1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

مبارك وساط.. شاعر غبار الأرض ووهجِ الأفق

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏15/1/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    عليّ أن أطمئنّ


    ذهبتُ إلى المستشفى لرؤية عامر، صديقي الطّبيب.ـ
    وهُنالك عرضوا عليّ ميّتا وَجْهُهُ كوكبٌ صغير.ـ
    قالوا إنّها جُثّة خالي. كيف لي أنْ أعرف أنّهُم لا يكذبون؟ سأعودُ إلى زوجته!ـ
    إنّها عالمة معروفة. لقد اكتشفتْ طريقةً لجعل الأشجار تشهق تحت المطر!ـ
    سألتُها إن سبق لوجه زوجها أن كان في هيئة كوكب صغير. لكنّها لم تجبْ، فقد كانتْ تُدرِّبُ خيطا على الاقتراب تلقائيا من إبرة أوقفتْها على أنفِها، ذلك أنّها كانتْ تتهيّأ،أيضا، لإنشاء سيرك.ـ
    عدتُ إليها بعد سنة فقالتْ خالُك مدفون منذ أعوام طوال، وعلى خريطة مقبرة الرّحمة هاته، وضعتُ علامة حمراء على قبره.ـ
    لكن، إذا كان ميتا منذ أعوام، فلِمَ لم تُخبريني بذلك قبل الآن؟
    لقدْ كنتَ دائما إما في بار أو تتنقّل من طابور إلى طابور جديد لتقف أمام السّينما أو السّوبرماركت أو حانوت بائع الحلزون أو بائع الملابس القديمة... فلم أجد مناسبة لإخبارك بالأمر. ـ
    في الواقع، بدا لي كلامُها منطقيا.ـ
    وعلى أي حال، فحين يموتُ شخصٌ ما، أيكون ثمّة فرق حقيقي بين أن يُدفَن أو يصبح وجهه في هيئة كوكب صغير؟
    بقيتْ مسألة بسيطة، سأسأل عنها جاري النّحيف: كيفَ ستستطيع الملائكة، في الآخرة، أن تتعرّف على شخصٍ وجهُهُ في هيئة كوكب صغير لتأخذه إلى الجنّة.ـ
    مسألةُ الوجوه هاته مُحيّرة. فجاري النّحيف، وهو نحويّ، وفقيه، وعالم بخبايا كرة القدم...كان أيضا مُساعِدَ حفّار قبور. وذات ليلة، هاجمتْهُ خلالها مومياءُ زوجته التي يحتفظ بها أسفل السّرير، فماذا فعل؟
    نبشَ قبرا وأخرج منه وجْها. تفرّسَ فيه طويلا، فماذا رأى؟
    الوجْهَ الذي كانَ له هو أيّامَ مراهقتِـه.ـ
    وقتها، سارعَ إلى دفن المومياء، وآلى على نفسِه ألا يقترب، بعدُ، حيّا، من مقبرة...ـ
    يا لي من أهبل! لِمَ أُتْعِبُ نفسي بالتّفكير في مثل هذه الأمور، أنا الذي استيقظتُ يوما وقد تكاثف جسمي كلّه في كريّة أعصاب، فبقيتُ مجهولَ الهُويَّة (جزئيا فحسب، لأنّي كنتُ، رغم كلّ شيء، أعرف أنّ تلك الكريّة هي أنا).ـ
    وخرجَ أفراد الأسرة للبحث عنّي في البارات والطّوابيـر. وبعد أن يئسوا، وفيما هم يُفكّرون في إعلان الحِداد، كنتُ أستعيد، رويدا، حجمَ إنسان عصري. ورغم أني عدتُ إليهم في هيئة تقريبية (أي أنّها تُذكّر من بعيد بما كنتُ عليه في السّابق)، فقد قبِلُوني وسُرّوا...ـ
    حقّا،ليس التّعرّف على إنسان بالمُعضلة الكبيرة. ـ
    عليّ أن أطمئنّ. !ـ
    أمامي شجرة، عَلِقَتْ بجذعها أرتال من الحلازين، وخلفها طابور. سأنضمّ إلى المُصطفّين. هذا هو قراري.ـ



    * (من مجموعة: رجل يبتسم للعصافير)
     
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    قصيدتان


    ـ1-في هذا البيت

    في هذا البيت، في زمن قديم، تطايَرَ شَرَارٌ كثير
    من جَسَد جدّ، بعد أن ارتطمَ رأسُه
    بجدارٍ في مُخَيِّلته
    سكّانُ هذا البيت، من أجدادٍ
    أكثر قِدَما
    كانُوا شديدِي التّديّن
    واتّخذوا إِلَهًا البُركانَ المقدَّسَ الذي
    أصبح في مكانه الآن
    فُرْنٌ كبير
    أنا، خلال هذه الليلة، في هَذا البيْت نفسِه
    أستمرُّ في كتابةِ تاريخ السُّلالة
    فَيَدْلِفُ إلى غرفتي ناطقون باسْمِها من كلّ
    العُصور
    يتجمّعون في جانب من الغرفة، فتميلُ تحت ثِقلهمْ
    يركضون إلى الجانب الآخر، فيشعرون
    أنّه يَمِيدُ بهم
    وهكذا، أنا أُؤَرِّخ لهمْ
    وهم
    يُمَرْجِحُونَنِي



    ـ2 - بلدٌ دائري

    وَقْعُ حذائي على الرّصيف
    ينفذ إلى أذنَيَّ
    عبرَ نافذةِ غرفتي
    إنهُ الحذاء الهارب من الخدمة
    يتابع سَيْرَه في الشارع، ولا يجود حتّى بالتفاتة
    إلى مأواه القديم
    وقدماي تستغربان هذا العقوق
    فيما أغنيةٌ تصعد نحوي الأدراج
    قادمة من الشّارع نفسه، ذي القناديل
    الجريحة
    إنها للأعمى الذي لا يتكلّم قطّ
    إنّما يبيتُ في العراء، ويعزف ويغنّي
    وعيناه
    هما صَنْجاه
    وأنا الذي من دون حذاء
    محكوم عليّ بالبقاء في هذه
    الغرفة الضَّيِّقة
    لكنْ، متى ضجرتُ حقًّا
    أركضُ فيها فتتحوّل إلى بلد كبير
    فيه قتلى يصنعون البارود
    وكتبٌ كثيرة، وكنوز
    مخفيّة
    في رئات العصافير
    بلد كبير ودائري، تُزالُ فيه الأحزان
    بالمماحي
    وكثيراً ما يكون الله فيه
    هو النّسيم
     
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط


    نعم، تمّ الأمر كما فكَّرْتِ فيه
    فقد ذهبتُ إلى المصبنة
    وجلبتُ ثيابنا
    وفي طريق العودة، رأيتهم يغمسون رأس المهرّج
    في رغوة الضّحك التي كانوا
    قد ملؤوا منها جردلا كبيرا
    وها أنا هنا، أُهْدِيكِ - فيما أنتِ تهيّئين
    الغداء-
    البارثينونَ وقوسَ آخيل ومبرهنةَ أقليدس
    وجبلَ البرناس ومخطوطةً لإسخيلوس
    حتّى تكون لكِ آثارُ خُطى
    على ترابِ حدائقِ
    اليونان القديمة
    - أنا، حديقتي قَدَمِي وأظفارُها
    أزهارُها-
    وبعد هذا سأجعلكِ خلفي على
    درّاجتنا المُطهَّمة
    ونمضي نحو بيتنا القديم الذي سكنّاهُ زمنا، وكلّما
    سكِرْتُ تحت سقفه، وقتَها،
    كانتْ عظامي
    من تحت الجلد واللحم، تشعشع
    بومضٍ منتظم أصفر
    وأحمر
    وذاك كان يُضْحِكُنا كثيرًا إذْ يُذَكِّرُنا
    بلعبة البلياردو الكهربائيّ
    الآن، بعد أن ندخل مُجدّدًا إلى ذلك البيت
    قدْ يُباغَتُ حقًّا، كما
    تقولين، لكنْ كُونِي
    متيقّنة مِنْ أنّنا سنشعر فيه بنفس
    الإعجاب بِـهَـيْـنَـمَـة النّمال التي
    خلف أحد جدرانه
    كانتْ دائمًا تتشكّى
    من الأرق
    بل إنّه سيحتضن بحنوّ حتّى درّاجَتَنَا
    ويُعامِلُها ككائنةٍ حلَّتْ فيها رُوحُ
    إلهةٍ قديمة
    كائنةٍ جِسْمُها من معدن
    ولِمِقْوَدِهَا
    بَرِيقْ
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط


    في هذا الصَّباح شَبَبْتُ على رؤوس أصابعي
    وتطلّعت من فوق جدار
    إلى قبر سليمة
    إنّها تركيّة وكانت قد حلّت ببلدتنا منذ سنوات
    كانت تُرى حاملةً ميزانا صغيرًا
    أمام قاعة سينما وكانت تَعزف
    على السّاكسو أمام مدخل
    مغارة بالسّاحل
    في منتصفات ليالٍ مُقْمِرة
    وعلى العودِ في حانة "التمساح"
    المُطِلَّة على البحر والتي
    كثيرا ما أؤمّها في الأماسي
    أتطلّع، الآن، من نافذة فيها
    ثمّة البحر وطيورٌ
    ساكنةٌ على أسلاك الكهرباء
    كأنّما جمّدها الصّقيع
    الهواء القارس يحمل إلينا رائحة الثّلج
    وأنا متلفّع في معطفي وأرنو
    حواليّ بِعَيْنِي التي كثيرا ما أنقذتْ عصافير
    مُهَدَّدَةً في بِيدٍ
    وطَرَدَتْ من أحلامي القناديل حاملةَ الجرار
    والنّهر ذا المياه الحزينة
    أمّا عيني الأخرى فتتملّى
    الموجات الصّغيرة التي، حين
    دفعتُ بظاهر كفّي طَرَفَ الطّاولة،
    تكوّنَتْ على سطح البحر الأحمر
    الصّغير
    أسير ِكأسي التي تنتظر
    فيما تستغرقُ حواسّي ذبذباتُ هذا الصّمت
    سيّدِ هذا المكان
    حيثُ لا سليمة
    ولا موسيقى
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    دانييل بولانجي
    ت: مبارك وساط


    عندما كُنْتُ حكيمًا
    كنّا أنا والخادمة خلال الأيّام المرشوشة بمسحوق السُّكَّر
    نتركُ الحشد يتقاتل في السّاحة الكبرى
    على قطع حَلوى صغيرة
    يُلْقي بها إليه قُضاةٌ رومانِيّون

    كنتُ أركبُ التّرام مع الخادمة
    ونمضي حتّى المحطّة الأخيرة
    وكنّا نعود إلى البيت
    في نفسِ المَرْكبة الرّومانِيّة الصّفراء
    من مكان أبعد بكثير من النّجومِ
    التي ثَقَّبَتْها كلماتٌ مَجهولة
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط


    نعم، تمّ الأمر كما فكَّرْتِ فيه
    فقد ذهبتُ إلى المصبنة
    وجلبتُ ثيابنا
    وفي طريق العودة، رأيتهم يغمسون رأس المهرّج
    في رغوة الضّحك التي كانوا
    قد ملؤوا منها جردلا كبيرا
    وها أنا هنا، أُهْدِيكِ - فيما أنتِ تهيّئين
    الغداء-
    البارثينونَ وقوسَ آخيل ومبرهنةَ أقليدس
    وجبلَ البرناس ومخطوطةً لإسخيلوس
    حتّى تكون لكِ آثارُ خُطى
    على ترابِ حدائقِ
    اليونان القديمة
    - أنا، حديقتي قَدَمِي وأظفارُها
    أزهارُها-
    وبعد هذا سأجعلكِ خلفي على
    درّاجتنا المُطهَّمة
    ونمضي نحو بيتنا القديم الذي سكنّاهُ زمنا، وكلّما
    سكِرْتُ تحت سقفه، وقتَها،
    كانتْ عظامي
    من تحت الجلد واللحم، تشعشع
    بومضٍ منتظم أصفر
    وأحمر
    وذاك كان يُضْحِكُنا كثيرًا إذْ يُذَكِّرُنا
    بلعبة البلياردو الكهربائيّ
    الآن، بعد أن ندخل مُجدّدًا إلى ذلك البيت
    قدْ يُباغَتُ حقًّا، كما
    تقولين، لكنْ كُونِي
    متيقّنة مِنْ أنّنا سنشعر فيه بنفس
    الإعجاب بِـهَـيْـنَـمَـة النّمال التي
    خلف أحد جدرانه
    كانتْ دائمًا تتشكّى
    من الأرق
    بل إنّه سيحتضن بحنوّ حتّى درّاجَتَنَا
    ويُعامِلُها ككائنةٍ حلَّتْ فيها رُوحُ
    إلهةٍ قديمة
    كائنةٍ جِسْمُها من معدن
    ولِمِقْوَدِهَا
    بَرِيقْ
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    كونيات هزلية: إيتالو كالفينو - ترجمة وتقديم مبارك وساط

    "كُوسْميكُوميكسْ"، أوْ "كَوْنِيّات هَزْلِيّة":
    مسائل كوسْمُولوجية، في سَرْدٍ مَرِح
    تقديم، تليه قصّة "المسافة إلى القمر" (مقتطفات)


    التّقديم والتّرجمة: مبارك وسّاط


    1- تقديم

    مِمّا كان قد قاله رولان بارت عن إيتالو كالفينو، نقرأ: «إنّ له كتابةً خاصّةً به كُلِّيَّةً، مثل كُلِّ كاتب كبير، ويُمكنُ التّعَرُّفُ عليها...». يبدو هذا جَلِيًّا في القصص الاثنتي عشرة التي يَضُمّها "كوسْميكوميكس" (وهذا العنوان، وهو مُعتمد في التّرجمتين الإنجليزيّة والفرنسيّة للكتاب، مَنْحُوتٌ مِنْ: "كُوسْمي"، وتُحيل، في اللغتين المذكورتين، على الدّلالات التّالية: كون، كوني، كوسموس، كوسمولوجيا؛ ومِنْ "كوميك"، وهي كلمة تستثير في الذّهن، في الإنجليزية والفرنسية دائما، معاني الفُكاهة والهزل واستثارة الضّحك... من هنا، يمكنُنا أنْ نترجم العنوان المذكور بالصّيغة التّالية، مثلا: "كونِيّات هزلِيّة").

    لا شكّ أنّ لِ"كُوسْميكوميكس" تَمَيُّزَها الأكيد بين المجموعات القصصيّة التي نعرف، سواء فيما يخصّ بنية قصصها، أو تيماتها، أو مناخاتها، أو... طرافتها! فليسَ وارِدًا أنْ تَقْرأ هذه المجموعة دون أنْ تضحك أحيانًا، وبتلقائيّة، ودون أن تشعر بإعجابٍ كبير بذكاء كالفينو وألمعيّته في مجال السّرد ومقدراته التّخييليّة الكبيرة.

    في مُستهَلّ كُلٍّ من قصص المجموعة، نجدُ فقرةً معزولة في أعلى النّصّ، مكتوبةً بحروف مائلة، وهي ذاتُ طابعٍ نظريٍّ ومرجعيّة علميّة، ويفْصِلُها بياضٌ عن النّصّ القَصَصيّ البحت، أي النّصّ الذي تظْهَرُ في ثناياه الشّخصِيّات وتجري الوقائع، فكأنّما هنالك صوتٌ من خارجِ القِصّة الفِعْلِيّة يَقومُ بإلقاء تلك الفقرة التّمهيديّة. والذي يتولّى عملِيّةَ السّرد في ما أسْميناه النّصّ القصصيّ البحت، هو ذلك الشّخص المُثير، الذي وُجِد منذُ بدايات تشكُّلِ الكون وعاصَرَ ذلك التّشَكّل، ألا وهو الشّيخ «المُسِنّ» – وكيف لا يكون كذلك؟ – ذو الاسْم الذي لا يُمْكِنُ التّلفّظ به: (Qfwfq)، والذي يبدو أنّ أقرب طريقة لكتابته بالعربيّة هي التّالية: "ك ف و ك ف"! يبدأ الشّيخُ في الكلام بتأكيدِ أَنَّ ما وَرَدَ في فقرةِ الاستهلال، ذاتِ الطّابَعِ العِلْمي، صحيحٌ، بناءً على تجربة شخصيّة عاشَها في ماضٍ سحيق، وبعدها يُباشِرُ سَرْدَ ذكرياته عن التّجربة المذكورة. بهذه الصّورة، يُصْبِحُ النّصّ الذي أمامنا، مجالا تلتقي فيه الكوسمولوجيا – باعتبار أنّ ذكريات صاحبنا هي عن بدايات تشكّل الكون والتّحوّلات الكُبْرى التي طَرَأَتْ عليه...- والسّرد القصصيّ المنفتح على الغرائبيّة وعلى الخُرافة...

    مِنْ أَجْلِ أنْ نُوَضِّحَ نَهْجَ كالفينو في هذه القصص، نُقَدِّمُ هذين المَثَلَيْن: - في القصّة الأولى من المجموعة، وعنوانُها "المسافة إلى القمر" (فيما سيلي هذا التّقديم، نُقَدِّمُ ترجمةً لمقتطفات ضافيةٍ منها)، يتمّ الابتداء بفقرة قصيرة، حيثُ تُعْرَض فكرة عِلْمِيّة مفادُها أنّ القمر، في ماضٍ سحيق، كان قريبًا من الأرض. يلي تلك الفقرة القصيرة بياضٌ، وبعده، نجِدُ الشّيخ المُسِنّ يُعَلّقُ على مُحتوى الفقرة المذكورة، بقوله: « أعرفُ هذا جيّدًا! لا تستطيعون، أنتم، أنْ تتذكّروا ذلك، أمّا أنا فأستطيع. لقدْ كان فوق ظهورنا باستمرار، أعني القمر...»، وهكذا يبدأ في سرْد قِصّةٍ طويلة، تتبدّى لنا في ثناياها شخصِيّاتٌ ذاتُ أسماء تستعْصي على النُّطق، وتروي لنا عن وقائعَ وعلاقات، وعنْ حُبٍّ يائس وعواطفَ مشبوبة... – في قِصّةٍ أُخرى، بعنوان: "العمّ المائيّ"، تُطْلِعُنا الفقرة العِلْميّة التّمهيديّة على أنّ الفقريّات الأولى التي تَرَكت العيشَ في المياه خلال العَصْر الفَحْمِيّ من أجل أنْ تَحْيا على الأرض، كانتْ سليلةَ أسماكٍ ذاتِ عظامٍ، وكانَ لِكُلٍّ من تلك الفقريّات رئتان و«زعانف يُمْكِنُها أنْ تطْويَها تحت البَدَن وأنْ ُتُصبِحَ قوائمَ لها على الأرض»... إثْرَ هذا، يتدخّلُ صاحِبُنا "ك ف و ف ك"، فيقول: «وَقْتَها، كان قدْ أَصْبَحَ واضِحًا أنّ أزمنةَ العيش في المياه قد انتهتْ، وكان عددُ الذين يُقَرّرون أنْ يَقوموا بالخطوة الكبيرة يتزايدُ يومًا بعد يوم، ولمْ تكنْ هنالك من عائلة إلّا وكان واحدٌ من أفرادِها العزيزين عليها قد انتقل إلى البرّ...». ويروي لنا كيف أنّه وعائلتَه كانوا قد صعدوا إلى البرّ، فلمْ يرفض التّخلّي، مِنْ بينِهِمْ، عن العيش في المياه سوى عمِّهِ "نبَا نْغَا"!.. ولَكَمْ سيجِدُ "ك ف و ف ك" نفْسَهُ في مواقف مُحْرِجة لكونِ عمِّه ذاك عبارة عن... سمكة!..

    وُلِدَ الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو في سانتياغو دي لاس فيغاس، وهي إحدى ضواحي هافانا (عاصمة كوبا)، سنة 1923، وتُوُفِّيَ في مدينة سيِينَا، بإيطاليا، سنة 1985. عاد والداه إلى إيطاليا وهو طِفل. شارك في المقاومة الإيطالية خلال الحرب العالميّة الثّانِية، واستلهم من تجربته تلك كتاباته الأولى ("الطّريق إلى بيوت العناكب"، "الغُرابُ هو آخِرُ مَنْ يَأْتي"...)، لكنّه سيشتهر على نطاق واسع باعتباره كاتبًا كبيرًا، بعد أنْ تَظهرَ له ثُلاثِيّة "أسلافُنا"، التي تتشكّل من الرّوايات التّالية، المُستقلّة عن بعضها، والتي يجمعُ بينها الطّابع العَجائبيّ وكونُ كلٍّ منها ذات خلفيّة تاريخيّة، وهي: "الفِسْكونت المشطور"، "البارون المُعلَّق"، "الفارس اللاموجود". من أعمال كالفينو الأخرى: "كوسْميكوميكس" (أو: "كونيّات هزلِيّة")، "الزّمن الصِّفْر" (وهي مجموعة قصص، بعضُها نلتقي فيه مُجَدَّدًا ببطل قصص "كوسميكوميكس")، "المدن اللامرئيّة"، "لو أنّ مُسافِرًا في ليلة شتاء"... ولإيتالو كالفينو عددٌ من الكتابات النّظريّة في الأدب.

    فيما يلي، مقتطفات من القصّة الأولى في مجموعة "كوسميكوميكس" (مترجمةً عن الفرنسيّة)، ونُشيرُ إلى أَنّه، من أجل استيعاب بعض التّلميحات التي تتضمّنُها القِصّة، في الفقرات الأخيرة تَحْديدًا، يَجْدُرُ أنْ نأْخُذَ بعين الاعتبار أنّ الكلمة التي تعني "القمر"، في لغة النّصّ الأصليّ (الإيطاليّة)، هي مؤنّثة.



    2 - المسافة إلى القمر

    (مقتطفات)


    في سالف الزّمان، حسب السِّيرْ جورج ه. داروين، كان القمرُ قريبا جِدًّا من الأرض. وحركةُ المدّ والجَزْر، الدّؤوب، هي التي أبعدتْه عنها تدريجيًّا: تلك الحركة التي يبعثُها القمرُ نَفْسُهُ في المياه الأرضيّة، والتي تَفقدُ الأرضُ من خلالها، شيئًا فشيئًا، طاقتَها.


    أعرفُ هذا جيّدًا! – هتفَ "ك ف و ف ك"، الشّيخُ المُسِنّ– لا تستطيعون، أنتم، أنْ تتذكّروا ذلك، أمّا أنا فأستطيع. لقدْ كان فوق ظهورنا باستمرار، أعني القمر، كان هائلَ الحَجْم في فترة اكتماله – خلال تلك الفترة، تكون الليالي في مثل ضوء النّهار، سوى أنّ ضوءها يكون بِلَوْنِ السَّمْن- يَبْدو للرّائي كأنّه على وشك أنْ يتحطّم؛ وأثناء اتّخاذِهِ شَكْلَ هلال، كان يتدحرجُ عبرَ السّماء مثلما مظلّة سوداء تدفعُ بها الرّيحُ أمامها؛ وخلال تنامي حَجْمِه، كان يتقدّم وقَرْنُه واطئٌ حدَّ أنّ ذلك القرن كان يبدو على وشك أنْ يَنفُذَ في نُتُوءٍ صَخْرِيٍّ بجبل ساحليّ، وأنْ يبقى ملتصقًا به (...).

    مَدارُه؟ إهليلجيّ، طبعًا، كان المدارُ إهليلجِيًّا: ينبسِطُ قليلا فوقنا، ثمّ يستمرّ متباعِدًا. وَحين يُصْبِحُ القمر واطئًا جِدًّا، كانَ المدّ العاتي يجعل الأمواج ترتفعُ بشكل هائل إلى حدِّ أنّه لم يكنْ هنالك مَنْ يستطيعُ إيقافَها. وقد كانتْ هنالك ليالٍ يكون فيها القمرُ بَدْرًا، ونازِلا كثيرًا، ويكون فيها مدّ، والموجُ خلالها يرتفع إلى عُلُوٍّ قَصِيّ، حدَّ أنَّ القمر كان كأنّهُ على وشك أن يَنْغَمِسَ في مياه البحر، أو فَلْنَقُلْ إنّ بِضْعَةَ أمْتار فَحَسْب هي التي كانَتْ تَفصِلُهُ عن البحر. ألمْ نُحاوِلْ قَطُّ أنْ نَصْعَدَ إلى ظَهْرِه؟ كيف لا! كان يكفي المُضِيُّ، في قارِب، حتّى نَصيرَ تحته، وبعدها نُسْنِدُ إليهِ سُلَّمًا ونَصْعد.

    كان القمرُ يُصْبِحُ دانيًا أكثرَ في مَوْضِعٍ بِعُرْضِ البَحْر، جِهَةَ المكان المُسَمّى "صُخور الزِّنّكِ النّاتِئة". وكنّا نَلْتحق بذلك الموضع على متن قواربَ صغيرة، مستعملين مجاذيف ذلك الزّمن، التي كانتْ دائريّة ومُسَطّحة ومن فِلّين. كانَ في القوارب مكانٌ لجماعتنا: القبطان "ف ه د ف ه د"، زوجتُه، ابن عمّي الأصمّ، وأنا نفسي، وأحيانا تَنضاف إلينا الصّغيرة "س ل ت ه ل س"، التي كانت في نحوِ الثّانية عشرة وقتذاك. خلال ليالي الاقتراب الشّديد للقمر، كانَ الهدوء يَرِينُ على المياه، التي كانتْ تَصيرُ فِضّيَة المظهر كما الزِّئبق، وبداخلها كانت الأسماكُ تبدو بنفسجيّةً، ولأنّ تلك الأسماك لم تكن تستطيعُ أنْ تُغالب جاذبيّة القمر، فقد كانتْ تَصِلُ كُلُّها إلى السَّطْح، ومعها أخطبوطات ومَدُوسات في لون الزّعفران. وكانتْ هنالك دائمًا غيمة من الدّوَيْبّات الدقيقة – سلطعونات صغيرة، حبّارات، وأيضًا طحالبُ خفيفة شفيفة وشُعَبُ مرجانٍ صغيرة – تنفصِل عن البحر وقد تنتهي على القمر، مشدودةً إلى سطحِهِ الجِبْسيّ، أو تبقى في منتصف الطّريق، في الهواء مثلما جماعة من النّحل مُشَعْشِعَة، ولإزاحتها كنّا نَهُشُّ عليها بأوراق أشجار الموز.

    كان عملُنا يتمثّل فيما يلي: أنْ ننقلَ سلّما في قارِب؛ ثُمّ يُمْسِك واحِدٌ منّا السّلّم، ويرتقيه ثَانٍ، فيما يتولّى ثالثٌ، يكون هو المكلّف بالتّجذيف، مهمّةَ إيصالنا إلى تحتِ القمر. كان ينبغي أنْ نكون عديدين (فأنا لم أذكر إلّا ذوي الأدوار الأساسيّة). وكان الذي في أعلى السُّلّم يصيحُ، مرعوبًا:

    - توقّفوا! توقَّفُوا! سَيُدَقُّ رَأْسي!

    فذاك كان هو الإحساس الذي ينتابه وهو يرى القمر فوقه، بحجمه الهائل (...). وفي الواقع، كان يَسَعُ المرءَ وهو في أعلى السُّلَّم أنْ يلمسَ القمر، فحسب، إذا مدّ يديه وثبّت قدميه على خشبة السُّلّم العليا واستقام في وقْفته. كنّا نُدَقِّقُ القِياسات ( لمْ يكن قد تبادر بَعْدُ إلى أذْهاننا أنّ القمر سيشرُعُ في الابتعاد)؛ والشّيءُ الوحيد الذي كان علينا أنْ نُولِيَه أشدّ الاهتمام، هو المكان الذي نضعُ فيها أيدينا. أنا كنتُ أختارُ حرشفةً بادية الصّلابة، فسَطْحُ القمر كانَ مُغَطًّى وقتها بالحراشف (وقد كان علينا أن نصعد كلُّنا، لكنْ بالتّناوب، في مجموعات تضمّ خمسة أفراد أو ستّة، وكنتُ أتشبّثُ بالحرشفة بإحدى يديّ، ثمّ بالأُخْرَى، وعلى الفور كنتُ أشعر بأنّ السّلّم والقارب ينزاحان مِنْ تحتِ قدميّ، وأنّ القمرَ كان ينتزعني من الجاذبيّة الأرضيّة). نعمْ، لقد كانَ للقمرِ قوّةٌ ترفعُ المَرْء، وذاك ما كان يُدْركه الواحِدُ منّا جيّدا في لحظة الصُّعود إليه: كان ينبغي أن يتمّ الارتقاء بسرعة شديدة، عن طريقِ القيام بِحركة تَشَقْلُبٍ بهلوانيّة، ولينجَحَ المَسْعى، كان يجِبُ التّمسّكُ جيّدًا بإحدى الحراشف، والانقذاف في الهواء والسّاقان إلى أعلى، وهكذا تجد نفسك واقفًا على سَطْحِ القمر، والذي ينظرُ إليك من الأرض، يراك كمشنوقٍ رأْسُه إلى تحت، لكنّك أنْتَ، في الواقع، تجدُ نفسك في وضعك المألوف تمامًا، والشّيء الوحيد الغريب هو أنّك حين ترفعُ عينيك، ترى سطحَ البحر المُتلألئ فوقك، وبِهِ القارب والرّفاق برؤوسِهم التي إلى أسفل، وهُمْ يَتمايلون كما عنقود يتدلّى من شجرة عِنَب.

    أمّا الذي كانتْ له براعة خاصّة في عمليّة الصُّعود هاته، فهو ابنُ عمّي، وقدْ كان أصَمّ. فَفَوْرَ مُلامَسَةِ يديه الضّخمتين سطحَ القمر (وهو كان دائمًا أوّل مَنْ يَرْتقي السّلّم ثمّ يقفز إلى ذلك السّطح)، كانتا تكتسبان مُرونة وتُصْبِحانِ خليقتين بِأَنْ يُوثَقَ بمقدرتهما إلى أبعد حدّ. لقد كانتا تعثُران فورًا على المَوضِعين اللذين يكفلان لهما الإمساك جَيِّدًا من أجل أنْ يتمكّنَ صاحبُهُما من الارتفاع بجسده. بل يُمكن القول إنّ ابنَ عمّي كان، بِالضَّغْطِ بِراحتيه فحسب، يلتصقُ بِقِشرة القمر. وذات مرّة، شعرتُ حقًّا أنّه حين مَدّ يديه، اقتربَ القمرُ لملاقاته!

    وبالبراعة نفسِها كان يَنزِل عائدًا إلى سطح الأرض، وهذه عمليّة أكثرُ صعوبة. ففيما يَخُصُّنا نحن، كانت العودة تتطلّبُ من الواحد منّا أن يقفز في الهواء، بَلْ وَأَنْ يندفع حين يقفز بأقْوى ما يستطيع، مادًّا يديه إلى الأعلى (هذا، بالنّسبة لمن يراهُ من القمر، لكنّه يبدو لِمن يتطلّعُ إليه من الأرض كأنّه ينقذف صوبَ مياه عميقة أوْ يَعومُ فيها، ويداه مُتَدَلِّيتان إلى أسفل)، أي أنّنا، إجمالا، كنّا نقوم بنفس القفزة التي نَقَلَتْنَا في البَدْءِ إلى القمر، ما عَدَا أنّ السّلّم كان ناقِصًا في قفزة العودة، إذْ لمْ يكن هنالك ما نُسنِدُه إليه على سطح القمر. أمّا ابنُ عَمّي فإنّه، عِوَضَ أنْ ينقذف ويداه مرفوعتان إلى الأعلى، كانَ ينحني على سطح القمر ورأْسُهُ إلى أسفل كما لو أنّه يريد أن يتشقلب، وَإِثْرَ ذلك كان يَقِفُ على كفّيه ويشرُعُ في القفز. ونحن، مِن القارب، كنّا نراهُ مستقيمًا في الهواء، كما لو أنّهُ كان يُسْنِد الجِرْمَ الهائل الضّخامة ويَرُجّهُ بضرباتِ راحتيه، حتّى إذا أصبحتْ ساقاهُ في متناول أيدينا، أمسكناهُ من عرقوبيه وأنزلناه إلى القارِب.

    الآن، ستسألونني عَمّا كان يدفعنا إلى اقتراف فَعْلَة الصّعود إلى القمر، وفورًا سأُبَيِّنُ لكم الدّافع. كنّا نصعدُ إليه لِجَلْبِ الحليب، مُزَوّدين بملاعق كبيرة وسُطُول. كان حَليُب القمر ثخينًا جِدًّا، مثلما صِنْف من الجُبْن الأبيض. وكان يتكوّن في فجواتٍ تحت حراشفِ السَّطح عن طريق اختمار العديد من الأجسام والموادّ المجتذَبَة ممّا يكون القمر قد عَبَر فوقه من سهولِ وغاباتِ الأرض وبُحيراتِ شواطئها (...) ولم تكن الصّعوبة تكمن في استخراج الحليب، بل كانتْ في كيفيّةِ إيصاله إلى الأرض. وهذه كانتْ طريقتنا: كان الواحدُ منّا يقذف إلى الهواء بِحِمْلِ مِلْعَقة، عن طريق اعتماد هذه الأخيرة كمنجنيق صغير. وكان الجُبْن الأبيض ينقذفُ في الهواء، وإذا كانت الرّمْيَةُ قَوِيّةً بما فيه الكفاية، فإنّ القطعة البيضاء كانتْ تمضي لتتشتّت على السّطح العُلْويّ، أي على سطح البَحْر، حيثُ كانتْ قِطَعُها تَطْفُو وتتهَزْهَزُ، وَوَقْتَها يَكونُ يسيرًا على مَنْ في القارب أنْ يُقَرِّبوها مِنْهُمْ ويَنْتَشِلُوها. فيما يخصّ الرّمي بالملعقة، كان ابنُ عمّي الأصمّ يُبْدي تَوفُّزًا خاصًّا: فلديه، كانتْ حَرَكةُ الرُّسْغ مُحكمةً، مثلما نَظْرةُ العين؛ وبِشكل مباشر، كان يُصيبُ الهدف إذْ يقوم بالرّمي صوب فُوهة سطلٍ كنّا نَمُدُّه في اتّجاهه من القارب. وعلى عكْسِه هو، فإنّي، أحيانًا، لَمْ أَكُنْ أُحْرِزُ شيئًا من ذلك النّجاح، إذْ لَمْ يَكُنْ يُقَيَّضُ، دائِمًا، لِحِمْلِ الملعقة من الحليب الذي أقذفُ به أنْ يتغلّب على جاذبيّة القمر، وهكذا، فقد كان يحدثُ أنْ يَعُود ويسقُط على إحدى عينَيّ.

    لمْ أَقُلْ لكم بعدُ كلَّ شيء عن العمليّات التي كان ابنُ عمّي ذا مقدرةٍ كبيرةٍ عليها. فعمليّة استخراج حليبِ القمر مِمّا تحت الحراشف، كانتْ بالنّسبة إليه ضَرْبًا مِنْ لَعِب الأطفال، وعوضَ استعمالِ الملعقة، كان أحيانًا يحْشُر تحت الحرشفة يده العارية، أوْ واحِدَةً من أصابعها فحسب. ولم يكنْ يبحثُ عن الحليب تحت أيّما حرشفة، بل تحت واحدة هنا، وأخرى بعيدة عنها بعض الشّيء، مُنتقلًا مِنْ نقطةِ بحثٍ إلى أخرى عن طريق القفز، كما لوْ أَنَّهُ كان يُرِيدُ أنْ يتحايل على القمر، أنْ يُفاجِئَهُ أو أَنْ يُدَغْدِغه حتّى. وحيثُما كان يضعُ يَدَه، كان الحليب ينبجسُ كأنّما من ضِرْعِ مِعْزاة. فلم يكنْ يبقى لنا نحن سوى أنْ نسير خلفه وأن نجمع بملاعقنا المادّة التي تتقطّر، هنا وهناك، مِمّا كانَ هُو يستخرجه (...). وفي نهاية المطاف، كنّا نفقدُ أثره ولا نعود نراه. فعلى سطح القمر كانتْ تمتدُّ مناطقُ لم يحدُثْ أن وَضَعْنا فيها أقدامنا، إذْ لمْ يكنْ هنالك مِنْ داعٍ لنُحاوِلَ ذلك، ولا حتّى داعي الفُضُول، وعبْرَ تلك المناطق، كان ابْنُ عَمّي يختفي. فيما يخصّني، فقد انتهيتُ إلى التّفكير بأنّ كلّ تشقلباتِ ابن عمّي وقَرصاتِ أصابعه على تراب القمر - وقد كان يطلق لنفسه العنان في القيام بها مِرارًا على مرأًى منّا - لم تكنْ سوى تهييء أو تمهيد لأمرٍ سرّيّ سيجري ولا شَكّ في المناطق المجهولة مِنْ قِبَلِنا.

    خلال تلك الليالي التي كنّا نقضيها في عُرْضِ البحر بِجهةِ "صخور الزّنك النّاتِئة"، كانتْ حالتُنا الذّهنيّة يَسِمُها المَرَح، وفي نفْسِ الآن مُزَعْزَعةً بعض الشّيء، فكما لو أنّ كُلًّا منّا كان يشْعُرُ أنّ في جمجمته، عِوَضَ المُخّ، سمكةً تطفو ويجتذبها القمر. وهكذا كان القارب يتحرّكُ بنا ونحن نُغَنّي ونعزفُ الموسيقى. كانتْ زوجةُ القُبْطان تَعْزِفُ على القيثار. وقد كان لها ذراعان طويلان جِدًّا يبدوانِ خلال تلك الليالي مُفَضَّضين كحَنْكليسين، وكان إبطاها قاتمين يَرِينُ عليهما بعض الغموض كأنّهما من قنافذ البحر؛ وقدْ كانَتْ أصْواتُ القيثار رقيقةً جِدًّا وحادّةً حدَّ أنّها كانتْ بالكاد مُحتملة، فقد كانتْ تستثيرُ مِنّا صرخاتٍ قويّة، لم تكن ناجمةً عنْ تفاعُلٍ مع الموسيقى، بقدرِ ما كانتْ لِحمايةِ آذاننا منها.

    (...) وكان كلُّ جِسْمٍ ينزل من القمر إلى الأرض يبقى لِبعضِ الوقت مشحونًا كُلِّيَّةً بالقوّة القَمَرِيّة، وَمُقاوِمًا لِجاذبيّة عالَمنا. وأنا نفسي، رغْمَ بدانتي وطولِ قامتي في تلك الأيّام، كنتُ، كلّما عُدْتُ من فوق، أقضي وقتًا قبل أنْ أتعوّد من جديد على وجودي على الأرض بموقعها تحت القمر، وقد كان على رفاقي أنْ يُمسكوني من يَدَيّ ويستبْقُونِي بالقُوّة، وهم مُتَراصّون من حولي في القارب الذي كان يتهزهز، فيما كُنْتُ أنا أستمرّ في مَدّ يَدَيّ نحو السّماء.

    - تشبّثْ، تَشَبَّثْ بنا جَيِّدًا: كانوا يصيحون بي.

    وأنا، إذْ كُنْتُ أُحرِّكُ يَدَيّ بشكلٍ عشْوائيّ، كان يَحْدُثُ أحيانًا أنْ أُمْسِك بواحِدٍ مِنْ ثَدْيَي السّيّدة "ف ه د ف ه د"، وقد كان ثَدْياها مُدَوّرين لدْنَيْن، وضَمّةُ الكفّ على الواحد منهما مَكينَة، كما كانت لصاحبتهما جاذبيّة مُساوية لجاذبيّة القمر أو أكبر منها، وهذا ما كُنْتُ أسْتشْعِرُه بِجلاء تامّ لَمَّا أُفلِح وأنا أنزل، ورأسي إلى أسفل، في أن أُحيطَ خَصْرها بيدِي التي لا تَنْضَمّ كَفُّها على الثّدي، وبتلك الصُّورة كانَ يَتِمّ حُلُولي مُجَدَّدًا بِعالَمِنا هذا، وكان القُبْطان "ف ه د ف ه د"، مِنْ أَجْلِ أنْ يُعيدَنِي إلى وعْيي، يَدْلق عليّ سطلَ مَاء.

    هكذا سقطْتُ في غرام زوجة القُبْطان، وابتدأتْ عذاباتي. ذلك أنّي سرعانَ ما تبنّيتُ مَن الذي كانتْ تَتوجَّهُ إليه هي بِنَظراتها الطّويلة؛ فحين كانتْ كفَّا ابنِ عَمّي تُثْبَثَان بثقة على سَطْحِ القمر، كنتُ أنْظُرُ إليها، فأقرأ في نظرتها الأفكار التي كان يبعثُها لديها ذلك التّواطؤ بين الأصمّ والقمر، وحين كان الأصمّ يختفي في تَرَحُّلِه الغامض على القمر، كنتُ أراها تقلق، وتُصْبِح كأنّها على جَمْر الغضَى، إذا شئنا أنْ نستعمل هذا التّعبير، وهكذا اتّضح الأمرُ بالنّسبة إليّ، وفهمتُ أنّ الغيرة كانت تتنامى، لدى "ف ه د ف ه د" من القَمَر، ولديّ أنا من ابْنِ عَمّي (...)

    في كلّ شهر، وبمجَرَّدِ ما يكون القمر قد شَرَعَ في الابتعاد، كان الأصمّ يعود إلى انعزاله المُحتقِر لأشياء هذا العالَم؛ ودُنُوُّ وقتِ اكتمال القمر وحدَهُ كان يَبُثُّ فيه الحيويّة. في تلك المرّة، تدبَّرْتُ أَمْري حتّى لا أُكَلَّفَ بالصّعود إلى الجِرْم الذي فوقنا، مِنْ أَجْلِ أَنْ أبقى في القارب، قُرْبَ زوجة القُبْطان. لكنْ، ما إنْ ارتقى ابنُ عمّي السُّلَّم ووصل إلى القمر، حتّى قالتْ السّيّدة "ف ه د ف ه د":

    - اليوم، أريد أنْ أَمْضي أنا أيضًا إلى الأعلى!

    لم يكن قدْ حدَثَ من قبل أنْ صعَدَتْ زوجةُ القُبْطان إلى القمر. لكنّ "ف ه د ف ه د" لمْ يَعْتَرِضْ على طلبِها، بل إنّهُ حَمَلَها بيديه ووضعها على السّلّم وقال لها بصوتٍ جهير: « هيّا، اِمْضي!» (...) لَمْ يكنْ القُبْطانُ يتطلّعُ سوى إلى التّخلُّص من زوجته، هذا صحيح تمامًا، فما إنْ صعدتْ إلى هناك حتّى رأيناه يتّبِعُ أهواءَ نَفْسِه وينغمس في الرّذائل، ووقتَهَا فَهِمْنا لماذا لم يَفْعَلْ شيئًا لاستبقاء زوجته. لكنْ، هل كان على سابقِ عِلْمٍ، منذ ذلك الوقت المُبَكّر، بأنّ مَدار القمر كان في اتّساعٍ مُطَّرِد؟

    لَمْ يَكُنْ وارِدًا أنْ يَعْتقد واحِدٌ مِن بيننا في شيء مثل ذاك. والذي كان يُمكن أنْ يكون على علم بمثل ذلك الأمر هو الأصمّ، والأصمّ وحده: فبطريقةِ الأشباح التي كان يعرفُ بها الأشياء، سيكون ولا شكّ قد استشعرَ أنّ تلك الليلة هي التي كان ينبغي له خِلالها أنْ يُوَدِّعَ القَمَر. ولذا فإنَّهُ كانَ قَدْ تخفّى، وهو في الأعْلى، في أماكن مجهولة مِنْ قِبَلِنا، وَلَمْ يُعاود الظّهور إلّا لِيعودَ إلى المركب. وكانتْ زوجةُ القبطان قد جَهَدَتْ في البحث عنه على القمر، فرأيناها تجوسُ مرّاتٍ عِدّة بين الحراشف، في هذا الاتّجاه ثمّ في ذاك، قبل أنْ تَتوقّفَ وتنظرَ إلينا، نحنُ الذين بقينا في المركب، تمامًا كما لو أنّها على وشك أن تسألنا إنْ لمْ نكنْ قد رأيناه.

    حقًّا، وقع شيء خارجٌ عن المألوف في تلك الليلة. فسطحُ البحر، رغْم أنّه كان منتظمَ الانبساط كما هو الحال حين يكون القمرُ بَدْرًا (...)، كان قد أَصْبَحَ بادِيَ الارْتِخاء، رَخْوًا، كما لوْ أنّ مغناطيس القمر كفَّ عنْ ممارسة مفعولِه عليه. ثُمَّ إنّ الضَّوءَ صار يبدو كالمُخْتلفِ عمّا كان عليه في أوقات اكتمال القمر في الماضي. والرّفاقُ الذين كانوا هنالك في الأعلى، لا بُدّ أنّهُم، بِدورهم، أدركوا أنّ شيئًا ما كان يحدث، فقدْ وجّهوا صَوْبَنَا عيونًا مُرْعَبَة. وفي نفسِ اللحظة، ارتفَعَتْ عقائرُهُمْ وعقائرُنا بِنَفسِ الكلمات:

    - إنّ القمر يَرْحل!

    (...)

    - تجمّعوا! أيّها البُلَهاء! تَجمّعوا! زَعَق القُبطان.

    إِثْرَ تَوَجُّهِه بِهذا الأمر إليهم، حاول البحّارة التّجمّع وتشكيلَ كُتلة واحدة، ليرتموا مجتمعين حتّى يستطيعوا الوصول إلى منطقة الجاذبيّة الأرضِيّة: هكذا هوتْ، فجأةً، إلى البحر أجسادٌ توالتْ بِسُرْعة، وسُمِعَ دَوِيُّ ارتطامها بالمياه.

    لحظتَها، حَرَّكتِ المجاذيفُ القواربَ صَوْبَ تلك الأجساد وانتشلتْها من البَحْر.

    - انتظروا! ليست السّيّدة معهم! قُلْتُ أنا بصوتٍ جهوريّ.

    (...)

    وقد أظهَرَت السّيّدة "ف ه د ف ه د" كيفَ أنّ حُبَّها للأصَمّ لمْ يَكُنْ نَزْوَةً عابرةً، بِقَدْرِ ما كان تَعَلُّقًا نَذَرَتْ لهُ نفْسَها بلا رِجْعَة. فَإِنْ كانَ ابْنُ عَمّي قد أصبح يُحِبُّ القمر الذي أضْحى بعيدًا، فهي بِدورِها ستبقى بعيدةً، هنالك على سطح القمر. (...)

    استطابَتْ نفسي العودة إلى الدّيار؛ وبقيتْ لي ذِكْرى وحيدة أليمة، ذِكْرى تلك التي فَقَدْت، فعيناي كانتا تتسمّران، بحْثًا عنها، على القمر الذي أصبح الوصول إليه مُسْتحيلا. ورأيْتُها. كانتْ هنالك (...)، مُمَدَّدَةً على شاطئٍ يُوجَد بالضّبْط فوقَ رؤوسِنا، ولم تكنْ تتفوّه بكلمة. كانتْ في لَوْنِ القمر؛ وكانت تُمسِكُ القيثار، مُسْنِدَةً إيّاه على خصْرِها، وتُحَرِّكُ إحْدى يديْها لتعزفَ نُوطاتٍ مؤتلفة، بطيئة وقليلة. كان صَدْرُها واضِحَ المعالم، وكذلك ذراعاها وكَشْحاها، وعلى هذه الصّورة ما أزالُ أتَذَكّرُها حتّى اليوم، بعد أنْ تحوّلَ القمرُ إلى هذه الدّائرة الصّغيرة، المُسَطّحة والنّائية؛ وأنا ما زِلْتُ أبْحثُ عنها بعينيّ، عنها هي، منذُ أنْ يَظهرَ في السّماء الهلالُ الأوّل، وبقدْرِ ما يكبُر، أتخيّلُ أنا بشكلٍ أقوى أنّي أراها، هي، أوْ بَعْضًا منها، لكنْ لا شيءَ غيرَها، إنّما هي، في مئات المظاهر المُخْتلفة، هي التي تجعلُ القمرَ قَمَرًا والتي، كلّما أَصْبَحَ هذا الأخيرُ بَدْرًا، تدفعُ الكلابَ إلى أنْ تعويَ طول الليل، وتجعلُني أُشارِكُها العواء.


    .
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    كتابي الأول
    على درج المياه العميقة


    أَوَّلُ كتاب صدرَ لي هو مجموعة شعريّة بعنوان: «على دَرَجِ المِياه العميقة» (دار توبقال للنَّشر، الدّار البيضاء، 1990). وقد كان مفترضاً أن يبعثَ صُدُورُ كتابي الأوّل ذاك سرورًا كبيراً في نفسي، لكنّ شيئًا من ذلك لم يتمّ، فرغم إطراء الأصدقاء وبعض النّقّاد للمجموعة، كانَ قدْ وَقَرَ في نفسي إحْساسٌ بما يُشْبِه التّقصير (اللاإراديّ) في مرحلة تهييئ المادّة التي كانت سَتُشَكّل مجموعتي البِكر تلك...

    فالذي حدث هو أنّي لم أتوصَّلْ إلى الكشف عن «مخابئ» عددٍ لا بأس به من قصائدي - منها ما كان منشورًا وقتَها في صُحف ومجلّات، ومنها ما لم يكن منشورا بعد - حتّى أضمَّها إلى تلك المجموعة، فنتج عن ذلك أنّ تلك القصائد لم تَرَ النّور بين دفّتي «على دَرَج المياه...»، ومنها ما ضاع الآن نهائيًّا. ما من مشكل، على أيّ حال، فحتّى ما نشرتُه في الطّبعة الأولى لمجموعتي تلك قد انتقصتُ منه قليلا في طبعتها الثّانية! إلامَ يعود ذلك «التّقصير اللاإرادي»؟ ببساطة، إلى وضع غريب كنتُ أمرّ به في الوقت الذي كان عليّ أنْ أجمع خلاله مادّة المجموعة المذكورة. وهو وضع لم يكن بالمريح قطعاً، وإنْ تكنْ ملابساته قد أصبحَت تثيرُ لديّ ــ بعد أن انقشعت بسنوات ــ رغبةً في قهقهةٍ أكيدة، لكنْ خافتة بعض الشّيء، حتّى لا ينتبه لها غيري! فـ «دار توبقال» المغربيّة كانتْ قد طلبتْ منّي، بعدما لم يبقَ أمام انطلاق «معرض الدّار البيضاء للكتاب» لسنة 1990 سوى فترة قصيرة نسبيّاً، أنْ أُسارِع بإرسال مخطوطة المجموعة، لأنّها ترغب في أن تقدّمها ضمن إصداراتها الجديدة في المعرض المذكور.

    رغم إطراء الأصدقاء وبعض النّقّاد للمجموعة، كانَ قدْ وَقَرَ في نفسي إحْساسٌ بما يُشْبِه التّقصير (اللاإراديّ)
    أمّا أنا، ففي تلك الأيّام بالضّبط، كنتُ قد غادرتُ مسكني بأحد أحياء أغادير الهادئة، إلى بيت في أحد الأزقّة الخلفيّة بالحيّ المُسَمّى «الدّشيرة» (أتذكّر، هنا، كيف أنّ أختي الصّغرى لم تتمالك نفسها وأطلقت العنان للضّحك إذْ سمعتْني أنطق باسم هذا الحيّ حين أخبرتُها بالهاتف عن انتقالي للسّكن فيه!)، وهو حيّ شَعْبيّ لي عنه ذكريات طيّبة. المهمّ أنّ الدّشيرة حيٌّ مترامي الأطراف، شعبِيٌّ كما قلت، بما في دلالات هذا النّعت من خير وَشَرّ، ومبانيه، عامّةً، تحمل طابع القِدَم، وهو يقع لِصْقَ أغادير... أمّا لماذا تحوّلتُ إلى مسكني الجديد ذاك، فتلك حكاية أخرى...
    هكذا، فحين جاءني طلبُ النّاشر المُستعجِل، كانت كتبي وأوراقي، بما فيها قصائدي طبعًا، لا تزال محشورة بغير نظام في كَرَاتِينَ كبيرة مغلقة بصرامة، محْكَمَة الحَزْم بحبالٍ لا بأس بمتانتها، نُقِلَتْ من أغادير إلى الدّشيرة!
    أتذكّر أنّه كان للبيت الذي انتقلتُ إليه، وهو ذو شَكل هندسيّ عجيب، نافذتان تنفتحان على العالم الخارجيّ، فحين أطلّ من إحداهما، أجدُ قبالتي جدارا سامقا طُلِيَتْ منه رقع كبيرة ومختلفة الأشكال بالزّفت، ومن النّافذة الأخرى، كنتُ أرى سُهْبًا مترامي الأطراف، مكفهرًّا، تتبدّى على أديمه غيرِ المنتظم، الكثيرِ الحصى والحجارة المهروسة، أخاديدُ وثلومٌ سوداءُ قاتمةٌ وخضراءُ غامقةٌ ودكْناءُ كالحة، وتتلامع على سطحه مياهُ جداول صغيرة آسنة، قليلةٍ ومتناثرة... وقد أَوْحَى لي شيطاني الدّاخِلِيّ وقتها، في اليوم الأوّل الذي حللتُ خلاله بذلك المسكن، بأنّ تلك الفلاة كانت «تعبق» بشاعريّة ما، ولذا كنتُ أُطِلُّ عليها بين فينة وأخرى، وأجدني أُردّد هذا البيت الذي أحفظه منذ صغري:
    كَمْ مَهْمَهٍ قَفْرٍ بنفسي خُضْتُهُ/ومفاوِز جاوزْتُها بالأبجَرِ
    وهو، كما لا يخفى عليكم، لأبي الفوارس عنترة.
    لكنّ تفاؤلي والرّوح الغنائيّة لديّ سرعان ما انْحسرا في أوّل ليلة قضيتُها بذلك المسكن الجديد- ذلك أنّ صخب القاطنين في الشّقة الواقعة فوق شُقّتي استمرّ حتّى الخامسة صباحًا، وما إنْ كفّت الضّجّة الآدميّة وقلتُ في نفسي: «إنّ النّاس تسهر من حين لآخر، ذلك أمر عاديّ، بل ولا غنى عنه»، حتّى عَلَا، على غير انتظار، نُباحٌ شديد، متسارع الوتيرة ولا هوادة فيه، لجماعة من الكلاب كانتْ تذرع الجانب القريب من السّهب المذكور وتزداد تهيّجًا بمرور الوقت...
    وفي الليلة الموالية، نُسِفَتْ آخر الآمال التي كُنْتُ قد استبقيتُها، إذْ تكرّرت نفسُ الوقائع، فأُعيدَتِ السّهرة الصّاخبة، وبعدها جاء دور الجوقة النّابحة، التي أدّتْ سيمفونيتها الرّهيبة، الطّويلة، بضراوةٍ لا تُضاهَى، علمًا بأنّ تلك الكلاب قد لا تكون راغبة – في قرارة أنفسها - سوى في استقبال الفجر بتهاليلَ مُرَحِّبة، ثمّ الاحتفاء به، مُطوّلا بعد حلوله، بزمجرات ممّا يستعذبُه جنسُها... إثْرَ كلّ ذلك، قرّرْتُ أنْ أُبقيَ أمتعتي في ذلك البيت، واكتريتُ غرفةً في أحد الفنادق بأغادير، في انتظار أنْ أعثُرَ على مسكنٍ جديد... واصطحبْتُ إلى غرفة الفندق تلك حقيبة واحدة لا غير...
    في ذلك الظّرف بالضّبط، كان مطلوباً من الشّاعر أن يجمع القصائد التي ستشكّل ديوانه الأوّل. وها هو يصِلُ، صباحاً، إلى مسكنه الذي لم يعد يُمكنه أن يقضي فيه الليل، قادما من غرفة الفندق، ويقفُ أمام الكراتين، المتراكمة منها والمرصوفة، مجيلاً بصره بينها، وفي رأسه يتردّدُ تساؤل أوحد: «أين يا تُرى ترقد أعدادُ المجلاَّت وقصاصاتُ الجرائد والدّفاترُ التي تُوجدين بها يا قصائدي؟ في أيّ من هذه الكراتين تختبئين أيّتها النّصوص التي ستشكّل مجموعتي البِكر؟... ».
    عثرتُ إذن على نصوص، ولم أعثُر على أخرى، ومدّني صديق بقصائدَ لي كنتُ قد أضعْتُها... وفي لحظةٍ ما، أتعبني البحث والتّنقّل من غرفة الفندق إلى البيت الذي «تسكنه» أمتعتي وكراتيني من دوني... وسرعان ما جاءتْ لحظة قرّرتُ خلالها أنّ ما جمعتُ من نصوص كافٍ لإصدار مجموعة شِعريّة. « وما لم تَعثُرْ عليه الآن، يا عزيزي، سيُنشر في الآتي من الأيّام، ضمن مجموعة قادمة...»، قُلْتُ لنفسي...
    وقد تمّ إصدار مجموعتي الأولى تلك قُبيل أوان معرض الكتاب لسنة 1990 وَعُرِضَتْ فيه – طُبعتْ على جناح السّرعة، فلمْ تُتَحْ لي فرصةُ مُراجعة مُسَوَّدَتها أثناء الطّبع – وفي سنة 2001، أصدرتْها «منشورات عكاظ» بالرّباط، في طبعة ثانية، ضمن كتاب شعري ضَمّ ثلاثاً من مجموعاتي: «محفوفًا بأرخبيلات...»، «على دَرَج المياه العَميقة»، و»راية الهواء».

    وبعد صدورها بأشهر قليلة عن دار «توبقال»، بعثتْ لي هذه الأخيرة بخمسين نُسخةً منها. أتذكّر أنّ غلافها أعجبني بشكل خاصّ، فهو عبارة عن لوحة اعتُمِدَ فيها الخطّ العربيّ، نُعتت بكونها: «صفحة حُرّة للقندوسي، أنهاها سنة 1828».
    أفتحُ، الآن، هذه المجموعة كيفما اتّفق... لقد مضى على ظهورها خمس وعشرون سنة!... أفتحها وأقرأ، من قصيدة بعنوان «بدأت هذه الثلوج تصدأ»:
    «أقِفُ تحت نافذة تتردد خلفها شكاوى عجزة ومتسوّلين يتقاسمون خبز الملاحم القديمة. أقفُ تحت مطر يقضم نَهْدَ عذراء تركض في مفازة العذاب، خلال هذا المساء الذي يرفل في فساتين من عوسج. طواحينُهُ تفتّت عظام الملائكة. وأنا الذي استهللتُ هذا الإعصار الجميل، لا أرى على شاشته إلا أقدامَ الموتى مغروسةً في صناديق القمامة، تتشمّمها الذئاب... بدأت هذه الثُّلوجُ أيضا تصدأُ أمام عينيَّ اللتين كانتا يمامتين سجينتين، وجَلَدَهُمَا أقزامٌ كانوا لا يغادرون بطون أُمَّهاتهم إلّا خلالَ أعيادِ المَجوس. نيرانُهم تتثاءب على وسادتي كلَّ صباح. دموعُهُمْ تصهل في مَحْجِرَيّ، فيما أصنعُ حماقات مُشِعَّة من رماد الأيّام، وأترصّدُ أبوابا تهرول بأقدام آدميّة، منها سأدلف إلى مدن الماضي، منقسمًا إلى جسوم كثيرة...».
    وأنا أقرأ هذه القصيدة الآن، في بيتي الحاليّ، بِمدينة سَلا، يدهمني أذان الفجر... ذلك أنّه يحدثُ لي أن أسهرَ حتّى دنوّ الصّباح... لقد نأتِ الآن كثيرا أيّامُ الدّشيرة، «حيّاها الحيا»... ويصلني اللحظةَ نباحُ كلاب سائبة، أعرف أنّها تلك التي تتجمّع في بدايات الليل جنبَ سور قصير لحديقة غير بعيدة عن مسكني.


    .
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمّد خير الدّين
    -جِسْمٌ سَالِب
    (المقاطع الأولى مِن الرّواية)
    ترجمة: م. وساط


    يَدفعُونك بقوّة، يأمرونك بالدّخول، وفي النّهاية، يُحاولون استمالَتك، بل وحتّى حملَك على الاعتقاد بأنّك في بيتِك، لكنّهم يُصيبونك في ما بين الضُّلوع بِما يلفظون من كلمات فتبدأ في البحث عن الخيط الذي تَظُنّ للحظة أنّه يربطُ بينك وبين شيء ما؛ غير أنّك لا تعثُرُ على أيّ خيط وبالكاد رُبّما تستذكرُ شارعا أو وجها يَبْقى، في نهاية المطاف، مجهولا من قِبلك كُلِّيَّةً؛ بالكاد قد تستذكرُ ذاتك بعضَ الشّيء. إنّهَا لحَالٌ تطول، حالٌ مُنْهِكة، مُخيفة. فكما لو أنّهم حبسوك في دهليز أسْفلَ العالمِ الذي عِشْتَ فيه وأحبَبْت، والذي لا يتبقّى منه شيء بمُجرّد أن يُغادروك. لا شيء. الشّارع: لا يتعلّقُ الأمر بشارع عاديٍّ، بأكشاكــه ومحالّه حيْثُ تباعُ الملابِس النّسائية أو الموادّ الغذائية، بمارّتِهِ المُتعجّلين الذين يُخفون بكامل الحِرْص خلف ملامحهم، وبِكلّ ما هم عليه من وقار، لحظاتٍ أخرى، يُقَلّبونها مازجين موادَّ حيّة هم وحدهُم المُتحكّمون في ديمومتها. الشّارع، أعني ذلك الذي عِشْتُ فيه، لا يُشْبِه باقي شوارع المدينة. لقد بدا لي فارغا دوما، ومن دون أهمّية، ولم أفكّر قطّ في مصائر ساكنيه. رغم هذا، ففيه عِشْتُ: أذكرُ قريبا وأصدقاءَ، وشَخْصاً ماعُدتُ أستطيعُ استحضار تقاطيع جسده أو ميولاته أو سِيماهُ، لكنّ أبسط ما يتعلّقُ به يبقى قادِرا على بَعثِ وخزة حارقة في قلبي، كأنّها لسعة زنبور. ـ





    لا شَكّ أنّها كانت امرأة. كنتُ قد نِمتُ طول الليل. ذلك كان تمهيدا للهرب، إن لم يكن الهربَ نفسَه. لكنّ مُواكبة النّاسِ لي على امتداد مساري كانتْ تُضايِقني. فَما كنتُ بَعْدُ أنتمي إليهمْ. ـ



    الشّارع. الهواء. السُّحُب السّوداء الكبيرة. وهذه الأرض التي يُحِبّها المرء وتُعَذِّبُه. ـ





    كان ثمّة شيءٌ ما في صدري. فأرٌ، ربّما. فيهِ كنتُ، بمرور الزّمن، أتكاثَف. لمْ أكنْ أعلم ما الذي كنتُه ولا ما كنتُ عليه في البدء. هنا أو في أيّ صَقع، ما من وجود لمكان مُحَدّد المعالم بالنّسبةِ إليّ. ثمّة، مع هذا، أناس يتمكّنون، في النّهاية، من أن يعرفوا، فهم يباشِرون تحقيقات حول أنفسهم، والواحِدُ منهم يُسَمَّى شجرة أو ذبابة، كلبا أو حِرذونا، لكنْ ليس حجرا أو صلصالا أو حجرا مُتبلِّرا. هؤلاء هم أنفسهم الذين كانوا يتبعونني، والأرض بما عليها كانتْ تتبعُني، مُنتصبةَ الأشواك، ذاتَ صرير، صفراءَ، زرقاءَ، خضراء، رماديةً، ما أدراني! كلُّ الأرض كانتْ تجتاحُني، موجةً ترفعُك إليها دوّامات منبجسة من زوابع بحريّة وسماءٌ تُبدي لك من الشمس طرَفًا فتَعْمدُ، أنتَ، في الأخير، إلى التّمَسُّكِ به.





    ذاك كانَ يوما ماطِرا طبعا. ـ





    كان المطر قد اختفى وكبُرَتْ عُجَر الموت التي خلّفها في نباتات السُّعادَى ذات الجذور المُتوحِّلة وفي أخرى غيرِها ليس لها أسمـاء ولا أنساغ. وها هو يعود وقد اشتدّ فيُعَنِّفُ في دمي هذي الحياة التي أتحمَّلُها بصُعوبة ولا أتقبّلها إلاّ بدافعٍ من مخاوفي، يعود بقصفاته المُتقطّعة الشبيهة بهجمات ريح مِعْجاج على زجاج نافذة. مطرٌ حقيقي تعثُرُ فيه العين مُجَدّدا على الامتدادات المائية الشّاسِعة. كانتْ المائدة جاهزة. كانوا ينتظرون شخصا ما. ـ



    - أرِنِي هذا، قال.

    إنّهُ ألبومٌ قديمٌ، ما أكثرَ ما اقتربتْ منّي، من بين دفّتيه، وحوشٌ بِخراطيمَ، وضفدعِـيَّاتٌ لبدَتْ في جنباتِ مستنقعاتٍ تُخيّمُ عليها الكآبة، متربّصةً بحشراتٍ تلوكُ أحلامها، وأعشابٌ يابسةٌ منتظمة في خطوط متقطّعة وسط أشجارٍ شائكة تنبعثُ من بين تلافيفِها أصوات متنافرة. كُنْتُ أُغَذّي الوهم بأنّني أحيا في تلك الأصقاع. يا لَلْعملية الموفّقة. هكذا، لم يعد ثمّة ما أقلق من أجله. فلتذْهب بقية العالم إلى الجحيم! وها إنّي الآن أستشعرُ أمرين غريبين في الآن نفسِه.

    - لن ترى شيئا، أجَبْت.

    ما الذي كُنْتُ آمله، إذن؟ ما الذي كنتُ أريد أن أبحث عنه في هذه الصّفحات ليكون لي سندا فعليا؟ لقد لعبتُ ورقتي الأخيرة. كانتْ هي قدْ رحلتْ. والغريق لا يُخْرَجُ من الماء إلا ليُهيّأ له قبرٌ لائق. لا. إنّ كلّ شيء في طور الاستهلال. الغريق ينهض على قدميه، يدفعُك يمنة ويسرة؛ ولا تستطيعُ إزاء هذا شيئا. وياللمُصيبة إذا سَدَّ حنجرتك أو قصبة رئتك. أو إذا اختار الإقامة في ذاكرتك. لم يكن قد تبقّى لي سوى صفحاتِ أيّام الطُّفولة تلك: منحتُها لنفسي، نقطةً جّيدة... وكنتُ ألحظُ ذاتي وأنا ألهث، صريعَ لذّة رهيبة. كانتْ قدْ ماتتْ، لكنّها كانت تمرُّ مُجدّدا مُعَرِّجة على الأحجار من دون مشكل. وعلى الصّفحات، تحت الحبر، لم يكُنْ ثمّة الورق، بل كانتْ هي. قسماتُها كانتْ تحت المَدَر تفْضَحُ جريمة ما غير مُحدّدة. إنها كانتْ تتنفَّس. و ذهبتْ قراراتي أدراج الرّياح! لقد اعتقدْتُ حقّا أنّي، بشكل مفاجئ، لحظتُ استنشاقَها الهواء. أيتعلَّقُ الأمر بصرير عاديّ؟ أمرٌ يبعثُ على الضِّيق! تصوّروا شارِعا شبيها بالذي عشتُ فيه، أُناسا يعاملون المرء بازدراء، لا يُحيطون عينيه بالرّعاية. تخيّلوا هطولَ ذلك المطر الأوّل، وإذ تبلغون النهاية القصوى لتصوُّراتكم، لاحظوا كيفَ يقومُ الشّتاء والبرْد، عامِلا التّنظيفات النّشيطان، بكَنس القمامة المُتعفّنة، و كيف يَدفعان المرء إلى الخلف بلا هوادة، مُعيدَيْنِ إياهُ إلى داخل ذاتِه، إلى ذلك الظّلام الذي اعتاد فيه ارتطامَ رأسِه بما لا يراه...







    كانت مياه المطر مُستمرّة في التساقط بكميات كبيرة. من الأغوار تتناهى ضَجَّة خافتة. تكفي صَرْخة لأُنْقَذَ أنا أيضا. صرخة فحسب. في المطبخ، كانتْ زوجة الأب تُدندن؛ وطِفلُها يضحك دون أن يكفّ عن تنشُّق أبخرة الطّعام. كنتُ قد وصلتُ، تقريبا، إلى منتهى مُعاناتي. وكان ما حصّلتُ من نتائج في غيرِ صالِحي. وكلّ شيء اكتسى بحالك السّواد. كانتْ قد جاءتْ لوضع حدّ لما كان. ثُمَّ اختفتْ إثْرَ ذلك على الفور. إنّ الشّقاء يَصْحَبُ الحظّ الطّيب. في اتِّحادِهِما يَظهرانِ بنفسِ الوجه. وفي ذلك ما يبهر، فإمّا أن يُبْدي المرء الرّضا أو يَنذُرَ نفسَه للهلاك. ودونما تحفّظ عبّرتُ عن رضاي، وقلْتُ في نفسي إنّ الحظّ قد ابتسم لي في هذه المرّة. فتميمتي كانتْ هي. وعيناها، كمْ هما عميقتان. لم أرَ ما يُشْبِههما عند امرأة أخرى. و كان يَجبُ الهَدْم ليتسنّى البدء من جديد. لقد لزمَ، في النّهاية، تدميرُ كلّ شيء، بما في ذلك الرّصيف. هي ذي الحياة وهؤلاء النّاس الذين يحتكّون بك بدافعٍ يكاد يكون هو الشّفقة على النفس. خاصّة الأقربون. لقد تغير اتجاه الريح، فجأة. وها هي واقفةٌ خلفي لا تريم. في صلابة الحيطان. ما الجدوى! إنّ المطر يغسِل كلَّ شيء، ويَنفثُ في المرء حياةً أُخرى، جديدةً هذه المرَّة.







    نخرجُ مُتعانِقَين، فرِحَين. نغلقُ الباب بعنف؛ أو نتركه مفتوحا، أليسَ هذا أكثرَ بساطة؟ إنّ الكلاب تتبوّلُ عليه، بل هي تجوبُ البيتَ نفسَهُ مستكشفةً حتّى الخفيَّ من زواياه. لم تعُد هنالك سوى يافِطة بِأعلى إطارِ الباب: بيتٌ مفتوح. يافطة، أو لا شيء على الإطلاق. لكنّ البابَ يبقى مفتوحا، أُنَبّهكم إلى ذلك؛ ونحنُ نمضي لأنّنا راضيان عنْ نفسينا وما عاد لأحد الحقّ في أن يؤاخذنا على شيء. كنَّا نكيلُ الشّتائم للذين يَمُرّون قُربنا، دون أنْ نتوقّفَ حتّى، ودون أدنى تفسير. نبتعد، نستوقفُ تاكسيا، و نطلعُ إليه. اِمْضِ بنا إلى حيثُ تشاء. يَحتجّ السّائق، لكنّه يستجيب وينطلق. ويَهوي الواحِدُ منا في الآخر، في نظرة الآخر التي تُصبحُ، فجأة، في رحابة الغابات.





    أزِف وقتُ الغداء. يَلزمُ قرعُ جرسٍ ليحْضُرَ الجميع. تغييرُ المواقيت لا يُجدي، فثمّة دائما واحد يتخلّف. واحِد تأخر. لعناتٌ تُكال بصوتٍ جَهْوريّ. يَتِمّ البحثُ في كُلّ الغرف، تُشالُ المَرْتبة. كثيرا ما يَحدثُ أن أتخفّى تحت السّرير بعْد معركة ما، والرّكلة التي تلقّيْتُها على القفا تشهدُ على ذلك... ـ



    ----------------------------

    - أعلاه: المقاطع الأولى من نصّ روائي بنفس العنوان لمحمّد خير الدّين (1941- 1995). وقد صدر ضمن كتاب يضمّ روايتين قصيرتين: "جسم سالب"، يليه: "قصّة إله طيّب" (منشورات سوي، 1968)ـ
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    وكانت قفزة العمّة أسرع

    لم يكن مهدي، وهو الآن في العاشرة، قد وجد نفسه في تواجهٍ مباشر - وعلى مسافةٍ قريبة جدًّا - مع شخصٍ مُخيف، يَنعته الآخرون بـ"المجنون"، قبل صبيحة يوم الخميس ذاك، وفي قرية الدخَّانَة بالضبط. لقد مرّ الآن على هذا أكثر من شهر. كما أنّ عائلة مهدي عادت من زيارتها الصيفيّة للدخَّانة - القرية التي وُلد فيها عبدالمولى، والد مهدي - بعد أن قضتْ هنالك ثمانيةً وعشرين يوماً، وها هي الآن في بلدة لَمْزِينْدَة – التي تَبعد عن الدخّانة بحوالى ثلاثين كيلومتراً- إذ إنّ الإجازة السنويّة لوالد مهدي انتهت، وعليه أن يعود إلى شغله في أحشاء الأرض، فهو يَشْتغل في منجم للفوسفات.
    في لَمْزِيندة، ينفتح بيت عائلة مهدي على خلاء فسيح يُؤدّي إلى تلّة صغيرة تنحدر بدوْرها في اتجاه مقبرة البلدة. وإذ يخرج المرء من هذا البيت، فهو يجد على يمينه مساحاتٍ معشوشبة شاسعة تتخلّلها بقعٌ جرداء وصخور، ويرى على يساره طريقاً تمرّ ببيوتٍ، ثمّ بسقّاية عموميّة، أُثْبِتَتْ في جدارها ثلاثة صنابير، وطُليَ الجدار بالفسيفساء. وهذه الطّريق هي التي سيسلكها مهدي مجدَّداً إلى المدرسة، حين تنتهي عطلة الصيف.
    في صبيحة يوم الخميس ذاك، وقع الحدث غيرُ المرتقب، فقد وجد مهدي نفسه وجهاً لوجه مع لَكْبيرْ ابن للّا صفيَّة، وذلك في مدخل غرفةٍ بِبيت هذه الأخيرة بالدّخّانة. وللّا صفيّة هي من بنات عمّ والد مهدي. وقد تفاجأ مهدي إذ ظهر أمامه ذلك الشخص ذو العينين البرّاقتين، والشعر المفتول في ضفائر كثّة وقصيرة، والقميص الأزرق المثقب الذي انتشرتْ عليه بقعٌ من الأصباغ. كان في نظرات لَكْبير - ولمْ يكنْ مهدي يعرفُ اسمه لحظتها- تهديدٌ بالبطش استشعره الطّفل، فتملّكه خوفٌ شديد في البدء، ولكن، بعد دقيقة أو أقلّ، تبخّر ذلك الخوف، أو لربّما ثَوى في طبقة أعمق بصدر مهدي، فقد تبدّل شعوره إلى إحساس بالحياد إزاء الموقف الذي كان فيه، كأنّما لم يكن يعيشه وإنّما يتفرّج عليه في شريطٍ سينمائيّ! هكذا كان المشهد، تحديداً: مهدي يقف بمدخل إحدى غرف منزل للّا صفيّة الكبير، عيناه مسمّرتان على رسم غريب معلَّق إلى جدار في الغرفة، يبدو فيه وجهٌ طغتْ عليه الألوان الصارخة، وقد رُسمت منه العينان تحت الأنف. وإذ كان مهدي على وشك أن يدلف إلى تلك الغرفة، التي طالما دخلها في أصياف ماضية – وكانت وقتها فارغةً من الأثاث وشبه منسيّة - نطّ لَكْبيرْ من إحدى زواياها وانتصب قريباً جداً من مهدي، لاوياً شفتيه في تكشيرةٍ ملتبس أَمرها، إذ لم يبد واضحًا إن كانت مجرّد حركة هزءٍ من هذا الطفل الذي يقتحم غرفته، أم أن فيها تهديدًا بضربة على أُمّ رأس غريمه الصّغير ذاك!
    وفي النهاية، كال لَكْبيرْ لمهدي دفعةً في الصدر، خفيفة وضعيفة! وسيسمع مهدي من أبيه أنّ لَكْبيرْ عاش طويلاً في فرنسا، و"أنهم أعادوه" من تلك البلاد مجنوناً ومطروداً. لم يكن مهدي قد علم بوجود لَكْبير قبل صبيحة ذلك الخميس.
    كان صديق مهدي الأقرب إلى نفسه بِالدّخّانة هو عليّ، ابنُ للّا الضاوية، عمّة مهدي. وكان مهدي يجد عمّته هاته شرسةً قاسية القلب، بل وشريرة، أحياناً. وكان مهدي وعليّ، المتقاربان في السنّ، يقضيان وقتاً في ركوب الحمير، غير آبِهين بغضب أصحابها. ويحبّان، أيضاً، أن ينصتا إلى ما كان يرويه سالم من مغامرات ينسبها إلى نفسه. وسالم هذا قد تجاوز الستين، إلا أنه قويّ البنية. وكان أحد حاجبيه أبيض تماماً، والآخر خالطت بياضه بضع شعرات سوداء.
    في المساء السابق على عودة أسرة مهدي من الدَّخَّانة إلى لَمْزيندة، انضمّ مهدي وعليّ إلى حلقة الأشخاص الذين كانوا ينصتون للرجل الستيني وهو يروي لهم إحدى بطولاته. قال سالم إنه كان عائدا ليلاً، في إحدى المرّات، إلى الدَّخَّانة بعد زيارة لأخته في قرية العوامر، وكانت أشعة ضوء القمر تخترق طبقات الظّلام، ولم يكن هنالك ولا شخصٌ واحد خارج بيته. وبغتةً، اقترب منه جديٌ صغير. وبقفزةٍ اعتلى كتفيه. ثمّ إن الجدي – حسبما أضاف سالم – بدأ ينتفخ ويتمطّط، وفي مفاجأة جديدة، بدأ في الحديث إلى الرجل الستيني، قائلًا: "هل تجدني ثقيلًا بعض الشيء؟"، وبعدها صدرت عنه قهقهةٌ كهزيم الرعد. "إثر ذلك - يسترسل سالم - قفز عن كتفيَّ وقد أضحت عيناه حمراوين كجمرتين، وبرزت له أنيابٌ طويلة كالمدى، ثمّ ركلني بقوّة شديدة، فوجدت نفسي ملقى على ظهري قرب داري، تحت ضوء القمر الساطع، والجدي اللعين جاثمٌ بجانبي. لحظتها، تذكّرت السكين الذي في شكارتي* وبسرعة مددت يدي وأخرجته، ثمّ طعنته به في بطنه، فانفتح مكان الطعنة، لكن لم يخرج منه دم أحمر. وقد سقط أرضاً. وكان دمه بين الأصفر والأخضر، كما تبيّن لي في ضوء القمر".
    بعد عودة عائلة مهدي إلى لمزيندة بنحو عشرين يوماً، اشتدّ المرض على رحمة، أمّ مهدي، وتقرّر أن "ترقد" في المستشفى الكبير باليوسفيّة - المدينة الصّغيرة القريبة من لَمزيندة - لفترةٍ قد تطول. ولذا، فقد دُعيت عمّة مهدي، للّا الضّاوية، من قبل الأب لتشرف على الحياة اليوميّة للأُسْرَة. وجاءت العمّة ومعها عليّ ابنها. وكانت لمهدي بضعة كتب، وعددٌ واحد من مجلّة "المزمار"، وهو عبارة عن ورقة طويلة وعريضة، مطويّة على أربع، وبها رسوم وحكايات وصور. في مساء يوم وصول العمّة، قالت إن مصباح الغرفة الكهربائي يصب على رأسها سخونته الشّديدة ويكاد يذيب مخّها، فهي لم تتعوّد إلا على ضوء الشموع الوديع. وفي الليلة التالية، اكتشف مهدي أن العمّة الضاويّة قد قطّعت عدد "المزمار" ذاك، وصعدت فوق مائدة، ولفّته حول المصباح للتخفيف من شدّة ضوئه. تفاجأ مهدي وصرخ في وجهها، فنهرته. وفي تلك الليلة، رأى في النوم كابوسين.
    بعد ثلاثة أيام على ذلك الحادث، وعلى غير انتظار، حل بِلَمْزيندة رجل مجنون. والغريب أنه كان يدعى، أيضاً، سالم، فهكذا كان يسمّيه من يتحدّثون عنه. وأوصت العمّة الضاوية كلًا من مهدي وعليّ بعدم الاقتراب منه، وأضافت بأنه قد أمسك طفلة من قدميها ورفعها إلى أعلى وأهوى بها على جدار السّقّاية.
    ثم إن العمّة الضاوية طلبت من ابنها عليّ أن يعود إلى الدخَّانة بلا إبطاء، على أن تلحق به هي بعد أيام عشرة، كانت هي ما تبقّى للأم رحمة في المستشفى. وكان مهدي قد قال لعليّ: "لِمَ لا تنتقل إلى مدرسة لَمزيندة وتقيم معنا؟". وبقدر ما سرَّه اقتراح مهدي، فقد أثار حنقه كلام أمّه عن ضرورة عودته إلى الدخَّانة لوحده. وفي ذلك الصباح نفسه، رأى الطفلان سالم المجنون، الذي مر قريباً منهما، هادئاً، وديعاً، وعلى شفتيه ابتسامة موجَّهة نحو الغيوم. وخطّط عليّ ومهدي لأمرٍ مثير، وهما يستشعران زهوّاً برصيدهما من الدهاء!.
    هكذا إذن، تمدّد عليّ على ظهره، وسط شريط معشب بعيد من بيت عائلة مهدي بنحو مائتي متر. فيما مضى هذا الأخير مسرعاً صوب البيت. ومن وراء الباب، نادى العمّة الضاوية بصوتٍ جعله جهورياً بأقصى ما استطاع، وأضفى عليه ارتعاشاً وتهدّجاً، مصطنعيْن ولا شكّ، لكنّهما انطليا على العمّة: "يا عمّتي! سالم المجنون يقول إن دم عليّ ليس أحمر. ولكنّه بين الأصفر والأخضر!". "هاوِيلِي!"، قالت العمّة صارخةً، "وكيف ذلك؟". ردّ مهدي: "يبدو أنه جَرَحه. أعني أنه طعنه بسكين. وعليّ لا يزال ممدّداً هنالك، قريباً من البيت!".
    تخرج العمّة الضاوية مرتاعةً، منفوشة الشّعر، فقد تركت رأسها عارياً، على غير عادتها. ويشير مهدي بسبّابة يمناه إلى حيث يتمدّد علي، ثمّ يهرول مبتعداً. وإذ تقترب المرأة المرتعبة كثيراً من ابنها المنطرح أرضاً، يقفز هذا الأخير واقفاً، معتزماً الهروب. لكن قفزة أمه كانت أسرع وأقوى، ولذا فقد تمكّنت من الإمساك بخناقه، وكالت له عدّة صفعات. وكان مهدي يلتفت ليتابع المشهد، في توجُّس أكيد، وهو يحثُّ الخطى صوب المقبرة.

    * شِكارة : كيس من قماش أو ورق متين تعبَّأ فيه موادّ البناء في الغالب

    * العربي الجديد
    وكانت قفزة العمّة أسرع - مبارك وساط
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عن القطارات أَحكي
    مبارك وساط

    "متوحّداً، يجرّ القطار خلفه بخاره"
    تريستان تزارا

    إن للصور، المرافقة لنصوصٍ سردية أو شعرية، قوّة كبيرة في شحن مخيلة الأطفال بالأحلام. وليتيقّن الواحد منّا من هذا، فما عليه إلا أن ينقّب قليلاً في تجارب معيّنة من زمن طفولته. في ما يخصني، أذكر جيداً كيف أن الرغبة في السباحة في البحر، مثلاً، وفي السفر بالقطار، وفي الدخول إلى المسرح تولّدت لديّ، في البدء، نتيجة استغراق في تأمّل صور في كتب المطالعة - العربية أو الفرنسية - التي كانت معتمدة لتدريسنا في الابتدائي. أو، على الأقلّ، فإن تلك الرغبات تكون قد تبلورت لدي وتحددت وأصبحت شعورية نتيجة التأمل الشّغوف لتلك الصور.
    ما سيحدث، لاحقاً، هو أني سأكتشف الشاطئ وأدلف إلى ماء البحر، المتاخم للرمال لا أبعد، بعد سفرة أولى في قطار. كان ذلك في صيف سنتي الثانية عشرة. ففي ذلك الفصل، جاء لزيارتنا بمدينة اليوسفية - التي يشتغل أغلب سكّانها في مناجم الفوسفات - ابن خالة لوالدي هو سيد أحمد - وهو أيضاً صهر عمّ لي ساكن بالرباط، وقال إنه سيقصد هذه المدينة في اليوم الموالي لزيارة ابنته وزوجها (عمّي الكبير) وأفراد آخرين من العائلة. كان سيد أحمد ذاك إنساناً مرحاً وطيباً، وسيعمّر طويلًا طويلاً، ويبقى صلب البنيان، وبحسّه المرح سيكرّر لسائليه، كلّما سألوه عن سنّه الحقيقية: "ممكن أبونا آدم يكون أكبر مني بشهرين أو ثلاثة!". المهم أنني، خلال ذلك الصيف المذكور، ركبت القطار أخيرًا من اليوسفية، متوجهًا إلى الرباط برفقة سيد أحمد، وفي الرباط كان الشاطئ بانتظاري، إضافة إلى كتب، ببيت عمّي الصغير، كانت تنقلني إلى عوالم فيها حروب وأبطال وسَحَرة وعيّارون وعشّاق، وربما جنّ أيضاً! لقد كانت تلك الكتب تحمل عناوين مثل: "سيف بن ذي يزن"، "سيرة الأميرة ذات الهِمّة"، "الزّير سالم".


    لوحة للفنان الصيني شن لين كسين (Getty).jpeg
    لوحة للفنان الصيني شن لين كسين (Getty)​

    ستتلو تلك المرة الأولى مرات ومرات. وقد تكوّنت لدي عادة القراءة في القطار. فقد قرأتُ - كلياً أو جزئيًا - العديد من الكتب على الإيقاع الرتيب، المعدني، لدوران عجلات الحديد على السكة. من بين تلك المقروءات، أذكر: "الدكتور جيفاغو"، "قلب الظّلام" لجوزيف كونراد، وبعض روايات جورج سيمنون، والعديد من الروايات التي تكون قطارات مسرحاً لأحداثها أو مذكورة في عناوينها (أذكر من بينها: "قطار الشرق السريع" لغراهام غرين، و"القطار الأزرق" لأغاثا كريستي)، من دون أنْ أنسى شعر بليز سَنْدرَارْ عن القطار عابرِ سيبيريا.

    أكثر من ذلك، فقد بدا لي، وأنا في بدايات الشباب، أني حقاً وجدت لرواية أغاثا كريستي "جريمة في قطار الشرق السّريع"، نكهة مختلفة حين قرأت منها قسماً كبيرًا في مقصورة بأحد القطارات. وبالفعل، ففيما كان القطار واقفاً بي في محطة الدار البيضاء وأنا أقرأ، كان هيركُولْ پْوَارُو، بطل التحريات لدى أغاثا كريستي، يتهيّأ للسفر من محطة حلب صوب إسطنبول، ثمّ يستقلّ القطار ليعود إلى لندن، وفي أثناء تلك العودة، تحدث الجريمة!

    *******

    لطالما أثارتني تسمية: "سريع الشرق" أو "إكسبريس الشرق"، وبدت لي موحية، في الآن نفسه، بعبق الشرق وسحره، من جهة، وبعالم الصناعات الغربي بأسراره التي لا يزال القسط الأوفر منها مستعصياً على عالمنا الثالث. ومن "أبحاثي" في هذا الشأن، علقت بذهني بضعة أمور، منها: أن "سريع الشرق" الأول أنشئ في 1883، وأنه، بعد أن انتهى زمن خدمة "سريع الشرق" الأول ذاك، أصبحت هنالك كوكبة من القطارات يشكّل تعبير "سريع الشرق" قسماً من اسم كل منها، مثلما ترسخت في ذاكرتي - وهل يمكن إلا أن تترسخ - هذه الحادثة المثيرة التي وقعت في يوم الخميس 6 سبتمبر/ أيلول 1984 بداخل قطار "فنيتسيا سِمْبلُونْ ـ سريع الشرق" (يا للاسم المعقد): فحين آنت لحظة إقلاع هذا القطار من محطة إنْسبورك (بالنمسا) حيث كان قد توقف، فوجئ الميكانيكيون بعدم تمكّنهم من جعل الكوابح تنفك، الأمر الذي بقي معه القطار جاثماً في مكانه! وبدأ المراقبون والميكانيكيون تحريّاتهم، وانتقلوا من عربة إلى أخرى، وفحصوا العجلات، وأخيراً، اكتشفوا لغز استماتة الكوابح في إيقاف القطار: فقد كان هنالك زوجان في آخر العربات، لم يستطيعا التحكم في صبوة ألمّت بهما، فأطلقا العنان لجسديهما اللذين اندمجا في نشاط غرامي لا هوادة فيه، الأمر الذي نتج عنه علوق مقبض جهاز الإنذار بإحدى قدمي السيدة، ما أدّى إلى تشغيل مكبح الإغاثة. وهكذا، سيصل الركاب إلى مقاصدهم متأخرين، ضاحكين، ومن فرط حس الفكاهة الذي استبدّ بهم أطلقوا على القطار، عوض "إكسبريس الشّرق"، تسمية: "سكس - بريس الشّرق"!

    *******

    ذكرى: في صيف 2010، كنت من بين المدعوين إلى مهرجان "أصوات حية من متوسط إلى متوسط" الذي يقام بمدينة سِيتْ بالجنوب الفرنسي. ولأني كنت سأتوجه من مرسيليا إلى سِيتْ، فإن إدارة المهرجان حجزت لي مقعدًا في القطار إلى جانب مقعدي مشاركتين في الأنشطة الشعرية بالمهرجان المذكور، إحداهما شاعرة من الكيبيك، والأخرى فرنسية. وكنت أنا، قبل تسعة أيام تحديداً من يوم رحلتنا المشتركة تلك، قد توقفت عن التدخين، بعد أن أنذرني طبيب القلب والشرايين بوخيم العواقب إن لم أفعل. في طريقنا، كانت كل من السيدتين تتشكّى من التأثير الضار للتدخين على صحتها، وقالت الشاعرة الكيبيكية إنها تنوي تجريب السيجارة الإلكترونية، وتكلّمت أنا فقلت إنه ليس هنالك ما هو أسهل من الانقطاع عن تلك العادة، وأضفت أنني دخنت لما لا يقل عن خمس وثلاثين سنة، "وها أنا الآن، قلت بنبرة فيها بعض الزهو، قد انقطعت واسترحت!". وقالت السيدة الفرنسية: "سأقتدي بك وأشحذ عزيمتي". لكني ما إن وصلت إلى سِيتْ، والتقيت بمعارف وأصدقاء من الشعراء وغير الشعراء، حتى عدت إلى التدخين. وكثيرا ما كنت أجلس في رفقة الشاعر الإماراتي المرحوم أحمد راشد ثاني، وننصرف إلى التدخين وعبّ الفودكا! وهكذا، أصبحت تلك السيدة الفرنسية، كلما رأتني وأنا منصرف إلى نشاطي ذاك، تأتي وتسدي إلي النصائح، وتطلب مني أن أرعوي فأدخن إن شئت، ولكن من دون إفراط!

    *******

    وحتى اليوم، كثيراً ما أذكر، حين أمرّ أمام محطة قطار، قولة بول موران Paul Morand التالية: "الفوائد المرتجاة من ورقة يانصيب هي أقلّ من تلك المتوقعة من تذكرة قطار"!


    9 نوفمبر 2015

    .
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    كيف لي…
    مبارك وساط
    -----------------------


    كيف لي أن أنهي هذا الكتاب في ليلتي هاته التي يُضيئها فحسب بُؤبؤا عصفور؟
    لن أبحث عن جواب ما دامت هذه الرّيح البطيئة لم تنته من مسح النّعاس عن عصاي المركونة قرب النّافذة ومن رَمْي نمش الهواء على طاولتي. حقّاً، كانت لي ريشات هنديٍّ أحمر حول رأسي، لكنّها سقطتْ منّي ذاتَ صباحٍ في حقل جدّي. حدث هذا منذ زمن بعيد. وكلّما فكّرتُ في العودة إلى ذلك الحقل لأجلب منه ريشاتي، يتعالى الصّفير في أذنيّ، ذلك أنّي، في العديد من المرّات، ما إن أغذّ السّير في اتّجاه ذلك الحقل حتّى أجدَ نفسي بداخل متحف للصّافرات.
    ومرّة، كنت أمضي في اتّجاهِ الحقل فرأيتُ ما حسبته بُرجاً قصيراً، لكنّي حين وصلتُ إليه اكتشفت أنّه مُجرّد تنّورة أسطوانية يتبدّى من تحتها ردفان مكوّران بشكل جميل. وكان أن وقفتُ لأستريح في ظلّهما.
    ( يجب الإقرار أنّي كنتُ طفلاً وقتها!)
    ومرّة كنتٌ سائراً صوب حقل جدّي لأجلبَ ريشاتي لكنْ جاءتني أحلامٌ من أعشاش وشرعتْ في الطّبطبة على كتفيّ هكذا : طَبْ طَبْ طَبْ...
     

مشاركة هذه الصفحة