1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

العربي مفضال.. مثقف مغربي ومربي اجيال من طراز رفيع

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏3/10/10.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    [​IMG]
    ذ. العربي مفضال
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    23 مارس:رسائل تنويه وامتنان * بقلم : العربي مفضال


    لم يكن من السهل أن أعود إلى سنوات النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، عندما اقترح علي الأستاذ عبد الصمد بلكبير، أن أساهم في تقديم الجزء الثاني من أعداد جريدة 23 مارس.
    لقد ظلت سنوات المنفى التي تمتد بالنسبة إلي، من يونيو 1975 إلى مارس 1981، تجثم على ذاكرتي، وتحتل الحيز الأضخم فيها، وتدفع ما عداها إلى الهامش. واستمر هذا الأمر حتى بعد مرور سنين طويلة على العودة إلى البلاد.
    وفي نهاية تسعينات القرن المنصرم، بدأت تلك التجربة في الابتعاد عن احتكار الذاكرة، وفي الرضى باحتلال موقع طبيعي فيها قبل أن تتراجع إلى الخلف، وتستقر وراء تجارب أخرى تقل عنها معاناة دون أن تقل عنها أهمية.
    وأنا أعود إلى تلك الفترة، أود أن أسجل أنني لم أقرر البقاء في المنفى الفرنسي. لقد غادرت المغرب في أواخر يونيو 1975، مع مجموعة من الرفاق، منهم من كان في حالة متابعة مثلي، ومنهم من كان لايزال يتمتع بحريته. وكان هدفنا جميعا المشاركة في الندوة الوطنية بفرنسا، ثم العودة إلى مواقعنا في البلاد.
    ولكي تتضح الصورة أكثر، لا بد من الاشارة إلى ما عرفه المغرب سنتي 1974 و1975، من أحداث صاخبة بعد أن دقت ساعة الحسم في صراع الصحراء، وإلى ما عرفته منظمة 23 مارس واليسار الجذري عامة من أهوال بسبب الخلاف حول الموقف الذي يتعين اتخاذه في هذا الصراع والتطاحن الذي واكب ذلك، وبسبب القمع الذي أتى على الأخضر واليابس، وزج بحشود من المناضلين في غياهب السجون والمعتقلات السرية، أضيفوا إلى الحشود السابقة من مناضلي النقابة الوطنية للتلاميذ، ومنهم أخي عبد الكريم، ومن مناضلي ومسؤولي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ومن قادة وأطر اليسار الجذري بمختلف تلاوينه.
    وكانت منظمة 23 مارس في الداخل أكثر معاناة من تلك الأهوال بسبب حدة خلافاتها الداخلية التي لم تكن مرتبطة فقط بقضية الصحراء، وبسبب الاعتقالات الواسعة التي عصفت بأغلبية قيادتها الوطنية (اللجنة الوطنية) وبمعظم قياداتها المحلية، وخاصة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء ومراكش والرباط – سلا. وكان جل الذين أفلتوا من الاعتقال من أعضاء اللجنة الوطنية وأعضاء اللجن المحلية والخلايا القطاعية يتعقبهم البوليس.
    وكان الخلاف على أشده بين المنظمة في الداخل التي كانت قد اتخذت في أكتوبر 1975 موقفا ملتبسا من قضية الصحراء، وبين فرعها في الخارج (وكان على رأسه القادة المؤسسون الذين اضطروا الى مغادرة البلاد تجنبا لموجة القمع الشرسة في سنة 1972) الذي تبنى موقفا وطنيا سليما من تلك القضية.
    ولم تكن هذه القضية وحدها مبعث الخلاف.. بل تدخلت عوامل أخرى وحساسيات ومنها شروط القيادة والموقع الذي يجب أن تمارس منه هذه القيادة.
    في هذه الشروط، جاءت مبادرة رفاق الخارج بإصدار جريدة 23 مارس في بداية سنة 1975 جوابا شجاعا وحكيما على محاولات اجتثاث المنظمة. وذلك باعتبار هذه الجريدة استمرارا أنضج وأرقى وأوسع لأمها نشرة 23 مارس التي كانت تصدر بالداخل ويتصدر غلافها عامل مفتول العضلات يكسر بمطرقته أغلاله (رسمه المرحوم عبد العزيز مريد)، وباعتبارها كذلك أداة لجمع شتات المنظمة والدفاع عن معتقليها، والتعريف بمواقفها النضالية.
    وتم إدراج هذا الإصدار في إطار خطة توافقية لإعادة وضع المنظمة على السكة، من خلال تنظيم ندوة وطنية يشارك فيها رفاق الداخل والخارج، تبث بصورة ديمقراطية في التوجيه، وتنتخب القيادة الوطنية.
    ساهم في إعداد هذه الخطة رفاق اللجنة الوطنية الذين التحقوا بفرنسا في ربيع 1975 وهم: ابراهيم ياسين، عبد لله زنيبر والمختار قدوري، وذلك في حوار إيجابي مع رفاق الخارج. ومن خلال التشاور مع رفيقي اللجنة الوطنية اللذين بقيا بالداخل (اليوبي بلقاسم وعبد ربه).
    وكما سلفت الإشارة، فقد توجهت، في يونيو 1975، الى فرنسا مرورا بالجزائر للمشاركة في الندوة الوطنية التي انعقدت بضواحي مدينة رين الفرنسية في أوائل يوليوز من نفس السنة، وذلك بمعية الرفاق المتابعين: بن الصغير ولقلع واليوبي، والرفاق غير المتابعين يومئذ: الحسناوي، ج طليمات، وبرادة حميمة. وبعد نجاحي في تزوير جوازين فقط، لي ولبرادة حميمة، وفشلي في إنجاز الباقي… لم يلتحق بقية الرفاق بالندوة. واقتصرت مشاركة الداخل فيها على أعضاء اللجنة الوطنية الأربعة وعلى الرفاق: السمهري، الهواري، برادة حميمة، ربيعة الحافظي. وشارك فيها رفاق من خيرة أطر الخارج كانوا على أهبة الالتحاق بالبلاد منهم صلاح المدون ومصطفى بوعزيز والمرحوم بنعزوز. وقررت الندوة إرسال بعثة الى الجزائر لمحاورة الرفاق الذين لم يتمكنوا من حضور أشغالها ووضعهم في صورة هذه الأشغال والإنصات الى آرائهم ومقترحاتهم، قبل عودتهم الى مواقعهم.
    حققت ندوة صيف 1975 نجاحا كبيرا في توحيد المنظمة سياسيا وتنظيميا. ويبدو أن مجريات الفترة التي سبقتها وعِبرَها ودروسها، واللقاءات المباشرة بين رفاق الداخل والخارج.. كانت قد أذابت العديد من الخلافات والحساسيات، ويسرت التوصل الى اتفاقات واسعة على مستوى التوجيه والقيادة.
    لم أترشح، كعادتي، لا الى اللجنة المركزية، ولا الى المكتب السياسي بعدها. ولكنني لم أرفض اقتراحي الى الهيئتين من قبل بعض الرفاق، ولم أكن أعتبر العودة الى البلاد تخل بهذه المسؤولية. وكانت إشارة بعض الرفاق كافية لتأجيل موضوع العودة، وللتركيز، بدل ذلك، على تكريس جو الثقة، ووضع حد للحساسيات الزائدة.
    وقد أكدت لي التجربة فيما بعد أن التمسك بالعودة الى البلاد في تلك الظروف لم يكن موقفا حكيما، رغم ما يتضمنه من التزام بالانسجام بين القول والفعل ومن استعداد للتضحية في سبيل ذلك. لقد سمحت لي تلك التجربة بالإضافة الى تطوير إمكانياتي المعرفية والسياسية بتقديم مساهمة نضالية إيجابية، وبتقليل الخسائر في مواجهة القمع الذي اتسع نطاقه، والتهم جيلا جديدا من المناضلات والمناضلين.
    وهكذا تقرر بقائي في فرنسا، ولم أرشح نفسي، ولا رشحني رفاقي للعمل في جريدة 23 مارس. وبدل ذلك كلفت بمهام تنظيمية في إطار المكتب السياسي وفي إطار القطاع العمالي بفرع المنظمة بباريس.
    في قلب هيئة التحرير

    عندما عادت الجريدة الى الصدور في أكتوبر 1975 بعد انتهاء العطلة الصيفية، كنت أواصل مهامي التنظيمية المختلفة، وأعيش الى جانب الرفاق العاملين فيها في مقر مؤقت سرعان ما تغير بعد الانتقال الى نانطير. وساهمت متطوعا في العدد الثاني عشر بمقالة عن وضعية التعليم بمناسبة الدخول المدرسي لتلك السنة. وتلاحقت، بعد ذلك المقالات والدراسات والمناظرات.. ووجدت نفسي، بواسع العفوية في هيئة التحرير. كاتبا، مصححا، ومعدا مع الرفيق بنسعيد ل»رزم «الاشتراكات الفردية والطرود الموجهة الى عشرات الفروع في فرنسا وبلجيكا والجزائر ووهران والشرق العربي.. وحاملا لذلك الى مكتب البريد.
    ولقد كان عاديا، في تلك الأيام، الإقبال شبه الجماعي على كافة الأعمال الصغيرة والكبيرة اليدوية والتقنية والذهنية.
    وهكذا ساهم الرفيق بنسعيد بحظ وافر في رقن الأعداد الأولى من الجريدة، واستمر في السهر على إنجاز الإرساليات وبعثها. وشاركت في هذا العمل بصورة متنامية الى أن أصبحت المشرف عليه في الفترة الأخيرة من عمر الجريدة، وهي الفترة التي انتقل فيها إنجازها من مطبعة في روان الى مطبعة «النحلة» التي كان يديرها لبنانيون في قلب باريس. وتكلفنا خلالها، من أجل الحد من النفقات، بأعمال طي وتجميع الجريدة قبل توجيه قسم منها الى وكالة التوزيع، وتوجيه القسم الآخر الى المشتركين والفروع والبيع النضالي المباشر.
    ولا شك أن مضرب المثل في هذا الشأن كان هو الرفيق أحمد الحجامي الذي كان يرقن معظم الأعداد التي تلت العدد السادس، ثم بدأ يتجرأ على تخطيط عناوين الصفحات الداخلية، وبعد انتقاله للعمل في مطبعة النحلة، أصبح يتكفل بالتصفيف الضوئي للعدد خارج وقت عمله، وتخلصت الجريدة بفضله، من مهمة تخطيط العناوين التي أضحت آلية، وبالإضافة الى ذلك كان يشرف على إخراج العدد.
    كم تكلف 23 مارس ؟!

    لم يكن غريبا، في مثل هذه الظروف أن نضحك حتى تسيل دموعنا ونحن نستمع الى الروايات الصحيحة التي نسبت الى الأستاذ علي يعتة رحمة الله، والتي هاجم فيها اليسار جملة وتفصيلا غير متورع عن استخدام قاموس التخوين. وكانت جريدة 23 مارس واحدة من أهم حجج دعواه. حينما قدر كلفة العدد الواحد منها بالملايين. تاركا «للفاهمين» من متابعي كلامه مهمة الإجابة عن مصدر تلك الملايين.
    والغريب في الأمر أن الدرس الأساس الذي تعلمه قادة ومناضلو منظمة 23 مارس من تـجربة الحركة الوطنية المغربية التي ورثوا ثلة من خيرة مكافحيها، ومن تجربة الحركة الشيوعية المغربية والعالمية… هو درس الوطن وتحرره ووحدته واستقلاله.. باعتباره الدرس المؤسس والموجه لكافة النضالات.
    وعلى الرغم من التصدي القوي والدائم وذي المصداقية للأطروحات الانفصالية في صحراء المغرب التي كرست لها السلطات الجزائرية نفسها، ووظفت في سبيلها تراث وثروات الشعب الجزائري.. وعلى الرغم من مسارعة تلك السلطات، مباشرة بعد التصدي لتلك الأطروحات، الى حجب جوازات سفرها عن بعض المناضلين الذين كانوا قد اضطروا الى حمل هذه الجوازات اضطراراً.. فقد استمر التلويح بتلك الاتهامات الظالمة.
    ولم أتوصل الى حد اليوم الى تفسير مقنع للظلم الذي تعرض إليه قادة ومناضلو منظمة 23 مارس الذين ارتفع صوتهم عاليا من داخل محاكمة الدار البيضاء الكبرى في بداية 1976، مدافعا عن مغربية الصحراء. لقد تعرض هؤلاء ومنظمتهم الى ظلم أشد مضاضة من ظلم ذوي القربى. فقد ساد التعتيم على هذا الصوت الوطني الصادق. وتم حشر أصحابه حشرا في خانة العدمية التي كانوا منها براء. فهل يمكن للتنافس والتدافع السياسيين أن يصلا الى حد مثل هذا القتل المعنوي؟ وهل في مصلحة الوطن توسيع دائرة العقوق لحقوقه في استكمال وحدته؟
    وإذا تجاوزنا أمر الظلم الموصوف.. فإن التقديرات المالية لكلفة جريدة 23 مارس تقديرات مقبولة، خاصة وأنها صادرة عن تجربة عملية طويلة في مجال الصحافة والنشر للراحل علي يعتة.
    وكما أشار أكثر من رفيق، وكما ورد في الأسطر السابقة.. كانت «23 مارس» تصدر بجهد وعرق رفاق وأصدقاء متطوعين بالكامل، وبجهد وعرق رفاق لم تكن «أجورهم» حتى سنة 1978، تتجاوز 300 فرنك فرنسي. وكان إيجار المقر البسيط رخيصا، ويدفعه بتمامه وكماله رفيقان عاملان كاشتراك تنظيمي. وكان الأثاث شديد التواضع ومفتقرا الى ثلاجة.
    وكانت نفقات الورق والسحب متدنية (حوالي 2000 فرنك فرنسي) وتدنت أكثر بعد الانتقال الى مطبعة النحلة. وكانت عائدات التوزيع التجاري، والاشتراكات التشجيعية، والبيع النضالي، تغطي القسم الأكبر من النفقات.
    وبالعودة الى «أجراء» الجريدة الذين لم تكن «مرتباتهم» تتجاوز 300 فرنك فرنسي حتى سنة 1978… ينبغي التنويه بالروح التضامنية العالية التي كانت تميز العلاقات بين أعضاء المنظمة العاملين والمنقطعين. فبدون تلك الروح كان استمرار العيش متعذرا. وهكذا فقد كانت بيوت عدد من الرفاق مفتوحة في وجهنا كلما سمحت شروط العمل بالتوجه صوبها، وفي مقدمة تلك البيوت كان بيت الأستاذ علي الطاهري وزوجته الصيدلانية الطيبة عفيفة كديرة، وبيت الراحل المختار مرزوق وزوجته خديجة. ولم يكن بقية الرفاق العزاب يومئذ من أمثال حمو بوزيان ومصطفى الرمضاني وايدر أرسلا، والتجمعتي أقل سخاء معنا.
    ولم يقتصر التضامن معنا على رفاقنا ورفيقاتنا بل ساهم فيه بصورة استثنائية شقيقتي خديجة وزوجها مصطفى مومن وعدد من أصدقائه. ولقد تعاقب على بيت شقيقتي وزوجها الكثير من الرفاق والرفيقات (بنسعيد، السكيرج، الورديغي، بوعسرية، حنون، التجمعتي، المريني، مليكة الحافظي، اليوبي، الحجامي، مرزوق، القدوري).
    وتمتعت بعطلة واحدة ووحيدة خلال فترة المنفى، استغرقت أسبوعا كاملا من غشت 1976 بفضل ضيافة أصدقاء شقيقتي وزوجها وهم السادة: عتيق، وفوزي والمرحوم قبة. وأقمت بصحبة زوجتي مع هؤلاء الأصدقاء وأسرهم في مخيم قروي قريب من شاطيء مدينة دوفيل الجميل. وكانت هذه المرة الأولى التي ألتقي فيها بزوجتي، تلتها ثانية في صيف 1977، وثالثة في صيف 1978. وعندما حاولت التوجه الى فرنسا للمرة الرابعة أوقفها البوليس في ميناء طنجة وسحب جواز سفرها في يوليوز 1979.
    والطريف في الأمر أن صهري مصطفى وصديقه عبد اللطيف عتيق كان لهما حضور مميز في توديعنا قبيل رحلة العودة الى الوطن في 8 مارس 1981. فبعد أن تعذر حضور شقيقتي التي كانت قد وضعت مولودتها نجية في نفس اليوم، قام المعنيان بنقلي الى مطار أورلي في سيارة تجارية.
    وفي المطار التقط عبد اللطيف للوفد العائد المكون من بنسعيد والمريني ومسداد والطالب والسكيرج وعبد ربه، أحسن الصور. وقد نشرت مجلة «زمان» إحداها في احتفائها بذكرى تأسيس منظمة 23 مارس.
    وفي باب التضامن لا يمكن نسيان التضحية الاستثنائية التي قدمها ابن خالي السيد الطاهر عزيزي الذي استضافنا بعد المتابعة مباشرة، أنا واليوبي وبن الصغير، في أواخر سنة 1974 وبداية سنة 1975. ولا يمكن كذلك، نسيان تضحيات الأستاذتين زهرة راميج وربيعة الحافظي والأستاذان محمد جدي والمقدم بشراوي. ولولا احتضان هؤلاء وغيرهم لنا ما كنا لنفلت من المطاردة البوليسية في الداخل، وما كنا لنتجاوز محنة الاغتراب، بصورة أقل إيلاما في الخارج.
    إنتاج غزير

    وكما هو واضح في أعدادها التي أعادت إحياءها مجلة الملتقى مشكورة.. فقد اهتمت «23 مارس» في المقام الأول بالقضية الوطنية الأولى بالنسبة لمغاربة العقود الأخيرة، ألا وهي قضية الصحراء. وتوزع الاهتمام بهذه القضية بين البناء والتأصيل النظري استرشادا بمبادئ النظرية الثورية وتجارب حركات التحرر الوطني. بما فيها حركة التحرر الوطني المغربية. وبين التحليل التاريخي لصيرورة تشكل الوطن المغربي. ومراحل استهدافه من قبل الاستعمار، وتضحيات شعبه في سبيل الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية. وانصب الاهتمام، من جهة أخرى، على التحليل السياسي لشروط استرجاع الأقاليم الصحراوية من قبضة الاحتلال الإسباني، وكشف أهداف المخطط الانفصالي، وتقديم البدائل السياسية والاجتماعية الكفيلة بتحقيق أوسع تعبئة شعبية لدحر ذلك المخطط.
    وقام بالجهد الأكبر في هذا الباب الرفيقان محمد المريني ومحمد بنسعيد. حيث أعاد الأول الاعتبار للمسألة الوطنية، وتصدى بقوة للنزعتين العدمية والانفصالية، وحلل مواقف مختلف القوى المغربية من المسألة، وقدم ذلك عبر دراسة مطولة نشرت على حلقات، وأعيد نشرها في المغرب مجتمعة في كتاب. أما الرفيق بنسعيد فقد ساهم في هذا الباب من خلال أحاديثه المطولة مع الصحافة العربية وأعيد نشرها في «23 مارس»، ومن خلال أحاديثه التي خص بها هذه الأخيرة. وربط، الرفيق بنسعيد، عبر هذه الأحاديث، بين النضال الوطني بقيادة جيش التحرير ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي في جنوب البلاد وبين معركة استرجاع الصحراء المغربية. وفند بالوقائع الملموسة أسطورة الشعب الصحراوي، وكشف حقيقة الدوافع المحركة للنزعة الانفصالية.
    ووجدت «23 مارس» نفسها مضطرة لخوض سجال قوي ضد رفاق عرب طالما شنفوا أسماعنا بالأطروحات المناهضة للتجزئة والتفتيت. وعندما أصبحت التجزئة والتفتيت خطرا داهما يهدد غرب الوطن العربي سارعوا الى الوقوف بجانب هذا الخطر وأيدوه وتغزلوا فيه، وفي هذا السياق فند أحمد الحجامي «مزاعم رسول البوليزاريو»، ورد الحبيب طالب: «لسنا شعبا عاقرا»، وسعى محمد المريني الى وضع النقط على الحروف من خلال «حوار مع رفيق عربي».
    واهتمت «23 مارس» في مقام آخر لا يقل أهمية بقضايا النضال الديمقراطي وأهميته القصوى باعتباره الطريق الوحيد الكفيل بتطوير وعي شعبنا، وتوسيع انخراطه في المعارك الاجتماعية والسياسية، وتمكينه من تحقيق مطالبه المشروعة وحماية مكاسبه المادية والمعنوية. وقد أبلى الرفيق الحبيب طالب أحسن البلاء في هذا المجال، وواصل الجهد في «أنوال».
    واحتضنت الجريدة كذلك مناظرات وسجالات مميزة من أهمها ما كتبه الرفيق الحبيب طالب في مناقشة خط وبرنامج حزب التقدم والاشتراكية، وما كتبه عبد ربه في نقد التقرير الأيديولوجي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وقامت دار ابن خلدون، حينها، بإعادة نشر المساهمتين في كتابين.
    وأولت الجريدة اهتماما معتبرا لتحليل ودراسة العديد من القضايا الاجتماعية، فنشرت مساهمة مطولة للمرحوم عبد السلام المودن حول «الجذور الطبقية لأزمة التعليم في المغرب»، وقمت بإنجاز دراسة مطولة عن أزمة السكن، وأنجزت دراسة أخرى عن ظاهرة الهجرة العمالية أوضحت فيها ما تجنيه الدول المستقبلة التي تستورد يدا عاملة جاهزة دون أن تنفق شيئا يذكر في تنشئتها وتربيتها وتعليمها وتكوينها. وكم فوجئت وأنا أعاين نفس الدراسة على صفحات جريدة السفير اللبنانية ممهورة باسم مراسلها آنذاك في لندن!
    وكانت «23 مارس» قد وضعت على كاهلها، منذ الانطلاق، مهمة الدفاع عن المعتقلين السياسيين الذين كانوا في معظمهم، منتمين الى اليسار الجديد بمختلف تلاوينه ومسؤولين في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ورموزا لحركة 3 مارس. واعتبرت هذه المهمة أحد الدواعي الأساسية لصدورها.
    ودافعت الجريدة عن كافة المعتقلين والمختطفين دون تمييز، ونشرت كل الصور التي تمكنت من الحصول عليها، وواكبت التحركات الجريئة للعائلات عامة والأمهات خاصة.
    ولم تكن «23 مارس فقط» أداة للتعريف بقضايا ومطالب ونضالات الشعب المغربي، ومواقف وأطروحات يساره الجديد.. لدى الأشقاء العرب، ولكنها كانت أيضا أداة للتضامن مع الشعوب العربية في مختلف بلدانها وخاصة في فلسطين ولبنان ومصر واليمن والخليج العربي، وأداة للتفاعل مع قوى اليسار ومثقفين ومفكرين في هذه البلدان وغيرها.
    وباعتبارها أداة للتنوير والتثقيف… لم تكتف «23 مارس» بمتابعة النضالات الأممية من أجل التحرر والديمقراطية، وفضح الانتهاكات الامبريالية، بل سعت الى جانب ذلك، الى التعريف بالتجارب الثورية في فيتنام والصين وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي هذا السياق لابد من التنويه بالمجهود الذي بذله الرفيق محمد بنشقرون في تقريب ما ورد في كتاب «طوفان الصباح» للكاتبة الصينية الأب البلجيكية الأم هان سويين Han Suyin عن العلاقة بين الماركسية والكونفو شيوسية في التجربة الصينية.
    الزلط والأنفة

    في الربع الأخير من سبعينيات القرن الماضي بدأت أوضاعنا المادية تتحسن نسبيا. بعد أن اضطر بعض الرفاق الى طلب اللجوء السياسي، وبحثوا عن شغل جزئي أو شبه كامل. وكان أحمد الحجامي قد اشتغل في مطبعة وحمل معه إليها «23 مارس». ولم تعد هذه الأخيرة في حاجة الى مقر، وتوزع بريدها وشؤونها الإدارية بيني وبين الرفيق بنسعيد.
    وفي هذا السياق، تقلص عدد المتفرغين، وأمكن اقتصاد نفقات المقر.. وتقررت الزيادة في «المرتبات» بأكثر من الضعف، فانتقلت من 300 فرنك الى 700 فرنك. وبالإضافة الى ذلك، فقد مررت لي الرفيقة سامية عباد الغرفة التي كانت تقطنها مع زوجها الرفيق مصطفى مسداد في الضاحية الجنوبية الشرقية لباريس. وكان ثمن إيجارها 300 فرنك. وهكذا أصبحت أكلف المنظمة وجريدتها 1000 فرنك شهريا.
    كانت هذه الغرفة الصغيرة تقع، مثل اثنتين مجاورتين، في أسفل إحدى العمارات. وكان الحمام مشتركا بين قاطني الغرف الثلاث. ورغم صغر تلك الغرفة فقد كانت تتوفر على شرفة تطل على مناطق خضراء. وكان الرفيق بوشعيب الهداج عندما يطرق بابي زائرا يسأل ممازحا عما إذا كان الكلب مربوطا حقا!
    اشتغلت في هذه الغرفة، التي كنت أستقبل فيها الصحافة الوطنية، وفي مقدمتها المحرر، في ظروف أفضل نسبيا، وحررت فيها معظم مقالاتي في الجريدة خلال تلك الفترة. وأعددت فيها التصور العام الذي اعتمدناه في المكتب السياسي، لجريدة أنوال. واعتكفت كثيرا من أجل إعداد دراستي حول المسألة الزراعية.
    في هذه الغرفة أعددت معظم مساهماتي في مجلة «الهدف» لسان حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكنت أوقعها باسم «ياسين طعمة». ولأسباب خاصة لم تصلني التعويضات المادية التي قدمتها المجلة المذكورة.
    وفي هذه الغرفة كذلك، حررت معظم مساهماتي في أنوال قبل العودة إلى البلاد، ومنها الحلقات المتعلقة بالمسألة الزراعية، والتعقيب الأول على الأستاذ منير شفيق.
    وكما أشار الى ذلك الرفيق أحمد الحجامي، فقد كنا في هيئة تحرير «23 مارس» مكلفين، الى جانب مهام أخرى، بالعلاقات الخارجية للمنظمة. وكانت هذه العلاقات، على المستوى العربي خاصة واسعة ومتنوعة. وقد تبادلنا، في إطار هذه العلاقات تجاربنا وأفكارنا مع ممثلي العديد من التنظيمات التقدمية واليسارية العربية، ولم نبخل على بعضنا بالممكن من الدعم والمساعدة والمساندة.
    وأذكر في هذا الباب أحد قادة حزب العمال الشيوعي المصري الذي كان قد وصل الى باريس ناجيا من حملة قمع استهدفت تنظيمه في ذلك الوقت. وكان الواجب يقتضي دعمه في انتظار تغير وتحسن أحواله. وكانت غرفتي الصغيرة هي المرشحة الأولى لاستضافته لأنني كنت أقيم فيها وحيدا وكان يسهل علي التنازل عنها والإقامة مؤقتا في ضيافة الرفيق بنسعيد.
    وبعد الرفيق المصري فاجأنا الأستاذ هيثم مناع بوجوده في باريس، بعد مدة قصيرة من اجتماعنا به في نفس المدينة ممثلا لرابطة العمل الشيوعي في سوريا. وقد جاء الى العاصمة الفرنسية هذه المرة ناجيا من حملة قمع شرسة ضربت الرابطة.
    تركت له غرفتي التي استقر فيها مرتاحا لبعض الوقت. وكنا نزوره بين الفينة والأخرى أنا والرفيقان الحبيب طالب ومحمد المريني، ورافقنا في إحدى المرات الرفيق اليوبي بلقاسم. وكانت تلك الزيارات تشهد، أحيانا، نقاشات صاخبة.
    التقيت الأستاذ مناع مرة في بيت الرفيق عز الدين التجمعتي. وأصر على دفع إيجار غرفتي التي كان يقيم فيها، وكنت، من جانبي، أكثر إصرارا على رفض الدفع واعتباره نوعا من الإساءة. ولتجنب استمرار الجدال وتصاعد التوتر بين بدويين أحدهما من الشرق وثانيهما من الغرب، اقترح الأستاذ مناع اللجوء الى تحكيم الرفيق عز الدين وناداه بصوت عال: هل يتعين علي الدفع أم لا؟ فأجاب بصوت أعلى، وكان في المطبخ المفتوح على الصالون يعد الشاي: نعم عليك أن تدفع!
    الكتابة والطبخ

    في آخر سنة 1979 اقترح علي أحد الرفاق نصف حصة من العمل في مطعم مغربي صغير كان قد فتح أبوابه حديثا. اشتغلت في البداية ساعات المساء، وعكفت في الأول على غسل الأواني والصحون وتقشير الخضروات مساعدا لمهاجر جزائري شديد اللطف. وبعد فترة قصيرة تمكنت من سرقة بعض الصنعة من صاحبة المطعم وطباخته الماهرة. وأصبحت أعد البريوات بالكفتة وبالكروفيت، وأشارك في إعداد طواجين الدجاج ولحم الخروف بالحامض والزيتون أو البرقوق، علاوة على الكسكس وقضبان الشواء. أما بسطيلة الدجاج فقد توقف تدخلي في شأنها عند إعداد مكوناتها من دجاج مطبوخ، منزوع الجلد والعظم، ولوز مسلوق ومقشر ومقلي ومهرمش مع فائض من البصل والمعدنوس والسكر والقرفة والزبدة والبيض وعدد من البهارات. ولم أتجرأ على إنجاز البسطيلة إلا في بيت شقيقتي.
    وفي الوقت الذي حافظ فيه الرفيق الحجامي على ريادته في إعداد أطباق العدس واللوبيا وأجاد، بالإضافة الى ذلك، تحضير الكسكس بالخضر السبع والسباغيتي بالكفتة.. آلت إلي زعامة إعداد الطواجين المغربية. وتحملت، في نهاية 1980، بمساعدة الرفيقة مليكة الحافظي، مهمة إعداد طعام الحفل الشيق الذي أقامه الرفيق الحجامي وزوجته فيلومين بمناسبة ميلاد كريمتهم ليلى، ودعيا إليه معظم رفاق باريس وأسرهم.
    بعد شهرين من العمل تقريبا، اقترحت على صاحبة المطعم ونجمته أن أوزع حصة عملي بين فترتي الغذاء والعشاء، وحاولت أن أتكيف مع الوضع الجديد الذي أصبح يتطلب وقتا أطول بسبب التنقل بين جنوب وشمال باريس أربع مرات بدل مرتين. وفي إطار هذا التكيف بدأت أقضي ساعات بعد الظهيرة في مركز بومبيدو الثقافي، أقرأ وأبحث وأكتب. ومازلت أذكر كيف تناولت غذائي في أحد الأيام مستعجلا ثم نهضت مسرعا حاملا أوراقي وكتبي لأتوجه الى المركز المذكور.. فلامتني ربة العمل لوما شديدا، وحذرتني من عواقب الإجهاد على صحتي وعلى جهازي الهضمي خاصة.
    وكانت ربة عملي هي السيدة فاطمة الحال المنحدرة من وجدة والأم لفتاة وفتى رائعين. وكانت سيدة فائقة الذكاء وتتمتع بقدرة عالية على التواصل، وتمكنت من الحصول على الإجازة من إحدى الجامعات الفرنسية رغم ضغوط الأسرة والولدين.
    لم يسر المشروع كما تمنت صاحبته وواجهته مصاعب وتعثرات كان طبيعيا أن تؤدي الى بعض التوترات في العمل. وفي نهاية يونيو 1980، سلمتني السيدة الحال أجري المحدد في 700 فرنك، وأخبرتني بقرار الاستغناء عني، ورجتني أن أمهلها في موضوع مستحقاتي عن العطلة السنوية. بعد تعرفي على الأستاذ عبد الإله بلقزيز ومهاراته التي لا تضاهى في فنون الطبخ.. وبعد اكتشافي لما يجيد إعداده الأستاذ أقضاض من أطباق سمكية شهية، وبعد معايشتي الطويلة للرفيق الحجامي.. أصبحت قريبا من الاعتقاد بوجود علاقة ما بين الطبخ والكتابة.
    جاءت التطورات التي أعقبت توقيفي عن العمل أكثر من سارة. فقد صدر في حقنا العفو الملكي في شهر غشت من السنة سالفة الذكر، وعدنا الى بلادنا ورفاقنا وأهلنا، وأستأنفنا حياتنا النضالية بجهود وتضحيات لا تقل عن سابقاتها.
    أما السيدة فاطمة الحال.. فقد تألقت في سماء باريس، وعرفت تجربتها التالية نجاحا فائقا، وأصبحت مضرب الأمثال بين مغاربة العالم.
    عود على بدء

    لقد تجاوزت، هذه المرة، عادتي القديمة، وأدرجت في الحديث عن تجربة عامة حكايات تتسم بالخصوصية، وتتعلق بشخصي وبأشخاص العديد من رفاقي وأصدقائي.
    كان غرضي من ذلك أن أساهم في التعريف بتجربة 23 مارس من داخلها وأنقل بعض صور المعاناة والصبر والاجتهاد وما واكبها من تضامن واحتضان، وما أنتجته من أدب فكري وسياسي غزير، وأرجو ألا أكون قد أفرطت في التفصيل.

    .
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    العربي مفضال.. تواضعي الزائد جعل أغلب ما كتبت ينسب لآخرين
    ليلى أنوزلا


    انطلقت تجربته الصحفية في المنفى، من خلال نشرة "23 مارس"، الصادرة عن تنظيم "23 مارس" السري، في سبعينيات القرن الماضي، لتستمر بعد عودته من المنفى في جريدة "أنوال"، ويواصل الكتابة، بعد توقفها، في "العربي"، و"الخليج" ، ثم في "المغربية"، و"المشهد".

    إنه العربي مفضال، أو أحمد السنبالي، أو العربي الرحالي، صحفي دفعه تواضعه، وكذا ظروف التنظيم السري، الذي كان ينتمي إليه، إلى التوقيع باسم أحمد السنبالي، أو عدم توقيع أغلب مقالاته، لتنسب لأشخاص آخرين. كما فضل عدم الإعلان عن اسمه كرئيس تحرير على صفحات "أنوال"، لعدم توفره على هندام يتناسب مع مسؤوليته، وحبه للعمل الجماعي.

    العربي مفضال تجاوز خجله وتواضعه، وفتح قلبه لـ"لمغربية"، ليتحدث عن تجربته الصحافية، وعن أخطائه، وكذا عن نجاحاته.

    ـ في الواقع، تجربتي الصحفية، إذا أمكن أن نعتبر هذا النعت، هي تجربة "أنوال"، التي انطلقت بعد تجربة "23 مارس"، التي يمكن أن نعتبرها الأم الشرعية لـ"أنوال"، وهي التي رفعت الصوت الوطني عاليا، في الهجرة، إذ كانت تصل إلى مراكز القرار في الشرق العربي، والمغرب العربي، وفي ديار الهجرة. وكان موضوع الصحراء المغربية ضمن اهتمامها، وبطبيعة الحال، مواضيع ذات العلاقة بالصراع السياسي والديمقراطي.

    كانت هذه التجربة قوية، إذ كان وراءها نخبة من المناضلين المعروفين، وكانت تجربة مميزة. وفي الواقع مهدت "23 مارس" لـ"أنوال"، والفرق بينهما أن "أنوال" كانت تتمتع بالشرعية القانونية، وعرفت انتشارا واسعا، وعبرت عن جيل بأكمله، جيل كان يحمل الهم السياسي والديمقراطي، ولكن كان الهم الأساسي والأسمى، الذي كان عندنا، هو هم نهضوي.

    "أنوال" لم تكن فقط منبرا سياسيا، بل كانت منبرا فكريا، من فكر وحوار، وجدالات ومناظرات. كما كانت منبرا اجتماعيا، وكانت منبرا ثقافيا، يمكن أن أقول، لحد الآن، ليس له مثيل. وكمثال واحد على ذلك، أفردت "أنوال"، في إحدى فترات عمرها، بابا خاصا للفنون التشكيلية، إذ خصصت لها صفحة تشكيلية التزمت بها لمدة طويلة، كان على رأسها الفنان التشكيلي الراحل محمد القاسمي. كما أن "أنوال" هي الجريدة الوحيدة، التي أفردت صفحة للموسيقى، وكان على رأسها الراحل الرايسي، والأستاذ عبدو، وكذلك السينما، وكان على رأس الصفحة الخاصة بها الأستاذ نور الدين الصايل، أضف إلى ذلك صفحة الشطرنج.

    يعني هذا أن هم "أنوال" ليس، فقط، سياسيا تحريضيا، بل كان هما شموليا، فيه ما هو اجتماعي، وما هو فني وسياسي، باستثناء الرياضة، التي كان لدينا فيها نقص، نظرا لطبيعة حجم الجريدة، الذي كان صغيرا.
    أما تجربة "أنوال" فليست تجربة فردية، بل كانت جماعية، كل واحد ساهم فيها بنصيب. ولحسن الحظ، أنه كانت نخبة، ربما بصفة استثنائية جمعت، في تلك الفترة من الثمانينيات، أناسا أدباء، وإعلاميين، كطالع السعود الأطلسي، وسعيد يقطين، ومحمد نجيب كومينة، وحسن السوسي. كما أنها لم تكن جريدة حزبية ضيقة، بل فيها الجانب الحزبي، لكنها مفتوحة على مصراعيها للآراء المختلفة، والمناظرات وحتى الأخبار.

    وقتها، كان عيب على جريدة حزبية، تتحدث باسم حزب، أن تنشر أخبار أحزاب أخرى، خاصة في الضفة الأخرى، أو المعارضة لها. ونحن لم يكن لدينا هذا المشكل، إذ قمنا بتغطية مؤتمرات الحركة الشعبية، ومؤتمرات أحزاب أخرى.

    عموما، كانت "أنوال" تجربة سابقة لأوانها، لم يكن لديها إمكانيات مادية، لكنها قدمت أشياء كثيرة.

    كان اهتمامكم الأول، آنذاك، هو السياسة، ما هي المضايقات التي واجهتكم في تلك الفترة، خاصة أن الإعلام كان تحت وصاية وزارة الداخلية؟

    ـ لما حسمنا أمر الدخول من المنفى، وأصدرنا "أنوال"، سنة 1979، في ذاك الوقت، قررنا ألا نمارس إلا ما نقول. وطبعا، بقيت دوائر السلطة تتشكك، وهذا من حقها، كون ذلك يدخل في مسؤولياتها، لكننا، من جهتنا، قررنا نهج الوضوح، والوضوح الكامل. كنا نطرح آراءنا ولو أنها لم تكن تعجب السلطة، أحيانا. وعلى سبيل المثال، قررنا، ذات مرة، أنا وطالع السعود الأطلسي "تحريك" العدد، نظرا لانخفاض المبيعات، وتدني الاهتمام بالجريدة، فأنجزنا ملفا حول المعتقلين السياسيين، ووضعنا في غلاف العدد صورة مركبة لمنظمة العفو الدولية وباب السجن المركزي بالقنيطرة. كانت المسألة عادية، لكن، في الليل أخذوا مدير الجريدة، عبد اللطيف عواد، واعتقل لمدة 24 ساعة.

    بطبيعة الحال، كانت هناك تهديدات، والمهم أننا كنا نمارس الأمور، التي نعتقد أنها ممكنة، وكنا نقدر ونراعي الحريات الممكنة، خاصة أن المقدس هو الملك والوطن، الذي كنا شركاء فيه، وربما نحن دافعنا عنه أكثر. في الواقع كنا نراعي، لكن آراءنا نقولها بالكامل، وكنا نعي المرحلة، التي يمر منها المغرب، وفي إطارها كنا نتحرك.

    ألم يشكل لكم اعتقال عواد نوعا من الخوف وعدم المجازفة بالكتابة في الملفات الحساسة؟

    ـ أولا، مؤسسو "أنوال"، كان بعضهم جاء من السجون، والبعض الآخر جاء من المنفى. كما أن الاعتقال، في الثمانينيات من القرن الماضي، كان أمرا سهلا، إذن، إمكانية ردعنا أو تخويفنا لم تكن واردة بالنسبة لنا.

    والحق يقال، حتى السلطة بدأت تتغير، وفهمت أنه من المفيد لها أن تظهر في الصورة آراء مختلفة، وهامش الثمانينيات من القرن الماضي ليس هو هامش السبعينيات.

    لما أصبحت مبيعات "أنوال" تنخفضن، وأصبح عدد قرائها يقل، ألم تفكر في التغيير إلى وجهة أخرى، أو منبر آخر أكثر مقروئية؟

    ـ كنا نعمل في مشروع، وهذا التفكير لم يكن واردا، فالذات الفردية لم تكن تطرح بقوة، فأنا خارج المجموعة لا أساوي شيئا. كما أنه كان لدي التزام في التنظيم، وفي القيادة في الخارج، كما أنني هيأت لمشروع "أنوال".
    طبعا، في منتصف التسعينيات، بدأت أكتب في "العربي"، لكن بقي هذا دائما هامشيا والأساسي هو "أنوال".


    ولماذا لم يقع التفكير في جعل "أنوال" مؤسسة إعلامية، لاستثنائها من الصراعات التي عرفها الحزب، والتي أدت إلى توقفها عن الصدور؟

    ـ نحن غير معزولين عن الصراع الحزبي، ونحن، أيضا، جزء من ذاك الصراع، والمشروع بنى قاعدته الحزبية والسياسية، ومن الصعب الخروج به من خانة الحزب.

    والتجاوز الإيجابي، الذي كان هو ما عبرت عنه بعض المحاولات المستقلة، من الذين حاولوا إخراج الجريدة من نطاق الصراع الحزبي، داخل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ورغم المشاكل، ورغم كل ما يحيط بهذه المنابر المستقلة، لم يكن لدينا ذلك الأفق والواسع، فنحن أبناء التنظيم وجزء من ذلك الصراع، وكان من الصعب الانفصال عنه.

    والآن، ألا يمكن التفكير في إعادة إصدار "أنوال" من جديد؟

    ـ أنا الآن بعيد عن مجال تدبير الصحف، لكن، حسب الأصداء التي تصل، ليس من السهل إصدار أسبوعية أو يومية، بذلك المفهوم الواسع المستقل والمتجرد من الحساسيات الصغيرة، وعن الإصدارات الرخيصة. ومثل هذا المشروع تلزمه إمكانيات كبيرة، كما يجب أن تكون لدى الأشخاص، الذين يريدون أن ينشئوا هذا المشروع، القناعة بأنهم سينشئون مشروعا نهضويا، ومستعدون للتضحية في سبيله ماديا، ولا تظهر بوادر إعادة إصدار "أنوال" في الأفق القريب على الأقل.

    هناك أفكار أخرى تتعلق بمجلات تنويرية، وهناك حديث ونقاش، ولكن إصدار جريدة ليس بالأمر السهل. وأحيانا أتساءل: هل يمكن إعادة تجربة "أنوال" بنفس التجرد والتضحية ونكران الذات، والجانب المادي غير مهم؟

    هل نفهم من حديثك أن تجربتك في "أنوال" كانت دون مقابل مادي؟

    ـ كان لدينا مشروع سياسي، وهذا يعني أننا كنا أقرب إلى نوع من أنواع المجاهدين، والجانب المادي لدينا لم يكن مهما، خاصة أن عنصر العمر آنذاك، إذ كنا شبابا، ساعدنا، مع عدم وجود مسؤوليات كثيرة.

    كنت بالكاد غادرت المجال الطلابي، وبالتالي، كان لدي استعداد لكل تضحية، مع إهمال الجوانب المادية، التي لم أكن أعيرها اهتماما كبيرا. ومع المدة وتقدم في السن، ومع وجود أسرة، تتغير المعايير. مثلا، أذكر أنني بدأت في "أنوال" بمبلغ 1500 درهم، إذ دخلت من المنفى سنة 1981، والتحقت في سنة 1982 بـ"أنوال"، ولم يتعد أجري، منذ ذلك الوقت وحتى 1984، مبلغ 1500 درهم، ليصبح بعدها 2500 درهم.

    وهذا جانب مهم، إذ تكون تشتغل في مشروعك، ولا يكون الحساب مهما كثيرا، عكس الاشتغال مع طرف آخر بعرق جبينك، حيث تطالب بحقوقك.

    لم نكن نطرح هذه الأمور، لأننا أصحاب مشروع، وما يهمنا هو إنجاح المشروع. كما أنه، في بعض الأحيان، لم تكن الموارد متوفرة لدينا، وكنا نعي هذه الأمور، ونصر على الاستمرار في العمل.

    لو أتيحت لكم الفرصة للعودة إلى عالم الصحافة، ما هو المنبر الذي ستختاره؟

    ولو أن هذا لا يعجبني، وأمقت مثل هذه الأسئلة: إذا أتيحت لكم فرصة إعادة تجربتكم.
    أقر أن تجربتي فيها أخطاء، وفيها مشاكل، وارتكبت أخطاء مثل كل الناس. لكن جانب الندم على الجانب المادي غير وارد، وأنا لم أندم قط. من يمكنه أن ينتقد في تجربتي، وارتكبت فيها أخطاء كثيرة، لكن على المستوى المادي، لست نادما. فنحن كنا محظوظين لكوننا لما تمتعنا بالعفو سنة 1980، اعتقدنا أن يكون العفو كاملا، على الأقل، نعود لوظائفنا، لكن لم يسمح لنا بالرجوع إليها.

    وحتى سنة 1998، وخلال هذه الفترة، كانت تراودنا أسئلة مرة وهموم، من قبيل أنه ليس لدينا تقاعد ولا ضمان صحي، ولكن كنا نغض البصر بسرعة، ونتجاوز الأمر. والتغيير، الذي حدث نهاية التسعينيات، ومع حكومة عبد الرحمان اليوسفي، واهتمامه بهؤلاء الناس، ضحايا الانتهاكات الجسيمة، استفدنا منه، إذ ورجعنا إلى عملنا، وضمنا تقاعدنا مثل بقية خلق الله. كما كان هناك تعويض لا بأس به.

    عن جريدة المغربية
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    العربي مفضال.. لم تكن لدي ملابس مناسبة لمنصب رئيس التحرير وأكره الإثارة الرخيصة
    ليلى أنوزلا



    ما هي الانتقادات الكبيرة، التي توجهها الآن لنفسك؟لا أعرف، هل أسميها انتقادات أم ماذا، فكل منا له عيبه ومميزاته، وأنا منغلق بعض الشيء، كما أنني لم أمارس أغلب الأجناس الصحافية، وكذا أغلب الفنون والأشكال الثقافية، مثلا الاستجوابات، لم أمارسها، ومارستها في إطار البحث فقط، مع السي عبد الكريم غلاب، ومع عبد الرحيم بوعبيد في كتابات، لكن في الجريدة، مثلا، لم أنجز استجوابات، ولم أنجز ريبورتاجات، لكنني أنجزت أشياء أخرى.
    في الأخير، وجدت نفسي أرتاح كثيرا في العمود، وطبعا أنجزت المقالة والدراسة، ومناظرات، إلا أنني لست صحافي تقارير واستجوابات والتقاط الخبر. هذا الجانب ليس لدي، وألوم نفسي بعض الشيء بهذا الخصوص، لأنني منغلق، وقليل الاتصال بالناس، وحتى التنظيم (23 مارس) كان سريا، وتربينا فيه على نكران الذات، والاشتغال دون أن يحس بنا أحد. وبقيت عندنا هذه الميزة، وهي إيجابية من جانب، وسلبية من جانب آخر.
    بالنسبة لعودتك، من خلال كتابة عمود والإطلالة على القراء في يومية "المغربية"، ومجلة "المشهد"، هل هو تدارك لما فات؟
    لم أتوقف قط عن الكتابة، وكتبت في جريدة العرب، واشتغلت بها منذ أن خضت تجربة أنوال، واستمريت، حتى 2005، أكتب فيها باسم العربي الرحالي، وأكتب مقالة أسبوعية تنشر يوم السبت، ثم حوالي ثلاثة إلى أربعة أعمدة أسبوعيا، واستمرت العملية تقريبا مدة 11 سنة. والناس، الذين لا يعرفونني بهذا الاسم، يعتقدون أنني توقفت عن الكتابة. كما كتبت في مجلة أصدرها حسن السوسي، تحت اسم "النضال الشعبي" في لندن، وبعد جريدة العرب، تقريبا في بداية 2006، اشتغلت مع "الخليج" بمقالة أسبوعيا، أي أنني، تقريبا، استمريت في الكتابة دون توقف، لأن العودة إلى الكتابة بعد توقف يكون دائما صعبا، ويلزمه وقت، لاسترجاع زمام الأمور، كما أن التوقف عن الكتابة يجعل من الصعب العودة إليها، إذ تتجاوزك الأحداث، ولا تعود متتبعا لما يجري.
    وفي الصحافة الوطنية كتبت في "المغربية"، ثم في "المشهد" انطلاقا من هذا العام.
    لكن كتاباتك في الجرائد الوطنية ظلت محافظة على الطابع السياس.
    في الحقيقة، أميل إلى التنوع، لكن "المغربية" و"المشهد" يطلبان مني مواضيع ذات طابع سياسي. مثلا، لما كنت أكتب في "العرب" ثلاثة إلى أربعة أعمدة أسبوعيا، كانت الكتابة متنوعة، فيها سياسة وسياحة، وقضايا مغربية وقضايا عربية، ودولية. لكن، في "المشهد" و"المغربية" أحس أنني أميل إلى ما هو مغربي سياسي.
    لو طلبت منك العودة إلى الاشتغال في الصحافة، لنقل تجاربك للجيل الجديد، أي منبر ستختار؟
    لا أحبذ من يقول، مثلا، إن فترتي هي الفترة التي كانت مزدهرة، ولم تعد هناك صحافة. وكذلك الشأن بالنسبة لميادين أخرى، كالرياضة، إذ يدعي البعض أن فترته هي التي كانت فيها الرياضة، أو الموسيقى، كمن يقول إنه هو الرياضي أو الموسيقي الوحيد، فكل جيل عنده إضافات، ونحن لدينا أخطاؤنا وإضافاتنا. والجيل الجديد لديه ما يقول، وهناك عمل، سواء في المغرب أو في الخارج. شيء واحد لم أفعله ولا أحبه، هي الإثارة الرخيصة، وإثارة الانتباه، وهذه الأشياء لا تدوم.
    طبعا، ألح على الحرية، لكن مع المسؤولية، إذ يجب أن تكون هناك مسؤولية في الإعلام والصحافة. مثلا، كان لدي كنز من المعلومات، إذ أن زوجتي كانت تشتغل في المجلس الأعلى، وتكون على علم بمجموعة من الأمور وكذلك المشاكل الخاصة، ولم يسبق لي أن استغليت هذا الوضع، أو أن دافعت عن زوجتي، فبعض الأخلاق أمر مهم، والمسؤولية مهمة وضرورية.
    هذا جانب أول، أي المسؤولية في الصحافة، مثلا، أحيانا، تمارس الصحافة الجزائرية تحريضا بئيسا، وتمييزا بين الشعوب، وليس بين شخصين فقط، وهناك مسؤولية كبيرة في ما يتعلق الأمر بخلافات الشعوب، إذ يجب أن يكون الصحفي حذرا ألف مرة. مثلا، لما وجدنا لجنة التعليم تتخاصم في ما بينها، هذا ضرب المفتش، وهذا ضرب المدير، وهم فئة واحدة، قررنا عدم نشر هذه الأمور، لأنها صراعات فئوية. فالمحامون لا يفعلون مثل هذه الأمور وكذا الأطباء لا يتشاجرون في ما بينهم، ورجال التعليم يجب أن يتأملوا في وضعية فئتهم. ألح كثيرا على جانب المسؤولية والأخلاق، وجانب آخر يتعلق بمسألة اللغة. كان عندي انطباع بأن خريجي الآداب يكونون أفضل في الكتابة، وتنقصهم أشياء أخرى للكتابة في الجريدة، وكنت أقترح أن يأخذوها من أهل المعهد العالي للصحافة.
    مثلا، لدي انتقادات كثيرة لجريدة "المساء"، رغم أنها تعجبني، مقارنة مع "الأحداث المغربية". في "المساء" لا يعجبني العمود، إذ ليس فيه مراقبة، وما أتى به القلم أو اللسان يكتب. كما يفتقد هذا العمود إلى العفة في التعامل مع الناس، فلا أفهم، مثلا، أحدا يتهم عباس الفاسي بأن له ممتلكات كبيرة بالجديدة، لكن، عندما يتحداه الفاسي ويقول له إن أتيت بإثبات على صحة كلامك، فخذ هذه الممتلكات، لا يرد عليه. هذا يعني أن العمود يفتقد للرقابة. وأنا لا أقدر على فعل مثل هذا الأمر.
    أي من المنابر الإعلامية يمكن أن تختار، إن طلب منك تسيير جريدة؟
    هذه الأمور لم تعد تلائم عمري، وسبق لي أن سيرت جريدة "أنوال"، كرئيس تحرير من 1986 إلى 1990، وسيرتها كذلك من بداية 1993 إلى أن توقفت. وكانت عندي علاقات جيدة مع الناس، الذين اشتغلت معهم، ومنهم أحمد نشاطي، الذي كانت علاقتي به جميلة جدا، إذ كان مساعدا لي وأعطيته الحرية، كما وثقت فيه كثيرا، إذ أنني إن لم أثق في شخص لن أشتغل معه، خاصة أنني لست من الأشخاص الذين يراقبون، أو يتابعون الناس، ليعرفوا عدم وفائهم.
    المشكل المطروح الآن بالنسبة للتسيير هو التعب، خاصة أننا لم نعش مرحلة الشباب، إذ أننا، في سن 18 أو 19عاما، كنا نحلم بالثورة، ولم نبدأ نرتاح إلا في السنوات الأخيرة، ومن هذا الجانب هناك صعوبة.
    كنت، أيضا، توقع في "أنوال" باسم مستعار، هو أحمد السنبالي، لماذا التوقيع باسم آخر، وما هي دلالات هذا الاسم بالنسبة إليك؟
    هذا مشكل كبير في تجربتي، إذ أن أغلب ما كتبت لم يكن موقعا. كما أنني أجريت مناظرات كبرى مع المناضل والباحث الفلسطيني منير شفيق، في بداية الثمانينيات، وكان أحمد السنبالي، الذي هو العربي مفضال، والذي هو أنا، مشهورا.
    اختيار التوقيع باسم مستعار تدخل فيه عوامل عديدة، فهناك جانب السرية، وجانب التواضع الزائد. وفي الواقع، هذا الأمر لم يكن سليما، لأن الكثير مما كتبت كان يحتسب لأشخاص آخرين، مثلا، غالبا ما كنت أوقع بحرفي أ.س، فكان الناس يقرأونهما أطلسي سعود، ما ساهم في اختلاط الأوراق.
    هذه الانتقادات الأولى، التي يجب أن أوجهها لتجربتي، وفيها 30 في المائة من تجربتي السرية، وكذا شيء من التواضع. وكنا في وضع له أثره كذلك، وضع اللا تطابق بين المسؤوليات والإنتاج والإنجازات والوضع المادي.
    مثلا، عرض علي الإخوان في "أنوال" رئاسة التحرير قبل 1986، ورفضت. وبقينا نشتغل بطريقة جماعية. وفي سنة 1986، ألح الإخوان أكثر علي لتولي رئاسة التحرير وقبلت، بشرط عدم إعلان ذلك على صفحات الجريدة، لأنه لم يكن لدي الملابس المناسبة لهذا المنصب، لأستقبل بها الشخصيات أو أجلس بها مع الزملاء، خاصة أن رؤساء التحرير في الدول العربية كانت ملابسهم تتماشى مع ما تحمله كلمة رئيس تحرير من معنى.
    لهذا، قلت للإخوان في "أنوال": أنا مستعد لتولي منصب رئيس التحرير، لكن سريا. كما أن رئيس التحرير الذي عرفناه في الشرق، مكانته محفوظة ووضعه المادي مريح. ولما كنت رئيس التحرير، لم أكن أتردد في ترك المساحة المخصصة لي في الصفحة الأولى للصحافيين، أو حتى للمراسلين، لما أرى أن مواضيعهم تستحق ذلك. وكان الزملاء يقولون لي إن هذا الأمر لا يصح لأن رئيس التحرير تلزمه مكانة خاصة، لكن أنا رئيس تحرير من نوع آخر وخاص.
    أما دلالات أحمد سنبالي، فقد نسجتها بطريقة غريبة، إذ كان لدي زميل اسمه السبايلي، الله يرحمه، درس معي، وكان شاعرا موهوبا، واشتغل في مجلة "الثقافة الجديدة" مع محمد بنيس. وفي بدايته المهنية، اشتغل أستاذا، وكان في مقتبل الحياة، واشترى سيارة، ووقعت له حادثة وتوفي. وبقيت أنا مع السنبالي، وأحمد هو أحمد الحجامي. ونسجت هذا الاسم وأصبحت أسيرا له، لدرجة أنني عندما كنت أذهب أحيانا لبعض الندوات، يقدمني الزملاء باسم السنبالي، فيرحب بي كثيرا، في حين، بقي اسم العربي مفضال لا أحد يعرفه. ونشرت، أنا والجراري، كتيبا، والعديد من الحلقات في بدايتي بأنوال باسم أحمد السنبالي.
    أخيرا، بدأت أضع اسمي من حين لآخر. وفي جريد "العرب"، قصدت التوقيع بالعربي الرحالي، على اعتبار مسؤوليتي السياسية في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بينما أكتب في صحيفة حرة، وعلي أخذ بعض الاحتياط. ولم أتحرر من هذه الأشياء إلا بعد أن بدأت أكتب في "الخليج"، إذ بدأت أضع اسمي كاملا. أما في "أنوال"، فنادرا ما كنت أوقع باسمي، أو لا أوقع مقالاتي أصلا، وهذا كان خطأ كبيرا.
    إذا كانت لديك إضافة تود أن تفصح عنها؟
    بالفعل، في هذه المدة أصبحت شرسا بخصوص القضية الوطنية، وأوجه انتقادات لاذعة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، كما أن هناك الكثيرين، لم تعجبهم كتاباتي. لكنني أكتب بصدق لأننا نحن عانينا كثيرا، ومنا من كان محكوما عليه بالسجن المؤبد، وبالإعدام، وكنا ندافع عن قضية بلادنا في كل المؤتمرات، الأوروبية وحتى العربية، واعتبرنا آنذاك رجعيين، كما نعتنا بحملة حقائب الحكام، أي أنه لا يقع التمييز بين البلاد وبين الحكام، الذين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، كما أنهم غير دائمين، في حين أن الوطن دائم. فتحنا أعيننا في السياسة مع انفجار قضية الصحراء في السبعينيات، وعشنها خطوة بخطوة.
    وهناك أمر لم ينتبه إليه الناس، فنحن لما أخذنا عفوا ودخلنا إلى المغرب، وجدنا أنفسنا دون عمل، كما أغلقت الأبواب في وجوهنا. ولم أرو ما عشناه بعد رجوعنا من المنفى، لكننا كنا مرتاحين ومعتادين، وفي المقابل، لما يأتي أحد من تندوف، ساهم في القتل والخراب والعديد من التهم، تقوم الدنيا، وتعقد اجتماعات. وأنا لست ضد الاهتمام بهؤلاء الأشخاص، على اعتبار أنه، سياسيا، يجب على المغرب أن يعتمد على الناس، الذين عادوا من مخيمات تندوف. وأنا مع الاهتمام بهم لأنهم، أيضا، كفاءات، وراكموا تجربة في المجالات، التي اشتغلوا بها دبلوماسيا، ولديهم تجربة مفيدة.
    لكن، نحن نقول: كل هذا في سبيل البلاد، ولا يشكل أي مشكل بالنسبة لنا. كما أننا نملك تمسكا قويا بالبلاد، لا يفهمه البعيد، الذي لم يعش التجربة، خاصة الآن، وقد أصبحت الأمور سهلة، والمغرب لم يبق معزولا، والاعترافات بالبوليساريو تراجعت كثيرا.
    كما أن هناك من كان مع جبهة البوليساريو، مثل نايف حواتمة، من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وكان مع موقف الجزائر، فتعبنا من مناقشته، وبعد ذلك، غير موقفه، وأصبح يقول إن قضيتكم عادلة، ويتزايد علينا، لكن نحن نعرف البئر وغطاءه. وهناك الكثيرين من يرون أن قضيتنا عادلة، وكنت كتبت لأرد عليهم بمقال عنونته ب"لا يكفي أن تكون قضيتنا عادلة"، وهذا ما أردت أن أشير إليه في تجربتنا، سواء في نشرة "23 مارس" أو في جريدة "أنوال"، إذ كنا نضع دائما القضية الوطنية على رأس أولوياتنا.

    * الصحراء المغربية يوم 25 - 08 - 2010
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة