1. هذا الموقع يستخدم الكوكيز. مواصلة تصفح الموقع تعني أنك توافق على هذا الاستخدام. اقرأ أكثر.

ملف كتاب الليـالي.. الكتاب الذي لا ينتهي - دراســات

الموضوع في 'مختارات' بواسطة نقوس المهدي, بتاريخ ‏8/1/13.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    كتاب الليالي - دراسات


    تقديم

    "ألف ليلة وليلة مثل روائع الأدب الغربي (دون كيشوت - الفردوس المفقود - فاوست) الكل يستشهد بها ولا أحد يقرأها "
    عبد الفتاح كيليطو..

    ***

    لم يشغل المهتمين ودارسي الادب كتاب عربي اكثر مما شغلتهم حكايات الف ليلة وليلة، او كتاب الليالي العربية كما يحلو للنقاد الغربيين تسميته، لا من حيث الاهتمام الكبير بمحتواه الادبي الراقي الذي يمتح مادته الادبية من التخييل والمتعة وتأتيت المشاهد الفرجوية التي يوفرها للقارئ العادي، أو الاهتمام به كمادة فنية وسردية غنية بكل ما هو مفيد وطريف من احاجي وحكايات وطرائف وعلوم واشعار ومغامرات وحكم وامثال وعبر عن اوساط والسلاطين والقصور والحريم والطبقات الغنية، او تناول وجوه العيش والحياة البسيطة في الاوساط الشعبية والمدن والارياف والامصار البعيدة ..

    ومن المرجح ان يكون كتاب ألف ليلة وليلة قد ألف في غضون القرن الثالث عشر او الرايع عشر الميلادي، ويعرف في الفارسية تحت عنوان ( هزارافسانه ), وتعني الخرافة.. فيما احتفظت النسخ العربية بعنوانها العربي الاصلي، وقد الفت هذه القصص على مدى ثلاث وثلاثين شهرا وهي المدة الزمنية الممتدة ما بين الحمل والوضع والرضاعة والفطام، والحدث في الف ليلة وليلة يراوح بين الواقع والخيال، ويتخذ نسق الحكاية العنقودية او بنية الحكاية داخل الحكاية حيث تتناسل الاحداث عن بعضها البعض.. وقد زيدت فيها العديد من الوقائع والحكايات بحسب التحولات المرحلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أو تقلب الحقب التاريخية خاصة بالنسبة للنسختين المصرية والشامية، اذ اضيفت اليهما حكايات تنتمي للعصور اللاحقة تبعا لمزاج مدوني وناسخي تلك الفترات..

    يقول المسعودي في " مروج الذهب " :
    "أنّ هذه أخبار موضوعة، في خرافات مصنوعة، نظمها من تقرّب من الملوك بروايتها، وأن سبيلها سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة من الفارسية والهندية والرومية، مثل كتاب هزار أفسانة، وتفسير ذلك بالفارسية ألف خرافة، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة".

    ويرجع الفضل في اكتشاف هذه الحكايات للمستشرق الفرنسي انطوان جالان قبل ان ترجع الى مصبها الاصلي، وتنقل الى كل لغات الدنيا، وتستلهم من طرف الروائيين والفنانين والمسرحيين واهل الطرب والمغنى والفن السابع..

    وقد كتبت حول هذا الكتاب العديد من الدراسات النقدية المهمة والمحاضرات الرائعة سنعرض لها جميعها.. ولعل اللافت للنظر هو الاشارة الى ان خورخي لويس بورخيس قد خصها بدراسات ومحاضرات رائعة وكذلك عبد الكبير الخطيبي وعبد الفتاح كيليطو وسهير القلماوي ومحمد عبد الرحمن يونس ومحسن مهدي واندري ميكيل وغيرهم كثيرون كي لا نحصر النقاد والمحاضرين في هذه الاسماء ونتمنى توثيقها في هذا لمتصفح رهن اشارة الباحث والمهتم بهذا الكتاب الفريد ..

    ***

    وهناك اغنية جميلة جدا للفنانة الاسترالية تينا ارينا بعنوان Je m'appelle Bagdad مستوحاة من اجواء الليالي وسقوط بغداد..

    متابعة ممتعة
    مع تحيات نقوس المهدي


    .
     
    آخر تعديل: ‏24/5/15
    1 person likes this.
  2. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    Naima Benabdelali
    Shéhérazade

    Cocufié par la grâce d’un esclave
    Un roi qui porte une tête bien concave
    Estimant cette situation très grave
    Gesticule, tempête, enrage et bave
    En conquérant téméraire et brave
    Saisit son honneur, le lave et relave

    Au matin, il évacue l’épouse de la nuit
    Après avoir en héros recueilli le fruit
    Il s’évertue à tracer sur son joli cou
    Une encoche qu’aucun tailleur ne recoud

    Afin de sauver ces vierges à scarifier
    Elle propose noblement de se sacrifier
    Pour mettre fin à ce petit jeu morbide
    Elle a recours à une ruse intrépide

    Elle entreprend de saturer la tête creuse
    D’histoires démentes et de berceuses
    Où trônent joyeuses et enjôleuses
    Sorcières et magiciennes charmeuses
    Et des femmes à mort amoureuses
    Servies par de malines entremetteuses

    Des contes où pataugent Ifrits et djinns
    Leur attribuant comme bled d’origine
    Un monde fantasque qu’elle imagine
    Le roi gobe les comptines de la libertine
    Même quand elle sème la mer d’aubergines.

    Par des récits fantaisistes soporifiques
    Elle se transforme en Zorro pacifique
    Et en habile descendante d’Eve
    Elle troque la saga contre le glaive
    Car le roi aux chimères devint compulsif
    Ce fut de sa pulsion de mort le supplétif.

    Naima Benabdeleli


    ***


    Naima Benabdelali
    Danser sur les ailes de Shéhérazade

    Danser sur les ailes de Shéhérazade
    C’est presque une contrecroisade
    Ailes tissées de nuits et d’ondes
    D’une femme qui refait le monde
    Elle fait errer sa faconde
    De conte en conte, elle est féconde

    Elle s’ingénie entre les ruses
    Elle tisse, use et abuse
    Pour désabuser un roi buse
    Grâce à une science infuse

    Reine du beau mensonge
    Qu’elle prolonge et rallonge
    Pour captiver un bougre roi
    Dans le doute et le désarroi
    Elle fait voler les tapis
    Et Voltiger les djinns tapis

    Atteint sublime apothéose
    Dans l’art de la métamorphose
    Elle transpose et recompose
    Temps espace selon sa prose
    On dit qu’elle est grandiose
    Dans le récit et virtuose

    C’est à un tyran qu’elle cause
    Jouant sur les temps de pause
    Si elle ose et s’expose
    C’est pour défendre toute une cause.

    Naima Benabdelali


    -----------------
    * اشكر الأستاذة نعيمة بنعبدالعالي التي خصتني بهذه النصوص




    [​IMG]
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  3. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    جبران الشداني
    لقاء مع شهرزاد

    دخلت منزلي فوجدت زوجتي غائبة ، فأقسمت أن لا تدخله أبدا بعد اليوم، وناديت صانع المفاتيح ، فأمرته أن يغير مزلاج الباب، وكتبت ورقة علقتها على داري تقول :
    - إني أتزوج أية امرأة تخدمني كما خدمت شهرزاد شهريار..
    طرقت بابي أول ليلة فتاة في مقتبل العمر، حسنة القد، ذات نهدين معتدلين ومنتصبين ، وخصر ميال قتّال، فجلست، وهوت بمؤخرتها البرازيلية على الأريكة، وهي تسوى أسفل تنورتها وتتراجع بساقيها الفضيتين للخلف، فقالت أنها تعلمت فن الحكي في المنتديات، وسألتني خجلة إن كانت شهرزاد قد مارست الحب مع شهريار، قلت لها حائرا، وكيف لي أن أعرف. لكن هل تتخيلين أنهما كان يقضيان الليل متنسكين مقيمين للصلوات، فقالت: دعني أقص عليك حكاية.. فإن استحسنتها،عدت ليلة الغد وقد يكون بيننا ما تريد..
    فاستويت في جلستي، ولبست "فوقية" تخفف فيها جسدي من ضيق السروال، وأمرتها أن تحضر عنبا من الثلاجة، وخمرا من القبو، فقالت: ما جاء في الحكاية أن شهرزاد كانت تسكر..فقلت لها: ومن أين جمعت شهرزاد كل تلك الأخبار والطرائف عن النساء والتجار والمغامرين، إن لم تكن سكيرة تطوف على موائد الساهرين كما أطوف عليها في سكري.
    فعادت بعد لحظات وقد وضعت عليها لباسا شفافا فضفاضا، مزركشة حواشيه بخيوط من حرير وذهب..فاختارت ركنا بجانبي، وصبت لي كأسا من الروج..ثم استلقت على ظهرها كأنها تريد أن تنام..
    قلت : - أين الحكاية..يا شهرزاد
    قالت : تمهل.. فقد أخرس الخجل لساني، فيم تريديني أن أتحدث حفظك الله ورعاك؟
    فطربت لدعوتها ورقة حرفها، وقلت و أنا اتجرع خمري أسفا على ما مضى من أيامي في هذه الدار:- حدثينا عن النساء الخائنات،.. وعن الذي كان قضيبه سببا في خساراته.

    الليلة الأولى :

    قالت : يحكى أيها العامل السعيد...أنه في بلاد بعيدة، كانت لرجل فيما مضى زوجة تسمى رقية، وكانت محبة له، غير أنها لم تكن ترضى بجماعه، فزارت مسيد الفقيه سرا تطلب تميمة تصلح ما فسد من أمر بعلها، دخلت وسلمت، فأحنى وجهه حشمة، وسمع حكايتها فاستغفر وذكر ربه، ثم بشرها خيرا إن هي نوت خيرا، فأخذ كوبا من ماء، و غمس فيه بعض تمائمه، قرأ عليه بعض السور القصار، وطلب منها أن تسمي بالله و تشربه، فلما رفعت خمارها و نظر إليها، وجدها على حُسْنٍ قل نظيره، ذات عيون كحيلة ساحرة وشفاه ناعسة وثغر عذب كحب الكرز المغمس بالشراب، وألقى بصره على سائر جسدها فإذا هي امرأة كاملة الأوصاف، ذات جسد مليح، وقد فصيح، فقال لنفسه هذه أجمل ما رأت عيناي من نسوان، فعاد بالكأس إليه واستبدل ماءه خمرا دون أن تدري، فلما ظهرت نيته، وكانت على عطشها للرجال سلمته نفسها دونما اعتراض، وصارت تزور مسيده كلما زاد عليها الحال، حتى جاء يوم قدر الله أن يفتضح فيه سرها أمام صبية المسيد، فخشيت أن يصل خبرها لزوجها، فعادت للفقيه تطلب هذه المرة تعويذة تقيها كلام الناس، فقال لها الفقيه أن زمان الحب قد ولى، وأن اليوم للحكمة والحذر، وأنه آن أوان الفراق لأن الزوج عالم بالأمر لا محالة، فخرجت من عنده لا تدري أين تذهب، وقادتها قدماها إلى جبل يقيم فيه ولي عرف بسحره وجبروت طلاسمه، فراحت عنده ،وقبلت التراب بين قدميه، وأجهشت بالبكاء، وحكت قصتها، ثم سألته أن يبحث لها عن حيلة تنقذها من ورطتها، فادعى بأنه على إنقاذها قادر،وأنه يسخر لأجلها أعتى من صادق من شياطين ومردة وجان وعفاريت، وبشرها بأن يصير زوجها مثالا في الغفلة والبلادة، وأن لا ينتبه لمصيبته ولو ولدت له حمارا بقرنين، غير أنه اشترط أن تقلع ملابسها وان تعاشره عشرتها للفقيه فقالت ما يضير الغريق لو ازداد بللا، ثم رمت ثيابها .
    وهذا ما كان ، فقد عاشت سنين طويلة مع زوجها، لا يشك في شيء، حتى أنها كانت تدخل الولي لبيتها وهو نائم، ثم أن الفقيه اشتاق اليها، فدعاها الى مسيده، لكنها أبت، وقالت ضيعتني يوم نكحني العراف...
    فانتشرت في القرية إشاعة مفادها.. أن قضيب الساحر أكبر من قضيب الفقيه، فساءت حالة الفقيه، وضعفت ثقة الناس في بركته، فقل رزقه وبطل عمله..
    سرت لذة الخمر في أوصالي، واستلطفت حديثها الماجن، الذي لم يأت مثله ذكر في كتب الحكايا المنقحة، فقلتُ :
    - ياليت أمي ترى ما أنا فيه من نعيم، تعجبني هذه الجرأة، وتستفزني وقاحة قصك، ولعن الله زوجتي الخائنة إلى يوم الدين..أكملي الحكاية استحلفك بالله..وخبريني ماذا فعل الفقيه بعد أن طارت بركته..
    قالت: جاء في الحكاية أيها العامل السعيد، أن الفقيه فكر في حيلة يثأر بها من الولي،فادعى مع أعوانه بأن الولي دجال وكذاب وأحضروه مكبلا أمام القاضي ، وقالوا إننا إن صبرنا عليه سحر كل نسائنا، فقال الولي مدافعا عن نفسه، أنه أقام بمغارة الجبل معتزلا البشر منذ سنوات، وأن لا حق لهم في محاسبته، قد زهد في دينهم و دنياهم، وأنه لا يمسهم بخير أو شر، فإن خدم يوما بعض من يلحقون به للجبل، فتلك ضرورة تمليها لقمة العيش، وليس له من حرفة غير السحر والكهانة، علمهما له أبوه منذ صغره، فكيف يغيرها و قد بلغ من العمر ما بلغ، فسأله القاضي عن سر النساء اللائي أغرمن به ، ففارقن أزواجهن و نسين عيالهن ،قال أنها نعمة من بها عليه قضيبه ولم تمن بها طلاسمه، ففكر القاضي مليا وطلب من الفقيه وأعوانه برهانا على ما ادعوه، فاقترب منه الفقيه وهمس في أذنه: ما عليك إلا أن تقيس ما له ، فإن وجدته أصغر من ما لي فهو ساحر وكذاب وان كان اكبر فهو صادق.
    فقاسوههما و كان ما للولي بحجم الحلزون النائم، فأعدم بعدها بيومين. فكان هذا الرجل الذي أهلكه قضيبه.
    تململتُ في مكاني و نظرتُ إلى ما بين ركبتي متأملا ما لي ثم قلت لنفسي :
    - لعنة الله على هذه الويل الذي جعلنا عبيدا للنساء.
    وأدرك شهرزاد الصباح ، فسكتت عن الكلام المباح، فتظاهرتُ بالنوم، وعرفت هي ذلك، فخرجت وهي تودعني بقبلة في الهواء.. وبقيت وحدي أفكر
    - أين كانت شهرزاد تغيب حين ينام شهريار...

     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  4. عبدالله فراجي

    عبدالله فراجي مشرف شعريات طاقم الإدارة

    شكرا لك أخي المهدي على إهدائنا هذه التحفة من المعلومات الهامة حول ألف ليلة و ليلة.. و حكايا شهريار المتسيد، المتغطرس، و شهرزاد العارفة ببواطن الأمور ، و سحر الكلام حتى الصباح.. فتسكت عن الكلام المباح.. ليبدأ كلام القمع و اللامباح..
    سأتابع هذا العمل الهام.
     
  5. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    تحية عالية استاذي السي عبدالله فراجي وشكرا على ى مداخلتك الجميلة الطيبة واتمنى ان اكون دوما عند حسن ظنكم

    مودتي
     
  6. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد الفتاح كيليطو
    شهريار والجني والأقفال السبعة

    اسودت الدنيا في عين شهريار بعد المصاب الذي حلّ به، فقال لأخيه شاه زمان: «قم بنا نسافر إلى حال سبيلنا، وليس لنا حاجة بالملك حتى ننظر هل جرى لأحد مثلنا أو لا». خرج الأخوان خفية من باب سري في القصر، وأثناء سفرهما شاهدا جنياً رهيباً يخرج من البحر وعلى رأسه صندوق من زجاج، فخافا وطلعا إلى أعلى شجرة (شهريار فوق الشجرة!). وإذا بالجني يفتح الصندوق ويخرج منه علبة، يفتحها هي أيضاً فتبرز منها «صبية غراء بهية»... أن تفتح صندوقاً معناه أن تفاجأ، قد تجد داخله كنزاً، وقد تجد امرأة، وقد تنبعث منه شرور البشرية. أليس كتاب ألف ليلة وليلة صندوق باندورا؟...

    يحمل الجني معه صندوقه أينما حل وارتحل، ظناً منه أنه يضمن بهذه الوسيلة وفاء المرأة له، فهو سجين أوهامه، حبيس صندوقه محكم الإقفال. لكن النوم يقهره ويذهله عن الاحتراس، النوم نقطة ضعفه، تستغلها صاحبته لإرغام شهريار وأخيه على النزول من الشجرة وعلى مضاجعتها، «ولما فرغا [...] أخرجت لهما من جيبها كيساً وأخرجت لهما منه خمسمئة وسبعين خاتماً. فقالت لهما: أتدرون ما هذه؟ فقالا لها: لا ندري. فقالت لهما: أصحاب هذه الخواتم كلهم كانوا يفعلون بي على غفلة قرن هذا العفريت، فأعطياني خاتميكما أنتما الاثنان الآخران». ثم روت لهما قصتها مع العفريت الذي اختطفها ليلة عرسها، مبررة بذلك على ما يظهر سلوكها، ومؤكدة فوق ذلك «أن المرأة إذا أرادت أمراً لم يغلبها شيء».

    ما مدلول هذه القصة الطريفة وما هي وظيفتها؟ من الواضح أن هناك مماثلة بين شهريار والجني، بين الصندوق الزجاجي والقصر، وأن القصة بكاملها مرآة يشاهد فيها الأخوان قصتهما الخاصة. إلا أن ما لا ينبغي إغفاله أنها أول قصة تروى في الكتاب – طبعاً بعد حكاية ما جرى لشهريار وأخيه من مصاب. إنها خارج الألف ليلة وليلة، وتجدر الإشارة إلى أن الصبية البهية الغراء أول راوية في الليالي، قبل شهرزاد التي لن يأتي ذكرها إلا فيما بعد. الصبية - هكذا ينعتها النص وستظل بدون اسم - سبقت شهرزاد وشرعت أبواب السرد. وهنا تظهر المهارة الفائقة لمؤلف الليالي المجهول، أو بالأحرى المؤلفين، فلقد نسجوا هذه الحكاية وهم يفكرون في بنية الكتاب وأسلوب نظمه وصنوف تشعباته ومنعرجاته. ذلك أن الصبية تمهد لظهور شهرزاد، وتعلن بصفة مستترة مضمون الكتاب وشكله: خواتم في علبة!

    عدد الخواتم التي غنمتها الصبية صارت في نهاية الأمر خمسمئة واثنين وسبعين، لم تصل بعد إلى الألف، ولكنها في طريقها إليه. وفي صيغة أخرى للقصة يبلغ عدد الخواتم ثمانية وتسعين، يضاف إليها خاتم شهريار وخاتم شاه زمان ليصل المجموع إلى مئة. وسواء أأخذنا بهذا العدد أم بذاك، فالمقصود هو العدد الهائل من الخواتم التي بحوزتها، ما لا يحصى من الخواتم. وعلى المنوال نفسه، فالألف الذي يشير اليه كتاب الليالي يحيل على عدد لا يحد ولا يحصى، كما يقول بورخيس. بهذا المعنى فان الحديث عن ألف ليلة وليلة هو بمثابة إضافة وحدة إلى اللانهائي. وبالمثل فإن الصبية قامت بالإضافة نفسها عندما زادت خاتمي شهريار وشاه زمان... في افتتاحية الكتاب تعلن الخواتم مسبقاً عن العدد الهائل من الليالي التي ستحييها شهرزاد. من جهة الصبية، ومن جهة شهرزاد، واحدة تجمع الخواتم، والأخرى الحكايات. تملك شهرزاد كما نعلم ألف كتاب، والصبية تملك ألف خاتم. للصبية عقد من الخواتم والعشاق، ولشهرزاد عقد من الحكايات والشخوص. للصبية كيس يضم عقد خواتم، ولشهرزاد ديوان يشتمل على سلسلة حكايات.

    وبهذا الصدد، تشد الانتباه في القصة موضوعة الاختفاء وأيضاً الانغلاق. فشهريار وأخوه يختبئان بين أغصان الشجرة وأوراقها، والصندوق الزجاجي له أقفال ومفاتيح يصل عددها حسب النسخ إلى أربعة أو سبعة. أما الصبية فهي في علبة، والعلبة في صندوق، والصندوق في البحر... ألا يحيل هذا إلى كتاب الليالي وإلى حكاياته التي توجد بداخلها حكايات، تتضمن بدورها حكايات، وهكذا؟

    تروي الصبية قصتها، إلا أنها لا تروي ما جرى لها بالتفصيل مع عشاقها الاثنين بعد الألف. ولمن قد ترويها يا ترى؟ أللأخوين الخائفين الوجلين؟ ليس لديها وليس لديهما متسع من الوقت لذلك. أللجني الشرس الرهيب؟ مستحيل. إن ما يمكن أن ترويه كتاب لم يصنف بعد، ولن يؤلف على الإطلاق، وإن كان مضمراً في حكايتها مستتراً فيها. وقد يكون هو الكتاب نفسه الذي يضم ما سردته شهرزاد...

    * مجلة الدوحة
    العدد 64 - فبراير 2013
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  7. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد الفتاح كيليطو
    في كل سنة كذبة

    ما الذي يدفع بأشخاص ألف ليلة وليلة إلى رواية حكايتهم؟ يتعلق الأمر في أغلب الأحيان بتعليل ما أصابهم من تعاسة أو خسارة؛ فهذا شخص يحكي كيف فقد إحدى عينيه، وآخر كيف تحجر نصفه التحتاني إلى قدميه، وثالث كيف صار وجهه أصفر كالزعفران… في هذا الإطار سأتعرض إلى جانب من "حكاية التاجر أيوب وابنه غانم وبنته فتنة"(1)؛ وتنطلق هذه الحكاية بمشهد ثلاثة من العبيد يلتقون ذات ليلة ويروي كل واحد منهم "سبب تطويشه"، أي إخصائه (يتبين من خلال محادثتهم رغبتهم في أكل لحم البشر، مما يدفع إلى التساؤل عن علاقة هذه الشراهة بالإخصاء). العبد الأول أخصي لأنه أزال بكارة بنت سيده، والثالث لأنه نكح سيدته؛ أما الثاني، واسمه كافور، فأخصي لأنه كذب على أسياده، وسيشكل سرده لما حل به موضوع هذا البحث السريع.
    منذ نعومة أظفاره، اكتسب كافور عادة سيئة حدا: "اعلموا يا إخوتي أني كنت في ابتداء أمري ابن ثماني سنين، ولكن كنت أكذب على الجلابة في كل سنة كذبة حتى يقعوا في بعضهم، فقلق مني الجلاب وأنزلني في يد الدلال وأمره أن ينادي: من يشتري هذا العبد على عيبه؟ فقيل له: وما عيبه؟ قال: يكذب في سنة كذبة واحدة، فتقدم رجل تاجر […] ومكثت عنده باقي سني إلى أن هلت السنة الجديدة بالخير، وكانت سنة مباركة مخصبة بالنبات، فصار التجار يعملون العزومات وكل يوم على واحد منهم إلى أن جاءت العزومة على سيدي في بستان خارج البلد، فراح هو والتجار وأخذ لهم ما يحتاجون إليه من أكل وغيره […] فاحتاج سيدي إلى مصلحة من البيت فقال: يا عبد اركب البغلة ورح إلى المنزل وهات من سيدتك الحاجة الفلانية […] فلما قربت من المنزل صرخت وأرخيت الدموع فاجتمع أهل الحارة كبارا وصغارا وسمعت صوتي زوجة سيدي […] فقلت لهم: إن سيدي كان جالسا تحت حائط قديمة هو وأصحابه فوقعت عليهم […] فلما سمع أولاده وزوجته ذلك الكلام صرخوا وشقوا ثيابهم ولطموا على وجوههم فأتت إليهم الجيران، وأما زوجة سيدي فإنها قلبت متاع البيت بعضه على بعض وخلعت رفوفه وكسرت طبقاته وشبابيكه[…] ثم خرجت سيدتي مكشوفة الوجه بغطاء رأسها لا غير وخرج معها البنات والأولاد وقالوا: يا كافور امش قدامنا وأرنا مكان سيدك الذي هو ميت تحت الحائط حتى نخرجه من تحت الردم ونحمله في تابوت[…] فلم يبق أحد من الرجال ولا من النساء ولا من الصبيان ولا صبية ولا عجوز إلا جاء معنا[…] وأنا قدامهم أبكي وأصيح […] فلما رآني سيدي بهت واصفر لونه وقال: ما لك يا كافور وما هذا الحال وما الخبر. فقلت له: إنك لما أرسلتني إلى البيت لأجيء لك بالذي طلبته، رحت إلى البيت ودخلته فرأيت الحائط التي في القاعة وقعت فانهدمت القاعة كلها على سيدتي وأولادها".
    والعجيب في الأمر أن كافور، عندما بانت الحقيقة، لم يتملكه الذعر من عقاب محتمل ولم يأبه بتهديدات سيده، بل جابهه بوقاحة وصلف، وبقدرة فائقة على المماحكة والمنازعة: "والله ما تقدر أن تعمل معي شيئا لأنك قد اشتريتني على عيبي بهذا الشرط والشهود يشهدون عليك […] وهو أني أكذب في كل سنة كذبة واحدة، وهذه نصف كذبة، فإذا كملت السنة كذبت نصفها الآخر فتبقى كذبة كاملة".
    مرة كل سنة، يصاب كافور بأزمة لا يستطيع التغلب عليها، بنوبة قاهرة، أو بحال من الأحوال يجبره على اختلاق أكذوبة. لكن اللافت للانتباه أنه يتصرف وكأن ما يرويه صحيح ومطابق للواقع، فلا يبدو أنه يلعب دورا أو يتصنع، ولا يمكن الجزم بأنه يعي كل الوعي أنه يكذب؛ فحتى عندما يتعرف أسياده على كنه الأمر، أي على سلامتهم، يظل برهة يصيح ويبكي ويحثو التراب على رأسه وكأنهم ماتوا فعلا وكأن ما اختلق هو الحق بعينه. إنه، ويا للمفارقة، سليم الطوية صادق مع نفسه حين يكذب!
    تتعين الإشارة هنا إلى أن حكاية كافور مدرجة في حكاية أخرى يدور موضوعها أيضا حول الكذب. وخلاصتها أن زبيدة، زوجة هارون الرشيد، غارت من قوت القلوب، محظية الخليفة، فسعت أثناء غيابه إلى تخديرها، وأمرت العبيد الثلاثة، ومن جملتهم كافور، بدفنها حية خارج القصر (وهذه نقطة التقاء مع حكاية كافور الذي ادعى أن أسياده ماتوا تحت الأنقاض). ثم أمرت نجارا أن يعمل صورة من خشب "على هيئة ابن آدم"، وبعد ذلك كفنتها ودفنتها في قصرها. ولما عاد الخليفة من سفره، قيل له إن قوت القلوب ماتت، فـ"صار حائرا في أمره، ولم يزل بين مصدق ومكذب، فلما غلب عليه الوسواس أمر بحفر القبر وإخراجها منه، فلما رأى الكفن وأراد أن يزيله عنها ليراها خاف من الله تعالى، وهكذا انطلت الحيلة عليه(2)… أما المحظية، فإن شابا اسمه غانم أخرجها من القبر الذي دفنت فيه خارج المدينة وخلصها من موت محقق (وهذه نقطة التقاء ثانية مع حكاية كافور، حيث يتبين أن الأسياد أحياء، فكأنهم والحالة هذه خرجوا من تحت الأنقاض). وكما ينتظر القارئ المبتلى بقراءة الحكايات، فإن غانم وقوت القلوب "أحب بعضهما بعضا"؛ ولكن ما تكاد تقص قصتها، حتى يشعر بالرعب والهلع، فبعد أن كان يراودها عن نفسها بإلحاح، صار "يتمنع عنها خوفا من الخليفة"؛ أي أنه تحول، بمعنى من المعاني، إلى مخصي. فإذا كان كافور قد أخصي لأنه تكلم، فإن غانم أخصي لأنه استمع. إن رواية حكاية والاستماع إليها أمر لا يكون دائما محمود العواقب(3).
    غني عن القول إن كذبة كافور أثارت البلبلة والفوضى، فإذا بالمدينة كلها في حالة انفعال وهياج؛ إنه الشخص الذي تأتي الفضيحة على يده. قد نفسر نزعته إلى الكذب برغبة في الانتقام، بإرادة خفية في قتل أسياده وإتلاف ممتلكاتهم، إلا أنه، ومهما كانت حوافزه الدفينة، حريص على إقناع سيده، الحانق عليه، بأنه لم يخف عنه أبدا عيبه (أي حقيقته!)؛ فمن وجهة نظره تصرف باستقامة وأمانة، ولهذا ليس عنده أي شعور بالذنب، أما التوبة فليست داخلة في حسابه. لا يوقظ الكذب عنده مشكلا أخلاقيا، وإنما مشكلا من نوع إستطيقي، إذا اعتبرنا أن الكذب بالنسبة إليه شيء شبيه بتحفة فنية تتطلب سنة من التحضير والإعداد لكي تصير "كاملة"؛ وهذا يذكرنا بحوليات زهير بن أبي سلمى (المصنف ضمن "عبيد الشعر")، الذي كان يقضي حولا كاملا في إنشاء قصيدة وتنقيحها وتثقيفها. ومن أجل تأمين الوقت اللازم لإنهاء تحفته، يرفض كافور الإنعتاق من العبودية الذي يقترحه عليه سيده ليتخلص منه ويستريح من أكاذيبه: "والله إن أعتقتني أنت ما أعتقك أنا حتى تكمل السنة وأكذب نصف الكذبة الباقي، وبعد أن أتمها فانزل بي إلى السوق وبعني بما اشتريتني به على عيبي".
    حدث هذا عندما "هلت السنة الجديدة"، وهو ما يتوافق في النص مع فصل الربيع ("وكانت سنة مباركة مخصبة بالنبات"). فكما أن الطبيعة تنتج البراعم والفواكه، فإن كافور ينتج الأكاذيب، بحيث إن إمراع خياله يقابل خصوبة الأرض ووفرة نباتها.
    وهنا نتساءل: ألا تتضمن هذه الحكاية أثرا أو بقية من عادة غابرة، عادة الكذب مرة في السنة، عند بداية أبريل؟ وللتذكير فإن التقويم الروماني القديم كان يبدأ بالضبط مع هذا الشهر! وهذه العادة (الهند-أوروبية) كان المقصود منها الاحتفال بالسنة الجديدة، وكانت مرتبطة عند الرومان بعيد المجانين وملاهي الكرنفال(4). ولعل في حكايتنا صدى لهذا الطقس، إذا ما اعتبرنا الموكب الذي اتجه خارج المدينة، نحو البستان، حيث لقي السيد وأصحابه مصرعهم كما زعم كافور، وهو موكب عجيب اشترك فيه أشخاص من شتى الفئات والأعمار، وهم "مكشوفو الوجوه والرؤوس". ولعل في هذا الطقس أيضا ما يفسر الحق في الكذب الذي يطالب به كافور، وعدم مبالاته بما قد يترتب عن فعلته من عقاب.
    لكن سيده لا ينظر إلى الأمور بهذا المنظار: "ثم ذهب من شدة غيظه إلى الوالي فضربني علقة شديدة حتى غبت عن الدنيا وغشي علي، فأتاني بالمزين في حال غشيتي فخصاني وكواني،فلما أفقت وجدت نفسي خصيا، وقال لي سيدي: مثل ما أحرقت قلبي على أعز الشيء عندي أحرقت قلبك على أعز الشيء عندك". بخلاف العبدين الآخرين، لم يقترف كافور خطيئة الفسق، لم يستسلم لنزوة جنسية، وإنما ارتكب ذنبا لسانيا، فلسانه هو الذي حمله على الزلل. ولا شك أنه حريص كل الحرص على سلامة هذا العضو، إذ لولاه لزال "عيبه"، وهو عيب يتشبث به ويعتني به أيما عناية، وكيف لا وهو حقيقته وقوام شخصيته ووجوده؟ وهذا ما غاب عن سيده الذي لم يقطع لسانه، أعز الشيء عنده، فلم يقتص منه والحالة هذه كما يجب؛ وعليه فإن انتقامه ناقص، تماما كما أن كذبة كافور غير كاملة.
    في دراسة سابقة(5)، تطرقت بصفة عابرة لهذه الحكاية وتساءلت عما إذا أقلع كافور، بعد إخصائه، عن اختلاق كذبته السنوية. لسبب أو لآخر اعتقدت أنه تاب بعد العملية التي أجريت له، لا سيما وأنه يعترف بانهياره ("وقد انكسرت نفسي وضعفت قوتي وعدمت خصاي"). لكنني أخطأت في التقدير ولم أنتبه جيدا إلى النص، وبالفعل فإن كافور لم يغير ما بنفسه على الإطلاق: "وما زلت ألقي الفتن في الأماكن التي أباع فيها". لقد ظل متمسكا بعيبه، وإن كنا لا نعلم شيئا عن أكاذيبه التالية خلال تطوافه من سيد إلى سيد؛ ذلك أنه لم يرو للعبدين إلا الحكاية التي كانت سبب "تطويشه". وطبعا يمكن أن نتساءل عما إذا كان صادقا فيما رواه. بعبارة أخرى، ألا يكذب عندما يعلن أنه يكذب؟ أليست الحكاية التي يرويها للعبدين المخصيين نابعة أيضا من نزعته السنوية إلى الكذب؟
    الهوامش
    1 - ألف ليلة وليلة، القاهرة، المطبعة العامرة العثمانية، الطبعة الثالثة، 1311، ص 123-136.
    2 - في الترجمة الفرنسية لماردروس (باريس، منشورات روبير لافون، مجموعة "بوكان"، 1980، ا، ص 282)، نقرأ أن الخليفة "رأى الصورة الخشبية مغطاة بالكفن فظن أنها محظيته".
    3 - انظر تسفيطان طوضوروف، "الرجال-الحكايات"، شعرية النثر (بالفرنسية)، باريس، منشورات لوسوي، 1971، ص 87.
    4 - استقيت هذه المعلومات من بعض الموسوعات.
    5 - العين والإبرة، ترجمة مصطفى النحال، الدار البيضاء، نشر الفنك، 1996، ص 18.
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  8. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبدالفتاح كيليطو
    الصياد والعفريت
    تحليل لحكاية من ألف ليلة وليلة

    في طبعة ألف ليلة وليلة التي اعتمدت عليها، تبدأ حكاية الصياد مع العفريت في الليلة الثالثة وتنتهي في الليلة التاسعة، وكما يحدث كثيراً في هذا الكتاب، فإنّ حكاية الصيّاد ترتبط بحكايات أخرى، أي أنها تتوقف لتفسح المجال لأربع حكايات، ثم تُستأنف بعد ذلك• مبدئياً ينبغي أن آخذ بعين الاعتبار الحكايات الخمس، نظراً للعلاقة الوثيقة والخفية التي يفرضها الجوار، إلاّ أنني سأكتفي بحكاية الصيّاد• صحيح أنني باختياري هذا سأقطع رجليْ النّص، لكن لي بعض العذر• فلا يُعقل أن أقوم بتلخيص الحكايات لأنّ التلخيص يشّتت ذهن القارىء بالإضافة إلى كونه ليس بالعملية البريئة(ü)•حكاية الصياد معروفة لدى الجميع ولا داعي للتذكير بمحتواها، ولكن بما أنّ تحليلي سيتركز على تفاصيل وجزئيات دقيقة، أرى لزاماً علي أن أنقل بعض الفقرات وألخّص فقرات أخرى، على الرّغم من شعوري بمساوىء التلخيص•> ••• كان رجل صياد وكان طاعناً في السّن وله زوجة وثلاثة أولاد وهو فقير الحال وكان من عادته أنه يرمي شبكته كل يوم أربع مرّات لا غير• ثم إنّه خرج يوماً من الأيام إلى شاطىء البحر ورمى شبكته<• في المرّة الرابعة صبر >إلى أن استقرّت وجذبها فلم يُطق جذبها وإذا بها اشتبكت في الأرض••• فتعرى وغطس عليها وصار يعالج فيها إلى أن طلعت على البرّ وفتحها فوجد فيها قمقماً من نحاسٍ أصفر ملآن وفمه مختوم برصاص، عليه طبْع خاتم سيدنا سليمان فلما رآه الصياد فرح وقال هذا أبيعه في سوق النّحاس فإنه يساوي عشرة دنانير ذهباً ثم إنه حرّكه فوجده ثقيلاً فقال لا بد أني أفتحه وأنظر ما فيه••• ثم إنّّه أخرج سكيناً وعالج في الرّصاص إلى أن فكّه من القمقم<• وبعد حين >خرج من ذلك القمقم دخان صعد إلى عنان السماء ومشى على وجه الأرض ••• ثم انتفض فصار عفريتاً<• ويتوهم العفريت أنه واقف أمام سليمان فيقول: >يانبي الله لا تقتلني فإنّي لا عدت أخالف لك قولاً ••• فقال له الصياد: أيها المارد ••• سليمان مات من مدّة ألف وثمانمائة سنة ونحن في آخر الزمان فما قصّتك وما حديثك وما سبب دخولك في هذا القمقم؟ فلما سمع المارد كلام الصياد قال: ••• ابشر بقتلك في هذه الساعة أشرّ القتلات<• ثم يروي أنّه عصى سليمان فأودعه في القمقم وألقى به في البحر• ومع مرور الزمن احتدم غضب الجنّي فقرّر أن يقتل الشخص الذي يخلّصه• فقال له الصياد:
    اعف عنّي إكراماً لما أعتقتك، فقال العفريت: وأنا ما أقتلك إلاّ لأجل ما خلّصتني<•>فقال الصياد: هذا جني وأنا إنسي وقد أعطاني الله عقلاً كاملاً وها أنا أدبر أمراً في هلاكه بحيلتي ••• ثم قال للعفريت: ••• بالاسم الأعظم المنقوش على خاتم سليمان أسألك عن شيء وتصدقني فيه قال: نعم ••• فقال له: كيف كنت في هذا القمقم والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك فكيف يسعك كلّك؟ فقال له العفريت: وهل أنت لا تصدق أنني كنت فيه؟ فقال الصياد: لا أصدقك أبداً حتى أنظرك فيه بعيني<•
    انطلت الحيلة على الجني فتحول إلى دخان ودخل في القمقم >وإذا بالصياد أسرع وأخذ سدادة الرّصاص المختومة وسدّ بها فم القمقم ونادى العفريت وقال له: ••• إن كنت أقمت في البحر ألفاً وثمانمائة عام فأنا أجعلك تمكث فيه إلى أن تقوم الساعة ••• فقال له العفريت: أطلقني فهذا وقت المروآت وأنا أعاهدك أني •• أنفعك بشيء يغنيك دائماً• فأخذ الصياد عليه العهد أنه إذا أطلقه لا يؤذيه أبداً بل يعمل معه الجميل، فلما استوثق منه بالأيمان والعهود وحلفه باسم الله الأعظم فتح له الصياد فتصاعد الدخان حتى خرج وتكامل فصار عفريتاً مشوه الخلقة ورفس القمقم فرماه في البحر• فلما رأى الصيادُ القمقم مرمياً أيقن بالهلاك<• لكن العفريت يظل وفياً لعهده وبعد أن يدل الصياد على وسيلة ستجعل منه شخصاً غنياً، يقول له: >بالله أقبل عذري فإنني في هذا الوقت لم أعرف طريقاً وأنا في البحر مدّة ألف وثمانمائة عام ما رأيت ظاهر الدّنيا إلا في هذه الساعة ••• ثم دق الأرض بقدميه فانشقت وابتلعته<•كيف سأتناول هذه الحكاية بالتحليل، هذه الحكاية التي لا يعرف أحدّ مؤلفها؟ إن الحديث عمّا قصد إليه هذا الأخير لا يتعدى مستوى الافتراض•فعلى سبيل المثال يمكنني أن أقول إنّ المؤلف قصد أن يثبت أنّ من يفعل الخير يلقى في النهاية أجره وثوابه، رغم ما قد يتعرّض له من نكران الجميل•يمكنني كذلك أن افترض أن المؤلف قصد أن يثبت أن الإنسان، بما منحه الله من عقل، يتفوق لا على الحيوانات المفترسة فحسب، ولكن أيضاً على من يريد به الشّر من الجنّ• بتعبير آخر: قصد أن يثبت أن الصغير الضعيف يستطيع بفضل دهائه وحيلته أن يهزم الكبير القوي، كما هو الشأن في الحكاية التي تتحدث عن قط جابه غُولاً شرساً فتحيّل ليجعله يتحول إلى فأر ثم افترسه• يمكن كذلك أن أفترض أن مؤلف الحكاية سعى إلى إثبات مسألة كلامية، وهي أن الجن لا يعلمون الغيب، إذ لو كانوا يعلمون الغيب لعلم الجني وهو في قمقمه أن سليمان قد مات ••• إلى غير ذلك من الافتراضات•سأتصور الآن قارئاً ساذجاً يطلع على حكاية الصياد بغرض التسلية لا غير• هذا القارىء سيتحول رغم أنفه إلى مُؤوّل؛ ذلك أن في الحكاية عناصر تلزمه أن يطرح على نفسه بعض الأسئلة، عناصر مبهمة، وغامضة، شبيهة بألغاز، وليس في النّص ما يساعد على فكها• مثلاً: لا يتساءل القارىء لماذا للصياد ثلاثة أولاد، لأنه يعتبر هذه المسألة عرضية• ولكنه عندما يقرأ أن الصياد كان من عادته أن يرمي شبكته كل يوم أربع مرات، فإنه يقول لنفسه: لماذا أربع مرّات؟ هذا أمر يبدو بحاجة إلى تفسير• عدد آخر يشعر القارىء أنه غير عرضي، وأعني الألف وثمانمائة سنة التي قضاها الجني داخل القمقم• لماذا ألف وثمانمائة سنة؟ عنصر ثالث يشكل لغزاً: الصياد يخلص العفريت فيجازيه العفريت بأن يريد قتله• هذا شيء يخالف التصورات العادية، وبالتالي يدفع القارىء إلى إيجاد تبرير• إجمالاً فإنّ الحكاية ذاتها تستفزّ القارىء وترغمه على البحث عن تفسير لألغازها•سأطرح الآن على القارىء السؤال التالي: من هو بطل حكايتنا؟ لا شك أنه سيجيب على الفور: الصياد• أما إذا سألته: لماذا؟ فإنه سيردد وسيجد بعض الصعوبة في العثور على الجواب• إننا نستطيع أن نعين بصفة عفوية من هو بطل هذه الحكاية أو تلك، ولكننا نشعر بالحرج عندما نحاول أن نعلل هذا التعيين•ليس غرضي أن أخوض الآن في هذا الموضوع الشيق• إن ما يهمني هو البطل بمعنى الشخص الذي يقوم بأعمال جليلة، أعمال باهرة تبعث على التعجب• مثلاً الشخص الذي يقتل وحشاً رهيباً يعيث في الأرض فساداً ويؤذي الناس ويسفك الدماء• الصورة التي تفرض نفسها في هذا السياق، سواء في الحكايات الأدبية أو في الحكايات المصورة، الصورة التي تتبادر إلى الذهن هي صورة بطل شاب يشهر سيفه على تنين مهول ويهم ّبالإجهاز عليه•هل نجد هذه الصورة في حكايتنا؟ ليس بالضبط• هناك بالفعل وحش مخيف وشرير هو الجني، ولكن الصياد الذي يقف أمامه طاعن في السن وضعيف ترتعد فرائصه من الهلع• وعلاوة على ذلك لا يُشهر سيفاً ولا يبارز الجني ولا يقتله• ومع ذلك فإن ما جرى له مع الجني يمكن أن يوسم بالبطولة، بشرط أن نتحدث عن بطولة من نوعٍ آخر، بطولة مخففة لا تكون نتيجتها قتل التنين، الوحش الرهيب، وإنما ترويضه وتدجينه وتأنيسه• في هذه الحالة يُلاحظ أن سلاح البطل ليس هو السيف، وإنما سلاحاً من نوعٍ آخر: الحبل• فالحبل هو السلاح الذي بفضله يُدجن الوحش، بفضله يُعقل الوحش فتُردع غرائزه الخبيثة المؤذية•ولكن ليس في الحكاية حبل، والصياد لا يقوم بالضبط بربط الجني• هذا صحيح ولكن الحكاية تعرض عدّة عناصر يمكن إرجاعها إلى موضوعة الحبل، موضوعة الرّبط• سبعة عناصر على الأقل•1- الشبكة: الصياد يملك شبكة يصيد بها السمك والعفاريت؛ فهي فخ أو شرك أو حبل يشل حركة الضحيّة فتستسلم مُكرهة ذليلة•2- القمقم: القمقم شبكة أو فخ لأنّه يمنع الجنّي الموجود فيه من الحركة• فالجني لا يستطيع الخروج من القمقم، كما إن السمك لا يستطيع الإفلات من الشبكة•3- الدخان: من الملاحظ أن الجني يتحول أو يُحوّل إلى دخان كلما أفلت الأمر من يده• ماهي العلاقة بين الدخان والشبكة؟ الدّخان عبارة عن عُقد رفيعة ولطيفة، فهو يتحرك بصفة لولبية حلزونية، فيرسم حلقات شبيهة بحلقات السلسلة أو الشبكة• ولمن يعترض بأن الدّخان يرمز إلى حرّية الحركة أقول: مادام العفريت متحولاً إلى دخان، فإنّه مُطوَّع ولا شرَّ يُخشى منه•4- العقل: الصياد يمتاز بالعقل، العقل بمعنى الرّباط أو الأداة التي يتمّ بها الرّبط•5- الحلّ والعقد: من يستطيع أن يربط، أن يعقد، يستطيع أن يحلّ، أن يفكّ• الحل والعقد أمران متلازمان: الصياد أثبت قدرته على الحل في ثلاثة مواقف• فلقد غطس عدّة مرات لتلخيص شبكته التي انعقدت بالأرض• ثم إنّه فتح بسكينه القمقم المختوم بالرصاص• وأخيراً خلّص الجنّي من القمقم لمرتين على التوالي•6- العهد: قبل تخليص العفريت، >أخذ الصياد عليه العهد أنه إذا أطلقه لا يؤذيه أبداً< و >استوثق منه بالأيمان والعهود وحلفه باسم الأعظم<• إنّ فعْل >استوثق< يُحيل على الرّبط، كما يُحيل اليمين الذي أدَّاه العفريت إلى وثاق رادع•7- اللّغز: هناك علاقة بين اللّغز والحلّ والعقد• ألا نقول: فلان فك لُغزاً أو حلّه؟ فموضوعة الرّبط تظهر في اللّغزين، وأعني السؤالين، اللذين طرحهما الصياد على العفريت• السؤال الأول: >ماسبب دخولك في هذا القمقم؟ <• والسؤال الثاني:> كيف كنت في هذا القمقم والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك فكيف يسعك كلّك؟ <•في العديد من الأساطير، لا يُعدّ اللّغز (أو الأحجية) لعبة يُتلهى بها، وإنّما لعبة خطرة تكون نتيجتها موت أحد الطرفين: إمّا واضع اللّغز، وإمّا المطالب بحلّه• لذلك يجب على الذي يطرح السؤال أن يجعله من الصعوبة بحيث يستحيل على خصمه العثور على الجواب• وبالمقابل يجب على الذي يُلقي عليه السؤال أن يكون من الفطنة والذكاء بحيث يهتدي إلى الجواب•أشهر مثال على ارتباط اللّغز بالموت قصّة أوديب مع سفانكس• لو لم يجب أوديب عن السؤال الذي وضعته سفانكس لهلك، ولكن بما أنّه فد افلح في الاهتداء إلى الجواب، فإن سفانكس هي التي ماتت• لأن السؤال الذي طرحته معروف: من هو الحيوان الذي يمشي في الصباح على أربع، وفي الظهر على اثنتين، وفي المساء على ثلاث؟ الجواب: الإنسان، الإنسان الذي يمر أثناء حياته من حالة إلى أخرى، من الطفولة إلى الشيخوخة•يبدو لي أنّ هناك علاقة ما بين السؤالين اللذين وضعهما الصياد على العفريت والسؤال الذي وضعته سفانكس على أوديب، علاقة على مستوى المضمون وعلى مستوى الموقف السردي• لن يتّضح المستوى الأول إلا بعد مقدمات، لذا سأرجىء الكلام عنه إلى حين• أمّا فيما يخص المستوى الثاني، فإن وجه الشبه لا يخفى• واحد من الاثنين يجب أن يموت: إمّا الصياد وإمّا الجني، أي إمّا واضع السُؤال وإمّا المُطالب بالجواب•لنتذكر السؤال الأول: >ماسبب دخولك في هذا القمقم ؟<• لم يعجز الجني عن الجواب، فلزم أن يموت الصياد ••• لكن المسألة ليست بهذه البساطة• فالصياد بسؤاله اقترف إثماً يُعبّر عنه بالفضول المحرم، وهو فضول سبق له أن سقط فيه عندما فتح القمقم رغم أنّه >مختوم برصاص عليه طبع سيدنا سليمان<• الختم يدلُّ على التغطية وعلى الصيانة فلا يجوز لأحد أن يفتح الظرف وينظر ما في باطنه، وإلا تعرض للعقاب• هناك أسئلة لا يجوز وضعها وأشياء لا يجوز الاطلاع عليها، وإنّ من يخالف هذا التحريم يُجازف بحياته•الفضول وارد أيضاً في السؤال الثاني: >كيف كنت في هذا القمقم والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك فكيف يسعك كلّك ؟<• لم يلق الصياد هذا السؤال إلا بعد أن انتزع موافقة العفريت، قاصداً بذلك توريطه: بالإسم الأعظم المنقوش على خاتم سليمان أسألك عن شيء وتصدقني فيه• قال العفريت: نعم• دخل العفريت في اللعبة مدفوعاً بالفضول، بفضول مُتعلّق بسؤال لم يوضع بعد! السؤال الأول عَرّض حياة الصياد للخطر، أما السؤال الثاني فسيكون سبب خلاصه، ولن يتم هذا الخلاص إلا بهلاك الجني• فهذا الأخير سقط في فخ الفضول ولم يفطن إلى كون السؤال مغلوطاً ومبنياً على مكيدة، فكان جوابه (الدخول في القمقم) جواباً غير مناسبٍ• لقد فشل في الامتحان فوجب أن يموت• صحيح أنه لم يمت، ولكنه دفن حيّاً في القمقم وهدّده الصياد بقذفه في البحر وبتركه هناك إلى يوم القيامة، وهي حالة شبيهة بالموت•لنتأمل السؤالين اللّذين وضعهما الصياد، من حيث المضمون هذا المرّة• لا فرق بينهما سوى أنّ الأول يتعلق بالسبب >ما سبب دخولك في هذا القمقم؟< والثاني يتعلق بالكيفية >كيف كنت في هذا القمقم•••؟<• ما عدا هذا الفرق فإنهما مترادفان ويمكن عدّهما سؤالاً واحداً•ما علاقة هذا السؤال بسؤال سفانكس؟ لا بد هنا من بعض الملاحظات:1- إلى جانب موضوع الحل والعقد هناك في الحكاية موضوع التحول• وسأكتفي بإشارات سريعة له: القمقم يساوي في السوق عشرة دنانير، أي يمكن تحويل نحاسه إلى ذهب (وهذا عنصر يحيل على الكيمياء) ؛ العفريت يمر بعدة أشكال فينتقل من دخان إلى كائن ضخم ثم يتحول إلى دخان من جديد وفي النهاية ينتصب مارداً هائلاً• هذه التحولات في شكله مصحوبة بتحولات في نفسيته، وهكذا فإن الاعتراف بالجميل يتلو الرغبة في القتل• وبصفة عامة فإن الجن مشهورة، كما يقول ابن منظور، بتلونها وابتدالها• ومن جهته فإن الصياد ينتقل من موقع ضعف إلى موقع قوة، ومن وضعية فقير إلى وضعية غني•2- للجني عند خروجه من القمقم شكل دخان، أي أنه شيء تافه، شيء رخو ومائع؛ ثم يصير عملاقاً، كائناً بشرياً سوياً، على الأقل يتشكل بصورة كائن بشري• وتؤكد الحكاية أنّ الدّخان >صعد إلى عنان السماء ومشى على وجه الأرض<• وفي هذا السياق أطرح السؤال التالي على القارىء: ماهو الشيء الذي يكون في البداية لا شيئاً، أو شبه لا شيء، ثم ينمو بالتدرّج وفي يوم من الأيام يستوي ويمشي على الأرض؟ -3يربط بعض الباحثين أسطورة سفانكس بغريزة المعرفة عند الطفل بالسؤال الذي يطرحه الطفل والذي يأبى الكبار عادةً أن يجيبوا عنه، السؤال الذي يمكن أن يكون أَنموذجاً للفضول المحرّم: من أين يأتي الأطفال؟ألم يطرح الصياد السؤال نفسه، بصيغة مختلفة؟ ألم يسأل عن الماضي والأصل والبدء؟ ألم يسأل عن سر الولادة وسر النشأة؟كلمة جني مرتبطة، صوتياً ودلالياً، بكلمات أخرى، بالجنون مثلاً (لأن الشخص المجنون يسكنه جني) وبالجنين• ليس هذا الربط بين الجني والجنين من باب اللعب بالألفاظ، وإنما هو من صميم اللغة• اقرأ في لسان العرب: >جن الشيء يجنه: ستره ••• وبه سُمّي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار<• ثم يضيف ابن منظور: >ومنه سمي الجنين لاستتاره في بطن أمه<•تدل كلمة جنّ أيضاً على البداية، أي بداية شيء أو زمن: >يقال: كان ذلك في جنّ صباه أي في حداثته<•إنّ الصدفة وحدها هي التي جعلتني أتصفح لسان العرب وأنتبه إلى العلاقة بين كلمة جن وكلمة جنين• إذاك أخذت الخطوط العريضة لقراءتي للحكاية ترتسم وتتضح وتتأكد• وبالفعل فهناك بين الجني والجنين تماثل قوي• فكلاهما في البداية ملفوف في ظرف، في وعاء مائي• وداخل هذا الوعاء كلاهما بين الحياة والموت (كلمة جنين تعني فيما تعنيه المقبور:
    والجنن بالفتح: هو القبر لستره الميت<• كلاهما يخرج من ظلام دامس (عبارة >جن الليل< مشهورة؛ وفي اللسان: >جنون الليل أي ما ستر من ظلمته<• كلاهما غارق في ماضٍ سحيق وغائب عن الواقع، أي كلاهما مجنون، إذا اتفقنا على أن الجنون هو فقط الصلة بالعالم الخارجي• الجنين لا يعي العالم الذي يُطرح فيه، والجنّي متأخر عن زمانه بألف وثمانمائة سنة•لنحاول الآن أن نفهم لماذا أراد العفريت قتل الصياد• لقد ملّ المكوث في القمقم، فصار يُكنّ العداوة للخلق كله، بدءاً بالشخص الذي سيُخلّصه• وإنّ ما يلفت الانتباه هو قوله للصياد: > ما أقتلك إلا لأجل ما خلصتني<• إذا كان للكلام معنى، فإن الجني يُشير بقوله هذا إلى أنه لم يكن يريد الخلاص، أي لم يكن يرغب في الخروج إلى الوجود• فكأنه أصيب بما يُسمى صدمة الولادة•إن أبياتاً شعرية عديدة، عربية وغير عربية، تصف هذه الصدمة، فتُصوّر الحياة في بطن الأم على أنها حياة استقرار وطمأنينة وسعادة، وتصور الخروج إلى الدنيا على أنه خروج إلى الشقاء والتعاسة• بهذا المعنى يفسّر ابن الرومي بكاء الطفل عند ولادته:لِمَا تُؤذنُ الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولدوإلا فمــا يـبـكـيــه منهـــا وإنهـــا لأرحـب ممّـا كـان فيـه وأرغـدوفي إحدى مقامات الحريري تدور الأحداث حول ولادة عسيرة، حول جنين لا يرغب في الخروج إلى الدنيا ويتشبث بالرحم حيث اللامبالاة واللامسؤولية والنعمة الشاملة• ويخاطبه أبو زيد السروجي قائلاً:أيـهـــذا الجنـيــن إنـي نصيـــــــح لك والنصح من شروط الدينأنـت مستعصــم بـكـنٍ كنـيــنٍ وقــــرارٍ مــن السـكــون مـكـيـــنمـا ترى فيـه مـا يروعك من إلْـ ف مــــــداج ولا عـــــدو مــبــيـنفمتــى مــا بــرزت مـنـه تحـــــــولـ ت إلـى مـنـزل الأذى والـهـونوتـراءى لك الشقـاء الذي تلـ قـي فتبكـي لـه بـدمـــع هـتــــونفاستدم عيشك الرغيد وحاذر أن تبيـــع المحقـــوق بـالمظنـــــــونوالعجيب أن الحديث عن هذه الولادة العسيرة يأتي في المقامة مباشرة بعد وصف للبحر وبعد ذكر للسفر في البحر• ثمة علّة ما تربط بين ذكر العنصر المائي وبين ذكر الولادة في ما لا يحصى من الحكايات• إن من قرأ ابن طفيل يتذكر أن أم حي بن يقظان >وضعته في تابوت أحكمت زمّه ••• ثم قذفت به في اليم<•وحكاية الصياد والعفريت تصف صيداً عسيراً، فالولادة الصعبة تأخذ هنا مظهر الشبكة التي يتعذر استخراجها من قعر البحر فيضطر الصياد إلى الغموض لفك خيوطها، كما يضطر إلى فك الرصاص من فوهة القمقم بسكين ليخرج الجني• ولعل هذا سبب حقد هذا الأخير على الصياد• فالجني تتجاذبه نزعتان متعارضتان: نزعة الخروج إلى الدنيا ونزعة المكوث في القمقم• فهو يعود إلى القمقم -الرحم- بعد الخروج منه، ثم يتطلع إلى الدنيا من جديد فيتخلص من القمقم ويقذفه في البحر•عندما خرج من القمقم وجد نفسه منذ اللحظة الأولى في عالم عدائي، في عالم يريد به الشر، بل الموت• لذلك صرخ متوسلاً: >يانبي الله لاتقتلني فإني لا عدت أخالف لك قولاً ولا أعصى لك أمراً<• لقد التبس عليه الأمر فحسب أنه واقف أمام النبي سليمان وبادر إلى الإعلان عن نفسه• وما إن تبيّنت له الحقيقة حتى سارع إلى إعلان عقوقه؛ أقول العقوق لأن الصياد يمتن عليه بأنه خلصه وأخرجه إلى الدنيا ومنحه الحياة بعبارة أخرى: يمتن عليه بأبوته• إن علاقة الجني بالصياد تشبه إلى حد كبير علاقته بسليمان• لقد عاش التجربة نفسها مرتين، مرة مع سليمان ومرة مع الصياد• وفي كلتا الحالتين تتكرر الأفعال نفسها : التمرد، ثم العقاب، ثم التوبة• فرغم المسافة الشاسعة بين النبي والصياد، فإن لهذا الأخير بعض الخصائص المرتبطة بسليمان• أليست له القدرة على النقض والإبرام، وعلى الحل والعقد، وعلى الفتح والإغلاق؟ إنه يسيطر على الحيوان (السمك) وعلى الجن (العفريت) بل وعلى البشر كما يظهر ذلك في نهاية الحكاية >وأمّا الصياد فإنه قد صار أغنى أهل زمانه<•قلت إن علاقة الجني بالصياد تماثل علاقته بسليمان، ومع ذلك لا ينبغي أن نغفل اختلافاً أساسياً بين الحالتين• إن ما حدث للعفريت مع الصياد جعله يتصالح مع العالم ومع الحياة، فتخلّى عن حقده وضغينته وتوحشه؛ لذلك أطلق الصياد سراحه، لأن المخلوقات المدجنة لا تحتاج إلى وثاق•وهنا بالذات يبرز التماثل القوي بين حكاية الصياد مع العفريت وحكاية شهرزاد مع شهريار• فشهرزاد قد استعملت هي الأخرى حكمتها ودهاءها لاقتلاع جذور البغض والهمجية مع نفس شهريار فتحول في النهاية إلى شخص وديعٍ أليف• فجل حكايات ألف ليلة وليلة تبين أنه مهما اتسعت الهوة بين شخصين، فإن بالإمكان تحويل العلاقة المبنية على العنف والقهر إلى علاقة مبنية على الرّقة والوداعة، بفضل العقل والإقناع• ولعل هذه النظرة المتفائلة من الأسباب التي تُحبّب الكتاب إلى الصغار والكبار•
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  9. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد الفتاح كيليطو
    ايدا في النافذة
    ترجمة : عبد الكبير الشرقاوي

    أحبّ القراءة في الفراش. عادة مكتسبة منذ الطفولة، لحظةَ اكتشاف "ألف ليلة وليلة".

    كنت أرقد في غرفة جدّتي، على أريكة موضوعة أسفل سريرها. أثناء مرض من أمراضي ـ لا بد أنه كان من الخطورة كي تتأبّد ذكراه عند الأسرة ـ، كنت على الدوام غائصاً في رقادٍ سُباتيّ. وفي اللحظات القليلة التي أستردّ فيها وعيي، أسمع أصوات الزائرات المستخبرات عن حالي. ما إن أدرك أني موضوع همسهنّ حتى أغوص ثانية في النوم.

    عندما أخذت في التعافي، رفعن من صوتهنّ وتكلّمن عن هذا وذاك من الأشياء. لم أعد محور أحاديثهنّ. تكدّرتُ لذلك، فأخذت أتحسّر على المرض، لكن لا جدوى من التصنّع، كنت أعرف بالتجربة أن جدّتي لا تنخدع أبداً بأكاذيبي. وفي العمق، ما كنت بحاجة إلى المراوغة، فما زلت واهناً وانتكاسة قد تطرأ في كلّ لحظة.

    في هذه الظرف جذب انتباهي كتابٌ موضوع بالقرب منّي، "ألف ليلة وليلة"، في طبعة بيروت، المسمّاة أيضاً بالكاثوليكية. ماذا كان يصنع في بيت لا يهتمّ فيه أحد بالأدب؟ من الذي جعله قريباً من أريكتي، في متناول يدي؟ من الظاهر أن إحدى الزائرات قد نسيته ولم ترجع لاسترداده، لذا ظلّ قرب فراشي طوال نقاهتي. كنت أجهل ذاك الوقت أن الفقرات الجنسية قد استُبعدت منه بعناية، لكن لم ينل ذلك من قوّة الحكايات وظلّ جانبها الفاضح كاملاً. وإلاّ لماذا انتابني شعور مبهم بأنه لا ينبغي لي أن أقرأه؟ إذا ما دخل شخص إلى الغرفة، أخفيه تحت الأغطية، لا سيّما إذا كان والدي. هكذا كنت إذاً أتصدى للقراءة، للأدب، تحت شارة المرض والإثم. ذلك كان الكتاب الأوّل الذي حاولت قراءته، الكتاب العربيّ الأوّل، الكتاب الأوّل بلا زيادة.

    كنت أقرأ في الفراش، على ضوء النهار… نقيض شهرزاد التي تروي في الليل وتسكت في الصباح. كنت بقطعي القراءة في المساء، أخالف إشارتها الضمنية وأعكس نظام الأشياء.

    والحال أني بقدر ما كنت أقرأ ويمضي الوقت، تتحسّن حالي. وعندما بلغت الصفحة الأخيرة، شُفيت تماماً. وكأن للأدب فضيلة علاجية. فإن لم يكن يشفي أمراض البدن، فهو يسكّن آلام النفس، هذه إحدى ثيمات كتاب "الليالي". أميل إلى الظن أنني استعدت الصحة بفضل شفاعته؛ بفضلها هي أيضاً، الزائرة الغامضة التي نسيته عند رأس فراشي.

    هذا كلّه مؤثّر للغاية، لكن شكوكاً تنبثق، مشوّشة صفاء اللوحة. أفعلاً قرأت هذا الكتاب في الطبعة البيروتية المهذّبة؟ يروق لي اعتقاد ذلك، الله يعلم لماذا، لكن ما حقيقة الأمر؟ لنذهب أبعد: أقرأته وأنا طفل؟ ربما أكون قد حاولت، وعندما فطنت لثرائه المبهظ، تخلّيت عن قراءته بعد بضع صفحات، بضعة سطور. الكتاب الأول؟ كم مرّة زعمتُ ذلك، لكن أليس ذلك لأنه بالعربية وأنني أشقى مجتهداً لأربط نفسي بما لست أدري من أصل؟

    أما الزعم بأنني كنت مريضاً عندما اكتشفته، فذلك محض استيهام. استحضار ما لست أدري من مرض، استثارة الشفقة على الذات، استعادة رؤيتي طفلاً راقداً على أريكة تحت سرير جدّتي… ألست منهمكاً في تزويق الأشياء موحياً بأن الحكايات قد استرجعت لي صحتي؟ مماثلاً نفسي من دون حقّ، بشهريار، الملك المجنون الذي شفته شهرزاد… ومن ثمّ سيناريو تلك الزائرة الغامضة، القارئة الناسية للكتاب… في الواقع، لا امرأة كانت تقرأ في ذلك الزمان في من حولي، ربّما آيات من القرآن، لا "الليالي" بالتأكيد.

    أخيراً، الإيحاء بأني ببلوغ النهاية، قد شفيت تماماً… هذا من جانبي اختلاقٌ مغرض. الواقع أنني لن أكون قد شُفيت، بل سأكون قد متّ. منذ ألفية من السنين، ألم يتردّد القول إنه لا تنبغي قراءة "الليالي"، أو أن لا يُقرأ سوى شطر منها؟ الذين لم يتبعوا هذه النصيحة دفعوا الثمن غالياً. فقد ثبت أنهم جُنّوا، أو وضعوا حدّاً لحياتهم، أو ماتوا من السأم، حرفياً. غاب عنّي هذا في ذلك الزمان، لكن لا بدّ كنت قد استشعرتُ غريزياً الخطر.

    بيد أن بفضل هذا الكتاب دُعيت إلى الولايات المتحدة، أو بتدقيق أكبر بفضل مقال (هو في الأصل بحث لنيل شهادة الماستر)، "النوم في ألف ليلة وليلة". كان الأستاذ ك. قد أوصى بنشره، لدهشتي العظيمة، لأنني كنت أعتقد أنه يكرهني. كان ينتقدني كلّ الوقت ويبدي شكّه إزاء مشاريعي، لكن خلافاً لكلّ توقّع ومن دون أن ألتمس منه ذلك، قام بنشر بحثي في Studia Arabica (في أحلامي الأشدّ هوجاً، لم أكن أعتقد استحقاقي شرف ورود اسمي في فهرس هذه المجلّة الرفيعة). زيادة على هذا، زكّى طلبي منحةَ شهرين لدى مؤسسة فلبرايت. بطريقة مفاجئة، فتح لي النوم أبواب أميركا…

    في المطار، كان سائق ينتظرني، في يده لافتة كُتب عليها اسمي بحروف عريضة. أثناء المسير إلى النادي حيث سأقيم، لم نتبادل كلمة. كان المطر يهطل، والمنظر الذي يتتالى دميماً، بنايات كئيبة، أشغال في طور الإنجاز، رافعات هائلة… لا إرادياً، أخرجت علبة سجائري، وعندا أدركت هفوتي، بدأت أدسّها عندما أشار لي السائق، الذي أبصر حركتي في عاكس الرؤية، بأنه يأذن لي في التدخين.

    كان المسار يبدو لي لا ينقضي وبدأت أندم على سفري، فيما البارحة فقط كنت متحمّساً لفكرة اكتشاف أميركا. لم يكن السائق راضياً بدوره: تاه، وعندما لم يهتد إلى طريقه توقّف ليفحص خريطة، على ما يبدو من دون نتيجة، لأنه سار حتى محطّة وقود حيث استعلم. أخيراً، بعد دوران طويل، أنزلني في النادي.

    رتّبتُ أمتعتي في الخزانة الحائطية الفسيحة بغرفتي، وضعتُ ملفّات، ومدوّنات، وأقلام على المكتب. وعندما لم يكن لديّ سوى كتابين أو ثلاثة، تردّدتُ لحظة في وضعها على الرفوف المعدّة لهذا الغرض، لفرط ما تبدو شاذّة وسط الفراغ. ألحقتُ بها مستلاّت مقالتي عن النوم، ومخطوطة بحث الدكتوراه عن الفضول المحرَّم الذي كنت في آخر مراحل إنجازه، ومعجم أنكليزي، ومعجم ثنائيّ، وطبعة شعبية من "الليالي" في أربعة مجلّدات، وأخيراً L'Île mystérieuse لجول ڤيرن التي لا تفارقني أبداً والتي أقرأ منها دائماً قبل أن أنام. وعندما ظلّت المكتبة فارغة بشكل ميئِّس، آسيت نفسي بأنها حال موقّتة: فقد كانت لي نيّة شراء أكثر ما أستطيع من الكتب.

    بعد إقامتي في الغرفة، لم أعد أدري ما أفعل. نزلت إلى بهو الاستقبال لأتلفن إلى الأستاذ مايكل هامْوِست. أخبرني أنه سيأتي لأخذي إلى العشاء.

    حين حضر، كلماته الأولى هي قوله إنني لا بد مرهق بعد هذا السفر الطويل، ولذا قرّر أن يعفيني في هذه السهرة من الحديث بالأنكليزية.

    - "سنتحدّث بالفرنسية".

    لم يفكّر بتاتاً في حديث بالعربية، التي كان مع ذلك يعرفها. استحسنتُ التأجيل الممنوح لي، لكن مع اليقين بأن مضيفي سينفّذ تهديده في الغد فلا يخاطبني إلاّ بلغته. كان يلحظني بنوع من القلق، متسائلاً من دون شكّ كيف سأجد الخلاص أمام طلبته. كانت فرنسيته ضعيفة، لكن بالتأكيد أفضل من أنكليزيتي. عدم التوازن كان جليّاً وهذا كان يمنحه تفوّقاً واضحاً.

    عندما وصلنا أمام بيته، لاحظت على لوح الباب ملصقاً لمنع التدخين. ارتبتُ في أنه قد اقتناه اليوم بالذات وثبّته على بابه لأجلي تماماً قبل أن يأتي لأخذي. لا بدّ قد بلغه صيت إدماني التدخين. ما إن يعود بي إلى النادي، حتى يزيل الإعلان المقيت.

    استقبلتني زوجته بكثير من اللطف. كانت جدران حجرة الاستقبال مكتسية بالكتب. ولأقول شيئاً لطيفاً، همستُ:
    - "إنها مكتبة بورخيسية".

    اتسعت عينا السيّدة هاموست دهشةً.
    - "تعرفُ بورخيس!".

    أكّد لها زوجها أنني قد قرأت كتابات المؤلّف الأرجنتيني عن "الليالي"، وهو قول محيّر إذ يوحي أنني باقتصاري على الأعمال التي تهمّ تخصّصي، لم أعبأ بالباقي. تدارك الأمر بإخباري أنّ زوجته مُتَأسْبِنة وفكّرتْ لحظة في دراسة تأثير "الليالي" على كتّاب أميركا اللاتينية.

    - "لا على بورخيس، إذ توجد سلفاً دراسة أو دراستان جيّدتان في هذا الموضوع، وإنّما على كتّاب آخرين، مثلاً مانويل سكورزا ومؤلَّفه "طبول في الليل": السارق الذي يُحسن التحدّث إلى الخيول، ويغريها بأن يهمس لها، ليلاً، أشياء في آذانها. كان يمنّيها ببرارٍ خصيبة وإناث رائعات؛ فتتبعه حينئذٍ راضية".

    تعهُّدُ السيّد هاموست بأن لا يحادثني هذا المساء إلاّ بالفرنسية. لا يعني بالطبع زوجته. هكذا كان عليَّ أن أتواصل معها بالأنكليزية بالضبط لمحاولة تحديد اللغة التي كان يستعملها السارق للحديث إلى الخيول. لغته أو لغتها؟ ومن موضوع الى آخر، تناولنا مسألة خطاب البهائم في "الليالي"، وذكرنا صاحب الزرع الذي كان يفهم لغة الحمار، والثور، والكلب، والديك؛ وتوقّفنا قليلاً عند القرد الخطّاط. وبتداعي الأفكار، تحدّثنا عن الحصان الطائر الذي جعل أحد الدراويش القرندلية الثلاثة أعور، وكنّا في التساؤل إن كانت توجد حكاية تروي تواصلاً كلامياً بين رجل وحصان حين دقّ أحدٌ جرس الباب.

    دخلت امرأة ذات جمال مذهل. قدّمها اليَّ السيّد هاموست تحت اسم إيدا (أو آدا، عايدة، إيدّا)، كان سيذكر اسمي عندما أشاحت بوجهها وانخرطت مع السيّدة هاموست في نقاش غاب عنّي موضوعه. كانتا تضحكان، وتهتفان، تحت نظرة السيّد هاموست المتهلّلة والمعجَبة، وأمام مظهر هذه السعادة الصاخبة، زاد من إحساسي بالضياع أنني لم أكن أفهم شيئاً ممّا تقولان، ولا كلمة واحدة.

    كان العشاء ممتازاً. نسينا الخيول ودار الحديث عن الحبّ. بدا لي أني سمعت السيّد هاموست يقول ذات لحظة:

    "لا أفهم لماذا يبذل أبطال الروايات كلّ هذا العناء ليحصلوا على امرأة".

    بعد التحلية، عدنا إلى حجرة الاستقبال. كانت إيدا تتلافى منهجياً النظر إليَّ وتقاطعني كلّما حاولتُ أن أفوه بكلمة. والسيّد هاموست في منتهى الرعاية لزوجته ويكثر من علامات الحنان والحبّ التي تتلقّاها بابتسامة عريضة. كنت متعَباً وعيناي تخزانني، أتعجّل العودة إلى النادي، لكن بدل العودة بي، استمرّ السيّد هاموست في تحسّس شعر زوجته، ثمّ متجاسراً، قبّلها طويلاً على فمها. أغمضت عينيها وسحبته نحو الأرض، تماماً قرب الفوتيل حيث كنت أجلس. شرع آنذاك في دسّ يده تحت تنّورتها. نهضت إيدا، ومقتربةً منّي، ربتت كتفي. فتحتُ عينيّ: السيّد هاموست هو الذي كان مكبّاً عليَّ، قائلاً: "أعتقد أنّ عليّ أن أعيدك إلى النادي". كان يبدو منشغلاً. نهضت إيدا، عانقت المضيفين وانصرفت، دون نظرة لي. في الخارج، كان الجو بارداً جدّاً.

    في الغد، خرجت مبكراً من النادي حتّى أتمكّن من التدخين. سرعان ما ذرعتُ الشوارع القليلة التي تحاذي الحرم الجامعي.

    لم أنم جيداً، بسبب التفاوت الزمني، لكن أيضاً لأنّ ذكرى البارحة تعذّبني. أنْ أنام وأنا مدعوّ، أيّ مضايقة لمضيفيَّ! لا أتذكّر تماماً إن كنت قد أكلت. ثمّ ذلك الحلم السخيف. يعلم الله ماذا كان يكشف عنّي، أفكار مريضة تكتتم فيه. كم وقتاً دامت غفوتي؟ أكنت قد قلتُ شيئاً؟ ليس ذلك بالمستحيل. أمّا عن انصرافي الأهوج… هل حيّيتُ السيّدة هاموست وإيدا؟ لا بد أنهما كانتا قد اكتنهتا مضمون حلمي ورغباتي غير اللائقة.

    مهما قلت لنفسي، في انتفاضة تمرّد، لو لم يمنعوني من التدخين، لكنت مع ذلك قد قاومت النوم، فتصرّفي يظلّ شائناً. مقامي يبدأ تحت أنحس الطوالع… هذه العادة لديّ أن أغفو عند الناس! النوم اللذيذ، كان يقول هوميروس… كم مرّة، خلال سهرة، استفقت مذعوراً، رأسي على كتف جار متضايق ومتعاطف، متواطئ أيضاً: قهقهة عامّة ترافق استفاقتي. مع هذا، يستمرّ أصدقائي في دعوتي، على رغم تلك العادة السيّئة، ماذا أقول، بفضلها! إنها فرجة بالنسبة لهم، ينتظرونها أحياناً بنفاد صبر. "ما أكثر ما نطقتَ به من الأشياء، لكن اطمئنّ، لن نردّدها، هذا سيبقى بيننا!".

    ليس مصادفة إذاً أن أكون قد كتبتُ دراسة عن النوم! كنت أتحدّث فيها عن نفسي بطريقة غير مباشرة وأنا أعالج مسألة أكاديمية. الموضوع خصب جدّاً في "الليالي": شخصيات تخضع للنوم بتناول مخدّر، وأخرى يُغشى عليها، وأخرى أيضاً تُدفن حيّة. النائم اليقظان لفت انتباهي، لكنّ حكاية عزيز هي التي شغفتني، عزيز أثناء انتظاره لمحبوبته، يرتمي على الطعام بشراهة ويغرق في نوم بهيمي. عندما فتح عينيه في الغد، ألفى نفسه مرمياً وسط الشارع. كنت محظوظاً أكثر: استيقظتُ في فراشي.

    عندما أوردتُ في مقالتي الذنب مقروناً بالنوم، لم أغفل أن أقول إن شهرزاد لو أغمضت عينيها ليلة واحدة، لكانت مقطوعة الرأس في الغد. لكن هذا كان مبتذلاً جدّاً. وكما يحدث غالباً، لا تحضر فكرة جيّدة إلاّ بعد أن يكون العمل قد نُشِر أو نوقش. الفكرة الأصيلة حقّاً، على رغم بساطتها المحيِّرة، لم تخطر لي إلاّ في ما بعد. ما أغفلتُ أن أذكره في دراستي، هو حال شخصية لا تنام أبداً، الملك شهريار: في الليل وحتّى الفجر، يستمع الى حكايات شهرزاد؛ ثمّ بعد ذلك ومن دون تمهيد، ينشغل بأمور مملكته. هكذا كلّ يوم. وشهرزاد؟ ماذا تصنع أثناء النهار؟ لا يقول النصّ شيئاً عن ذلك، ويمكن افتراض أنها تنتهز المهلة الممنوحة لها لتنام، لكن هذه الفرضية، لست أدري لماذا، لا تعجبني.

    لم يكن وارداً بالنسبة اليَّ التردّد على خزانة الجامعة، كنت عاجزاً جسدياً عن ذلك. أغبط القرّاء الذين يمكنهم العمل فيها من الصباح حتّى المساء. يثيرون فيَّ إحساساً بالخطأ: جادّون، وقورون، يبدو عليهم أنهم يؤدّون مهمّة، يدوّنون ملحوظات، يحكّون أعينهم، يمسحون نظّاراتهم، يتمطّون أحياناً متثائبين بارتياح الذي أنجز واجبه، بينما لا أستطيع أنا التركيز على الوثيقة الموجودة تحت عينيّ. أمّا أن أدوّن ملحوظات… أدوّن ماذا بالضبط؟ لذا لا شيء يبرّر وجودي في هذا الحرَم حيث، ما إن أضع فيه القدم، حتّى أتيه وأدوخ.

    بيد أنّ التردّد عليها كان أو ينبغي أن يكون الحافز الأول لمقامي في الولايات المتحدة. أن أقرأ الكتب التي لا أستطيع العثور عليها في بلدي كان هو السبب الرسمي الذي أتعلّل به في كلّ حين، مع علمي أن الأمر ليس كذلك. خزانة الجامعة التي تستضيفني جيّدة التجهيز وكنت متيقّناً أن أعثر فيها على كلّ الأعمال حول "الليالي" التي أرغب في الاطلاع عليها منذ زمن بعيد والتي ظلّت بالنسبة اليَّ متعذّرة المنال: طبعة ماكسمليان هابشت، والترجمتان الألمانيتان لغوستاف ڤايل وإنُّو ليتمان، والأنكليزيتان لإدوارد لين وجون پاين… جميعها هنا بالضبط، أعرف ذلك، وكان هذا مُحْبِطاً. لا مفاجأة في الأفق، لا لقاء غير منتظر، لا صعقة عشق. لماذا إذاً عزمتُ على هذا السفر؟ للا شيء، أو بالأحرى لأنّ آخرين قد قاموا به. رغبةٌ محاكاتية حقيقية…

    ما كان عندي كثيرٌ أعمله ومنذ وصولي كنت أحيا في العَرَضي وأسبح في اللاجدوى. وأنا أمشي في الطرق، تعود إليَّ كلمات، قصائد عربية حفظتُها قديماً في المدرسة، آيات قرآنية، ذكريات، قراءات، نكات، أغنيات أمّ كلثوم وفريد، لكن أيضاً أغان بليدة، من مخلّفات مخيّمات العطلة، وأخرى وطنية وحماسية. إذ ذاك وعيتُ وعياً واضحاً بأنني عربيّ. هو هذا، أن تكون عربيّاً، أن تدمدم طوال اليوم بكلمات تقليدية موروثة. كلّ الذي كنت أكبته عندما كنت في بيتي، في موطني، كلّ هذا يعود إليَّ، ويفرض نفسه عليَّ ويلاحقني. لم يكن يلهيني عن حنيني المضحك سوى منظر السناجب المنشغلة على الأرض وعلى الأشجار، متلائمة تماماً مع محيطها.

    كلّ يوم، كنت أمرّ وأكرّر المرور أمام اثنتين أو ثلاث من قاعات السينما قد لاحظتها. لم تكن تعرض سوى أفلام تافهة (حتى الملصقات كانت كابية). لم أتغيّر في هذه النقطة، جولاتي تقوم منذ الطفولة على اتباع المسارات نفسها، قاعات السينما، مكتبات. كنت أتردّد في الخصوص على Bookstore الجامعة لأرى غلف الكتب الجديدة المعروضة فيه. كانت منحتي تتيح لي شراء كتاب واحد كلّ يوم، شرط أن لا أذهب كثيراً إلى المطعم. متعة يومية: فتح المجلّد الجديد، العناية بعدم إتلافه، تصفّحه، قراءة صفحة هنا وهناك، فهرس المحتويات، إلقاء نظرة على فهرست الأعلام، التأكّد، وهو فضول عبثي - لم أكن قد أنتجت تقريباً أيّ شيء - إن كان اسمي وارداً فيه. بالطبع، كنت أعد نفسي بأن أقرأ جدّياً كلّ شيء ما إن أعود إلى بلدي.

    غير أنّي لم أكن أقتني إلاّ كتباً موضوعها العالم العربي؛ لا أكترث تماماً بالكتب الأخرى، بل لم أكن أراها. ألم أكن في الولايات المتحدة للاشتغال على الأدب العربيّ؟ فكرة بليدة بقدر ما هي شاذّة! لو كنت على الأقلّ قد انتهزت ذلك لدراسة الأدب الأميركيّ وتعميق معرفتي بثقافة هذا البلد وتاريخه (لم أكن أتوصّل إلى فكّ عناوين النيويورك تايمس، رموز، ألغاز، أحجيات). عوض ذلك، هبطتُ ببضاعتي الشرقية، سندباد من دون جدارة، لأنّ السندباد البحريّ، عندما يطأ بلاداً غريبة بعد غرق مركبه، يكون عارياً ومعوزاً تماماً. رجل القطيعة، فلا بدّ له من أن يبدأ من الصفر، يعيد خلق نفسه وخلق العالم، وإذْ يعود إلى بيته، فهو محمَّلٌ ثروات جديدة اكتسبها بجهده. كنت بالأحرى السندباد البرّي، حمّال بائس ينوء تحت ثقل تراث منفصم انفصاماً واضحاً عن العالم الحديث.

    لم تكن ذكرى إيدا تفارقني. هل سأتعرّف عليها لو تلاقت طريقانا؟ لم أكن أتذكّر بوضوح قسماتها. أحياناً يبدو لي أنني ألمحها في الشارع أو على نافذة. أهي حقّاً؟ إيدا في النافذة…

    أثناء زيارة المتحف رأيتها ثانية، صحبة السيّد هاموست. أبصرني هذا من بعيد، فلوّح لي. قصدتُ نحوهما، سعيداً بهذا اللقاء: أخيراً سأمحو الذكرى السيّئة لسهرة ذلك اليوم، أبدّد سوء التفاهم. لكن ما إن اقتربتُ، حتى أشاحت إيدا وطفقت تنظر إلى لوحات. خاطبني هاموست كأنّ شيئاً لم يحدث، فسألني إن كنت راضياً عن مسكني ودوّن رقم هاتفي. شكرته على دعوتي الى العشاء واعتذرت عن كوني قد نمت. مسح تفسيراتي بحركة منه، مضيفاً في سخائه، أنّ ذلك قد حصل له أكثر من مرّة. كانت بعد ذلك لحظة من الصمت المُحرَج. كان ينبغي لي الانصراف، وبدقّة أكبر الانسحاب. صافحت هاموست. كانت إيدا توليني دائماً ظهرها، مستغرقة على ما يبدو في تأمّلها.

    لو كنتُ على الأقلّ أعلم لماذا تمقتني. أو بالأحرى الأمر واضح: لم تغفر لي نومي. لم ألعب دوراً بطوليا عندما نمت، أفسدت أوّل لقاء، تماماً مثل التعيس عزيز الذي لم يعرف كيف ينتظر عشيقته. غير أن هذه قد منحته فرصة ثانية. لن أحظى من دون شكّ بهذه النعمة، لكن لو منحتها إيدا إيّاي، فلن أنام، لن آكل، سأتناول كثيراً من القهوة، وأتلافى البقاء جالساً، سأنهض بين وقت وآخر لأمشي بضع خطوات وأحافظ على يقظتي، سأقاوم ببسالة ضدّ النوم وأظفر في هذا الاختبار الجديد.

    عند إمعان التفكير، من المرجّح أنّ لا دخل لنومي في احتقارها لي. في الواقع قد أبدت لي عن لامبالاتها قبل ذلك بكثير، ما إن أبصرتني. كانت تحاول من دون شكّ إخضاعي لنمط آخر من الاختبار: أن أقبل بإذلالي، وأستزيد منه، ولا أتمرّد وأتقبّل كلّ ما يصدر عنها، من دون أن أطرح على نفسي أسئلة، ومن دون أن أطرحها عليها ولا على أيّ أحد. سأعاين أموراً غريبة ولن أحاول فهمها. محظور عليَّ استيضاح سلوكها وعليَّ انتظار أن تشاء هي الكشف عن نفسها! كنت مسوقاً إلى تجربة صوفية حقيقية…

    أحاول أن أتذكّر ما كانت قد قالت أو فعلت أثناء العشاء، موقناً أن مستقبلي معها مرتبط بطريقتي في تأويل العلامات. قد تكون بعثت لي منها ما لم أُحسن تأويله ولذلك كانت غاضبة!

    على كل حال، كنت عازماً على أن لا أتحدّث عنها مع السيّد هاموست، إمّا كبرياءً، وإمّا لأنّي كنت أخشى، في العمق، أن أعرف الحقيقة. وفي ما عدا الأسباب التي عرضتُها لتفسير احتقار المرأة، لا بد من وجود سبب لم يخطر ببالي، أو لم أرغب حقّاً في معرفته، لسبب غامض.

    شيء مع ذلك أكيد: تعرفّتُ اليها حقّاً في المتحف وصار وجهها مألوفاً لديَّ. لا يمكنني، في المستقبل، أن أمرّ بقربها من دون الانتباه لها. لكن كيف أتصدّى لها؟ وماذا أقول لها لنفي التهمة عن نفسي؟ أتكلّم عن سفري الطويل في الطائرة وتعبي؟ الاعتراف لها بالحقيقة، أي إنني يأخذني النوم عند الناس الذين يدعونني؟ أُستحضر المنع من التدخين؟ لا، لن أقول شيئاً من هذا كلّه، ينبغي نسيان الحادث، من الأفضل السكوت عنه. أحادثها مع ذلك في شيء آخر، لكن ماذا؟ أدعوها إلى محاضراتي؟ لا، ليس هذا من اللباقة. أهدي اليها نسخة من دراستي عن النوم؟ لن تكون فكرة سيّئة: سيلطّف هذا من الجوّ؛ ما إن تنظر إلى العنوان، حتّى تدرك التلميح وسيطوى الحادث. لكن كنت أعلم أنها قادرة على رفض هديتي ¶


    * مقطع من راوية "أنبئوني بالرؤيا لعبد الفتاح كيليطو، صادرة بالفرنسية عن اكت سيد،تصدر قريباً بالعربية عن "دار الآداب"، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي.


    - عن ملحق النهار الثقافي
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  10. محمد فري

    محمد فري المدير العام طاقم الإدارة

    هذه دراسات جميلة ومفيدة تشكر عليها أخي المهدي
    أعتقد والعلم لله أن لعبدالكبير الخطيبي دراسة في الموضوع
    أو ربما اختلط علي الأمر
     
  11. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    عبد الفتاح كيليطو
    نحن والسندباد

    حكايات السندباد تتكون من سبع حكايات يرويها السندباد البحري بنفسه ويصف فيها ما جرى له في أسفاره السبعة. وبالإضافة، هناك حكاية أخرى لها وضعية خاصة لأنها تؤطر الحكايات السبع، وتقوم شهرزاد بروايتها لشهريار : حكاية لقاء السندباد البري بالسندباد البحري، التي تبدأ هكذا:
    ’’ قالت بلغني أنه في زمن الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد بمدينة بغداد رجل يقال له السندباد الحمال وكان رجلا فقير الحال يحمل بأجرته على رأسه فاتفق له أنه حمل في يوم من الأيام حملة ثقيلة وكان ذلك اليوم شديد الحر فتعب من تلك الحملة وعرق واشتد عليه الحر فمر على باب مصطبة عريضة فحط الحمال حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء ‘‘ .

    الحمال هذا، الذي يدعى كذلك السندباد البري، يجلس على قصر السندباد البحري. لقد أنهكه المشي على البر تحت شمس محرقة وهاهو الآن يجلس في الظل ليستريح، قبل أن يستأنف حمل أثقاله. المكان الذي اختاره للجلوس ’’ مصطبة‘‘ تفصل بين عالمين، عالم البر وعالم البحر. أو عالم الفقر وعالم الغنى. إن ما يتوق إليه الحمال هو البحر، وهو الآن على الشاطئ ، في مكان مرشوش بالماء يهب عليه ’’ هواء معتدل‘‘. فوق المصطبة تم اللقاء بين البر والبحر. بين عنصرين مختلفين. البر هنا له صفات مكروهة بينما البحر له صفات محبوبة. الحمال يترك وراءه البر الملتهب ويستقبل بوجهه البحر الذي يرحب به برذاذه ونسيمه العليل، من جهة البر والحر (أو النار). ومن جهة الماء والهواء. العناصر الأربعة الأولية (1) تتواجد وتتواجه بإزاء المصطبة .

    المواجهة تتجلى عندما ينشد الحمال أبيات شعر يبدي فيها استغرابه من كون ’’ كل الخلائق نطفة‘‘ ومع ذلك فهو ’’ في تعب زائد‘‘ بينما صاحب المنزل الذي يوجد قبالته له ما شاء من ’’ بسط وعز وشرب وأكل‘‘، وحين يسمع السندباد البحري كلام الحمال، يرسل في طلبه ويقدم له’’ شيئا من أنواع الطعام المفتخر الطيب النفيس‘‘ ثم يقول له: ’’ اعلم أن لي قصة عجيبة وسوف أخبرك بجميع ما صار لي وما جرى لي من قبل أن أصير إلى هذه السعادة وأجلس في هذا المكان الذي تراني فيه فإنني ما وصلت إلى هذه السعادة وهذا المكان إلا بعد تعب شديد ومشقة عظيمة وأهوال كثيرة .

    كلا السندبادين وصل إلى ’’ هذا المكان‘‘ بعد تعب ونصب، ولكن شتان بين ما قاساه السندباد البري وما قاساه السندباد البحري. ’’ السعادة‘‘ تقاس بالمشاق التي كوبدت من أجلها. من هذا المنظور، كل واحد ينال من النعيم بحسب الأهوال والأخطار التي لقيها. الحمال لم يركب البحر ولم يتجشم مشاقه فلم ينل من كنوزه شيئا ولم يشاهد غرائبه وعجائبه. لهذا السبب ليس له، على عكس السندباد البحري، حكاية يرويها. لقد بقي فوق البر لم يبرحه ولم يتوغل في البحر الذي يوفر الغنى ورصيدا من الأخبار الشيقة التي تحلو روايتها. كل ما يستطيع فعله الآن هو الإصغاء إلى السندباد البحري ومعاينة العجائب في مرآة خطابه والتقاط الأشياء التي يقذفها أحيانا على الشاطئ .

    إلا أننا إذا تأملنا ما حدث للحمال، نلاحظ أنه عاش بصفة مصغرة تجربة عجيبة تجعله جديرا باقتسام اسم ’’ سندباد‘‘ مع صاحبه، وجديرا بأن تروي شهرزاد ما وقع له. فعندما أرسل السندباد البحري في طلبه اجتاز الباب الذي كان جالسا قبالته، يعني أنه انتقل من فضائه المألوف إلى فضاء غريب: ’’ فعند ذلك بهت السندباد الحمال وقال في نفسه والله إن هذا المكان من بقع الجنان‘‘. لو بقي في الفضاء الأول لما كانت هناك حكاية إذ الشرط الأساسي للحكاية هو الانتقال أي اجتياز العتبة الفاصلة بين فضائين (2). عندما يدخل الحمال إلى الفضاء الغريب يتغير وجوده وتعريفه. لقد ’’ حط حملته عند البواب : لم يعد بحاجة إلى حمل ’’ أسباب الناس‘‘. الدور المنوط به الآن هو الاستماع إلى ما يرويه السندباد البحري. في صباح كل يوم يقصد الفضاء الغريب وفي المساء يعود إلى فضائه المألوف. في الصباح يذهب إلى البحر وفي المساء يرجع إلى البر .

    هذه الحركة الدورية نلاحظها بعينها في مسيرة السندباد البحري. لقد سافر سبع مرات من بغداد إلى بلدان بعيدة وغريبة وكل سفر ينتهي بالإياب إلى بغداد. الطواف شمسي، يبعد السندباد من نقطة في العالم ثم يعيده إليها. لكن حدث بعد السفرة السابعة أن الشمس لم تعد تنشط إلى الدوران. تجمدت عند نقطة انطلاقها ولم ترغب في مبارحته مرة أخرى. وبفقدان الحركة ينتهي السرد ولا يبقى إلا وضع نقطة الختام. الجمود الذي أصاب السندباد هو في نفس الوقت جمود السرد الذي يعيش بالحركة ويموت بالاستقرار .

    حج السندباد سبع مرات ثم جلس في منزله يحكي مغامراته. وبعد سبعة أيام لم يبق له ما يحكيه ولم يبق لشهرزاد ما تحكيه عنه، فيتوقف كل شيء ويتحجر الأشخاص في انتظار الموت. هل معنى هذا أن عنصر البر قد انتصرعلى عنصر البحر وأن هذا الأخير تحول إلى ذكرى تتردد كتردد الأمواج على الساحل ؟

    الإيهام والإبهام

    رغم تعرف السندباد البري على الفضاء الغريب ورغم صحبته للسندباد البحري فإنه يبقى موسوما بـ ’’ البري‘‘ و’’ الحمال‘‘. ماذا يحمل ؟ قبل ولوجه الفضاء الغريب كان يحمل ’’ أسباب الناس‘‘ بالأجرة. وبعد هذا الولوج تحسنت حاله إلا أنه ظل يحمل ثقل الأرض، عنصره الأساسي الذي لا يملك إزاحته عن كاهله. خطواته كلها تتم فوق البر ولا مناص له من الخضوع للعنصر الذي ينتمي إليه والذي يجذبه ويشده إليه .

    أما السندباد البحري فإنه ينتمي إلى الماء الذي لا يستقر على حال إذ هو دائم الحركة والتغير. ليس هناك سكون على وجه البحر وإنما مد وجزر، أمواج ورياح هوجاء يتلوها هدوء لا يجوز الاغترار به لأنه ليس سوى حركة أقل سرعة وأقل قوة. ولكن سمة السندباد البحرية لا تطمس جانبه البري كما أن السمة البرية لصاحبه لا تمنعه كليا من الانجذاب إلى البحر. السندباد البحري ، على الرغم من النعت الذي يوصف به ، مرتبط بالبر الذي لا يعني، بالنسبة إليه ، التعب والضنى تحت الحر وإنما السلامة والراحة والأمن. البر هو فضاؤه المألوف الذي يجد فيه أحبابه ورفاقه والعادات التي تربى عليها والتي تبدو له بديهية ومتفوقة على عادات الأقوام الآخرين. ومع ذلك فإنه يلبي دائما نداء البحر: ’’ فاشتاقت نفسي إلى الفرجة في البلاد وإلى ركوب البحر وعشرة التجار وسماع الأخبار‘‘. إذا كان البر يضمن الاستقرار والاطمئنان فإن البحر يضمن الغنى ومشاهدة عجائب البلدان. لهذا فالتذبذب هو ما يميز السندباد الذي يضع رجلا هنا ورجلا هناك. عندما يكون في البر يشتاق إلى البحر ويتنكر لعنصره البري، وعندما يكون في البحر يندم على مفارقته لبغداد ويتنكر لعنصره البحري: ’’ وصرت ألوم نفسي على ما فعلته وقد تعبت نفسي بعد الراحة وقلت لروحي يا سندباد يا بحري أنت لم تتب وكل مرة تقاسي فيها الشدائد والتعب ولم تتب عن سفر البحر وإن تتب تكذب في التوبة فقاس كل ما تلقاه فإنك تستحق جميع ما يحصل لك ‘‘ .

    البحر فتنة تسلب العقل وتؤدي إلى الهلاك وعلى قدر الفتنة يكون النفور. هذا ما يمكن استنتاجه من صفات العالم الغريب الذي يعرض أشياء تغري السندباد وأشياء يشمئز منها .

    الصفة الأولى تتعلق بحجم المخلوقات الذي يختلف عما هو شائع في العالم المألوف. هناك مثلا ’’ القرود‘‘ أي الأقزام ’’ وهم أقبح من الوحوش وعليهم شعور مثل لبد الأسد ورؤيتهم تفزع ولا يفهم أحد لهم كلاما ولا خبرا وهم مستوحشون من الناس صفر العيون سود الوجوه صغار الخلقة طول كل واحد منهم أربعة أشبار‘‘. على ان الضخامة هي الميزة الغالبة. عندما يحلق الرخ في السماء فإنه يحجب الشمس كما تفعل الغمامة ويظلم الجو. والفيل الذي هو أكبر حيوان في عالم السندباد المألوف، لا يزن أكثر من ذبابة فوق قرن ’’ الوحش المسمى بالكركدن‘‘. الكركدن هذا ’’ يحمل الفيل الكبير على قرنه ويرعى به في الجزيرة والسواحل ولم يشعر به ويموت الفيل على قرنه ويسيح دهنه من حر الشمس على رأسه ويدخل في عينيه فيعمى فيرقد في جانب السواحل فيجيئ له طير الرخ فيحمله في مخالبه ويروح به عند أولاده ويرزقهم به ‘‘ .

    الصفة الثانية للفضاء الأجنبي هي مزجه للمتناقضات والمتنافرات إذ تتجاور فيه أشياء نفسية مع كائنات مخيفة: ’’ ومشيت في ذلك الوادي فرأيت أرضه من حجر الألماس... وكل ذلك الوادي حيات وأفاع‘‘.. ليس للوادي منفذ ولا مخرج ويبقى السندباد يهيم في جنباته متأملا الأحجار الكريمة ومتحسرا على إحراز ثروة هائلة لن يستفيد منها إذ ينتظر بين لحظة وأخرى أن يصير في جوف حية. أسباب الغنى والسعادة تتجاور مع أسباب الذعر والموت.

    الصفة الثالثة هي وجود شعائر وعادات لم تكن تدور بخلد السندباد فيقشعر منها جلده ويشعر بالدوار تجاهها. فهناك قوم يتلذذون بأكل لحم الآدميين ثم هناك قوم لهم عادة رديئة جدا إذ كلما ’’ ماتت المرأة يدفنون معها زوجها بالحياة وإن مات الرجل يدفنون معه زوجته بالحياة حتى لا يتلذذ أحد منهم بالحياة بعد رفيقه ‘‘ .

    العالم الغريب ميدان فسيح للوصف المفصل، بينما في العالم المألوف تكفي الإشارة والتلميح. ليس هناك أي داع لوصف بغداد أو الفيل أو النسر: التسمية وحدها كافية لإبراز خصائص الكائنات المألوفة. وليس هناك كذلك أي داع للتحدث بإسهاب عن عادات العالم الذي ينتمي إليه الراوي. فعندما يعلن هذا الأخير أنه إثر عودته إلى بغداد ’’ تصدق ووهب وأعطى ‘‘ فإنه لا يشعر بأدنى حاجة إلى أن يضيف أنه فعل ذلك شكرا لله لأنه شيء معلوم. علة الأحداث معروفة في عالمه ولا تحتاج إلى تفسير أو تعليق. العالم المألوف يقتصد فيه في القول بينما لا بد من الإطالة في وصف العالم الغريب لأنه مجهول .

    الصفة الرابعة تتعلق بالتسمية. لا يخفى ما للتسمية من أهمية قصوى إذ بفضلها يتم ضبط الأشياء والتجول بثقة خلالها. السندباد كثيرا ما يعجز عن تسمية الأماكن التي تلقيه فيها العواصف. إذ ذاك يكون الضلال والضياع لأنه لا يستطيع وضع اسم على الجزيرة التي يوجد فيها فلا يدري الجهة التي يجب عليه أن يقصدها ليتم له الخلاص والنجاة. سئل مرة بعد عودته إلى بغداد عن مدينة عاش فيها مدة من الزمن فأجاب ’’ والله لا أعرف للمدينة... اسما ولا طريقا‘‘ العالم الغريب له خريطته الخاصة التي تختلف عن خريطة العالم المألوف .

    وقد يحدث أحيانا أن التسمية العامة المجردة ( جزيرة، إنسان.. ) تصدر عن الوهم والالتباس. فمثلا يبصر السندباد ’’ قبة كبيرة بيضاء شاهقة العلو كبيرة الدائرة‘‘ ولكن يتبين له فيما بعد أنها ’’ بيضة من بيض الرخ‘‘. ومرة أخرى ينزل هو والبحارة إلى ’’ جزيرة كأنها روضة من رياض الجنة‘‘ ثم يعلمون بعد فوات الأوان أن ما ظنوه جزيرة ’’ إنما هي سمكة كبيرة رست في وسط البحر فبنى عليها الرمل فصارت مثل الجزيرة وقد نبتت عليها الأشجار‘‘. وعلاوة على ذلك ما هو الاسم الجدير بالقوم الذين يأكلون لحم البشر ’’ بلا شي ولا طبخ‘‘؟ وأي اسم يليق بأهل مدينة ’’ تنقلب حالتهم في كل شهر فتظهر لهم أجنحة يطيرون بها إلى عنان السماء‘‘ .

    هذه الأسئلة تؤدي بنا إلى السؤال التالي: ما هو التعريف الذي يليق بالسندباد ؟ هل سعيه في العالم الغريب يجعله، ولو إلى حد ما ، غريبا عن نفسه ؟ بعبارة أخرى، هل هو متمسك كل التمسك بمنطق العالم المألوف بحيث يسلم من عدوى الغرابة ؟

    3 - السندباد الهوائي والسندباد التحت أرضي

    البحر ماء والماء يتبخر ويصير ماء، لم يكتف السندباد بركوب البحر بل جرب كذلك، ثلاث مرات، صعود الجو، مرة على متن طير الرخ، ومرة على متن نسر، ومرة متشبثا بأحد الرجال الذين تنبت لهم أجنحة كل شهر. وحسب ما يظهر من الحكاية السابعة فان التحليق في الفضاء من عمل الشيطان ولا ينبغي للإنسان أن يحاوله لان فيه تجاوزا للطبيعة البشرية. من طبيعة الطيور ان تصعد في الجو ولكن على الآدميين ان يحجموا عن ذلك لان فيه تطاولا وشططا وتحديا للحدود المرسومة لهم. وبالفعل فقد كادت التحليقة الثالثة أن تنتهي بكارثة أي أن السندباد كاد أن يهوي إلى الأرض ويتكسر عقابا له على غروره: " ولم يزل طائرا بي ذلك الرجل وانا على أكتافه حتى علا بي في الجو فسمعت تسبيح الأملاك في قبة الأفلاك فتعجبت من ذلك وقلت سبحان الله والحمد لله فلم استتم التسبيح حتى خرجت نار من السماء فكادت تحرقهم فنزلوا جميعا والقوني على جبل عال وقد صاروا في غاية الغيظ مني" (34)

    النار كما رأينا في البداية حليفة البر بينما الجو حليف البحر. النار عدوة الهواء كما ان البر عدو البحر. إذا كان ركوب البحر مكروها لأن فيه مجازفة واستسلاما لعنصر التغير فان ركوب الجو محرم لأن فيه تشبها بالعفاريت والشياطين وخرقا لنواميس الطبيعة. على كل حال لم يعد السندباد الى مثلها وعمل بنصيحة زوجته: " قالت لي احترس من خروجك بعد ذلك مع هؤلاء الأقوام ولا تعاشرهم فإنهم إخوان الشياطين ولا يعلمون ذكر الله تعالى" (35).

    العلاقة بين البر والبحر أفقية بينما العلاقة بيم البر (او النار) والجو عمودية. وقد تتطور العلاقة العمودية الى علاقة بين سطح البر وجوفه أي بين عالم الأحياء وعالم الأموات. فكما ان لسندباد ارتفع ثلاث مرات إلى عنان السماء فلقد نزل ثلاث مرات الى عمق الأرض. الى منطقة تخيم عليها " ظلمة شديدة" (29) ولا بعرف فيها " الليل من النهار"(21). فلقد دفن حيا مع زوجته الميتة في السفرة الرابعة. أما في السفرة السادسة والسابعة فانه لم يجد طريقة تخلصه من الوحدة والضياع سوى ركوب فلك صغير يسير مع التيار في نفق طويل تحت الجبل. الفلك بمثابة تابوت متجول، والسندباد، الذي تأخذه، من شدة التعب، " سنة نوم" (29)، كالميت فيه. في عالم الظلام والموت يتحكم زمان خارج الزمان العادي الذي يتحدد بطلوع الشمس وغروبها.

    مما سبق يمكن أن نستنتج أن السندباد، بانتمائه إلى عالمين مختلفين، قد صار وسيطا بينهما ( الوسيط هو الذي يكون في الوسط بين شخصين ويكون ملما بكل حاجاتهما وميولهما ومشاكلهما). بفضل أسفاره التي تنقله من أفق إلى أفق، تأهل لأن يكون سفيرا بين بغداد ( رمز الفضاء المألوف) وأقطار الغرابة. لقد اهتدى مرة إلى تلقين قوم غرباء صناعة السروج، وبالمقابل عاد يوما بهدية من احد ملوك البلاد البعيدة إلى هارون الرشيد. " فتعجب الخليفة من ذلك غاية العجب وأمر المؤرخين ان يكتبوا حكايتي ويجعلوها في خزانته ليعتبر بها كل من رآها"(31). السرد في هذا المضمار أحسن وسيلة للتبادل بين العالمين .

    4 – المقايضة

    متى يأخذ رواة ألف ليلة وليلة في سرد حكاياتهم؟ عندما لا يكون بد من ذلك ويصبح السرد الوسيلة الوحيدة للخروج من ورطة او موقف صعب. السرد وليد توتر بين قوي وضعيف. حين يشد القوي بخناق الضعيف لا يجد هذا الأخير خلاصه إلا بسرد حكايته أو حكاية أشخاص آخرين. الحكاية مرادفة للتوسل والرجاء، انها القربان الذي يذبح لتهدئة غضب الشخص المتسلط وتقريبه من الشخص الذي يوجد تحت رحمته. بحيث تصير العلاقة بينهما، ليس بالضبط علاقة مساواة، وإنما علاقة تفاهم وتبادل. بهذا المعنى تتحول عملية السرد إلى عملية تعاقد ( ضمني أو علني) بين راو ومستمع4. كلا الطرفين ينتظر من الأخر شيئا: المستمع ينتظر من الراوي حكاية شيقة، والراوي ينتظر من المستمع ان يعفو عنه أو بصفة عامة، ان ينقله من حالة سيئة إلى حالة محمودة. للسرد سلطة عجيبة لا تقاوم. كلما يتقدم السرد كلما يهدأ المستمع وتسترخي ملامح وجهه المكفهرة، أي انه يسقط في الفخ الذي نصبه له الراوي عندما أخد في السرد. الراوي لا مندوحة له من الكلام والمستمع لا مندوحة له من تنفيذ رغبة الراوي عندما يتم حكايته. السرد له وظيفة معينة إذ هو صلة وصل بين شخصين اتسعت الهوة بينهما إلى حد أن احدهما يكون على شفا حفرة من القتل. وظيفة السرد هي إعادة التوازن لعلاقة مختلة.

    هدا النوع من التعاقد نجده بالطبع في حكايات السندباد ولكن علاقة القوة بين الراوي والمستمع معكوسة هنا. في جل حكايات ألف ليلة يكون المستمع (شهريار مثلا) هو القوي المسيطر, ويكون الراوي (شهرزاد) هو الضعيف الخاضع الذي يلتمس العطف والرحمة. لكن في حكايات السندباد نجد نقيض هذا: السندباد البحري. الرجل القوي (الغني) هو الذي يقوم بالسرد. بينما السندباد البري. الرجل الضعيف(الفقير) هو الذي يتلقى السرد .

    ما هو ثمن الإصغاء؟ السندباد البري ينصت الى حكايات السندباد البحري وينال كل ليلة مكافأة سنية جزاء له على إنصاته. " ثم ان السندباد البحري عشى السندباد البرى عنده وأمر له بمائة مثقال ذهبا وقال له آنستنا في هذا النهار فشكره الحمال واخذ منه ما وهبه له وانصرف إلى حال سبيله"(8). الإصغاء يقدر بمائة مثقال ذهبا بالإضافة إلى عشاء فاخر. عندما دخل الحمال في علاقة تبادل مع السندباد انتقل من الفقر الى الغني . التبادل يؤدي الى التبدل .

    نتذكر أن السندباد البحري شرع في رواية مغامراته ليبرهن للحمال ان " السعادة" التي صار اليها قد استحقها بما كابده من صعوبات ومشاق. ويمكن أن نضيف أنه تاب من الإسفار ولكن لم يتب من الرواية، فلا بد له من مستمع يغيره سمعه. لكن ماذا حدث بعد أن انهي السندباد حكاياته السبع؟ لم تنفصم علاقته مع الحمال لان السرد خلق بينهما أنسا ومودة استمرا إلى أن أتى " هازم اللذات ومفرق الجماعات "(35).

    ينبغي ان نشير الى أن السندباد لم يرو للحمال فقط ما جرى له. لا ننس أنه تاجر وان التجارة, بجانب " الفرجة" هي الغرض من أسفاره: " وكل محل رسونا عليه نقابل التجار وأرباب الدولة والبائعين والمشترين ونبيع ونشتري ونقايض فيه "(8). عندما يسعفه الحظ (البحر) فانه يتاجر بالبضائع التي حملها معه من بغداد. ولكن ماذا يفعل عندما يغرق مركبه وتضيع أمتعته ولا ينجو إلا بأعجوبة من الغرق؟ هل يفقد صفة التاجر؟ لا, لأنه يستدر عطف الناس بسرد ما وقع له أي انه يتجر بالخطوب التي لقيها. عندما يتلف البحر جميع ما يملك فانه يرقع حاله بالسرد وبعد مدة يصير من جديد غنيا. السرد سلعة يجدها دائما رهن إشارته عندما يفقد سلعه الأخرى. قي وسعه دائما أن يروي كيف ضاعت منه سلعه وكيف صار معدما, ومقابل حكايته ينال الخير العميم: " ولم نزل سائرين إلى أن وصلنا إلى مدينة الملك المهرجان وقد دخلوا عليه واعلموه بقصتي فطلبني فأدخلوني عليه وأوقفوني بين يديه فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي وحياني بإكرام وسألني عن حالي, فأخبرته بجميع ما حصل لي وبكل ما رايته من المبتدأ إلى المنتهى فعند دلك تعجب مما وقع لي وما جري لي.. ثم انه أحسن إلي وأكرمني وقربني إليه وصار يؤنسني بالكلام والملاطفة وجعلني عنده عاملا على مينا البحر .."(6). بفضل ما تدره عليه حكايته من مال يشتري سلعا جديدة ويعود الى الاتجار والمقايضة.

    على انه أحيانا لا ينفع السرد في إيجاد تعاقد يرضي الطريفين، يحدث هذا عندما يكون احد الطرفين مفتقرا إلى عنصر من عناصر الآدمية. إذ ذاك يصبح السرد عديم الفائدة لأنه قبل كل شئ، فعل بشري لا يتم إلا بين البشر. لا شئ يرجى من آكلي لحم الإنسان ولا من الاقزام الذين، بالإضافة إلى توحشهم، " لا يفهم احد لهم كلاما ولا خبرا" ولا شئ يرجى من العجماوات ولا من المخلوقات المتشبهة بها كالعملاق الذي يظهر في الحكاية الثالثة والذي هو " في صفة إنسان" ولكن " له أنياب مثل أنياب الخنازير وله فم عظيم الخلقة مثل فم البئر وله مشافر مثل الجمل"(13). هذا المخلوق الذي تغلب غليه الأوصاف الحيوانية لا يتكلم وليس بإمكان من يقع في قبضته ان يجري معه أي حوار .

    ماذا يحدث عندما يكون احد الطرفين لا يستطيع احد الطرفين التعبير عن حاجاته إلا بالإشارة؟ لنقرأ ما وقع للسندباد مع شيخ البحر: " ثم دنوت منه وسلمت عليه فرد علي السلام بالإشارة ولم يتكلم فقلت له يا شيخ ما سبب جلوسك في هذا المكان فحرك رأسه وتأسف وأشار لي بيده يعني احملني... فتقدمت إليه وحملته على اكتافي5، وجئت إلى المكان الذي أشار لي إليه وقلت له انزل على مهلك فلم ينزل عن أكتافي وقد لف رجليه على رقبتي فنظرت إلى رجليه فرايتهما مثل جلد الجاموس في السواد والخشونة"(24). هذا المخلوق يدخل في حوار مع السندباد ولكن بالإشارة فقط . إن رجليه الجاموسيتين، وعدم قدرته على النطق تقربانه من الحيوان. فهو، كالعملاق والأقزام، نصف إنسان ونصف حيوان. التواصل في هذه الحالة منعدم او لا يخدم إلا طرفا واحدا، وحين يصير التبادل مستحيلا لا يبقى إلا العنف ولغة القوة.

    5- السندباد العربي

    لنتساءل ألان عن التوبة الصادقة التي أعلنها السندباد في نهاية مطافه: " ثم أني تبت إلى الله تعالى عن السفر في البر والبحر بعد هذه السفرة السابعة التي هي غاية السفرات وقاطعة الشهوات"(35). هل السفر من المحظورات ؟ ما هو الذنب الذي يقترفه والذي يستلزم التوبة ؟

    إن ما تاب منه السندباد هو فتنة العالم الغريب والنزعة إلى الذوبان فيه. الهلاك الذي يتهدده في البحر هو الاستسلام إلى إغراء " الآخر" والتنكر للمنبع والأصل. في كل سفرة تختلط عليه المسالك ويكاد أن لا يعود إلى ذويه. التوبة هي الأوبة إلى بغداد، إلى النقطة التي كان منها انطلاقه، إلى البداية.

    لكن الوفاء لعالم الألفة لا يعني الانفصال الكلي عن عالم الغرابة. وإلا فلماذا يشعر السندباد بحاجة ملحة الى رواية تجاربه ولماذا " صار كل من سمع بقدومه يجئ إليه ويسأله عن حال السفر وأحوال البلاد فيخبره ويحكي له ما لقيه وما قاساه"(12)؟ حكايات السندباد بمتابة حوار، أو جدل، بين الانغلاق والانفتاح، تماما كالثقافة العربية المعاصرة لها (الجاحظ مثلا) التي تتميز بالالتحام بين عناصر مألوفة وأخرى غريبة، بين البر والبحر.

    واليوم من ينكر أن السندباد ما يزال يخاطبنا عبر القرون ويسألنا عن علاقتنا بالعالم المألوف وبالعالم الغريب(الغربي)؟ لقد كثر حفدته على الخصوص منذ عصر النهضة ( انظر على سبيل المثال الساق على الساق لأحمد فارس الشدياق وحديث عيسى بن هشام للمويلحي) وليس في الأفق ما ينبئ بأن عهد "السنابدة" قد انتهى، بصفة أو بأخرى كلنا اليوم، في العالم العربي، سندباد.

    ---------

    ( 1 ) يستفيد الباحث العربي عند دراسته للمؤلفات الكلاسيكية والحديثة مما كتبه باشلار حول العناصر الأساسية ( الأرض ، الماء ، النار ، الهواء ) . مدلول هذه العناصر ليس قارا في كثير من الأحيانم وإنما يتلون حسب الثقافة المعنية والحقبة التاريخية ، بل إن العمل الأدبي ، إذا نظر إليه على حدة ، قد يعطي صبغة خاصة لهذه العناصر ويوظفها توظيفا فريدا . انظر مثلا تحليل كريماص لإحدى قصص موباسان .
    ( 2 ) لوتمان ، 1975 ، ص 103
    غريماص ، 97
    نفس المصدر ، الصفحات 98 - 101
    4 - بارث 1970 ، ص: 95-96 - تودوروف 1971 ص: 86-88
    5- السندباد البحري يصير حمالا كالسندباد البري

    عبد كيليطو ، الأدب والغرابة ( دراسات بنيوية في الأدب العربي ) ، دار الطليعة ، ص ص 95 – 98

     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
    أعجب بهذه المشاركة boudjemaa chaabi
  12. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة


    تحية للسي محمد فري

    هي دراسة للدكتور الخطيبي باللغة الفرنسية عن الف ليلة والليلة الثالثة اعتقد وقد نشرت في كراس صغير صدر عن الرابطة الفرنسية وترجمت الدراسة كاملة في احد اعداد مجلة الاداب البيروتية الخاص باشغال ندوة الرواية العربية بمكناس .. من ترجمة بطرس الحلاق.. ويستهله بسؤال مصيري اشكالي "احكِ حكاية وإلا قتلتك"،

    ساعمل على نقلها وانزالها

    شكراا
     
  13. محمد فري

    محمد فري المدير العام طاقم الإدارة

    شكرا السي المهدي ... لاعدمناك
     
  14. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أحمد حسن الزيات
    ألف ليلة وليلة تاريخ حياتها

    يخطو الدهر دائباً في وناءٍ وكبرياء وصمت، فيعفو الأثر. ويقري الحجر. ويبري الحديد، وتنال يده العابثة كل شيء في حياة المرء بالتغيير والنقص، إلا شيئاً واحداً يلوذ منه بسواد القلب فيستقر في قراره، ويكمن كون السر في دخيلته وإضماره، أريد به ذكريات الصبي، وإحلام الحداثة، فهي باقية والجسم يتخونه البلي، ثابتة والعيش تزعزعه الاحداث ناضرة والمني يصوحها اليأس، مشرقة والنفس يغشاها من الهم ظلام وسحب فمن منكم ياسادة لايذكر أول بيت أبصر فيه الوجود، وأول ملعب عرف فيه الرفيق، وأول مكتب رأي في المعلم، واول موعد لاقي فيه الحبيب؟؟ ومن منكم لايذكر ساعات السمر اللذيذة الهادئة، في غرفة اليوم الوثيرة الدافئة، حيث كان أطفال الأسرة يتجمعون حول الجدة الحنون. أو الاًم الرؤم. أو الظئر الحانية، فينضون في سكون وشوق إلي ماتقصه عليهم من روائع الأسمار. وبدائع الاقاصيص، وهم من طلاوة الحديث وجاذبية الحادث وبشاشة المحدث في حال لايصف الشعور بها غير الشاعر، ثم لايلبث هذا الرحيق العجيب ان يخدر الأعصاب الطفلية الرقيقة، فتغفو تحت جناح الكري، وتسمع بقية الحديث الشهي في الحلم!
    هذه الاقاصيص الشائقة التي كانت لعقولنا الصغيرة سحراً، ولعواطفنا المشبوبة سكراً، ولقلوبنا الغضة فتنة، هي نوع من الأحلام والأماني تراءت في ليل الحياة الطويل، ثم تجمعت في ذاكرة الزمن القديم، وتنقلت من عهد إلي عهد، ومن مهد إلي مهد، ومن بلد إلي بلد، تحمل في طواياها نفحات الحكمة المشرقية العالية، وعطور الأزمن البعيدة.
    فوجودها أثر لوجود الإنسان، لانها ظاهرة طبيعية من ظواهره: كالغناء والشعر والرقص فلاتعرف لها أولية. ولاتحدد في الغالب لظهورها علة. ولكن علماء الأساطير يزعمون انها نشأت في الهند، وهاجرت منها إلي بلاد الفرس، ثم رحلت الي بلاد العرب، ثم استقر بها النوي في أقطار العرب، وفي كل مرحلة من هذه المراحل كانت تصطبغ بصبغة البيئة، وتتأثر بخصائص الجنس، وتتسم بسمات العقيدة.
    وأما أبطالها الذين وجدوا علي الرغم من قانون الوجود، ونازعوا ابطال التاريخ ثوب الخلود، فقد كان لبعضهم ولاشك حظ في الحياة، وشهرة بملازمة الأسفار وملابسة الغير، فتحدث الناس أولاً بما فعلوا ثم سرجوا حول اسمائهم وأنبائهم الاكاذيب، والأعاجيب حتي أصبحوا أعلاماً علي شخصيات متميزة في البطولة والحرب والحب والحيلة والكرم: كدعد وليلي في الشعر وإبي نواس وجحا في التنادر.
    أما اكثر الابطال فمن خلق الخيال، ابتدعهم رموزاً للمثل الاعلي، أو القدر العابث أو الجلد العاثر، او السلطان الجائر، أو الهوي المتسلط، أو الأمل الآسي، أو الحظ السعيد.
    وعلي ذكر الطفولة ومناغيات الأمومة، أراكم ولاريب تركتموني أتكلم وعدتم بالذاكرة الي تلك العهود الحبيبة تتخيلون سحرها، وتستعيدون ذكرها، وتصيخون الي ذلك الصوت الحنون، ينبعث خافتاً من أعماق الماضي القريب أو البعيد، مردداً أسماء أولئك الأبطال الذين طالما كتأبتم لاكتئابهم، وتألمتم لمصابهم، وشاركتموهم بالعطف في نعماء الحب، وبأساء الحرب، ولأواء الخطب: من أمثال الحسن البصري، ونور الدين المصري، والشاطر محمد، والشاطر حسن، إلي آخر ماسجلته الذاكرة..
    أنا كذلك ياسادتي ذكرت حين كتبت هذه السطور- هاتيك القبور التي ضمت هواي. ورفقة صباي، ونوعاً من الحنان والأخلاص لم أذق له طعماً منذ غاض في هوة البلي منبعه... ثم ذكرت شيئاً آخر: ذكرت مجلي من مجالي الأنس في القاهرة كا جمعة القلوب، وألفة النفوس ومستجم الخواطر، فعصفت به روح المدنية الحديثة، ذلك منظر المحدث أو القصاص أو المسامر أو الشاعر في مقهي الحي وهو في حلته الشرقية المفوفة الضافية، فوق صفته الخشبية البالية العالية، وقد تجمع بين يديه، ومن يمينه وعن شماله، أوزاع العامة، وشيوخ المحلة يستجمون من كلال العمل اليومي، برشف القهوة العربية، وتدخين النرجيلة العجمية، وتبادل العواطف الاخوية، ثم الإصغاء المشترك إلي (ابي درويش) وهو يقص بصوته العريض المتئد، وجرسه الهاديء المتزن- حروب (عنترة) أو وقائع (ابي زيد) أو مخاطر (ابن زي يزن) فينقلهم بقوة تمثيله أو بحسن ترتيله، علي جناح الخيال إلي عصور هؤلاء الابطال، فيشهدهم مجد البطولة وسلطان الحب وفتك السحر وبطش المردة، ثم يري الخبيث أن فورة الحماسة، والشوق قد طغت في النفوس لوقوع البطل في أسر أو شدة، فيسكت ليجمع النقوط من السمار والنظار. فلايجد هؤلاء مندوحة عن تعجيله ليعجل هو الي إطلاق البطل من إساره، وإنقاذ الجمهور من شدة قلقه ومرارة انتظاره..
    وفي ليلة من هذه الليالي الساهرة تجدون هذه القهوة ذات الضوء الشاحب، والصمت الحالم، والمنظر الكئيب -قد خفقت فوقها الرايات وأشرقت في جوها الثريات، وتلألأت في سمائها المصابيح، وأخذت زخرفها بالسامرين، وقد جلسوا متقابلين في الدكك العالية يطوف عليهم غلمان باكواب من ذوب ا لسكر المعطر بماء الورد، وصاحبنا ا لمحدث قد خرج إلي القوم يتهادي في عمته المكورة وجبته المعصفرة وقفطانه الأنيق الاصفر. وقد تدلت من حزامه الحريري ذلاذل تنوس علي بطنه المنتفخ الضخم. فإذا استوي علي عرشه المنجد
    توهج البخور من جانب وتضوعت العطور من جانب ثم خشعت الاصوات ورنت إليه العيون وأنشأ يحدث.
    فإذا بدا لاحد ان يسأل بعض الجالسين عن سبب هذا المهرجان عجب اولاً من انه لايعرفه، ثم أجابه بلهجة الفخور المزهو: هذه ليلة زفاف عبلة إلي عنترة... فإذا كانت القصة قصة بني هلال- وجدتم هذا الهوي الجميع قد استحال إلي عصبية شنيعة. ورأيتم إخوان الأمس قد أصبحوا أعداء اليوم: فطائفة تتعصب لبني هلال. وطائفة تتعصب لبني زناتة. وهؤلاء يريدون الشاعر علي ان يقص واقعة. واولئك يسألونه ان يقص أخري، والشاعر لايجيب إلا من يجزل له العطاء.. فإذ رجحت كفة وشالت كفة أخذ يروي من ذاكرته وغيبه - علي هوي الفئة الغالبة ما لم يسجله تاريخ. ولم يدونه كتاب. فيزور الغرائب، ويختلف الوقائع، يقمش مما خزنه في حافظته - من مختلف الأسمار ورقائق الأشعار ليحوك منها للبطل حلة تهز العجب في قلوب أشياعه، وتلهب الغيرة في صدور خصومة، فإما نفحة أخري تميل به إلي الجهة الثانية، وإما معركة بين الحزبين تكون هي القاضية.
    هذا الرجل الذي صورته لكم هذه الصورة المتقاربة، هذا الرجل الذي ينام النهار ويجلس الليل يحدث أربع ساعات متعاقبة، هذا الرجل الفكة اللبق الحافظ الواعظ -هو الاثر التاريخي والنموذج الحقيقي، لذلك القصاص البارع الذي خلف لنا كتابنا العالمي، الخالد (الف ليلة وليلة).
    يرجع تاريخ هذا القصاص ياسادة إلي صدر الإسلام، والفضل في وجوده كان ايضاً للقرآن الكريم. فقد اشتمل كما تعلمون علي مجملات من أخبار القرون الخالية والنذر الأولي، وكان أعلم القوم يومئذ بتفصيلها من أسلم من أهل الكتاب كتميم الناري ووهب بن منبه. وكعب الاحبار وعبدالله بن سلام: فكان هؤلاء ومن أخذ عنهم يجلسون الي الناس في المساجد، يفصلون، ما في كتاب الله من قصص الانبياء، ويسرفون في تهويل هذه الأنباء، ابتغاء للعبرة، والتماسا للموعظة، ووافق هذا الضرب من الوعظ هوي النفوس فإزداد إقبال الناس عليه، وكثر إفك القصاص فيه، حتي طردهم امير المؤمنين علي من المساجد، ماخلا الحسن البصري.
    ولكن دهاة السياسة رأوا سلطان هذا الفن علي العقول وقوة أثره في توجيه الميول -فاتخذوه لساناً للدعاية وسبيلاً وألح الوباء، وبغي الحاكم- وعلي الحالين كان السامر او المسامر عنصرين من عناصر الحياة ينضران بهجة العيش في الرخاء، ويسريان كربة النفس في الشدة.
    وكان أول من تولي القصص الرسمي في مصر سليمان بن عنتر التجيبي سنة ٨٣ تولاه مع القضاء ثم أفرد به، ثم تعاقبت القصاص من بعده في مصر علي اختلاف بينهم في القدرة والغرض ، فكانوا أصداء للعقيدة، وأبواقاً للسياسة، تسمع منهم في كل عهد لهجة، ولكل دولة سند وحجة. وترون ذلك أقوي ظهورا في عهد الفاطميين. فقد كان مقتل الأمام (علي) ومأساة الأمام (الحسين) موضوع المنابر والسوامر في شهري رمضان والمحرم.
    وقيل ان ريبة حدثت في قصر (العزيز بالله) فتناقلتها الأفواه ورددتها الاندية فطلب الي شيخ القصاص يومئذ. (يوسف بن إسماعيل ان يلهي الناس عنها بما هو أروع منها فوضع قصة عنترة ونشرها تباعاً في اثنين وسبعين جزءاً سمرت بها مجالس القاهرة منذ ذلك الحين إلي اليوم وهي الياذة العرب لاينازعها هذا الشرف إلي الآن عمل فني آخر.
    >>>
    وفي القرن الرابع للهجرة كانت فورة هذا الفن ونهضته في بغداد والقاهرة. ففي عهدي (المقتدر بالله العباسي) و(العزيز بالله الفاطمي) كان القصاص الحكوميون والشعبيون يحتشدون لوضع الاخبار، ويتنافسون في جمع الأسمار، من الوراقين، والرحالين العامة.
    ولكن القصص في العراق كان من عمل الكتاب، يصورون فيه أنبل عواطف الناس، وأجمل مواقف الحياة، ويلقونه زهوراً وعطوراً في مجالس الخلفاء، وسوامر الملوك، فكانت بلاغة المحدث وجلالة السامع ونبالة الموضوع تطبع القصة بطابع الجمال والاعتدال والقصر، وتنزع بها الي السليقة الغربية المجبولة علي الايجاز والقصد في الشعر والخطب والرسائل والقصص.
    فما جمعه ووضعه الجهشياري( و(ابن دلان) و(ابن العطار) في القرن الرابع من الأقاصيص في الحب الطروب، والترف المسرف، وماوضعه من قبل هؤلاء (سهل بن هرون) و(علي بن داود) و(أبان ابن عبدالحميد) من الاسمار في الامثال الرمزية والحكمة العالية والسياسة الرشيدة، وماصنعه من قبل هؤلاء (عيسي بن دأب) و(هشام الكلبي) و(الهيثم بن عدي) من الأخبار في الهوي العذري والسخاء العربي في الإسلام والجاهلية- كل اولئك موسوم بسمة العقلية العربية الخالصة من حذف الفضول وترك الاستطراد وقلة المبالغة.
    اما القصص في مصر فكان غالباً من عمل القصاصيين والمسامرين، يلفقونه من الكتب، ويتلقفونه من الافواه، ويحدثون به الدهماء في المجالس العامة. ورزق هؤلاء القصاص علي قدر ماعندهم من القصص.
    فإذا ما انقطع أحدهم عن الحديث لنضوب معينه انقطعت به أسباب العيش، فهم لذلك مضطرون الي تطويل الموضوع بالاستطراد، وبسط الحادث بالتزيد، وجذب القلوب بالإغراب والمبالغة.
    ومن ثم اتخذ الادب القصصي في مصر شكلا لاعهد للادب العربي به. ذلك هو شكل القصة بالمعني الذي تفهمه من كلمة رومان Roman في إصطلاح الفرنك، فإن المعروف الشائع من قبل - إنما كان المثل fable و(الأقصوصة) conle والحكاية nouvelle وهذه الانواع قد تولد بعضها من بعض علي نحو مايري الاستاذ (برونتير) الناقد الفرنسي في تطبيق مذهب (دارون) علي الأنواع الأدبية، فالأقصوصة نشأت من المثل، والحكاية نشوؤها من الأقصوصة، والقصة نشأت من الحكاية، باتساع الخيال، وفعل المبالغة، وحكم الزمن. ولكن القصة العربية قد تأخر نشوؤها الي القرن الرابع حتي ظهرت بمصر، لان عملها يقتضي التطويل والتحليل والعلم بطبائع الناس وأوصاف الشعوب، والعرب في عهود كانوا أبعد سابقة طبيعتهم ومعيشتهم عن هذه الأمور، ثم كانوا في عصور التحضر والاستقرار يؤثرون الخاصة بأدبهم فيضطرون في حضرة الملوك ان يراعوا أدب الحديث فلا يغرقون في الحادث حتي بجانب العقل، ولايسهبون في السمر حتي يجاوز المجلس، ولايسفون في القول حتي يصادم الخلق، أما القصاص المصري فقد تهيأت له الأسباب اللازمة لخلق القصة: كان سمير الأوزاع والعامة فلم يتقيد معهم بقوانين الخلق، ولابقضايا المنطق، ولابوقائع التاريخ، فهو يصطنع اللهجة الصريحة، ويستعمل الألفاظ القبيحة، ويبالغ في الخلط والتلفيق، قصداً الي الاغراب والتشويق، ويعتمد غالباً في المفاجآت القوية، ويستطرد كثيرا الي الحوادث العرضية، ثم يصادم الوقائع ويشوه الحقائق، لانه يجهلها، والجمهور الذي يسمعه لايعلمها، فاستطاع بذلك ان يزور أغرب الحوادث ، ويجمع شتي الاحاديث، ويترك لنا هذه المجموعة القصصية التي كانت ولاتزال للخاصة مبعث لذة ، وللعامة مصدر ثقافة.
    كان القصاص المصري يعتمد في مادته علي مايصدر عن بغداد من الأقاصيص الموضوعة والمنقولة، والروايات القديمة الصحيحة والمدخولة، ثم يضيف الي ذلك ماتنوقل في مصر وما تجمع من الأخبار من التجار والرحالين والبحارين، فقد كان هؤلاء بعد عودتهم من البلدان، النازحة يدونون ماراوا من الاعاجيب، كما فعل اليعقوبي وابن فضلان ويززك بن شهر يار مثلا، إذ يحدثون بها الناس كأن يقولوا لهم ماحكاء ابن خرداذية من ان في بعض الأمم رجالاً عراض الوجوه، سود الجلود، لاتزيد قامة أطولهم علي أربعة أشبار، وفي جلودهم نقط حمر وصفر وبيض، وإن فيهم من له أجنحة يطير بها، ومن رأسه كرأس الكلب، وجسمه كجسم الثور أو الأسد، وماجاء في كتاب (المستطرف) من أن في (البلغار) من طوله اكثر من ثلاثين ذراعاً يأخذ الفارس تحت إبطه، كما تأخذ الطفل الصغير، ويكسر ساقه بيده كما تقطع حزمة البقل. وما رأي الرحالون بالطبع هذه الأشياء، وانما راوا صورها علي الآثار التي خلفها البابليون والفراعنة والرومان والفرس فظنوها حقيقة.
    كان القصاص يتناول هذه الاخلاط فيؤلف منها قصة كثيرة الفصول والفضول، تذور حوادثها علي بطل واحد، ولكنها تعرض من قبيل الاستطراد الي حوادث شتي، لايصلها بحياة البطل الا صلة واهية.
    انظروا مثلا كيف صنع قصة (عنترة) : بناها علي حادثة أصلية صحيحة: هي (حرب داحس والغبراء) التي شبت لظاها بين عبس وذبيان قبيل الإسلام ثم دارت رحاها علي قطب من أقطايها وهو (عنترة بن شداد) العبسي، فذكر نشأته في حادثة خرافية جذابة، ثم وصف رجولته وبطولته وفصاحته وحبه وكرمه، وما اتصل بذلك من عادات البدو، كالضيافة والحماسة الاجارة والشعر والغزو والسلب والثأر، ولكن حروب عبس وذبيان مهما هول فيها وطول لاتشغل بال السامعين طويلا، ولاتدر علي من المال كثيراً ، فهو يوقع الخصومة بين عنترة وبين فرسان العرب فيقابلهم ويقاتلهم ويسمهم جميعاً بالنكول والعجز. والقصاص في أثناء ذلك ينقلنا في السهول والاودية، ويقلبنا بين المضارب والاخبية، حتي جلا لنا من الحياة الجاهلية صورة صفقة لاتتمثل في خواطركم من طريق التاريخ المقتضب المفكك الا بعد جهد. ثم يري مع ذلك ان الشوق شديد، وان الأمد الذي يريده بعيد، فيخرج البطل من الجزيرة العربية ويقيم به الي مصر بلد القصاص فيقود عنترة بها حروباً، ويهلك شعوباً، ويبتني حصوناً لاتزال العامة تعرفها الي اليوم باسمه، ثم يذهب الي القسطنطينية ويزوجه من امرأة رومية. حتي اذا ظفرت المنون اخيراً بالشجاعة الخارقة عاد ابنه من (بيزنطة) الي الحجاز فطالب بعرش ابيه وحارب معاديه ومغتصبيه، والميتة التي اختارها القصاص لعنترة تدل علي قدرة فنية عجيبة، وكان (لامرتين) لاينفك بها معجبا، ومنها طروبا، فقد ذكر أن (الاسد الرهيص) احد خصوم (عنتره) المقهورين الموتورين رماه غيلة بسهم مريش مسموم، فلما أحس البطل فعل الموت في جسمه الوثيق خشي علي قومه من بعده شر الهزيمة وعار الفشل ، فوقف حيال العدو الثائر ممتطيا جواده، متكئاً علي رمحه، وأمر جيشه بالتقهقر والنجاة. فارتد الجيش وبقي هو واقفاً يعالج سكرات الموت، والعدو متحفز للهجوم، ولكنه لايجرؤ عليه خوفا من عنترة حتي فاضت روحه علي صهوة جواده، وكان الجيش المتقهقر قد بلغ مأمنه، فلما طال وقوفه، وجاوز الحد سكونه ارتاب الجيش المهاجم، فدبر الحيلة لكشف الامر فأرسلوا الي جواده حجراً تهيجه، فلم يكد يراها الفرس حتي وثب وثبة خر لها فارسه علي الارض صريعاً.
    والغالب فما أظن ان القصاص الماهر قد اخذ هذا الختام البارع من مصرع (سليمان بن داود) امام عماله المسخرين من الجن، وقد أجملته البالغة المعجزة في هذه الأية الكريمة (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم علي موته الا دابة الارض تأكل منسأته. فلما خر تبينت الجن ان لو كانوا يعلمون الغيب مالبثوا في العذاب المهين).
    ظهرت هذه القصة الحماسية الجميلة في عصر كان وادي النيل فيه منيع الحوزة، باهر الجلالة ، صافي المورد، لايكدره والغ ولا واغل:
    فكان استقلاله لهم العزة، وعروبته توحي الشهامة. فلما هبت الاعصاير العوج بالبربرية الجامحة ، فأطفأت منائز بغداد ، وزعزعت عرش الخلافة وعبثت العجمة الجاهلة بتراث العرب: من علم وادب، وخلق ودين، وعدت ذئاب الغرب باسم الصليب علي الشام ومصر، تنج الهلال الآفل، وتنهش المجد الطريد - رأينا القصة المصرية تصور هذه الحياة الحزينة تصويراً عجيباً. ورأينا القصاص قد اتسع خياله، مقدر ما ضاق علمه، ويخلق بلاداً لم توجد، ويتصور حوادث لم تقع ، ويعتمد في العمل علي الجن والسحر والخوارق.
    فبين القرنين السادس والثامن من الهجرة -ظهرت في مصر سلسلة من القصص الطويلة الجذابة غفلا من اسماء مؤلفيها: لان القصاص المحترفون إنما كتبوها لانفسهم فيما أرجح، ثم توارثوها خلفاً عن سلف حتي بلغت عهد المطبعة، فنشرت علي شكلها، دون اسم ولا وسم ولاتعريف.
    واشهر قصص هذا الدور سيف بن ذي يزن ، والاميرة ذات الهمة، وفيروز شاه، فإما انها كتبت في هذه العهود فذلك واضح لادني نظر من أسمها وأسلوبها وماتدور علي من عادات واعتقادات وصور، وأما انها كتبت بمصر فذلك ثابت من أما كن وقائعها، واسماء اشخاصها، فأبطالها جميعاً عاشوا بمصر، حتي الذين لم يروها أقدوموهم إليها..
    فالمهلهل بن ربيعة كان الوجه البحري ميدان حروبة، وسيف بن زي يزن هو الذي اجري النيل من جبال القمر بكتابه السحري الذي دفنه في جزيرة الروضة بالقاهرة، وهو الذي خطط مدن مصر، فالجيزة اسم من اسماء زوجاته، وسبك الثلاث ودمنهور الوحش قائدان من قواده، والنيل تفرع الي فرعي رشيد ودمياط: لان الملك (صيفاً) وهو قادم به من السودان وقف يقاتل الكفار الذين اعترضوه في رأس الدلتا فوقف النيل بوقوفه، ولكن الماء وراءه قد عب عبابه وطفحت أواذبه فاندفق شطر منه الي الشمال. واتجه الملك بالشطر الآخر الي اليمين.
    ومدينة (سمنود) اصلها سماء نود لان الحكيم (نودا) صاحبها قد عقد عليها سماء بالسحر توقعا لغارات الملك سيف وهو ذاهب بالنيل الي مصبه.. ثم دفنه المؤلف أخيراً فوق جبل المقطم، وقال ان قبره هو الذي يعرف الآن بالجيوشي.
    ولقد كان للحروب الصليبية أثر طاهر في نسج هذه القصص في هذا الدور فإن العواطف الدينية والحماسة القومية التي ألهبتها في قلوب المسلمين، هذه الغازات قد حملت القصاص علي ان يتملق هذه العواطف ويغذبها بما يلفق من الاشعار والاخبار في فضائل الجهاد والاستشهاد والصدق والصبر.
    فسيف بن زي يزن كان حنيفاً مسلماً يقتحم المعاقل والأرصاد علي الوثنية في معالم الارض ومحاملها، وهو يقول »لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله«. وكذلك سائر الأبطال في سائر القصص، إلا انهم كانوا بعد الإسلام لا قبله.

    وبين القرنين الثامن والعاشر للهجرة كان حكم المماليك بفساده، وحكم الاتراك باستبداده، قد أتيا علي مابقي من اركان الاجتماع، وحللا اواصر الاخلاق والطباع، ومني الناس بإلحاح الأوباء، وشراهة الجباة والرؤساء، واستشعرت نفوسهم ذل الحرمان والقهر، فأخلدوا إلي التصوف او الي المجون، وعالجوا همومهم بالحشيش والافيون، وحارب بعضهم بعضا بالشطارة والحيلة، وتقاتلوا علي حطام الحياة بالخديعة والغيلة، وحال نظام الفتوة في مصر الي مناسر من اللصوص والعيارين، يقطعون متون السبل، ويعبثون بالأمن والناس من ضعف السلطان يخضعون لهؤلاء ويجلونهم إجلال الزعماء ويتناقلون حوادثهم وأحاديثهم بالإعجاب والمبالغة فظهر حيئنذ ذلك القصص الوضيع الذي يمثل هذه الحالة بحقارتها وسفالتها، ويصور تلك البيئة بخرافاتها وجمالتها، كالقصص الذي يدور علي (علي الزيبق) و(أحمد الدنف) و(حسن شومان)و (ودليلة ا لمحتالة) او (دالة المحتالة) كما يسميها (المسعودي).. وأصبح أسلوب القصاص في هذا الدور دائراً بين الجهالة والقحة. فهو يستعمل في قصصه لغة مبتذلة وتراكيب فاحشة وجملاً محفوظة ووقائع واحدة يرددها في كل قصة. ويكررها في كل مناسبة. وكانت شهوة السهر والسمر قد بلغت مداها في ذلك الحين لتغلب البطالة علي أهل القاهرة واعتماد الناس في جمع الثروة علي الحيلة والشعوذة والسحر والقدر. فتكدسوا في السوامر حول القصاص وقد تجمع لهؤلاء من خلال القرون ذخيرة وفيرة من الأساطير والأسمار.
    فصبوا يدونونها كما دونت تلك السير من قبل. فكان مما دون في تلك الحقبة الغريبة كتابنا وموضوع محاضرتنا (الف ليلة وليلة).
    (الف ليلة وليلة) ياسادة كتاب شعبي تمثلت فيه طوائف الشعب وطبقاته، وتراءت من خلاله ميوله ونزعاته، وتكلمت فيه اساليبه ولهجاته، فهو كالشعب وكل شيء للشعب، قد لقي من جفوة الخاصة وترفع العلية أذي طويلاً، أغفله الادب فلم يتحدث عنه، واحتقره الأدباء فلم يبحثوا فيه، وراه (محمد بن ا سحق المعروف بانن النديم) فقال انه غث بارد، لانه نظر اليه نظرة الي الأدب الارستقرارطي الذي يصور ترف الخيال وجمال الصناعة. فلما حقق العصر الحديث تغلب الديمقراطية وسيادة الشعوب، واستتبع ذلك عناية أصحاب المذهب الإبداعي (الرومانتيكيين) في الغرب بحياة السوقة والدهماء عنايتهم بحياة الملوك والنبلاء وهب رواد الاستعمار وعشاق الآثار ينقبون عن »فولكلورد« الشرق أخذ أدباؤنا بحكم التقليد والعدوي- يعطفون علي أدب السواد، فدونوا اللغة العامية وجمعوا الأغاني الشعبية، ونظراً بعض النظر في فن القصص، وسمعوا في .
    رجفه من الدهش -الي قول الاوروبيين: ان في أدبنا الموروث كنز دفين- من هذا النوع له في أدبهم اثر قوي وشأن نابه. ولكنهم لم يخلدوا بدياً الي هذا القول بثقة. واستكثروا علي هذا الكتاب الخرافي السوقي ان يذكر في الكتب ويوضع في المكاتب وينبه الناس إلي فضله، ويهنأ العرب بانتاجه حتي رأينا بعيوننا انه نقل منذ أوائل القرن الثامن عشر الي كل لغة. وحل الموقع الاول من كل أدب، وظفر بإعجاب النوابغ من كل أمة. حتي قال (فولتير) انه لم يزاول فن القصص إلا بعد ان قرأ ألف ليلة وليلة اربع عشرة من مرة، وتمني القصصي الفرنسي (استندال) ان يمحو الله من ذاكرته (ألف ليلة وليلة) حتي يعيد قراءته فيستعيد لذته.
    ثم رأينا أن أقلام المستشرقين أخذت تتجادل منذ أوائل القرن التاسع عشر في أصله، وتكشف عن مناحي جماله وفضله، وان دوائر المعارف الكبري سجلته في حقولها، وخصته بالطريف الممتع من فصولها. وان الاستاذ (فكتور شوفان) أفراد له في كتابه (تاريخ المؤلفات العربية) جزءًين سرد فيهما مخطوطاته ومطبوعاته وترجماته، وجزءين آخرين خلص فيهما طائفة كبيرة من حكاياته، وان الكتاب الروائيين قد استغلوه للسينما والمسرح فاستخرجوا للأول رواية (لص بغداد) وللثاني (قسمت) او (القضاء والقدر)، وان رجال التربية والتعليم في فرنسا والمانيا وانكلترا- قد اقبسوا منه ادباً للإطفال فاختصروه وصوروه، ولقيت انا منذ عامين في القاهرة مستشرقا اسبانياً وآخر أمريكياً قدر أرسلت الأول جامعته. والثاني جمعيته، لينقبا في مدن الشرق عن مخطوطات (الف ليلة وليلة).
    حينئذ أخذت خاصتنا تقرؤه وتسمعه، ومطابعنا الراقية تصححه وتطبعه وأدباؤنا المترفعون يشيرون إليه في تاريخ الأدب. ولكنهم الي اليوم لم يدرسوه دراسة علمية تكشف عن لبابه، وتستقطر النطف العذاب من عيابه، وهو علي الرغم من جميع مافيه، قد سجل علي توالي القرون أطوار اجتماعنا، وصور بالألوان الزاهية مختلف أختلافا وطباعنا، ونشر في الشرق والغرب أنوار حضارتنا وازدهار ثقافتنا وجمال تقليدنا، وأتم نقص التاريخ الدي تجاهل الشعب، والادب الذي احتقر العامة. فكان منه للتعاقد الاجتماعي والمؤرخ الفليسوف والأديب الباحث والكاتب القصصي - منهل ثر الينابيع، صافي المورد. وهو - فضلا عن ذلك- كان للشعب العربي في زمن انحلاله، وضياع استقلاله، وصعوبة اتصاله- قبس يبعث الحرارة في النفوس الخامدة، وذكري تلوع القلوب أسي علي المجد الذاهب، وصلة ثقافية تجمع المنازع المتفرقة علي الوحدة.


    .../...
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  15. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أحمد حسن الزيات
    ألف ليلة وليلة تاريخ حياتها


    تابع

    يكاد يكون (الف ليلة وليلة) علماً ثانياً علي بغداد، بل ربما كان ادل عليها اليوم في نظر الشعوب الحديثة من شأنها الرفيع في الحضرة، ومكانها البارز في التاريخ: ذلك لان آثارها المادية قد ألح عليها طغيان الدهر وفيضان النهر حتي محواها. اما هي في هذا لكتاب فلا يزال سناها باهياً لم يحجب، وصداها داوياً لم ينقطع، فهو للحضارة العربية في (بغداد).
    متحف زاخر بالأعاجيب، دونه ماللحضارة الفرعونية في مصر من معابد ومقابر وكنوز، لانه يسير في البلاد وهي ثابتة، ويتحدث الي جميع الشعوب وهي صامتة، حتي أصبح لفظ (بغداد) في جميع اللغات مرادفا للعمران الزاهر، والترف العجيب- واسم الرشيد رمزا للعدل الشامل والزمن الخصيب. ذكر احد كتاب الانجليز فترة من الزمن الرخي فقال: كان ذلك في العصر الذهبي اذ كان يحكم الخليفة العادل هارون الرشيد.
    ذلك بعض فضل الكتاب علي (بغداد). وقد ذكرت من قبل انه لم يؤلف علي هذه الصورة فيها ولم يؤلفه احد من بنيها، وانما جمع في مجالس القصص في القاهرة، ودون علي هذا الشكل في القاهرة وطبع أول طبعة كاملة في مطبعة الحكومة بالقاهرة. ثم كان حظ القاهرة من كتاب (الف ليلة وليلة) ان صورها للناس مثابة للاحتيال والشطارة والشعوذة والجهل بينما يصور (بغداد) مهبطا للفضل، وموطنا للنبل، ومعدنا للكرم وعشا للحب، ومظهرا للترف حتي كان من جراء ذلك ان أهل (بغداد) لايزالون يقولون (عياق مصر وحيال ممصر) ونحن مازلنا نقول في القاهرة: تبغدد فلان اذا اظهر البغددة. وفي كلمة مشتقة من (بغداد) تدل عل ي السرف والترف والبطر والنبل.
    وسبب اختلاف حظ البلدين من الكتاب ان القصاص المصري اذا تحدث في مصر- وهو منها وفيها- تحدث عما يري، وعبر عما يسمع وقد علمنا في أي عهد من عهود الضعف والانحلال ظهر هذا الكتاب بمصر. اما اذا تكلم عن بغداد فإنما يتأثر بعوامل أربعة: يتأثر بما وضع من الأقاصيص الجميلة في بغداد- ويتأثر بما ملأ الآذان وشغل الأذهان عن عظمة بغداد وأبهة الخلافة- ويتأثر بما ركب الله في طباع الناس من تقديس الماضي، وتعظيم البعيد- ويتأثر بجهله أحداث التاريخ وتطور الأمم، فيأبي وهو في القرن العاشر من الهجرة أن يعترف بموت (الرشيد)، ومصرع (بغداد) ونكبة المجد الأثيل.
    أما بعد فإني أحاول الآن ياسادتي أن أكشف عن حقيقة (ألف ليلة وليلة) بمقدار ما تهيأت لي المراجع في (بغداد)، بعد ان توافرت علي قراءته ودراسته في مختلف الطبعات، ووقفت علي ما نشر عنه من الابحاث في بعض اللغات. وما أريد بالطبع أن أدفع السأم في نفوسكم بذكر مالا يحتمله المقام من التحليل المفصل، وانما اجتزيء بذكر مالا يسع الرجل المثقف جهله من امر هذا الكتاب.
    وهنا يدركنا المساء كما يدرك شهرزاد الصباح، فنرجيء البقية الي الأسبوع المقبل اذا تفضلتم بالسماح.

    ==============


    المحاضرة الثانية

    ليس من اليسير علي الباحث الكشف عن حقيقة كتاب كألف ليلة وليلة أصله مفقود، ومؤلفه مجهول، وزمان وضعه مبهم، ومكان حوادثه مشتبه، لاننا اذا فزعنا الي التاريخ نسأله قال: ان ما يتصل بالأقاصيص والأساطير كان خارجا بطبيعته عن اختصاص الأديب ومنهاج المؤرخ، واذا رجعنا الي نص الكتاب ندرسه لنتبين من لغته وأسلوبه وأسماء أبطاله ومواطن رجاله وعقائد أهله- نصيب كل جنس وجيل في تكوينه وجدناه من هذه الجهة ضعيف الحجة خادع الرأي قليل الغناء، لأن كثيرا من النساخين والقصاصين في البلاد المختلفة قد اعتوروه فنقلوه علي وفق لهجاتهم، وعبثوا به علي مقتضي شهواتهم، حتي لاتجد نسختين منه تتفقان لا في الترتيب ولا في النص. ففي حكاية البنات مع الحمال والصعاليك الثلاثة مثلا يقول الصعلوك الثاني: انه قرأ القرآن بالروايات السبع وحفظ الشاطبية، والشاطبية في علم القراءات كالألفية في علم النحو، وفي بعض النسخ لايذكر الشاطبية ويكتفي بذكر الروايات السبع. فلو ان ذكر الشاطبية كان عاما في جميع النسخ لحكمنا بان هذه الحكاية كتبت بعد سنة ٠٩٥ وهي السنة التي توفي فيها الشاطبي. وفي حكاية مزين بغداد يذكر المزين الفيلسوف سنة ٣٦٧ في نسخة وسنة ٣٥٦ في نسخة اخري، فعلي أي الرقمين نعتمد في تاريخ هذه الحكاية؟ اذن لم يبق للباحث غير الاعتماد علي النقد المبني علي تاريخ الحضارات المقارن وعلي ما بقي في الكتاب من صور الأساليب ورسوم التقاليد التي لم يشوهها الناسخ ولم يعف عليها الزمن.
    كان أول من ذكر الف ليلة من المؤرخين علي بن الحسين المسعودي المتوفي سنة ٦٤٣ في كتابه مروج الذهب فقد قال حين عرض لأخبار ارم ذات العماد »إن هذه أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة نظمها من تقرب من الملوك برواياتها وان سبيلها سبيل الكتب المنقولة الينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية (وفي رواية اخري الفلهوية بدل الهندية) مثل كتاب هزار أفسانه، وتفسير ذلك بالفارسية خرافة ويقال لها (أفسانه). والناس يسمون هذا الكتاب الف ليلة وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتها شهرزاد ودنيازاد) ثم جاء بعده محمد بن اسحق المعروف بابن النديم المتوفي سنة ٥٨٣ فقال في الفهرست: »أول من صنف الخرافات وجعل لها كتبا وأودعها الخزائن الفرس الأول، ثم أغرق في ذلك ملوك الاشفانية وهم الطبقة الثالثة من ملوك الفرس ونقلته العرب الي اللغة العربية وتناوله الفصحاء والبلغاء فهذبوه ونمقوه وصنفوا في معناه ما يشبهه، فأول كتاب عمل في هذا المعني كتاب هزار افسانه ومعناه الف خرافة.
    وكان السبب في ذلك أن ملكا من ملوكهم كان اذا تزوج امرأة وبات معها ليلة قتلها من الغد فتزوج بجارية من أولاد الملوك لها عقل ودراية يقال لها شهرزاد، فلما حصلت معه ابتدأت تخرفه وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل الملك علي استبقائها ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث الي ان اتي عليها الف ليلة.... رزقت في اثنائها منه ولدا اظهرته وأوقفت الملك علي حيلتها عليه فاستعقلها ومال اليها واستبقاها، وكان للملك قهرمانة يقال لها دنيا زاد فكانت موافقة لها علي ذلك، وقد قيل ان هذا الكتاب ألف لحميا ابنة بهمن«.
    ثم قال ابن النديم في موضع آخر: »والصحيج ان شاء الله ان اول من سمر بالليل الاسكندر وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه لايريد بذلك اللذة وانما كان يريد الحفظ والحرس، واستعمل لذلك بعده المارك هزار افسانه ويحتوي علي الف ليلة وعلي دون المائتي سمر لان السمر ربما حدث به في عدة ليال. وقد رأيته بتمامه دفعات، وهو بالحقيقة كتاب غث بارد الحديث«.
    فالرجلان كما ترون متفقان علي ان الكتاب منقول عن هزار افسانه الفارسي وانه موضوع في خبر الملك والجاريتين شهرزاد ودنيازاد وان اسمه في عصرهما كان الف ليلة لا الف ليلة وليلة »ولا عبرة بمجيء اسم الكتاب كاملا في الطبعة الحديثة المصرية لمروج الذهب فان ذلك من زيادة المصحح« ويختلفان في نسب البنت والجارية فيقول المسعودي ان شهرزاد بنت الوزير ودنيازاد جاريتها وهو الصحيح، ويقول ابن النديم ان شهرزاد من أولاد الملوك وان دنيازاد قهرمانة الملك، ويزيد ان الكتاب يحتوي علي الف ليلة وعلي دون المائتي سمر وانه ألف لحميا أوهميا أو حماني أو حمانة أو جمانة أو حماني علي اختلاف الروايات وهي بنت الملك بهمن بن اسفنديار.
    هاتان هما الوثيقتان الخطيرتان في تاريخ هذا الكتاب ولايوجد غيرهما فيما نشر علينا من كتب مؤرخينا القدماء اللهم الا اشارة الي وثيقة ثالثة مفقودة نقل عنها المقريزي في الخطط والمقري في نفح الطيب وعزواها الي مؤرخ مصري اسمه القرطي الف كتابا في تاريخ مصر علي عهد الخليفة العاضد الفاطمي ذكر فيه الف ليلة وليلة وقايس بين قصصه وبين مايتداوله الناس في عصره من الحكايات المشهورة. وفي هذا دليل علي ان الكتاب علي أي صورة من الصور كان معروفا في مصر علي عهد الفاطميين، وان اسمه كان اذ ذاك الف ليلة وليلة، وان عنصرا من القصص العربي قد دخل في هيكله. ثم تجاهله بعدئذ أدباؤنا ومؤرخونا فلم يحققوا مصدره، ولم يسجلوا نموه وتطوره، حتي جاء رأس المستشرقين البارون سلفستردسامي فبدأ البحث العلمي في أصله بمقالين نشرهما في جريدة العلماء Journal des savants أولهما في سنة ٧١٨١ والآخر بعده بإحدي عشرة سنة. وجملة رأيه أن الكتاب تأليف جماعة لاتأليف واحد، وانه مؤلف في العهد الأخير، وانه عربي الوضع من فاتحته الي خاتمته، ودفع قول المسعودي ان فيه عناصر اجنبية من الهندية أو الفارسية. فناقش ادلته قوم آخرون اشهرهم الاستاذ ٠يوسف ڤون هامر) الألماني فقد نشر في سنة ٩١٨١ مقالا في احدي المجلات الألمانية، وفي سنة ٣٢٨١ مقالا آخر في المجلة الآسيوية أيد فيهما رأي المسعودي تأييدا لا سبيل عليه لآخذ. وفي سنة ٩٣٨١ ترجم الاستاذ (وليم لين) الانجليزي قسما من الف ليلة وليلة وقدم له مقدمة حاول ان يثبت فيها ان الكتاب تأليف رجل واحد وانه ألف فيما بين سنتي ٥٧٤١ و٥٢٥١ للميلاد. ثم استأنف هذا البحث في هذا العصر طائفة من ثقات العلماء اشهرهم: كوچي وموللر ونولدكي واوستروب وكريمسكي وشوڤان وكارادفو، فاستجلوا علي قدر امكانهم ماغمض من أصل هذا الكتاب حتي أصبح من الممكن بعد تمحيص ما قالوه وتصحيح ما جهلوه ان نثبت في هذا الأصل رأيا يقارب الصواب ان لم يكن.

    »أصل الكتاب وطبقاته«
    أصل هذا الكتاب نواة من الأقاصيص الهندية والفارسية تسمي هزار افسانه ترجم الي العربية من الفهلوية في أواخر القرن الثالث للهجرة بعنوان »ألف ليلة« وهو الذي رآه المسعودي وانتقده ابن النديم. ثم تجمع حول هذه النواة في الأزمنة الواقعة بين القرن الرابع والقرن العاشر من الهجرة طبقتان طبقة بغدادية صغيرة وطبقة مصرية كبيرة. فأما النواة أو الأصل أو الاطار كما يسميه الباحثون فمؤلف من الحكايات الباقية الآتية: حكاية الملك شهريار واخيه شاه زمان وهي مقدمة الكتاب وحكاية التاجر والجني، وحكاية الأمير باسم وجوهر السمندلية، وحكاية اردشير وحياة النفوس، وحكاية قمر الزمان بن الملك شهرمان والأميرة بدور، وحكاية سيف الملوك وبديعة الجمال.
    وقد اختلفت كلمة الباحثين في أصل هذا الأصل كما ألمحنا الي ذلك من قبل، ففريق يري ورأيه الأرجح ان المقدمة وبعض حكايات الأصل هندية ويبني هذا الرأي علي المشابهة في الموضوع والطريقة والأسلوب، فأما المشابهة والموضوع فإن في حكاية الملك شهريار واخيه مشابه من »كاثاسارت ساجارا« الهندية. واما المشابهة في الطريقة فان ادماج حكاية في حكاية وتوليد قصة من اخري احدي خصائص الأدب القصصي الهندي وهي ملحوظة في قصة (مهابهاراته) و(بنجه تنتري) اصل كليلة ودمنة، لان الباعث الأول علي القصص في أدب الهند كان ايناء الفرصة واكتساب الوقت حتي يؤفك المتهور عن عزمه، ويحجز المتسرع عن وجهه، كما فعل الببغاء مثلا مع زوجة صاحبه في حكاية (سو كاسابتاتي) فقد كان يقص عليها كل يوم احسن القصص ليعوقها بلهو الحديث عن زيارة خليلها في غيبة حليلها ويقطع حديثها دائما بقوله: سأقص عليك البقية غدا اذا بقيت في البيت. وهذه الطريقة وذلك الباعث نجدهما في كثير من حكايات الف ليلة وليلة فلا نزاع اذن في انها الباعث نجدهما في كثير من حكايات الف ليلة وليلة فلا نزاع اذن في انها هندية. واما المشابهة في الأسلوب فان من لوازم القاص الهندي ان يقول: لاتفعل ذلك والا اصابك ما اصاب فلانا فيسأله السامع وكيف ذلك فيجيب القاص علي هذا السؤال برواية القصة. وهذا الأسلوب نفسه مستعمل في تلك الحكايات من الف ليلة، وقولهم فيها وكيف ذلك؟ ترجمة حرفية لهذه الجملة السنسكريتية (كاثام إتات) ثم يمضي هذا الفريق في تطبيق نظريته علي بعض الحكايات وينتهي الي ان هناك طائفة من الأقاصيص لاشك في انها فارسية وهي حكاية الحصان الأبنوس وحكاية حسن -
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  16. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    أندريه ميكيل
    غداة الليلة الأولى بعد الألف
    ترجمة: اسماعيل أزيات

    إلى إسماعيل كملو*

    في الصّبيحة التي أعقبت هذه الليلة الأولى بعد الألف ذائعة الصّيت ، آوى الملك إلى مختلاه،بعد أن نادى شهرزاد زوجة و ملكة إلى جانبه.كان يرغب في تذوّق الابتهاج اللاّ مثيل له الذي يمنحه الوئام مع النفس بعيدا عن ضجّة الحاشية،بعيدا عن جلبة الفرحة الصّاعدة من المدينة.سيُجدّد لشهرزاد،في غبطة تواجدهما وجها لوجه،امتنانه و إعجابه اللذين أتى على إظهارهما لها على رؤوس الأشهاد .
    شيء واحد ، مع ذلك ، يجعله غير راض ...
    [أنقر هنا لتكبير الصورة]
    -المحبوبة غاية الحبّ شهرزاد ، قال ، لن أكون حقّا مفعما بالرضى إلاّ حين تكشفين لي سرّاخفيّا : من أين تعلّمتِ ما استمعتُ له منك طوال هذه الليالي ؟ نوّريني ، أرجوك يا أنت التي تدرين كيف ينبغي لنا أن نتعلّم ؟

    - بكلّ إجلال أيّها الملك ، أجابت شهرزاد ، أوّل ما نتعلّمه بالضّبط هو أنْ لا شيء ندريه من تلقاء أنفسنا : الشعراء أنفسهم ، و حتى أكثرهم جنونا ، الذين يزعمون أنهم مؤتمنون على جزء صغير من القدرة الخالقة التي ، في الحقيقة ، لا تحق إلاّ لله وحده ، أقولُ ، الشعراء لا يحسنون عمل شيء إلاّ من خلال كلمات يتلقّونها من آخرين غيرهم . ها هنا ، أوّل تعريف للمعرفة : إنّها ميراث ، و لم أفعل شيئا من جهتي ، أيّها الملك ، سوى أن حدّثتك بما حفظتهُ .

    وأضافت شهرزاد بقليل من الإنبساط : « أضفيتُ عليها ، صحيح ، تارة هنا و تارة هناك ، لمستي الشخصية « . ثمّ بنبرة أكثر جديّة : « و إلاّ ، أيّ فائدة تبقى للمكتبات ؟ إنّها تصون ذاكرة كلّ ما يُفكّر فيه ، بل ما يُقال ، مهما كان ما يُدوّن قليلا ، فلا خلاص إلاّ بالكتابة . أنت بنفسك ، أيّها الملك ، أصغيتَ إلى هذا أو ذاك من أمثالك ، بمناسبة هذه الحكاية أو تلك و قد وجدها مليحة و مؤثرة يأمرُ أن تُستودع الأرشيف الرّسمي .

    -وسيكون الشأن نفسه معي ، قال الملك ، إذا رغبت يا شهرزاد في منحي حظوة أن تملي على نسّاخي كلّ ما رويته لي . أتعهّدُ بأكثر من ذلك : سأسهرُ على أن يبقى كلامك ، و قد أضحى نصّا ، حيّا على الدّوام ، سأجعلُ منه هذا النص المحفوظ ، المستنسخ قدر ما شاء له قدره حتى ينتقل من جيل إلى جيل ، لأجل مجد المملكة و الإنسانية جمعاء . لكنني لم أستنفدْ بعدُ تساؤلاتي .

    -كُلّي آذان صاغية ، أيّها الملك

    -أخالني أدركتُ الفكرة التي عبّرتِ عنها ، أنّ المعرفة إرث و ميراث لا جرم ، إلاّ أنّه يمكننا ،بل يجب علينا أن نضيف إليها .

    -هو الأمر كذلك أيّها الملك . كلّ كائن حيّ وُهب الكلام و العقل و الخيال ، عليه أن يضع لنفسه قاعدة أنْ يُتمّم ، أنْ يُحسّن ، أنْ يغني ، بل أن يُصوّب ، إذا لزم ، ما أسلمه إيّاه آباؤه . ماذا سيكون عليه
    إذن هذا الميراث إذا لبث على حاله ، هذا الحقل الذي لا يتوسّع ، هذا المسكن الذي ، بحجة عدم مسّه ، ندعه يؤول شيئا فشيئا إلى خراب ؟ الشعراء صدقوا ، على الأقل ، بما يخصّ هذا الموضوع : أنْ تتلقى أو تتلقف لا يحول دون أنْ تخلق أو تبدع ،ماذا أقولُ ؟ إنّه يوجبهُ و لو بإسم الوفاء .

    - لكن هذا الخلق ، شهرزاد ، أين علينا أن نذهب للبحث عنه إذن ؟

    -فينا ، بالطّبع ، أيّها الملك ، لكن شريطة أن لا نعتبر أنفسنا كونا مغلقا ، الكونُ نفسه يدعونا إليه من كلّ الجهات . الحكيم لا يلزمه أن ينغلق في محض معارفه ، بل دائما أن يواجهها بمعارف الآخرين ، و ليس فقط بأشخاص من موطنه أو من زمنه أو بالمتخصّصين في مذهبه العلمي . البحثُ هنا لا يبتغي أيّة حدود ، لا في التاريخ ، لا على الأرض ، لا في المعرفة ، و القاعدة الذهبية بهذا الصّدد هي البحث في لذة ما هو ناقص و غير مكتمل ،مثلما هي لذة مُحققة ، هي دائما مُتجدّدة .

    - من يستمع إليك ، يا شهرزاد ، يعتقد أنّ هذه اللّذة هي وحدها الحقيقيّة . لكن إذا كان البحث عنها يفضي إلى المجهول المحلوم به دائما ، كيف ستصير هذه اللذة ، بل أسوأ من ذلك :كيف ستمسي المعرفة ؟ الأفضل إذن تكرار قول هو مُرادف لخيبة أمل ، بل ليأس.

    -أقرّ ، أيّها الملك ، أنّ ثمّة حقيقة فيما قلتَ . مع ذلك ، اسمحْ لي بأن ألاحظ بأنّ لذة البحث تتشبّث بمسعاها أكثر من تعلّقها بمحتواها . لنرجعْ إلى الشعراء : لمّا أحدهم يقرّ بما نحن نسلّم به ، يأتي بالجديد ، أين يقيم هذا الأحد ؟ في الحقيقة ، هو و رفقاؤه ، منذ أن صار العالمُ عالما ، لا يأتون عملا آخر سوى التساؤل حول مصيرنا و حول موضوعات الحبّ ،السعادة أو الشجن ، الدنيا ، الموت و الماوراء التي لا تتغيّر . إنّ أصالة شاعر لا تكمن في الكيفية التي يعثر و ينظم بها كلماته لمنح إضاءة جديدة لأبدية السّؤال عن أصولنا ، عن كينونتنا و عن مآلنا . إنّ قيمة شاعر ما ليست هي الماذا ، بل الكيف ؛ نصيبُه غير القابل للتقادم هو صوتُهُ .

    -لم يبق لك، يا شهرزاد ، سوى القليل لتسقطي في السّهولة : راضون جدّا هؤلاء الشعراء !
    لنعدْ ، إذا شئت ، إلى صميم موضوعنا ، إلى المعرفة في معناها الأكثر شمولا . لذة ، أصالة ، كلّ هذا جميل ، لكن ، ربّما في ذلك حبّ للذات نوعا ما ، أليس كذلك ؟

    - صحيح : العديد ، العديد يكتفون بذلك . لندعْ جانبا ما يناسبُ أن نسميّه بالمعارف التي لا يبلغها إلاّ المطلعون على الأسرار . إلاّ أنّها أبعد من أن تستنفد المعرفة و هنا موطن الدّاء . كلّ ما يمكن أن يدركهُ الذكاء الأكثر مألوفية عليه أن يُنقل و يُبلّغ : المعرفة تكفرُ،إذا لم تُقتسم ، العالِمُ يكفرُ إذا لم يكن سوى متحذلق .يجب إذن الحرص على أن نقولها ، على أن نكتبها : ما إنْ ينخرط الكلام أو تنخرط الريشة في اللعبة ، يلزمُ أن نحتفظ ماثلا في الذهن أنّ الكلمات وُجدت لتكون حالما تُقال أو تُكتب ، تُستقبل . هل تمرّ جميعها ؟ ليس دائما بالتأكيد ، لكن سيبقى منها ، في كلّ الأحوال ، آثار ما و هذا التقاسمُ نفسه هو كذلك لذة .

    - كيف لي أنْ لا أهواك ، شهرزاد ؟ حسبي منك برهانان : مثلما أنت ذكيّة ، أنت جميلة .
    و مع ذلك بقي من هذه الليالي الطّوال ما لا أدري من سرّ خفيّ لم أتوصّل إلى كشفه ، نعم سر خفي ... تستطيعين أن تقولي لي ما هو ؟

    -أنا صغيرة السنّ ، في ريّق العمر ، أيّها الملك ، لكن من كلّ الأشياء التي تعلّمتُها ، كنتُ أعلمُ أنّ لذة الحبّ تنضبُ ، و قد وصلتُ إلى هذا الحدّ ستقتُلني . لحسن حظي ، كنتُ أعرفُ أيضاأنّ هناك لذة أخرى هي لذة المعرفة وأنّ هذه لا تجفُ إلاّ مع موتنا الخاص . منذ اللحظة التي أعطيتك إيّاها ، منذ اللحظة التي كنتَ تتلقاها ، كنتَ ملكا لي و إلى الأبد .

    هامش :

    أهدى عبد الفتاح كيليطو محكيّه الأخير Dites _ moi le songe إلى « إسماعيل « (ص9) ، غير أنّ هذا الإهداء اختفى من الترجمة العربية « أنبئوني بالرؤيا « التي أنجزها عبد الكبير الشرقاوي . هل هذا التغييب هو سوء تقدير من الناشر ( دار الآداب ) ؟ هل هو ناتج عن سهو أم هو أمر مقصود: مِن قبل مَنْ ؟ المؤلف أم المترجم ؟ لا ندري . هذا لغز آخر ينضاف إلى الألغاز الأخرى التي تكتنف هذا النص السردي العميق و المُقلق ! ( المترجم )


    المصدر :
    Biblia , Vox Poetica . 2009
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  17. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    ممدوح فراج النابي
    نِسَاءُ أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ.. وَدَعَواتُ التّحَرُّرِ مِنْ الذّكُوريّةِ

    أثار رد الفعل المستهجن الذي نتج عن قيام " محامون بلا قيود!! " – حركة مصرية - ( لاحظ التناقض في الاسم!! ) بالمطالبة بمصادرة كتاب ألف ليلة وليلة بعدما أعادت هيئة قصور الثقافة طبعه مرة ثانية ومحاكمة من سوّلت لهم أنفسهم بنشر الرذيلة من خلال إعادة طبع ونشر الكتاب من جديد ، ردودَ فِعْلٍ غَاضِبةٍ من قبل المثقفين العرب ، حيث اعتبروا إقامة الدعوة الجنائية هو عودة لعصور الحسبة والظلام ، التي مازال يعاني من خفافيشها الدكتور نصر حامد أبو زيد . كان مبعث الغضب ليس الدعوة فحسب ، ففي كل يوم يتعرض أدباء وأعمالهم في الوطن العربي – برمته - للمصادرة أو المنع ، وإنما كان مبعث الغضب ، كيف لعقلية تعيش رهن عصر غَلَبَتْ عليه ثقافة سريعة ولاهثة ، وفي الوقت ذاته ثقافة إجبارية ، فالذين طالبوا بمنع ونشر الكتاب ، ألا يعلموا أنهم بمجرد الدخول لعالم الشبكة العنكبوتية يُتَاح لهم أكثر مما كُتب في ألف ليلة وليلة ، بل إن هناك مواقعًا تحمل اسم الكتب الممنوعة . لست في حاجة لمناقشة ردود الفعل الغاضبة لمثل هذا التصرف ، ولكن أنظر للموضوع من جهة مخالفة ، حيث أدعو هؤلاء الرافضين والمتمردين على الألفاظ الخادشة ؛ لتأمل الرؤي والأفكار التي طُرِحَتْ في هذا الكتاب الذي يملأون أفواههم بالمطالبة بمنعه ، وحبس مَنْ يسعى لنشره ، وكيف أنها كانت كلها أفعال مضادة لأفعال الوصايا التي فُرضت من قبل الذكورية ، والتي هي تطالب بمنعه .
    أغلب من نظر إلى هذا الكتاب ( سواء في الشرق أو في الغرب ) نظر إلى التحرر الجسدي فقط ( وهذا ما حدث عندما تُرِجم إلى اللغات الأجنبية ، فالناشر وضع صورة إمرأة تبض بالشهوة والإغواء ، كما إن ناشره باللغة الإلمانية سمّاه "المتعة في ألف ليلة وليلة" ، في دلالة مباشرة لإباحيته المفرطة )، دون النظر لعقلية شهرزاد ودهائها في خداع الملك بالحكاية دون تمرير فُرصةٍ شهوة انتقامه التي استمر عليها منذ الحادثة المشئومة ، وكيف أنّ المرأة الممثِّلة في صورة شهرزاد استطاعت أنْ تُرَوِّضَ الرجل القوي ، وتُحِدَّ من شراسته وغواياته، وتجعل حكاياتها مصدرًا للرغبة والطلب ، لا جسدها رغم أن شهرزاد في بعض حكاياتها كانت تُصَوِّر المرأة كمصدرِ غوايةٍ وافتتانٍ حتى من الجن (راجع حكاية الأمير شاه زمان ، وكيف أن العفريت دهنش قد هام ببنت الملك الغضريف ، وكذلك هامت الجنية ميمونة ابنة الدمرياط ملك الجن بشاه زمان) ، وفي بعض الأحيان تجد المرأة القوية الذكية الجميلة التي تكون مطلب الخلفاء والوزراء ليس لجمال جسدها فقط ، بل لرجاحة عقلها ، فكثيرًا ماجَسّدَتْ الليالي هذه الصورة للمرأة ، وتنافس الولاة والوزراء على اقتناء مثل هذه الجواري . لاحظ حكاية الجارية تودد مع الخليفة هارون الرشيد (1)، وكيف أنها استطاعت برجاحة عقلها وعلمها الفيّاض ، أن تحصل علي ما تريد من الخليفة ،فهي تعرف
    " النحو والشعر والفقه والتفسير واللغة ، "..." و فن الموسيقي والقسمة والمساحة ، وأساطير الأولين ، ... والقرآن الكريم ..[ بقراءته ] السبع والعشر وبالأربع عشرة ، .. وعدد سوره وآياته وأحزابه وأنصافه وأربعاه وأثمانه وأعشاره وسجداته وعدد أحرفه ..، وما فيه من النسخ والمنسوخ والمدنيّة والمكيّة وأسباب التنزيل ، .. والحديث الشريف ورواية المسند منه والمرسل ،.. وعلوم الرياضة والهندسة والفلسفة وعلم الحكمة والمنطق وعلم المعاني والبيان ...........إلخ..."(2) . واستطاعت بهذا العلم وتلك المعرفة التي تحدّت بهما أرباب العلوم في عصرها من فقهاء وأساطين عصر الرشيد ، كما كانت ماهرةً في لَعِبِ الشطرنج ، والنرد ، فَدُهِش الخليفة هارون الرشيد بمهارتها الفائقة في كافة العلوم والألعاب ، وطَرِبَ لذلك فأمر بإحضار المال ، وإعطائه لمولاها مائة ألف دينار ، وقال لها يا " تودد تَمَنِّي عليَّ ؟ قالت تَمَنَّيْتُ عليكَ أنْ تَرُدَّني إلى سيدي الذي باعني ، فقال لها : نعم ، فردها إليه وأعطاها خمسة آلاف دينار لنفسها، وجعل سيدها نديمًا له على طول الزمان، وأطلق له في كل شهر ألف دينار وقَعَدَ مع جاريته تودد في أرغد عيش "(3) . هكذا استطاعت شهرزاد أن تستخدم أجنحتها للحد من غواية القتل للمرأة حتى تصل إلى الليلة الألف فيحدث العفو ليس لها ولكن لبني جلدتها من النساء قاطبةً .
    لكن رسالة شهرزاد السياسية ماذا حصل لها ؟ ، لم يبحث عنها أحد . المفارقة التي لم ينتبه لها أحد أن شهرزاد التي رحلت إلى الغرب عبر الترجمة على يد الفرنسي " أنطوان كالاند" الكاتب الخاص في السفارة الفرنسية عام 1704 . الرسالة نستخرجها من هذه الحكايات بشبقها وألفاظها الخادشة ، أن شهرزاد المرأة الشرقية ( موطنها بلاد فارس ) استطاعت أن تخرج من إطار الحريم الذي وُضِعَتْ فيه كحكّاءة للملك وسَمِيرة لمجلسه ، بل تعدتهما لأن تتجاوز حكاياتها الملك نفسه وغرفة النوم التي تتم في إطارها الحكايات ، إلى فضاءٍ عامٍ واسعٍ وشَاملٍ يَتَجَاوزُ حُدُودَ المكانِ ، فالمرأة التي تخطت الأخبية التي وضعت لها ( مجلس الملك وعلي سريره ) ، انتقلت وتجاوزت لا بصورتها وعريها كما دَأَبَ الفنانون تصويرها به أو تزيين الكتب بها ، أو حكاياته الجنسية وإنما بشهوة الكلام التي روّضت الملك نفسه بها من قبل ، فبالكلام استطاعت شهرزاد أن تتحدّى الموت والخوف ، فهي ضحّت بنفسها ، وراهنت على الانتصار، من أجل ذاتها ومن أجل الآخرين ( وهذا ما لم تفطن إليه المرأة في العصور الحديثة ، فالرجل هو الذي نادى لها بمطالبها(4) ( لاحظ ما فعله قاسم أمين "1863-1908م" في كتابيه تحرير المرأة 1899والمرأة الجديدة 1901) وإن كان سبقه في هذه الدعوة رفاعة الطهطاوي" 180-1873 " بعد عودته من باريس ليكون إمامًا لفرق الجيش هناك ، ففي سفره العظيم " تخليص الإبريز في تلخيص باريز "1834 م . ثم اللغات من بعد بقبول ترجمتها ، فما تُرجم هو كلام مروي بلسان شهرزاد . إذن المرأة كما رسمتها الحكايات تمتلك من المقومات التي تُسَوِّق لها أفضل من جسدها .
    وتجدر الإشارة إلى أن واحدة مثل فاطمة المرنيسي الكاتبة المغربية وأستاذة علم الإجتماع ، استطاعت أن تقرأ الحكايات قراءة واعية ، وتأخذ منها الدروس في حياتها منذ أن كانت جدتها ياسمين تحكي لها هذه الحكايات وهي صغيرة ( راجع كتابها : نساء على أجنحة الحلم ، وشهرزاد ترحل إلي الغرب ) . هكذا خَلَقَتْ المرنيسي من حكايات الليالي التي كانت تحكيها لها جدّتها ياسمين ، باعثًا جديدًا لاكتشاف قوي المرأةِ الكَامنةِ والتي لا يراها الرجلُ . فالرجلُ لا يري فيها سوى كائن ضعيف . فصارت الحكايات بمثابةِ المرآةِ الجديدةِ التي نظرت فيها المرأة ، فاكتشفت أخري غير تلك التي يريدها الرجل مهمشّة ومقصية بل قوية ، تحدت سلطة السيف بشهوة الكلام ، وتري المرنيسي أن تحويل غرائز مجرم ، يستعد للقتل عن طريق الحكايات ، انتصار رائع ، ومن ثم تطلب من شهرزاد أن تمتلك " ثلاث مزايا استراتيجية ، أولهما تتمثل في معرفتها الواسعة ، وثانيتهما تتجسد في قدرتها على خلق التشويق قصد شدِّ انتباه المجرم ، أما الثالثة فهي هجوؤها ؛ أي قدرتها على التحكم في الموقف رغم الخوف ..."(5). وإذا كانت شهرزاد الحكَّاءة تتمتع بهذا الذكاء ، فكذلك نساء الليالي ليس كلهن جواري يرتمين في أحضان من يدفع ثمنها للتاجر ، وإنما كانت هناك النساء ذات الحجال الراجحة ، والحافظة للقرآن وللشعر والعازفة للعود والملمة بضروب الغناء ومقاماته ، فجعلت من الرجال المتهافتين على جسدها ومصدر فتنتها ، يهيمون حبًا في عقلها ويقتتلون بسبب الفوز بها(6).
    *****
    المعني الأخر الذي نستشفه من شخصية شهرزاد وحكاياتها التي استمرت أكثر من ألف ليلة وليلة ولم تنتهِ بمقتل شهرزاد الرّاوية بل إنجابها ابنًا من ملك الفرس ،
    ( الإنجاب في حد ذاته خَلق وحياة جديدة) . معني يجعل من المرأة مٌنْتَصِّرة على الرجل في حَلَبَةِ الصراع التي يتصارع فيها الطرفان ، ودومًا تكون المرأة هي الخاسر والمجروح . لكن هنا في الليالي تقول المرنيسي أن شهرزاد انتصرت ليس فقط لهولاء النسوة اللاتي قَتَلَهنّ الملك في نظير انتقامه مِنْ فِعْلِ الخيانة الذي مارسته زوجته مع عبده مسعود ، بل انتصرت على رجال اليوم الذين يَحْصِرون المرأة في جسدها ، وكيف قَهَرَتْ الملك واستلَّبتْ عقله ، وجعلت نفسها الوصية على عقله ، بل صار أسيرًا لحكاياتها ، ومن فِرْطِ إعجابه بهذه الحكايات ، كان يُرْجِئُ قتلها حتي تنتهي حكاياتها ، لكنها استعملت عقلها فأطالت الحكايات وتعمدت الحكي ذا التأثير الذي يجعل الملك يشغفل بسماع بقية الحكاية التي توقفت بسبب إدراك شهرزاد الصباح ، وما نتج عنه – بعد ذلك - من عفو عنها ، وعفو عن جميع نساء جلدتها .
    لكن في الجانب المقابل أجابت الحكايات على السؤال المُعلَّق حتى اليوم ،عن عَلاقة الرجل بالمرأة ؟ والتي أجابت عنه شهرزاد في رسالة ذكية لكلِّ رجلٍ في حكاية حسن البصري ، بأن المرأة لا تستطيع أن تعيش في أخبية يَصْنَعُها الرجل ، فتمردت المرأة على هذه الأخبية في صورة حبيبة / وزوجة حسن البصري ذات الكسوة الريش والتي تزوجها حسن وأخذ كسوتها ووضعها في صندوق تحت الأرض حتى لا تَعْثُرُعليه وتطير ، فحسن هذا المحب رغم أنه أخذ احتراسه وحذره من هروب زوجته إلا أنه نسي ، ما يُمَثِّلُه جانبُ الفِقْدِ واللوع بالهجر ، فكان يسافرُ كثيرًا في التجارة لتزدادَ أمواله ، ويترك زوجته غير مباليًا بعواطفها وحرمانها . ورغم تأكيداته على أمه بألا تَغْفِلَ عن زوجته فتهرب ، ومع هذا وقع المحذور، وتمردتْ الزوجة وكان أول أشكال التمرد بَحْثُهَا عن كسوتها الريش ، وما أن وجدتها حتى راودها الحنيين لتعود لطبيعتها الأولي ، وبالفعل تَهْرَبُ بابنيها " ناصر ومنصور"، بعد أنْ تَركتْ رِسَالَةً لِحَبِيبِهَا مفادها "والله يا سيدتي يا أم حسن إنك سوف توحشينني ، فإذا جاء ولدك وطالت عليه أيام الفراق واشتهى القرب والتلاق ، وهزته رياح المحبة والأشواق فليجيني إلى جزائر واق الواق ، ثم طارت هي وأولادها ..........." (7)
    الرسالة التي أرادت شهرزاد أن ترسلها لم تجد منْ يَسْتَقَِبلِهَا ، رغم أنّ أولَ طبعةٍ لهذه الحكايات كانتْ في بولاق بالقاهرة عام 1834، ومع هذا فحسن في الحكاية فَطِنَ إلى الرسالة وبَحَثَ عن زوجته وأولاده ، وانتهي بهم الحال كما أخبرتنا الحكاية " في ألذ عيش وسرور")8)، فما كانت تريده الزوجه فعله حسن البصري لذا عاشا سعيديْن ، أما الرجل / الرجال الذي قرأ/وا الحكاية فلم يصل/وا لمغزى رسالة الزوجة التي تمردت على خباء حسن ، ومراقبة أمه لها ، وعادت إلى طبيعتها / الحرية دون قيود ، وليس من المصادفة أن يكون للزوجة في الحكاية جناحان من ريش ، فهما رمزان للحرية وكسر التقاليد والجمود ، ومقاومة الذكورية ، إذا ما وُضِعَتْ المرأة في هذا النطاق من الحصار . ولهذا يأتي المثل الدارج الذي يشير إلى كسر جناحي المرأة في ليلة الزفاف "إذبح القطة لها قبل أن تذبحها لك" في دلالة بالغة إلى رغبة الرجل إلى وضع الزوجة / المرأة في خباء ، دون ان يفهم طبيعة هذه المرأة التي ربما تكون مسالمة بطبعها ؛ لكنها الأعراف التي فرضت عليه الوصاية والذكورية ضد كل ما هو أنثوي ؛ لمجرد إعلاء ذكوريته ليس إلا .
    الرسالة الوحيدة التي استقبلتها الذكورية من هذه الحكايات التي دامت لأكثر من ألف ليلة ، أي ما يقرب من ثلاث سنوات ، هو ما تحفل به هذه الحكايات من جنس وشبق وعربدة، والتي جعلت الأصوليين منهم يمنع نشر وتداول هذه الحكايات واعتتبارها ، حكايات مُحرِّضة على الرزيلة . دون أن يأخذوا منه الرسالة الحقيقية الكامنة / المسكوت عنه وراء الحكايات ، والمستترة خلف العري والبغاء والشذوذ ، الذي تمتلأ بها الحكايات . وحكاية حسن البصري وزوجته واحدة من ضمن حكايات الكتاب ، وبالمثل لو توقفنا عند حكاية الأميرة بدور ابنة الملك الغيور، وكيف جمّعت الجنية ميمونة ، والعفريت دهنش بينها وبين زوجها قمر الزمان الذي كان رافضًا الزواج ، فألقيا المحبة بينهما ، وما أن التقيا تزوجا حتى أغدق أبوها عليه المال وقلّده المناصب الرفيعة ، لكنه حنّ لرؤية أبيه فاستئذن الملك بأن يعود بزوجته ، وما أن حاول أن يفك سروالها حتى خرج طائر فهام خلفه وتاه ، تاركًا الزوجة في الخيمة ، وما أن استيقظت وجدت نفسها وحيدة ، فراحت تتدبر أمرها وبالفعل قالت محدّثة نفسها "إن خرجت إلى الحاشية واعلمتهم بفقد زوجي يطمعوا فيّ ، ولكن لأبد من الحيلة "(9)، هكذا هي الأخري لجأت للحيلة لتفادي مأزق غياب الزوج فـ " لبست ثياب قمر الزمان ، ولبست عمامة كعمامته ، وضربت لها لثامًا وحطت في محفتها جارية ، وخرجت من خيمتها وصرخت على الغلمان ، فقدموا لها الجواد فركبت ، وأمرت بشد الأحمال ، وأخفت أمرها لأنها كانت تشبه قمر الزمان .." (10)
    نحن أما عمل أدبي رصين مشفر بدلالات أعمق من تلك التي ينظرون إليه علي أساسها ، يحتاج إلي قراءة واعية بصيرة بفك الشفرات ورد الدوال إلى مدلولها ، ولكن قبل هذا يلزمنا عقلية مرنة أكثر رحابة



    الهوامش:
    • هذا جزء من دراسة طويلة عن الخطاب النسوي ونماذج التحرر في أدب فاطمة المرنيسي .
    - ذكر المؤرخون أن الخليفة هارون الرشيد اقتني أكثر من ألفي جارية من بلاد غريبة – تعرضت للغزو - بعضهن يجيدن الغناء ، ولكي تجيد الغناء كانت يتحتم عليها الخضوع لتكوين صعب " فإلي جانب التقنيات الصوتية والآلية ، يجدر بهن اتقان اللغة العربية وبنائها النحوي المعقد " . وكانت الجارية " فضل " المحلية الأكثر حظًا منهن ، لما تتمتع به من ثقافة ومعرفة ، وكان يجب على هؤلاء الجواري الغربيات أن ينافس فضل المحلية ذات المكانة العالية عند الرشيد . راجع في هذا :" عصر ذهبي :: هارون الرشيد .. الخليفة الفاتن " ، فاطمة المرنيسي ، ترجمة : سعيد بو خليط ، جريدة العرب الأسبوعي ، عدد السبت 31-10-2009، ص 22.
    2 - راجع حكاية الجارية تودد في الجزء الثالث ، بدأ من الليلة 440 من ص: 230 ، إلى الليلة 466، من ص 270 ، مرجع سابق.
    3 - السابق نفسه : ص 270
    4 - باستثناء هدى شعراوي "1893-1948" ،الرائدة النسائية، فهي المرأة الوحيدة التي يمكن القول أنها تمردت علي أخبية الرجل فخرجت في مظاهرات في عام 1919 ، ونادت بحق المرأة في الانتخاب مثلها مثل الرجل يوم صدور حق التصويت في الانتخابات ، وأيضًا طالبت النساء بخلع حجابهن في خطوة سابقة لتحرر المرأة ، حتى من خباء الحجاب الذي صار بالنسبة لهن بمثابة القيد الذي يعيق
    5 - فاطمة المرنيسي : " شهرزاد ترحل إلى الغرب " ، ت فاطمة الزهراء أزرويل ، المركز الثقثافي العربي ، دار نشر الفنك ، ص 65.
    6 - راجع حكاية الملك محمد بن سليمان الزيني ، ووزيريه المعين بن ساوي ، والفضل بن خاقان ، مع الجارية التي طلبها الملك ، بحيث لا يكون في زمانها أحسن منها: حميدة الخصال، كاملة الجمال ، فائقة في الاعتدال ، وما أن عثر الوزير الفضل بن خاقان
    علي هذه الجارية حيث كانت " تعلمت الخط والنحو واللغة والتفسير وأصول الفقه والدين والطب والتقويم والضرب بالآلات المطربة " ، راحع الحكاية في الليلة الخامسة والأربعون حتى الليلة الخامسون " من ص : 138 إلي ص : 217.
    7 - ألف ليلة وليلة : المجلد الرابع ، الليلة 750 -751، ص 36 ، طبعة بيروت
    8 - السابق نفسه : ص 36.
    9 - السابق نفسه : ص 271.للمزيد من حكاية قمر الزمان والأميرة بدور راجع ألف ليلة وليلة ، الجزء الثاني ، الليلة 173 إلى الليلة 237. من ص 215: ص 323.
    10 - السابق نفسه : ص 271.
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  18. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    فاطمة المرنيسي
    هارون الرشيد.. الخليفة الفاتن
    ترجمة: سعيد بوخليط

    كلما فكّرت في الحريم، يحلق خيالي اتجاه القرون الأولى من تاريخ الإسلام. بعد موت الرسول محمد، صلى الله عليه وسلّم، في السنة الحادية عشرة هجرية "632 ميلادية".

    تعاقبت دولتان على حكم العالم الإسلامي: الأمويون "661-750" وعاصمتهم دمشق، ثم الدولة العباسية "750-1258" التي اختارت بغداد مركزا لحكمها. لا يقل، عن 51 خليفة حكموا خلال هذه الحقبة الزمانية، إلا أن الاسم الذي يقفز إلى ذهني من بينهم جميعا، هو هارون الرشيد. اسم، جعل العرب يحلمون منذ القرن التاسع.

    يتمثل أحد عوامل ذلك، في مزجه السحري بين خصائص فيزيائية وذهنية، اتصف بها: كان هارون الرشيد شابا وسيما، رياضيا، ذكيا، وأيضا مثقفا جدا له طموحات كبيرة على المستوى العسكري. تميز، بخبرة حربية وقدرة عظيمة على ممارسة شؤون الحكم. لكن، مع كل ذلك يبدو بأنه كان عاشقا كبيرا. لم يزعجه الوقوف على انكساراته حينما يتحول إلى عاشق.

    يمارس حبه، بنفس التوقد الذي يظهره على جبهات المعارك، ويعبر إراديا عن الأحاسيس التي تلهمها إياه عشيقاته. بل ذهب به الأمر إلى غاية الاعتراف، بأن رجلا مغرما قد يجازف بافتقاد سلطته أمام النساء. هذا الاعتراف بالضعف، يعدّ أحد أكبر مفاتنه. من منكم، لم يصبه رعب التحوّل إلى موضوع للسخرية، حينما يكشف عن حبه لامرأة، لا تبادله أي شعور. ثم، يقف بطريقة متضايقة متجمدا خلف تجاوزاته؟ هارون الرشيد، لم يرهبه الوقوع في مثل هاته الوضعيات الحساسة.

    تظهره حكاية استلهمته في كتاب "ألف ليلة وليلة"، مثل زوج تعيس خدعته وخانته جارية خائنة، قامت بإغراء أحد موسيقييه الخصوصيين كان يمر في الشارع. هكذا دعته للالتحاق بها، ولتسريع الأمور ألقت له بسلّم من نافذة القصر كي يتسلق.

    ولد هارون الرشيد يوم 16 فبراير 766 "146هجرية" براي –Rayy-، المدينة الفارسية التي لازالت أطلالها قائمة إلى يومنا على بعد كيلومترات من جنوب طهران الحالية. وحسب كل الشهادات، كان جميلا دون أن يجعله ذلك سطحيا أو مزهوا. إنه في جميع الأحوال خليط نادر للبحر الأبيض المتوسط. مؤرخو الحقبة ـ أغلبهم رجال ـ وصفوه كما يلي: "لون جلده فاتح جدا، طويل، يشع منه وقار كبير وفصاحته تبهر. كما أنه ضليع في العلوم والأدب". كان يظن بأن رشاقة الجسد تتعلق بتلك التي للفكر، وبالتالي تعهد بنمو أحدهما وكذا الآخر.

    يعتبر هارون الرشيد "أول خليفة حوّل إلى معطيات جماهيرية، ألعاب البولو، ومباريات الرماية بالقوس، ثم كرة المضرب، ويقدم مكافآت للمتفوقين في هاته التخصصات الشعبية. كان أول خليفة عباسي مارس لعبتي الشطرنج والنرد. ويبدي إعجابه اتجاه أمهر اللاعبين مع منحهم تعويضات. بهاء ورخاء حكمه، جسد ما يسمى في تلك الحقبة "الأيام الذهبية". لكن، لو اكتفى هارون الرشيد بكونه فقط لاعبا ممتازا في الشطرنج، فسيُنسى بسرعة كما هو حال اليوم أغلب أغنياء البلدان البترولية المنغمسون في الملذات. ذلك، ما أدركه الخليفة وهو يتوقف عن اللعب للانكباب على العمل.

    تعتبر كلمة "وسط" مدخل أساسي للحضارة العربية، وهي تدل على الطريق المعتدل بين طرفين نقيضين. لقد، تعلمنا منذ الطفولة الحفاظ على التوازن بين العقل واللذة، الفكر والجسد. وعلى النقيض من المسيحية التي فصلت بشكل قاطع بينهما، من خلال التسامي بالفكر مقارنة مع الجسد، تميز الإسلام بموقفه الكوني المتوازن جدا. لم يقف هارون الرشيد، عند حدود الاعتناء بملذاته بل: "يؤدي بانتظام واجباته كحاج بالموازاة مع خوضه لحرب مقدسة. فقد شيد آبارا وصهاريج وكذا مآوي على امتداد الطريق المؤدية إلى مكة "...". عمل، على تعزيز الحدود، وتعمير كثير من الحواضر،وتحصين مدن عدة، أنجز مشاريع هندسية لا تحصى، كما شيد منازل للضيافة.
    إن الحاكم الجيد، يضع مصلحة شعبه في مقدمة اهتماماته ولا يتردد في فتح خزانة ماله قصد مساعدة أصحاب الحظ السيء: ""سنة 189 "810 ميلادية"، أدى فدية عن الأشخاص الذين وقعوا أسرى عند الرومانيين "البيزنطيين"، بحيث لم يعد لديهم أي مسلم أسير. بل وحتى هذا لا يشفع إعادة تولية الخليفة عبر القرون، فمن الضروري أن يكون قائدا حربيا كبيرا: "سنة 190، تمثّل من جديد هيرقليس فانتشرت قواته على كل الأراضي الرومانية"، تلك، معركته ضد العالم المسيحي، تحول معها إلى بطل إسلامي. لقد، ردد تلاميذة جيلي رسالته الشهيرة إلى الإمبراطور البيزنطي "نيسفور" "Nicéphore": ""بسم الله الرحمن الرحيم، من خادم الله، هارون الرشيد، أمير المؤمنين إلى نيسفور كلب الرومان. حقا، فهمت تعابير رسائلكم ولديّ جوابكم. لن تسمعوه، ولكنكم سترونه بأعينكم". وبالفعل، سيجد "نيسفور" أمامه جيشا متحركا. يحيل موضوع هذه الرسالة على معاهدة وقعت عليها الإمبراطورة إيرين "882-797" أمّ نيسفور وذلك بعد غزو هارون لبيزنطة. سيرفض، الإمبراطور الجديد بعنف مضمون الوثيقة، فكتب إلى الخليفة: "من نيسفور ملك الرومان إلى الرشيد ملك العرب، ما يلي: هذه المرأة رفعت شأنكم وكذا أخوكم وأبوكم إلى رتبة ملك، وانحدرت هي إلى صف الرعية. أما، أنا فسأعيدكم لموضعكم وسأغزو أراضيكم ومدنكم إذا لم تسددوا ما أدته لكم هاته المرأة. الوداع". اشتد الغضب بأمير المؤمنين، بحيث قرّر قيادة جيشه بنفسه وعدم التراجع قبل تحقيق انتصار شامل: "توغل الرشيد داخل الأراضي الرومانية دون توقف. يقتل، يسلب، يغنم، يحطم، ويقضي على الأقوياء إلى غاية وصوله الطريق الضيقة التي تفضي إلى القسطنطينية. لكنه سيكتشف بأن "نيسفور" قطع الأشجار واعترض بها الطريق ثم أشعل
    النار فيها "...". بعث "نيسفور" إلى الرشيد بمجموعة هدايا واستسلم بإذلال، ثم أدى ضريبة الجزية عن نفسه وعشيرته".

    لكن أيضا، لو بقي هارون الرشيد مجرد محارب، فلن يظل عالقا بالذاكرة. بل، يتجلى الأمر في قدرته على وقف المعركة والابتهاج بالحياة ثم الالتفات إلى ملذاته المرهفة والشبقية. والتي جعلت منه بطلا حقيقيا. لقد كرّس لها شبابه "كان يبلغ من العمر 21 سنة حين توليته العرش، وتوفي عن سن 42 سنة".

    هذا الوجه الرومانسي لشخصيته، أخذ صورة خالدة جراء الروايات الكثيرة التي تداولها الحكواتيون العموميون ببغداد، وهم يكتشفون باستمرار "ألف ليلة وليلة".

    المرأة الأولى، التي أحبها هارون الرشيد وهو في سن السادسة عشرة، كانت ابنة عمه زبيدة، أميرة متكبرة. تم، الاحتفال بزواجهما داخل القصر الأسطوري المسمى: "الخلود". يقول، ابن خلدون أحد مؤرخي الفترة الأكثر اتزانا: "لقد تقاطر الناس من كل الأمكنة. وبهذه المناسبة وُزعت مبالغ مالية لم يشهد لها الإسلام من قبل مثيلا". كثيرة هي الوثائق، التي تطرقت إلى تفاصيل شغف الرشيد بزبيدة والبذخ الذي أحاطه بها.

    يروي المسعودي: "لقد كانت الأولى التي تناولت الطعام في أواني من الذهب والفضة، تزينها أحجار نفيسة. الملابس الأكثر نعومة بالنسبة إليها، تلك التي نسجت بحرير متعدد الألوان يسمى "واشي" حيث مقياس واحد يساوي 50 ألف دينار. هي، الأولى التي اصطحبتها حراسة تتكون من ذكور تعرضوا لعملية خصاء وعبيد يصطفون بجوانبها يمتثلون لأدنى أوامرها ويطبقون إشاراتها. هي، الأولى أيضا التي استعملت محملا فضيا من الأبنوس وخشب الصندل، مع أقفال من الذهب والفضة. ابتكرت موضة النعال المزركشة بأحجار ثمينة وكذا المصابيح ذات الإنارة الرمادية، وهي نماذج ستنتشر داخل كل البلد".

    على الرغم من خيلاء زبيدة وعشقها للترف، فقد أظهرت اهتماما كبيرا بالوسط ومعطيات التمدن: بالتالي، كانت مصدر إلهام بناء الأحواض المتواجدة على الطريق الرابطة بين بغداد ومكة، من أجل تسهيل السفر إلى الحج. بخلاف، المؤرخين العرب المعاصرين، الذين يبغضون النساء وتعميهم نزعتهم المحافظة، فإن نُظرائهم إبان العصور الوسطى، لم يجدوا أية مفارقة بين زوجة للخليفة، بقدر ما هي جميلة ومتغنجة، تخوض أيضا في القضايا العمومية وتهتم بوقائعها الدقيقة.

    تعلُّق هارون الرشيد، بزبيدة، لم يمنعه حينما تبوأ العرش أن يضع رهن إشارته جواري، من كل بقاع العالم: "جاء في شهادة لأحد كُتّاب الأخبار: "توفرت للرشيد ألفي جارية بعضهن يتقنّ فن الغناء "..." لكن أغلبهن يتزينّ بالجواهر". ولأنه في هذه الحقبة، لا يمكن لمسلم أن يستعبد مسلما آخر "وهو ما لم يحدث أيضا بعد ذلك" فأغلبية الجواري قدمن من بلدان تعرضت للغزو منذ عهد قريب، وبالتالي فهنّ أجنبيات. تبرز، مواهبهن مع ما يحملنه من أشياء غريبة وكذا خاصيتهم الثقافية. لكن، حتى تصبح الجواري مغنيات، يتحتم عليهن الخضوع لتكوين صعب: فإلى جانب التقنيات الصوتية والآلية، يجدر بهنّ إتقان اللغة العربية وبنائها النحوي المعقد، في أفق تنافسهن مع نجمات محليات مثل الجارية "فضل" باعتبارها النموذج الأعلى الذي يُحتذى به فهي مثال للمغنيات العربيات طيلة قرون: "كان جلدها داكنا، تمتلك معرفة أدبية واسعة "أديبة"، جارية بليغة وصاحبة مهارة رائعة على مستوى الردود السريعة". روايات أخرى، استحضرت قدرتها على تضليل محاوريها من خلال تلاعبها بالكلمات وإذهالهم بتشكلات لسانية غير متوقعة. موهبة، تقدر حتى أيامنا في الأمسيات العربية. "تعتبر "فضل" من بين أجمل مخلوقات الله. كان خطها رائعا، وتفوقت على أقرانها بفصاحتها ما إن تتكلم، ثم تهيء بوضوح دلائلها حينما تنخرط في نقاش...".

    باستثناء صعوبات إتقان اللغة العربية، أمام كل جارية تتوخى اقتفاء نموذج جارية محلية كما هو مثال "فضل"، فأن تكوني أجنبية في بلاط العباسيين لم يشكل قط عائقا. بالطبع شجعت الحضارة الإسلامية التعدد ونظرت إيجابا لكل ما هو أجنبي وكافأت كل من يتكلم لغات مختلفة وتردد على ثقافات شتى. في ظل سلطة العباسيين: ""أتى العلماء والسياسيون والشعراء والمؤلفون من مناطق عديدة. هكذا نعثر إثنيّا على كل الأجناس، البيض، السود وكذا الملونين. أما بخصوص الديانات، فنجد المسلمين إلى جانب اليهود والمسيحيين وكذا الصابئة والزرادشتيين. ثم، بموازاة العربية نسمع الأرمينية والفارسية والتركية. إن استثمار التباينات باعتبارها امتيازات والتعامل مع ما هو أجنبي كلحظة طارئة تتعزز معها المتعة، أعطى لبغداد هذا التنميق الكوني، الذي ضمن لها إشعاعا استمر طيلة قرون"". كتب، جمال الدين بن الشيخ: "بلغ ثمن مغنية متميزة 3000 دينار، وتحددت الأجرة السنوية لشاعر مثل ابن زيدون في 500 دينار. أما، البنّاء فيكتسب درهما واحدا في اليوم. وبدرهم، يمكننا شراء ثلاث كيلوغرامات من الرغيف". وبقدر ما تكون الجارية مهذبة، تسعد أكثر سيدها وتزداد قيمتها. ذلك، ما حدّد أهم مميزات الحريم العباسي أثناء العصر الذهبي. تجار العبيد يدركون نمط النساء القادرات على إرضاء الخلفاء. مثلما هي حالة المأمون، ابن هارون الرشيد وخليفته "لقد سمعت تاجرا للعبيد، يقول ما يلي: أظهرت للمأمون أمَة موهوبة في نظم الشعر والبلاغة، مثقفة جدا، تتقن لعبة الشطرنج، طلبت بخصوصها 1000 دينار. فأجابني، بأنه سيدفع الثمن المطلوب بل وأكثر، إذا استطاعت الرد على قصيدة هجاء ارتجلتها جارية أخرى". كان الخليفة المأمون، يحب خاصة ممارسة لعبة الشطرنج صحبة امرأة قبل توجهه إلى الحرب، بغية شحذ ذهنه، ومنح ذاته اهتزازت "ظنا منه بأن التباري بين لاعبين، لا يمكن أن يصير ملتهبا إلا إذا تداخلت فيه الأجساد والأنفس معا". نعرف، بالتأكيد اليوم مع كل التحاليل التي نتوفر عليها حول الإغراء المذهل للرياضة، وكذا البعد الإيروسي الذي ينطوي عليه التنافس. لكن في حقبة الخليفة المأمون، فمثل هذا المفهوم للعبة الشطرنج يمكنه أن يدهش أكثر من واحد. إن، ما يجذب الخلفاء نحو رغباتهم الشبقية، طبعا، هو استعداد المرأة للمواجهة
    والمنافسة على قدم المساواة، وليس انهزامها وخضوعها القبلي. مادام، أن رباط الحب يشبه عند هؤلاء الخلفاء مجالا للصراع يشكل الارتياب قاعدته الوحيدة التي تدير الصلة بين الأطراف. يصعب إذن، تخيل هؤلاء الخلفاء المبتسمون، ينطقون كلمة "الحريم"، لكن ما يدهشنا شيئا ما، توفر العرب على مائة كلمة تعني "أحبك" بينما لا تتضمن اللغات الأخرى إلا واحدة.
    في القرن الرابع عشر، أخذ الكاتب ابن القيم الجوزية على عاتقه مشقة حساب عدد التعابير العربية التي تشير إلى كلمة "أحبك" ثم استجمعها في عمله "روضة المحبين".

    برؤية بارعة، بيّن ابن القيم الجوزية أن مثل هذا التفتق ليس بالضرورة إشارة جيدة. فالعرب، حسب رأيه، لا تبذل مجهودات كثيرة إلا لتسمية الأشياء المعقدة والصعبة على التناول أو الخطيرة. على كل حال، حينما تتعدد الكلمات لتناول كل تحققات ظاهرة ما، فمن أجل تخليدها. مع ذلك، كثيرة هي الكلمات المحصية التي تحيل على الحب كسبيل إلى الخبل الذهني أو التيهان. نجد كذلك، الحديث عن القفزة في الفراغ "الهوى""2". أيضا، اقتُرن الحب غالبا هنا بالحمق "جنون، ولع..." أو أقصى أنواع المعاناة "حُرقة، شجن...". مع ذلك، فأجمل الاكتشافات التي وقفت عليها بين طيات قائمة الجوزية ـ والتي وجدت فيها عزاء وأعطتني أملا ـ هي التعابير الإيجابية، وقد بينت الحب في صيغة صداقة متميزة، حيث يقودكم الود إلى الحوار "المحبة" وينسج بين الشركاء ألفة عذبة. وخاصة، حسب الجوزية، فإن الإحساس بالحب يفوق مفعولة تأثير الفياغرا "وأضيف أرخص ثمنا" لأنه يبعث فيكم القوة والطاقة. الحب مصدر المقدرة ...، إن مفهوم مألوف لدى الروحيين ولاسيما المتصوفة. لكن أيضا، بالنسبة لنا جميعا أصحاب التطلعات الروحية المتواضعة جدا.

    وفق تصور ابن حزم، رجل سياسة وخبير في القانون الإسلامي خلال القرن الحادي عشر، والذي كرّس دراسة لأسرار العواطف، فإن الحب يعمل على تحويلكم إلى درجة أن يدهشكم ذلك حقا: "إن رجلا عاشقا، سيبلور إمكانياته حتى أقصى الحدود، وبشكل لم يكن يتصوره قبل ذلك "..." في أفق أن يبدو ملائما وتتوجه الرغبة إليه". ثم، يتابع: "كم هي المرات التي نشاهد فيها بخيلا يفتح كيس نقوده، والشرس يبسط حواجبه، والجبان يسرع للمعركة، والأحمق يبوح بكلمة عاقلة، والفظ يتصرف كإنسان نبيل، ثم رث الثياب هو يتقمص دور المتأنقين، والأخرق يصبح دقيقا، والشيخ يستعيد فتوته، أما الورع فيصير سافلا، والخجول يستعرض ذاته، كل تلك الأشياء تحدث بالحب!". ينقلك الحب إلى ما وراء حدودك، نحو آفاق لم تفكر فيها قط. كثيرة، هي كلمات ابن القيم الجوزية التي وصفت الحب باعتباره هياما، خطوة إلى المجهول، مغامرة في أرض غريبة.

    وكما، أن المغامرة مجازفة بالنسبة للجميع، فالأمر يزداد حدة عند الخليفة: لذلك، فإن هارون الرشيد لم يفسح المجال للصدفة كي تصنع له غرامياته. لأنها منظمة ومصممة مثلها مثل المعارك. من أجل اختراق عالم الأحاسيس العاشقة دون تعذيب ولا اضطراب، يجب أن نستبقي للذة منطقة زمان استثنائي، ونتهيأ لها كما نحضر لحفل ديني. لكن، إدراج اللذة في إطار برنامجه المقدس، لا يعني زحلقة يوما أو يومين للراحة أيام سفر مثقل بالأعمال. على النقيض، الأمر يعني فقط تغييرا للأوليات، التخطيط لأسبوعين قصد الاستجمام وربطها عند الاقتضاء بسفر الأعمال. ذلك، ما استوعبته على الأقل، وأنا أدرس كيف كان هارون الرشيد يرتب مجلسه، "لحظة متعته". "2"

    1- يقابله في الإنجليزية fall in love، أما مع الفرنسية فنجد تعبير "Tomber amoureux".
    2 Fatéma Mernissi : le Harem Européen, éditions, le Fennec, 2003, PP 135/146.-

     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  19. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    فاطمة المرنيسي
    توظيف الفكر، كسلاح شهواني

    شهرزاد، اسم امرأة شابة تحكي وقائع، تم تجميعها في عمل، سمي: ألف ليلة وليلة. لا نعرف الشيء الكثير عن أصل هاته الحكايات العجيبة، غير كون الرواة العموميون قصد الترفيه عن المارة في بغداد القرن الوسيط، يروونها بالعربية، حتى وإن وجدنا أصلها من الهند إلى فارس. ابن النديم، أحد المؤرخين العرب القدامى القلائل الذين انتبهوا في ذلك الإبان (القرن 11) إلى تأثيرها على الحشد كانت من القوة، مما حتم على شرطة الخليفة البدء في مراقبة الرواة أثبت بأن «أول من أبدع تلك الحكايات (...) هم فرس الأسرة الحاكمة الأولى (...) ثم قام العرب بترجمتها. أشخاص يتوفرون على موهبة أدبية، أضافوا أخرى جديدة مع صقلهم للقديمة». فتح، حكايات «ألف ليلة وليلة»، يعني الدخول إلى عالم يجهل الحدود والاختلافات الثقافية، من الشاطئ الأطلسي إلى تخوم الصين. الفارسيون مثلا، تحدثوا العربية وحكموا بلدانا غريبة عنهم.

    «شهرزاد» لفظ عربي لكلمتين فارسيتين : شيهرا، ثم زاد، بمعنى «مولود نبيل». زوج السيدة الشابة، الملك شهريار، فارسي أيضا. اسمه اندغام لكلمتي شهر ودار، أي «صاحب المملكة». مع ذلك، تتوجه شهرزاد إلى زوجها بواسطة اللغة العربية كلغة أجنبية وليس الفارسية. وشهريار يحكم شعبا، لم يكن مألوفا بالنسبة إليه، حيث تمتد سلطته إلى «جزر الهند، والهند الصينية». بالرغم، من قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية، تنهض الحكايات على عائق يستحيل تجاوزه : الاختلاف بين الأجناس. أكثر، من حاجز يفصل داخل الحكايات بين الرجال والنساء. إنه هاوية، والرابطة الوحيدة التي توحدهم، الحرب التي يستسلمون لها.
    بالفعل، تنفتح «ألف ليلة وليلة» على حرب قاسية للأجناس، دراما مفعمة بالكراهية والدم، تنتهي مثل حكاية للجنيات Fées، نتيجة المهارة الثاقبة ل شهرزاد وتمكنها من فن التواصل.

    تبدأ التراجيديا، بتاريخ ل شاهزمان أخ شهريار وملك «بلد سمرقند». حين عودته إلى قصره، سيكتشف الملك زوجته بين «أحضان طفل يشتغل في المطبخ». قتل العاشقان، ثم أخذ في معالجة ألمه بالسفر، ووصل على الفور إلى مملكة شهريار، البعيدة جدا عن مشهد الجريمة. ذات صباح جميل، يسير الحزين شاهزمان وسط حدائق حريم أخيه، فإذا به يلقي نظرة خاطفة : «كان يشكو مأساته، متجها بنظره نحو السماء ومسالك الحديقة. فجأة، شاهد انفتاح الباب الخاص لقصر أخيه. ثم ظهرت غزالة صاحبة عينين سوداوتين، إنها سيدة المكان زوجة أخيه. تتبعها عشرين خادمة، عشرة ذوي بشرة بيضاء وعشرة سود يجلسن ويتخلصن من ملابسهن. اكتشف إذن، بأن العبيد الذين تم إحصاؤهم، عشرة نساء بيض وعشرة رجال سود متنكرين في هيئة نساء. ارتمى العبيد السود فوق النساء البيض، وصاحت الملكة: « مسعود مسعود». ظهر عبد أسود فوق الشجرة، قفز إلى الأرض، انقض عليها تم رفع رجليها وانغرز فيها لكي يمارس عليها الجنس. كان مسعود فوق الملكة بينما العبيد السود فوق العبيدات السوداوات، وبقوا على هذا الوضع إلى غاية منتصف النهار. بعد الانتهاء، استعاد العبيد العشرة ملابسهم، وأخذوا من جديد مظهر نساء سوداوات. نط، مسعود من فوق سور الحديقة واختفى، بينما اندست الملكة من الباب الخاص صحبة نسائها ثم أغلقن الباب بعناية».

    تنضاف إلى جانب خيانة المرأة للرجل، خيانة العبد لسيده. على مستوى اللغة العربية، فإن جملة : «كان مسعود فوق السيدة النبيلة (مسعود فوق الست)» تختزل هذه الرابطة القدرية بين الزوجة والعبد، التي هي جوهر الحريم كشكل للتراجيديا. تتحدد الخيانة ببنية الحريم ذاته : إنها التراتبيات والموانع التي يشيدها الرجال من أجل السيطرة على النساء اللواتي يحدثن العصيان ويفرضن قوانينهن. إن مرتكب الخيانة الزوجية، وهو يتصفح عمل «ألف ليلة وليلة» سيفترض وهما آخر يوطد بعده التراجيدي : الموانع التي تقوم حول الحريم هشة وقابلة للاختراق : يكفي أن يتنكر الرجال في شكل نساء كي يصيروا غير مرئيين.

    ماذا فعل شهريار حينما اكتشف جريمة زوجته ؟.. لقد عاقب المجرمين : قتل زوجته وخادمه. بل لم تتوقف رغبته في القتل عند هذا الحد : سيلازم لياليه. كما سيأمر وزيره، بأن يقتاد له عند كل صبيحة عذراء يتزوجها ويقترن بها ليلا. لكن مع الفجر، يقودها إلى الجلاد لينفذ فيها حكم الإعدام : «هكذا سيتواصل الأمر إلى غاية إبادة جميع الفتيات. كل الأمهات تبكين، فتصاعد الضجيج بين الآباء والأمهات...».

    نعاين إذن، منذ بداية «ألف ليلة وليلة» التشابك المعقد بين العنف الجنسي والسياسي. ما بدء قبل ذلك، كحرب بين الأجناس تطور نحو عصيان سياسي ضد الحاكم من قبل الآباء الحزينين على بناتهم.

    لم تبق الآن، إلا عائلة وحيدة في مملكة شهريار تضم فتيات عذراوات. إنها عائلة الوزير الذي كان مكلفا بعمليات القتل، وهو أب لفتاتين تسمى الواحدة شهرزاد والثانية دنيا زاد، لم تصل شهرزاد إلى قصر شهريار إلا سنوات بعد حادث الحديقة. كان أبوها يرفض التضحية بها، لكن شهرزاد ألحت على مواجهة الملك : « أبي، مخاطبة الوزير المنهار، أريد الزواج من الملك شهريار، إما أنجح في تخليص شعبي أو أموت...».

    تحت هذه اليافطة، تمثل الفتاة الشابة التي تسكن خيال الفنانين والمفكرين المسلمين كما سنرى بعد ذلك، وجها للمقاومة والبطولة السياسية. لا تسير شهرزاد بسذاجة نحو الموت، بل لها استراتيجية وتتوفر على برنامج مصمم جيدا. محادثة الملك، إلى غاية أن تتملكه، بحيث لا يمكنه التخلي عنها وكذا صوتها. صار المخطط كما توقعته ثم حافظت شهرزاد على حياتها.

    تقويم اندفاعات المجرم المتهيء لقتلك، وأنت تروي له حكايات، يعتبر انتصارا هائلا. لكي تنجح شهرزاد، يجب أن تضع على التوالي ثلاث استراتيجيات ناجحة. أولا، معارفها الواسعة، ثانيا، موهبتها في خلق التشويق بطريقة تشد معها انتباه القاتل. ثالثا، برودة دمها بحيث تسيطر على الموقف بالرغم من الخوف.

    الامتياز الأول، ذو طبيعة ذهنية : تلقت شهرزاد تربية أميرية، تجلت ثقافتها الموسوعية منذ الصفحات الأولى من الكتاب : «قرأت شهرزاد مؤلفات في الأدب والفلسفة والطب. لا تنطوي القصيدة بالنسبة لها على أسرار، فقد درست النصوص التاريخية وبإمكانها الاستشهاد بالوقائع المثيرة للأوطان الغابرة والحكي عن أساطير الملوك القدامى. كانت شهرزاد ذكية عالمة، حكيمة ومهذبة. قرأت وتعلمت كثيرا». لكن العلم وحده غير كاف لإعطاء المرأة سلطة على الرجل : انظروا إلى هؤلاء الباحثات المعاصرات عندنا، إنهن متعددات ولامعات سواء في المشرق أو المغرب : لكنهن عاجزات عن تغيير غرائز الموت عند شهريار العصر الحالي... من هنا فائدة القيام بتحليل يقظ، للكيفية التي خططت بها شهرزاد لنجاحاتها.

    الامتياز الثاني لبطلتنا، يحمل طبيعة نفسية، فهي تتقن اختيار كلماتها لكي تؤثر في أقصى عمق فكر المجرم. إن التسلح بوسيلة وحيدة مثل الكلام للدخول في صراع مميت، يمثل اختيارا ينطوي على جرأة نادرة. إذا كان هناك من حظ للضحية كي ينتصر، فمن اللازم بالنسبة إليه فهم دوافع المهاجم واكتشاف قصدياته ثم إبطال الهجومات بالحدس كما هو الحال مع لعبة الشطرنج. الاختيار الذي سلكته شهرزاد أكثر صعوبة، بحيث يبقى أولا، الملك العدو صامتا. على امتداد ستة أشهر الأولى، اكتفى بالاستماع إلى ضحيته دون النطق بأية كلمة. أما شهرزاد فلا يمكنها حدس مشاعره إلا بناء على إيماءات وجهه وجسده. كيف يمكن لها في إطار هاته الشروط، أن تعثر على الشجاعة لمواصلة الحكي وحدها طيلة الليل ؟ كيف تتجنب الخطأ النفسي والخطوة الخاطئة القاتلة ؟ لذلك، مثل صاحب مخطط يستخدم معارفه في أفق توقع ردود فعل الخصم وتمثل تكتيكاته. كان، من الضروري بالنسبة لشهرزاد أن تكتشف باستمرار ما يدور في فكر شهريار، تبين ما سيحدث بعد ذلك بدقة كبيرة، فابسط خطأ يعتبر مميتا.

    أيضا، يفضي الامتياز الأخير للمناضلة الشابة على الأقل، الاحتفاظ بوضوح الأفكار ومواصلة اللعبة عوض الخضوع للخصم. ستنقد شهرزاد إذن ذاتها اعتمادا على ذكائها وخاصياتها الدماغية التي تتميز بقوة هائلة على التخطيط. ستوظف نفس أسلحة الإغواءات الهوليودية أو جواري ماتيس Matisse. تدحرج، بشبق جسدها العاري فوق سرير الملك، وإلا فستموت.

    لا يفتقر هذا الرجل للجنس بل يعاني من تحقير حاد للذات نتيجة تعرضه للخيانة. ما يحتاجه الملك، علاجا نفسيا يساعده على أن يعيش ثانية المأساة التي تنخره ثم يتحرر منها، وهو بالضبط ما شرعت شهرزاد القيام به وذلك بجرأة نادرة. كانت تروي له مئات الحكايات التي تكرر بشكل لا نهائي نفس الحبكة، مثل هلوسة : رجال يتعرضون للخيانة من طرف نسائهم. ثم لكي تشجع شهريار على النظر بنسبية إلى مأساته، فإنها تورد حالة الجن، تلك الكائنات اللاأرضية التي من المفروض أنها لا تنهزم، فقد خدعتها النساء وهم يتسلون بحجزهن. جرأة الكلام مع رجل عنيف قصد مداواته من جرح يتآكله، يعتبر بالتأكيد تهورا ينبني على استراتيجية دفعت مجموعة من المفكرين، كي يكتشفوا في شهرزاد، امرأة محرضة على التمرد، محفزة المستضعفين على العصيان.

    لاحظ جمال الدين بن الشيخ، أحد أفضل المختصين في الحكايات، بأن شهرزاد لم تنكر لحظة من اللحظات وجود القائد، رغبة النساء لتعطيل إرادة الرجل. هذا ما يفسر سبب رفض النخبة العربية تدوين الحكايات : ((الراوية التي تتوخى الحصول على رأفة الملك المخدوع من قبل زوجته، ستوظف كل خيالها المبدع، لتنسج وقائع تؤكد عدم ثقة هذا الأخير في النساء)). تنطوي الحكايات بالفعل على توضيحات لمزاج نساء الحريم، غير القابل للضبط. سيظهر مع الواحدة بعد الأخرى، إلى أي حد عدم واقعية، توقع رؤيتهن يخضعن لقواعد اللامساواة التي تفرض كقانون. بإمكان الرجال ، قراءة المصير التراجيدي الذي ينتظر كل واحد منهم. يكتب بن الشيخ : «نعرف بأن رعب الخيانة هذا، يغوص بجذوره إلى أكثر الثقافات قدما من ثقافتنا، معبرة عنه دائما بنفس الطريقة تقريبا... . لكننا في هذه الحالة، نشتغل على نص مكتوب بالعربية...». ولأن العربية، تمثل لغة الكتاب المقدس، أي اللغة التي نزل بها القرآن ! فإن تدوين الحكايات بالعربية، يعني منحها معقولية خطيرة، هذا ما يفسر عنده إدانة النخب العربية الذكورية للحكايات طيلة قرون والاقتصار على تداولها شفويا. إن رفض المثقفين العرب المتنفدين، الترخيص لتدوين الحكايات وضعها داخل سياق الدونية، أمام الأوربيين الذين أعطوها امتيازا بترجمتها ابتداء من سنة 1704 (الترجمة الفرنسية ل Galland). بينما، لم تظهر أول طبعة عربية إلا قرنا بعد ذلك، وبالضبط سنة 1814، كما أن لا أحد من الناشرين ل «ألف ليلة وليلة» كان عربيا.

    صدرت الطبع العربية الأولى، ب كالكوتا Calcutta سنة 1814 من قبل هندي مسلم اسمه «الشيخ أحمد الشيراواني»، أستاذ العربية ب كوليج وليام الرابع. أما الثانية، فقد أنجزها «ماكسيميليان هابيش Maximilan Habicht ب بروسلو Breslau، ألمانيا سنة 1824. عشر سنوات، بعد ذلك، سيأخذ العرب المبادرة أخيرا، بالعمل على تسويق النسخة المصرية ل بولاق التي طبعت بالقاهرة سنة 1834. من المهم، الإشارة إلى أن الطبعة العربية الأولى ل «ألف ليلة وليلة» تبين الحاجة لتصحيح نسخة بولاق : « تحسين اللغة بطريقة تنتج عملا ذا قيمة أدبية أعلى من النسخة الأصلية».

    بإمكاننا التساؤل عن السبب الذي استندت إليه النخب، كي ترفض تدوين الحكايات ؟ ما هي الجريمة الأساسية التي اتهمت بها شهرزاد ؟ هل الأسباب سياسية أو دينية كما يحدث حاليا في إيران أو العربية السعودية، بمنع الكتب ؟ يظهر بأن العامل الأول الذي تم استحضاره هنا، أدبي بالأساس دون أي مضمون سياسي : لقد كانت النصوص ذات قيمة ضعيفة.

    لاحظ «بن الشيخ» مستوى الخرافة الذي وضعت في إطاره الحكايات (مما يعني تقريبا «هذيان فكر مختل») لكن وراء هذا البرهان الأدبي، يتحدد منتهى الجبل الجليدي السياسي : رفضت النخبة إخراج الحكايات لأنها تترجم مشاغل ورأي القوى الشعبية. هذه الجزئية الصغيرة، تجعلنا نستشف انفصاما ضخما : ألا يجسد الإرث الإسلامي المدون فكر النخبة ؟ ألا ترسم الشفاهية في جوف هذا الإرث فتحة واسعة وفراغا علينا الاهتمام به ؟ هذا التطابق بين الشفاهية والإقصاء، قاد بن الشيخ للتساؤل، إذا كان في الواقع رفض تدوين الحكايات كتابة يتأتى من كون النساء يظهرن فيها أكثر براعة من الرجال. بناء على منطق «ألف ليلة وليلة»، فإن القاضي «شهريار»كما لاحظ «بن الشيخ» كان مخطئا، بينما الصواب إلى جانب المتهمة (شهرزاد) : «لم يحاكم الملك فقط من قبل شهرزاد، لكنها أيضا تدينه حتى يغير طريقته في العيش وفق نزواته، إنه العالم معكوس. عالم، لا ينفلت فيه القاضي من عدالة ضحيته». عالم ، حيث القواعد هي قواعد الليل : شهرزاد صامتة طيلة اليوم، غير مرخص لها بالتكلم إلا بعد غروب الشمس، حينما يلتحق بها الملك للاستماع إليها وهو على فراشه. تتذكرون الجملة المقتضبة التي تنهي كل حكاية : «وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح».

    هكذا، يقلب الأثر الحاسم للحكايات التي تتداعى في الظلام، قوانين محكمة الملك، الذي يبدو بأنه ليس شيئا آخر غير سراب، سريع الاندثار مثل ضوء النهار. بالفعل، يتخلى الملك عن اعتدائه المرعب، ويخضع لتأثير نافذ من قبل شهرزاد، مقرا بعدم صوابه حينما يسقط غضبه على النساء، «آه شهرزاد، جعلتني أزهد في ملكي، والتحسر على ماضي العنيف اتجاه النساء، وكذا أفعالي القاتلة ضد الفتيات الصغيرات».

    بالتالي، سيقر المستبد بتغير مفهومه عن العالم، بعد حواره الطويل مع زوجته. اعتراف، قاد مجموعة من الكتاب العرب في القرن العشرين، لكي ينسبوا إلى شهرزاد خاصة والنساء عامة سلطة مدنية. المفكر المصري اللامع طه حسين، أطلق نداء إلى المستقبل : لكي تستعيد مواقف الرجال حب امرأة، فمن الضروري أن تستند على السلم والهدوء بدلا من العنف. في كتابه المعنون ب : أحلام شهرزاد، الصادر سنة 1943، جعل من الحاكية الناطق الرسمي باسم الأبرياء الذين زج بهم في عذاب الحرب العالمية. حرب أشعلتها أوروبا، ولم تكتو بنارها فقط الشعوب العربية بل شملت كل الكون. تجسد شهريار عند طه حسين، نزوة الموت عند الإنسان المبهمة، والمأساوية. لم يفهم، الملك بأن سجينته مؤتمنة على سر نفيس جدا، إلا بعد سماعه لها لسنوات طويلة. من الضروري أن يكتشف هذا السر، لكي يدرك أخيرا النضج العاطفي والرصانة :
    «شهريار :
    من أنت وماذا تريدين ؟
    شهرزاد :
    أنا شهرزاد، كنت مرعوبة طيلة سنوات، ثم منحتك لذة الاستماع إلى حكاياتي. حاليا، اقتحمت مرحلة جديدة، قد أمنحك حبي لأنني انهزمت جراء الرعب الذي ألهمتني إياه. ماذا أريد ؟ أسعى، لكي يتذوق أخيرا سيدي الملك السكينة، ويحس ببهجة الحياة في عالم يخلو من كل قلق».

    حسب طه حسين، يتجلى الخلاص حينما يبدأ الحوار بين الطاغية والمظلوم، القوي والضعيف. لا يمكن للحضارة أن تزدهر حقا، إلا إذا تعود الرجال على إقامة حوار مع الكائنات الأكثر اقترابا منهم، النساء اللواتي يقتسمن معهم الفراش. بالتالي، هل بعث ثانية، طه حسين الضرير، المعاق والعاجز عن القيام بالحرب تماما مثل المرأة مضمون الرسالة كما تضمنته حكاية شهرزاد القروسطية : يوجد رباط بين الإنسانية وحرية المرأة. لذلك، فإن كل عمل يتأمل الحداثة داخل العالم الإسلامي المعاصر، يؤخذ كسلاح ضد العنف، الاستبداد. ويكتسي أيضا، صيغة دفاع عن النسوية.

    بالنسبة لزعيم مسلم إصلاحي، كما هو الأمر مع الرئيس الإيراني خاتمي، المنتخب في الاقتراع المباشر لسنة 1997 ب 70 من الأصوات، نتيجة تصويت النساء. فمن البديهي لكي يصارع ضد المحافظين، أن يحث النساء على ولوج مواقع السلطة. ثم دعما لموقفه قصد هزم معارضيه في انتخابات يونيو 2001 ( %77 من الأصوات)، قام خاتمي بعملين عضد بواسطتهما مسار الديموقراطية. أولا، شجع النساء على المساهمة في انتخابات المجالس البلدية سواء في القرى الصغيرة أو المدن الكبرى، هكذا انتخبت 781 من بينهن. بعدها، دفع النساء لكي يشغلن وظائف مراكز القرار في دواليب الجامعة، بحيث أحرزن على %60 منها قبل ولايته الثانية. بشكل مفارق، فإن قرار ارتداء الحجاب الذي أعطاه آية الله الخميني إلى النساء سنة 1979 لإخفاء التعددية داخل الأمة الإسلامية، دفعهن للرجوع بقوة إلى المشهد السياسي بعد عقد من الزمان. مثلما في هاته الأحلام المتكررة بشكل لا نهائي، يعاد ثانية في كل مكان بالعالم الإسلامي، إنتاج السيناريو الإيراني المرتبط بالصلة الحتمية بين الديمقراطية وتأنيث السلطة. أن تذهبوا إلى الجزائر، تركيا، أفغانستان أو أندونيسيا، ستلاحظون وأنتم تنتقلون من قناة تلفزية إلى أخرى، بأن السجال حول الديموقراطية يقود حتما إلى سجال آخر يتعلق بالمرأة والعكس صحيح. هذا التداخل المثير، الذي يجمع بين التعددية والنسوية داخل العالم المضطرب للإسلام الحالي، تجسد قبل ذلك مع تاريخ شهرزاد وشهريار. لقد انتهى شهريار في ألف ليلة وليلة، بالتوصل إلى أن الرجل ملزم بتوظيف الكلام بدلا من القوة لتسوية نزاع ما. في صراع شهرزاد من أجل البقاء والحرية، فإنها لا تقود جيوشا ولكن مجموعة كلمات. بالتالي، يمكن اعتبار الحكايات مثل أسطورة متحضرة لازالت راهنية جدا. تتغنى «ألف ليلة وليلة»، بانتصار العقل على العنف. قادني هذا التأمل، لكي أعود إلى نقطة تتناقض كليا مع صورة شهرزاد في الغرب وكذا نسختها الهوليودية : في الشرق، المرأة التي لا تستعمل غير جسدها أي جسدها دون دماغها هي بالضرورة عاجزة عن تغيير وضعيتها. أخفقت إذن الزوجة الأولى للملك على نحو محزن، لأنها حينما سمحت لخادمها كي يمتطي فوقها، اختزلت ثورتها في الجسد. الخيانة الزوجية بالنسبة للمرأة، فخّ انتحاري. على العكس، نتعلم من نموذج شهرزاد إمكانية قيام المرأة بتمرد فعال، شريطة التفكير. ستساعد الرجل بقوة ذكائها، للتخلص من رغبته النرجسية إلى ارتباط بسيط. يبين التاريخ ضرورة، أن نقابل اختلافنا مع اختلاف الآخر، حتى يتأسس الحوار ثم نكتشف ونحترم الحدود التي تفصلنا. تثمين، حوار في كل جزئياته، يعني تقدير معركة تكون نتيجتها غير مضمونة، بحيث لا نعرف سابقا الغالب والمغلوب، لكن الانخراط في معركة كتلك تمثل موقفا يضع رجلا داخل وضعية تتميز بعدم الاستقرار، بعد أن اعتاد على أخرى مريحة حينما كان مستبدا.

    عبد السلام الشدادي، مؤرخ مغربي وأحد أدق الباحثين في الإسلام المعاصر، يختزل رسالة «ألف ليلة وليلة» بقوله: «اجتهد شهريار حتى يكتشف فكرة استحالة إلزام المرأة، للامتثال للقاعدة الزوجية». ثم، يضيف بقدر ثورية هاته الفكرة، فإنها أقل من الرسالة الثانية للحكايات : إذا أقررنا بأن اللقاء بين شهريار وشهرزاد، صورة للصراع الكوني الذي يتعارض في إطاره النهار (تمثيل ذكوري لنظام موضوعي) مع الليل (تمثيل أنثوي لنظام ذاتي)، بقاء الزوجة، يخلق لدى الرجل المسلم ارتيابا غير قابل للتحمل تقريبا: ما هي إذن نتيجة المعركة؟ يكتب الشدادي: «حينما يحافظ الملك على حياة شهرزاد فهو ينتهك القاعدة التي وضعها. عمل شهريار بالفعل، وضد كل انتظار، على كبح ذاته مانحا شهرزاد الحق في الحياة والكلام ثم النجاح، «تتوازن القاعدة والرغبة ، حيث يلامسان نوعا من السكون المتقلب، دون التمكن من القول بأن أحدهما سيستعيد أم لا حركته الأصلية». ما إن يغلق الرجل المسلم، الصفحة الأخيرة من الحكايات إلا ويحصل عنده اليقين بشيء واحد : الحرب بين الأجناس في نطاق تجسيدها للحرب بين العقل والعاطفة، تعتبر لا نهائية.

    التعارض حسب «الشدادي» بين الملك والراوية له أهمية أخرى : إنه يعكس ويوسع النزاع الحاد الذي يفصل في الثقافة الإسلامية بين التقليد الشرعي والخيال. غلبة شهرزاد هو انتصار للخيال (الوهم)، على مشروعية حراس الحقيقة (الصدق).

    يتحدث الشدادي عن مصير الحكواتيين المأساوي. رواة الشارع هؤلاء، حيث يشكل سلمان رشدي أحد ورثتهم في الزمان الحالي، اعتبروا عادة في بغداد القرن الوسيط، كمتمردين مفترضين ومثيرين للقلاقل. كما هو الأمر اليوم، مع صحافيي اليسار الخاضعين للمراقبة، فقد كان هناك سعي قصد منع هؤلاء الحكواتيين من مخاطبة الجمهور. أشار المؤرخ الطبري، في تاريخه عن الأوطان والملوك، أنه سنة 279 هجرية (القرن العاشر ميلادي): «أعطى السلطان أمره، لإخبار سكان مدينة السلم (أحد أسماء بغداد)، بعدم الترخيص لأي حكواتي كي يستقر في الشارع أو المسجد الكبير». إذا طرد الحكواتيين من المسجد يفسر الشدادي، فذلك لصعوبة القيام بتمييز واضح بين خيالهم والحقيقة. الطرد، وسيلة القصر الوحيدة لإسكات صوت هؤلاء المبدعون الخطيرون : «مع بداية النصف الثاني من القرن الهجري الأول (القرن السابع الميلادي). قام علي (الخليفة الرابع العقائدي) بمنع رواة الشارع من دخول مسجد البصرة. بالتأكيد، لن تتوقف مضايقة الحكواتيين، إلا بإنهاء الرابطة المهنية... وتعويضهم بالوعاظ. لقد كانت الوسيلة الوحيدة، من أجل تأسيس واضح للحد الفاصل بين ما يمكن اعتباره حقيقيا وصادقا ثم ما ينتمي إلى عالم الخيال والخطأ وكذا الزيف».

    لكي تخلخل أكثر العقول المتزمتة القديمة منها والمعاصرة، فإن شهرزاد تتوفر على سمة الإزعاج إلى أبعد حد. يعيد الشدادي التذكير بها : «مع أول ظهور لها في الكتاب، تكشف عن مواهب سلطة دينية إسلامية، «فقيه» بالمعنى المتكامل وصاحبة موقع حصين». لا تتضمن معارفها اللانهائية ضبطا فقط للتاريخ، لكن أيضا الأدب المقدس من قرآن وشريعة وكذا مختلف التأويلات الدينية للمدارس الفكرية. تداخل عجيب بين ثقافة علمية جدا وخطاب ينحصر ظاهريا في عالم الخيال والليل. تمازج، جعل شهرزاد متهمة كثيرا، مما يفسر رفض النخب العربية تصنيفها ضمن الإرث المكتوب. تشير «ألف ليلة وليلة» إلى الخطر المحدق بطبقة الخاصة حينما تستمع للعامة. هذا الشعب الصارخ والقوى الأمية، تكرر لمن يريد الاستماع إليها بأن الطبقية، اللامساواة، والتفضيلات، تشكل أعداء لها.

    أليس من الغريب، أن راوية متخيلة في القرن IX، تحتل من جديد مكانا مركزيا. بين ثنايا المشهد الفكري الإسلامي المعاصر، باعتبارها رمزا للصراع الديموقراطي ؟ هذا، لأنها عرفت قبل ذلك في بغداد العباسيين، كيفية التشكيل الواضح للأسئلة الفلسفية والسياسية الجوهرية، عجز حتى الآن زعمائنا السياسيين المعاصرين عن الإجابة عنها : هل يجب الخضوع لقاعدة جائرة فقط لأنها كتبت من قبل الرجال ؟ إذا كانت الحقيقة بهاته البداهة، فلماذا لا نترك الوهم والخيال المبدع كي ينموان ؟ معجزة المشرق، أن ذكاء شهرزاد الثاقب واهتمامها بالقضايا السياسية والفلسفية، جعل منها مغرية ومدمرة بشكل مريع.

    تعود أصلا قوتها الإقناعية إلى ثقتها في الذات، بسبب هذا المعطى الذي يمثل فن جوهر التواصل، فإن شهرزاد مدهشة. لا تصرخ حينما ينتابها الخوف، فهي لا تبدد طاقتها. توظف الصمت لمعرفة نوايا خصمها وتحديد نقطة ضعفه، وعلى ضوء ذلك توطد استراتيجيتها المضادة. إنها، متيقنة بكونها شخصية رائعة، تتوفر على ذكاء مذهل. لو ظنت نفسها حمقاء، سيقطع الملك رأسها. تؤمن كثيرا بقدرة الكائن الإنساني على تغيير مصيره. السحر فينا، تلك هي دعوة شهرزاد. نأتي إلى العالم، ونحن مسلحين جدا للدفاع عن أنفسنا : دماغنا سلاح لا يقهر. احترام الذات سر النجاح، ذاك هو مصدر افتتان المسلمين ب شهرزاد، الأمس مثل اليوم وسواء كانوا رجالا أو نساء. من هنا، قيمة تأويل ما يحدث لها حينما تعبر الحدود اتجاه الغرب.
    هل ستمر تلك الملكة بسلاح الفصاحة أم ستفقد لسانها عند الحدود ؟ شيء يقيني : نعرف بالتأكيد رحيلها إلى الغرب، ووصولها باريس سنة 1704.

    هامش:
    1 Fatéma Mernissi : le Harem européen. Editions le Fennec, 2003, PP : 59-76.
     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
  20. نقوس المهدي

    نقوس المهدي مشرف مختارات طاقم الإدارة

    فاطمة المرنيسي
    شهرزاد المرأة التي تنيم شهريار بالحكايات


    ترجمة: سعيد بوخليط

    شهرزاد، اسم امرأة شابة تحكي وقائع، تم تجميعها في عمل، سمي: ألف ليلة وليلة. لا نعرف الشيء الكثير عن أصل هاته الحكايات العجيبة، غير كون الرواة العموميين، قصد الترفيه عن المارة في بغداد القرن الوسيط، يروونها بالعربية، حتى وإن وجدنا أصلها من الهند إلى فارس. ابن النديم، أحد المؤرخين العرب القدامى القلائل الذين انتبهوا في ذلك الإبان (القرن 11) إلى تأثيرها على الحشد كانت من القوة، مما حتم على شرطة الخليفة البدء في مراقبة الرواة أثبت بأن «أول من أبدع تلك الحكايات (...) هم فرس الأسرة الحاكمة الأولى (...) ثم قام العرب بترجمتها. أشخاص يتوفرون على موهبة أدبية، أضافوا أخرى جديدة مع صقلهم للقديمة». فتح، حكايات «ألف ليلة وليلة»، يعني الدخول إلى عالم يجهل الحدود والاختلافات الثقافية، من الشاطئ الأطلسي إلى تخوم الصين. الفارسيون مثلا، تحدثوا العربية وحكموا بلدانا غريبة عنهم.
    «شهرزاد» لفظ عربي لكلمتين فارسيتين: شيهرا، ثم زاد، بمعنى «مولود نبيل». زوج السيدة الشابة، الملك شهريار، فارسي أيضا. اسمه اندغام لكلمتي شهر ودار، أي «صاحب المملكة». مع ذلك، تتوجه شهرزاد إلى زوجها بواسطة اللغة العربية كلغة أجنبية وليس الفارسية. وشهريار يحكم شعبا، لم يكن مألوفا بالنسبة إليه، حيث تمتد سلطته إلى «جزر الهند، والهند الصينية». بالرغم، من قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية، تنهض الحكايات على عائق يستحيل تجاوزه: الاختلاف بين الأجناس. أكثر، من حاجز يفصل داخل الحكايات بين الرجال والنساء. إنه هاوية، والرابطة الوحيدة التي توحدهم، الحرب التي يستسلمون لها.
    بالفعل، تنفتح «ألف ليلة وليلة» على حرب قاسية للأجناس، دراما مفعمة بالكراهية والدم، تنتهي مثل حكاية للجنيات Fées، نتيجة المهارة الثاقبة لشهرزاد وتمكنها من فن التواصل.
    تبدأ التراجيديا، بتاريخ لشاهزمان أخ شهريار وملك «بلد سمرقند». حين عودته إلى قصره، سيكتشف الملك زوجته بين «أحضان طفل يشتغل في المطبخ». قتل العاشقين، ثم أخذ في معالجة ألمه بالسفر، ووصل على الفور إلى مملكة شهريار، البعيدة جدا عن مشهد الجريمة. ذات صباح جميل، يسير الحزين شاهزمان وسط حدائق حريم أخيه، فإذا به يلقي نظرة خاطفة: «كان يشكو مأساته، متجها بنظره نحو السماء ومسالك الحديقة. فجأة، شاهد انفتاح الباب الخاص لقصر أخيه. ثم ظهرت غزالة صاحبة عينين سوداوتين، إنها سيدة المكان زوجة أخيه. تتبعها عشرون خادمة، عشرة ذوات بشرة بيضاء وعشر سود يجلسن ويتخلصن من ملابسهن. اكتشف إذن، بأن العبيد الذين تم إحصاؤهم، عشر نساء بيض وعشرة رجال سود متنكرين في هيئة نساء. ارتمى العبيد السود فوق النساء البيض، وصاحت الملكة: «مسعود مسعود». ظهر عبد أسود فوق الشجرة، قفز إلى الأرض، انقض عليها تم رفع رجليها وانغرز فيها لكي يمارس عليها الجنس. كان مسعود فوق الملكة بينما العبيد السود فوق العبيدات السوداوات، وبقوا على هذا الوضع إلى غاية منتصف النهار. بعد الانتهاء، استعاد العبيد العشرة ملابسهم، وأخذوا من جديد مظهر نساء سوداوات. نط، مسعود من فوق سور الحديقة واختفى، بينما اندست الملكة من الباب الخاص صحبة نسائها ثم أغلقن الباب بعناية».
    تنضاف إلى جانب خيانة المرأة للرجل، خيانة العبد لسيده. على مستوى اللغة العربية، فإن جملة: «كان مسعود فوق السيدة النبيلة (مسعود فوق الست)» تختزل هذه الرابطة القدرية بين الزوجة والعبد، التي هي جوهر الحريم كشكل للتراجيديا. تتحدد الخيانة ببنية الحريم ذاته: إنها التراتبيات والموانع التي يشيدها الرجال من أجل السيطرة على النساء اللواتي يحدثن العصيان ويفرضن قوانينهن. إن مرتكب الخيانة الزوجية، وهو يتصفح عمل «ألف ليلة وليلة» سيفترض وهما آخر يوطد بعده التراجيدي: الموانع التي تقوم حول الحريم هشة وقابلة للاختراق: يكفي أن يتنكر الرجال في شكل نساء كي يصيروا غير مرئيين.
    ماذا فعل شهريار حينما اكتشف جريمة زوجته؟ لقد عاقب المجرمين: قتل زوجته وخادمه. بل لم تتوقف رغبته في القتل عند هذا الحد: سيلازم لياليه. كما سيأمر وزيره، بأن يقتاد له عند كل صبيحة عذراء يتزوجها ويقترن بها ليلا. لكن مع الفجر، يقودها إلى الجلاد لينفذ فيها حكم الإعدام: «هكذا سيتواصل الأمر إلى غاية إبادة جميع الفتيات. كل الأمهات تبكين، فتصاعد الضجيج بين الآباء والأمهات...».
    نعاين إذن، منذ بداية «ألف ليلة وليلة»، التشابك المعقد بين العنف الجنسي والسياسي. ما بدأ قبل ذلك، كحرب بين الأجناس تطور نحو عصيان سياسي ضد الحاكم من قبل الآباء الحزينين على بناتهم.
    لم تبق الآن، إلا عائلة وحيدة في مملكة شهريار تضم فتيات عذراوات. إنها عائلة الوزير الذي كان مكلفا بعمليات القتل، وهو أب لفتاتين تسمى الواحدة شهرزاد والثانية دنيا زاد، لم تصل شهرزاد إلى قصر شهريار إلا سنوات بعد حادث الحديقة. كان أبوها يرفض التضحية بها، لكن شهرزاد ألحت على مواجهة الملك: «أبي، مخاطبة الوزير المنهار، أريد الزواج من الملك شهريار، إما أنجح في تخليص شعبي أو أموت...».
    تحت هذه اليافطة، تمثل الفتاة الشابة التي تسكن خيال الفنانين والمفكرين المسلمين كما سنرى بعد ذلك، وجها للمقاومة والبطولة السياسية. لا تسير شهرزاد بسذاجة نحو الموت، بل لها استراتيجية وتتوفر على برنامج مصمم جيدا. محادثة الملك، إلى غاية أن تتملكه، بحيث لا يمكنه التخلي عنها وكذا صوتها. صار المخطط كما توقعته ثم حافظت شهرزاد على حياتها. تقويم اندفاعات المجرم المتهيئ لقتلك، وأنت تروي له حكايات، يعتبر انتصارا هائلا. لكي تنجح شهرزاد يجب أن تضع على التوالي ثلاث استراتيجيات ناجحة. أولا، معارفها الواسعة، ثانيا، موهبتها في خلق التشويق بطريقة تشد معها انتباه القاتل. ثالثا، برودة دمها بحيث تسيطر على الموقف بالرغم من الخوف.
    الامتياز الأول، ذو طبيعة ذهنية: تلقت شهرزاد تربية أميرية، تجلت ثقافتها الموسوعية منذ الصفحات الأولى من الكتاب: «قرأت شهرزاد مؤلفات في الأدب والفلسفة والطب. لا تنطوي القصيدة بالنسبة إليها على أسرار، فقد درست النصوص التاريخية وبإمكانها الاستشهاد بالوقائع المثيرة للأوطان الغابرة والحكي عن أساطير الملوك القدامى. كانت شهرزاد ذكية عالمة، حكيمة ومهذبة. قرأت وتعلمت كثيرا». لكن العلم وحده غير كاف لإعطاء المرأة سلطة على الرجل: انظروا إلى هؤلاء الباحثات المعاصرات عندنا، إنهن متعددات ولامعات سواء في المشرق أو المغرب: لكنهن عاجزات عن تغيير غرائز الموت عند شهريار العصر الحالي... من هنا فائدة القيام بتحليل يقظ، للكيفية التي خططت بها شهرزاد لنجاحاتها. الامتياز الثاني لبطلتنا يحمل طبيعة نفسية، فهي تتقن اختيار كلماتها لكي تؤثر في أقصى عمق فكر المجرم. إن التسلح بوسيلة وحيدة مثل الكلام للدخول في صراع مميت، يمثل اختيارا ينطوي على جرأة نادرة. إذا كان هناك من حظ للضحية كي ينتصر، فمن اللازم بالنسبة إليه فهم دوافع المهاجم واكتشاف قصدياته ثم إبطال الهجومات بالحدس كما هو الحال مع لعبة الشطرنج. الاختيار الذي سلكته شهرزاد أكثر صعوبة، بحيث يبقى أولا، الملك العدو صامتا. على امتداد ستة أشهر الأولى، اكتفى بالاستماع إلى ضحيته دون النطق بأية كلمة. أما شهرزاد فلا يمكنها حدس مشاعره إلا بناء على إيماءات وجهه وجسده. كيف يمكن لها، في إطار هاته الشروط، أن تعثر على الشجاعة لمواصلة الحكي وحدها طيلة الليل؟ كيف تتجنب الخطأ النفسي والخطوة الخاطئة القاتلة؟ لذلك، مثل صاحب مخطط يستخدم معارفه في أفق توقع ردود فعل الخصم وتمثل تكتيكاته. كان، من الضروري بالنسبة إلى شهرزاد أن تكتشف باستمرار ما يدور في فكر شهريار، تبين ما سيحدث بعد ذلك بدقة كبيرة، فأبسط خطأ يعتبر مميتا. أيضا، يفضي الامتياز الأخير للمناضلة الشابة على الأقل، الاحتفاظ بوضوح الأفكار ومواصلة اللعبة عوض الخضوع للخصم. ستنقذ شهرزاد إذن ذاتها اعتمادا على ذكائها وخاصياتها الدماغية التي تتميز بقوة هائلة على التخطيط. ستوظف نفس أسلحة الإغواءات الهوليودية أو جواري ماتيس Matisse. تدحرج، بشبق جسدها العاري فوق سرير الملك، وإلا فستموت.

     
    آخر تعديل: ‏9/5/14
تم حفظ المسودة تم حذف المسودة

مشاركة هذه الصفحة