاءات وروابط اجتماعية جديدة لنوطِّد النسيج الاجتماعي. يجب أن ندرب أنفسنا على الحوار و تدبير الخلاف و قبول الاختلاف. يجب أن نعترف بسيولة حيواتنا، هوياتنا و علاقاتنا الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية. إننا لا نحيا بالجوهر بل بحقائق (بلاستكية) قابلة للذوبان. إن هذا الابدال الثقافي الجديد، والخطاب الجديد حول الدين، والعلمانية و الثقافة العضوية للشعب، هي التي بإمكانها إنقاذنا. مدرستنا، أسرتنا و تربيتنا الدينية كما هي اليوم لا تطَّعِم نظامنا المناعي بلقاح كاف لتمكينه من مقاومة لذغات العناكب. إذا استمرت الدولة في صياغة سياساتها في تجاهل تام لمواردنا الثقافية، فإن أعشاش العناكب القوية ستحتضن بيضا يفرخ جيلا جديدا من العناكب. إنهم سامِّون و ظاهراتيون و بإمكانهم تغيير الوضع القائم. ستغير لدغتهم النظام كله الى امة عناكب. لو ظهر هذا العنكبوت الدراكولا (dracula) على الساحة، فقل سلاما على الحملان و المعز. حتى الكلاب ستُمسخ لتصير عناكب.



    * (المقال من The African Bulletin عدد فبراير 2015 ، الترجمة من الانجليزية: ذ. محمد مفضل



    .
     

مشاركة هذه الصفحة