ملف الحذاء

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏23/1/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    الحـــــذاء
    ملف

    تقديم

    ماذا كان الانسان ينتعل قبل الوصول الى عالم الاحذية الجلدية الناعمة والفاخرة ذات الجودة العالية والعلامات العالمية بمختلف تسمياتها واشكالها وتشكيلاتها والوانها التي يمكن من خلالها التعرف على شخصية المرء والمراة.

    وما السر في ان يتحول هذا الحذاء من مجرد مداس بسيط. الى شئ ذي اهمية قصوى يتضمن كما هائلا من والسمات المعاني والرموز الفلسفية.

    "الكعب العالي أهم اختراع بشري!".. هكذا قال الفنان محمد عبدالوهاب، وهو قول يختزل العديد من الدلالات والحقب التاريخية والحرف والابتكارات والمهارات والعلامات المسجلة والمقاسات والتقليعات التي تدرج عبرها الحذاء قبل ان يصل الى ما هو عليه الان من اناقة ورقة وخفة وليونة، انطلاقا من "الخف" و"النعل" و"الجزمة" و"المداس" و"الهنكارة" و"البوط" و"السباط" و"القبقاب" و"البلغة" و"الريحية" و"الشربيل" و"السندالة" الماخوذة اعتقادا عن "السندريللا"، الى "القندرة" و"الصرماية" لدى اخواننا المشرقيين الى غير ذلك من التسميات والتعريفات والحكايات الطريفة التي خلدها حذاء أبي القاسم الطنبوري، وحذاء "فان غوخ" العتيق الذي ثار حوله سجال فلسفي طريف وبديع وعميق كان احد طرفيه مارتن هــايدغر وجاك ديـردا وماير شـابيرو، واحذية "هتلر" و"شارلي شابلن"، وقبقاب "غوار الشهير"، وحذاء الاميرة النائمة "سندريلا" الذي حولها من خادمة يتيمة إلى زوجة الأمير، وحذاء " نيكيتا خروتشوف" الذى استخدمه فى مجلس الأمن، وضرب به على الطاولة، والحذاء الذهبي، و" البوت" الحذاء العسكري الضخم الذي وضع على رأس "جارلس تيلور" في ليبيريا، وحذاء " ارمسترونغ" الذي لامس سطح القمر، وقناعة "معروف الاسكافي"، وحذاء الصحافي العراقي "منتظر الزيدي" والذي يعتبر أهم وأشهر حذاء في القرن الواحد والعشرين، الى ردود فعل " بريجيت باردو" في دفاعها عن الحيوانات.. الى غير ذلك ممن سنتعرض لهم في هذا الكتصفح من الاشخاص ومختلف الدراسات القيمة والحكايات والقصص والاخبار التي ارتبط ذكرهم بالحذاء .

    أوقات طيبة

    مع تحيات نقوس المهدي

    [​IMG]
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    زوليخا موساوي الأخضري
    حذاء فان غوخ

    إهداء:

    ينزل الدرجات ببطء. باليد اليمنى الحذاء الذي اشتراه للتو وباليسرى يتحسس الجدار البارد للممر الضيق المؤدي مباشرة إلى القبو الذي يكتريه منذ أسابيع بمونتمارت. باريس مدينة الفن والإلهام. يشعر ببرودة الأرض تحت قدميه الحافيتين. يبتسم وهو يتذكر النظرة في عيني جارته ترقبه باستغراب يقطع المسافة التي تفصل باب البيت الآيل للسقوط عن الجحر الذي يسكنه.

    صحيح أنه حذاء بني قديم مهترئ لكنه مع ذلك أحسن من المشي حافي القدمين. هزت الجارة رأسها أسفا وهي تتبعه بنظراتها إلى أن توارى داخل قبوه.

    فاطنة: قفطان، بلغة، مشط عريض، أسورتين ذهبيتين، كحل ورائحة الخزامى فاحت في الغرفة بعدما فتحت الصندوق الخشببي.

    أخرجت فاطنة برفق شديد قفطانها الجديد من الصندوق الخشبي ووضعت حليها، مشطت شعرها، مررت مرود الكحل في عينيها وهي تدندن بأغنية. اشتاقت إلى سماع الموسيقى. سترقص على نغمات الشيخات كما لم ترقص من قبل.

    سنتأخر عن العرس يا فاطنة، اسرعي!

    تلتف بالحايك الأبيض وهي تهرول جهة باب الدار حيث يقف زوجها متجهم الوجه. هل سيصلان متأخرين؟

    ثم فجأة تدور نصف دورة حول نفسها بحركة خفيفة وترجع من حيث أتت.

    ما بها هذه المرأة؟

    نسيت بلغتي. تقول بصوت مرتفع كي يسمعها. تفتح الصندوق ثانية وتأخذ البلغة.

    لن يكون إلا حذاء فلاحة. يؤكد هايدجر. الماء، النار، الهواء والتراب. الحذاء أقرب إلى التراب. يريد الرسام أن يعبر عن ارتباط الوجود الإنساني بالمادة.

    ماذا؟ يسأل شابيرو وقد نفذ صبره، لا. أرجوك أستاذي هايدجر اللوحة تمثل حذاء حقيقيا وقد كان للرسام. تمثل المادة في الكائن والكائن في المادة.

    يبتسم دريدا، ينفض غليونه بالقرب من المدفئة الباردة وينظر إلى صاحبيه. بخطى ثابتة وتحت نظرات استغراب رفيقيه هايدجر وشابيرو يتوجه إلى الحذاء في اللوحة، يمد يده، يخرج الحذاء من اللوحة ويبدأ في نزع الخيوط الطويلة البالية المتسخة التي تشد جوانبه المهترئة.

    ماذا تفعل؟ يصرخان في وجهه وهما يحاولان منعه من الإقتراب من الحذاء.

    أحاول تفكيكه. يقول دريدا وهو يمرّر يده على شعره المدهون بالبريانتين.

    يخرج فان غوخ من الركن المظلم الذي كان يتكور فيه، يتقدم نحو الحذاء الذي كان قد انفلت من بين يدي دريدا وبدأ يدور في الحجرة، يمشي، يقفز، يجري، يرقص. يشير فان غوخ للحذاء أن يتوقف عن شغبه ويتوجه إلى كاتبة هذا النص في الطرف الآخر من الغرفة منكبّة على أوراقها وعلى شاشة الحاسوب.

    ماذا فعلت؟ لماذا مزجت كل الأوراق؟ أنا؟ هايدجر؟ دريدا؟ القروية؟ لا أفهم شيئا. هذه القروية ليست حقيقية؟ أليس كذلك؟

    تبتسم الكاتبة وهي تنظر إلى وجه الرسام الشاحب، إلى شعره المنفوش، أسماله البالية وأذنه المقطوعة. هل قطع أذنه قبل أن يشتري الحذاء ذات صباح باريسي ويرسمه في لوحة لا زالت تحيّر النقاد أم بعدها؟

    يا سيد فان غوخ القروية حقيقية والبلغة أيضا.

    لكنه حذاء!

    أجل.. لكن عندنا تلبس القرويات بلغة. شيطان الكتابة سيستبدل الحذاء ببلغة إلى حين انتهاء العرس القروي ثم يعود الحذاء إلى إطار لوحتك. لا تقلق.

    ماتت القروية، مات فان غوخ، مات هايدجر، مات شابيرو، مات دريدا وعاش حذاء فان غوخ.

    تقبل القروية مسرعة نحو الكرمة العجوز جنب البيت حيث ينتظرها زوجها وعلامات الغضب على محياه. دون أن ينبسا بشفة يتقدّمان مسرعين وسط الطريق الترابي.

    يلتفت الزوج إلى قرويته التي تحثّ الخطى بجانبه حافية القدمين وهي تمسك بلغتها بين يديها.
    - لماذا لا تلبسين بلغتك؟ يسألها
    - بأس في رجلي أهون عليّ منه في بلغتي.

    [​IMG]
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    منقول
    سجال فلسفي حول حذاء

    الحذاء قد يكون أحيانا مجرّد حذاء. لكنه في بعض الحالات يمكن أن يتضمّن الكثير من المعاني والرموز.

    في احد الأيّام زار فان غوخ احد الأسواق الشعبيّة في باريس. وهناك رأى زوجا من الأحذية الخشبية البالية. وقرّر أن يشتريهما واحضرهما معه إلى محترفه في حيّ مونمارتر.

    وليس من الواضح لماذا اشترى الحذاءين. لكن يمكن أن يكون السبب ببساطة انه كان بحاجة إلى زوج جديد من الأحذية.

    وبعد فترة قصيرة قام برسمهما. وسرعان ما أصبح هذان الحذاءان أشهر حذاءين في تاريخ الفنّ الحديث، بالنظر إلى الدور الكبير الذي لعبته هذه اللوحة في الفلسفة الحديثة وعلاقتها بعالم الأفكار.

    فرانسيس ليكارت يتناول في هذا المقال المترجم خلفيات هذه اللوحة والطريقة التي استُقبلت بها.

    لم يكن فان غوخ يتوقّع أن تثير فردتا حذاء رسمهما في باريس عام 1886م نقاشا فلسفيا ساخنا. وحتّى هذا اليوم، ما يزال الفلاسفة ومؤرّخو الفنّ ينظرون إلى هذه اللوحة ويثيرون من خلالها أسئلة تتمحور حول وظيفة الفنّ وطبيعة الأشياء.

    وقد بدأ كلّ هذا الجدل في عام 1936 عندما رأى الفيلسوف الألماني مارتن هايديغر اللوحة في معرض بـ أمستردام. وفي ما بعد، تحدّث عنها في مقال حمل عنوان "أصل العمل الفنّي".

    وفي السنوات التالية، كتب علماء ومفكّرون مثل ماير شابيرو وجاك ديريدا وإيان شو وستيفن ميلفيل وجهات نظرهم حول حذاء فان غوخ.

    في العام 1886 انتقل فان غوخ إلى العاصمة الفرنسية. كان عمره في ذلك الوقت ثلاثة وثلاثين عاما، وكان يتمنّى أن يصبح جزءا من مشهد الفنّ الطليعي في باريس. وقد رسم هذه اللوحة في محترفه، وفيها يصوّر زوجا من الأحذية القديمة والرثّة.

    عندما رأى زملاؤه اللوحة، كان ردّ فعلهم غريبا. بعضهم رأى فيها شيئا عبثيا، بينما تساءل آخرون عن السبب الذي دفع فان غوخ لرسم هذا الموضوع الساذج وما إذا كانت لوحة مثل تلك تصلح لتزيين جدران غرفة الطعام مثلا.

    لكن فان غوخ لم يشرح أبدا ما الذي قصده من اللوحة. وبالنسبة للعديد من مؤرّخي الفنّ، كانت اللوحة مجرّد دراسة. وهذا أمر ممكن طبعا. وكان هناك احتمال أن فان غوخ كان يحاول من خلال اللوحة تجريب بعض الألوان. واختياره الحذاء كموضوع سمح له ولا شكّ بالعمل مع الألوان البنّية وتدرّجاتها. وقد مزج فيها اللون البنّي بالأخضر مع ظلال خفيفة من الكريمي. كما وظّف فيها الألوان الزيتية بطريقة سميكة وخشنة إلى حد ما مع ضربات فرشاة واضحة.

    لكن يبدو انه كان لهذه اللوحة الصغيرة معنى أعمق بكثير مما يظهر على السطح. وبعد خمسين عاما على رسمها، أي بعد أن مات فان غوخ بزمن طويل، بدأ نزاع بين الفلاسفة ومؤرّخي الفنّ ما يزال مستمرّا إلى اليوم. وقد امتدّ النقاش وتفرّع ليتناول بعض القضايا الكبرى مثل وظيفة الفنّ وطبيعة العمل الفنّي.

    الفكرة التي طرحها هايديغر في حديثه عن اللوحة ترتكز على حقيقة أننا نستخدم الأشياء في حياتنا اليومية ونستطيع أن نعرف الغرض من استخدامها. لكنّ جوهرها يظلّ مخفيّا أو مغيّبا عنّا. وهذا الجوهر هو ما يكشف عنه الفنّ. لذا فإن وظيفة العمل الفنّي من وجهة نظره هي أن يكشف لنا عن الجوهر الحقيقي للأشياء.

    وعندما نظر هايديغر إلى حذائي فان غوخ توصّل إلى استنتاج مؤدّاه أنهما يخصّان امرأة فلاحة.

    لكن كلام هايديغر ووجه بمعارضة من المؤرّخ الأمريكي ماير شابيرو الذي أكّد على انه يستحيل فهم معنى ودلالة اللوحة ما لم نعرف أوّلا نوايا فان غوخ من وراء رسمه لها.

    شابيرو، الذي غرق عميقا في مراسلات فان غوخ وأشيائه الخاصّة وكتابات أصدقائه، قال إن العيب في تفسير هايديغر يكمن في انه اسقط مفهومه عن البدائية والترابية على اللوحة. وأضاف إن المشكلة بدأت عندما افترض هايديغر أن الحذاء يخصّ امرأة ريفية. وهو استنتاج خاطئ. وأشار شابيرو أيضا إلى أن الحذاءين يخصّان الفنّان نفسه وأنه عندما رسمهما كان يقطن المدينة. كما رجّح افتراض أن ما اجتذب فان غوخ للموضوع هو الطبيعة الشخصية للحذاءين والشكل الخاصّ الذي اكتسباه بسبب لباسهما أو استخدامهما، في إشارة إلى آثار البلى والتجاعيد الظاهرة على الحذاءين.

    بالنسبة لـ فان جوخ، الذي كان يمشي حافي القدمين معظم حياته، كان للحذاء معنى خاصّ. فهو يرمز لفكرة الحياة باعتبارها رحلة روحية. وطبقا لـ شابيرو، فإن فان غوخ عندما رسم الحذاءين فإنه إنما كان يرسم بورتريها رمزيا لنفسه. والتوقيع الظاهر في أعلى يسار اللوحة والمكتوب بأحرف حمراء يرجّح احتمال انه عنوان اللوحة الأصلي.

    "زوج من الأحذية" هي واحدة من عدّة لوحات رسمها فان غوخ في فترات مختلفة من حياته. وقد رسم الأحذية وأضفى عليها "شخصيّة" وأولاها اهتماما لا يقلّ عن اهتمامه بلوحاته الأخرى عن الأشخاص والطبيعة.

    كان فان غوخ يجد الجمال في كلّ شيء في الحياة اليومية، بما في ذلك الأشياء التي قد لا ينتبه لها معظم الناس، واعتبرها دائما تستحقّ الرسم.

    وهناك من النقّاد من أكّدوا على القيمة التأويلية للوحة فان غوخ عن الأحذية. ورأوا أن العمل الفنّي، مهما بدا موضوعه خاملا أو بالغ الشيئية، يمكن فهمه كدليل أو كفكرة مجازية عن واقع اكبر أو حقيقة نهائية.

    والآن لنتمعّن قليلا في كلّ هذا الذي قيل عن الحذاءين. بالنسبة لـ هايديغر، فإن اللوحة تعبّر عن حقيقة خاصّة وغير منظورة في الحياة اليومية. وبالنسبة لـ شابيرو، يمكن قراءة اللوحة على أنها بورتريه رمزي للفنّان الذي رسمها. وهايديغر يقول إن الحذاءين لامرأة فلاحة، بينما يؤكّد شابيرو أنهما لرجل من قاطني المدينة هو فان غوخ نفسه.

    لكن ما الذي يمكن أن نتعلّمه أو نستفيده من كلّ هذا الجدل؟ أليس من الأفضل أن نتوقّف عن الحديث عن الصورة ونكتفي بالنظر إليها؟

    في مرحلة تالية من حياته، كتب فان غوخ إلى أخيه ثيو يقول: أعتقد أن هذه اللوحات يمكن أن تقول لك ما لا استطيع التعبير عنه بالكلمات".

    ولهذا السبب بالتحديد، يستحقّ فان غوخ أن نتحدّث عن صوَره. وكلّما تحدث الإنسان عن صورة ما، كلّما تكلّمت الصورة بوضوح أكثر.
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    أم الزين بنشيخة
    هل هناك أشباح في أحذية فان غوغ؟
    دريدا أمام هيدغر

    هل هناك أشباح في أحذية فان غوغ ؟

    ليكن هذا السؤال هو الذي تركبه الفلسفة في هذه الطرق الانتقالية والقناطر المتحركة وعواصف الرمل والنار التي تعصف بنا في هذه الثورات العربية الرائعة.. أيّ سؤال بوسعه حينئذ أن يحملنا الى الحقيقة في فنّ الرسم. هنا نبدأ بالتفكيك بوصفه سحرا وبدريدا باعتباره يحمل اسمه جيّدا: ساحر يلعب بالكلمات ويبعثرها كيفما راق مزاجه.. شيطان يكتب عن الحقيقة.. لكنه لن يحدثنا عنها بنفس أسلوب الفلاسفة التقليديين.. ولن يصالحنا مع أي شكل من الواقع .

    ينفتح نص دريدا في الفصل الرابع والأخير من كتابه " الحقيقة في فنّ الرسم " اذن على الجملة التالية.. فلندخل سويّا هذا النص لأن قارئا واحدا لا يكفي.. فالمتوحدون قد تداهمهم الأشباح.. يقول دريدا بكل بساطة ما يلي: " وبالرغم من ذلك. انّي لم أعد أتذكّر البتّة من كان يقول " ليس هناك أشباح في لوحات فان غوغ"؟ لكنّنا لدينا فعلا ههنا قصّة أشباح. بيد أنّه ينبغي أن ننتظر أن نصير أكثر من اثنين من أجل أن نبدأ ".

    ما رأيكم في هذه البداية؟ قد تقولون عادية وقد تقولون قصصية وقد تبدو لكم مُخيفة وغرائبية عجائبية لأنها بدأت ببثّ الأشباح في قلوبكم.. هل يخيفنا دريدا من التفكيك بنثر الأشباح على قارعة النصوص والرسوم؟ هل يهدّدنا بعودة الأشباح لو لم ننصف مناطق الصمت والهامش ومواقع الأحذية الفاغرة التي لا وجه لها ولا أقدام ولا طريق؟

    بوسعكم أن تُفكروا بما شئتم من المعاني والتأويلات. ذلك أنّه بقدر ما تولد فيكم تحت وقع الأحذية من امكانيات الفلسفة والأسئلة بقدر ما ينجح التفكيك. لكن ما ذا يقصد دريدا بالأشباح؟ وما علاقة الأشباح بالأحذية؟ الأشباح هي كما يعرف الجميع أرواح تائهة عن جثامينها هاجرتها وطارت تبحث لها عن أجسام أخرى لم يدركها الفناء. فالأشباح تحبّ الحياة وتهرب من الموتى. لكن لماذا نخاف الأشباح؟ ولا ننسى الدور التربوي للأشباح التي كانت تُصاحب مخيّلاتنا الصغيرة ونحن أطفالا.. وكان آباِؤنا يهدّدونا بها كلما حاولنا المُغامرة فيما أبعد من دائرة المسموح به. دريدا يستعمل الأشباح هنا كي يُغرينا بالسير معه نحو المجهول. فالأشباح تُغري بالفلسفة لأنها تكره الموتى وتطير بحثا عن الحياة في أجسام أخرى.

    نحن اذن ازاء قصة أشباح. انها تسكن تحديدا لوحة أحذية فان غوغ. من أين جاءت الى هذه اللوحة؟ أيّ الجثامين هاجرت؟ وأيّ الأجسام الحيّة تطلب؟ وما هي شروط الانتساب الى هذه الأشباح؟ ولأوّل مرّة يصير للأشباح شرف الاقامة في نصوص الفلسفة.. لأنّ هذه الأشباح هي نصوص الفلاسفة أنفسهم وتأويلاتهم للحقيقة في فنّ الرسم. ولكل منّا حينئذ حق اختيار شبحه المُفضّل ان كان بوسعه أن يختار جسمه جيّدا. وان كان بوسعه أن يختار حياته وموته جيّدا.. لدينا اذن أكثر من شبح في هذه القصة عن الأحذية بعامة وعن أحذية فان غوغ نموذجا. وما علاقة النموذج بالنسخ حينئذ؟ وما الفرق بين الشبح والنسخة والطيف والمسخ..؟ الشبح روح تائهة لجثمان والنسخة تحاكي الأصل والطيف هو الشكل الأخفّ والأضعف من الكائن والمسخ كائن خيالي مرعب ..

    أيّ الأشباح هو الأقرب الى الفلسفة؟ هو شبح الفيلسوف نفسه الذي يمضي جسمه الذي به كتب وفكّرويبقى شبحه بين السطور راعيا أمينا ووريثا شرعيا لشخص الفيلسوف وعقله وقلمه. ههنا وازاء لوحة أحذية فان غوغ سوف تتضاعف الأشباح وتتكاثر الأرواح التائهة المتنازعة على ملكية هذه الأحذية: فان غوغ نفسه وهيدغر وشابيرو ودريدا مُصمم هذا الركح الفلسفي العجيب التراجيدي والعدمي معا. وربّما أشباح أخرى لكل قارئ تجرّأ على الاقامة قليلا أو كثيرا في هذا النص الشبحي لأنه لا شيء غير حروف وجمل و كثير من اللعب و قليل من جنون الكتابة .

    انها بداية للفلسفة لا تشبه أيّ أسلوب آخر في البدايات. فالتفكيك مُضادّ لفلسفات النسق التقليدية التي تُؤمن بالبدايات والنهايات. لا بداية للنصوص ولا للفلسفة ولا للكتابة ما دمنا نسكن العالم على نحو دائري.. نحن كائنات تحيا وفق هندسة كُروية منذ كوبرنيك وغاليلي.. لا أحد بوسعه أن يستعيد ذاكرة الكسمولوجيا القديمة حيث السماء فوقنا مليئة بالآلهة والأرض حظيرة للنوع الحيواني برمته.. ودريدا لم يعد يذكر.. بداية مضادة للذاكرة ولفنّ التذكر الأفلاطوني.. نسيان مقصود أو سياسات أخرى للذاكرة.. لا يهم لأننا لا نتذكر ههنا غير الأحذية والأشباح التي تسكنها بعد رحيل أقدامها عنها.. أحذية فان غوغ اذن قد تكون على ملكية شبح يزورها ليلا كلّما أنهكه التشرّد.. هو شبح بلا منزل قارّ يلتجىء الى الأحذية بوصفها مقرّه الآمن الوحيد.. شبح لا ينشط الاّ ليلا فهو يقتات من الظلام حينما تنجح أجهزة النفوذ في تنويم الجميع.. تبقى الفلسفة والعقول الحرّة يقظة وتنشط في شكل أشباح …


    .../...
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    أم الزين بنشيخة
    هل هناك أشباح في أحذية فان غوغ؟
    دريدا أمام هيدغر


    دريدا

    ولأنّنا ازاء قصّة أشباح علينا أن ننتظرقليلا.. وبالتالي على الكتابة أن تتريّث و على النصوص أن تُبطئ الخطى. علينا ألاّ نحثّ خطانا وان اقتضى الأمر أن نُمسك عن الكلام لأن الأشباح لا تقيم الاّ ضمن الصمت. يوصينا دريدا بأن ننتظر سويّا على حافة النصوص وعلى حافة الأحذية حتّى يصير كلّ منّا أكثر من واحد.. علينا أن نحمل أشباحنا معنا كي ندخل هذه القصّة ذلك أن عزلة الفيلسوف لم تعد وصفة ناجعة للتفلسف. ان التفكيك شأن جماعي لأناّ لن نقاوم الأشباح المندسّة بيننا الاّ ونحن جماعات. حذار فأنت لن تكتب عن الأحذية وحيدا. سوف يُصاحبك فان غوغ وتُصاحبك أحذيته. ومعك سوف تسير الفلاّحة صاحبة القدمين المتعبتين، وسوف يصحبك هيدغر وشابيرو ودريدا نفسه ويصاحبك فن الرسم وتُصاحبك الفلسفة. لا تُحاول أن تُقصي أيّا من أصحابك فأنت تحتاج الى أقدامهم جميعا كي تنصف الأحذية .

    بداية للدخول في الأحذية لا تشبه أيّة بداية أخرى.. ههنا بقدر ما تتماثل أساليب البداية بقدر ما تفشل الفلسفة ويتعطّل التفكيك. فلنجرّب فنّ الاختلاف ولنذهب بتجاربنا الفريدة الى أقصى حدودها علّنا نعثر على شيء من الفلسفة أي من الحرية أي من امكانيات الحياة نفسها.. علّنا بالأحرى نضاعف الأشباح بدلا عن اقصائها ومُطاردتها أو الهروب منها خوفا ورعبا.. فالأشباح التي تُغرينا بالتفلسف هنا وتراودنا على الكتابة هي الفلسفة نفسها، نصوصها وكل ما تبقى من الأفكار في حقولها …

    كيف نبدأ في الفلسفة وكيف ننتهي؟ سؤال شغل هيغل ومن بعده هيدغر واستأنفه على نحو تفكيكي دريدا. ويبدو أنّ الجميع قد اتّفقوا هذه المرّة أن ليس هناك بداية للفكر ولانهاية.. لأننا نقيم داخل الدائرة. بوسعنا أن نبدأ من النهاية أو من الوسط أو من أيّ هامش. لا فرق من أين ندخل في الفلسفة لأنّه لا وجود لطريق جاهز سلفا وسابق عن مسارات التفلسف. ولاننا غادرنا عصرالكتاب ودخلنا عصر الكتابة بوسعنا أن نبدأ من "كفانا قولا. هاوية وهجاء للهاوية". ماذا نفهم من هذه البداية الخاصة بفنّ التفكيك؟ وحينما نكفّ عن القول كيف سنتفلسف في الحقيقة أو في فنّ الرسم أو في الأحذية؟ وهل نكفّ عن ممارسة الفلسفة حينما نكفّ عن القول؟ وهل نصمُتُ كلما توقفنا عن الكلام؟ وحينما هناك صمت هل يتعطل التفكير؟

    يُجيبنا دريدا كاتبا لغة الصمت: "أن نبدأ وأن ننتهي بـ"كفى" لا علاقة للأمر بالكفاية ولا باكتفاء الاكتفاء ولا بأي شكل من القناعة والرضا.."نحن لا نكفّ عن الكلام لأنّا اكتفينا منه وأخذنا منه نصيبنا أولأنّا رضينا واقتنعنا واكتفينا.. بل لأنّا تحررنا من الكلام ونطلب الآن أن نكتب الصمت بكلّ أطيافه المسكوت عنها والمقصية والمُهمّشة والتي تقف على الحدود والتخوم بلا أوراق رسمية للدخول في قارة غطرسة اللوغوس. ههنا يصير التفلسف اقامة ثرية في الصمت بدلا عن لوغوس بأنساقه ومفاهيمه وكل أشكال تواطئه مع أجهزة النفوذ .

    بدأنا اذن والبادئ أظلم. من هي أحذية فان غوغ؟ كيف سنعيدها الى أصحابها و كيف سنقيم في خوائها المُظلم وفي عتمتها الحالكة؟ لقد ذهب في اعتقاد الجميع أنّ الأمر يتعلّق بزوج من الأحذية. لكنّ دريدا يتصدّى لهذا الاعتقاد. هيدغر اعتقد بأنّها زوج من الأحذية لفلاّحة تجوب الحقول، أماّ شابيرو المُختص في النقد الفني وصاحب كتاب حول رسومات فان غوغ تحديدا، فقد ذهب الى القول بأنّها أحذية الرسّام نفسه .لكن لا أحد وضع "هويّة" هذه الأحذية موضع شكّ أو سؤال. ويسأل دريدا مفاجئا الجميع: ومن أين أتاهم اليقين بأنّ الأمر يتعلّق بزوج من الأحذية. "وما معنى الزوج حينئذ؟". هنا يتدخّل فنّ التفكيك مُسائلا أكثر الأمور التي نتوهّم أنّها بديهية بذاتها. ليس ثمّة نقطة أرخميديس في التفكير.. نحن نسيرعلى أرض زلقة لا نعرف اللحظة التي سوف نسقط فيها ولا اللحظة التي سوف ندرك فيها برّ الأمان.

    وحينما نقول أنّها زوج من الأحذية ففي طيّات اعتقادنا هذا ثمّة الكثير من الأحكام المُسبقة الخفية ومن علامات غطرسة اللوغوس. ثمّة الرغبة في اختزالهما في هُويّة واحدة وفي السكوت عن عجرفة براديغم الهُوية الذي يُفكّر بالأصول والذاكرة واستبداد الهو الهو الذي لا يقبل الاختلاف والتعدد.. ثمّة أيضا الرغبة في المُصالحة وفي الوصل وفي طمس الثقوب ومواقع الخلاف والعطالة.. ثمّة رغبة في النسق والنظام وفي المُحافظة على استقرار الوقائع و النصوص وانقاذ الواجهة.. ثمّة استئناف لرسم فلسفي لاهوتي معا يختزل الوجود منذ أفلاطون وأرسطو الى ديكارت وكانط في الثنائيات بين المادّة والصورة والله والعباد والمتناهي واللامتناهي والجوهر المفكّر والجوهر الممتدّ والذات والموضوع.. والأخطر من كلّ ذلك على مصير الأحذية هو أنّ وراء الوصل بينها واختزالها في مؤسسة الزوج والزواج ثمّة رغبة في اسنادها الى ذات تملكها.. ثمّة براديغم العودة الى الذات وثمّة براديغم الملكية الخاصة.

    ليست أحذية فان غوغ "زوجا من الأحذية" .انّما هما حذاءان منفصلان لا علاقة لأحدهما بالآخر غير علاقة الجوار الاعتباطية. بل وأكثر من ذلك لا هُويّة لهذه الأحذية غير أنّها انّما "صُمّمت من أجل أن تبقى هناك" على ذمّة فنّ الرسم. وكلّ معارك النسب والاسترداد والهُوية هي معارك ثانوية. انّها مودعة في فضاء اللوحة فاغرة الأفواه مُبهمة لا تبالي بمن ينظر اليها ولا بمن يتخاصم في شأنها. بل انّها هي التي تحدّق فينا وتضحك ملء قدميها التي هاجرتها من سخف معاركنا وتأويلاتنا المُتغطرسة التي تدّعي امكانية معرفة حقائق الأشياء وتطويعها وتخزينها في المخزن الكبير للعقل البشري.

    يقول دريدا: ".. وانّ انفصالهما لأمر بديهي. انّها أحذية مُنحلّة، مُهملة ومنفصلة عن الذات الحاملة والمُستحوذة أو المالكة، بل هي مُنفصلة حتّى عن الذات المُؤلّفة _المُوقّعة.. وهي مُنفصلة في حدّ ذاتها (لأنّ خيوطها مُنحلّة)."

    لذلك يقف دريدا طويلا عند ضرورة كسر جهاز الوصل البديهي بينهما …فتراه يتوقف عمدا وعلى نحو تراجيدي عند السؤال التالي: " ما هو الزوج في هذه الحالة؟ هل سوف تُغيّبون سؤالي؟ أو أنّكم، ومن أجل ألاّ تُصغوا اليه، تُضاعفون من السرعة في تبادل هذه الأصوات.. هذه الخُطب اللامُتكافئة؟ ولسوف تختفي قوافيكم سريعا .. مُتقاطعة ، مُتشابكة معا، مُجتمعة برمّتها ضمن نقطة تقاطع انقطاعاتكم نفسها .لن تُنكروا ذلك : اختصارات ظاهرة وكثرة مُتصنّعة تماما. وتبقى حقبكم بلا أصول قابلة للحساب بلا وجهة، بيد أنّها تشترك في النفوذ. وانّكم في كلّ ذلك لتجعلونني بعيدا عنكم، أنا نفسي ومطلبي، الى حدّ يقع فيه اجتنابي كما لو كنت كارثة. غير أنّي أُصرُّ ضرورة : ما هو الزوج في هذه الحالة ؟ "

    هكذا تُكتب أسئلة الصمت.. ضدّ أسئلة الكلام التي كلّما تكلّمت الاّ وأسكتت أسئلة أخرى.. خطاب الكلام هو خطاب مستعجل يحثّ الخطى مُتجاهلا للأسئلة الحقيقية لأنها أسئلة تُشوش عليه صفاءه المزعوم.. وويل حينئذ لكل من يصرّ على تعطيل سرعة النسق و لهفته على الاستقرار الموهوم. سوف يقع اقصاؤه واستبعاده كأنّه "كارثة". انّ التفكيك كارثة على كلّ هذه الخطابات المُتصنعة وعلى هذا الضجيج والتهريج الذي يُغيّب الأسئلة الحقيقية .

    من هي اذن هذه الأحذية؟ يجيب دريدا قائلا: "وفي كلّ الأحوال فهما منفصلتان، تُحدّقان فينا بفم فاغر أي بفم أبكم، فاسحتين مجال الكلام والحيرة أمام أولئك الذين دفعتهم الى الكلام.. وهي لتدفع الى الكلام على وجه الحقيقة. وانّها لتصير كما لو كانت مُدركة لكوميديا هذا الأمر الى حدّ الضحكة المُتواصلة المكتومة باستمرار. ازاء هذا التمشّي ضدّ الواثق من نفسه، يضحك الشيء (الحذاء) سواءا كان زوجا أو لم يكن ."

    وتنفجر كل الأسئلة عن هوية الأحذية. ههنا نسأل فقط وقد لا يأتي الينا غير سؤال آخر. فالتفكيك هو فنّ ولادة الأسئلة.. فنّ للتفلسف يُبعثر كلّ الأسئلة التقليدية الملهوفة على الاجابات. ههنا نسأل اذن لكن ليس من أجل الاجابة.. فلا مجال لعودة منطق الثنائيات الى حقل التفكير.كل البديهيات يقع بلبلتها. نسأل "من هي الأحذية" فيأتينا قول مُغاير عمّا افترضه السؤال أو انتظره. نتحول من هو الواحد الى "هُما منفصلتان ".. لا يجمع بينهما أيّ شيء غير "فم فاغر" لكنه لا يرغب في الكلام بل هو "أبكم" يرفض التواصل والتواطؤ مع النسق. هويّة الأحذية صارت من نوع مُغاير للمفاهيم التقليدية للهويّة. انها فقط تفسح مجال الكلام والحيرة.. انّها هُوية طريفة لأنها تهب الفلسفة امكانية الكتابة والتفكير لا بالحقائق المجرّدة والسماوات البعيدة والعلل الأولى بل التفكير بما لا يُفكّر فيه: التفكير بالأحذية. وتستحيل هذه الأحذية من موضوع تتأمله الذات ومن منتوج يصلح للاستعمال الى شيء ضاحك من فرط سذاجة هذه الكوميديا التي ينسجها اللوغوس حول الفنّ وحول امكانيات تأويله.

    لكن ليس ثمّة كوميديا فحسب. والمجال لا يتّسع للضحك من كل كلام عن أحذية فان غوغ. انما في الأمر "لحظة انهيار مُحزن، ساخرو مرضي ودالّ".298.

    انهيار لأيّ شيء؟ ودالّ على ماذا؟ انهيار للأحذية؟ وهل لها مكان آخر غير مواقع الانهيار؟ فهي مُنهارة بطبعها ما دامت تقبع في الطابق السفلي لعالمنا. دريدا نفسه يدفعنا الى هذا الانهيار. انهيار النصّ والفكر الذي لا يعرف من أين يدخل ضمن هذا الانهيار.. ووفق أيّة حركة.. حركة النظر من بعيد أم حركة السقوط الحرّ أم حركة الدوران العبثي ضمن الدائرة.. احراج يدفعنا اليه التفكيك قائلا: "لست أدري بعدُ ممّ أنطلق. ولست أدري ان كان ينبغي أن أتكلّم أو أن أكتب.. أن تنسج خطابا حول موضوعك أو حول أيّ موضوع كان، ربّما يكون ذلك أوّل شيء يقع استبعاده.."

    ويضاعف دريدا من ألعاب اللغة ومن اقتدارها على التلاعب بالفكر وبالقارئ وبالدلالة معا. ويطلب منّا ألاّ ننزعج من غموض الطريق ومن أشباح الأحذية. ويوصينا بأن " لا مجال للتهوّر هنا ولا للتّعجّل نحو الاجابة. فالتسرّع في الخُطى.. ربّما يكون ذاك هو الأمر الذي لم يكن بوسعنا أبدا اجتنابه أمام اثارة هذه اللوحة المشهورة".

    ويكثر دريدا من مفاعيل التفكيك ومن احراجاته وألغازه وريبيّته الجذرية مُخلخلا كُلّ أشكال البديهيات وناثرا أنماط مُغايرة من التفكير والمُسائلة. يقول: " لكنّني لا أعرف بعدُ من أين المسير وان كان ينبغي أن أتكلّم أو أن أكتب، ولا بخاصّة وفق أيّة نبرة، وتبعا لأيّ رمز ومن أجل أيّ ركح ووفق أيّ ايقاع، ايقاع البدو ام ايقاع الحضر، ايقاع عصر الحرف أم ايقاع التقنية الصناعية.." 300 أسئلة أكثر من الأجوبة وشكوك أكثر من كل أشكال اليقين ..

    يتعلّق الأمر بأحذية لا تسير بل هي مودعة لحالها بلا سند وحيدة.. تقبع في أحد أركان فنّ الرسم. ليست زوجا من الأحذية بل قد تكون حذائين يسريين. فدريدا يجد هذه الأحذية حذائين يسريين من كلّ صوب.. بقدرما نُحدّق فيهما و تحدّق هي بدورها فينا بقدر ما تكون أقلّ شبها بزوج قديم من الأحذية.

    وتبدأ المكنة في تفكيك لوحة أحذية فان غوغ.. تبدأ من النهاية.. تبدأ حيثما تتوقف آلة اللوغوس الفلسفي عن العمل. عمّال جدد للفلسفة سوف يولدون على يد دريدا وسوف ينتثرون وينتتشرون في عمق النصوص فاتحين قارّات جديدة تُغري بالتفكير. يقبض دريدا على الأحذية في عرائها التشكيلي بعد أن حرّرها من الزوج التقليدي المّتصالح مع نفسه الجامع بين اليمين واليسار في هوية واحدة، هي ذات الأحذية التي بها نسير في ركب النسق والنظام والاطار وبها نتأقلم مع المؤسّسات ونهلّل لها .

    لكن "ماذا عن أحذية حينما لا تسير؟ وحينما تُوضع جانبا، باقية لزمن يكاد يكون طويلا بل والى الأبد، خارجة عن الاستعمال؟ ماذا تعني؟ ما قيمتها؟.. على ما يدُلُّ فائض القيمة أو ناقص القيمة التي لها؟ ومُقابل أيّ شيء يُمكن استبدالها ؟"

    يجمّد دريدا اذن الأحذية ويعيدها الى فضاء اللوحة.. لكن المعركة مع فلسفات الفنّ التقليدية لم تنته. يتعلّق الأمر هنا بعلاقة الفنّ بالسوق. فمنذ قرنين من الزمن سقط ميدان الفنّ في حقل البضاعة. ولم يسقط لوحده بل سقطت معه كلّ دائرة الثقافة وصارت الحضارة برمتها في كنف النظام الرأسمالي الى بضاعة مُطلقة. وتراكمت السلع وفائض القيمة واقتصاد السوق. كيف نحرر الفنّ من البضاعة ؟







    .../...
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    أم الزين بنشيخة
    هل هناك أشباح في أحذية فان غوغ؟
    دريدا أمام هيدغر




    تلك معركة لا تخص في الحقيقة دريدا. ذلك أنّ من خاضها بشكل شرس هو على وجه التحديد ثيودور أدرنو وبنيامين. أدرنو يرى ضرورة تحرير الفنّ من السوق بنوع جديد من الجماليات سمّاها جماليات القبح. وبنيامين رأى في الاستنساخ التقني للفنّ وتراكمه انفتاحه على الجماهير. هي معركة بين فنّ جذري سالب مضادّ للتواصل وللمتعة وللجميل التقليدي، وبين فنّ فقد سحره في عصر التقنية لكنه تحوّل بذلك الى آداة خلق لوعي جماهيري ثوري .

    لكنّ معركة دريدا معركة مُغايرة. يقول: " نعم، لنفترض مثلا حذاءين ( ذوي خيوط) أيمنين أو حذاءين أيسرين.. لم يعُد الأمر يتعلّق بزوج.. انّه شيء أحولُ وأعرج. لست أدري ، على نحو عجيب، ومريب وربّما مُهدّد وشيطاني قليلا .لقد كان لديّ أحيانا هذا الانطباع مع مثل هذه الأحذية لفان غوغ. وانّي أتسائل ما اذا كان شابيرو وهيدغر قد تسرّعا في صنع الزوج من أجل أن يطمئنّا .فقبل كلّ تفكير، هيّا نطمئنّ الى الزوج ".

    بعيدا عن اليمين واليسار وبعد نهاية عصر الايديولوجيات لم يتبق من غطرسة اللوغوس غير الحًوًلِ. معاناة وتشويش وغشاء على الأبصار. ههنا لم نعد نعرف كيف التوجه في الفكر. صار اللوغوس أحولا. وصار ينظر الى اليمين واليسار معا. ولم يعد يميّز بينهما. لم يعد اليسار يساراحقيقيا. ولا اليمين يمينا مطلقا. وصار بذلك الحذاء أعرجا. لكنّ هذه الوضعية ليست مريحة لأحد. لذلك أسرع كلّ من هيدغر وشابيرو الى صنع الزوج وتحويل الأحذية الى أعضاء نسقيين طيّعين لآلة التفكير التقليدية سجينة الثنائيات التي سرعان ما تُصالح بينها حتى تضمن اقامة آمنة على دروب الفكر.

    كيف التوجه في الفكر حينما يصير الفكر أحولا وكيف المسير بأحذية عرجاء؟ لم يبق من الأحذية بعد طلاق الزوج غير " اسم المشية، أي قريبا جدّا من الأرض، وفي الدرجة الأسفل، الأكثر ذاتية أو خفاءا لما نُسمّيه الثقافة أو المُؤسّسة، الحذاء …"

    كيف اختراق الطبقات السفلية من الثقافة؟ كيف نمشي وأنظارنا موجّهة هذه المرّة الى حيث تقبع الأحذية ومن يجاورها حذو النعل بالنعل؟ لن نخلعها هذه المرّة لأننا لن ندخل بها المعابد. انما نسير بها حيث هي، أي فيما أبعد من كل مكر الفكر التقليدي، حيث تُقيم الأفواه الفاغرة والأقدام العرجاء من فرط الاهمال والتهميش .

    لمن هذه الأحذية ؟

    يتعلّق الأمر بنوع من المُراسلة المجازية بين اجابتين. هي مجازية لأنّها من صنع دريدا. وفي الحقيقة ما حصل هو نقد لاذع، صدر عن شابيرو أحد المختصين في النقد الفني وفي لوحات فان غوغ تحديدا، لتأويل هيدغر للوحة أحذية فان غوغ .

    هيدغر

    هيدغر رأى في هذه الأحذية ملكا لعالم الفلاحة أي ملكا للأرض بوصفها الأصل والحضن الذي يهب الكينونة، لكن شابيرو أعاد هذه الأحذية لصاحبها فاعتقد أنّ الرسّام لم يرسم في الحقيقة غير أحذيته. ركح عجيب لاعادة الأحذية الى أصحابها ومناورة مثيرة حول سياسة الحقيقة في فنّ الرسم. أمّا دريدا فيوجّه الحقيقة نحو وجهة أخرى..فهو يكشف أوّلا أنّ فضاء الصمت الذي التجأت اليه هذه اللوحة قد استولى عليه نفوذ الكلام والنقد والمعاني الموهومة. وأنّه على صناعة التفكيكك ثانيا أن تحرّرُ هذه اللوحة الصامتة وهذه الأحذية المُهملة والمتروكة والخارجة عن دائرة الاستعمال والتي لا نسب لها من نفوذ الذات المُتغطرسة. لذلك يتسائل مُتهكّما " لمن هذه الأقدام التي نريد اعادة الأحذية اليها" ومن هي الذات الحاملة لها؟ وكم من مُدن اخترقت وعبرت وكم من الحروب تحمّلت؟ وكم من المُهجّرين والمُضطهدين حملت؟ وكم من التوابيت والجنازات شيّعت؟ وكم أماتت وكم أحيت؟ ..

    ولنبدأ بتأويل هيدغر. لأنّ ذاك هو مربط النعامة وأصل كلّ هذه الخصومة حول الأحذية. انّ مُساءلة هيدغر للوحة أحذية فان غوغ تتنزّل تحديدا ضمن اشكالية أصل الأثر الفنّي. حيث تظهر هذه الأحذية على سطح نصّ هيدغر حينما يضطرّ الى تجسيد السؤال عن "ماهية الفنّ التي تكمن فعلا في الأثر". لكن كيف ادراك ماهية الفنّ بما هي تعود الى أصل الأثر الفنّي؟ علينا أن نتوقف قليلا عند لحظة " الدور" التأويلي الذي يلقاه هيدغر وهو بصدد السير في شعاب تائهة في عالم الفنّ. وهو ما يعلن عنه النص التالي. يقول هيدغر: " ماذا يكون الفن، انّما يجب أن يُستقى من الأثر. وماذا يكون الأثر؟ لا يُمكننا أن نُجرّبه الاّ من ماهية الفنّ. وقد يُلاحظ أيّا كان بسهولة من الجهد أنّنا نتحرّك في دور. وقد يقضي الذهن المُشترك بأن نتحاشى هذا الدور،لكونه خرقا للمنطق. ويظنّ المرء أنّ ماذا يكون الفنّ قد يُقبل أن يُستخرج من فحص مُقارن للآثار الفنية القائمة. ولكن أنّى لنا أن نكون على يقين من كوننا نتّخذ فعلا آثارا فنّية قاعدة لهكذا فحص، اذا كُنّا لا نعلم قبلُ ما هو الفنّ؟.. بذلك ليس لنا بُدّ من أن نقطع مسيرة هذا الدور. وما كان ذلك علاجا مُؤقّتا و ما كان نقصا.فانّ وضع الخطى على هذا الطريق هو للفكر العرسُ، متى فرضنا أيضا أنّ الفكر أيضا من عمل اليد. وليست الخطوة الرئيسة من الأثر الى الفنّ من جهة، ما هي الخطوة من الفنّ الى الأثر هي وحدها دورا، انّ كل واحدة من الخطوات التي نُحاول، انّما تدورضمن هذا الدور".

    انّ االسير نحو أصل الأثر الفني ليس سيرا على طريق مستقيم بل هو اندفاع مثير وتدحرج داخل دائرة لا نملك ضمنها الا قطعها كاملة والطواف داخلها. وليس في الأمر أية لعنة ولا خطيئة ولا شعورا بالذنب. انما سيرنا لملاقاة ماهية الفنّ بوصفه ما به ننشدّ الى العالم وما به ينتصب العالم بل ويأتينا وينفتح على المدى، هو العُرس بعينه، عُرس الفكر .

    ويبدأ السير ضمن الدور التأويلي بسؤال مثير هو التالي: " الى أين ينتمي الأثر؟" ونخطو بذلك خطوة جديدة تنقلنا من ما هو الأثر الفني؟ الى أين ينتمي؟ ما هو العالم الذي ينتصب داخله؟ ما هي الصلات التي تشده الى الأرض فتفتحه على العالم؟ يجيبنا هيدغر " انّ الأثر لا ينتمي بما هو كذلك الا الى الميدان الذي يُفتح عبره هو ذاته.. انه ضمن الأثر انما يكون حدوث الحقيقة قيد الفعل ."

    و من أجل تسمية الحقيقة قيد الفعل و تجسيدها يحيلنا هيدغر على لوحة أحذية فان غوغ. حيث يستعين بهذا الأثر على تحديد السبيل الذي بوسعنا التوجه وفقه ضمن الدور التأويلي لاشكالية أصل الأثر الفني ومنبته. علينا أن نتوقف عند مفهوم الأثر نفسه. هل هو مصنوع من أجل الاستعمال ولمنفعة مُحددة؟ هل هو شيء بوسعنا اختزاله ضمن الزوج التقليدي للمادة والصورة؟ ويبدو أن هذا الزوج هو بمثابة "الرسم المفهومي بامتياز لكل نظرية الفنّ ولكلّ استطيقا".

    لكن يبدو أن هذا التصور للأشياء النابع من هذه الثنائية التقليدية مادة وصورة يعوقنا عن السير قُدما نحو ما يجعل من الشيء شيئا ومن الكائن كائنا ومن الأثر أثرا. ان اختزال الأثر في الشيء والشيء في ثنائية المادة والصورة يكشف عن غطرسة هذه المفاهيم وبداهتها الوهمية والمزعومة. خطوة أخرى تدفعنا خارج رسومات الاستطيقا التقليدية.لكن هيدغر يُحذرنا بألا نستعجل.. ههنا لا عجلة ولا استباق ولا اجابات مسبقة.. علينا أن نتمهل حتى لا نسقط في هاوية المسار التقليدي.. بوسعنا حينئذ أن نضمن لأنفسنا سبيلا أفضل و من دون العودة الى أية نظرية فلسفية.. وهنا نلتقي بأحذية فان غوغ. زوج من الأحذية لريفية.. ومن أجل وصفها لا نحتاج البتة الى أن تكون هذه الأحذية حاضرة نُصب أعيننا. لكن هل نقتصر على تمثّل هذا الزوج من الأحذية "هكذا" "بعامة"..؟ ولو اكتفينا بالنظر الى هذه اللوحة ذات الأحذية الفارغة التي توجد هنا دون أن نستعملها.. لكننا بذلك لن نتعلم شيئا عمّا به يكون المصنوع مصنوعا.. هل يعني ذلك أنّ خروج المصنوع من دائرة الاستعمال يلقي به في سلّة المُهملات أي اللامعنى؟ بل وأكثرمن ذلك اننا لا نستطيع عبر لوحة أحذية فان غوغ أن نُحدّد أين توجد الأحذية ..

    الى أين تنتمي الأحذية؟ ما هو العالم الذي تفتحه وما هي الأرض التي هي لها بمثابة الحضن والرحم؟ انّها أحذية لريفية عادت لتوّها من الحقول. انّ أحذية فان غوغ هي ملك لعالم الفلاحة.. انها تأتينا من الأرض.. انها تنتمي الى نداء الأرض. كل الأسئلة عن علاقة هذا الأثر بالمنفعة هي أسئلة لا جدوى منها.. فقد تصلح الأحذية للرقص أيضا .

    لكن هذه الأحذية الماثلة في لوحات فان غوغ وقد رسمها أكثر من ثمانية مرة هي ما هي فهي توجد على نحو أكثر صراحة من الريفية نفسها. لكن هذه الريفية التي تلبس هذه الأحذية وتُقضي معها يوما كاملا تجوب الحقول وتعتني بالأرض وتكدّ من أجل قوتها اليومي، لا تنظر البتة الى هذه الأحذية و هي لا تشعر بها حتى مجرد الشعور. وانها واقفة وانها لتسير بواسطة هذه الأحذية. ذاك هو كيف تصلح هذه الأحذية على وجه الحقيقة.

    ورغم ذلك لا شيء نبصر في هذه اللوحة غير فضاء وسيع مُبهم.. فحينما نكتفي بالنظر الى هذه الأحذية وحتى حينما نحدق بها مليا لا شيء نظفر به.. ههنا تنتهي احداثية الاستطيقا التقليدية القائمة على اختزال الفن والعالم برمته في ثنائية الذات والموضوع. مع هيدغر نغادر استطيقا الذات و تكف بذلك الأحذية عن أن تكون مجرد موضوع لذات تحكم على جماله أو قبحه وفق مزاج الذائقة المتغطرسة .مع هيدغر تكف الأشياء عن المثول أمامنا في شيئيتها المدقعة وفي برودها الموضوعي.. بل ربما تكون الأشياء هي التي تأتي الينا لأنها تنجلي في باحة المنفتح أمامنا حيزنا البصري. نحن لا نلتقي أشياء العالم على نحو ارادي وبلوحة مقولات جاهزة.. وان الفنّ نفسه يصنع عالما ويشدّنا اليه بما ينتصب في باحة الكينونة الوسيعة.. لوحة أحذية فان غوغ تصنع عالما خاصا بها تنتمي اليه وتجذبنا نحوه وتغرينا بالاقامة فيه.. ما يهمّنا هنا لم يعد جمالها أو قبحها بل كونها علامة على الكيان.. والا ماذا في أحذية شعثاء غبراء مترهلة مغبرة مكفهرة متروكة بلا سوق ولا ثمن ولا مساحيق تلمعها، غير كونها تدعو الى عالم مغاير جدير بأن نسائله ونجعله وجهة للفكر نفسه ؟؟؟؟

    لا شيء في هذه الأحذية اذن حتى نبذة من تراب الحقل أو من الطريق بوسعه أن يُحدّد لنا على الأقل مجال استعمالها. ورغم ذلك يرى هيدغر أنّه " داخل ظلمة الخواء الحميم للحذاء يتجذر من بعيد تعب خطوات كدّ الفلاحة وجهدها اليومي وداخل خشونة الحذاء وصلابة حمولته يُثبّت بطء حركات الخطى بين الحقول. كل آثار الخطى مُتشابهة.. وجلد الحذاء وقد بللته قطرات الندى التي داعبت أرض الحقول. وفيما أسفل من النعال تمتد وحدة الطريق الريفية التي تتوه مساء وعبر هذه الأحذية يمرّ النداء الصامت الى الأرض وتمرّ أيضا هبتها المُضمرة ووعدها بالحبّات الناضجة. وعبر هذه الأحذية يولد من جديد الخوف الأخرس ازاء امكانية ضمان الخبز اليومي وتولد أيضا الفرحة الصامتة بالنجاة من جديد من خطر الفاقة وقلق رهيب من وطأة الموت المُهدّد"

    تنتمي لوحة أحذية فان غوغ حسب هيدغر اذن الى نداء الأرض. يقول " انّ هذا المصنوع ينتمي الى الأرض وانه محمي ومُحصن داخل عالم الريفية وانه داخل هذه الملكية تسكن هذه الأحذية الى ذاتها". انها أحذية الريفية وهي أحذية الدرب الطويل والحقول الواسعة.. وفي هذه الأحذية امكانية أن تتوه الفلاحة ليلا.. وألاّ تجد الطريق ..

    كيف يُفكّك دريدا هذا الدور التأويلي الذي يُعيد لوحة الأحذية الى نداء الأرض؟ .

    ان دريدا لن يقيم في هذه الأحذية.. ولن يتخذ منها صنما.. انما سوف يتخذ على عاتقه مهمة تحرير الفلسفة من هذا التأويل الذي جذبنا معه الى الدائرة.. دائرة العودة الى أصل الأثر الفني ودائرة نداء الأرض.. الارض التي تحضن العالم و العالم الذي يشده الأثر.. لن يقيم دريدا في الأرض لأنّ هذه الأحذية قد تكون بلا أرض وبلا أصل بل هي أحذية منبتة أو مهجرة.. ثمة انفعالات غامضة سوف تُؤججها هذه الأحذية عن غير قصد: معارك بين اليهودي المنبت المهجر الذي لا أرض له و المسيحي اليميني القومي السعيد بتأويلية للمعاني قد لا تصلح الا للأرستقراطيين والرومانسيين.. هي معارك بين اليسار واليمين أي بين شابيرو وهيدغر.. ورغم ذلك يوصينا دريدا بأنه " لا ينبغي أن نترك هذه الأحذية بين أيادي شابيرو وهيدغر". لماذا نحرر الأحذية من ايديولوجيات اليمين واليسار واليهودي والمسيحي والحضري و الريفي ؟




    .../...
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    أم الزين بنشيخة
    هل هناك أشباح في أحذية فان غوغ؟
    دريدا أمام هيدغر


    تابع - 4




    انّ أهمّ عيب سقط فيه هيدغرفي تأويله للوحة أحذية فان هو ما سمّاه دريدا " سذاجة المرجع"، وهي سذاجة ارتكبها هيدغر ثلاث مرّات في حق الأحذية: في المرّة الأولى حينما اعتقد بأنها زوج من الأحذية. وفي المرّة الثانية حينما أعادها مُتعجلا الى الريفية. وأخيرا حينما ماثل بين اللوحات الثمانية للأحذية مُعتقدا أنّها واحدة .

    يقول دريدا: " ان هيدغر لا يُخيّب آمالنا فقط.. انّما هو يجعلنا ننفجر ضحكا.. من أين أتى بأنّ الأحذية هي أحذية تعود الى ريفية". انّ التفكير في هذه اللوحة وفق احداثية الأصل يفتح"نا بالأحرى على الهاوية". كيف لا يتفطن هيدغرالى أن وراء رسم فان غوغ للأحذية مرّات عديدة قصّة فلسفية أكثر غموض و تعقيد من مجرّد المحاكاة و تكرار الرسم وانتاج التماثل؟ يقول دريدا: " انّ الأستاذ هيدغر يعرف جيّدا أنّ فان غوغ قد رسم هذه الأحذية عدة مرّات، لكنه لا يُعيّن هُويّة اللوحة التي يقصدها، وكأنّما الصياغات المختلفة قابلة للتبادل، وهي تُمثل جميعا نفس الحقيقة"352.

    انه بالرغم من أنّ هيدغر كان يوصي بالتمهّل وعدم التعجّل فهو قد سقط في فخّ هذه الأحذية الفاغرة التي تُغري بأن نلقي فيها بأقدامنا وبأن نحثّ الخطى فلا نفعل حينها غير السقوط في نسج الأوهام والأحكام والبديهيات الساذجة حولها. والا ماذا يعني أن نستعجل على اسنادها الى ذات تلبسها؟ ألا تصلح الأحذية الا من أجل استعمالها؟ وماذا عن أحذية خارجة عن دائرة الأستعمال؟ وماذا عن أحذية لا تصلح الا لفن الرسم؟ يقول دريدا: " ان هيدغر يُلقي بنفسه سريعا في " المرجع" وفي مرجع جدُّ مهمّ لوحة ذائعة الصيت.. كأنّما الشيء بديهي جدّا و واضح جدّا.. وهل يستنتج هيدغر من جملة أحذية فان غوغ في الأحذية نوعا من اللوحة العامّة.. انها فرضية بائسة ينبغي طرحها جانبا"

    ماير شابيرو ولوحة أحذية فان غوغ: ماير شابيرو مؤرخ للفنّ الأمريكي (1904، 1996) عُرف بدفاعه عن الفنّ الحديث وبقراءته الماركسية لتاريخ الفنّ. و كان من الذين حضروا دروس هيدغر حول أصل الأثر الفنّي. وكتب كتابا حول فان غوغ (نُشر بنيويورك سنة 1950) .ما يهمنا هو أنّ شابيرو قدّم قراءة للوحة أحذية فان غوغ يُعيد فيها هذه الأحذية الى فان غوغ نفسه.

    يكشف دريدا عن ثلاثة عقائد في تأويل شابيرو هي التالية:

    أوّلا: أنّ أحذية مرسومة بوسعها أن تعود فعلا وأن يقع ارجاعها حقّا الى ذات حقيقية ذات هوية واسم محدد.
    ثانيا: أنّ الأحذية هي أحذية سواء كانت رسما أو أحذية فعلا، فهي أحذية فحسب وبكل بساطة هي ما هي متطابقة مع نفسها وقابلة للتأقلم مع الأقدام .
    ثالثا: أنّ أقداما (مرسومة شبحية أو فعلية) تنتمي الى جسد خاص. وأنّها ليست قابلة للفصل عنه .

    هذه عقائد ثلاثة ليس بوسعها أن تصمد. انّها تنهزم بمجرد ما يحدث ضمن هذا الرسم .

    انّ المعركة بين شابيرو وهيدغر حول أحذية فان غوغ ليست مجرّد معركة بين الريفي المسكون بالحنين الى الحقول والحضري المُحبّ لحياة المُدن. يتعلق الأمر بتقاطع عجيب بين معارك شتّى: معارك هويات بين المسيحي عاشق التأويل والمعاني السعيدة لكينونة شاعرية في العالم، واليهودي المُهجّر المنبتّ. معارك ايديولوجيات بين اليمين المحافظ واليسار الغاضب. غير أنّهما يشتركان في الكثير من العقائد والأوهام الساذجة ازاء فنّ الرسم من قبيل: انتمائهما الى براديغم الذات المُتغطرسة التي تعتقد في ضرورة أن تنتسب هذه الأحذية الى ذات تملكها.. اعتقادهما في أنّ ما رسمه فان غوغ هو فعلا أحذية.. اعتقادهما في الثنائيات التقليدية التي تختزل الأحذية في زوج من اليمين واليسار…

    هل وقع انصاف الأحذية ؟

    لا أحد بوسعه أن يدعي ملكية أحذية فان غوغ حتى فان غوغ نفسه. لا أحد مذنب في هذه القصة ولا أحد مُتهم. لا ذنب على الرسوم. كل ما وقع تحت اغراء التفكيك هو الكتابة والرسم والحقيقة. كل ما وقع هو محبّة الحكمة. ومحبة بذر الكتابة وتبذيرها وتناسل الحروف. أمّا عن أحذية فان غوغ فهي ملك لفن الرسم فحسب .ليست هذه الأحذية للبيع. لقد صممت من أجل أن تبقى هناك. متروكة لحالها مودعة في فضاء الصمت. أعيدوها الى صمتها وأبعدوا عنها غطرسة اللوغوس و أكاذيب الخُطب. ورغم ذلك ما زالت هذه الأحذية تشهد على كرامة الانساني .فيما أبعد من اليمين واليسار لا تزال تبقى هذه الأحذية شاهدا على ما تبقى من الانساني فينا. وبالرغم من أنها أحذية مُهملة لكنها أحذية لا تُنسى..

    لا تصلح هذه الأحذية الى أيّ شيء من فرط ما وقع استعمالها.هي أحذية لا جمال فيها ورغم ذلك هي أثر فني لا يُنسى. انها لا تنتمي الى تاريخ الجمال ولا الى براديغم الاستطيقا بل هي أثر فنّي فقط دونما وصاية ولا أبوّة فارغة.

    وحين شعر فان غوغ يوما أنّه مُهدّد، تمسّك بأحذيته كمن يتمسّك بورقة قشّ لأنّها آخر ما تبقى من كرامته. وحين تقطّعت بها السُّبُلُ لم تجد أحذية فان غوغ من ملجأ لها غير فنّ الرسم. انّه عالمها الوحيد واليه تنتمي. ويبدو أنّ لهذه الأحذية كرامتها الخاصة مثل الكرامة التي للشيوخ والمُسنّين والضعفاء والمُشرّدين وكلّ الذين أخرجهم النسق عن دائرة الاستعمال. وللأحذية الحق في أن ترفع قضية استرداد حقوق مثل المُعطلين والمُهمّشين والمغضوب عليهم والغاضبين والذين لا سكن لهم ولا عمل ولا منزلة اجتماعية ولا أفق.. لا أحد ينتظرهم ولا أحد يستقبلهم ..

    ليست أحذية فان غوغ أحذية فقط وربّما ليست أحذية أصلا. وسوف تبقى هذه الأحذية قابعة في فضاء فنّ الرسم، لا شيء يحتضنها غير اللوحة المُعلّقة على الجدار. عليها حينئذ أن تتحمّل الوحدة واليُتم وبرودة الجدران.. لكنّ برودة اللوحة أجمل عندها من معارك الأصل والذات والهوية.. وفضاء الصمت عندها أرحم من غطرسة اللوغوس.. ما يتبقى في هذه الأحذية الفاغرة الفم معاني أخرى وثورات سوف تأتي..
     
    1 person likes this.
  8. محمد فري

    محمد فري
    Expand Collapse
    المدير العام
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏23/10/07
    المشاركات:
    15,692
    الإعجابات المتلقاة:
    1,764
    هناك أقصوصة الحذاء الجديد لمحمد ابراهيم بوعلو
    بحثت عنها في النت فلم أجدها
    هي أيضا مرتبطة بالسياق
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023

    شكرا اخي السي محمد ، نتمنى العثور على هذا النص حفظك الله
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    أم الزّين بن شيخة
    ثورة الأحذية
    من خلال جماليات التفكيك (دريدا)

    ما علاقة الثورة بالأحذية؟ ومن أصحاب الثورة حُفاة الأقدام أم أصحاب الأحذية اللامعة؟ وحينما ندخل رحاب الكتابة هل على كل امرئ أن يخلع نعليه أم بوسعنا أن نفكّر بأحذيتنا، فيها وانطلاقا من الطابق السفلي لأنفسنا حيث تقيم الأحذية باستمرار؟
    إنّها هذه الأحذية، أحذيتنا كلّ على قياسه، وبصرف النظر عن جلدها ولونها وثمنها وبصرف النظر عن جنسيتها وعن المغازات أو "الفريبات" التي سوّقتها، هي عين الأحذية التي حملتنا في شوارع المدن وثنايا الأرياف الشوكية أو الجبلية أو البحرية، هي عين الأحذية التي حملت أجسامنا ودفعت بها نحو حلم كبير.. لأوّل مرّة تصير الأحذية جماعية..ولأوّل مرّة تنهزم الأحذية اللمّاعة بحامليها..ولأوّل مرّة تستوي كلّ الأحذية لأنها تدخل ههنا رحاب الكتابة..لن تكون الأحذية هذه المرّة أسلوبا شخصيا أو فرديا في اللباس، ولن تكون موضة أو بهرجا اجتماعياّ..أحذيتنا التي ندخل بها بهو الكتابة ليست ليبرالية ولا نسوية ولا دينية..سوف لن تخلع نعليك وأنت تكتب عن الأحذية، ولا أحد يضطرّك إلى تركها خارجا..لأنك لن تُصلّي هنا لأحد..

    ويحدث للأحذية من تحت مكر القلم الكثير من المعاني والمُعاناة معا. يحدث للأحذية أوّلا أن تبقى مُجرّد أحذية فقط..قطعة من جلد صُنعت لباسا لأقدامنا..أحذية من أصل حيواني تلتحم بنا يوميا كي تذكّرنا بأننا وإيّاها من أصل واحد..ننتمي إلى الحظيرة الكبرى للحيوان..أي للحياة..يحدث إذن للأحذية أن تشاركنا في لحم العالم لذلك فعلاقتنا بها هي علاقة لحمية حميمة الى حدّ يعجز فيه كلّ منّا عن رسم الحدود بين أحذيته وقدميه..جلدُ الحذاء يكاد يكون من فرط التصاقه بنا جلدا لنا..ولا نكاد حينها ندرك شكل الحيوان الذي نسكنه بأقدامنا..هل يكون ماعزا أم نمرا أم تمساحا..كلّ وحيوانه الذي سيظلّ روحه التوأم ..لكن حذار ههنا يحدث للأحذية أن تدعم رؤوس الأموال أو أن ترسم الهوّة عميقا بين الفقراء والأغنياء..كلّ وثمن جلد حيوانه المُفضّل..كلّ وثمن جلده الخاص ولحمه الخاص إن كان له لحمٌ من فرط نقص اللحم في غذائه..

    لأيّ شيء تصلح الأحذية؟ وهل هي دوما ضرورية كي نواصل السير على الطريق؟ يحدث للأحذية أن تكون من قبيل لزوم ما لا يلزم..من يحتاج إلى الأحذية؟ ضعفاء الأقدام أم المُتحضّرون كفاية أم الخائفون من الأشواك؟ وحدهم ثوّار المدن لازموا أحذيتهم في الشارع الرئيسي..أمّا ثوّار الأرياف فلم يكونوا في حاجة دوما إلى الأحذية من أجل إسقاط الدكتاتور..بل لقد ثار الريفيون لأنهم لا يملكون أحذية..أي لا يملكون عملا ولا خبزا مضمونا ولا حقّا محسوما..لقد ثاروا بأقدام حافية مُعطّلة عن الأحذية وعن العمل الحكومي لكنّها كانت في حجم العمل الثوري..لقد طالب ثوّار الأرياف بأحذية تجعلهم قادرين على السير نحو الحياة التي لم تعُد تحيا من فرط الاستبداد..

    تصلح الأحذية إذن لحماية أقدامنا من صلف الأرض ونتوءات الثنايا وأشواك الطريق.. وتصلح الأحذية لدخول المدينة لأنّ الريف لا يخجله عراء الأقدام.. وحدهم سكّان المدن مُتخلّقون أكثر من اللازم بل هم محافظون أو بالأحرى هم خجولون من عراء اللحم.. ومهما كان العضو المقصود..لا ندخل المدينة بلا أحذية.. لكننا من جهة مُضادّة لا ندخل المساجد بأحذيتنا..هل يعني ذلك أنّ المدن مُدنّسة وأنّ المساجد مُقدّسة.. وحينما نموت نُدفن بلا أحذية..ونولد أيضا بلا أحذية.. لكن يوم نلبس أوّل حذاء يُعتبر ذلك عُرسا عائليا بهيجا..

    لمن تصلح الأحذية إذن؟ للفقراء أم للأغنياء؟ للحقول أم للنّزُل؟ للمساجد أم للمدن؟ هل هناك أحذية مُدنّسة وأخرى مُقدّسة؟ أحذية مذنبة وأخرى بريئة؟ لماذا نؤثّمُ الأحذية؟ يحدث للأحذية أيضا أن تكون ذات رمزيات ودلالات وسيميائيات وسياسات أخرى غير الدناسة والقداسة.. لا ذنب على الأحذية.. فالأحذية رمز لكلّ ما يحدث من الأسفل ولكلّ أسفل وسفلي جدّا قد لا تطاله أعيننا وعقولنا ونصوصنا..بل قد لا نريد النظر إليه وجها لوجه.. فالحذاء بلا وجه.. بل هو في جوهره مُغاير للوجه وللوجهية وللوجاهة.. لأنه يقبع دوما في الجهة السفلية والتحتية والسافلة من وجودنا..ويقبع معه كل المُهمّشين عن الواجهة وكل الذين لا يشاركون في اقتسام خيرات البلد..هؤلاء الفقراء والمهمّشون الذين مات أبناؤهم واحترقوا من أجل الحياة الكريمة، هؤلاء لهم اسم آخر..إنّهم أحذية الوطن..بنيته التحتية..حقوله التي تُطعم الجميع..أنطولوجيا ثورية غاضبة تولد تحت وقع أقدام الحفاة من بين أيادي أحذية سوف تأتي..

    تصلح الأحذية كي تُلمّع من أجل أصحاب الوجوه الأنيقة والفرحين بما لديهم والذين لا ينظرون إلى الأسفل حيث تقيم أحذيتهم إلاّ لماما…لكن يحدث للأحذية أن تكون ثورية وساخطة فنراها تتحوّل من لبوس للأقدام الى سلاح لرجم الطغاة وركلهم.
    كما يحدث للأحذية أن تؤجّج الفلسفة وأن تكون موضع خصومة شديدة اللهجة بين أقطاب الفكر الإنساني..وهو ما سوف نحاول المرور به حذو النعل بالنعل انطلاقا من تفكيكية يقترحها الفيلسوف الكبير دريدا للوحة أحذية فان غوغ ..

    لمن أحذية فان غوغ؟ لأي شيء تصلح أحذية مُهملة على صدر لوحة مُعلّقة على جدران المتاحف والبيوت المُغلقة؟ هل تصلح للسير؟ وإلى أين المسير؟ أم تصلح للتزيين والفرجة؟ أم هي لا تصلح إلاّ للكتابة عليها وللتفلسف في شأنها ولاختراع مفاهيم جديدة ودروب مُغايرة للتفكير؟ أم هي تصلح للدفاع عن الأحذية وعن الذين يقبعون حذو الأحذية في أسفل السلّم الاجتماعي؟

    إنّ تفكيك لوحة أحذية فان غوغ يقتضي بدءا الانطلاق من مفهوم محدّد للتفكيك. ولنقل على نحو وقتي، إنّ ما يريده دريدا في كتابه "الحقيقة في فن الرسم" (1978) تحت راية فنّ التفكيك، هو تحديدا تحرير فنّ الرسم من الكلام عن الرسم. إنه يجرّ اللوحة من فضاء اللوغوس إلى حقل الكتابة..فهو يغريها بالتفكيك إذ ينتزعها من غطرسة براديغم الاستطيقا القائم على غطرسة ميتافيزيقا الذات. إنّه يحوّلنا مع اللوحة من الكتاب بكلّ المكنة الميتافيزيقية التي يفترضها اللوغوس من ذات الكاتب وذات القارئ والإنسان الذات وكل الثنائيات الظالمة للمحسوس والمعقول والعقل والجسد والمادة والصورة، والهو والآخر، والغرب والشرق. إنّ التفكيك يتدخل ههنا من أجل إنصاف الغريب والمقصيّ والمسكوت عنه وكل مواقع الصمت حيثما ثمّة صمت أي حيثما ثمّة حيف يمارسه الكلام على الكتابة والحضور على الغياب والمركز على الهامش ..

    ههنا يفصلنا دريدا عن تاريخ الخطاب بما هو تاريخ مركزية اللوغوس منذ الفكرة الأفلاطونية إلى حدود العلامة الألسنية. ويدعونا إلى اكتشاف حقل الكتابة الذي اكتشفه الشرق وأقصاه الغرب منذ سقراط إلى حدود دي سوسير. فإذا كان الكلام يقول دوما ما تسمح به سياسة الحقيقة القائمة على اللوغوس فإنّ الكتابة بما هي ميدان التفكيك، إنّما تكتب الصمت أي هي تكتب الحيف وما هو ممنوع ومسكوت عنه ومهمّش وخارج عن الأطر التي تضبطها سلفا أجهزة اللوغوس وسياساته.

    ماذا سنكتب بعد نهاية عصر الكتاب؟ ومن سيكتب عن من وعن ماذا بعد موت الذات والموضوع وكلّ الترسانة الميتافيزيقية الكلاسيكية؟ إجابة دريدا : سوف نكتب تاريخ الصمت وسوف نرسم مواقعه وذلك بالكشف عن مواقع العطالة في المكنة الكبرى للوغوس.. سوف نتوقف عند ثقوبه وهشاشته..سوف نترصّد مواطن رسوب النصوص الغربية وتعثراتها وانهزاماتها ولحظات ضعفها وهشاشتها..التفكيك يعد بتمارين عديدة ومعارك نصّية وثورات فلسفية شديدة البأس والشراسة والاقتدار..إنها ثورات تعد بأن تُحرر النصوص بوصفها حاملة للمشاعر والتواريخ والأحلام من كل أشكال الاستبداد بها : مركزية اللوغوس والعصر التأويلي ومن كل خطابات الأصالة والهويّة..

    ههنا تستحيل الفلسفة تحت أقلام التفكيك أو بالأحرى تحت أحذيته، إلى تصحيح للحقيقة في فنّ الرسم. حيث يقصد دريدا الانخراط في مهمّة جديدة للفلسفة مُغايرة لمهمة تأويله وتبريره على طريقة هيجل، أو تغييره بثورة شيوعية على طريقة ماركس. إن الفلسفة مدعوّة إلى تفكيك العالم الحديث عبر خلخلة لنصوصه التي تدعمه وتشرّع له وتضمن له كل صلاحيات غطرسة الإطار والأجهزة من إطار لوحة الرسم إلى جهاز الدولة، ومن غطرسة العقول إلى استبداد الطغاة.

    تعود الأحذية إلى النصّ فتكفّ عن أن تكون مجرّد أحذية..وهي تعود من أجل التنبيه على ضرورة أن تنظر الفلسفة إلى أسفل..أن تجد لنفسها موطئ قدم على الأرض ..أن ننظر إلى أقدامنا بدلا عن التحديق بالسماء..وهي إذ تعود تعود مُحمّلة بحزمة من الأسئلة الفلسفية المُغايرة لأسئلة الفلسفة التقليدية ..ماذا رسم فان غوغ على وجه التحديد؟ وهل بوسعنا أن نقف عند الرسم كما يبدو أم ليس الرسم إلاّ إشارة إلى جهة أخرى للحقيقة وللحقّ وللصدق معا؟ أيّ أقدام كفيلة بشرف الانتساب إلى هذه الأحذية؟ ولأوّل مرّة سوف نحتاج إلى أن ننتسب هذه المرة إلى أحذيتنا بدلا عن الانتساب إلى هويّات تاريخية جاهزة. هل هي أحذية الرسّام أم أحذية شخص آخر غريب عن الرسّام وعن الرسم؟ هل هي أحذية فلاّحة تقضي يومها في السير بين الحقول (مثلما أوّل هيدجر) أم هي أحذية فان غوغ نفسه (مثلما أوّلها شابيرو)؟ هل هي أحذية الرسّام الذي بدلا عن رسم وجهه البشري المُتغطرس اكتفى برسم أحذية بلا وجه؟ ولماذا أحذية بالذات؟ لماذا لم يرسم فان غوغ أيّ عضو آخر من أعضائه أو أيّ متاع آخر من أمتعته؟

    ربّما قرر الرسّام فان غوغ الاعتراف بما هو أسفل وبمن يقبع في الأسفل وبمن نمط إقامته في العالم أن يسكن حذو الأحذية..هناك في وجود بعيد عن المركز..فهو دوما إضافي أو ملحق أو ثانوي..خارج عن الإطار. وربّما قرّر فان غوغ أن يشرّف الأحذية برسمها. إنّ رسم الأحذية ومنحها مرتبة الأثر الفني إنما هو شكل من منحها ضربا من ألقاب الشرف الاجتماعي والسياسي.

    ثمّة ما يدعو إلى القول بضرب من منح الأحذية نوعا من القداسة الخاصة..إنّ في رسم الأحذية تبرئة لذمّتها من تأثيم اللاهوتيين لها. ههنا معركة الرسوم ضدّ اللاهوت وههنا معركة الصور التي تستعيد حقوقها ووجودها ضدّ تحريمها وتجريمها. وقد تصل الحكاية مع الأحذية إلى معركة شرسة بين الآلهة والمبدعين على ميدان الخلق نفسه.
    سوف يكون التفلسف عن الأحذية والسير بها ثانية على قامة النصوص واللوحات، مناسبة سعيدة للشهادة بالحرف والعقل والقلب معا، على مرافعة فلسفية من أجل إنصاف الأحذية وفن الرسم وكل المُهمّشين القابعين في نفس منزلة أحذيتهم وأقدامهم. ههنا تصير المواقع السفلية إلى لوحة فنية ترسم بريشة فنان في قامة فان غوغ وفي حجم أحذيته وحجم جرأته الفريدة على انتزاع أذنه من رأسه.

    إن التفكيك لا يختصم هنا إلى الأشخاص ولا إلى الذوات ولا إلى الفلسفات. فهو يِؤلّبُ النصوص على النصوص محاربا أشكال خللها وأحكامها المسبقة وسياساتها السيّئة وادّعاءاتها وكل مواطن الحيف فيها وكلّ شطط في التأويل داخلها ونقصها في الأسئلة وطُمأنينتها الكاذبة.

    ثلاثة أسئلة فقط، وقد تكون مغلوطة أو شرعية أو ظالمة أو مُخيّبة للآمال أو حتى حمقاء، هي أسئلة بوسعها أن تُوجهنا في متاهة التفكيك وفي ظلمة الأحذية وخوائها القاتل : أوّلا : من هذه الأحذية؟ هل هي زوج من الأحذية إحداهما تنتمي إلى اليمين والأخرى إلى اليسار؟ أم هي يساران معا دون يمين؟ كيف نحرّر الأحذية ونجعلها تنطلق بعيدا عن اليمين واليسار؟ ثانيا : لمن هذه الأحذية؟ هل هي لفان غوغ نفسه أم لفلاحة عائدة لتوّها من الحقول؟ أم هي ملك لفنّ الرسم فحسب؟ ثالثا : ما هي السياسات الثاوية في أحكامنا الجمالية عن الأحذية وعن كل فنّ اختار أن ينتصر للذين يقيمون في أسفل السلّم الاجتماعي والمحرومين من مراتب الشرف وألقاب النبل ومن اقتسامهم معنا بالتساوي الفنّ والأحذية والحياة؟ هل بوسع الفلسفة إنصاف الأحذية من قساوة الحقل ومن أكاذيب المدن ومن سياسات الدول؟

    [​IMG]
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    أم الزّين بن شيخة
    ثورة الأحذية
    من خلال جماليات التفكيك (دريدا)


    من هي أحذية فان غوغ؟

    لندخل الحكاية بقليل من فنّ الذاكرة. حيث علينا التنبيه بدءا الى أنّ الحديث عن الأحذية في كتاب الحقيقة في الرسم لدريدا يتنزّل تحديدا ضمن رُباعيّة هي بمثابة الإطار القابل للتفكيك هو بدوره، الذي يجمع بين عناصر أربعة هي على التوالي: كتاب نقد ملكة الحكم لكانط، لوحة "سفر الرسم" لآدمي، لوحة تيتيس كارمال التي ترسم جملة من النعوش المتماثلة، وأخيرا لوحة "أحذية فان غوغ".

    نحن إذن أمام كتاب كبير من كتب الفلسفة الحديثة وثلاث لوحات. لكن ما هذا الجمع بين نصّ فلسفي في حجم نقد ملكة الحكم وثلاث لوحات تنتمي إلى مدارس مُختلفة في فنّ الرسم؟ خلطة عجيبة بين كتاب كلاسيكي لازال ينتمي إلى عصر الكتاب ولازال يقيم بكلّ نفوذه ضمن رفوف المكتبات وبكل لغات العالم، وثلاث لوحات منسية في المتاحف..أو مُهملة على بعض الجدران القليلة، التي تملك ذائقة خاصة لبعض اللوحات العجيبة التي لا تنتمي إلى فنّ الجمال إنما إلى فنّ المريع والقبيح والكارثة. ومن يشتري لوحة أحذية؟ ومن يمتعه مرآها مُعلّقة على جدار أحلامه؟ ربّما لا أحد.. وربّما بعض الأذواق التائهة والحواسّ الشريدة والقلوب النادرة..

    ما يقصده دريدا من وراء هذه الخلطة العجيبة هو الانطلاق من تفكيك أكثر النصوص نفوذ داخل الجماليات الحديثة قبل التمكن من إنصاف فنّ الرسم من غطرسة ميتافيزيقا الذات. ثمّة علاقة ما أدركها دريدا بين أوّل كتاب نسقي ورسمي في تاريخ الجماليات الحديثة وبين تاريخ الظلم والحيف الذي لحق بدائرة الفنّ عامة وبفنّ الرسم بخاصة.
    وهو حيف أساسه اختزال اللوحة في حدود غطرسة الذات العبقرية..ذات مُتغطرسة رتّبت العالم الحديث على اختزال الطبيعة في مجرّد موضوعات للمعرفة العلمية، والإنسان في ذات عارفة مُحيطة بأسرار الكون وبأوهام العقل وحائزة على كل الحلول لمشاكل النوع البشري. تلك هي ملامح ميتافيزيقا الذات التي يشتغل التتفكيك على خلخلتها بأنساقها ونفوذها وثنائياّتها العقيمة بين الذات والموضوع والشكل والمضمون بين ما هو داخل الإطار خاضع للمفهوم وللقانون وما هو خارج الإطار أي المتمرد والمهمّش والمغضوب عنه.

    كان إذن على دريدا أن يبدأ في خلخلة إطار مركزية اللوغوس الحديث منذ أوّل أكبر نصّ مُؤسس لبراديغم الاستطيقا الذي نصّب نفسه منذ كانط إلى أدرنو وصيّا على ميدان الجمال والإبداع والفنّ بعامّة. وهو براديغم لجماليات لم تفعل غير السقوط في ضرب من الاستطيقا السالبة والمتنسكة التي جعلت من الفن منذ كانط محروما من المتعة ومن الغاية ومن المفهوم واختزلته في كونية غربية تحولت في آخر المطاف الى كارثة.

    وحين ينتصر التفكيك إذن على الإطار الرباعي الذي اختزل داخله كانط ظاهرة الإبداع بوصفه لانفعيّا لا مفهوميّا لاغائيّا لكنه كونيّ بإطلاق، سوف يتّجه رأسا نحو فنّ الرسم وقد حرره من الاستطيقا.

    إنّه يمرّ بنا مباشرة إلى اللوحة. ويختار من بين اللوحات التي تُغري التفكيك ويُغريها دريدا ويجلبها إلى حقل التفكيك، هي لوحة "سفر الرسم" لآدمي؟ لكن أيّ اختيار؟ وأيّ عنوان؟ فالتفكيك لا يشرّف من النصوص غير ما يعشق..لا تفكيك بلا محبّة عميقة للنص الذي نفكّكه..تلك هي إحدى قواعد لعبة دريدا ..من لا يُحبّ غير قادر على أن يُفكّك أي على أن يتجرّأ على التفلسف بنفسه..ومن لا يُحبّ لن يقدر على تدمير أصنامه..

    إلى أين سوف يُسافر بنا الرسّام آدمي؟ إلى أيّة وجهة تتّجه بنا لوحة الرسم؟ ولماذا السفر؟ لأنّ المدينة لم تعد تتّسع للرسم ولا للحلم ولا حتى لمجرّد الوجود اللحمي للبشر؟ إنه سفر المفكّر والفنّان بنيامين الى حيث لا يعود. آدمي يرسم بورتريه بنيامين منتحرا على الحدود الاسبانية الفرنسية خوفا من شبح النازية. لوحة فنية تنتمي إلى فن الرسم لكنها لا تنتمي إلى جماليات الجمال..ههنا لا يصلح الفن للفرجة البلهاء ولا للمُتعة الساذجة..إنها لوحة ترسم كارثة المجتمعات الغربية وما آلت اليه من الكوارث..لوحة فنية هي على حدّ عبارات دريدا "تلسكوب هائل لحدث فظيع"، أو هي انتحار للرسّام ولفنّ الرسم وانهزام فظيع لكلّ أجهزة الدولة الكلّيانية الحديثة.

    وحينما ننتهي من "سفر الرسم" نحو العدم، يزجّ بنا التفكيك في هاوية أعمق فأعمق..
    سوف نسقط في رسم للتوابيت المتماثلة بعدد اعتباطي وغريب معا هو العدد 127 تابوتا. حينها لن نستطيع السير في الإطار المربّع الذي رسمه التفكيك خوفا من الخروج عن طوره. ويخرج فعلا عن طوره عمدا حتى يفشل المربع وتنتعش الدائرة.. لن نسير إذن في المربّع ذي الخطوط المستقيمة والهندسة الجميلة والفرحة بشكلها وقامتها الهيفاء، إنما نسقط ونظل نسقط بلا نهاية لأن الدائرة لا تتوقف ولأنها بلا قرار. لا شيء يضمننا حينئذ..لأننا لم نعد نسير إنما أصبحنا ندور وقد يُصيبنا الغثيان..وحدهم أصحاب "الأحشاء المرحة" وفق عبارة جميلة لنيتشه، بوسعهم أن يُحلّقوا في الدائرة. لأنهم لا يفكرون إلا بقدر محبتهم للحياة ولا يحبون إلا بقدر ما يرقصون وما يضحكون. إنها الدائرة التي رسمها هيدغر بكل مهارة تأويلية ولكنه عجز عن الخروج منها. ربّما قصد هيدغر أن يُقيم فيها بوصفها نمط الإقامة الوحيد الممكن لنا داخل الكرة الكبيرة التي نسبح فيها الى الأبد. أمّا دريدا فيحدّثنا عن دائرة مربّعة، هندسة مُغايرة من أجل تفكيك النصوص والعقول والرسوم ومواقع النفوذ..والأطر بأشكالها. لماذا اختار تيتيس كارمال أن يرسم 127 تابوتا متماثلا؟ ولماذا اختار دريدا التعليق على هذه التوابيت ثم الكتابة عليها ضمن الحقيقة في فنّ الرسم؟ ههنا لا تسير الأسئلة في اتجاه الإجابات..حسبنا السؤال ونعم السؤال ..وحين يستحيل التفكيك إلى التعليق على توابيت الموتى تُغيّر الفلسفة من عنوانها ومن أحلامها وتتخلى عن حقائقها القديمة. سوف تدفع بنا الكتابة إلى نثر وانتثار كثيف وبذر وتبذير لأقصى انفعالات الفلسفة..وتصير الأوجاع أكثر من الكلمات..عمل كامل للحداد على موت الذات والإنسان والرسم معا. أو بالأحرى بُكائيّة ورثائيّة هي مناسبة سعيدة للتفلسف وكتابة النصوص. ومن يجرؤ على استعمال عقله بوسعه أن يصل إلى حدّ توقيع توابيت الضحايا. لكن لماذا تتماثل التوابيت؟ أم أنّه لكلّ موتته الخاصة وجثمانه وتابوته الفريد من نوعه؟

    وسوف نصل أخيرا إلى الأحذية كي نقيم فيها بالحرف على قدر احتمالنا. لكن لماذا تأتي أحذية فان غوغ في خارطة الكتاب في آخر المطاف؟ ألأن أحذيتنا هي آخر ما يتبقى منّا بعد التابوت؟ فحين تُسافر أقدامنا الحافية وأجسامنا العارية إلى العدم، وحين لا شيء يضطرّنا إلى المشي لا يبقى من الطرق التي احتضنتنا غير أحذية فارغة لا أقدام فيها..
    ونصل أخيرا إذن إلى الأحذية. أحذية فان غوغ تحديدا والسؤال هو : إلى أيّ حدّ ليست أحذية فان غوغ أحذية فان غوغ، بل هي أحذية قد تملكها الفلاّحة لأنها كبيرة الحجم شعثاء غبراء شبيهة بتعب الحقول. وقد لا يملكها أحد..وقد تكون رُسمت من أجل أن تبقى على ملك اللوحة وفن الرسم فحسب..

    لقد صارت لوحة أحذية فان غوغ منذ هيدجر ملكا للفلسفة ..وصارت مع دريدا ملكا لفلسفة التفكيك ..كيف نقصّ عليكم الحكاية التي تتابعونها معنا لو أغراكم التفكيك ولو كنتم من عشاق الفلسفة والكتابة لو اخترتم أن تكونوا كائنات من ورق..خفّفوا الوطء إذن..

    [​IMG]
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    علي زعلة
    الحذاء

    في متحف والرف ريتشاردز في مدينة كولون الألمانية الذي أقيم مؤخراً لتخليد أعمال الرسام الهولندي فان جوخ، تركز الحديث حول لوحته الأكثر صيتا وأهمية وهي لوحة «الحذاء» التي رسمها جوخ عام 1886 وتعد اليوم من أبرز وأكثر الأعمال خلودا في حياة الفنان الفقير.
    اللوحة التي باتت اليوم مثار حديث المهتمين بالأدب والفن والفلسفة والنقد تجاوزت كونها مجرد لوحة عالمية لفنان لم تُبع له لوحة واحدة في حياته، لتكون محل دراسات متباينة تستقصي السر وراء تسيّد الحذاء وبطولية القدم.
    ففي حين يرى البعض فيها رمزية لحياة العوز والإنهاك والتشرد التي عاشها جوخ، ذهب آخرون إلى أن الحذاء يرمز إلى الأرض وعلاقة الإنسان الفطرية بها، فيما قال كثيرون إن الحذاء بأربطته وفتحته العليا التي تقود إلى ظلامه واستغلال تدرجات الضوء والظل والألوان القاتمة، يصور إيحائيا وضمنيا عُقَد الإنسان وغموضه حتى في أبسط الأشياء وأكثرها استخداما في حياته كالحذاء.
    مارتن هيدجر المفكر والفيلسوف الشهير، شاهد حذاء فان جوخ في إحدى صالات العرض الفنية، استثار الحذاء اهتمام الكبير هيدغر، وكتب عنه مقالة في كتابه المهم (أصل العمل الفني)!في إحدى روايات أجاثا كريستي تكتشف الآنسة ماربل أن السيدة المقتولة ماتت قبل ثلاثة أيام من الحادثة، وأن القاتلة تقمصت شخصيتها وارتدت نفس ملابسها، وقلدت مشيتها وطريقة تخاطبها وتعاطيها مع الناس لكنها نسيت أن ترتدي حذاء ثمينا لافتاً للنظر كما اعتادت تلك السيدة الأرستقراطية أن تفعل قبل موتها.
    وفي الأدب العالمي الكلاسيكي، ظل حذاء سندريلا بطل الحكاية التي لا تمل، وبات رمزا لجمال المرأة وأنوثتها وإظهار مفاتنها عبر كل الأزمنة.
    أما في التراث الدنماركي فنجد كارين في حكاية «الحذاء الأحمر» فتاة يتيمة تربت على يد عجوز ثرية وطيبة، وفي الكنيسة التي لها تقاليدها وهيبتها أصرت كارين على انتعال حذائها الأحمر والرقص به أمام الجميع، فما كان من الحذاء إلا أن أخذها في الرقص بعيدا بعيدا، حتى خرج بها عن المكان وسط محاولة الجميع مساعدتها في التخلص من الحذاء الذي عجزت هي نفسها عن التخلص منه، وجد الحذاء بعد ذلك ملقى على رمال الشاطئ، مفرغا من قدمي صاحبته الجميلتين.
    يمثل الحذاء رمزا لدلالات وإسقاطات متناقضة وعديدة، تعكس أيديولوجيا الشعوب، وأنماط تفكيرهم وموروثاتهم المقدسة والتقاليد المحترمة أو الممتهنة؛ فالكعوب العالية كما يقول علماء النفس ترمز للكبرياء والسلطة والتسيد في حين توحي الأحذية الخفيفة الواطئة بالتعبير عن معاني التواضع أو ربما العبودية أحيانا في عصور مضت.
    في ديننا الإسلامي تترك الأحذية خارج حدود المسجد لتجسد دلالة العبودية والخضوع أمام الوقار والتعظيم للخالق سبحانه، وفي المقابل فقد قرأت حديثا عن المصطفى عليه السلام يحث على الصلاة في الأحذية مخالفة لليهود.
    في العصور القديمة، كانت الأحذية حصرا على سادة الناس وأثريائهم، ولذلك ارتبطت ولا زالت بأفكار الناس تجاه الثروة والغطرسة والمباهاة والغرور، إن لم يكن في اقتناء الحذاء بحد ذاته ففي التفنن في نوعيته وماركته وما يدفع لقاءه من ثمن.
    هو رمز للحماية والصحة والراحة، وهو جزء من فلسفة الحياة الكبرى، فالخطوة تقود إلى النهاية، وأثر الحذاء يدل على وجهة صاحبه ومقصده، والمسير يرسم طريق الإنسان نحو ما يبحث عنه من خلود.
    هناك جدليات قائمة ومفترضة وأخرى مؤكدة على ثنائية المقدس والمدنس فيما يخص القدم والحذاء، تكاد تتشارك فيها معظم الحضارات، تليدها وجديدها، سواء فيما يخص التقبيل أو الإهانة أو التعذيب أحيانا.
    ففي بعض الحضارات المندثرة كانت القوانين تنص على أن الملكة المجحفة في حق شعبها تعاقب بالرقص في حذاء حديدي مسخّن حتى الموت.
    في تراثنا وأدبنا العربي أيضاً يحضر الحذاء دالا ومدلولا على السياق الذي تعارف الناس به عليه، سواء كان ذلك في الشعر أو في أمثال الناس وحكاياتهم وأعرافهم.
    فالفاشل يعود بخفي حنين، والعاشق يصف حبيبته بـ»حافية القدمين»، والفضول يذكرنا بقصة حذاء جحا والبخل بالحكاية الشهيرة عن التاجر البغدادي أبي القاسم الطنبوري وحذائه الذي فعل به الأفاعيل، وحتى في أيامنا الحاضرة لازال الناس يتذكرون بفخر وزهو قصة حذاء مرتضى الزيدي الذي أوشك أن يلطم وجه بوش الابن، إلى درجة أن سعوديا عرض مبلغ عشرة ملايين ريال ثمنا لهذا الحذاء العروبي!
    لا يكاد يذكر الحذاء إلا متبعا بالجملة المألوفة سماعيا «وانت بكرامة» في إسقاط جلي على ما يرتبط به الحذاء من هوان وذلة ونجس.
    السؤال الذي يعرض نفسه وسط هذه الدوامة الرملية هو: ماذا إن كان فان جوخ يرمز بالحذاء إلى عقل الإنسان؟
    العقل الذي يبلى ويتفتت لفرط ما أنهكه التفكير والقلق. العقل الذي يدوس على رمضاء الحقائق وتنخسه أشواك الظنون وشظايا الحيرة ومخلفات الأرق؟ وهو عرضة لالتصاق ما يقع عليه به، وعرضة للاتساخ والغسيل أيضا.
    العقل الذي يحل العقد ويربطها، يغوص في ظلام نفسه، يعتاش على كله من بعضه، ويحكّ أسئلته ببعضها.
    العقل الذي حفته الأرقام والحقائق وتشابكت فيه المدخلات والمعطيات، ألا يكفيه شقاءً أنه لا يستبدل ولا يُركن في خزانة ليرتاح ولو مؤقتا؟ ولا تبطنه جوارب أو مراهم مضادة للتآكل أو الروائح الكريهة أو العفن؟
    هل العقل يشبه الحذاء حقاً؟ وأي جلد منهما هو الأقوى والأكثر مراسا وقدرة على مقاومة الاحتكاك؟ هل هو من باب المفارقة أن يكون أحدهما في أعلى جسم الإنسان والآخر في أسفله؟ وهل يمكن أن يستبدل أحدهما مكان الآخر؟
    من الذي قال «ما فائدة اتساع العالم إذا كان حذائي ضيقاً؟» ترى أي حذاء تقصد أنت يا جوخ؟!

    .
     
    #12 نقوس المهدي, ‏20/2/13
    آخر تعديل: ‏2/12/14
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    رفعت العلان
    «الحذاء».. لفان كوخ



    وضع فان كوخ كل إمكانياته التقنية وتجاربه في اللون بلوحة (الحذاء) التي رسمها بأوضاع مختلفة، ليعبر عن بؤس الإنسان إلا انه مرسوم بإتقان وجمالية عالية لدرجة يمكن مقارنتها مع أية لوحة أخرى عن حياة جامدة رسمها فنان من عصر النهضة يتقن صنعته.
    في العام 1886 انتقل فان كوخ إلى العاصمة الفرنسية، كان عمره في ذلك الوقت 33 عاما، وكان يتمنّى أن يصبح جزءا من مشهد الفنّ الطليعي في باريس.
    رسم هذه اللوحة في محترفه، وفيها يصوّر زوجا من الأحذية القديمة والرثّة.
    اثارت هذه اللوحة غضب طبقة المجتمع المسيطر، فهم لم يتعودوا أن يعلقوا في صالوناتهم مثل هذه الأعمال (كطبيعة جامدة) وهم الذين خلقوا بؤس محتذيه، والحذاء قد يكون أحيانا مجرّد وعاء للقدم، لكنه في بعض الحالات يمكن أن يتضمّن الكثير من المعاني والرموز.
    في احد الأيّام زار كوخ احد الأسواق الشعبيّة في باريس، وهناك رأى زوجا من الأحذية الخشبية البالية، وقرّر أن يشتريهما واحضرهما معه إلى محترفه في حيّ مونمارتر، وبعد فترة قصيرة قام برسمهما. وسرعان ما أصبح هذان الحذاءان أشهر حذاءين في تاريخ الفنّ الحديث، بالنظر إلى الدور الكبير الذي لعبته هذه اللوحة في الفلسفة الحديثة وعلاقتها بعالم الأفكار.
    لم يكن كوخ يتوقّع أن تثير فردتا حذاء رسمهما في باريس عام 1886م نقاشا فلسفيا ساخنا، وحتّى هذا اليوم ما يزال الفلاسفة ومؤرّخو الفنّ ينظرون إلى هذه اللوحة ويثيرون من خلالها أسئلة تتمحور حول وظيفة الفنّ وطبيعة الأشياء.
    كان بدأ الجدل عام 1936 عندما رأى الفيلسوف الألماني مارتن هايديغر اللوحة في معرض بـ أمستردام، وفي ما بعد، تحدّث عنها في مقال حمل عنوان “أصل العمل الفنّي”، وكتب هايدغر وصفا عميقا للوحة كنص فلسفي لا يخلو من نفس شعري حالم، منها: « من خلال الفتحة المظلمة للحذاء البالي تبدأ خطى العامل المتعبة، من الثقل الوعر لزوج الأحذية هناك تراكم في الجرأة؛ جرأة المشي الثقيل في حقل واسع كنسته ريح صريحة، على جلد الحذاء تقبع رطوبة التراب ووفرته تحت النعلين تنزلق وحدة الطريق بينما المساء يتقدم».

    .
     
    #13 نقوس المهدي, ‏20/2/13
    آخر تعديل: ‏2/12/14
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    شدري معمر علي
    رمزية الحذاء وفلسفة التأويل


    لا يمكن لأي عاقل أن ينكر أهمية الحذاء فهو الذي يحمي القدم من أي أذى يلحق بها فهو رمزيا خط دفاع ضد أي عدو يصيب الأقدام وإن كان الحذاء اشتهر رياضيا فتمنح جوائز " الحذاء الذهبي " لأفضل لاعب هداف ألا يمكن اليوم أن نطور هذه الجائزة فتعطى للحذاء الإعلامي مادام " منتظر الزيدي " قد دشن هذا . ولكن هل الحذاء يحمل هذا الزخم ويثير جدالا كبيرا لو ضرب به شخص بسيط ، هل يمكن لهذا الحذاء أن ينال شهرة ؟ أما أن عظمة الحذاء ودلالاته الفلسفية تؤخذ من عظمة المضروب فكلما كان المضروب شخصية بارزة صار الحذاء مثيرا للجدل وقابلا للتأويل وحاملا لدلالات فلسفية عميقة . يمكن أن نتخيل في المستقبل من"باب الخيال العلمي" أن حروبا ستقام بسبب أحذية وتسمى حروب أحذية الدمار الشامل . ألم تحتل فرنسا الجزائر بذريعة " حادثة المروحة " والمروحة في العرف الدولي لا تحمل دلالات سلبية . وما رأي القانون الدولي ؟ لا أظن أن هناك مادة تحاسب من يضرب بالأحذية ولا يوجد فرع القانون الحذائي على مقاس القانون الجنائي وأنا أقترح على خبراء القانون الدولي أن يفصلوا في نوعية الحذاء هل هو من الجلد الرفيع وأي مقاس ؟ وأي دولة صنعته ؟ ويكون الحكم من بعد ذلك فتمنع كل أنواع الأحذية وتغلق المصانع التي صنعتها ومعاقبة الدولة التي صدرت ذلك النوع من الأحذية لأن يمكن أن ذلك الحذاء وراءه قوى معادية تريد إثارة الحروب والنزاعات ويمكن لأئمة المساجد أن يتحدثوا عن خطر الأحذية في صراع الحضارات ونشوب الحروب . ويكتب الأدباء روايات من قبل : " أحذية الأزمنة الغابرة " " حذاء الأصوات المكممة " " الحذاء الثائر" " في بيتنا حذاء " " عندما تشيخ الأحذية "ويمكن للسينمائيين أن ينتجوا لنا أفلاما غرائبية " الحذاء الطائر " " سفينة الحذاء " ويمكن للإعلاميين من اليوم فصاعدا أن يؤسسوا جرائد ساخرة " جريدة حذائية أسبوعية ساخرة " ويمكن لكاتب كبير أن تكون له فيها زاوية يومية بعنوان " إسكافيات " بقلم إسكافي ويمكن للإسكافيين أن يبحثوا على نوعية ذلك الحذاء الرمزي قيطلقون على محلاتهم " أحذية بغدادية " أو " أحذية زيدية " ويمكن لفلاسفة التأويل أن يؤسسوا لنا نوعا جديدا من الفلسفة " الفلسفة الحذائية الحداثية " التي تدل على طبقية المجتمع فنستطيع أن نعرف قيمة الشخصية من حذائه فتأثير الحذاء في الشخصية له جوانب نفسية نتركها لعلماء النفس . فالنفس الحذائية هي الأمارة بالضرب بالأحذية قياسا على النفس الأمارة بالسوء . والحديث يطول ولكن أنا مستعد أن أضرب بحذاء جلدي من طراز رفيع فهل يستطيع معلم مثلي أن يظفر بهذا الفضل ؟ فأحذيتنا قد رقعها الزمن ولو ضربنا بها أحد لشفق علينا واشترى لنا أحذية لأزمنة شتائية قادمة


    .
     
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    سعدية مفرح
    الداء والدواء.. في تقبيل الحذاء



    منذ دقّ الرئيس السوفييتي الأسبق، خورتشوف، منصة منظمة الأمم المتحدة في العام 1960 بكعب حذائه، احتجاجا على أصواتٍ طالبت، عبر المنصة نفسها، باستقلال أوروبا الشرقية عن الهيمنة السوفيتية، صار استخدام الحذاء مألوفا، إلى حد ما، في التعبير عن وجهات النظر السياسية، بطريقة أو بأخرى. واختلفت طرق ذلك اختلافات بينة، فقد استخدمه مواطن عراقي، اشتهر باسم أبو تحسين، بضرب صورة الطاغية صدام حسين، بعد لحظات من سقوط نظامه المدوي في بغداد عام 2003، تعبيرا عن فرح شعبي عارم بسقوط النظام الديكتاتوري، في حين استخدمه، بعد خمس سنوات، مواطنه الصحفي، منتظر الزيدي، لإهانة الرئيس الأميركي الذي أسقط صدام، وهو جورج دبليو بوش، عندما قذفه بالحذاء الذي يسمونه في العراق "القندرة"، في مؤتمر صحفي في بغداد.
    ويبدو أن التعبير بالرفض باستخدام الحذاء ساد ثقافة عامة، تحقيرا للهدف المستخدم ضده هذا الحذاء، إلى أن جاء الربيع العربي، وأعقبه الخريف العسكري، فظهرت استخدامات أخرى للحذاء العسكري تحديدا، حيث أصبح يستخدم للتأييد والتبجيل والتكريم، وربما المازوخية والجلد الذاتي، في نظر مستخدمه ضد نفسه!
    بعد عزل الرئيس المصري المنتخب، محمد مرسي، بانقلاب عسكري دامٍ، انتشرت في وسائل الاعلام صور مصريين، يحمل كل منهم الحذاء العسكري الذي يسمى في مصر "البيادة" فوق رأسه، في مشاهد مهينة ومقززة. وبلغ التقزز مداه، عندما استخدم أطفال في مثل تلك الصور، فبدت رؤوسهم الصغيرة مائلة تحت وطأة ثقل تلك الأحذية التي ربما لا يعرفون لماذا أمرهم أهاليهم بحملها على هذا النحو، والمشي بها أمام عدسات الكاميرات.
    صور أخرى مشابهة ظهرت في سورية لمواطنات مسنات، تحمل كل منهن الحذاء العسكري الذي يسمى هناك "البوط" فوق رؤوسهن، وأضافت إحداهن ما رأته عنصراً جمالياً للتخفيف من بشاعة المنظر، فملأت الحذاء بالزهور، وحملته فوق رأسها. وفي لبنان، ظهرت صورة الحذاء العسكري الذي يسمونه "السبّاط"، بدلاً من الصورة الشخصية لبعض مستخدمي مواقع التواصل، مختومة بكلمة "ليحكم"، في إشارة منهم إلى مساندة الجيش، ليتمكن من الحكم.
    لا أدري لماذا اختار هؤلاء الحذاء تحديدا، من بين قطع الزي العسكري الأخرى، لرفعه فوق رؤوسهم، إلا إن كان الهدف حقا إظهار التذلل والعبودية والانسحاق النهائي تحت الوطأة العسكرية في أبشع صورها الديكتاتورية الحاكمة، وليس التأييد وحسب. فلو كان التأييد هو الهدف، لاختاروا، مثلاً، القبعة العسكرية ليضعونها فوق رؤوسهم، حيث موقعها الطبيعي فوق الرأس. أما أن يختاروا ما هو للقدم ليكون فوق الرأس، مع رمزية هذا الفعل في الثقافة العربية، فهذا يبعث على الأسى.
    أغلب رافعي الأحذية فوق الرؤوس بسطاء مغيبون، وهذا ليس عذرا لهم، لكنه يبدو كذلك إذا ما ظهر ما يناقضه. وأشير، هنا، إلى الإعلامية كوثر البشراوي التي تقدم نفسها، ويقدمها كثيرون، نموذجاً للإعلامية المثقفة، منذ اشتهرت بتقديم البرامج الثقافية، لكن هذه الصورة الأنيقة لم تمنعها من الظهور على الشاشة، قبل أيام، تحتضن حذاء عسكرياً سورياً، ثم تقبله بطريقة مثيرة للاشمئزاز، بغض النظر عن الهدف منها، والرسالة التي تحملها.
    لست أناقش هنا آراء البشراوي، ولا تذكيرها بأن كثيراً من هذه الأحذية التي سبق أن داست على رؤوس الأطفال بأمر الحاكم الديكتاتور، فهي تعرف ذلك، وتتجاهله بل وتتجاهل سورية كلها في سبيل بقاء الديكتاتور، وفقا لتغريدة منسوبة لها تقول؛ "إذا رحل الأسد، لا سمح الله، سأحذف سورية عن خريطتي"، لكني فقط أستغرب لماذا تلجأ، وهي الإعلامية، التي تملك من وسائل التعبير ما لا يملكه كثيرون، إلى هذه المازوخية الشاذة التي تبدو كأنها الداء والدواء؟
    عموماً، لا يليق بالطغاة إلا أن يؤيدهم من هم على هذه الشاكلة، و"من يهن الله فما له من مكرم".


    .
     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    حنين عمر
    فلسفة الكعب العالي





    كان الرواق الذي يفصلني عن الباب معتما وطويلا بعض الشيء، انزعجت قليلا...فأخذت أفتش في حقيبتي عن جهاز موبايلي حتى أضيء بشاشته مكان خطواتي تفاديا لزلة ما قد تؤذي ما تبقى من مادة رمادية في دماغي، ولكن لسوء الحظ أو لحسنه – لا أدري- كانت بطاريته التي أنسى دائما إطعامها، جائعة جدا فقررت أن تنام وتتخلى عني وأنا أواجه مصيري المظلم.

    ولأنني امرأة شجاعة – حسب إحصائيات عدد المرات التي شعرت بالخوف فيها- ولأنه كان من الضروري أن اصل إلى الباب، فقد تنفست بعمق، ثم خضت بلا تردد تجربة السير في الظلام الصامت الكثيف الذي لم يلبث أن تحول فجأة إلى حالة صخب موسيقي على وقع كعبي، حالة الصخب تلك كانت بداية كل فلسفة الكعب العالي التي تملأ رأسي الآن .
    يومها قلت لنفسي أنه "أن نكون امرأة" ليس أمرا سيئا جدا... لأنه لا يعني فقط أننا نملك حرفي (إكس) في خارطتنا الجينية، ولا يعني فقط كل ما نسمعه عن ضعفنا وعن احتجاجات جمعيات حقوق المرأة التي تحتفل كل سنة بإلقاء خطب كثيرة وتوزيع الكعك والقهوة.
    أن نكون امرأة... بلا شك يعني تفاصيل صغيرة أخرى أجمل وأعظم وأرقى قد لا ننتبه إليها حينما نمر سريعا في قطارات يومياتنا، قد لا ننتبه إليها مع أنها موجودة وجميلة وحقيقية حولنا وفيها الكثير من الفلسفة. حتى لو كانت هذه الفلسفة العميقة مرتبطة بكعب حذاء خاص بنا لا يمكن للرجال مجاراتنا في الركض به، كعب خلفه تاريخ كامل لا يعرفه الكثيرون.

    وما لا يعرفه الكثيرون هو أن اختراع الكعب العالي يعود زمنيا إلى عهد الإغريق القدامى حسب المؤرخين، كما وجدت رسوم مصرية قديمة على جدران القبور الفرعونية تحديدا تشير إلى أنه كان شائعا ارتداؤه في تلك الفترة ضمن أشكال بسيطة، إلا أن الظهور الفعلي له بدأ عام 1533 في فرنسا حينما ارتدت كاثرين دي مدسيس في حفل زفافها على الملك هنري الثاني أول حذاء بكعب عال حقيقي، وكان هذا الحذاء قد صنع خصيصا لها في مدينة فلورنسا بإيطاليا.
    في هذه الفترة ظهرت موضة الكعب العالي في كامل أوروبا، وكان يلبسه الرجال والنساء على حد سواء، لكنه لم يتجاوز العشرة سنتمترات إلا على يد الإسكافي الشهير نيكولاس لوستاج الذي صنع للملك لويس الرابع عشر حذاء عاليا مزينا برسومات تمثل انتصاراته في الحروب التي خاضها. ومع أن هذا النوع من الأحذية كان موجها للرجال إلا أنه سرعان ما أممته النساء واستأثرن به لصالح زينتهن، و رويدا رويدا أصبح الكعب العالي ملكية خاصة لهن، وأصبح مرادفا للأنوثة والأناقة عبر الزمن ...أليس هذا دليلا على كون النساء يستطعن دائما انتزاع ما يردنه من الرجال ؟؟؟

    أما اشهر ما قيل عن الكعب العالي فقد كان عبارة الموسيقار المصري الشهير محمد عبد الوهاب حيث قال : أنوثة المرأة تبدأ من الكعب العالي" ، وهي جملة أوافقها رغم أنف هيبوقراط ...إذ يفترض أن كوني طبيبة يلزمني بأن اعترض على هذا القول حفاظا على الصحة العامة، لما يسببه هذا الحذاء من مشاكل في الظهر والمفاصل وفي عضلة الساق ، ومن تقليص لكمية الدم التي تصل إلى الدماغ مما يسبب الصداع وقلة التروية، إلا أنني بعيدا عن كل هذا الذي قد قلته هنا إرضاء لضميري الطبي ...أظل أشعر أن هناك فلسفة خاصة في الكعب العالي، فلسفة تتمثل في اقترابنا قليلا أكثر من السماء في محاولة للابتعاد عن الأرض: الاقتراب أكثر من الطموح..من الحلم...من أنوثتنا التي نحتاج دائما إلى الإحساس بها وبتفاصيلها بشكل أجمل، حتى نغلق شباك صمت العتمة ونفتح بابا لموسيقانا الداخلية أو ربما حتى نشعر بوحشة أقل في طرقات علينا أن نمشيها بمفردنا حاملين رغبة في الابتسامة.

    .
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    عزت القمحاوي
    غواية الحذاء


    الحذاء باختصار هو النعل، ولكن معاجم اللغة تتوسع في ألعابها التي تجعل للحذاء معان وأضدادها: فتتحدث عن المحاذاة والحذا،أي قعد أو وقف بحذائه، وأصلها من النعل أيضا (حذا النعل بالنعل أي قدر كلا منهما علي صاحبه) وحذا حذوه أي فعل مثله، لكن حذا الجلد قطعه، وحذا فلانا بلسانه أي عابه، وتحاذي القوم الشيء أي تقاسموه، وأحذى إحذاء أي : أعطاه قسما من الغنيمة. لكن الكلمة تعود فتحمل معني مضادا وهو: طعن طعنة.
    وهؤلاء الذين يتحاذون في مصر الآن، طعنا وتقاسما للغنائم، حملونا حملا إلي هذا الملف عن المراكيب أعز الله قراءنا وإن كنا لانستطيع أن نوقف تحاذيهم، فإننا نحاول، علي الأقل، أن نرد الاعتبار للحذاء المتعدد الفضائل، الذي يحاول مناخ الاحتباس السياسي احتكاره وتوظيفه في وظيفة واحدة.

    *****

    فضائل النص المفتوح

    عندما تحولت العديد من المكتبات الشهيرة وسط القاهرة إلي محال للأحذية مع منتصف سبعينيات القرن الماضي كان ذلك إيذانا ببداية انهيار مجتمع بدأ في وضع قدمه مكان الرأس. أو كما في المثل الشعبي (مطرح ما يحط راسه حط رجليه)!
    وكان من الطبيعي أن يتقدم الحذاء خلال مسيرته الظافرة ليصبح علي ما نراه اليوم: وسيلة للحوار السياسي، مما يؤذن بمرحلة في لون الصباغ!
    الدلالة مخيفة لكنها لاتنفي أن بعض الأحذية أكثر نفعا من بعض الكتب، وأكثر نبلا من بعض الأيدي التي ترفعها ومن بعض الرؤوس التي تستهدفها. ويمكننا في هذا السياق أن نثق في تقدير عبدالسلام النابلسي الذي تولى الإعلان الكاريكاتوري عن استمرار الأرستقراطية البائدة بعد التأميم عندما أشار إلي أحدهم في فيلم لا يحضرني اسمه: شايف الجوز الجزمة ده؟ دا أحسن من جوز خالتك!
    والعنف في الحوار السياسي ليس جديدا وقد سبق أن هدد العقاد تحت قبة البرلمان بسحق أكبر رأس في هذا البلد، لكنه ترك الوسيلة لخيال المتلقي، فلم يحدد إن كان سيستخدم القبقاب أو الحذاء أو يد الهون، وهذا هو فضل النصوص المفتوحة علي النصوص المغلقة، فهي تترك فرصة لعمل خيال المتلقي.
    لكن العقاد رحمه الله كان كاتبا ولايمكن أن نطالب أرباب البيزنس بأن يكونوا كأرباب القلم، ولايمكن لأحد في بلد ديمقراطي أن يمنع أحدهم من حق استخدام الحذاء وسيلة في الحوار السياسي، تعويضا لنقص الشفافية أو الفاعلية القانونية.
    لكن بوسعنا أن ننصح بتنويع مصادر السلاح في معارك من هذا النوع، فمن شأن ذلك أن يكسر ملل الجمهور، ويوفر للحرب أخلاقياتها: حيث يجب أن تختلف أسلحة الردع كالجزمة والبنص والصندل والبجلغة عن أسلحة الدمار الشامل كالقبقاب والنعٌال والجزمة الدبابة ذات الحدوة، كما يجب أن تختلف الأسلحة الموجهة إلي رؤوس الأعداء عن تلك التي تستخدم في التهارش والخلاف الطفيف بين أعضاء الحزب الواحد، وهو ما يصلح له المنتوفلي أوالبنتوفلي (حسب الأصل الفرنسي لشبشب المخمل الحنون)!
    ولايجنح باستخدام الزنوبة أو الخدوجة حتى لايتعرض مستخدمها إلي استجواب شرعي، فهي من الإسرائيليات المدسوسة.
    علي أن هذا الاستغلال السياسي، مهما كانت درجة العنف الرمزي والرغبة في الإساءة التي ينطوي عليها، فإنه لن يصل إلي الحد الذي بلغه فلاح فصيح أعرفه عاني من ظلم أحدهم، فجاءه من يطيب خاطره ويعده بأن ذلك الظالم مصيره النار بكل تأكيد. فما كان من المظلوم إلا أن تساءل باستنكار: النار؟! عادي كده؟! دا هايسيحوه ويصبوه شباشب يلبسها الكفار وهما داخلين النار!
    مسخ الإنسان إلي حذاء هو الخيال الأعنف، لكن اعتبار الحذاء أسوأ من الظالم ليس سوي افتئات علي المركوب وجحود للعديد من المسرات التي يوفرها للبشرية خلال رحلة تلازم المصير منذ عرف الإنسان طريقه إلي هذه الصحبة التي لاتنتهي إلا بالموت.
    ولو أن أحدا من المضاربين في البورصة والمتضاربين بالحذاء عرف الهوى لكان أرأف بمركوبه، وأنأي به عن هذا التضاد الحاد مع مستقبلنا السياسي، فالحذاء منصة إطلاق لصواريخ الجمال، علي متنه تنتصب قامة المرأة الرشيقة، ومع القبعة ينغلق القوسان الصلبان اللذان يغلفان البهجة.
    حجم الغواية الكامن في خلع أو إيلاج القدم في الحذاء لايقل في رمزيته عن غواية الكشف والإخفاء التي توفرها أزياء مثل الملاءة اللف التي تجعل من الجسد نصا متعدد الطبقات.
    يقوم الحذاء أيضا مقام القيد ويداعب نوازع الصيد المتوحشة النائمة في لاوعي الرجال، وهذا هو سر جمال الأحذية ذات العنق (البوت) فرغم وظيفة الإخفاء التي يمارسها عنق البوت إلا أن هذه التخشيبة الجلدية التي توضع فيها الساق تحيل إلي القيد، والأكثر إثارة منها الأربطة الجلدية علي الساق التي تزداد إثارتها كلما تزايدت تشابكاتها كعقدة من الأحبال محكمة.
    وقد أدركت السينما بشكل كبير الإيروتيكية التي ينطوي عليها الحذاء، وفي كثير من الأفلام تقع الكاميرا في غرام الأحذية، بينما تتكرر في أفلام البورنو ثيمة التعري إلا من الحذاء أو الحذاء والحزام كقيدين يحكمان حصار الضحية!
    وما كان لرنة خلخال بنات البلد أن تكون بذلك الإغواء الذي احتفت به الأغنية الشعبية لو كان الخلخال فوق قدم حافية.
    وليست المسرات الإيروتيكية هي كل ما يقدمه الحذاء للبشرية المتعبة، فالمسجونون وفاقدو المأوي وعمال الفاعل المنهكون يقدرون حنان الحذاء عندما يتحول إلي وسادة في محابسهم وفي الشوارع والحقول.
    والحذاء التميمة في السيارة والبيت باعتباره "قدم السعد" التي يتبارك بها الكثيرون ممن يحترمون فضائل الحذاء!

    .
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    منصورة عزالدين
    سيد الرموز المتضادة!



    بالطبع هناك ثقافات أخري يرمز فيها الحذاء إلي الحظ السعيد أو سلطة الرجل علي المرأة، حيث كان الأب في عصور سابقة يعطي أحد أحذية ابنته لعريسها يوم الزفاف كرمز لانتقال الوصاية عليها منه إلي العريس، إلا أن النظرة المتدنية للحذاء لا تقتصر علينا وحدنا، بل تمتد لمجتمعات أخري غير عربية.
    لكن بعيدا عن رمزية الحذاء التي تختلف و تتناقض من ثقافة لأخرى، بل ربما من منطقة لأخرى داخل الثقافة الواحدة، فإنه استخدم أيضا كوسيلة للتمايز الاجتماعي، مثلما كان الحال في اليابان قديما حيث كانت تصنع صنادل خاصة مميزة لعائلة الإمبراطور و أفراد البلاط، و كذلك للتجار و الممثلين بحيث تدل درجة تميز الصندل و العناية به على طبقة مرتديه.
    كما كان الحذاء في القدم و قبل العولمة التي أدت لنوع من التماثل يعكس ثقافة كل مجتمع فالإغريق الذين أعلوا من شأن الفن و الثقافة اهتموا في صنع صنادلهم بالتأكيد علي روعة التصميم و جماليته، في حين أن الرومان العسكريين بامتياز اهتموا في البداية بالصنادل القوية المتقشفة التي تمكن جحافلهم من السير علي الأقدام لمسافات طويلة عبر العالم القديم، لكن ومع ازدهار الإمبراطورية الرومانية في أيام عزها انعكس ذلك الازدهار علي تصميم صنادلها التي مالت نحو الجمال و الفخامة لدرجة تزيينها بالذهب و الأحجار الكريمة في بعض الأحيان.
    و إذا كانت الصنادل الرومانية التقليدية قد حظيت بشهرة واسعة بفضل السينما، فإن هناك أحذية أخري نالت شهرة كبيرة بل و دخلت التاريخ في بعض الأحيان، و من بينها و المؤكد أنه لن يكون آخرها حذاء النائب طلعت السادات الذي استغله البعض بشكل مبالغ فيه ربما لإبعاد الأنظار عن القضية الأساسية و هي الاتهامات التي وجهها لرجل الأعمال القوي و عضو لجنة السياسات أحمد عز بالتربح غير المشروع و استغلال النفوذ و تضخم الثروة.
    ركز الكثيرون علي الأسلوب غير الحضاري في الحوار تحت القبة، و لم ير معظمهم من قريب أو بعيد لب القضية، كما تناسوا عمدا أن كل ما يحيط بنا الآن ينحو إلى الغوغائية و عدم التحضر، هل ما يحدث مع المتظاهرين من ضرب و سحل و هتك عرض و اعتقال أكثر تحضرا مثلا؟ و هل سحل القضاة في الشارع و إهانتهم بأحذية رجال الأمن أكثر إنسانية؟!!
    خسرت الأطراف جميعها في واقعة مجلس الشعب، فاتهامات السادات جري التعتيم عليها، و سمعة عز المالية أصبحت في موضع التساؤل أكثر مما قبل، و القضية برمتها أغلقت فجأة، وحده الحذاء خرج منتصرا من هذه المعركة. خرج مزهوا بنفسه مذكرا إيانا برمزيته الشديدة، و مكانته كوسيلة للاحتجاج.
    حذاء طلعت السادات يستدعي حذاء آخر أكثر شهرة هو الخاص بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف، ففي أوائل الستينيات من القرن الماضي، و أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلع خروشوف حذاءه و أخذ يدق به فوق المنضدة أمامه و هو يصرخ مهددا المندوب الأمريكي في المنظمة الدولية: سندفنكم!
    و بالطبع خطف الحذاء أنظار العالم أجمع وقتها بالنظر إلي المكان الذي استخدم فيه و شخصية مستخدمه، و أهمية الدولة التي يمثلها، و باعتباره وسيلة "مبتكرة" في الدوائر الدبلوماسية و السياسية.
    و قريبا من عالم السياسة ارتبطت الأحذية بشخصية إيميلدا ماركوس زوجة الديكتاتور الفلبيني الأسبق، و التي اشتهرت بولعها المرضي بالأحذية لدرجة أنه تم العثور علي 3000 زوجا من الأحذية في دولابها بالقصر الجمهوري بعد خلع زوجها من الحكم.
    أحذية إيميلدا نالت شهرة طاغية و تم اعتبارها كمرادف للطغيان، لكن حالة الولع المرضي بالأحذية هذه لا تقتصر علي زوجة الديكتاتور الأسبق وحدها، حيث يقال إن إيفيتا بيرون زوجة الجنرال الأرجنتيني بيرون و الشخصية الأسطورية في تاريخ الأرجنتين كانت مولعة بالأحذية هي الأخرى، و هنا لابد أن نتساءل حول العلاقة بين الولع بالأحذية و السلطة.
    و إضافة إلي إيميلدا و إيفيتا هناك في وقتنا الحالي سيلين ديون التي تعشق الأحذية بشكل مرضي هي الأخرى، و يقال إنها تملك 500 زوجا منها قابلة للزيادة طبعا.
    سيلين ديون و غيرها ممن يبالغون في الاهتمام بالأحذية أوفياء تماما لخبراء الموضة و الأزياء الذين يعتبرون أن الحذاء هو الشيء الأكثر أهمية للوصول إلي الأناقة الكاملة، و أنه الأهم ربما بدرجة أكثر من المجوهرات نفسها للدلالة علي الرقي و علو المكانة.
    لكن الحذاء ليس فقط رمزا للأناقة و الثراء، بل و كما يخبرنا التاريخ تم استخدامه كأغرب وسائل الاغتيال السياسي و أكثرها إذلالا، حيث تخبرنا الروايات التاريخية أن "أم علي" زوجة عز الدين أيبك و ضرة شجرة الدر قد أمرت جواريها بضرب الأخيرة حتى الموت بالقباقيب في الحمام انتقاما منها لمقتل أيبك، و بالفعل لقيت شجرة الدر حتفها بهذه الطريقة المهينة.
    و في ثقافتنا العربية أيضا سنجد أن "خفي حنين" هما الأشهر علي الإطلاق و الأكثر تداولا علي ألسنتنا حتى الآن للتعبير عن الخيبة و الفشل.
    و إذا كانت القباقيب ارتبطت بالدموية في حادثة شجرة الدر و "خفي حنين" ارتبطا بالخيبة، فإن أجمل الأحذية و أكثرها سحرا و شهرة فيما أظن هو حذاء سندريلا، ذلك الحذاء البللوري الساحر و الصغير الذي قاد سندريلا إلي حلمها بالزواج من الأمير، و التخلص من قهر زوجة أبيها، و تحول إلي أداة لتحقيق العدالة و معيارا للجمال و الطيبة، ففي هذه القصة يبدو الجمال كأنما ينبع من القدمين، فزوجة الأب الشريرة و ابنتاها لسنا في جمال سندريلا و لا في طيبتها و عدم مناسبة الحذاء لأقدامهن هو الدليل الأوضح علي ذلك.
    غير أن هذا الحذاء يستمد طابعه الأسطوري من الألق الذي يحيط بالحكايات الخرافية ككل، و حكاية سندريلا المظلومة الطيبة بشكل خاص، هذا الألق الذي ينسينا مدي منطقية الأحداث و يجعلنا نستسلم لسلطة الحكاية و منطقها الخاص.
    و أخيرا و ليس آخرا فإن أكثر الأحذية إثارة للحزن هي أحذية ضحايا جسر الأئمة في العراق، و التي بقيت بعد أن رحل أصحابها إلي هاوية العدم، لتلتقطها لنا عدسات المصورين في صور بالغة الدلالة مثيرة للحسرة.

    .
     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    مرفت عمارة
    المسيرة الكبرى للحذاء


    وهكذا لم تكن المسيرة الكبرى نحو الحذاء سهلة كما قد يتبادر للذهن!
    في العصر الانجلو ساكسوني كان والد العروس يقدم لعريس ابنته في حفل الزفاف فردة حذاء ابنته، للدلالة علي انتقال السلطة إليه، ثم ظهر الحذاء المبطن بالفراء، وفي العصور الوسطي انقسم المجتمع إلى طبقات متعددة فاستحدثت في صناعة الاسكافي، واستقطاب 'الاسطوات' من قرطبة التي اشتهرت بصناعة الجلود.
    وفي القرن الثالث عشر اشتهر الوجهاء بارتداء الأحذية ذات المقدمة المستدقة الطويلة، وأدت المبالغة في طول مقدمة الحذاء إلي ربطها في الركبة بسلسلة رقيقة وفي أعقاب ذلك صدر أمر ملكي بتنظيم الأطوال الشاذة والغريبة لبوز الحذاء، يقنن طول مقدمتها.
    وبنهاية القرن الخامس عشر ماتت تلك البدعة، وظهر نوع جديد ذو نعل عال من الخشب، تم تصميمه لحماية الأقدام من الشوارع الموحلة، وتم جلبه من تركيا وهو ما نطلق عليه الآن.. القبقاب، وكان أما مسطحا ومرتفعا بطول النعل أو ذي كعبين احدهما في الأمام والآخر في الخلف من نعل القدم.
    أما فترة الحذاء المخصص للسيدات فلم تطرأ قبل مجيء الملكة اليزابيث فابتدعت موديلات خاصة مزركشة بالورود والأربطة ، بينما المخصصة للرجال كانت أكثر لمعانا ونعومة، بالإضافة إلي أحذية البوت التي تصل حتى الفخذ، وكلها ذات كعوب عالية، ثم ظهر البوت الصلد الخاص بعمال المناجم.
    وفي سنة 1665 كان الحذاء المفضل للأمريكيين العاملين بالزراعة في المستوطنات هو ذلك البوت المتين، وبنهاية القرن السابع عشر عادت شعبية الأحذية ذات الكعوب المنخفضة الحمراء، والمقدمة المربعة ذات الفراشة الضخمة المنحنية المثبتة بأبزيم معدني فوق القدم، وجاء القرن الثامن عشر بتأثير الموضة الفرنسية للأحذية النسائية المزينة بالجلد والحرير، ذات الكعوب المستدقة، وبعد الثورة الفرنسية عاد الولع الكلاسيكي بالكعوب المنخفضة والصنادل، مع ارتداء الملابس التي تحمل طابع الريف الانجليزي، وعاد معها البوت الصلد، ثم في العصر الفيكتوري عاد التقدير للأحذية الجميلة، والصنادل المزينة بالفيونكات، وعادت النساء لأول مرة بعد مدة طويلة لارتداء البوت المرن، إلى أن طورت الثورة الصناعية شكل الحذاء، ثم حل البلاستيك في صناعته محل الجلد!
    وهكذا أصبح لكل نشاط إنساني حذاؤه المناسب، وتنوعت ماركات الأحذية حتى أصبح اسم الحذاء يشير إلى مكانه صاحبه.
    وتبارت شركات صناعة الأحذية في جذب زبائنها، فقد طرحت شركة رياضية شهيرة أول حذاء ذكي في العالم، وهو حذاء مخصص للجري، قادر علي تلبية احتياجات العداء، حيث يتميز بقدرته علي استشعار مستوي امتصاص الضغط المطلوب لراحة القدم، سواء كان أسفلتيا، أم عشبيا، أم رطبا، فيقوم بتعديل وضعيته تلقائيا للوصول للمستوي المطلوب لامتصاص الضغط، عن طريق قراءة المسافة بين أعلي وأقل نقطتين في نعل الحذاء، حيث يمكنه تسجيل ألف قراءة، وإجراء خمسة ملايين عملية حسابية في الثانية، عن طريقها يتم تعديل وضعيته بمحرك صغير مثبت في منتصف أسفل القدم يدور بسرعة ستة آلاف دورة في الدقيقة، ولم يتحدد سعره بعد!
    كما طرحت شركة بريطانية متخصصة في الأحذية في الأسواق الألمانية حذاء جديدا ينمو مع نمو قدم الطفل، يحمل اسم 'دودة ماكس' حيث يتخذ شكل الدودة عند منتصفه، ويمكن التحكم في مقاسه بالضغط علي زر، يؤدي لتمدده مثل آلة الأكورديون، ويمكن ضبط قراءة المقاس عن طريق شاشة أسفل نعل الحذاء، كما ابتكر شخص سعودي حذاء لتنبيه المكفوفين، بإصدار صوت عند مقابلة أي عوائق.
    سرعان ما أصبح الحذاء موضوعا لأخبار غريبة وطريفة، منها محاولة تقليد حذاء إنسان الجليد الذي عثر علي جثته في ثلوج جبال الألب سنة 1998، بعد أن اكتشف العلماء أن حذاءه يصلح للأقدام العصرية، قد صنع البروفيسور بيتر فشلاك خبير الأحذية في جامعة توماس باتا في تشيكوسلوفاكيا حذاء مماثلا، بعد أن لاحظ انه بالرغم من النعل غير المتقن إلا انه يؤمن احتضانا جيدا للقدم، وامتصاصا للصدمات، ولا يسبب أي متاعب للقدمين واستخدامه في السير أشبه بالمشي حافيا، وقد أطلق علي الحذاء نفس الاسم الذي أطلق علي الرجل الجليدي 'أويتزي'
    وقد حرص علي صنعه بنفس مواد الحذاء الأصلي، فكان النعل من جلد الدب، والخيط من اللحاء الداخلي للأشجار، أما الدباغة فاستخدم فيها وصفة هندية أمريكية قديمة تتلخص في نقعه في خلاصة مخ وكبد خنزير لمدة ثلاثة أيام، أما البطانة فقد بحث طويلا حتى استطاع العثور علي قش لا يسبب حكة أو قروح جلدية، وتم صنع ثلاثة أحذية، أجريت عليها تجربة ميدانية بارتدائها في جبال الألب قرب الحدود الايطالية النمساوية فتفوق حذاء اوتيزي علي الأحذية العصرية، عدا القدرة علي تحمل الرطوبة.


    ***********

    البيادة و البوانت

    حذاء الجيش مثل السلطة في تصلبها. يشتاق جميع الجنود في جميع الجيوش لخلعه و لبس "الحذاء الكاوتش" الذي يتسلمونه مع نوعين من الأحذية، البيادة، و هي الحذاء ذي الرقبة الطويلة المخصص للعمل بالوحدة العسكرية، و الحذاء النصف، و هو الحذاء بدون رقبة المخصص للخروج من الوحدة، أو كما يطلق عليها، "الفسح". و علي الطرف النقيض من البيادة، ذات المظهر الضخم و غير المعتني به، تقف أحذية راقصات الباليه، و المعروفة باسم البوانت، التي تتسم، علي العكس من بيادات الجيش، بالخفة المطلقة، غير أنهما يشتركان في نفس الهدف: تطويع القدم، شدها، بل ربما يمكننا عدها جزءا من النظام الانضباطي الذي يتحدث عنه فوكو، النظام الذي لا يسمح بوجود الجنون في داخله، و الجنون هنا يعني الأقدام الكبيرة، المفلطحة، أو حتى أصابع القدم العريضة، و كلا الحذاءين في النهاية يفرض سلطة الجسد، بالثقل أو بالخفة!!
    الحرص علي أن تلبس البيادة بانضباط أساسي في الجيش كما أخبرني بعضهم. فالبيادة ينبغي أن تربط إلي آخر ثقب، و لا يجوز حل ثقوب و ربط الأخرى، و هذا لأجل إحكام الربط. أن تكون هي و الجندي شيئا واحدا و أن تكون جزءا من تكوينه كعسكري. و لأن الاعتناء بالبيادة هو من الاعتناء بالجسد، فإن الشيء الغائب عن الوحدات العسكرية كما لاحظ بعض من حادثتهم هو الجزمجية، برغم توافر الترزية و الحلاقين و المكوجية. حيث اعتناء الجندي ببيادته هو أمر يشابه اعتناءه بنفسه أو بجسده، فكما أن لا أحد يحممه، فلا أحد يصلح حذائه إذا انقطع. و مثلما يتم النظر إلي جسد الجندي، الذي لا ينبغي أن يزيد علي وزن معين مثلا، يتم النظر إلي بيادته. يروي صديق لي عن فترة خدمته بالجيش أن مقاس حذائه، و هو 45، كان هو أكبر مقاس موجود، كأنه لا يسمح بوجود مقاسات أكبر. هذا يحدث أيضا في بوانت الباليه، و الذي يستخدم مقاسات مختلفة عن الأحذية العادية، فمقاس 12 مثلا يساوي مقاس 38 للأحذية العادية. قالت لي أرمينيا كامل، أشهر مدربة باليه في مصر، أن مقاس 14 في الماضي كان هو أكبر مقاس، و كان وقتها شيئا مرعبا بالنسبة لها أن تكون قدم راقصة الباليه كبيرة لهذا الحد، أما الآن فهناك 15، كما تروي لي مندهشة من حجم أقدام الجيل الجديد. علي أية حال، يبدو أن كبر القدم هو تمرد تتعامل معه السلطتان علي مضض، السلطة المقاتلة و السلطة الراقصة.
    لحظات الحرية
    سألت صديقا عن لحظة دخول الجندي إلي عنبره. كنت أتصور أن أول ما يفعله الجنود لدي دخولهم عنابرهم الخاصة هو تحررهم من الأحذية. أجابني بالنفي. قال أنهم لم يكونوا يخلعون البيادة أثناء فترة الراحة البسيطة، وذلك لتجنب مشقة خلعها ثم لبسها من جديد. و هي وظيفة من وظائف ضخامة البيادة علي ما يبدو: تنفير الجندي من خلعها. و في المقابل، ينسي الجندي تعب قدميه أثناء لبسه البيادة، و لا يتذكره إلا لدي خلعها في آخر الليل، و شروعه في تهوية قدميه العرقانتين. كذلك لا تحس راقصة الباليه أثناء التدريب بالتعب، حيث يكون ذهنها منصبا علي آدائها. قالت لي أرمينيا كامل أن الراقصة قد لا تشعر بالتعب من ارتداء البوانت إلا لدي خلعه، حيث تكتشف حينها الدم الذي يغطي أصابعها بعد ساعات من العرض و التدريب. و أضافت أن السنة الدراسية تحوي أحد عشر شهرا و شهر إجازة، هو ما تعاني بعده الراقصة من عدم القدرة علي التكيف من جديد مع البوانت، ثم تبدأ في التعود تدريجيا. و لكن ماذا يحدث لو انجرحت قدم الفتاة أثناء العرض بسبب البوانت بشكل لا يمكنها معه الاستمرار؟ تقول هناء أبو العلا، مدربة الباليه بفرقة القاهرة، أنه يتم حينها استبدالها بأخرى، و لكن في الغالب تتدرب الفتاة علي الرقص بالبوانت لمدة ربع ساعة قبل العرض لتكون فترة اختبار، لها وله في ذات الوقت. و بدت هذه المشكلة غير مطروحة لدي أغلب من سألتهم. فهو غير وارد أن تتمرد القدم علي حذائها المؤلم و الجارح. كل شيء يحل عبر التكيف، مثلما يحدث في أي سلطة ذكية.
    وسيلة التراتب
    يؤكد الحذاءان، حذاء الباليه و حذاء الجيش، التراتب أيضا، فالجندي الذي يريد "التعايق" أمام زملاءه يشتري بيادة من الخارج و لتكلفه قدر ما تكلف، أو يقيم بعضهم صداقات مع الضباط و يقترضون منهم بيادات "ضباطي" لم يعودوا في حاجة إليها. البيادات الضباطي هذه ليست مثل البيادات الأخرى، هي هنا مزودة بسوستة من الجانب، بدون رباط، و هي أكثر مرونة في الحركة. يزيد بعض الضباط علي هذا كما قال لي أحدهم، حيث يلجأ بعضهم إلي محلات لتفصيل البيادات. كذلك يفعل البوانت بشكل أقل وضوحا، فيما يناسب رقة الفراشات الراقصة، و إن كان أكثر تأكيدا علي السلطة الانضباطية، حيث الراقصة المبتدئة التي لازالت في السنتين الأوليين للدراسة و تتعلم بعض الرقصات الخفيفة تلبس حذاء يسمي "ديمي بوانت"، و هو حذاء مرن و سهل الحركة، و بدءا من سنة ثالثة تكون الراقصة قد انتقلت إلي مرحلة البوانت، و هو حذاء مزود بخيش و غراء و خشب في مقدمته ليجعلها صلبة و يمكن الراقصة من الوقوف علي أطراف أصابعها. تضطر الراقصة إلي لف أصابعها بالقطن أو البلاستر لكي تتجنب صلابة البوانت الشديدة. هكذا فبينما الأفضلية في الجيش للأحذية المرنة، المقترنة بالرفاهية و الترف، فإن الأفضلية في الباليه للصلابة المقترنة بالقوة علي التحمل و الكفاءة في الآداء. قالت لي راقصة الباليه فرح وائل أنهم أحيانا ما يضطرون لتليين البوانت، الذي يأتيهن صلبا للغاية، و لو بالدق عليه بالشاكوش. سألتها: الدق عليه كله؟ فقالت لي: "نعم. ماعدا مقدمته". و هي المقدمة التي تمكن الراقصة من الوقوف علي أطراف أصابعها. هذه المقدمة هي التي تفرق نوعي البوانت عن بعضهما البعض، و هي أيضا التي تفرق البوانت الحريمي عن الرجالي. باختصار: سلطة الباليه كلها كامنة فيها.
    و بالإضافة للبوانت و الديمي بوانت، ففي الباليه حذاء آخر، لا تؤدي فيه أطراف القدم البطولة هذه المرة و إنما الكعب، و هو الحذاء المستخدم في الرقصات الأسبانية و الشعبية التي تتطلب الدق علي الأرض، مثلما في باليه زوربا علي سبيل المثال، كما أخبرتني هناء أبو العلا. و الحذاء ذي الكعب لا يتم ارتداؤه مع البوانت، المزود بمقدمة صلبة لأصابع القدم، و إنما مع الديمي بوانت، حيث البطولة تكون إما للكعب أو لمشط القدم، و لا يمكن الجمع بينهما في حذاء واحد، مثلما لا يمكن الجمع بين الرقصات الشعبية، الممثلة لجنون الدق بالكعب علي الأرض، و الباليه الرصين، الممثل لخشوع الوقوف علي أطراف الأصابع، في موسيقا واحدة. و بمناسبة الكعب، فإن بعض الجيوش تطلق علي الأسلحة الأقل مشقة أسلحة "الكعب العالي"، في إشارة إلي الترف الذي تمتاز به هذه القوات و الذي يستدعي الأنوثة إلي الأذهان، و لكن أيضا في إشارة إلي نوع أحذيتها، حيث قال لي أحدهم أنها بيادات أكثر أناقة و مرونة بكثير، و هي ذات رقبة أقصر من رقبة البيادات الأخرى، و بالتالي أقل إحكاما علي القدم و أكثر تهوية لها، كما أنها أسهل في الخلع و اللبس.
    الولع بالبوانت
    و برغم إرهاقه و دمويته، يبدو بوانت الباليه هو الشيء الأكثر إلهاما للمرء، فلا يمكننا تخيل شخص يولع بالبيادة مثلا بينما يمكننا تخيل امرأة تدخل إلي مهنة الباليه بسبب شغفها بحذائه. قالت الباليرينا أرمينيا كامل في إحدى حواراتها أن فيلم "الحذاء الأحمر"، و المأخوذ عن إحدى قصص الكاتب الدانماركي الشهير هانز كريستيان أندرسون، هو ما جذبها إلي الباليه. الفيلم يحكي قصة فتاة فقدت حياتها تحت عجلات القطار و هي ترتدي حذاء الباليه. هذا بينما في الفيلم حبكة أخري عن بوانت مسحور يرقص من تلقاء نفسه، ترتديه فتاة بشغف لحبها لشكله ثم تكتشف أنها ترقص معه أينما كانت، ثم تموت من فرط إعيائها. سألت أرمينيا عن حذاء الباليه الذي يدفع الناس لفقدان حياتهم من أجله فحكت لي عن تدريبات الباليه التي دوما ما تسبب في نزيف أقدام الفتيات اللائي يقفن ويحملن ثقلهن كله علي أطراف أصابعهن. و مع مواصفات البوانت القاسية، نادرا ما تسلم فتاة، طوال سنوات الدراسة التسع، من الجرح. تقول لي أنها أحيانا ما تأمر بتخدير أصابع الفتاة حتى لا تحس بالألم أثناء العرض، و لكنها لا يمكنها إعفاءها من التدرب بسبب هذا، فلأرمينيا قصة أخري شبيهة، كان أول شيء حذرها منه أبواها الإيطاليان عندما أرادا إثناءها عن تعلم الباليه هو إرهاق البوانت لقدميها، قالا لها: الباليه مرهق و هو يجرح القدمين. و لكنها أصرت و نجحت. و هي الآن تملك فلسفة خاصة عن حب الشيء بجنون إلي درجة الفناء في سبيله، حتى لو كان هذا الشيء يرقصك معه بلا أي إرادة منك، يقودك بجنونه و نزقه إلي عجلات قطار مجنون لتموت تحتها.

    ******


    .
     
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي
    Expand Collapse
    مشرف مختارات
    طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏19/11/08
    المشاركات:
    27,569
    الإعجابات المتلقاة:
    2,023
    أحمد وائل
    أحذية للمعارك ..وأخري للشهرة!


    التدقيق في الموضات الخاصة بالحذاء وطرق انتشارها تكشف أننا أمام عالم محكم النهايات تنجح أغلبية رهاناته ففي بعض الأحيان يلتقط مصمم الأحذية شكل الحذاء من أحذية نجوم الغناء، الكليبات علي سبيل المثال تعتبر ملعب جيد لاصطياد موضة الموسم، يركز المصمم علي قدم المطرب ومنها يجد التصميم الأكثر نجاحا طالما الكليب لم يتوقف عرضه علي الناس، الأمر لا يعتبر سرقة للتصميم بقدر ما هو إتجار بشهرة مرتدي التصميم، فبقدر شعبيته سيحقق الحذاء مبيعات.
    يتعامل صانعو الأحذية مع الحذاء في هذه الحالة باعتباره نصا تؤخذ خطوطه الرئيسية وتطبق علي (الأصطامبة) التي يصمم عليها الحذاء فتكون النتيجة وجود تطابق بين "الأصل" والنسخة في النعل فقط، أو أن يكمن التشابه في وجه الحذاء..كما يتم وضع اختلافات بسيطة في الخامات لضمان انتشار الموضة وتحولها إلي ظاهرة، بحيث ينحاز كل فرد من المعجبين إلي الحذاء الذي يتناسب مع قدرته الشرائية، وفي الغالب يعتبر الجمهور الحذاء الأعلى سعرا هو أكثر الأحذية تقريبا لمرتديه من النجومية..ومن الأحذية التي نالت تصميماتها الشهرة حذاء عمرو دياب علي سبيل المثال.
    ملاعب اصطياد الموضة قد تكون من خارج الميديا، الريف استطاع أن يحظي بأحد سرقات الموضة مثل موديل شيخ البلد..فقد استوحت من الحذاء الذي كان يظهر به العمد وشيوخ البلد، وهو من الجلد و يتسم بأنه من نوع الرقبة العالية، والجزء الخلفي من الرقبة مطاط بعض الشيء مما يسهل عملية الارتداء، كما يجعل الحذاء يحتفظ بمرونته مع كثرة الاستخدام، ويعود السبب الأساسي للتصميم هو تحمل الحذاء لغوص القدم في الطين، ولكن تلك المزايا الجغرافية لم تمنع التصميم من الانتقال إلي الشباب بعد أن حمل علي أحد جوانبه ماركة "بنستون"..أي أن عامل التميز هنا هو الماركة.
    النظرة إلي الحذاء باعتباره خطوة للتميز تظهر بجانب الإتباع الأعمى للموضة في حالة الشغف بما هو إيطالي، فقد كان الحذاء الإيطالي عنوانا للبرجوازي إذا جاز هذا التعبير..ونتيجة لذلك يفضل البعض اقتنائه حتى لو كان فوق قدرته الشرائية فقد يصل ثمن الحذاء النسائي علي سبيل المثال إلي 3250 جنيه لأنه يحمل أحد الماركات الايطالية.
    ومما يسر الأمر علي المنتمين إلي البرجوازية عن طريق أقدامهم أن بعض المصانع المصرية عكفت علي تلبية غريزة الارتقاء الاجتماعي بتقديم حذاء إيطالي بعض الشيء بمعني أن يقدموا حذاء مصريا بنعل إيطالي أو بإنتاج النظير المصري للحذاء الإيطالي، نفس الشكل ونوعية الخامات.
    مرة واحدة و إلي الأبد
    يوجد نوع آخر من الشغوفين بفكرة الانتماء للبرجوازية عن طريق الحذاء الإيطالي ..ومنهم من يشتري حذاء إيطاليا مرة واحدة ويداوم علي إصلاحه، من جانبه يتفهم "مصلح الأحذية" طبيعة العلاقة بين الرجل وحذائه، فيبذل كل ما بوسعه من أجل استمرار زهو المالك بحذائه فيركب له نصف نعل كمحاولة لإطالة عمر الحذاء، وبعدما تسوء حالة الحذاء يغير النعل بكامله، يتم العمل علي أساس أن كل الخيارات متاحة أمام( دكتور الجزم) بشرط أن يبقي لحم الحذاء كما هو..أي ليظل يخبر الناس بتميز صاحب الحذاء، علي الرغم من فقده لكامل بريقه من كثرة الاستعمال.

    وبجانب الشغف بما هو إيطالي يوجد الشغف بما هو جلدي، فارتباط خامة الحذاء كليا بالجلد يعتبر مبرر مقبول لارتفاع السعر، فبالنسبة للكثير من الراغبين في التميز يكون سعر الألف جنيه معقول إذا كانت بطانة ونعل الحذاء مصنوعان من الجلد، أو أن يكون الجلد" ليزار"..وكلما تزايدت نسبة الجلد ارتفع السعر ..بما يضمن للمالك فرصا أكثر للارتقاء الاجتماعي عن طريق قدمه.

    من باتا..إلي الرصيف
    تنحاز الطبقة المتوسطة من جانبها للنظرة نفسها للحذاء فعلي الرغم من أن مشهد اصطحاب الممثل حسين رياض بناته السبع لأحد أفرع "باتا" في فيلم السبع بنات من أجل التسلح في مواجهة العام الدراسي بأحذية جديدة توازن بين طموحات الأبناء وضيق حال الأب، والذي يمثل رهان هذه الطبقة علي المحلات التي كانت توفر أحذية الأبناء منذ ولادتهم و حتى دخولهم الجامعة، إلا أن الطبقة المتوسطة لم تعد ببساطة اختصارها في شخصية حسين رياض، ربما لأن الرغبة في التميز تدفع أبناءها إلي التوجه إلي محلات وسط البلد لتنال الأحذية الأحدث في فترة الاوكازيونات أكثر من أن تدفعهم للتوجه إلي باتا التي يعتبرها جمهور هذه الطبقة نوع من الالتزام، وهذا ما يؤكده محمود أحمد علي _ مدير فرع باتا بعماد الدين حيث يقول "أن المشهد الذي مثله حسين رياض..لم يعد يحدث، لكن البعض لا يزال وفيا لشكل محدد من الأحذية" هذه النوعية عرفت بين الناس برقم أو كود الشركة مثل"41/7 الكوتش القماش "وسعره 15 جنيه، وحذاء باتا الجلدي "موديل 205 "وسعره35.95جنيه، ومن ناحية أخري بدأت باتا في جذب العرب..حيث يأتون لشراء( الشباشب) وقليل من الأحذية.
    كما يظهر مشهد الالتفاف حول محلات بيع الأحذية وحول الفرشات بأرصفة العتبة أن رهان الطبقة المتوسطة علي محلات باتا فقد الكثير من مصداقيته، فالأحذية بالعتبة تكاد تكون محاكية لما تنتجه ماكينات الموضة وأن كانت في شكل شعبي بعض الشيء حيث يبدأ سعر الحذاء الرياضي مثلا من 45 جنيها ولا يتجاوز 80 جنيها.. يتسم العرض بعشوائيته فما يحكمه أن الأزواج المعروضة قليلة، فمن تصل يده قبل الآخر لتمسك بالحذاء يعتبر مالكه..وذلك لأن الأزواج قليلة و الفرص الأسعار جيدة.

    مقاس 46 حريمي

    أصحاب المقاسات الكبيرة ليسوا شديدي التطلب، فقط يريدون حذاء يمكنه إضفاء الجمال علي القدم لضخامتها النسبية يقول خالد الخولي صاحب أحد المحلات المتخصصة في تصنيع وبيع المقاسات الكبيرة :" عندما يبدأ مشتر بالتعامل مع المحل لا يهتم بشكل ونوع الحذاء، في المرة الثانية يبدأ في المفاضلة بين الأشكال" فقد أعتاد طالبو مقاسات مثل مقاس 46 للحذاء النسائي أو مقاس 52 رجالي علي التوجه إلي تفصيل الأحذية بحجم أقدامهم لهذا فهم يرون في مجرد توافرها جاهزة راحة من حرج إرتداء حذاء تقليدي في شكله.
    ولكن التخصص في إنتاج هذه النوعية لم ينه الحرج الذي يحيط المسألة فهناك أشكال لا يمكن أن يصمم منها مقاس كبير مثل الحذاء ذو المقدمة الرفيعة..( حيكون طويل قوي).

    جدعنة

    تنقسم صناعة الحذاء إلي عالمين أو اتجاهين أحدهما يأخذ بمبدأ أسرع نجاحا وهو أن السبيل الوحيد لتوسيع تجارتك هو تحقيق نجاحات محسوسة..وبناءا علي ذلك لم تعد صناعة الأحذية حرفة تعتمد علي خبرة ودربة الصانع بقدر ما أصبحت تسعي لإنتاج أحذية متشابهة، كما لو أن الصانع واحد والمشتري واحد، و يعتبر العالم الأول هو المتحكم في صناعة الأحذية بينما يوجد عالم آخر يكاد يكون سريا من كثرة التهميش الذي يعاني منه وهو عالم الحذاء الشعبي ، فهو يخلص للصورة التي كان عليها تصنيع الحذاء في فترة تصديره إلي ألمانيا وروسيا في الخمسينيات والستينيات وهي الاعتماد الكامل علي الحرف اليدوية بمناطق "الرويعي" و" باب الشعرية"..حيث تقوم مجموعة من الورش المتعاونة فيما بينها بإنتاج الحذاء الشعبي، علي أن يكون العرض بمحلات صغيرة بنفس الأحياء في محاولة متواضعة للبقاء أمام الشكل الأكثر حداثة وآلية.
    لا تنتهي التخصصات داخل صناعة الحذاء الشعبي ، حيث تبدأ عملية الصناعة بمرحلة التفصيل ويقوم بها (مودليست)، ويليه (المكانجي) ويقوم بقص الجلد بما يتناسب مع كل زوج، كما يرفع حدود و نهايات الجلد ليتم طيها وخياطتها..بعد ذلك يأتي دور (الجزمجي)..كما توجد حرف يدوية أخري في هذا العالم مثل صناعة القوالب الخشبية ..فالقالب يعتبر بمثابة قدم افتراضية لا يمكن الاستغناء عنها في صناعة الحذاء..وقد بدأ في الظهور قوالب بلاستيكية ستغير الكثير من طبيعة هذه الحرفة.
    "كعب الجزمة يكشف نظرة المرأة لأنوثتها .." الجملة السابقة لعم يسري الأشول، المتخصص في تصنيع الأحذية النسائية، حيث يقول أن الكعوب مقاسات من 1 سم إلي 12 سم، وكل فتاة تأتيه تختار ما يبرز أنوثتها، ممشوقة القوام علي سبيل المثال تختار 12 سم، والممتلئة قليلا تفضل كعب أقل ارتفاعا، بينما تميل السيدة الكبيرة إلي الكعب ال 1 سم.
    يقول المودليست سعيد سوكارنو أو جدعنة أن ما يقوم به معتاد ولا يوجد أي ابتكار فيه إلا في حالة أصحاب الإعاقات، مثل من لديه ساق أطول من الأخرى مما يتطلب وضع جزء حديدي علي الحذاء الخاص بالساق العليلة من أجل أن تأخذ طريقته في المشي شكل طبيعي، في هذه الحالة فقط يتطلب الأمر الاستعانة بتصميم جديد خاص بالطالب، ومع ذلك يجري "جدعنة" في أحيان ما بعض التجارب علي القالب الخشبي، وإذا أعجبته هذه المحاولات يقدمها كموديل للناس..ولكنها مرات قليلة للغاية.

    ******
     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة