1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

مبارك وساط.. شاعر غبار الأرض ووهجِ الأفق

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏15/1/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط: شاعر غبار الأرض ووهجِ الأفق

    مبارك وساط من مواليد قرية لمزيندة بضواحي اليوسفية لاسرة عمالية.. كتب عنه الاديب الدكتور محمد منصور الرقاق ذات فترة بعيدة في جريدة الميثاق الوطني مقالا جميلا وبليغا بعنوان: " مبارك وساط.. ذلك القادم من مغاور الفوسفاط "، يتنبأ فيه بمستقبل زاهر لهذا الشاعر الواعد والطليعي الذي كان يومئذ أستاذا بالمستوى الاعدادي ويحضر رسالة في شعبة الفلسفة عن فكر لوسيان غولدمان، ويهوى القراءة بقوة، وينشر بواكير قصائده وقصصه القصيرة بجريدة المحرر وبمجلة الثقافة الجديدة ومجلة مواقف ومجلة اوراق.. وكان هذا المقال الادبي شاهدا اثبات عن بدايات شاعر شاب سرعان ما شق طريقه بتؤدة وصبر واصرار مكين لاكتساب هوية شعرية وحفر اسمه ضمن قافلة كبار شعراء العالم..
    ويعد مبارك وساط الذي يحسبه البعض من هواة التصنيفات الادبية ضمن جيل الثمانينات، من اكبر واهم شعراء المغرب المعاصرين الذي رفدوا ديوان الشعر المغربي باجمل القصائد والدواوين والترجمات.. ذلك بتفرده بكتابة قصيدة النثر التي تعد من مظاهر الكتابة الشعرية بالنسبة الى منجزه الشعري، وبتميز أشعاره ذات النفس السوريالي الرائع الذي يبوؤه مكانة مرموقة بين كبار الشعراء السورياليين.
    كما انجز الشاعر في مجال شغفه الاضافي بالادب الاجنبي والى جانب ابداعه الشعري المرموق ترجمات هائلة لاتخطئها البصيرة لاشعار شعراء كبار منهم على سبيل المثال لا الحصر هنري ميشو، ورنيه شار ، وفرناندو بيسوا، وروبرت ديسنوس، ومحمد ديب، واندري بروتون، وجويل باستار، وفينوس خوري غاتا، وصلاح ستيتية، وروبيرت ساباتي، وليوبولد سيدار سنغور، ومحمد خير الدين، وعبداللطيف اللعبي، والطاهر بنجلون وغيرهم كثيرون ساعدته في ذلك ثقافته الموسوعية واتقانه لعدة ألسن وانفتاحه على عدة حضارات وشغفه بالشعر والادب العربي القديم، والمامه بالفلسفة كونه خريج هذه الشعبة واشتغاله بتدريسها بالثانوي لعدة سنوات..

    من اصداراته
    - « تحت درج المياه العميقة » دار توبقال - 1990
    - « فراشة من هيدروجين» (دار النهضة، 2008)،
    - «شذرات من سِفر تكوين منسي» كتاب شعري لعبد اللطيف اللعبي
    - «محمولات بأرخبيلات...» و«راية الهواء» كتاب يتضمن مجموعتين شعريتين
    - « رجل يبتسم للعصافير» (دار الجمل)
    - « المرتشي » رواية الطاهر بنجلون
    - « نادجا » اندري بروتون


    قراءة شائقة
    نقوس المهدي


    [​IMG]
     
    2 شخص معجب بهذا.
  2. شكرا أخي نقوس .
    هذا فضلا عن كونه صاحب نكتة وجامعة للنادر من الشعر العربي القديم ..
    مودتي .
     
    2 شخص معجب بهذا.
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    شكرا للاستاذ السي نور الدين فاهي على تعليقك عين الصواب ما قلت فهو يحفظ العديد من قصائد الشعر القديم عن ظهر قلب.. واظنك تعرفت اليه في مدينة ابن احمد التي درس بها لفترة طويلة ..
    وما زالت بين حين وحين اقرأ له نصوصا نادرة ينشرها هنا وهناك

    سلامي الصادق
     
  4. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد الجبار الغراز
    وساط مبارك .. سلاما

    لقد اختزل الحوار * الذي أجراه الأستاذ " نبيل منصر " مع الشاعر وساط مبارك تحت عنوان " وساط مبارك : في الذات التي تكتب يوجد الآخرون " المنشور بجريدة " المساء المغربية " تحت عدد 906 بتاريخ 19/ 08/ 2009 , هذا الشاعر الفذ , في بعد إنساني واحد و قدمه فقط كمبدع ساهم في تأثيث المشهد الأدبي و الشعري ببلادنا منذ السبعينيات من القرن المنصرم إلى الآن , كغيره من الشعراء و الأدباء المغاربة الذين كان يسكنهم هاجس الإبداع مع القدرة والسيطرة على اللغة و الموضوع و اقتناص المدهش … و لم يستوفه حقه في النظر إليه من زوايا و أبعاد أخرى , لربما اعتبرت أساسية في صقل الذات الأديبة والشاعرة للأستاذ مبارك وساط . فالناس الذين يعرفون هذا الرجل عن قرب , يعرفونه على أنه أستاذ مارس تدريس الأدب بالإعدادي كما مارس تدريس مادة الفلسفة بالثانوي , أواخر سبعينيات القرن العشرين , وقد ساهم , بشكل كبير , في تربية أجيال من النشء على تذوق الأدب العربي و العالمي في أبعادهما الجمالية و الاجتماعية و الأخلاقية , و أيضا على التفكير العقلاني و المنطقي السليم , و البناء النقدي للذات , من خلال الدروس الفلسفية الشيقة التي كان يلقيها بأسلوب سلس مبتعدا عن النظرة التبسيطية المبتذلة للأفكار الفلسفية .. فقد أنارت هذه الدروس , بالفعل , الطريق لعقول كادت تسقط في متاهات هذا الوجود التي لا حصر لها والتي كان يخيم عليها القلق و الإحساس بالاغتراب و الضياع , خصوصا وأن فترة السبعينيات قد عرفت جوا من الغليان الفكري و السياسي , لعبت فيه المدرسة المغربية دورها التربوي و التنويري الطلائعي الذي تفتقر إليه الآن .. لقد كان أساتذة الفلسفة و التاريخ و الأدب سراجا منيرا يضيء كل الدروب المظلمة .

    ومن هذا المنبر الشريف , أسطر بمداد الفخر و الاعتزاز , أني كنت من بين التلاميذ الذي تتلمذوا على يد هذا النابغة , و تعلموا أبجدية التفكير الفلسفي , أواخر سبعينيات القرن المنصرم بثانوية كشكاط بالمدينة المناضلة , مدينة اليوسفية .. لقد كان نعم الأستاذ و نعم الأخ و نعم الصديق .. لقد كنا نراه, نحن التلاميذ, بقلوبنا, نهرا يتدفق حكمة و معرفة.. فعلى يديه تعرفنا على أشعار " غوته " و أشعار "بابلو نيرودا " و " أمل دنقل " " ودرويش " و " السياب " و "صلاح عبد الصبور " .. وعلى يديه تذوقنا حلاوة قراءة و مطالعة نصوص الروايات العربية و العالمية ..أمثال : مائة عام من العزلة .. صيادون في شارع ضيق .. الأشجار و اغتيال مرزوق ..أولادحارتنا .. و القائمة طويلة وطويلة جدا .. لقد كان يغدق علينا مما جادت مكتبته العامرة من أمهات الكتب الأدبية و الفلسفية بدون مقابل سوى التوقيع على ميثاق الشرف الذي يحثنا على متابعة الدرس و التحصيل و محاولة أيجاد موطئ قدم صلبة , لأنفسنا , في هذا العالم المليء بالمفارقات و المتناقضات .. لقد كان الأستاذ مبارك وساط,يتمتع برحابة صدر قل نظيرها في أيامنا الحالية هذه, بحيث كان صدره يتسع لتساؤلاتنا العفوية. فقد كان يحتضن شغفنا و حبنا للمعرفة أيما احتضان. و كان دومايستقبل إجاباتنا العفوية و السطحية , في أحيان كثيرة , على بعض تساؤلاته النابعة من صميم الدرس الفلسفي بابتسامته التي لا تفارق محياه . فبتواضع العارف , المتملك لمجريات درسه المعرفية و المنهجية , كان يشرح لنا الدرس الفلسفي السقراطي :" أيهاالإنسان اعرف نفسك بنفسك " و كان يجعلنا في مسافة , ليست ببعيدة و لا قريبة من إشكالاتنا الفكرية و التراثية التي تقض مضاجعنا .. أذكر أن أول كتاب فلسفي قرأته , كان قد قدمه لي الأستاذ الجليل مبارك وساط و كلفني بعرض أهم خطوطه العريضة أمام زملائي التلاميذ, هو كتاب " الوعي و التاريخ " لجورج لوكاتش . و كانت فرنسيتي , آنذاك , لا تحتمل هذا الزخم الفلسفي و هذه اللجة الفكرية المنبعثة من فيلسوف أصيل مثل الفيلسوف لوكاتش .. قرأت الصفحات الأولى منه ولم أستطع , آنئذ, أن أفك حرفاواحدا من خطابه الفكري .. فأرجعت الكتاب لصاحبه قبل انصرام الأجل.. نظر الأستاذ إلىتلميذه نظرة مشمولة بالعطف الأبوي . فهدأ من روعه , و ربت على كتفيه وقال له قولا مصحوبا بابتسامة و هدوء العارفين بقي محفورا في ذاكرته إلى أبد الآبدين : " لا تكترث لهذا الأمر ستتمكن من الانتصار عليه .. إني أرى ذلك من خلال عينيك غيرا لمستسلمتين لليأس.. " فكانت تلك الكلمات بردا و سلاما على نفسي المضطربة الخائفة التي تحاول أن تتحاشى نظرات السخرية و الشماتة التي بدأت تطبع عيون التلاميذ..

    لم أستطع, وقتها, قراءة ذلك الكتاب.. لكن كان أهم شيء استنفدته منه هو أن أعيد مراجعة أسسي المعرفية و أبدأ من الصفر.. و استطعت بعدها أن أقرأ الكتاب لما التحقت بشعبة الفلسفة بكلية الآداب جامعة محمد الخامس بالرباط , و أدرس المذهب الفلسفي اللوكاتشي و غيره من المشاريع الفلسفية الأخرى التي ندين لها بالشيء الكثير في تغيير نظرتنا للوجود و للعالم ..

    أستاذ وساط.. شكرا جزيلا على بذورك التي نثرتها في أراضنا البور.. فأصبحت , بفعل ذلك , أرض العطاء .. أٍرض اليمن و الخير والبركة ..

    أحييك تحية السلام من خلال هذا المنبر الشريف ..

    * أنظر إلى الحوار الذي أجراه الأستاذ " نبيل منصر " مع الشاعر وساط مبارك تحت عنوان " وساط مبارك : في الذات التي تكتب يوجد الآخرون " المنشور بجريدة " المساء المغربية " تحت عدد 906 بتاريخ 19/ 08/ 2009


    [​IMG]
     
    1 person likes this.
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    وحيد نور الدين
    التيهور
    بورتريه للشاعر مبارك وساط



    ذو بأس شديد ، إذا ضرب البغلة بالرأس على الرأس تدمع عيناها و تترنح كالسكرانة . فتبا له من زمان راحلته بغلة هرمة ، وما لم يعد من القبح بد فالأنسب ان تمضي سكرانة . صغارا كنا نرنو الى برنوسه الاثير على مشجب الفصل الدراسي هامدا – وخيبة الصباحات الكالحة سقطت عميقا في لجة ضحكه الهادر – و ثمة فينا قدرة فائقة على صنع الفرح من لا شئ تقريبا .، فالصباحات اياها لم تكن بالتمام كالحة و لا بالمرة خائبة . صباحات الأعياد …أعياد الميلاد و هي عديدة على مدار العام . لكل قصيدة من قصائد مبارك وساط عيد ميلاد احتفلنا به على طريقة الهنود الحمر في بني الأحمر…
    و احتفل به السي عباس على طريقته الخاصة جدا جدا ، في مقهى الاخوان او مقهى الأوباش ….على الناصية في لباس العيد ، رجلا على رجل يفتح الجريدة او المجلة على قصيدة مبارك و يكيل للسلطات من قعر ّ طيز العقرب ّ سبا و شتيمة في عز الصهد و الرصاص : ينعل بو امهم …..رجل في الستين اهتزت اركان البنيان القديم من ضحكته المجلجلة يوم بلغه خبر اعتقال ولده مبارك ، قال : الى ما كفاهم مبارك نزيدهم عبدالقادر ….تم التفت الي : و أنت بوك آش باقي كتدير هنا ؟ ….لماذا لا تعتقل انت ايضا ، و انت كذلك ، وهؤلاء جميعا ….أم تراه الشاعر وحده جدير بهذا الوطن ؟
    امرأة في الخمسينات ، تعود بالخبز من الفران ، هي ام مبارك ، تصادفها على الطريق المغبرة امرأة من ضوء تغتسل من غبار المعارك – بأمطار المساء – وترفع شارة الصمود امام أبواب مخافر الشرطة ، و قد تباغثك بسؤال عن كتاب اقترضته من مبارك قبل اعتقاله : انت أي متى غ ترجع لي كتاب هايدغر ؟؟ هي لم تدخل المدرسة قط و لكنها تعرف
    كل الكتب . امرأة من ضوء بشساعة افق تكسوه الثلوج ….لولا ان الثلج في هذه الديار قد طاله الصدأ أمام عينين – كانتا
    يمامتين سجينتين و جلدهما أقزام لا يبرجون بطون امهاتهم الا في أعياد المجوس –
    عفوك شاعرنا ، ليس للأقزام الا أم واحدة ، وذات عيد ماطر كان الذبح و السلخ في التلفزيون ، و كانت الاقدام تغوص في الوحل حتى الأذنين ، و اشعة شمس الشتاء تنعكس على أديم الثلج و تسقط في العيون …و البغلة تسكر جراء هذا ، فكانت بالفعل سكرانة ، وكان ان استعادت وعيها من هول الضربة المعلومة بالرأس على الرأس هكذا ّ دزززززات ّ ..
    فكان ان أفاقت على غير ما صورت لها ذماغها الجسيمة . الصاع صاعين ركلت تحت الحزام وبقيت صاغرة تنظر في براءة لا غبار عليها ، فلا غبار في موسم الامطار .. و حده اكسير أشعة الشمس على الجليد الصدئ في عينيك يخطف
    يحطف لبك فتمضي اليه مشدوها متضورا ..تمضي و الناظر يتبعك و البغلة ترمش كحيلة عينها كبيرة لولا انها عين البغلة .
    ترى فيم عساها البغلة ترمش يا مولانا ؟ يا لبراءة البغال ؛ ترمش . في البدء لم تكن بغلة . في البدء كانت فرسا جموحا
    اجتمع الأجلاف عليها ، أوثقوها و شلوا حركتها في منحدر حتى يتسنى للحمار ان يعتليها …يا لقبح المشهد . فقبح من مشهد و قبح من لا ينطحه بالرأس على الرأس هكذا ّ دزاااات ّ …
    الدوخة الكبرى تلم بك جراء النطح على رأس البغلة .. – تسبل أهذابك على صرخات و بروق – و تمضى على خطى الشعراء و هدي – قمر ميت تبكيه بجعة وحيدة – و تلك الهامات المائلة في السفح تطاول النجوم و لا تطاول الجبل .
    قال – انها المنارات تطأطئ هاماتها ….في أفق يتغضن و يرتعش – و أقول انه الأزرق و ان تسربل فضيا من بين الأغصان في غابة يهدهدها قمر ميت عند سفح الجبل – في غابة ما ….امرأة تقبل ذئبا كسيحا ….على عتبة الغابة …هياكل عظمية تضحك للنجوم …و في كوخ مهجور أنام متسترا على صيحتي – مهلا ايها الشاعر ؛ آهل جدا ذاك الكوخ الذي يأويك ، انت المتشيت بصخبك تشيت الطفل الفقير بلعبته الافعوانية .، آهل جدا ذاك الكوخ و مقهى الأوباش و ضحكتك المجلجلة تهتز لها أركان البنيان العتيق – حيث الوقت دائما منتصف الليل – ذات الضحكة التي يتردد صداها في اركان الغابة السبعة و يصلني ممهورا بعواء الذئاب الكسيحة ، فأستجمع شتاتي ، و أقتفي الأثر على – الرمل الذي يهدهد اقدام الينابيع اليافعة ….و السماء تغسل عيون الموتى – و لا تغسل عيون القمر و لا صدأ الأفق الجليدي …مهلا أيها البياض ؛ الان تبتدئ الحكاية : غابة مائلة ، قمر ميت ، جماجم تضحك ، بجعة وحيدة ، ضحكة مجلجلة و عواء من الجهات السبعة ….فنهر سريع يخترق الغاب يشطره شطرين ، كتفاحة فاسدة على مائدة في مطعم الحي الجامعي . من ذا يريد التفاحة ؟؟
    - لأعمى الذي يغتسل بتنهداته أم أنا الصامت قرب القيثارة ، ملفوفا في معطف من غبار ؟ – و صار لك معطف يا ميارك ؟ …يا للبرنوس الأثير . . شمس الشتاء فاترة خامدة لا تدفئ العظام فبالأحرى هذا الجليد …عفوا ذاك الجليد ، ذاك في قمة الجبل . وحدك وحدك يا وحدك انت القادم من حيث الصهد يجئ ، وحدك وحدك تذيب هذا الجليد و يحدث التيهور ….يجرف الطفيليات و الجماجم الخاوية . يكفي ان تصعد الجبل . يكفي ؟ كأن تسلق الجبال كان امرا هينا ؟ ….و هو كذلك ولكن في بعد مشين . فرفعا لكل التباس تركت التسلق و ركبت النهر السريع . و جذفت ضد التيار باتجاه النبع الصافي – هل أقول ان أصابع النهر يأكلها الندم ؟ …هل انصت للدمعة التي ….تهطل بغزارة ….من ثقب حذائي …- حذائي أنا أثقلته مسامير اسكافي الحي ، ذاك الذي لا أعرف طول قامته ، فلم أره قط الا قاعدا يدق المسامير في أحذية السابلة . الاسكافي الذي لا اعرف كيف و من اين يدخل دكانه ، فليس لدكانه باب فيما أرى . الاسكافي الذي يداه كماشتان معروقتان بكدمات و شقوق و أضلاف أشفق لحال امرأة يتلمس نهدها ….دائم الحسرة على زمن كان فيه الناس يعتنون باحذيتهم احتراما لوجه المدينة و طرقاتها التي لا تؤدي لغير التهلكة ….ان هو الا حديث اسكافي يدق المسامير في حذاء جلد ه من ذبائح و جيف ، و خطوه في علم الغيب و قصيد شاعر – …عجزة يتقاسمون خبز الملاحم القديمة …شحاذ يغفو في محارة بحجم خرائب عمره الطويل –مهلا ايها البياض ؛ من يحتذي هذا الحذاء المثقل بالمسامير ؟ من يعفينا صدأ هذه المسامير ؟ من يجذف ضد هذا التيار .
    - …………..ملحوظة : .كل ما ورد في هذا النص بين عارضتين مقتطف من ديوان : على درج المياه العميقة

    10 مارس 2007

    [​IMG]
     
    1 person likes this.
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    «شعرية الباذنجان»: مُلاحظات وتساؤلات

    اجتهد أدونيس،فكتب يوما يقول إن مهمة الشاعر الحديث أن يجعل القارئ يعلو لكي يصل إليه، لا أن ينزل هو إلى القارئ، منذ ذلك الوقت والاثنان معا يطيران في الهواء، لا القارئ يعلو ولا الشاعر ينزل»!
    قرأتُ، من قبل، مقالاتٍ للسّيّد ادريس الكنبوري، نُشرتْ في الصّفحة الثّقافيّة لصحيفة «المساء»، ولم يَدُر قطّ بخَلَدي، قبل هذه اللحظة، أنّي سأكتبُ في يوم ما « ملاحظات وتساؤلات» حول بعضٍ مِمّا تجودُ به علينا قريحتُه، إلا أنني أفعل ذلك الآن، مُضطرّا، بعد اطّلاعي على مقاله: «شعريّة الباذنجان» (عدد الجمعة 1 مايو 2009 من «المساء») . وأعتقد أنّ صدر الأخ إدريس الكنبوري من الرّحابة بما يكفي ليتَّسِعَ لملاحظاتي.
    لا داعي إلى أن أرتّب هذه المُلاحظات، فهي، على أي حال، ستبدو، في نهاية المطاف، متواشجة متكاملة:
    - وَرَدَ في «شعرية الباذنجان»: «ففي «البيان والتبيين» يستشهد الجاحظ ببائع متجول يجوب الأزقة صائحا «هنا بائع الباذنجان»، ويقول الجاحظ إن مصادفة تلاقي تلك العبارة مع الوزن «فاعلن فاعلان» لا تعني أن صاحبها شاعر، بل مجرد بائع متجول».
    لا يمكنُ القارئَ إلا أن يبقى حائرا أمام هذا «الاستشهاد» المثير، ذلك أنّ عبارة « هنا بائع الباذنجان»، ليستْ بتاتا على وزن « فاعلن فاعلان»، وليسَ واردا، طبعا، أن يُقْدِم الجاحظ على خطأ من هذا القبيل، ولكنّ السيد إدريس الكنبوري، بارتكابِه إياه، يُبَيّن لنا أنّ علاقته بالعروض ليستْ على ما يُرام. وسيَتّضحُ، بعد قليل، دافعي إلى تسجيل هذه المُلاحظة.
    - كَتب السّيّد إدريس الكنبوري، أيضا، في المقال نفسِه: «... كانت هناك دائما أربعة أنواع من الشُّعراء أحصاهُمْ وعدّهمْ عدّا أحد الشّعراء في أبيات أوردها ابن رشيق القيرواني... قال فيها:
    الشعراء، فاعلمن، أربعة
    فشاعر يجري ولا يُجرى معه = وشاعر ينشد وسْط المعمعة
    وشاعر من حقه أن تسمعه = وشاعر تستطيع أن تصفعه. ( كذا!)»
    وهنا يَجِدُ القارئ نفسَهُ، مرّة أخرى، أَمَامَ أمر غير مُستساغ: فالسّيد إدريس يحسب أنّ عبارة «وشاعر تستطيعُ أن تصفعه» هي على وزن الأبيات الثلاثة الواردة قبلها، وهذا غير صحيح. وبديهي أنه يستحيل أن يورد ابنُ رشيق هذه العبارة على أنّها البيت الرّابع المكمّل للأبيات السّابقة عليه (في طبعة جيّدة التّحقيق لكتاب «العُمدة» لابن رشيق، نقرأ الأبيات التالية: الشّعراء فاعلمنَّ أربعهْ/ فشاعرٌ لا يُرْتجى لمنفعهْ/ وشاعر يُنْشِدُ وسْطَ المَجْمعهْ/ وشاعِرٌ آخرُ لا يُجْرى معَهْ/ وشاعِرٌ يُقالُ: خَمِّرْ في دَعَهْ).
    وقدْ يَسْألني سائل لِمَ أَقِفُ عند هاته المسألة العَروضيّة وسابِقَتِها؟ جوابي هو التّالي: إنّ صاحب «شعرية الباذنجان» يُخبرنا، في مطلعِ مقاله، أنّ محمود درويش كتب ذات مرّة « مُحَذّرا من موجة شعرية جديدة كانت قد بدأت تظهر في ذلك الوقت، سماها أصحابها قصيدة النثر»، ويُضيف: «مات محمود درويش... وضاعت صرخة الرجل في واد من الفوضى والتسيب»، وما يُفهم من هذا الكلام هو أن السيد إدريس الكنبوري يُقدّم نفسه، بصورة ضمنية، على أنّه من النّقّاد المناصرين لشعر التّفعيلة (رغم أنّه سيُضفي، لاحقا، قليلا من النّسبية على ما يُفهَمُ من كلامُهُ الذي أوردتُه أعلاه). هذا من حقّه، طبعا -علما بأنّه، في الواقع، لا توجد «حرب» بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النّثر. لكنْ يَبقى ثمّة سؤال يَطرح نفسه: إذا كان السيد إدريس الكنبوري لا يستطيعُ أنْ يُميّز، بشكل تلقائي، واعتمادا على ما هو معروف بالأذن الموسيقيّة، الكلام الموزونَ من غير الموزون، وإذا كان يَحسِبُ أنّ عبارة «هنا بائعُ الباذنجان» هي على وزن «فاعلن فاعلان»... فكيف سيُمكنُهُ أن يُفرّقَ بين «قصيدة تفعيلة» و«قصيدة نثر»؟
    - لنعُدْ إلى بداية مقال الأخ إدريس الكنبوري: «في بداية الثمانينيات، كتب الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، الذي عاش أعزب واكتفى بالقصائد محل الأولاد، محذرا من موجة شعرية جديدة كانت قد بدأت تظهر في ذلك الوقت، سماها أصحابها قصيدة النثر، وكتب في مجلة «مواقف»، التي كانت هي نفسها وراء تلك الموجة للمفارقة، مقالا تحت عنوان «أنقذونا من هذا الشعر». مات محمود درويش وقبله ماتت «مواقف»، وضاعت صرخة الرجل...».
    الواقع أنّ ما ورد في هذه السّطور بعيد أشدّ البعد عن الدّقّة. فالمرحوم محمود درويش كان قد عبّر عن موقف شخصيٍّ جِدّا لم يَعْتبِرْهُ مُلزما لغيره (إذ إنّه لم يَكُنْ يرغب في لعب دور المفتي الذي يُحدّدُ للشّعراء ما يجوز وما لا يَجوز!). ولِيَتَيَقّنَ السّيّد إدريس من هذا، ما عليه سوى أن يعود إلى بعض أعداد مجلّة «الكرمل» (وقد كان محمود درويش رئيسَ تحريرها). وقْتَها، سيتحقّق من أنّ هذه المجلّة قد نشرت عشراتٍ من قصائد النّثر، بل إنّها نشرتْ من هذا الصّنف أكثرَ ممّا فعلتْ «مواقف»!.. أفْتَحُ، دونما انتقاء، عددين من «الكرمل» -يتصادفُ أنّهما العدد 39/ سنة 1991، والعدد 42/ سنة 1991، أيضا- فألاحظ أنهما يتضمّنانِ قصائد نثر لكلّ من: سركون بولص، سيف الرحبي، هاتف الجنابي، عقيل علي، محمد علي اليوسفي، وليد خازندار، عقل العويط، ومنذر عامر.
    إنّ صاحب «شِعريّة الباذنجان» يُخطئ، أيضا، حين يقول إنّ «مواقف» كانتْ «وراء تلك الموجة (يقصد ظهور قصيدة النّثر وانتشارها)»، فالواقع أنّ قصيدة النّثر قد ظهرتْ قبل أن يرى أول عدد من «مواقف» النّور بسنوات طوال; بل إنّ « مواقف» نشرتْ، مثل «الكرمل»، قصائدَ تفعيلة وقصائد نثر. وشعراء التفعيلة الذين نشروا في «مواقف» كثيرون، منهم: فدوى طوقان، أدونيس، سعدي يوسف، محمّد عبد الحيّ، محمد علي شمس الدّين، جودت فخر الدّين، علي جعفر العلاق، محمّد الطّوبي، إدريس عيسى، جليل حيدر... ولأنّ السّيّد إدريس الكنبوري كانَ قد ذكَرَ بخير كلاّ من إدوار سعيد ومُحمّد أركون، في مقال له سابق بعنوان: «الخيانة المُحرّمة» (جريدة «المساء»، عدد 10 أبريل 2009)، فإنّي أودّ أنْ يَعلم أنَّ كلاّ من هذين المُفكّرين كان، في فترة أو أخرى، ضمن هيئة تحرير «مواقف»...
    - يقول صاحبُ «شعرية الباذنجان»: «..ولأن كل شخص أصبح من حقه أن يضع كلمة إلى جوار أخرى ويذهب إلى المطبعة محملا بشيك... وقد اجتهد علي أحمد سعيد، المعروف بأدونيس، لكي يجد تخريجة لهذه الظاهرة، فكتب يوما يقول إن مهمة الشاعر الحديث أن يجعل القارئ يعلو لكي يصل إليه، لا أن ينزل هو إلى القارئ، منذ ذلك الوقت والاثنان معا يطيران في الهواء، لا القارئ يعلو ولا الشاعر ينزل»!
    لا شكَّ أنَّ هنالك كتبًا رديئة تُنشر، في مجالات كثيرة (الرّواية، الشّعر، القِصّة القصيرة، النّقد،...)، في بلادنا وفي غيرها من البُلدان، لكنّ الأمر الذي يثيرُ الاستغراب هو إقحام أدونيس في مسألة من هذا القبيل. إنّ الحديث عن «تخريجة» يَبْدو لي نتاجَ فهمٍ غريب لفكرة أدونيس عن ضرورة تثقيفِ القارئِ نفسَه حَتّى يتمكّن من مُواكبة حركيّة الإبداع... والحالُ أنّ ما قاله أدونيس سبق أن ورَدَ على لسان أبي تمّام قبله بقرون، فمن المعروف أنّ أبا تمّام كانَ قدْ سُئلَ مِنْ قِبَلِ أحدهم: «لِمَ لا تَقولُ ما يُفْهَم؟»، فكان جوابُهُ: «ولِمَ لا تَفْهَمُ ما يُقال؟»، أي: لِمَ لا ترقى إلى المستوى اللازم لفَهْم ما يُقال، وهذا ما أعاد أدونيس التّأكيد عليه بطريقته...
    - ويقول السّيّد إدريس الكنبوري، أيضا: «هناك شعراء كبار أنجبتهم القصيدة الحديثة، قصيدة التفعيلة، وهناك آخرون أنجبتهم قصيدة النثر، فالإبداع مجال للاستثناءات بامتياز، بدونها لا يحيا. نجح محمد الماغوط في نحت قصيدته النثرية، كما نجح حسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف، لكن هؤلاء قليلون، لأن القوة لديهم كامنة في قدرتهم الإبداعية لا في قصيدة النثر بذاتها...».
    لا داعي، طبعا، للإشارة إلى كون سعدي يوسف وحسب الشّيخ جعفر لا يكتبان قصيدة النّثر، فهذا مِمّا يعرفه كلّ من له علاقة بالشّعر العربي المُعاصر... ولا شكّ أنّ القراء يودّون لو يُدقّق الأخ الكريم إدريس الكنبوري معلوماته قبل أن يقدّمها إليهم، فإضافة إلى ما يُفاجئنا به في «شعريّة الباذنجان»، نجِدُ أنّه كانَ قدْ كتب في مقال آخر له بجريدة «المساء»، يحمل عنوان «أكلوني البراغيث» (عدد الجمعة 17 أبريل 2009): «عاش الشاعر الفرنسي آرتور رامبو عمرا قصيرا... ولا زالت قصيدته الشهيرة «الزورق الأعمى» تستفز حاسة التحدي لدى النقاد...»، والواقِع أنّه ليس لرامبو أيّ قصيدة بهذا العنوان، بل إنّ من بين قصائده، الشّهيرة فعلا، واحدة تحمل عنوان: «المركب السّكران»، وشتّان ما بين هذا وذاك... وأعمال رامبو الكاملة مُتوافرة في المكتبات، لا بالفرنسية وحدها، بل بالعربية أيضا(في ترجمة معروفة لكاظم جهاد).
    يبقى ثمة أمر غريب آخر في هذه العبارة: «... لكنّ هؤلاء قليلون، لأنّ القُوّة لديهم كامنة في قُدرتهم الإبداعية لا في قصيدة النثر بذاتها...». فهل قوّة شعراء التّفعيلة المتميّزين كامنةٌ في «قصيدة التّفعيلة بذاتها»؟ وما معنى «قصيدة النّثر بذاتها»؟ وأين توجَد؟ ولو كانتْ قوّة شعراء قصيدة الشّطرين كامنة في « قصيدة الشّطرين بذاتها»، فهل كان لِواحدٍ من القُدامى أنْ يُميّز بين أصناف أربعة منهم؟ وإذا كان محمد الماغوط قد نجح في «نحت قصيدته النّثريّة»، فَلِمَ لا يَنْجحُ آخرون في «نحتِ قصائدهم النّثريّة»؟ هل حَدث أن تبنّى الماغوط قولة ابن عربي: «أنا الخَتم، لا وليَّ بعدي ولا حامِلَ لِعهدي»؟
    - وكتب صاحب المقال المذكور: «... لأن القوة لديهم كامنة في قدرتهم الإبداعية لا في قصيدة النثر بذاتها، في الشاعرية لا في الشعرية، والفرق بينهما كبير كما يعرف القارئ، الأولى تتعلق بذاتية الشاعر، والثانية بالنص، وهذه الأخيرة ابتكرها النقد الحديث بعدما جف الإبداع للتغطية على غياب الأولى، لأن الشعرية، بكلمة واحدة، هي التساوي بين ما كتبه المتبني وما يكتبه شعرور انتحاري كل زاده من الإبداع عبارة «تفجير اللغة» التي أسيء إليها كثيرا بغير إنصاف. لكن نجاح مثل تلك التجارب الخاصة والفردية لا يعني أن الجميع يمكنه الدخول من غير أن يستأذن». من جديد، يَجِد القارئ نَفْسَه أمام كلام ليست له ضوابط، فأيّ طالب مبتدئ في الدراسات اللسانية والأدبية يَعرفُ أنّ أرسطو، قبل حوالي 25 قرنا، كان قد ألّف كتابا، عنوانُهُ... «الشّعريّة»!.. فهذه الأخيرة، إذن، بعيدة عن أن تكون من مبتكرات النَّقد الحديث. ومن باب التّعقيب على العِبارة التّالية: «لكنّ نجاح مثل تلك التّجارب الخاصّة والفرديّة...»، والتي يُقصدُ منها تجارب الماغوط وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر، أتساءل: أليستْ كلّ تجربة شعريّة حقيقية، بالضّرورة، « خاصّةً وفرديّةً»، سواء تعلّق الأمر بشاعر مُعاصر كهنري ميشو أو عبد الكبير الخطيبي أو محمّد السّرغيني أو وديع سعادة ، أو بشاعر من عصر آخر كالأعشى الكبير أو أبي نواس أو ابن شُهَيد أو شكسبير؟...
    لا أودّ أن أطيل أكثر مما فعلت، ولكنّي أريدُ أنْ أؤكّد على أنّ ما دفعني إلى كتابة هذه السّطور هو إدراكي لمدى أهمّية الصّحافة الثّقافية في مُجتمعنا، فالقارئ ينتظر من المقالات النّقديّة التي يقدَّمُها إليه أصحابُها أنْ تُفيدَه، أي أنْ تكون غنيّة بحمولة ثقافية فعلية... وبالطّبع، فهذا القارئ لن يرتاح لكتابات فيها «نرفزة» غريبة وخلط كثير.


    * نشر في المساء


    [​IMG]
     
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبـــــــــارك وســــــــــاط
    لفائف سِحْريّة
    قصيدة

    نُغنّي بألسنة الذين ركضوا
    بِمُجرَّد ما وُلِدوا
    فيما ثلاث غيمات
    تحتضر حول رأسينا
    الأمّهاتُ في هذا المقهى
    أقلّ من أسمائهنّ
    دخّنّا ودَخَّنَّا
    فمضت عظامُنا
    لتؤازر أخانا المطر
    أخانا السّاقطَ لكنّنا
    نبجّله
    من الدّخان صُغْنا أطفالا
    دلفوا إلى بطن أم
    وهناك
    تلألؤوا
     
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    تُزْعِجُني قََصَّةُ شَعْرِك

    1- رَجُلٌ مََقْرُور ـ

    تُزْعِجُني قَصَّةُ شَعْرك يا نجمةُ
    إنّ لها رائحةَ نعجة مُبلَّلة
    لا أحبُّكَ يا قمرَ هذه الليلة
    فأنت لا تتفوّه إلا
    بكلماتٍ نابية
    ومن حسن الحظِّ أن الذين يحشِمُون بِشِدّة
    هُمْ إِمَّا صُمّ
    أو يَغُطّون في نَوْمِهِمْ
    أمّا أنتِ يا مُقَشَّرة الدِّهان
    يا ذاتَ الجدران المُصابة بِالهذيان الرُّعاشيّ
    يا عجوزا مُعَلّقة
    تثلج من أخمص قدميها
    يا غُرفتي
    فجوفك بحر بارد
    ماؤه من دخان سجائري ونظراتِ
    تعجُّبي
    وأنا، متى استطعتُ أن أُغَافل
    بَرْدَك، سأهجُرُك
    وأمضي
    منزلقًا على ابتساماتِ حمائمَ صديقَة
    حتّى هونولولو
    ففي هونولووووولو
    القدّاحات الجَميلات
    يُبَادِرْنَ إلى الرّقص للوافد الجديد
    والمدافئ الكهربائيّة تعيش صامِدةً
    وتموت واقفةً
    وإذا شعرتَ بالغربة
    في هونولووووووولو
    يمكنُك، بحركةٍ من رأسك
    أنْ تُحيِّيَ نفسك، فتشعرَ بدفءٍ
    إنسانيٍّ عظيم
    حقًّا، قد يحدثُ في هونولووووولو
    أن أبِيتَ ليلةً ما في فندق
    ناقصِ التّدفئة
    فتُطِلَّ عليّ القشعريرة بعينيها اللماعتين
    من النّافذة التي أكون نسيتُ
    إغلاقها جيِّدًا
    لكنْ سرعانَ ما ستلْحَقْنَ بي
    يا حليفاتي الحمائم
    وبضرباتٍ من مناقيركنَّ ذوات
    البأس والبسمات
    تُكَبّدن عصابات البرد اللعين
    أفدحَ الخَسائر

    2- قَدَمٌ مَنْسِيَّة

    كان عندي كتابٌ نادر: 'كيف تُصبح بَرمائيا في خمسة أيام'، أبي أحرقه لأنّه، حسبما قال، لم يكن يحبّ السّلاحف وأشباهها.
    إثرها، غادرت البيت مغضبًا، وتخفّيت شهورًا في تنهيدة امرأة.
    ثمّ نفختُ في صبيحة فصيّرتُها بالونا لعبتُ به زمنًا وعثرتُ على أقدم طحلب في التّاريخ تحت قدم قديمة جدّا ومنسيّة في حقل، فتركتُها تركل ذلك البالون وتُنجِز المراوغات.
    قلتُ في نفسي لعلّها قدم أبينا آدم التي كان ركل بها تفّاحة الجنة ليُصَيّرها بالونا وهي حقًّا تستحقّ أن تكون قدم لاعب كرة قدم مُحترف يُهاجم ويُسَجّل الإصابات في الجنّة.
    ثمّ عدت. في اليوم نفسه أصلحتُ ذات البين مع العائلة. أَدْهَشَنِي، فَحَسْب، أنّ القِطّ لم يَبْقَ منه غير شبحه.
    وفي الفجر المُوالي، كنتُ في وسط المدينة مع الذين يقذفون أحجارا صوبَ حارس السّاحة التي خصّصَتْها الحكومة لانتحار المجانين.
    هذه المغامرات، لعلمكم، حُفِظتْ في أرشيف الرّيح، هنالك خلف جبال الهملايا.

    3- تَخْدير ـ

    ضحكاتٌ كثيرة تعلو وتخفت تحت جِلد البحر
    حيثُ سمعتُها
    كنت قد تركتُ رسالةً قبل أن أمضي لأغرق
    أن تحيا غريقا: تجربة أثارتني
    منذ أن قرأت صفحات في كتاب:
    'كيف تصبح برمائيا في خمسة أيام'
    لكنَّ العيشَ تحت الماء كان يُنذر
    بأنْ يكون قصيرًا
    وَوَحْدَها رغبتي في العودة لتصحيح
    تعابيرَ في رسالتي، أنقَذَتْني
    إذ جعلَتْنِي
    أَصْعَدُ بوثبةٍ من
    قعر بعيد
    الآن، وقد عدتُ، سأبقى في غرفتي
    وأنعمُ بالهناء العادي الذي أَشْعر به
    وأنا نَاشفٌ تحت ثيابي الأليفة
    بَلْ، من باب الاحتياط، سأحقُنُ بالمُخَدِّر سُرّة هذا المساء
    حتّى ينامَ ويكفَّ عن ذَرْفِ قطرات مَطَرِه
    عَبْرَ نافذتي
    قطراتِ مطره الَّتِي تريد أن تَسْقُطَ على رأسي
    حتّى تُسَرِّب إليه
    فِكْرَةَ العَيْشِ تَحْتَ جِلْد
    البحر

    4- شؤون عائليّة ـ

    ماتتِ الخالة الكبيرة، بعدعُمر مديد، وبعد انقطاع المطر
    النُّدوب العريضة السّوْداء التي كانت في يديها انتقلتْ
    إلى جُدران غُرفتها
    مُهْرَتها الصَّغيرة لبثتْ على دُهْمَتِهَا
    الطّائر الذي قضى في رُفْقَتها أيَّامَها الأخيرة
    ومات معها أيضًا
    بقيتْ منه رفرفةُ جَناح
    تجوسُ تحت السَّقف ووحدَها ابنةُ الخالة
    تراها
    ابنة الخالة، الحَرِيصَة
    على ابتسامات
    صغارِ الأُسْرَة وكثيرا ما تنقشها
    على خواتم
    ونحن الذين حملنا التَّابُوت ومضينا
    صَوْبَ المقبرة سيفوتنا
    البيع والشّراء في السّوق الأسبوعي
    لكنْ سَتُرَافِقُنَا المُهْرَة الصَّغيرة
    وتَنْسُجُ لنا الأماني
    بِالْحَمْحَمَات

    * القدس العربي
    2013-01-10

    [​IMG]
     
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    قصيدتان لمحمد خير الدّين ( 1941- 1995)
    تر: مبارك وساط

    من مجموعة: "شمس عنكبوتية"، منشورات سوي، باريس، 1967؛ أعادتْ نَشْرَها
    غاليمار، سنة 2009، في سلسلتها "شِعر"، التي تخصّصُها
    للأعمال الشِّعْرِيّة المتميّزة بشكل خاصّ ... ـ
    ----------------------------------------------------


    ـ1- قصيدة


    الزّاحِفُ صوب سُرَّتي التي هي من سيول داكِنةِ الحُمْرَة
    والذي يضرب أعناقَ ياقاتي المنبهرة بالبروق
    ساطورٌ كان يحدث أن يضحك
    هذه السَّماء الخالية من الملائكة استعادتْ كُلَّ أظافرها
    لكنَّ كتلة القنّبِ الخفيَّة تدور بشكل سيّئ
    في الأساس نفسِه من حائط الأهوال
    الزّاحفِ صوب سُرّتي التي هي من سيول داكِنة الحُمْرَة

    قَطِّعوا إذن جسوم عصافيري الوحيدة
    أتحدّثُ عن عينٍ تُسكب في كلّ غرام
    من العنبر المُرّ
    يُدخَّن يُبصَقُ على هذا المُلْصَق الدّعائي لكوكب
    يهوي فيه صوتي القزمُ الأسودُ
    شبيهُ صوتِ العَلَقة
    قطِّعوا إذن جسوم عصافيري الوحيدة

    ها التّهديدُ دونما فاصلة قد جُهر به
    من طرف مساميرَ معلومةٍ لديَّ انقلبتْ صقورا
    شاءت الصّدفة أن تقبعَ ها هنا طريقٌ
    وأعناقُ أطفال تبجَّحَ بهم العضوُ الجِنسيّ
    المُضخّمُ بالشّيلم والنّومِ
    وها التّهديدُ دونما فاصلة قد جُهر به

    حين تنغرز أظافرُهُ في اللحم الأزرق
    للحُسام
    يجأرون دوما بماذا ويبكون مَنْ
    مخدوع أنا بالصّمت وهذي ليلةٌ سَكْرَى بلا رَحِم
    خلالها تَطيرُ الحشرةُ عقيلتي
    أقربَ من أيّ قارِبٍ يستطيع البحر أنْ يتذكَّره
    حين تنغرز أظافرُهُ في اللحم الأزرق
    للحُسام

    وَثائقُ كلّ النّيازكِ النُّحاسِيّة ذاتِ الهلوسات
    ومسألةُ المستعمرات الفينيقيّة هاته تجتاحني في كامل
    شسوعي
    تكتسحُ ظلّيَ الذي من نبيذ أحمر
    بالصّرخةِ الأنثى لصيّاد الطّيور
    لكنْ ما دامتِ الشّمسُ فاكهةً تالفة
    لها ظلُّ شهير
    فهذا الظّلّ وخيطُه يتسلّلان إلى جِلْدي
    وثائقَ لكلّ النّيازِكِ النّحاسِيّةِ ذاتِ الهلوسات

    وأرحل مع ما تبقَّى لي من أناي
    الذي صرخوا في وجهه
    أرحلُ ملتصقا بالرّصيف
    رفقةَ تحدِّيَ ذي ألقِ الرّملِ أشربُ
    تحت الشَّجرة الكثيفةِ الأوراقِ حيثُ ثعابيني الزوابعُ
    تَكسرُ النَّايات
    وأرقص منبهرا على شوكةِ بؤبؤيك الخرقاء
    وأرحلُ مع ما تبقَّى لي من أناي
    الذي صرخوا في وجهه

    أُرْغِي بقصائد منعتْها الرّقابة وبمشروبِ أبْسَنْتٍ
    لم ينقشع أثرُه أبسنتِ رُكَبٍ مائلةٍ في تحليقها
    أُوَجِّهُ شتائمي للرّخوية القابعة في هذه القوقعة
    البيضاءِ حيثُ ثبَّتَتِ العادةُ قضبانها
    التي تسمّيني الأسدَ المنبجس كالسّائل
    الأسدَ ذا السّترةِ غير المألوفة
    سترةِ جساراتٍ يعرفها
    المستنقع ذو المكانة العليا
    أُرْغي بقصائدَ منعتها الرقابة وبمشروبِ أبسنتٍ

    الآن أرمي إليكم بِرِئتيّ الطّيّارتين الورقيّتين
    بالدّقّة التي تُطَرّي فضائي
    وأقول
    الرّبيعُ لا يوجد لقد انكسرت فَقَارُ ظَهْره
    إذ تعرّضَ لهبّة ريح صوتُها غيرُ مُمَيَّزٍ
    ـ (كما النّخلة-السِّجن
    التي تكتبكَ أنتَ نفسَك وتُدهِشك)ـ
    الآن أرمي إليكم بِرِئتيّ الطّيّارتين الورقيّتين



    ـ2- إلى جان ديفوار


    شموس الأحلام، الرّهيبةُ
    جُثَثُ الأقمار والصّحراء، الدّبقةُ
    تَكُونُ تحت إبط مُهرِّب البشر عبر الحدود
    أكثرَ عددا من عصافير الأرض قاطبة
    حين يرسمُ البحر المُترجّح نتيجةَ تسمّم الطّحالب المُرّة
    صِلة وَصْلٍ بين
    السّماء اللّدنة ووجهك، وجه الغزالة السّوداء

    القبورُ هَوَتْ على الأنهار الباردة

    كان ثمّة سلاحٌ ضروري: لساني النّاشف لساني الأعمى
    باصقا من جديد أحصنة عنيدة
    عليها تنطلق الخرافات في الفضاء
    ولا غنى عنها في مراسم إضفاء القُدُسِيّة
    على ربيع بقرتْ بطنَه
    أقدامُنا المتصلّبة
    وها الكلبُ المائل الجسم، كلبُ التّهديدات
    المُداوَرة
    يتمدّدُ لِصْقَ جلدي
    سماءً قريبة تتلقّى القذائفَ
    تنهبُ وجوهنا
    الأحافيرُ المُحتَدّة البِزَزُ
    وهذا المرضُ
    على حَدقاتها الرّماديّة
    جسرٌ
    وصمتٌ خلال دبيب هذه العذابات
    لكنْ
    ما الزّهرة إنْ لم تكنْ موتَ الرّتيلاء
    أقولُ هذه النّار البيضاء والسّوداء أو البنفسجيّة
    بين السقوف النّائيّة العتيقة
    أقول الطّائرة- الذُّبابة الغريبة على أعناقنا الخضراء

    ألم نَغرقْ منذُ قرون هذا ما كنّا عنه
    نتساءل
    أقول هذا الأمرَ التّلقائي هذه البذلةُ
    لباسُ العُقاب الذي وُلِدَ ميِّتا
    لا أقول شيئا ولْنَمُرَّ على القليل القليل
    من العُرَى المتشظّية

    القبور هوتْ على الأنهار الباردة
    سَيْرُنا كان شَرَكا
    ولم نكن جارحين
    كانتْ أيدينا تُرَبّت
    على الظّهر الأملس للسّماء البغلة
    عيوننا المتشكّلة قبل أوانها
    موجّهة إلى وجوهك التي أزهرتْ مُجدّدا بين الأشواك
    حينما
    ملفوظةً من قِبَل الإعصار
    أنشأتْ أجسامُنا وقد جاشتْ مشاعرها
    بِرَكًا
    في
    الحُرّية


    * محمد خير الدين بريشة عبد القادروساط
    [​IMG]
     
  10. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    يوم في حياة مبارك وساط

    أستيقظ باكرا جدا، هذا الصباح. وأنا بعد في السرير، أسترجع وقائع حلم.
    خلال فترة المراهقة وبدايات الشباب، كنت أكتب يوميات، أبدأها في أحيان عديدة بتدوين حلم. لم يكن ذلك بسبب اكتشافي للفرويدية، ولا بتأثير من السوريالية أوما شابه. وقد يعود إلى "عادة" قديمة. ففي زمن الصبا، كثيرا ما كنتُ أجدني مرغما، نوعا ما، على تذكّر ما رأيت أثناء الليل من أحلام. مرغما؟ تقريبا. ذلك أنّي كنت قد رويتُ لقريبة لنا عجوز كانت تقيم معنا، حلما رأيتُ فيه "نصرانيا" يطرق باب بيتنا، ثم يدخل مبتهجا، قائلا إنه أمضى سنوات في طريقه إلينا... وقد وصفْتُ لها "الرومي"، وأضفتُ أنها سرّت كثيرا لرؤيته. كنت، وقتها، في العاشرة من عمري، تقريبا.

    لم أستغرب كثيرا حين نطّت الخالة شامة من جلستها، في تحدّ عجيب للشيخوخة ووهن العظم، فقد اعتدتُ منها المفاجآت. فتحتْ ذراعيها بحركة تنمّ عن مزيج من مسرّة مكتومة، مؤجّلة، وتفجّع صريح، مقيم. قالت: "إنه بوزيد... إنه هو... وعمّا قريب سأراه".
    بوزيد هو ابنها البكر. كان إذّاك قد أمضى في ألمانيا (الغربية، في تلك الأيام) أكثر من عشر سنين، أو أنه كان اختفى، بحسب تعبير الخالة شامة، في بلاد الروم، "ما عْرفْناه حيّ اُولا ميّتْ". لم يعجّل بوزيد في الحضور، لكن الخالة شامة لم تزدد إلا ثقة بتفسيرها لحلمي ذاك، بل إنها أصبحت تردّد في كلّ مناسبة، وتشيع بين زوّارنا، أقاربَ وسواهم، بأن أحلامي أكثر من مجرّد أحلام، وأنها، لا بد،ّ متحققة، وأني، بالتالي، لست "عاديا" تماما، بل لا شك في أني على تواصل، دون دراية مني، مع عالم الجنّ. تسبّب لي كلامها بقلق حقيقي وقتها. كانت لا تنفك تسألني، قبل انصرافي إلى المدرسة، عن مشاهداتي الليلية. ثمّ، فجأة، ظهر بوزيد. إلا أنه عاد إلى "الاختفاء" من دون إبطاء.

    الآن، يبدأ يوم من حياتي باستذكار تفاصيل حلم. فقد رأيتُ في ما يرى النائم، أني أشرب نبيذا رفقة م. م، وأنها تتحدث إليَّ عن إنغريد برغمان التي سرعان ما تمرّ جنب طاولتنا. وقد جعلتني المفارقة التي تنطوي عليها هذه الحكاية أضحك من الأعماق. فعلاقتي بـ م. م. تعود إلى أواخر السبعينات. كنت وقتها متمرّدا، حالما، أقرأ إدغار ألان ﭙو وجاك كيرواك وتريستان تزارا وتروتسكي وأضرابهم. وكانت هي متديّنة، "متصوفة" على طريقتها، وكنا نلتقي في بيت أحد أعمامي. المهم أني سمعت إنغريد برغمان تكرّر على مسامعها أن أركان الحياة خمسة: الحبّ، الشعر، الصداقة، الأسفار، النبيذ. قديما، كنت قلت لها ذلك ولم تشأ أن تصدّقني.
    كبرت م. م. وكبر أبناؤها، ولم تنفصم في ما بيننا علاقات الودّ.
    بقيت أركان الحياة عندي هي هي، وإن فقدَ الركن الخامس من أهميته، بعدما عانيت من أمراض. بل إن الركن الرابع، أيضا، كثيرا ما بقي نظريا بالنسبة إليّ. فأنا الآن، مثلا، لم أغادر سلا - الرباط منذ أزيد من خمسة أشهر، رغم أني لا أشتغل بوظيفة تفرض عليَّ البقاء طوال هذا الوقت المديد في هذا الفضاء بعينه.

    آخر أسفاري كان إلى مدينة قريبة نسبيا: مراكش.

    يومها، استيقظتُ باكرا جدا، أيضا، وغادرت البيت الذي كنت أقطنه إذّاك متوجّها إلى محطة القطار القريبة. كان السكون هو المسيطر على الفضاء المحيط بي، رغم الهدير الخافت، الآتي من بعيد، لمحرّكات السيارات. السكون والبرد والشوارع المبلّلة بما تساقط عليها ليلا من رذاذ. فجأة تعالى نباح كلاب من زقاق جانبي، وبدا أنها تقترب مني، ثم ظهر حارس ليلي، وأمرها بالصمت والهدوء.

    ترك مرأى الكلاب الثلاثة في نفسي أثره. فظهورها في ذلك الوقت بالضبط أحيا لديّ ذكرى خاصة، تعود إلى حوالى عشرين عاماً خلت. كنت، وقتها، مقيما في احدى بلدات الجنوب المغربي، حيث التقيت، بالصدفة، في ليلة باردة، شخصا سمّيته بيني وبين نفسي - و لا أزال - "صديقي الشاعر"، وكنت تعرّفت إليه قبل بضع سنوات. دعوته إلى بيتي، وبعدها بيومين، قرّرنا أن نسافر، هو إلى الصويرة، وأنا إلى آسفي. كان "صديقي الشاعر" أصيل الانتماء إلى الجنوب المغربي، متقنا للأمازيغية، وكانت معرفته بتلك المناطق – الجنوب - وبما يتعلق بأهلها قوية، دقيقة، تحيط بأشدّ التفاصيل خفاء.

    في اليوم الموالي، استيقظنا بعد الفجر بقليل، ومضينا في اتجاه محطة الحافلات.
    رغم برودة الجو، فضّلنا المشي، وما هي إلا خطوات معدودة حتى فوجئنا بحشد غفير من الكلاب الرافعة عقائرها بنباح شديد العدوانية، تتوجّه نحونا بنية هجومية واضحة. هل كان عددها ثلاثين؟ أربعين؟ سبعين؟ لا أدري سوى أنها كانت كثيرة، كثيرة. بدا لي أن تطور الأمور سيكون نحو الأسوأ. فاجأني "صديقي الشاعر" بأن تقدّم أمامي وأقعى، ورفع يمناه وبدأ يحرّك أصابعها، فتوقّف زحف الكلاب، وتقدّم واحد منها نحونا، فيما وقف رفاقه في صمت تام. توقف الكلب صاحب المبادرة، بدوره، إذ دنا من رفيقي، وربّت هذا الأخير ظهره ووشوش في أذنه (الأمر الذي جعلني أكاد أضحك). استدار سيد عشيرته بجسده، وحذا حذوه رفاقه، وابتعد عنّا الحشد، ودلف مرصوصَ الصفّ إلى زقاق جانبي. كان صديقي قد قال، باسما، بمجرد ما انتهى من الوشوشة للرئيس: "إنه زعيم الجماعة. لقد تحدّثتُ إليه. إنه الآن صديقنا"...
    بعد لحظة الانغماس في حلم مضى والتداعيات الناجمة عنه، يحلّ وقت تناول الدواء الضروري لمقاومة السكّري، ثم الاستمرار في كتابة هذه السطور والإنصات قليلا لديزي غيلسبي.
    وها أزفت لحظة الخروج. أقوم بالرحلة المعهودة إلى الرباط ( يبعد عنها بيتي بكيلومترات قليلة). المدينة موحشة. الناس صائمون، شاحبون، متعبون. المقاهي مغلقة. الحانات هامدة. أدخل مكتبة دار الأمان المتخصصة في الكتاب العربي. أبحث عن كتب محدّدة، حديثة الظهور. لا أجدها. لم تصل بعد من لبنان أو من كولونيا. أغادر المكتبة. أشتري صحيفتين. يتضح لي أن لا ضرورة لقراءتهما. أتسكّع قليلا. أكتشف أن الوقت قد تقدّم. أقرّر العودة إلى البيت، فزوجتي صائمة، ولا تحبّذ أن تفطر وحيدة.

    الحريرة وما يلازمها. في الوقت نفسه، مشاهدة شريط روزالي – مصادفة - حيث يبدو إيڤ مونتان متيّما ومتوتّرا. باربارا، كم كانت تمطر على بريست في ذاك النهار. القصيدة لپريڤير والغناء لمونتان. كم هي رومنطيقية من دون ميوعة، هذه القصيدة. في سنّ معيّنة، كانت تعجبني كثيرا. لكن مونتان، كما هو أمامي الآن، عاشق ومتوتّر. روزالي تحبه ، لكن يحدث أن تتركه، لأنها تحبّ صديقا له أيضا. وفجأة تقرّر الاختفاء.

    أشعر بالتعب. أراجع قسما من ترجمتي لقصيدة "غثيان أسود". إنها "معلّقة" الشاعر الذي سمّيته صديقي (محمد خير الدين). ثم أمضي إلى السرير، وأفتح كتابا لألان جوفروا: "انفتاح الكينونة" (منشورات "لاديفيرانس"). كنت قرأتُ هذا الكتاب من قبل. أتذكّر أني ارتحت، وقتها، لاكتشاف فكرتي عن شعر رامبو معبّرا عنها، وقبل عقود، من طرف جوفروا نفسه.
    ففي الفصل النثري المنشور ضمن هذا الكتاب الذي يتضمّن عددا من مجموعات الشاعر، وهو عبارة عن مقاربة للشعر الفرنسي حُرّرت عام 1955، تحت عنوان "الإحاطة بما لا يُحاط به"، يقول جوفروا ما مفاده إن العمل الأساسي لرامبو هو "فصل في الجحيم"، وإن أغلب قصائد رامبو المشكّلة من أبيات لا ترقى إلى مستوى عمله الفذّ المذكور. أقرأ بضع قصائد لجوفروا. عليَّ أن أنهي النص الذي أكتب. هذا النص.

    كنت، في ما مضى، أحفظ عن ظهر قلب مقاطع طويلة من "فصل في الجحيم". أول ترجمة عربية لهذه القصيدة اطلعتُ عليها هي التي أنجز الفنان التشكيلي والكاتب رمسيس يونان، وقد أعجبت بها كثيرا، ولا أزال أنتظر وصول ترجمة الشاعر والمترجم كاظم جهاد، في صيغتها الأخيرة، إلى المغرب.

    ضاع منّي كتاب يونان، ولم تحتفظ ذاكرتي منه إلا بجمل قليلة، وببعض ما ورد في مقدمة مراد وهبة، وبصورة غائمة عن بعض رسوم بشار المرافقة لنصوص رامبو المعرّبة، التي نُشرت بعد وفاة رمسيس يونان بسنين طويلة.

    أتذكّر الآن أني كنت سأزور مرسم بشّار في باريس قبل بضع سنوات، فقد دعاني صديقي الشاعر نوري الجرّاح لمرافقته إلى مرسم هذا الفنّان. كنت، وقتها، التقيت نوري قبل يومين فحسب، في معهد العالم العربي، وسرعان ما اكتشفت أن صداقة حقيقية تجمع بيننا. ويا للأسف، لم يكن في إمكاني تلبية الدعوة في تلك الصبيحة.

    أخرج لشراء سجائر والقيام بجولة ليلية. ثم أقوم بجولة أخرى، على الإنترنيت، هذه المرّة. أقرأ لشعراء عرب، وأسرّ بالجدد الذين أكتشف. قرأت قصيدة للشاعرة العراقية سهام جبار عنوانها "أقول hi"، أعجبتني حقا، وتساءلت: ترى كيف يعيش ويكتب شاعر أو شاعرة في عراق اليوم، وفي بغداد تحديدا؟

    يبدو أن الثانية عشرة ليلا تقترب. يتصل بي صديق، هاتفيا، ويؤكد لي وفاة الزيتوني. كنت على علم بالأمر قبل الاتصال. لا شك أن الزيتوني شخص لا يُنسى. لكني لن أتحدث عنه الآن. فقد "حكيتُ" بما فيه الكفاية، وآن لهذا اليوم من حياتي أن ينتهي...


    * عن جهة الشعر

    [​IMG]
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط: شاعر غبار الأرض ووهجِ الأفق
    ص1

    - عبد الجبار الغراز: وساط مبارك .. سلاما
    - وحيد نور الدين: التيهور.. بورتريه للشاعر مبارك وساط
    - مبارك وساط: «شعرية الباذنجان»: مُلاحظات وتساؤلات
    - مبـــارك وسـاط: لفائف سِحْريّة - قصيدة
    - مبارك وساط: تُزْعِجُني قََصَّةُ شَعْرِك
    - قصيدتان لمحمد خير الدّين - تر: مبارك وساط
    - مبارك وساط: يوم في حياة
     
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    رَجُلٌ مََقْرُور : قصيدة

    تُزْعِجُني قَصَّةُ شَعْرك يا نجمةُ
    إنّ لها رائحةَ نعجة مُبلَّلة
    لا أحبُّكَ يا قمرَ هذه الليلة
    فأنت لا تتفوّه إلا
    بكلماتٍ نابية
    ومن حسن الحظِّ أن الذين يحشِمُون بِشِدّة
    هُمْ إِمَّا صُمّ
    أو يَغُطّون في نَوْمِهِمْ
    أمّا أنتِ يا مُقَشَّرة الدِّهان
    يا ذاتَ الجدران المُصابة بِالهذيان الرُّعاشيّ
    يا عجوزا مُعَلّقة
    تثلج من أخمص قدميها
    يا غُرفتي
    فجوفك بحر بارد
    ماؤه من دخان سجائري ونظراتِ
    تعجُّبي
    وأنا، متى استطعتُ أن أُغَافل
    بَرْدَك، سأهجُرُك
    وأمضي
    منزلقًا على ابتساماتِ حمائمَ صديقَة
    حتّى هونولولو
    ففي هونولووووولو
    القدّاحات الجَميلات
    يُبَادِرْنَ إلى الرّقص للوافد الجديد
    والمدافئ الكهربائيّة تعيش صامِدةً
    وتموت واقفةً
    وإذا شعرتَ بالغربة
    في هونولووووووولو
    يمكنُك، بحركةٍ من رأسك
    أنْ تُحيِّيَ نفسك، فتشعرَ بدفءٍ
    إنسانيٍّ عظيم
    حقًّا، قد يحدثُ في هونولووووولو
    أن أبِيتَ ليلةً ما في فندق
    ناقصِ التّدفئة
    فتُطِلَّ عليّ القشعريرة بعينيها اللماعتين
    من النّافذة التي أكون نسيتُ
    إغلاقها جيِّدًا
    لكنْ سرعانَ ما ستلْحَقْنَ بي
    يا حليفاتي الحمائم
    وبضرباتٍ من مناقيركنَّ ذوات
    البأس والبسمات
    تُكَبّدن عصابات البرد اللعين
    أفدحَ الخَسائر
     
  13. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جمال الدّين بن شيخ
    من النّبع
    ت: مبارك وساط

    أعلّق ضحكاتي إلى كعوبكنّ
    يا فتياتُ يا بناتَ عمّي بِتَـغْـرَارتْ
    وفيما عشيقتي تُشَمّر رداءها
    على تخوم ليلها العموديّ
    أشرب من النّبع
    صورة عُرْيِها
    [​IMG]
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    قصيدتان


    مِروحة

    اِبْـقَ في بيتك فلا جديد في الخارج
    أتُرَاك تريدُ أن تخرج لترى المجنون
    يتأمَّل في غيمةٍ- مِرآةٍ
    نِصْفَ وَجْههِ الأثير لديه
    أو لترمي بحجر
    الخذروف الخَرِف
    الذي لا يكفّ عن الدّوران
    تحت أعمدة المصابيح
    أم أنّك تريد أن تلتقط صورة أخيرة
    لمروحتك المسكينة
    التي تفكّكتْ عظامُها
    بعْد أن لفظْتَها بلا رأفة أيُّها القاسي
    يا حفّارَ قبور القناني
    هكذا تحدّث إليّ طيفُ أوفيليا
    وأنا أمضي نحو الباب ومِنْ بعيد
    يصِلُني هديلُ حمائمَ
    من نبيذ



    لفائف سحريّة (2)ـ

    من حولنا قلوب صغيرة تُشَقشِق
    وصناديقُ يُقالُ فيها الحديد فيه
    بأسٌ شديد
    لكنّنا ندخّن وجداولُ النّسيم
    بحُنُوّ تُلامس أكتافنا
    نعلمُ أنّ جسدينا
    قد يضيعانِ في هذه العاصفة من
    التّصْفيق
    الآبارُ مَحْظورةٌ في هذا المكان
    إنّه المقهى الذي وأدُوا
    تحْت آلامِ القمر
    يَوْمَهَا، تَرَكْـنـا رأسينا في غابة
    لتستعملها العنادل
    المَضْرُوبة الأعناق
     
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    .................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................
     
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مواضيع مغلقة
     
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    محمد حجاجي
    مبارك وساط
    النفـَس السوريالي

    ذات جمر ورصاص:

    «...رجل في الستين، اهتزت أركان البنيان القديم من ضحكته المجلجلة، يوم بلغه خبر اعتقال ولده مبارك ، قال : "إلى ما كفاهم مبارك، نزيدهم عبدالقادر" ….»
    وحيد نور الدين

    "... تتميز نصوصه [مبارك وساط] الشعرية، على الخصوص، بنفس سوريالي، وبحداثيتها التي جناها من ثقافته المتنوعة والموسوعية. ترجم أشعار العديد من كبار الشعراء: فرناندو بيسوا، أندري بروتون، رونيه شار، ليوبولد سيدار سينغور، غيللفيك، محمد ديب، محمد خير الدين، وعبد اللطيف اللعبي، ورواية "المرتشي" للطاهر بن جلون ...»
    عبد اللطيف الوراري

    "… يعد مبارك وساط [مبارك]، الذي يحسبه البعض، من هواة التصنيفات الأدبية، ضمن جيل الثمانينات، من أكبر وأهم شعراء المغرب المعاصرين الذين رفدوا ديوان الشعر المغربي بأجمل القصائد والدواوين والترجمات.. ذلك بتفرده بكتابة قصيدة النثر التي تعد من مظاهر الكتابة الشعرية بالنسبة الى منجزه الشعري، وبتميز أشعاره ذات النفس السوريالي الرائع الذي يبوئه مكانة مرموقة بين كبار الشعراء السورياليين...»
    المهدي نقوس.

    "… أعتقد أنني أبقى مُخلصا لتصوّر [شعري] ينبني على التحوّل والتوتر والمفاجأة، والحركية الموجودة في صلب الساكن ظاهريا، وضروب التناقضات التي يستعصي إدراكها من خلال منطق اختزالي، ليست بالمعطيات الثانوية في الوجود والحياة...»
    مبارك وساط
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    من دواوين مبارك وساط الشعرية:

    ـ "على درج المياه العميقة". 1990.
    ـ "محفوفا بأرخبيلات" و"راية الهواء"،.. يليهما "على درج المياه العميقة" (طبعة مراجعة ومنقحة)، 2001.
    ـ "فراشة من هيدروجين"، 2008.
    ـ "رجل يبتسم للعصافير"، 2011.
    وعن دار "المنار"بباريس، صدرت له مختارات شعرية بالفرنسية والعربية جاءت تحت عنوان:
    Un éclair dans une forêt ، (برق في غابة).

    مبارك وساط شاعر عميق، آتٍ من الفلسفة، كتب القصة القصيرة و"القصيدة/الحكاية" ويمارس الترجمة من وإلى العربية (ترجم، مثلا، ديوان عبد اللطيف اللعبي: «شذرات من سِفر تكوين منسي»، إلى العربية)، ومثل شقيقه الدكتور عبد القادر، لا يتهافت على الأضواء.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    "… أأمنحكِ هذه الليلكة المُنهكة؟
    الليل الرّقيق أبقى لك ظلّك،
    و يمكنني تبيّنه
    حتّى في ظلمة هذي الردهة.
    لِمَ تستغربين؟
    ظلّك أصهب و منفوش،
    كأنّه من وبر قديم.
    تفتحين الباب بمفتاح بارد.
    و ها أنا جنبك في هذه الغرفة،
    أمسك بمقود الركبة،
    أتيقّن من أنوار النّهدين
    من حُرشة العانة،
    أدير عجلة الرّدف
    فأنتِ درّاجتي الآدميّة.
    ….....»

    من نص: "تحت بسمة المصباح".
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    قبل الغروب

    قَبْلَ الغُرُوب، نَفَضت الحُقُولُ
    عن ظُهورِها قُطعان
    المَواشي، فلم تَذَرْ
    لها من أثر؛
    هكذا، لم يبق في جنباتها الذهبيّة الأعشاب
    سوى بعض الثُّغاء الخفيف؛
    الرُّعاة عادوا حَزَانَى
    وأرادوا الاخْتِفاء عن الأنظَار، فدَلَفُوا إلى الزَّرائب.
    وَحْدَهُ الرَّاعي الأحمق بَقي واقفًاً وسط القرية،
    مُتهلِّلا، ويَعزف للرّيح
    مُتَرَجِّيًا
    أن تجلبَ بناتِها شبيهاتِ الدِّبَبة،
    حتَّى يرتعبَ منهنَّ الأطفال المتحلِّقون من حوله،
    فيضحكَ
    من قفزاتِهمْ وصياحهمْ،
    ومِنْ رَفْعِهِمْ لعقائرهم بنداءِ
    أمّهاتهمْ.
    ….......»

    من قصيدة: «عينٌ تجوسُ في غابات ».



    [​IMG]
     
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    سَنُقيمُ حَفْلاً
    مبارك وساط

    ـ I ـ نُنزِل قِرْميدًا من العربة ـ


    نُنزِل قِرْميدًا من العربة فيما
    على كُومَةِ الرَّمل القريبة
    نَحلةٌ عَطُوف تُزْجِي لنا نصائحَ بالأزيز
    إنْ نُطبِّقْها تتقوَّ عضلاتُنا بالتّأكيد
    فنحنُ نريدُ أنْ نبنيَ مأوًى للعجوز
    الَّتِي مرَّتْ بنا مترنّحةً في الشّتاء الماضي
    واختفتْ في حَقْل العَدَس
    مرّتْ بنا آهِ مرْرر...رَتْ
    مرّت بنا مرْررر...رَتْ
    هكذا غَنّينا لكِ يا من ترنّحْتِ في الشّتاء الماضي
    وأنتَ أيّها الماضي، يا مُقَوَّسَ الظَّهْرِ، يا أَدْرَدُ
    لقدْ أَتْرعْنا جيوبُكَ
    صُوَرًا وأسْنانَ حليب
    وأنتِ يا مُدَرِّسةً كان رأسُها يُؤلِمُها في الأصباح خاصَّةً
    واسْمُها كان يبدأ بالجيم
    تَرَكْنا لكِ ما تيسّر من هَأْهآت
    ونَمَشًا كثيرا
    كلُّ نمشة لها مفعولُ حبّة أسبرين
    كِرامٌ نحن وأطفال وسعداء
    ولم نعد مغروسين
    بين نباتات الحُرَّيقة
    كما كُنَّا عليهِ في واحدٍ من أوائل
    أحلامي
    نمدحكِ يا مُترنّحة وكم ودِدْنا
    لو دغدغنا إبطك الأيمن
    فقد عَرَفْنا أنَّكِ جدّتُنا بعد أن سمعناك ذاتَ ليلة
    تُعلّمين رُضّعًا كيف يصطادون شُهبًا بالشِّباك
    وقيل إنّكِ ذاتَ سهرة كنت تربّتين
    على حدبة الرّاقصة
    فيما كنّا نَنفخُ في الهَرْمونيكات
    نَنفخُ ونَنْفخ
    نَنفخ فيها لتبقى مُعزّزةً ولا تَصْدأ
    فَيُلْقَى بها في غياهب السّجون
    ننفخ ونُغَنّي: مرّتْ بنا آه مرْرر...رَتْ
    مرّتْ بنا مرْرر...رَتْ
    وهكذا إلى أنْ ننتهي من البناء وَوَقْتَها
    سنُقيم حَفْلا
    يحضره الباعة المتجوّلون والمساكين
    وراقصة حدباء
    وابنُ السّبيل والمُدَرّسة بِصُداعها
    النّصفيّ
    وكذلك الوجود والعدم
    والتّلميذات اللواتي فتحنَ قلوبهنّ
    لِلسَّيَّارات الصّغيرة الحزينة
    التي وُلِدتْ بلا عجلات
    [[[

    ـ II ـ في كلّ شوارع مدينتنا.. ـ

    في كُلِّ شوارع مدينتنا
    سُمِعتْ قرقعاتُ مفاصِلِ عابرين
    فالشّتاء القارس سبّب الرّوماتيزم لظُهُور
    وجعلها تتقوَّس في المقاهي والباصات
    ولسيقانٍ أيضا وحتى لِلْقِطّ الذي كانتْ إحدى قوائمه قد قُطِعَتْ
    في حادِثٍ بقيتْ تفاصيلُهُ مجهولةً بالنّسبة إلينا
    أمّا ميرو الذي اكتسب هذه التّسميّة
    من مقدراته المذهلة في فنّ الرّسم -
    فيداهُ هما اللتان أُصيبتا
    الآن يصعدُ ميرو سُلَّما لانهائيا يُطقطق تحت قدميه
    مادًّا يديه المتألّمتين إلى الأعلى
    وهما تطولان وتطولان
    هذا ما يراه في الحُلم ميرو!..
    لقد ابتعد الآن كثيرا عن الأرض
    قدماه تصعدان بسرعة كبيرة وهو لا يتحكّم فيهما...
    وفي لحظةٍ ما بَدَأَ قلقٌ حقيقيّ
    يتنامى في نفسه: تُرى
    هل سيستمرّ الحال على هذا المنوال
    إلى أن يقضي نحبه على هذا السّلّم اللعين؟
    آه! لو أنّي الآن في حديقة، قال في نفسه ميرو
    أسمع أجنحةً تخفق
    وأتخيّل أنّها عصافير تصفقُ أبوابا في الهواء!
    آه! لو أنّي الآن في بيتي، قال في نفسه ميرو
    مُسْتلقيا مَثَلا وواضِعًا قدمِي
    على رُكبة زوجتي!
    وفيما كان قلقُه يتعاظم، بدا، فجأةً، أنّ أمرًا مُستجدًّا
    يَمحو الهمّ، في تُؤدة، عنْ تقاسيمه
    بلْ ويبعثُ في نفسِه مَسَرّة غامضة!
    فَهَا طيفُ ابتسامة يرتسِم، شيئًا فشيئًا
    على مُحيّاه:
    لقد فكّر أنّهُ قد يكونُ على وشك
    أن يُحقِّق أمْرا خارِقا: أنْ تَقَعَ كفّاه
    على كتفيْ قوسِ قُزَحٍ
    ويلتفتَ هذا الأخير ويُطِلَّ مِنْ عَلُ فيتعرّفَ فيه
    على أخ ضائع
    وستعقِدُ الفَرْحةُ لسانيهما...
    في تلك اللحظة بالضّبط أيْقَظتْهُ نسماتٌ لافحة
    أجال الطَّرْفَ حواليه: بيداءُ شاسعة عليها
    غِلالةٌ من ألق
    تعــــبر دانيـــــةً فوقــــــها غيــــــومٌ مُختلجــــــــــــات!
    يرغبُ ميرو في أن يتمطّى لكنْ يا لَلْهول
    إنّه يكتشف أنَّ يَدَيْهِ بَقِيَتَا حتَّى بعد اليقظة
    طويلتين طويلتين
    وكفّاهما بقيتا بعيدتين بعيدتين
    وممدودتين في الهواء
    أمّه حزنتْ كثيرا
    وزارتْها عجائزُ يحسب النّاظر إليهنَّ
    أنّهن يُدَخنّ سجائرَ خفِيّة ويَنْفُثنَ دُخَانَها
    من عيونهنّ
    وفكّر ميرو في أن ينام من جديد
    وأن يَشرع ثانيةً في حُلمه بالصّعود ولكنْ
    بِمُجَرَّدِ ما يبدأ الحُلم، أيْ حينَ تكون يداه ما تزالان
    في هيئتهما القديمة، يفتحُ
    عينيه بلا تأخُّر!..
    غير أنّهُ بعد أن أغفى
    لمْ يَرَ في المنام سوى رجل نائم
    في بيداء شاسعةٍ تعبر
    دانيةً منها غُيوم
    مختلجات


    * جريدة السفير
     
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    قرب السناجب

    العشيقة غائبة منذ أيام
    الغرفة نائمة منذ ساعات
    مُطوّقةً بسياج من لعاب جدرانها وأنتَ أمام الباب
    ولا تَدْخُل
    وكُنْتَ وقفتَ أمام باب المسرح طويلا
    ولم تدخل ثم جاءك الخبر
    بأنَّ الممثل القصير الذي كنت تنوي
    أنْ تُجْرِيَ معه حوارا لصحيفتك
    اختفى مِنْ علَى الخشبة بعد أن تهشّمت أوفيليا
    وتناثرتْ قِطعَ زجاج
    قالوا إنَّ لِلْمُمثل القصير أنفا من الهمهمات
    قالوا إذا أُغْمِيَ ثانية على الشَّفَق
    سيظهر من جديد
    الموتى ساكنو القناني
    ويهطل المطر
    وتبرز تجاعيد الحلزون الهرم
    ليس لازما أن تكون هاملت لتشفق على أوفيليا
    ولا داعي لأن تركل الباب بعنف
    من أجل أن توقظ الغرفة
    وإن جاءتك من الداخل أصواتُ ارتطام الروبوطات
    فمعلوم أنها تنبثق
    من رواية الخيال العلمي
    المفتوحة على المنضدة
    قُرب قطرة الحبرِ المَهيبة
    وأجراسِ النّحو التي ترنّ
    على رأس كلّ ساعة
    لا تنس أن تكتبَ إلى الغائـبـة
    ياه! إنك تتطلّع إلى الأشجار
    ياه! كم السّهر طويل على الأغصان
    وفي مدفن الألوان النّافقة
    ياه! في الأعالي غيومٌ من السّلوفان
    تخشخش في الريح الباردة
    لا داعي لأن تركل الباب
    يحدث أن تنام الغرف
    أن يتناثر أحدهم شظايا
    أن تفرَّ امرأة من تعاسة رجل
    ومع ذلك تستمرّ الأرض في تلميع شعرها
    اِمْضِ بروح المتشرِّد التي تتقمصك
    واقْضِ الليل في واحد من جراح الغابة
    قرب السَّناجب الهاربة
    من الغِـيـتُّوات
     
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    مبارك وساط
    سأُعَرِّجُ على البار


    هذه الابتسامة التي رسمتْها شفتا العشيقة وهي تتحدّث
    عن السّكين الهائم على وجهه في ضواحي المدينة
    ربّما تكون من باب استحسان طريقتي الجديدة التي تُسهّل
    نُطْقَ كلماتٍ كانتْ تستعصي على الألسنة فلا
    تُلفظ إلا بعد أن تَدْمَى الشّفاه
    وعلى العموم تكون البسمة نتاج مصادفة محضة من الصّنف الذي
    يجعل قطرات النّدى تختلف عن قطرات النّبيذ عن قطرات
    الحمّى التي تنضح بها جباهٌ وأزهار
    في بار مارسيل سيردان أسأل جاري المخرج المسرحيّ أين
    اختفيتَ خلال الأمس الجميل هل كنتَ
    تحت سريرك ذي النّوابض المجدولة من أعصابك
    إنّه رجل يحترس من كلّ شيء خاصّة من الذين يجلسون مطْبِقين
    عينا وفاتحين أختَها خاصّة من مُدْمِني النّشوق
    مع هذا حدّثْتُه عن
    شجرتي مارية التي تعاني من حروق
    وأدهشني أنّه لمْ يكُنْ حانِقا
    عَـلَـيَّ ثمّ طفرت الدّموع من عينيْ عصفورة حطّتْ على
    طاولتنا
    إنّها ليستْ سوى العشيقة مارية فهذا هو شكلُها حين
    تمتزج بحفيف أوراق الشّجر وتأكّدَتْ
    من أنّي سأحضُر للغداء فعادت من
    حيثُ أتت وبقيتُ على كرسيِّي أرفو عباءة
    الوقت بإبَر من عظامي
    مع هذا فإنّي أجِدُ صعوبات في فهم كلّ هذه الصّيغ الرّياضية
    التي تلتمع على جبين الصّباح أمّا في المساء فسأرعى
    عصافيرَ أُمّي على التّلّة
    وبَعْدَ أن سدَّدتُ الحساب طلبَ
    منّي النّادل القصير رقم هاتفي
    أتوجَّه نحو البيت لا أدري لِم أركِّزُ جهدي في الطّريق على محاولةِ
    تخيُّلِ أنف شكسبير أشياء غريبة تلك التي تحدُث لنا حين
    نكون مُتوجهين إلى بيوتنا
    ثمَّ تذكّرْتُ محاولتي الأخيرة للخلاص
    من وظيفتي كنتُ سأصبِحُ ممثّلا وأرتاح لكنّي
    لحْطةَ اقتربْتُ من يوليوس قيصر لأهوي عليه بالسّكّين
    و يقول حتّى أنت يا بروتس فأنا كنتُ ألعبُ دور
    هذا الأخير بقيتُ واقفا مشدوها ذلك أنّي
    حين أردتُ أن أُخرج السّكين وجدتُه قد تبخّر ولاشكّ
    أنّه هائمٌ مُذّاك
    على وجهه في ضواحي المدينة
    وأُغمي على المُخرج فلُذْتُ
    بالفرار ولَمْ ألتقه مجدّدا إلا قبل
    ساعات في بار مارسيل سيردان
    أمضي في طريقي أرى عمود ضوء
    مُحاطا بأناشيد الضّباب أحيِّي دولوريس الجارةالإسبانية
    اللطيفة التي تُطِلّ
    من الطّابق الثاني فتكشف
    لي عن وجوهها الخفيّة التي من بينها وجهُ غابة
    ووجهُ عصفورة ووجهُ
    المطر
    ثمّ دخلتُ إلى
    البيت جاءت مارية بالغداء وكنتُ أنتظر
    أن تشرع في الحديث عن السّكّين وفي الابتسام لكنْ
    ها هو الهاتف يرِنّ
    آلو نعم
    أنا النّادلُ القصير يُجيبُني الصّوت
    عَرَفتُك من لثغتك هل من خدمة
    أريد أن تكتُب لي رسالة بالإسبانية إلى حبيبتي برناردا سمعتك
    مرّات تتحدّثُ إلى السّيّدة دولوريس بهذه اللغة
    أقول مُقاطِعا يمكنك أن تعتمد عليّ سأعرّج على البار هذا
    المساء في طريق عودتي من التّلّة رفقة
    العصافير

     
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة